تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامةصفحات 202-241
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 202-241
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
عدد الأجزاء
5 [الكتاب مرقم آليا]

الشيخ: وفي لفظ آخر قال (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء) فهو أوفى من هذا السياق الذي ذكره المؤلف رحمه الله ومعنى الجملة أنه يجوز بيع الدين لمن هو في ذمته أيّ دين كان سواء دراهم أو دنانير أو طعام أو أي شيء يجوز أن يُباع لمن هو في ذمته ولكن بشرطين الشرط الأول أن يكون بسعر يومه والشرط الثاني القبض قبل التفرق وهذا فيما إذا بيع بما لا يباع به نسيئة مثال ذلك إنسان في ذمته لشخص مائة صاع بر فأراد أن يشتريها ممن هي له فقال أنا سأعطيك عوض عن هذه المائة صاع بر بمائتي صاع شعير فهذا جائز لأن بيع البر بالشعير يجوز متفاضلاً لكن لابد من القبض في نفس المكان لأن بيع البر بالشعير لابد فيه من التقابض ولابد أيضاً أن يكون بسعر يومه بحيث تكون مائتين صاع من الشعير تقابل مائة صاع بر في الثمن فإن كانت لا تقابل بأن كان الثمن مائتين صاع شعير أكثر من مائة صاع بر فهذا لا يجوز لأنه لو فعل لكان قد ربح فيما لم يدخل في ضمانه وهذا حرام ثم نأتي إلى حديث ابن عمر كانوا يبيعون البعير بعشرة دنانير ثم يأتي المشتري ويقول خذ مني دراهم مائة درهم بعشرة دنانير أو يبيعها بالدراهم ويأخذ عنها دنانير قال الرسول عليه الصلاة والسلام (لا بأس) لكن بشرط ألا تتفرق قبل القبض لماذا؟ لأن بيع الذهب بالفضة يجب فيه التقابض في مجلس العقد واللفظ الثاني (بسعر يومها) فلو

أخذها بغير سعر يومها مثاله باع البعير بعشرة دنانير وقيمتها اليوم مائة درهم لكنه أخذ مائة وعشرة دارهم حرام لأنه الآن جاءه ربح عشرة في سلعة لم تدخل في ضمانه لأنها مازالت في ذمة المشتري ولو أخذ بدل عشرة دنانير تسعين درهم فهل يجوز؟ إن نظرنا إلى ظاهر الحديث قلنا لا يجوز لكن إذا نظرنا إلى المعنى قولنا يجوز لأن هذا الرجل الذي أخذ تسعين درهماً عن عشرة دنانير تنازل عن بعض حقه والرسول عليه الصلاة والسلام قال (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها) احترازاً من الزيادة وأما النقص فلا بأس وإنما اشترط النبي عليه الصلاة والسلام ذلك لأنه ليس من عادة الإنسان غالباً أن يأخذ أقل من حقه فمنع الرسول عليه الصلاة والسلام من الزيادة لأن هذه هو الغالب دون النقص لأنه نافذ لكن لو نقص فلا بأس.
القارئ: ولا يجوز بيعه لغير من هو في ذمته لأنه معجوز عن تسليمه فأشبه بيع المغصوب لغير غاصبه.

الشيخ: يقول رحمه الله بيع الدين على من هو عليه جائز وسبق أن فيه شروط الشرط الأول أن يبيعه بسعر بسعر يومه والثاني إذا باعه بما يجري فيه الربا فلابد أن يقبضه بمجلس العقد وإذا باعه لغير من هو عليه يقول المؤلف إنه لا يجوز مثاله في ذمة زيد لي مائة صاع بر فأتاني آت وقال بيع عليَّ ما في ذمة فلان من البر فبعته عليه المؤلف يقول لا يجوز وذلك لأنه غير مقدور عن تسليمه معجوز عن تسليمه إذ أن المشتري إذا ذهب إلى من هو في ذمته قد يماطل به وقد ينكره ويحتاج إلى خصومه فهو غير مقدور على تسلميه كالمغصوب فإنه لا يجوز أن يباع مادام في يد الغاصب لكن بعض أهل العلم قال يجوز بشرط أن يكون المشتري قادراً على استنقاذه ممن هو في ذمته فإذا كان قادراً فلا مانع وهذا له وجهة نظر وهو أنه معلوم مقدور على تسلمه الآن لكن فيه إشكال من جهة أن الإنسان باع ما لم يدخل في ضمانه فهو كبيع ما ليس عنده وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع مالا ليس عنده فهذا يجعل الإنسان يتوقف في جواز بيعه ولو على قادر على أخذه أما المغصوب فقد سبق لنا إنه إذا بيع على قادر على أخذه فإن البيع صحيح.
القارئ: وما كان من الدين مستقراً كالقرض فهو كالثمن وما كان غير مستقر كالمُسلم فيه لم يجز بيعه بحال لا لصاحبه ولا لغيره لقوله عليه السلام (من أسلَم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) رواه أبو داود.

