تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامةصفحات 261-300
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 261-300
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
عدد الأجزاء
5 [الكتاب مرقم آليا]

الشيخ: هذا الحديث في حكم التنفل في مصلى العيد المؤلف رحمه الله قال لا يتنفل وكلمة لا يتنفل يحتمل أن تكون للتحريم ويحتمل أن تكون للكراهة لكن الظاهر أن مراده الكراهة وما استدل به على الكراهة لا يدل عليها في الواقع كون الرسول لم يفعل يدل على أن الفعل ليس بسنة لكن لا يدل على أن الفعل مكروه وفرق بين أن نقول الفعل ليس بسنة أو أن نقول الفعل مكروه والذي يظهر أنه لا دلالة في الحديث اطلاقاً على ما ذهب إليه المؤلف لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ قبلهما حيث أنه شرع في الصلاة فلا حاجة أن يصلي قبلهما ولا بعدهما لأنه لما انتهت الخطبة انصرف ولهذا نقول إن الإنسان إذا دخل إلى مصلى العيد فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين إن كان بعد ارتفاع الشمس قيد رمح فقد زال وقت النهي ولا إشكال وإن كان قبل ذلك فوقت النهي باق لكن القول الراجح أن ما كان له سبب من التطوع فإنه لا ينهى عنه وقد سبق بحث هذه المسألة وعلى هذا فنقول من جاء إلى مصلى العيد قبل طلوع الشمس أو بعد طلوع الشمس فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين صحيح أنه إذا صلى ركعتين تحية المسجد فإنه لا يسن أن يتنفل يعني لا نقول قم صلِّ حتى يحضر الإمام كما نقول ذلك في صلاة الجمعة بل نقول اقتصر على تحية المسجد وأما بعد الرجوع فإن صح حديث ابن ماجة هذا فهو ظاهر أنه يصلي ركعتين وإن لم يصح فالظاهر والله أعلم أن الرسول صلى ركعتي الضحى لأنه أحياناً يصلي ركعتي الضحى.

فصل فيمن فاته بعض التكبيرات

القارئ: ومن سبق بالتكبير أو ببعضه لم يقضه لأنه سنة فات محلها وقال ابن عقيل يأتي به لأن محله القيام وقد أدركه وإن أدركه في الركوع تبعه ولم يقض التكبير وجهاً واحدا وإن أدركه في التشهد قام إذا سلم الإمام فقضى ركعتين يكبر فيهما وإن أدركه في الخطبة استمع ثم قضى الصلاة إن أحب وفي صفة القضاء ثلاث روايات إحداهن يقضيها على صفتها لحديث أنس ولأنه قضى صلاة فكان على صفتها كغيرها الثانية يصليها أربعاً بسلام واحد إن أحب أو بسلامين لما روى الأثرم عن عبد الله بن مسعود قال من فاته العيد فليصل أربعا ولأنها صلاة عيد فإذا فاتت صليت أربعاً كالجمعة الثالثة هو مخير بين ركعين وأربع لأنه تطوع نهار فكانت الخيرة إليه فيه كالضحى.
الشيخ: هذا الفصل تضمن مسائل: أولاً إذا سبق الإنسان بالتكبير أو ببعضه بالتكبير بأن أتى بعد انتهاء التكبير كله فهنا إذا دخل مع الإمام لابد أن يكبر تكبيرة الإحرام هل يقضي هذا التكبير يقول المؤلف رحمه الله لا يقضيه لأنه سنة فات محلها ونحن نقول أيضاً لا يقضيه لأنه سنة فات محلها ولأن الإمام يقرأ وقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نقرأ والإمام يقرأ إلا في فاتحة الكتاب فيكون التعليل من وجهين الوجه أنه سنة فات محلها والوجه الثاني يقرأ.
وقال ابن عقيل يأتي به لأن محله قيام وقد أدركه فيقال نعم هو محل القيام لا شك لكن أدركه محله لانشغاله بمتابعة إمامه فقول ابن عقيل رحمه الله ضعيف.
إن أدركه في الركوع تبعه ولم يقض التكبير وجهاً واحداً لأنه فاته محله حقيقة فلا يقضيه وجهاً واحداً يقول وإن أدركه في التشهد قام إذا سلم الإمام فصلى ركعتين يكبر فيهما يكبر في الأولى سبعاً بتكبيرة الإحرام وستاً زوائد وفي الثانية خمساً زوائد.
وإن أدركه في الخطبة استمع ثم قضى الصلاة إن أحب وقوله إن أحب يدل على أن قضاء الصلاة ليس بواجب وهو كذلك لكن في صفة القضاء ثلاثة أقوال:

الأول وهي رواية عن أحمد أن يقضيها على صفتها وهذا أصح الأقوال الثلاثة إذا قلنا بالقضاء وذلك لأن القضاء يحكي الأداء.
الثانية أن يقضيها أربعاً إما بسلامين أو بسلام واحد وذكر فيه الأثر عن ابن مسعود لكنه قول ضعيف ولا يصح قياسه على الجمعة لأن الجمعة إذا فاتت بقي فرض الوقت وهو الظهر أما هنا فليس للوقت فرض والثالث أنه مخير بين أن يقضيها ركعتين أو أربع ركعات وهذه أيضاً ضعيفة فالصواب أننا إذا قلنا بالقضاء فإنه يقضيها على صفتها وهذا هو المشهور من المذهب لكن الصحيح أنه لا يقضيها لا على صفتها ولا أربعاً لا بسلام واحد ولا بسلامين وذلك لأنها صلاة شرعت على وجه الاجتماع فلا تشرع على وجه الانفراد ولا يرد علينا قضاء الجمعة لأن الجمعة لا تقضى أيضاً وإنما تصلى فريضة الوقت وهي الظهر.

فصل في التكبير يوم الفطر القارئ: ويشرع التكبير في العيدين.
الشيخ: هذا العنوان غلط كيف يقول في التكبير يوم الفطر والمؤلف يقول في العيدين هذا ما يصلح.
القارئ: ويشرع التكبير في العيدين لقول الله تعالى (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) وعن علي رضي الله عنه أنه كان يكبر حتى يسمع أهل الطريق قال القاضي والتكبير في الفطر مطلق غير مقيد على ظاهر كلامه يعني لا يختص بأدبار الصلوات وقال أبو الخطاب يكبر من غروب الشمس إلى خروج الإمام إلى الصلاة وهل يكبر بعد صلاة العيد على روايتين.
الشيخ: التكبير سنة في عيد الفطر لأمر الله تعالى به لقوله (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) ولكنه مطلق ليس مقيداً بأدبار الصلوات فيكبر من غروب الشمس إلى شروع الإمام في الصلاة ويجهر به في الأسواق والبيوت والمساجد وأما النساء فلا تجهر به بل تقوله سراً.

فصل في التكبير يوم الأضحى القارئ: فأما التكبير في الأضحى فهو على ضربين مطلق ومقيد.

فأما المطلق فالتكبير في جميع الأوقات من أول العشر إلى آخر أيام التشريق وأما المقيد فهو التكبير في أدبار الصلوات من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق قيل لأحمد بأي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق قال بالإجماع عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم وقد روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا فقال (الله أكبر) ومد التكبير إلى آخر أيام التشريق وصفة التكبير المشروع الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد لأن هذا يروى عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما قال أبو عبد الله اختياري تكبير ابن مسعود وذكر مثل هذا ولأن في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر تكبيرتين ولأنه تكبير خارج الصلاة فكان شفعاً كتكبير الأذان.

الشيخ: ومن العلماء من قال يكبر ثلاثاً لأنه وتر والله عز وجل وتر يحب الوتر وأرى أن الأمر في هذا واسع إن شاء كبر ثلاثاً الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد وإن شاء كبر مرتين وإن شاء كبر ثلاثاً واثنتين يكون المجموع خمساً أي وتراً فالأمر في هذا واسع إنما فهمنا من كلام المؤلف رحمه الله أن التكبير المطلق من أول دخول شهر ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق والمقيد من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق فيجتمع من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق فيها مطلق ومقيد وقال غيره من أصحابنا رحمهم الله المطلق من أول أيام ذي الحجة إلى غروب الشمس في اليوم التاسع ثم يبدأ التكبير المطلق بليلة العيد إلى أن يأتي الإمام أما بعد ذلك فليس فيه إلا مقيد وعلى هذا القول يجتمع فيما بين فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر مطلق ومقيد وينفرد المطلق بما قبل فجر يوم عرفة ابتداءً من أول شهر ذي الحجة وينفرد المقيد بما بعد صلاة العيد إلى عصر آخر أيام التشريق وفرق أيضاً بعض العلماء بابتداء المقيد فقال للمحلين من فجر يوم عرفة وللمحرمين بالحج من ظهر يوم العيد وقالوا لأنه من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم العيد يكون الإنسان مشتغلاً بالتلبية إذ أن تلبية الحاج لا تنقطع إلا إذا شرع في رمي جمرة العقبة وكما قلت لكم الأمر في هذا واسع حتى لو أن الإنسان لم يكبر التكبير المقيد وجعل بعد الصلاة الأذكار المعروفة ثم بعد ذلك كبر فلا حرج كلها ذكر لله.
السائل: سنية التكبير هل من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أو من فعل الصحابة؟

الشيخ: لا هو داخل في عموم قوله تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) وقالوا إن شهر ذي الحجة هو الشهر الذي يكون فيه الذبح فصار التكبير منه وبعض العلماء يقول لا يبتدئ التكبير إلا إذا رأى الذبائح لقوله (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ) فلا يبتدئ بالتكبير إلا إذا رأى الذبائح مثل يأتي للمبيع ويرى فيها الغنم والإبل والبقر تباع للأضحية فيكبر فوجه كونه سنة العمل كما قال الإمام أحمد إجماع الناس هذا عمل من قديم.