الشيخ: الدين المستقر كثمن المبيع على ما سبق يعني يجوز بيعه على من هو عليه بالشرطين السابقين ألا يربح فيه وأن يقبضه إذا باعه بما يشترط فيه القبض أما غير المستقر يقول لا يجوز بيعه لا من هو عليه ولا على غيره ومثل لذلك بالمُسلم فيه والمُسلم فيه هو المبيع وصورة المسألة أن يأتي الفلاح إلى التاجر ويقول أنا محتاج دراهم وليس عندي شيء الآن فيتفق مع التاجر على أن يعطيه ألف ريال بخمسمائة صاع بر فيكون الصاع بريالين ويتفق معه على هذا فيعطيه التاجر ألف ريال فنسمي هذا سلماً لأن المشتري قدم

الثمن والبائع أخر السلعة المثمن إذا حل الأجل فهل يجوز أن يبيع التاجر هذا المسلم فيه على المسلم إليه أو لا يجوز؟ يقول المؤلف إنه لا يجوز ثم أستدل بحديث (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) لكن الحديث ضعيف فلا يحتج به وثانياً ما المانع أن يقول للذي في ذمته السلم أعطني بدله طعاماً آخر ما المانع؟ نقول الواقع أنه لا مانع والأصل في البيع والشراء الحل لكن يحتاج إلى شيء وهو ألا يربح في هذا لأننا لو قلنا بجواز الربح بقي كلما حل الأجل باعه بشيء آخر وربح وحينئذ يكون كآكل الربا أضعافاً مضاعفة المثال بصورة أخرى لو أسلم ألف ريال بخمسمائة صاع فلما حلّ الأجل قال صاحب الدين سلم الخمسمائة صاع قال المدين ما عندي لكن عندي ستمائة صاع شعير فهل يجوز أن يعطيه عن البر شعيراً؟ الجواب على كلام المؤلف لا يجوز وعلى القول الذي رجحناه يجوز بشرطين التقابض قبل لتفرق لأن بيع البر بالشعير لابد فيه من التقابض والثاني ألا يربح بحيث تكون قيمة ستمائة صاع شعير هي قيمة خمسمائة صاع بر ولو قلنا بجواز الربح وصارت قيمة ستمائة صاع الشعير أكثر من قيمة خمسمائة صاع بر وقال الدائن نجعله شعيراً ستمائة صاع فقال المدين لكن ما عندي شيء الآن إلا بعد ستة أشهر فجاءت الستة أشهر وليس عنده شعير فحوله إلى بر بزيادة فيكون عمله كالذين يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة فكلما حل أجل نوع من الطعام أشترى به نوع آخر بزيادة فيكون ربا كالذي يقول لمدينه إذا حل الأجل وهو ألف ريال قال ما عندي قال إذن نجعله بألف ومائتين إلى سنة وحل الأجل في السنة الثانية فقال نجعله ألف وأربعمائة وهكذا فهذا هو الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه وهو الذي قال الله عنه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً) والخلاصة أن دين السلم كغيره يجوز بيعه لمن هو عليه بشرط ألا يربح ونزيد شرطاً آخر أن يكون القبض قبل التفرق فيما إذا باعه بشيء يشترط فيه