فصل في موضع التكبير المقيد القارئ: وموضعه عقيب أدبار الصلوات المفروضات ولا يشرع عقيب النوافل لأنه لا أذان لها فلم يكبر بعهدها كصلاة الجنازة وإن سبق الرجل ببعض الفريضة كبر إذا سلم وإن صلاها كلها وحده ففيه روايتان إحداهما يكبر لأنه ذكر مشروع للمسبوق فأشبه التسليمة الثانية والثانية لا يكبر لأن ابن عمر كان لا يكبر إذا صلى وحده وقال ابن مسعود إنما التكبير على من صلى في الجماعة ولأنه مخصوص بوقت فخص بالجماعة كالخطبة والمسافر كالمقيم في التكبير والمرأة كالرجل قال البخاري النساء كن يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز مع الرجال في المسجد ويخفضن أصواتهن حتى لا يسمعهن الرجال وعن أحمد رضي الله عنه أنها لا تكبر ومن فاتته صلاة في أيام التكبير فقضاها فيها كبر وإن قضاها بعدها لم يكبر لأن التكبير مقيد بالوقت.
الشيخ: التكبير المقيد أدبار الصلوات المفروضة ولكن هل يكون قبل الاستغفار وقبل اللهم أنت السلام ومنك السلام أو بعده نقول يكون بعد ذلك أي بعد أن يستغفر ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام.
وإذا كان مسبوقاً ببعض الفريضة كبر إذا سلم.

وإن فاتته الفريضة مع الجماعة ففيه روايتان إحداهما يكبر والثانية لا يكبر وكما قلنا أولاً إن الأمر في هذا واسع فإذا كبر فلا بأس ولا ينهى عنه وإذا لم يكبر فلا بأس ولا يؤمر به.
أما قول المسافر كالمقيم فصحيح والمرأة كالرجل لكنها تخفض صوتها ولا سيما إذا كان عندها رجال من غير محارمها.
أما إذا قضى الصلاة بعد خروج وقتها فإن كان في زمن التكبير كبر وإن كان بعد انتهاء زمن التكبير فإنه لا يكبر لأنه فات وقته فلو أنه ذكر ليلة أربعة عشر أنه صلى عصر يوم الثالث عشر بغير وضوء فهنا يجب عليه القضاء فقضى في ليلة الرابع عشر فإنه لا يكبر لأنه فات وقت التكبير كما قال المؤلف رحمه الله.

فصل القارئ: ويكبر مستقبل القبلة فإن أحدث قبل التكبير لم يكبر لأن الحدث يقطع الصلاة.
الشيخ: والصحيح أنه يكبر فلو أحدث إنسان فيه ريح ضيقت عليه من حين ما سلم أطلقها فإنه يكبر لأنه لا يشترط للتكبير أن يكون على طهارة نعم لو أنه طال الوقت وانفصل التكبير عن الصلاة فهنا نقول سنة فات محلها.
القارئ: وإن نسي التكبير استقبل القبلة وكبر ما لم يخرج من المسجد ويستحب الاجتهاد في العمل الصالح في أيام العشر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ما العمل الصالح في أيام أفضل منه في العشر) قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء) أخرجه البخاري.
الشيخ: الأمر كما قال المؤلف أنه ينبغي في الأيام العشر أن يجتهد في كل عمل صالح ومن ذلك الصوم والعجب من بعض طلبة العلم أنهم قالوا إنه لا يشرع الصوم في هذه الأيام وقال بعضهم إنه حرام فجعلها كأيام العيدين وأيام التشريق والعلة قالوا إن عائشة تقول ما رأيته صام العشر قط فيقال الرد على هذا من وجوه: الوجه الأول أن أم المؤمنين حفصة أخبرت أنه كان يصومها قال الإمام أحمد والمثبت مقدم على النافي.

ثانياً أن الصوم من العمل الصالح وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما من أيام العمل الصالح فيهن أفضل من هذه الأيام العشر) ولا يخفى على أحد أن الصوم من العمل الصالح بل من أفضل الأعمال الصالحة حتى إن الله جل وعلا اختصه لنفسه قال (الصوم لي) فيدخل في العموم وقد بينا فيما سبق أن العموم ثابت شامل لكل أفراده بنص السنة حيث قال عليه الصلاة والسلام في قول المصلي السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (إنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض).
ثالثاً أن يقال الكراهة أو التحريم تحتاج إلى دليل مستقل وعدم الفعل لا يتضمن النهي فلو فرض أنه ليس في السنة (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله) فإنا نقول تحتاج الكراهة إلى دليل لأن عدم فعل الرسول لها لا يدل على الكراهة بل يدل على أن السنة تركها لكن إذا كان هناك أدلة تقتضي أن السنة الصوم فإنه يؤخذ بها.

باب صلاة الكسوف القارئ: وهي سنة مؤكدة عند كسوف الشمس أو القمر.

الشيخ:

باب صلاة الكسوف

هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه لا إلى زمنه لكن صلاة الظهر من باب إضافة الشيء إلى زمنه إذا لم نقل إن دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة والكسوف هو احتجاب ضوء الشمس أو القمر بما جعله الله تعالى حجاباً فالشمس تنحجب بالقمر يحول بينها وبين الأرض والقمر ينحجب بالأرض تحول بينه وبين الشمس وذلك أن نور القمر مستفاد من الشمس فإذا وجد حائل يمنع منه انحجب النور وكسف القمر ولهذا تجدون الهلال أول ما يهل تجدونه ليس فيه نور لأن الجزء المقابل للشمس من القمر قليل جداً وكلما قرب من الشمس قلت المواجهة فَقَلَّ النور وتمام المواجهة في ليالي الإبدار ولهذا لا يمكن يوجد كسوف القمر إلا في ليالي الإبدار ولا خسوف الشمس إلا في ليالي الاستسرار أي في آخر الشهر حيث يمكن أن يحول القمر بين الأرض وبين الشمس وأما قول بعض العلماء في الخسوف إنه ذهاب ضوء أحد النيرين أو بعضه ففيه نظر لأنه لا يذهب لكن يكون هناك حجاب ثم إن للكسوف سببين سبب كوني وسبب شرعي أما السبب الكوني فهو ما ذكرنا لكم وهو هذا السبب الحسي كسوف القمر سببه أن الأرض تحول بينه وبين الشمس كسوف الشمس أن القمر يحول بينها وبين الأرض السبب الشرعي لا نعلمه نحن لكن علمناه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال (إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يخوف بهما عباده).
وقول المؤلف عن صلاة الكسوف إنها سنة مؤكدة أفادنا ثلاث فوائد: الفائدة الأولى أنها ليست بواجبة.
والفائدة الثانية أنها ليست بسنة مطلقة.

والفائدة الثالثة أنها سنة مؤكدة والسنة المؤكدة أقوى من السنة المطلقة وقد اصطلح الحنفيون أصحاب أبي حنيفة على تسمية الواجب بالسنة المؤكدة فإذا قالوا سنة مؤكدة فهي بمعنى واجبة لكن عند الحنابلة وأكثر الأصوليين أن السنة المؤكدة هي التي يطلب فعلها بالتأكيد والصحيح أن صلاة الكسوف واجبة ودليل الوجوب أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج فزعاً يجر رداءه وأمر بالصلاة حتى قال (الصلاة جامعة) واجتمع الناس كلهم وصلى تلك الصلاة الطويلة وعرض عليه ما عرض من آيات الله عز وجل من الجنة والنار وأمر في بعض ألفاظ الحديث بالفزع إلى الصلاة كأن عدواً أغار على المسلمين ففزعوا لدفعه وأمر بالصدقة والاستغفار والتكبير والعتق وكل هذه القرائن تدل على أن صلاتها واجبة وعلى الأقل أن نقول إنها فرض كفاية لا فرض عين أما أن يحصل الكسوف أو الخسوف ويبقى الناس في دنياهم بيعاً وشراءً وتمتعاً وترفهاً وكأن شيئاً لم يكن فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عدم المبالاة وعدم انصياع الناس إلى تخويف الله عز وجل فالصحيح أنها فرض وأقل ما نقول إنها فرض كفاية فإن قال قائل أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر الصلوات الخمس للأعرابي وقال هل علي غيرها قال (لا إلا أن تطوع) قلنا بلى لكن مراد النبي عليه الصلاة والسلام بذلك الصلاة اليومية المتكررة أما الصلاة التي لها سبب فهذه مقرونة بأسبابها.
القارئ: لما روى أبو مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوف الله بهما عباده وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس فإذا رأيتم منها شيئاً فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم).