القبض قبل التفرق، والخلاصة فيما سبق من المسائل أن بيع الدين على ما هو عليه على القول الراجح جائز مطلقاً سواء كان ثمن مبيع أو قرض أو قيمة متلف أو أرش جناية أو أي دين لكن بالشرطين المذكورين إن كان مما يشاركه في علة الربا فإنه لابد من التقابض والشرط الذي لابد منه على كل حال هو ألا يربح وإذا كان إذا باعه على غيره فإن كان الغير غير قادر على أخذه فلا يجوز لأن هذه مخاطرة والغالب إن البائع الذي باع الدين على فلان الغالب أنه سيكون الثمن أقل فسيبيع ما يساوي المائة بثمانين والمشتري قد يقبض فيأتيه مائة بدل ثمانين وقد لا يقبض فيخسر الثمانين فهذا لا يجوز لكن إذا كان المشتري قادراً على أخذه من المدين فهذا جائز.

فصل القارئ: وكل عقد ينفسخ بتلف عوضه قبل قبضه كالإجارة والصلح حكمه حكم البيع فيما ذكرناه ومالا ينفسخ كالخلع والعتق على مال والصلح عن دم العمد جاز التصرف في عوضه قبل قبضه طعاماً أو غيره وكذلك أرش الجناية وقيمة المتلف والمملوك بإرث أو وصية أو غنيمة

إذا تعين ملكه فيه لأنه لا يتوهم غرر الفسخ بهلاك المعقود عليه جاز بيعه كالوديعة والصداق كذلك قاله القاضي لأنه لا ينفسخ العقد بتلفه فهو كعوض الخلع وقال الشريف وأبو الخطاب هو كالمبيع لأنه يخشى رجوعه بانفساخ النكاح بالردة فأشبه المبيع.

الشيخ: هذا الضابط وهو أن كل عقد ينفسخ بتلف عوضه قبل قبضه كالإجارة حكمه حكم البيع في أنه لا يجوز على غيره من هو عليه ويجوز على من هو عليه الإجارة مثلاً استأجرت منك بعيراً كل يوم بعشرة ريالات وقبضت البعير وتلف هل تثبت الإجارة أو ينفسخ العقد؟ الجواب ينفسخ العقد أو استأجرت منك بيتاً سنة أو سنتين أو أكثر وانهدم البيت ما حكم العقد؟ الجواب ينفسخ فالعقد هنا ينفسخ بتلف العين التي تم العقد عليها لكن لو أن امرأة خالعت زوجها ثم لم تقدر على بذل الخلع فهل ينفسخ الخلع؟ الجواب لا حتى لو خالعته على شيء معين وتلف على وجه تضمنه هي فإن الخلع لا ينفسخ وعلى هذا فيكون التصرف فيه جائزاً لأنه حتى لو تلف أو عُجِز عن تسلميه فالعوض باقي ولا ينفسخ فلا ضرر عليه ولكن القول الثاني أنه كالمبيع قول قوي لا شك والعلة واحدة وهي عدم قدرة المشتري على الاستيفاء سواء كان عوض خلع أو صداقاً أو قيمة متلف أو أرش جناية أو ثمن مبيع أو قرض أو أجرة فالذي يظهر لي أن قول أبي الخطاب والشريف هو الصحيح أنه يجوز العقد على كل ما ثبت في الذمة ثم إذا تم البيع فهو لازم لكن على من هو عليه أما على غير من هو عليه فعرفتم أن المذهب لا يجوز والقول الثاني إذا كان قادراً عليه بلا مشقة فلا بأس.

فصل

القارئ: وقبض كل شيء بحسبه المكيل المبيع مكايلة قبضه كيله لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله) رواه مسلم وإن بيع جزافاً فقبضه نقله لما روى ابن عمر قال (كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه) رواه مسلم وقبض الذهب والفضة والجوهر باليد وسائر ما ينقل قبضه نقله وقبض الحيوان أخذه بزمامه أو تمشيته من مكانه ومالا ينقل قبضه التخلية بين مشتريه وبينه لا حائل دونه لأن القبض مطلق في الشرع فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحياء والإحراز والعادة ما ذكرناه وعنه أن القبض في جميع الأشياء بالتخلية مع التميز لأنه قبض فيما لا ينقل فكان قبضاً في غيره.
الشيخ: القبض يختلف وقد مر علينا حكم بيع الشيء قبل قبضه وحكم تلفه قبضه وما أشبه ذلك فالقبض عليه مدار أحكام كثيرة لكن بماذا يحصل القبض؟ بينه رحمه الله فقال (قبض كل شيء بحسبه) وعلى هذا