الشيخ: إنما قال (لموت أحد من الناس) لأن الشمس كسفت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حين مات ابنه إبراهيم وابنه إبراهيم مات وله ستة عشر شهراً وحزن عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وفاضت عيناه وقال (العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك أو قال بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فقال الناس كسفت لموت إبراهيم لأن عندهم عقيدة فاسدة في الجاهلية أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا إذا مات عظيم أو ولد عظيم فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم هذه العقيدة لأنه لا أثر للحوادث الأرضية على الأحوال الفلكية الأحوال الفلكية عُلْيا مهما حدث في الأرض فإنه لا يؤثر فيها لكن قد يعاقب الله أهل الأرض بأحوال فلكية كالصواعق والبَرَد وما أشبه ذلك لكن أن تكون سبباً فاعلاً ما يحدث في الأرض حتى يتغير الجو هذا ليس بصحيح أبداً.
واستفدنا من قوله (فإذا رأيتم منها شيئاً) أنه لو قدر أن الشمس كسفت بعد أن غابت فإنه لا صلاة ولو كسفت قبل أن تخرج فلا صلاة ولو كان هناك غيم ثقيل حجب رؤيتها عنا فلا صلاة حتى وإن علمنا بتقرير الفلكين أن هناك كسوفاً فإننا لا نأخذ بقولهم حتى نرى إذا رأيتموه وقد يحجب الله سبحانه وتعالى رؤية الشمس كاسفة أو القمر رحمة بالناس فيكون هذا حجاباً من الله عز وجل أن يخوف هؤلاء القوم فلا تلزم الصلاة في هذه الحال.

وقوله (حتى ينكشف) هل هي تعليل أو غاية؟ هل المعنى صلوا وادعوا لينكشف ما بكم أو استمروا في ذلك حتى ينكشف؟ هذا فيه احتمال فإن قلنا لينكشف فمعناه أننا نكتفي بأقل صلاة لأننا أوجدنا السبب وإذا قلنا حتى ينكشف فإننا نصلي حتى ينكشف وعلى هذا فإذا علمنا أن الكسوف سيطول وقته فحينئذٍ نطيل في الصلاة إذا جعلنا حتى للغاية وإذا انتهينا من الصلاة ولم ينجلِ؟ فهنا اختلف العلماء منهم من يقول تعاد الصلاة ومنهم من يقول لا تعاد أما إذا جعلناها للتعليل فمن المعلوم أن أدنى صلاة تكون سبباً فيجزئ من ذلك ركعتان مثلاً ولو خفيفتين ولكن الأظهر أنها للغاية وأننا مأمورون أن نصلي حتى ينكشف ما بنا.
القارئ: وعن عائشة رضي الله عنها قالت خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث منادياً فنادى الصلاة جامعة وخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات متفق عليهما.
الشيخ: هذا أيضاً من آيات الله الشرعية أن صلى صلاة لا نظير لها صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان والصلوات الأخرى في كل ركعة ركوع واحد وسجودان لكن لما كانت هذه الصلاة سببها آية كونية جعلها النبي صلى الله عليه وسلم آية شرعية خارجة عن المألوف والمعهود.
القارئ: وتجوز جماعة وفرادى لإطلاق الأمر بها في حديث أبي مسعود والجماعة أفضل لفعل النبي صلى الله عليه وسلم لها في جماعة وينادى لها الصلاة جامعة للحديث وتفعل في المسجد للخبر ولأن في وقتها ضيقا فلو خرجوا إلى المصلى خيف فواتها.
الشيخ: هذه مسائل: أولاً أن كونها جماعة أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم نادى لها قال (الصلاة جامعة) وجمَّع بهم صلوات الله وسلامه عليه.
وفيه أيضاً أنه لو أدوها فرادى لم يكن هناك مظهر خوف من الناس لأن كل إنسان يصلي في بيته ولا يدروا عنه.

وفي قوله تفعل في المسجد دون مصلى يعني مصلى العيد بل تفعل في المسجد ولكن هل تفعل في كل مسجد كما هو حال الناس اليوم أو في الجوامع؟ الجواب الثاني تفعل في جوامع هذا هو الأفضل لكن إذا خيف أن يتكاسل الناس عنها إذا قيل صلوا في الجوامع فلا بأس أن تصلى في كل مسجد.
وقوله (الصلاة جامعة) أهي بالنصب أو بالرفع؟ يجوز الوجهان الصلاةَ جامعةً أي احضروا الصلاة جامعة ويجوز الصلاةُ جامعةٌ على أنها مبتدأ وخبر.

فصل في صفة صلاة الكسوف القارئ: وصفتها أن يكبر للإحرام ويستفتح ثم يقرأ الفاتحة وسورة البقرة أو نحوها ثم يركع فيسبح نحواً من مائة آية ثم يرفع فيسمع ويُحَمِّد ويقرأ الفاتحة وآل عمران أو نحوها ثم يركع فيسبح نحواً من سبعين آية ثم يرفع فيسمع ويحمد ثم يسجد سجدتين يسبح فيهما نحواً من الركوع ثم يقوم إلى الثانية فيقرأ الفاتحة وسورة النساء ثم يركع ويسبح نحواً من خمسين آية ثم يرفع فيسمع ويحمد ويقرأ الفاتحة وسورة المائدة ثم يركع فيسبح نحواً من أربعين آية ثم يرفع ويسمع ويحمد ثم يسجد سجدتين نحواً من ركوعه ويتشهد ويسلم وليس هذا التقدير في القراءة والتسبيح منقولاً عن أحمد رضي الله عنه ولا هو متعين وما قرأ به بعد أم الكتاب فيها أجزأه.
الشيخ: المؤلف رحمه الله معروف أنه مؤلف للكتابة على مذهب الإمام أحمد لكن لورعه لما ذكر هذا التقدير قال إنه ليس منصوصاً عن الإمام أحمد لئلا يظن الظان أن هذا منصوص عليه من كلام الإمام أحمد ولكنه ليس منصوصاً عليه وعلى حسب تقدير المؤلف يكون الإنسان قرأ في صلاة الكسوف ستة أجزاء وربع تقريباً فإذا قال قائل هذا تطويل على الناس قلنا من طال عليه القيام فليجلس ولن نفوت المصلحة العامة من أجل هذا وأيضاً هي سنة إذا قلنا هي فرض كفاية صارت فيما زاد عمن تحصل بهم الكفاية سنة فإذا شاء انصرف.

القارئ: لكن يستحب ذلك ليقارب فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيما روت عائشة رضي الله عنها قالت خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المسجد فقام وكبر وصف الناس وراءه فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة ثم كبر فركع ركوعاً طويلا ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم قام فقرأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم كبر فركع ركوعاً هو أدنى من الركوع الأول ثم قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم سجد ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات فانجلت الشمس متفق عليه وفي رواية أخرى فرأيت أنه قرأ في الأولى بسورة البقرة وفي الثانية سورة آل عمران.
الشيخ: قولها فرأيت يعني ظننت فرأى هنا بمعنى ظن.
القارئ: ويجهر بالقراءة ليلاً كان أو نهاراً لأن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف رواه أبو داود، ولأنها صلاة شرع لها الجمع الكثير فسن لها الجهر كالعيد.
الشيخ: فإن قال قائل كيف تقدر بسورة البقرة وهو قد جهر بها لأنه يلزم من جهره بها أن تكون مسموعة معلومة قلنا قد نعلم أن الإمام يقرأ جهراً ولكن لا ندري ماذا يقول لبعدنا عنه وهذا كثيراً ما يقع فلا يلزم من سماع الإمام أنه يجهر أن نسمع كل كلمة يقولها حتى نقول إنه قرأ بشيء معين.
والمؤلف رحمه الله استدل على أن القراءة جهر بحديث عائشة وعلل ذلك بأنها صلاة شرع لها الجمع الكثير فسن لها الجهر كالعيد وكالجمعة أيضاً وهذا يدل على أنه إذا كانت الصلاة مما يجتمع له فإنه يجهر بها وذلك لأنه أقوى في الاتحاد إذ أن هؤلاء الجمع الكثير ينصتون لإمام واحد وهذه والله أعلم هي الحكمة من كون بعض الصلوات النهارية جهرية لأنها تجمع الناس الكثير فيكون سكوتهم وإنصاتهم لهذا الإمام المعين أقوى في الاتحاد على هذا الإمام.

القارئ: وإن صلى في كل ركعة ثلاث ركوعات على نحو ما ذكرنا جاز لأن عائشة روت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ست ركعات وأربع سجدات رواه مسلم.
الشيخ: على كل حال هذا الحديث لا يصح سواء من حديث ابن عباس أو من حديث عائشة لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلى في كل ركعة ثلاث ركوعات ووجه ذلك أن الكسوف بالاتفاق لم يحصل في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا مرة واحدة والثابت في الصحيحين أنه صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان وما عدا ذلك فإنه شاذ لا يصح ومعروف أن من شروط صحة الحديث أن لا يكون شاذاً فكل ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلى أكثر من ركوعين في كل ركعة فهو حديث لا يصح نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
القارئ: وإن جعل في كل ركعة أربع ركوعات جاز أيضاً لأنه يروى عن علي وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم والمختار الأول لأنه أصح وأشهر.
الشيخ: ما هو الأول؟ ركوعان في كل ركعة هذا هو الأصح لكن روى مسلم في صحيحه عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه صلى في كسوف ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات وفعل علي رضي الله عنه مما يحتج به وكأنه رضي الله عنه رأى الزيادة لأنه ظن أن الكسوف سيستمر طويلاً فزاد ولكنا نختار كما اختار المؤلف رحمه الله أن يصلي ركعتين في كل ركعة ركوعان فقط.
القارئ: ووقتها من حين الكسوف إلى حين التجلي فإن فاتت لم تقضَ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا حتى يكشف الله ما بكم) وإن تجلت وهو في الصلاة أتمها وخففها وإن سلم قبل انجلائها لم يصلِّ أخرى واشتغل بالذكر والدعاء وإن استترت بغيم صلى لأن الأصل بقاء الكسوف وإن غابت كاسفة فهو كانجلائها لأنه ذهب وقت الانتفاع بنورها وإن طلعت الشمس والقمر خاسف فكذلك لما ذكرنا وإن غاب ليلاً.

الشيخ: يعني لا يصلى فلو طلعت الشمس وخسف القمر فإنه لا يصلى للكسوف لأنه ذهب وقت سلطانه ولأن ذلك لا يؤثر لأنه قد اتضح النهار فلا يصلى لها لكن هذا في الغالب نادر جداً لأن الغالب أن القمر يغيب قبل طلوع الفجر في زمن الإبدار لكن ربما يتأخر ويكون قريباً من المغرب أي من الغروب فتخرج الشمس قبل أن يغرب ولو طلع الفجر ثم خسف القمر يصلى أو لا؟ أما إذا قلنا بأن صلاة الكسوف لا تصلى في وقت النهي فإنه لا يصلى لأنهم صلوا الفجر وكذلك إن قلنا إن وقت النهي يدخل بطلوع الفجر فلا يصلى ولو كان قبل صلاة الفجر لكن الصحيح أنه يصلى إذا خسف بعد الفجر قبل الصلاة أو بعد الصلاة مباشرة فإنه يصلى لأن ذلك يظهر أثره في الجو بخلاف ما إذا طلعت الشمس فإنه لا يظهر له أثر.
القارئ: فإن غاب ليلاً وهو كاسف لم يصلِّ كالشمس إذا غابت وقال القاضي يصلي لأن وقت سلطانه باق.
الشيخ: والصواب الأول أنه إذا كسف بعد غروبه فإنه لا يصلى.

فصل في الخطبة لصلاة الكسوف القارئ: وقال القاضي لم يذكر لها أحمد خطبة ولا رأيته لأحد من أصحابنا وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالصلاة دون الخطبة.
الشيخ: وقال بعض العلماء إن لها خطبة بعدية راتبة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى وخطب ولأن الحاجة داعية إلى التذكير وعظ الناس فيكون لها خطبة ويخطب قائماً كما يخطب قائماً في خطبة الجمعة والذي يظهر أنه لا ينبغي أن يفوت الخطبة لأن الناس في حاجة إلى ذلك لا سيما في مثل عهدنا حيث إن الناس غفلوا وأعرضوا ولم يهتموا بهذه الأمور.

فصل في اجتماع الكسوف والجنازة القارئ: وإذا اجتمع الكسوف والجنازة بدئ بالجنازة لأنه يخاف عليها وإذ اجتمع مع المكتوبة في آخر وقتها بدئ بها لأنها آكد وإن كان في أول وقتها بدئ بصلاة الكسوف لأنه يخشى فواتها وإن اجتمع هو والوتر وخيف فواتهما بدئ بالكسوف لأنه آكد.

الشيخ: لأنه آكد ولأنه يمكن قضاء الوتر بخلاف الكسوف، الوتر إذا فات لعذر شرعي فإنه يقضى في النهار والكسوف لا يقضى ففيه سببان.

فصل في الصلاة للآيات القارئ: ولا يصلى لغير الكسوف من الآيات لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه إلا أن أحمد رضي الله عنه قال يصلي للزلزلة الدائمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل الخسوف بأنه آية يخوف الله بها عباده والزلزلة أشد تخويفاً فأما الرجفة فلا تبقى مدة تتسع للصلاة.
الشيخ: هذه المسألة مما اختلف فيها العلماء هل يصلى للآيات المزعجة غير الكسوف كالزلازل والصواعق والرياح الشديدة المستمرة أو لا يصلى إلا للكسوف؟ في هذا أقوال للعلماء والصحيح أن كل ما خرج عن المعهود مما فيه التخويف فإنه يصلى له مثل الزلزلة الدائمة أو الصواعق الدائمة أو الرياح الشديدة العاصفة أو غير ذلك مما يعد خارجاً عن المعهود مخوفاً للعباد لقول النبي صلى الله عليه وسلم (يخوف الله بهما) يعني بالشمس والقمر (عباده).
السائل: في موضوع الصلاة لهذه الطوارئ كالريح وغيرها فقد جاء أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ذات مرة في غزوة من الغزوات وأخبر الصحابة بأنه ستهب ريح شديدة وأمرهم أن لا يخرجوا من رحالهم ولم يصلِّ عليه الصلاة والسلام هذه الصلاة مع شدة الريح؟ الشيخ: نعم لكنها ليست خارجة عن المعهود لكن إذا كانت خارجة عن المعهود بأن كانت دائمة ومستمرة وعاصفة فإنه يصلى لها وكذلك الرعد الشديد الصواعق وغير ذلك كل ما يخوف الله به العباد مما خرج عن المعهود فإنه يصلى له.
السائل: كيف تكسف الشمس بعد الغروب؟ الشيخ: نعم تكسف أما في عهدنا الآن فواضح يعرفونها أما فيما سبق فلعلهم يشاهدون ابتداء الكسوف.
السائل: بالنسبة للنساء هل يصلين جماعة أو فرادى في الليل صلاة الكسوف؟

الشيخ: لا بأس أن تصلي النساء جماعة أو فرادى وإتيانهم المسجد أحسن لأن نساء الصحابة حضرن وقد يقال إن نساء الصحابة حضرن كالعادة وبيوتهن خير لهن لكن تنظر للمصلحة إن رأت أنها إذا حضرت للمسجد أخشع لها فلتحضر.

باب

صلاة الاستسقاء

القارئ: وهي سنة عند الحاجة إليها لما روى عبد الله بن زيد قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه وصلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة متفق عليه.
الشيخ: ترتيب المؤلف وغيره من الفقهاء جيد لأن صلاة الكسوف لدفع المكروه وصلاة الاستسقاء لحصول المطلوب والاستسقاء هو طلب السقيا سواء كان بالدعاء في البيت أو في حال الصلاة أو في خطبة الجمعة أو على وجه الصلاة المعروفة المهم أنه طلب السقيا من الله عز وجل وهو سنة عند الحاجة إليه ومتى تكون الحاجة؟ إذا أجذبت الأرض وقحط المطر وامتنع صار الناس في حاجة وكذلك لو لم تجذب في الأرض بأن يكون في محل يكون فيه الطل كثير ولكن نقصت المياه فيستسقى أيضاً لذلك.
القارئ: وصفتها في موضعها وأحكامها صفة صلاة العيد وهل يكبر فيهما تكبير العيدين على روايتين الشيخ: عندكم فيهما يعني في الركعتين.
القارئ: إحداهما لا يكبر لأن عبد الله بن زيد لم يذكره والثانية يكبر لأن ابن عباس روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين كما يصلي في العيدين حديث صحيح وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعا وخمسا رواه الشافعي في مسنده ولا وقت لها معين إلا أن الأَوْلى فعلها في وقت صلاة العيد لشبهها بها وذكر ابن عبد البر أن الخروج إليها عند زوال الشمس عند جماعة العلماء.

الشيخ: والصواب أنه ينظر للمصلحة إن رأى أن يبكر بها بكر وإن رأى أن يتأخر أخر لأنه ليس فيها شيء يراعى، يراعى في عيد الفطر زكاة الفطر فتؤخر الصلاة وفي عيد الأضحى يراعى ذبح الأضحية فتقدم الصلاة لكن الاستسقاء ليس هناك شيء يراعى فيها فينظر للمصلحة إذا كان الجو بارداً فالأرفق بالناس أن يتأخر وإن كان العكس فالأرفق بالناس أن يتقدم فينظر للمصلحة.