فيرجع في ذلك إلى العرف فما عده الناس قبضاً فهو قبض المكيل المبيع مكايلة قبضه كيله وإن كان في مكانه فإذا باع الإنسان هذه الصبرة كل صاع بدرهم فلا يكفي في قبضها أن ينصرف البائع ويقول خذ صبرتك بل لابد من أن تكال فإذا كيلت فهذا قبض وإن كانت في مكانها وكذلك إذا بيع جزافا فقبضه نقله أي نقله من مكانه إلى مكان المشتري أو إلى مكان آخر إذا كان يريد أن يبيعه في سوق آخر وظاهر الأدلة أن ما يباع مجازفة في السوق فإنه لا يجوز لمشتريه أن يبيعه حتى ينقله إلى سوق آخر والظاهر أنه إذا كان السوق طويلاً ونقله من طرفه إلى طرفه الآخر كفى وسبق لنا أن عادة الناس الآن أنا ما أوتي به إلى السوق العام فإن قبضه يكون بالتخلية بينه وبين المشتري لأن السوق ليس ملكاً لفلان دون فلان أما الذهب والفضة قبضه يكون باليد خذ وهات هذا قبض وأما ما ينقل يكون قبضه بنقله مثل الطعام إذا لم يباع مكايلة أو الأدوات أو الآلات مثل مكائن السيارات وما أشبهها فهذه يكون قبضها بنقلها وأما قبض الحيوان فيكون بأخذه بزمامه أو تمشيته عن مكانه وهل يكفي أن يركب الحيوان بدون أخذ الزمام؟ نعم وظاهر كلام المؤلف أنه لا يكفي لكن نقول إذا جرت العادة بأن ركوب المشتري للحيوان كأخذه لزمامه قلنا هذا قبض مادام أن المرجع للعرف وأما ما لاينقل فقبضه التخلية بين مشتريه وبينه ومثل ما لاينقل كالأخشاب والأشياء الكبيرة كالأحجار فهذا قد لا ينقل بمعنى أن الشخص لو اشترى خشباً فإنه لا يمكن أن ينقله على الكتف ويمشي به ولهذا يكفي التخلية بينه وبين المشتري ليحصل القبض ومن ذلك أيضاً البيوت لا تنقل فإذا أعطاه المفتاح وخلا بينه وبينها فهذا قبض لها ولهذا علل فقال المؤلف (لأن القبض مطلق في الشرع فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالأحياء والإحراز) الإحياء يعني إحياء الأرض الميتة مثلاً إذا استولى شخص ما على أرض بيضاء ليست ملكاً لأحد فهل تكون له بمجرد أن يضع يده عليها؟ الجواب لا

لابد من إحيائها والإحياء يكون بما جرت العادة أنه إحياء وسيأتينا إن شاء الله في باب إحياء الموات وقوله (الإحراز) الإحراز يعني الحفظ وليس له حد معين بل يختلف فحرز الذهب والفضة يكون بالصناديق وراء الأبواب المغلقة وحرز الطعام يختلف إذا كانت البلاد آمنة يمكن أن يكون إحرازه بأن تضعه على عتبة الباب في الدكاكين مثلاً فتختلف الأحراز بحسب الأزمان وبحسب الأماكن وبحسب الولاة بعض الناس يكون في بلد ولاته أقوياء يكون الحرز الضعيف جداً قوياً وكذلك يختلف باختلاف الإيمان فالناس يختلفون إذا كان الشعب مؤمناً ويرى تحريم أخذ المال ويحترم حدود الله عز وجل فهو ليس كالشعب المتهاون في ذلك، ثم قال المؤلف (وعنه أن القبض في جميع الأشياء بالتخلية مع التميز) والتخيلة يعني أن يتخلى البائع ويميز نصيب المشتري وهذا في غير ما بيع بالكيل أو الوزن قد يكون له وجهة نظر وبناءاً على ذلك نقول الطعام الذي يباع جزافاً ويتخلى عنه صحابه يعتبر هذا قبضاً له فيجوز بيعه ولو في مكانه.