فصل في إذن الإمام للاستسقاء القارئ: وفي إذن الإمام روايتان بناءً على صلاة العيد إحداهما هو شرط لها قال أبو بكر فإن خرجوا بغير إذن الإمام صلوا ودعوا بغير خطبة والثانية يصلون ويخطب بهم أحدهم والأولى للإمام إذا أراد الاستسقاء أن يعظ الناس ويأمرهم بتقوى الله والخروج من المظالم والتوبة من المعاصي وتحليل بعضهم بعضا والصيام والصدقة وترك التشاحن لأن المعاصي سبب القحط والتقوى سبب البركات قال الله تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
الشيخ: ذكر المؤلف رحمه الله أنه ينبغي للإمام أن يعظ الناس ويذكرهم ويعدهم يوماً يخرجون فيه ويأمرهم بالصدقة ويأمرهم أيضاً بالصوم وكل ما ذكر حسن إلا الصوم فإنه لم يرد أنه يكون سبباً لنزول الأمطار الصدقة سبب لنزول المطر ولهذا جاء في الحديث (ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء) وأما الصوم فلا لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأمر به ومن أجل أن هذا هو الشائع عند الفقهاء صار الاستسقاء إما في الاثنين وإما في الخميس لا تكاد تراه خارجاً عن ذلك فهذا هو السبب أن الناس كانوا اعتادوا أن يكون الاستسقاء يوم الاثنين أو يوم الخميس من أجل أنه يسن صومهما فإن صام الإنسان من أجل أنه يوم الاثنين أو من أجل أنه يوم الخميس لا لأجل الاستسقاء فهذا حسن وهذا سنة.

السائل: بالنسبة لصلاة الخسوف قول النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا حتى ينجلي) إذا صلينا ركعتين ولم ينجل فهل نعيد الصلاة؟ الشيخ: كما سمعت في الكافي قبل قليل أنها لا تعاد الصلاة ولكن يشتغلون بالاستغفار والتوبة وقراءة القرآن والذكر وما أشبه ذلك وقال بعض العلماء بل يصلي أيضاً لأن قول الرسول (صلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) يعم تكرار الصلاة إذا لم تنجل وأنا في تردد من هذا لكن أنا أرى الآن لما كان الناس يعلمون بزمن الكسوف أرى أن الإنسان يأخذ احتياطه من الأول بمعنى أنه يطيل القراءة ويطيل الركوع والسجود.
السائل: بالنسبة للأحداث التي تأتي على غير المعهود كالريح والبرد وغيرهما ما هي كيفية هذه الصلاة وهل تصلى جماعة أي يدعى الناس إليها؟ الشيخ: تصلى كصلاة الكسوف تماماً ويدعى الناس إليها.
القارئ: ويعد الناس يوماً يخرجون فيه ويأمرهم أن يخرجوا على الصفة التي خرج عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متبذلاّ متواضعا متخشعاً متضرعاً حتى أتى المصلى فلم يخطب كخطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد هذا حديث صحيح ويسن التنظيف وإزالة الرائحة لئلا يؤذي الناس بها ولا يلبس ثياب زينة ولا يتطيب لأن هذا يوم استكانة وخضوع.
الشيخ: وكما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما أنه خرج متواضعاً متخشعاً متضرعاً وهذا ينافيه التجمل أو التطيب فالأولى أن يخرج كعادته لكن إن كان فيه أذىً من رائحة منتة أو ما أشبه ذلك فليزلها لأنه سوف يجتمع بالناس.

فصل فيمن يخرج لصلاة الاستسقاء القارئ: ويخرج الشيوخ والصبيان ومن له ذكر جميل ودين وصلاح لأنه أسرع للإجابة.

الشيخ: والصواب أنه يخرج جميع الناس الصغار والكبار من شيوخ وغلمان وكهول كل يخرج لأنه إذا كان هؤلاء قوم إجابة فعندنا حديث أن الشاب الذي نشأ في طاعة الله ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فالصواب أن يقال أنه يخرج جميع الناس الشيوخ والكهول والصبيان.
القارئ: ويستحب أن يستسقي الإمام بمن ظهر صلاحه لأن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستسقى معاوية والضحاك بيزيد بن الأسود الجرشي وروي أن معاوية أمر يزيد بن الأسود فصعد المنبر فقعد عند رجليه فقال معاوية اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي يا يزيد ارفع يديك إلى الله فرفع يديه ورفع الناس أيديهم فما كان بأوشك من أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس وهب لها ريح فسقوا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم.
الشيخ: وهذا كما قال إنه ينبغي أن يستسقي بأهل الصلاح الذين ترجى إجابتهم لفعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أن عمر أفضل الأمة لكن لقرابة العباس من رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه وهذا مشروط بما إذا لم يخشَ فتنة للذي أقامه الإمام أن يستسقي للناس فإن خشي بذلك فتنة كما هو الغالب في عهدنا فإنه لا يفعل لأنه إذا قدر أن هذا الذي أقامه الإمام يستسقي أجاب الله دعائه ونزل المطر صار فتنة للناس وصار الناس يتوسلون به في كل حال فإذا خيفت الفتنة فإننا لا نتعرض لأمور يحصل بها فتنة الناس أو فتنة من أقامه الإمام مقامه لا نرتكب هذا خوفاً من الفتنة أما ما ذكره عن استسقاء معاوية رضي الله عنه بيزيد بن الأسود ففيه من آيات الله عز وجل ما هو ظاهر وقد وقع مثله قبله للنبي صلى الله عليه وسلم حين استسقى في خطبة الجمعة فما نزل من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته عليه الصلاة والسلام.

القارئ: ولا يستحب إخراج البهائم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرجها ولا إخراج الكفار لأنهم أعداء الله فلا يتوسل بهم فإن خرجوا لم يمنعوا لأنهم يطلبون رزقهم ويفردون عن المسلمين بحيث إن أصابهم عذاب لم يصب غيرهم.
الشيخ: لكنهم يفردون عن المسلمون في المكان لا في الزمان يعني يكون اليوم واحداً لكن هؤلاء في جهة والمسلمون في جهة لأن إفرادهم بزمان ربما يصيب قضاءً وقدراً في نزول المطر في اليوم الذي استسقى فيه الكفار فيحصل بذلك فتنة عظيمة ويقال أجيب الكفار ولم يجب المسلمون ولهذا يقال قول المؤلف يفردون عن المسلمين مراده بالمكان ويدل عليه التعليل قال بحيث إن أصابهم عذاب لم يصب غيرهم.

فصل في الخطبة لصلاة الاستسقاء القارئ: واختلفت الرواية في الخطبة فروي أنه لا يخطب وإنما يدعو لقول ابن عباس لم يخطب كخطبتكم هذه وروي أنه يخطب قبل الصلاة لقول عبد الله بن زيد فتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه ثم صلى وعنه أنه مخير في الخطبة قبل الصلاة وبعدها لأن الجميع مروي وعنه يخطب بعد الصلاة لأن أبا هريرة رضي الله عنه قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم خطبنا وهذا صريح ولأنها مشبهة بصلاة العيد وخطبتها بعد الصلاة.
الشيخ: فعندنا الآن أقوال أولاً هل يوجد خطبة أو مجرد دعاء؟ فيه خلاف: فمن العلماء من قال لا يخطب ولكن يأتي فيدعو الله عز وجل لقول ابن عباس لم يخطب كخطبتكم هذه والقول الثاني أن فيها خطبة لكن هل هي قبل الصلاة أو بعد الصلاة أو هو مخير فيها؟ وأولى الأقوال الثلاثة في الخطبة أنه مخير إن شاء قبل الصلاة وإن شاء بعدها لورود السنة في هذا وهذا وأما الاقتصار على الدعاء فقد يقال إن مراد ابن عباس رضي الله عنهما أنه أدرك أناساً يطيلون في الخطبة ويملون الناس.

القارئ: فإذا صعد المنبر جلس ثم قام فخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير لأنه لم ينقل أحد من الرواة خطبتين ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر بالاستغفار مثل (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً) (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) ويكثر الدعاء والتضرع ويدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى ابن قتيبة بإسناده عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الاستسقاء فتقدم فصلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه وقلب رداءه ورفع يديه وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي ثم قال (اللهم اسقنا وأغثنا اللهم اسقنا غيثاً مغيثا وحياً ربيعاً وجداً طبقاً غدقاً مغدقا مونقاً هنيئاً مريئاً مريعاً مربعاً مرتعا سابلاً مُسَبِّلاً مُجَلِّلاً دائماً دروراً نافعاً غير ضار عاجلاً غير رائث اللهم تحي به البلاد وتغيث به العباد وتجعله بلاغاً للحاضر منا والباد اللهم أنزل في أرضنا زينتها وأنزل في أرضنا سكنها اللهم أنزل علينا من السماء ماءً طهورا فأحي به بلدة ميتا وأسقه مما خلقت أنعاماً وأناسي كثيرة فالحيا الذي تحيي به الأرض.
والجدا المطر العام.
والطبق الذي يطبق الأرض.
والغدق الكثير.
والمونق المعجب.
والمريع ذو المراعة والخصب والمربع المقيم من قولك ربعت بالمكان إذا أقمت به.
والمرتع من قولك رتعت الإبل إذا رعت.
والسابل المطر.
والمسبِّل الماطر.

والسكن القوة لأن الأرض تسكن به وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استسقى قال (اللهم اسقنا غيثاً مغيثا هنيئاً مريئاً غدقاً مجللا طبقاً عاماً سحاً دائما اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والضنك والجهد ما لا نشكوه إلا إليك اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من العذاب ما لا يكشفه غيرك اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا) ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويحول رداءه يجعل اليمين يسارا واليسار يمينا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم تفاؤلاً أن يحول الله تعالى الجدب خصبا ولا يجعل أعلاه أسفله لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ويدعو الله في استقباله.
الشيخ: قال بعضهم الفائدة من قلب الرداء ثلاث فوائد الفائدة الأولى اتباع سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والفائدة الثانية التفاؤل.
والفائدة الثالثة الإشعار بأن الإنسان سوف ينتقل من حال إلى أخرى من لباس إلى لباس لباس المعاصي إلى لباس التقوى وهذه مناسبة جيدة قد تكون مساوية لمناسبة التفاؤل أو أعظم فيكون في ذلك ثلاث فوائد ولكن هل هذا خاص بالرداء وما شابهه كالعباءة أو يشمل حتى الغترة والكوت وما أشبهه؟ الظاهر الأول أنه يختص بالرداء والكوت الشبيه بالرداء لأنه لباس على أعلى البدن فهو شبيه بالرداء أما الغترة فلا لأنها كالعمامة ولم ينقل عمن سلف أنهم كانوا يقلبون العمائم فتبقى الغترة كما هي عليه ولأن الغترة ليست لباس بدن بل هي لباس الرأس.
السائل: إذا كان لا يحفظ هذا الدعاء هل يحسن يكتبه؟

الشيخ: والله إذا كان لا يحفظ هذا الدعاء وكتبه فينظر إن كان الناس يشعرون بأنها كأنها ورقة تقرأ فلا يفعل لأن الغالب أن الإنسان إذا ركز على القراءة ما يخشع قلبه يصير همه إقامة اللفظ المكتوب فقط وربما لو دعا بدعاء من عنده صار أشد تضرعاً إلى الله عز وجل وأشد انفعالاً في الدعاء لكن إذا بقي يقرأ هذه الصحيفة ما يكون عنده ذاك التأثير في الدعاء اللهم إلا أن يسلك طريقة خاصة بحيث مثلاً إذا دعا وكما هو السنة أن يرفع يديه يكون رافعاً الصحيفة بيديه وهو قد شدها إلى فوق فقد يحصل في هذا فائدة لكن لو كرر اللهم أغثنا اللهم أغثنا الرسول قرأها ثلاث مرات في خطبة الجمعة وهذه الأدعية أيضاً ربما يقال إنها تحتاج إلى تخريج وتحرير هل هي ثابتة عن الرسول عليه الصلاة والسلام أو لا.
السائل: بالنسبة لدعاء الناس أحياناً يدعون بشيء غير واقع؟ الشيخ: لا تدعُ إلا بشيء واقع لأن الإنسان إذا دعا بشيء غير واقع والله قد أنعم عليه بوجوده صار هذا اعتداءً في الدعاء لكن لابد من أن يكون واقعاً.
السائل: هل النساء يقلبن العباءة؟ الشيخ: نعم يقلبن العباءة وأما التكشف إذا حصل يمنع لأن هذا سنة والتكشف محرم لكن إذا كانت النساء بعيدة في طرف مصلى كبير وغالباً النساء والحمد لله عليهن ثياب ليست ثياب تبرج فهذا يشرع لهن.
القارئ: ويدعو الله في استقباله فيقول اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا لأن عبد الله بن زيد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى يستسقي فاستقبل القبلة ودعا وحول رداءه وجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن ويرفع يديه لأن أنساً قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه متفق عليه.

الشيخ: هذا الحديث ليس على عمومه لا يرفع يديه في شيء من الدعاء بل هو محمول على أحد أمرين إما أن المعنى لا يرفع يديه في شيء من الدعاء يعني في حال الخطبة وإما أن المراد لا يرفع يديه رفعاً كثيراً إلا في الاستسقاء وكلا الوجهين صحيح وحينئذٍ لا نحتاج إلى أن يقال إن هذا الحديث يعارضه أحاديث كثيرة تزيد على الثلاثين ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه في الدعاء نقول لا حاجة وليس هناك تعارض بل يحمل على أحد أمرين هما أن المعنى لا يرفع يديه في الدعاء حال الخطبة إلا في الاستسقاء ولهذا أنكر الصحابة رضي الله عنهم على بشر بن مروان لما رفع يديه في الخطبة في غير الاستسقاء أو يقال لا يرفع يديه رفعاً يبالغ فيه إلا في الاستسقاء.
القارئ: فإن سقوا قبل الصلاة صلوا وشكروا الله تعالى وسألوه المزيد من فضله وإن صلوا ولم يسقوا عادوا في اليوم الثاني والثالث لأن الله يحب الملحين في الدعاء.
الشيخ: أما قوله فْإن سقوا قبل الصلاة فإنهم يصلونها شكراً لله فهذا غلط لا وجه له لأن صلاة الاستسقاء ليست صلاة شكر بل صلاة رهبة ودعاء وإزالة شدة فإذا سقوا قبل الخروج فإنهم لا يخرجون وإن سقوا في أثناء الخروج يعني لما وصلوا إلى المصلى نزل المطر فهنا يحتمل أن يقال يصلون لأن ابتداء المجيء إلى الصلاة كان السبب موجوداً ويحتمل أن يقال لا يصلون بل يقول لهم الإمام انصرفوا فقد سقانا الله تعالى وما ذكر عن سليمان عليه الصلاة والسلام وإن كان ضعيفاً أنه خرج يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوامها للسماء تقول اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا رزقك قال ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم هذا الأثر فيه ضعف كثير فيه مقال لكن إن صح فهو أصل لما ذكرنا أنهم إذا سقوا قبل أن يخرجوا فلا يخرجون وإن سقوا بعد الخروج فيحتمل أن يصلوا ويحتمل أن لا يصلوا وهو الأقرب.

فصل

القارئ: والاستسقاء على ثلاثة أضرب أحدها مثل ما وصفنا والثاني أن يستسقي الإمام يوم الجمعة على المنبر كما روى أنس أن رجلاً دخل يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما ثم قال يا رسول الله هلكت الأموال وتقطعت السبل فادعو الله يغيثنا فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال (اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا) وذكر الحديث متفق عليه الثالث أن يدعو عقيب الصلوات ويستحب أن يقف في أول المطر ويخرج ثيابه ليصيبها لما روى أنس في حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر عن لحيته رواه البخاري.
الشيخ: المؤلف رحمه الله بين أن الاستسقاء يقع على ثلاثة أوجه: الوجه الأول صلاة الاستسقاء أن يخرج الناس إلى المصلى ويصلون كما مر.

الوجه الثاني أن يستسقي في خطبة الجمعة ودليله ما ساقه المؤلف من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادعو الله يغيثنا فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ورفع الناس أيديهم ودعا (اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا) قال أنس فو الله ما في السماء من سحاب ولا قزعة يعني ما فيها سحاب عام ولا قطع من الغيم وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار سلع جبل معروف في المدينة تأتي من قبله السحب فخرجت من ورائه سحابة مثل الترس فارتفعت في السماء فلما توسطت انتشرت ورعدت وبرقت وأمطرت والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر لم ينزل حتى تحادر المطر من لحيته وهذا يعني أنها بسرعة عظيمة لأن من عادة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقصر الخطبة ولا يطيلها وهذه السحابة جاءت وانتشرت ورعدت وبرقت يعني بلحظات لا شك في هذا ثم أمطرت ثم المطر نزل من العريش عريش المسجد حتى تحادر من لحية الرسول صلى الله عليه وسلم وفي هذا آية عظيمة من آيات الله عز وجل وأنه إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون وفيها آية للرسول عليه الصلاة والسلام وأنه رسول الله حقاً لأنه دعا الله فأجابه والناس ينظرون وبقي المطر أسبوعاً كاملاً ثم جاء رجل أو الرجل الأول وقال يا رسول الله غرق المال وتهدم البناء فادعو الله يمسكها عنا فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال (اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر) وجعل يشير عليه الصلاة والسلام فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت وخرج الناس يمشون في الشمس ففي هذا الحديث فوائد عظيمة جمة نشير إلى شيء منها:

فمن ذلك أنه يجوز للإنسان أن يخاطب الإمام وهو يخطب يوم الجمعة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم ينكر على هذا الرجل ولكن هل هذا جائز في كل شيء؟ لا إنما يجوز إذا كان هناك مصلحة عامة أما إذا كان لمصلحة خاصة فإنه لا يجوز لأن الأصل منع الكلام فيقتصر على ما ورد والذي ورد إنما كان لمصلحة عامة ومن ذلك لو أنه انقطع التيار الكهربائي أو انقطع سماع الميكرفون فلبعض الجماعة أن يكلم الإمام يقول إنه انقطع التيار لأن هذا مصلحة عامة.
ومن فوائد هذا الحديث أن الإنسان إذا استسقى في خطبة الجمعة رفع يديه ورفع الناس أيديهم لأن هذا هو الذي وقع من رسول الله صلى الله عليه وسلم أما في غير ذلك أي في غير الدعاء بالاستسقاء والاستصحاء فإنه لا يرفع يديه في الخطبة ولا يرفع الناس أيديهم ولهذا أنكر الصحابة على بشر بن مروان حين دعا في خطبة الجمعة ورفع يديه.
ومن فوائد هذا الحديث تصديق خبر الواحد إذا احتفت به القرينة قرينة الصدق لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صدَّق هذا الرجل الذي قال هلكت الأموال وانقطعت السبل ولم يقل نتأنى ونشوف هل هو صادق أو كاذب أو ما شابه ذلك لأن قرينة الحال تشهد بصدقه أولاً لأن مثل هذا الجذب لا يخفى على النبي عليه الصلاة والسلام وثانياً كون هذا الرجل يأتي يدخل المسجد والناس يستمعون الخطبة والرسول يخطب ثم يتجشم أن يتكلم هذا دليل على صدقه وأنه صادق.
ومن فوائد هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يسأل منه الغوث في الأمر الذي لا يقدر عليه لأن الرجل قال ادعو الله يغيثنا ولم يقل أغثنا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقدر أن يغيث في هذا الأمر لكن لو كان الإنسان غريقاً في ماء وحوله رجل فقال أغثني أغثني انقذني فإنه يجوز لأنه قادر عليه.

ومن فوائد هذا الحديث بطلان دعوى المخرفين الذين يقولون إن الرسول عليه الصلاة والسلام على كل شيء قدير فإنهم في الحقيقة أرادوا بهذا رفع الرسول عليه الصلاة والسلام ولكنهم على العكس من ذلك ارتكبوا ما نهى عنه حيث نهى عن الغلو فيه وهم غلوا فيه.
في هذا إشكال في قوله ادعو الله يغيثنا ولم يقل ادعو الله يغثنا مع أن الفعل المضارع مسبوق بطلب فلماذا لم يجزم؟ الجواب واضح لأن هذا الفعل المضارع ليس جواباً للطلب إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يدعو ولا يغاثون ولو كان إذا دعا أغيثوا قطعاً لقال ادعو الله يغثنا لكنه قال ادعو الله ثم بين هذا المطلوب بقوله يغيثنا فبقي الفعل مرفوعاً.
ومن فوائد هذا الحديث تكرار الدعاء ثلاثاً لقوله (اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا) وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا دعا ثلاثاً وإذا تكلم تكلم ثلاثاً ليفهم عنه وإذا سلم سلم ثلاثاً والتثليث وارد كثيراً في أشياء كثيرة.
من فوائد هذا الحديث بيان قدرة الله عز وجل حيث أنشأ الله السحابة وأمطرت في هذه المدة القصيرة فهي دليل على كمال قدرته جل وعلا وعلى علمه وعلى سمعه وعلى رحمته كل هذه من لوازم إجابة الله دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام لولا سمعه ما سمع الدعاء لولا علمه ما نشأت السحب لكنه عالم قادر غني كريم رحيم سميع كل هذه من لوازم إجابة الدعاء.

ومن فوائد هذا الحديث أيضاً آية للرسول عليه الصلاة والسلام حيث أن الله أجاب دعاءه بهذه السرعة العظيمة فلم ينزل من المنبر إلا وقد تحادر المطر من لحيته صلوات الله وسلامه عليه فهي آية دالة على صدقه وقد تكون الآية دالة على كذب المدعي كما يذكر عن مسيلمة الكذاب يقال إنه جاءه قوم يشكون إليه غور بئرهم فقال أخرجوا إلي فخرج إليهم وأعطوه ماءً منها فأداره في فهمه ثم مجه في البئر وفيها شيء من الماء فلما مجه فيها غار الماء يعني هو يؤمل أنه يفور كما فار البئر في الحديبية لكن الأمر بالعكس هذه آية لا شك تدل على قدرة الله لكن آية لتكذيب هذا الرجل لا لتصديقه وكما جيئ إليه أيضاً بصبي قد تمزق شعر رأسه فجيء إليه لعله يمسح رأسه فينبت الشعر نباتاً طيباً قالوا إنه مسح رأسه لينبت فحتى الشعر الموجود زال هذه أيضاً آية لكنها على عكس ما يريد أما آيات النبي عليه الصلاة والسلام فهي على وفق ما يريد.
ومن فوائد هذا الحديث في البقية التي لم يذكرها المؤلف جواز تكليم الخطيب بالمصلحة العامة حيث قال يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فأقره النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن فوائده أيضاً الآية العظيمة أن الرسول قال اللهم حوالينا ولا علينا وجعل يشير إلى النواحي بيده فيتفرق السحاب وصار المطر حول المدينة حتى سال الوادي الذي يسمى قناة شهراً كاملاً وفيه أيضاً حسن تصرف الرسول عليه الصلاة والسلام لأن الرجل قال ادعو الله يمسكها عنا والرسول عليه الصلاة والسلام لم يدعُ الله أن يمسكها بل دعا الله برفع الضرر وبقاء النفع ماذا قال (حوالينا ولا علينا) (حوالينا) بقاء النفع (ولا علينا) دفع الضرر فأجاب السائل بغير ما يتوقع لأن المصلحة في ذلك وهذا يسمى عند البلاغين أسلوب الحكيم أن يجاب السائل بخلاف ما يتوقع ثم إن في دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام أيضاً ملاحظة مهمة قال على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ما قال حوالينا ولا علينا حتى على السباخ والمدينة كما تعرفون فيها سباخ بل قال (اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام) وهذا تخصيص بعد تعميم (على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر) الآكام الجبال الضراب الروابي الصغيرة بطون الأودية الشعبان منابت الشجر الأراضي الرياض التي ينبت فيها الشجر.

أما الوجه الثالث فيقول أن يدعو عقب الصلوات وهذا لا يحضرني الآن دليل له لكن الرسول عليه الصلاة والسلام كان مرة في ناحية من المدينة فجاءه رجل يسأله أن يدعو الله بالغيث فقال (اللهم أغثنا حتى يقوم فلان فيسد ثعلب مربده بإزاره) ثعلب المربد يعني الذي يدخل معه الماء كان المربد وهو مجمع الزرع كان محوطاً وكان فيه فتحة للماء كما هو المعروف فأمطرت السماء وأمطرت وأمطرت وخاف الناس فجاؤوا لهذا الرجل وقالوا إن الرسول عليه الصلاة والسلام سأل الله السقيا حتى تقوم وتسد ثعلب مربدك بإزارك قم المطر ضرنا فقام الرجل فسد ثعلب مربده بإزاره فوقفت السماء سبحان الله هذه من آيات الله أيضاً ثم إن هناك أيضاً مواضع غير هذه السؤال في حال السجود في آخر الليل والسؤال عندما يشعر الإنسان بالاضطرار إلى نزول الغيث لأنه كلما كان الإنسان في ضرورة كانت إجابة الدعاء أقرب حتى الكافر الذي هو كافر ويعلم الله أنه سيكفر إذا دعا الله في حال الضرورة أجابه (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) فينجيهم.

ثم ذكر المؤلف أنه يستحب أن يقف في أول المطر ويخرج ثيابه ليصيبها لما روى أنس رضي الله عنه في حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر من لحيته والاستدلال بهذا الحديث فيه نظر لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يتقصد أن يبقى على المنبر حتى ينزل المطر على رأسه ولحيته لكن هناك أدلة أخرى فإن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا نزل المطر حسر عن ثوبه حتى يصيب بدنه ويقول (إنه حديث عهد بربه) يعني خلق الآن هذا الذي يستدل به وقوله في أول المطر هل المراد في أول مطرة تأتي في السنة أو أول ما يبدأ المطر؟ المراد الثاني والفوائد التي في حديث أنس لم نستوعبها لا تظنوا أن ما ذكرناه هو كل الفوائد يوجد فوائد كثيرة ومنها بل من المهم منها اتخاذ شعر اللحية وأن الرسول عليه الصلاة والسلام ذو لحية وهو كذلك وكان عظيم اللحية عليه الصلاة والسلام كثة وكانت ترى لحيته وهو يقرأ في الصلاة تتحرك اللهم صلِّ وسلم عليه.