فصل القارئ: وما يعتبر له القبض إذا تلف قبل قبضه انفسخ العقد وهو من مال البائع لأنه تلف قبل تمام ملك المشتري عليه فأشبه ما تلف قبل تمام البيع فإن أتلفه المشتري أستقر عليه الثمن لأنه تلف بتصرفه فاستقر الثمن عليه كما لو قبضه وإن أتلفه أجنبي لم ينفسخ العقد لأنه له بدلاً يرجع إليه فلم ينفسخ العقد كما لو تعيب ويخير المشتري بين الفسخ والرجوع على البائع بالثمن لأنه تلف بغير فعل المشتري أشبه ما لو تلف بفعل الله وبين إتمام العقد والرجوع ببدله لأن الملك له.
الشيخ: إذا اشترى ما يعتبر له القبض فتلف قبل قبضه كالمكيل الذي اشتراه مكايلة فإنه يعتبر له القبض فإذا تلف قبل ذلك فله أربع حالات:

الحالة الأولى أن يتلف بفعل الله عز وجل مثل أن يحترق بنار أو سيل أو ما أشبه ذلك فهنا ينفسخ البيع ولا رجوع للمشتري على البائع اشترى مثلاً هذه الصبرة من الطعام مكيالة فجاءها مطر بدون تعدٍّ ولا تفريط من البائع واقتلعها وذهب بها فهنا نقول ينفسخ البيع لأن المشتري في هذه الحال لا يمكن أن يرجع على أحد.
الحالة الثانية إن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن لأن إتلافه إياه كقبضه فلو أن المشتري أتلف ما اشتراه مكايلة بفعله كأن يحرقه بالنار أو ما أشبه ذلك ولو خطأً فإنه يتلف عليه لأنه هو المتلف ولو قال قائل في هذه الحال لماذا لا تجعلونه على البائع لأنه لم يُقْبض فيضمنه المشتري للبائع ثم يرجع البائع على المشتري بما ضمَّنه إياه؟ نقول هذا تطويل بلا فائدة بل نقول إذا أتلفه المشتري فإنه من ضمانه ويستقر عليه الثمن.
الحالة الثالثة إن أتلفه أجنبي لا البائع ولا المشتري وليس من فعل الله عز وجل فهنا يخير المشتري بين أمرين إما أن يفسخ البيع ويرجع بالثمن على البائع والبائع يرجع بالضمان على المتلف وإما يبقي العقد ويرجع على المتلف والبائع انتهى سُلِّم حقه وانتهت القضية من جانبه لكن هل المشتري يختار الفسخ ويرجع بالثمن أو يختار الإبقاء ويرجع على المتلف؟ لا شك أنه سوف يتبع الأحسن له فإن كانت القيم قد زادت وارتفعت فسوف يختار إمضاء البيع والرجوع على المتلف وإن كان العكس فسوف يختار فسخ البيع ويرجع على البائع.
القارئ: فإن أتلفه البائع احتمل أن يبطل العقد لأنه يضمنه إذا تلف في يده بالثمن فكذلك إذا أتلفه وقال أصحابنا الحكم فيه حكم ما لو أتلفه أجنبي.

الشيخ: هذه هي الحالة الرابعة والذي ذكره الأصحاب هو الأقرب أنه إذا أتلفه البائع خير المشتري بين الفسخ ويرجع بالثمن وبين الإبقاء ويرجع بقيمة المتلف وهنا كما قلنا سابقاً سيختار الأصلح والأكثر له فصارت الأقسام الآن أربعة:

  1. إذا تلف بفعل الله.
  2. إذا تلف بفعل المشتري.
  1. إذا تلف بفعل أجنبي.
  2. إذا تلف بفعل البائع.
    القارئ: وإن تعيب قبل قبضه فهو كما لو تعيب قبل بيعه لأنه من ضمان البائع.
    الشيخ: معناه أن العيب كالتلف إذا تلف المبيع قبل القبض فالعيب كالتلف تماماً 1.