فصل القارئ: فإن كثر المطر بحيث يضرهم أو كثرت مياه العيون حتى خيف منها استحب أن يدعو الله تعالى أن يخففه لأن في حديث أنس قال فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم على ظهور الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر) فانجابت عن المدينة انجياب الثوب متفق عليه وفي حديث آخر (اللهم حوالينا ولا علينا ويقول (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) الآية.
الشيخ: وغيره ذكر أنه يقرأ (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) وهذا هو المقصود لكن كأن المؤلف رحمه الله استحب أن تقرأ الآية كلها.
﴿كتاب الجنائز﴾ الشيخ: على ما هي عليه.
القارئ: فإن كثر المطر بحيث يضرهم أو كثرت مياه العيون حتى خيف منها استحب أن يدعو الله تعالى.
الشيخ: لأنه قال يضرهم وهذه جمع فيكون يدعو ضميرها ضمير جمع.
القارئ: استحب أن يدعو الله تعالى أن يخففه لأن في حديث أنس قال فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم على ظهور الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر) فانجابت عن المدينة انجياب الثوب) متفق عليه وفي حديث آخر (اللهم حوالينا ولا علينا) ويقول (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) الآية.
الشيخ: وغيره ذكر أنه يقرأ (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) وهذا هو المقصود لكن كأن المؤلف رحمه الله استحب أن تُقرأ الآية كلها وينبغي للإنسان إذا استشهد بآية وكان محل الاستشهاد في آخرها أن لا يقول الآية بل يأتي بمحل الشاهد.
كتاب الجنائز القارئ: يستحب الإكثار من ذكر الموت والإستعدادُ له.

الشيخ: قوله كتاب الجنائز الجنائز جمع جنازة فمن اللغويين من قال جنازة وجنازة بمعنى واحد ومنهم من فرق وقال الجَنازة الميت والجِنازة ما يحمل عليه وهذا له وجهة نظر لأن الجنازة بالفتح حركته عليا فكانت للأعلى والجنازة بالكسر حركتها سفلى فكانت للأسفل وعلى هذا فتقول صليت على الجنازة ولا تقول صليت على الجنازة لأن الجنازة هي النعش وقول المؤلف يستحب الإكثار من ذكر الموت لأنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث فيه نظر (أكثروا من ذكر هاذم اللذات الموت) وهل المراد ذكره أي تذكره بحيث أن الإنسان يتذكر هذا بنفسه أو ذكره بين الناس إذا صح الحديث فهو عام لكن ذكره بين الناس يجب على الإنسان أن يلاحظ الحال هل هي مناسب أن يتكلم بالموت أو غير مناسب قد لا يكون من المناسب أن يتذكر الموت في حفل عرس مثلاً أو ما أشبه ذلك فالإنسان يذكر غيره بالموت إذا اقتضت الحال هذا أما الاستعداد له فنعم يسن الاستعداد له وقد يجب فيما يجب على الإنسان أداؤه كالديون والعبادات الواجبة عليه وما أشبه ذلك فالاستعداد نوعان نوع واجب ونوع مستحب حسب ما يستعد به للموت.

القارئ: فإذا مرض استحب عيادته لما روى البراء قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنازة وعيادة المريض متفق عليه.

الشيخ: وقوله استحب الصحيح أن عيادة المريض فرض كفاية وأنه إذا لم يقم بها من يكفي وجب على المسلمين عيادة أخيهم لأنها من حقوق المسلم على المسلم وكيف يليق بنا أن نعرف أن أخينا مريض في بيته ولا يعوده أحد منا فالصواب أن عيادة المريض فرض كفاية وأنه إذا كان المريض ذا رحم فعيادته فرض عين لأنها من صلة الرحم وقول المؤلف عيادة المريض ظاهره العموم لكن ينبغي أن يقيد بالعيادة في مرض جرت العادة بالعيادة فيه أما لو كان مريضاً مرضاً سهلاً كوجع الضرس ونحو ذلك فإنه لا يعاد لأن الغالب أنه لا ينحبس في بيته ولو قيل بضابط أنه يسن عيادة المريض الذي اقتضى مرضه أن ينحبس في البيت لكان هذا ضابطاً جيداً.
القارئ: فإذا دخل عليه سأله عن حاله ورقاه ببعض رقى النبي صلى الله عليه وسلم ويحثه على التوبة ويرغبه في الوصية ويذكر له ما روى ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده) متفق عليه.

الشيخ: هذا مما يسن لعائد المريض أن يسأل المريض عن حاله كيف أنت؟ ويسأل كيف تصلي؟ كيف تتطهر؟ لأنه قد يخفى على بعض المرضى فرجل عاد مريضاً وقال له كيف حالك؟ وسأله كيف تصلي قال نسأل الله أن يتجاوز عنا لي خمسة عشر يوم وأنا أجمع بين الظهر والعصر وأقصر فقوله أجمع هذا صحيح يحل له الجمع إذا شق عليه الإفراد لكن أقصر لا يحل له فقال له صاحبه كيف تقصر وأنت في البلد قال المريض أليست القاعدة أن كل من جاز له الجمع جاز له القصر هذا ظنه وهذه القاعدة كل عامي يعرف أنها ليست قاعدة لأننا نجمع في حال المطر والبرد الشديد وما أشبه ذلك ولا نقصر فأقول إنه ينبغي أن يسأل عن حاله كيف تصلي وكيف تتطهر؟ ويخبره بما يجب عليه كذلك قوله يرقيه يعني يقرأ عليه وهذا يستحب أو يتأكد إذا رأى من المريض أنه متشوف لذلك وقوله أيضاً ببعض رقى النبي صلى الله عليه وسلم صحيح فإن خير الرقى رقى محمد عليه الصلاة والسلام وقوله ويحثه على التوبة صحيح لكن مع تنفيسه له في الأجل فلا يقول تب إلى الله ترى رجليك بالقبر ويضيق عليه لا ولكن يحثه على التوبة ويقول التوبة إلى الله عبادة من أجل العبادات والإنسان خطاء فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون وما أشبه ذلك وكذلك الوصية يذكره لا سيما إذا كان هذا الرجل معروفاً بأنه يستدين من الناس ويستقرض وله معاملات فهنا يتأكد أن يذكره لكن إذا قال قائل إذا كان المريض إذا حُدِّث بهذا الحديث انزعج وخاف فهل نحدثه أو ندعه لأنه ربما يزيده كلامنا مرضاً لأن الناس ليسوا على مستوى واحد فهل نذكره؟

نقول أما ما يجب التذكير فيه فإنه قد يتوجه أن نذكره حتى وإن ارتاع يعني مثل أن يكون الإنسان له مداخلات بين الناس ونعرف أن عليه ديوناً فنذكره لكن بأسلوب بعيد عن أن يشعر بأن المعنى أنه دنا أجله ثم إن دنو الأجل ما هو في المرض كم من إنسان مرض وقرب نعشه واشتري كفنه وحفر قبره وعافاه الله عز وجل وكم من إنسان صحيح ليس فيه أدنى مرض ثم يموت أليس كذلك؟ فممكن أن الإنسان يأتي بأسلوب ينفس لهذا المريض في الأجل ويذكره الوصية.

فصل فيمن يلي المريض القارئ: ويستحب أن يلي المريض أرفق أهله به وأعلمهم بسياسته وأتقاهم لربه وإذا رآه منزولاً به تعاهد بل حلقه فيقطر فيه ماءً أو شرابا ويندي شفتيه بقطنة ويلقنه قول لا إله إلا الله مرة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) رواه مسلم ويكون ذلك في لطف ومداراة ولا يكرر عليه فيضجره إلا أن يتكلم بشيء فيعيد تلقينه لتكون آخر كلامه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داود.

الشيخ: هذا أيضاً مما ينبغي ملاحظته أن يمرض المريض أقرب الناس إليه وأشدهم حنواً وعطفاً لأن هذا مما يزيد في صحته ويخفف عليه المرض والألم والقلق وإذا رأى أنه قد نزل به فإنه كما يقول المؤلف يستحب فيه أفعال وأقوال الأفعال أن يتعاهد بل حلقه بماء لأن ريقه ينشف وكذلك شفتاه تندى بماء ليسهل عليه النطق ويلقنه لا إله إلا الله لكن كيف التلقين؟ هل يأمره بلا إله إلا الله أو ينطق بلا إله إلا الله عنده بصوت يسمعه؟ الجواب الثاني لأنه ربما إذا أمره مع ضيق نفسه في تلك الحال ربما يكره هذا أو يقول لا أنت تأمرني أو ما أشبه ذلك فإذا ذكر الله عنده بصوت يسمعه انتبه وصار هذا تلقيناً فإن قيل ما الجواب عن قول الرسول عليه الصلاة والسلام لعمه أبي طالب وهو محتضر (يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)؟ الجواب سهل أن أبا طالب كان كافراً وأشد ما يخشى أن يقول أبو طالب لا وإذا قال لا لم يزد عليه الأمر لأنه كان كافراً إن نطق بها فهي كسب وإن لم ينطق بها فهو غير ناطق بها ولهذا كان آخر ما قال والعياذ بالله أنه على ملة عبد المطلب بسبب رجلين كانا عنده قالا له أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وإذا قال الذي يمرضه لا إله إلا الله ونطق المحتضر وقال لا إله إلا الله هل يعيد؟ لا لا يعيد ما دام هذا آخر كلامه لا يعيد لكن لو تكلم المحتضر بأي كلام فإنه يعيد حتى لو قال يا رباه أو أشكو إلى الله أو ما أشبه ذلك فليعد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله).

القارئ: ويقرأ عنده سورة يس ليخفف عنه لما روى معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (اقرأوا يس على موتاكم) رواه أبو داود.

فصول الكتاب · 13 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة · 500 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب التفليس
كتاب الصلح
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الوقف
جارٍ التحميل