فصل القارئ: وإذا باع شاة بشعير فأكلته قبل قبضه ولم تكن يد بائعها عليها أنفسخ البيع لأن الثمن هلك قبل القبض بغير فعل آدمي فإن كانت يده عليها فهو كإتلافه له وإن باعها مشتريها ثم هلك الشعير قبل قبضه أنفسخ العقد الأول ولم يبطل الثاني لأن ذلك كان قبل فسخ العقد وعلى بائعها الثاني قيمتها لأنه تعذر عليه ردها وهكذا إن كان بدله شقصاً فأخذه الشفيع انفسخ البيع الأول وعلى المشتري رد قيمة الشقص ويأخذ من الشفيع قيمة الطعام لأنه الذي اشترى به الشقص وعلى المشتري رد قيمة الشقص ويأخذ من الشفيع قيمة الطعام لأنه الذي اشترى به الشقص.

فصل القارئ: ومالا يحتاج إلى قبض إذا تلف فهو من مال المشتري لما روى حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعا فهو من مال المشتري ذكره البخاري وهذا ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يمنعه البائع قبضه فيضمنه لأنه تلف تحت يد عادية أشبه ما لو تلف تحت يد الغاصب وسواء حبسه على قبض الثمن أو غيره إلا أن يكون قد أشترط عليه الرهن في البيع.

الشيخ: الذي لا يحتاج إلى قبض يكون من ضمان المشتري بمجرد تمام العقد ولو كان في مكانه عند البائع وقوله رحمه الله (ما لم يمنعه البائع من قبضه) صحيح فإن منعه البائع من قبضه فالضمان على البائع ويضمنه ضمان غصب يعني يضمنه بمثله إن كان مثلياً وقيمته إن كان متقوماً وقوله رحمه الله (سواء حبس على قبض الثمن أو غيره) فيه نظر والصواب أنه إذا حبسه على قبض الثمن فلا ضمان عليه وكيف ذلك؟ يعني إذا باعه على شخص ثم راءه يريد أن يماطل فللبائع أن يحبسه أي يحبس المبيع عنده ويقول إذا أتيت بالثمن أعطيتك إياه هذا هو الصواب أما المذهب فلا لا يحبسه وإن حبسه فهو ضامن ويعللون قولهم بأن الواجب عليه أصلاً ألا يبيع على شخص مماطل فلماذا لم يحتاط لنفسه والجواب عن هذا الإيراد أن يقال ليس كل الناس إذا أراد أن يبيع على شخص ذهب يسأل عنه هل هو مماطل أو غير مماطل والأصل دفع الثمن لا المماطلة فيه والذي ذكرناه أنه يجوز حبس المبيع على ثمنه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه وهو الصواب.

باب تفريق الصفقة

القارئ: إذا باع ما يجوز بيعه ومالا يجوز بيعه صفقة واحدة كعبد وحر وخل وخمر وعبده وعبد غيره أو دار له ولغيره ففيه روايتان أحدهما تفرق الصفقة فتجوز فيما يجوز بيعه بقسطه من الثمن ويبطل فيمالا يجوز لأن كل واحد منهما له حكم منفرد فإذا اجتمعا بقيا على حكمهما كما لو باع شقصاً وسيفا والثانية يبطل فيهما لأنه عقد واحد جمع حلالاً وحراماً فبطل كالجمع بين الأختين ويحتمل أن يصح فيما يجوز فيما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء كدار له ولغيره ونحوها والقفيزين المتساويين لأن الثمن فيما يجوز بيعه معلوم ويبطل العقد فيما عدا هذا كالعبدين لأن ثمن ما يجوز بيعه مجهول لكون الثمن ينقسم عليهما بالقيمة وقسط الحلال منهما مجهول كما لو صرح به فقال بعتك هذا العبد بقسطه من الثمن لم يصح فكذا هاهنا فإن قلنا يصح.

الشيخ: هذه مسألة تفريق الصفقة والصفقة هي عقد البيع وسميت بذلك لأنهم كان يعتادون أن الرجل إذا باع على أخيه ضرب بيده على يده كأنه يقول تم العقد فالصفقة إذاً هي عقد البيع وعقد البيع إذا جمع بين ما يجوز بيعه ومالا يجوز فما الحكم هل يبطل في الجميع أو يصح فيما يصح ويبطل فيما يبطل؟ ذكر المؤلف الخلاف.
قوله (كعبد وحر) الحر لا يجوز بيعه والعبد يجوز بيعه مثاله قال البائع للمشتري بعتك هذين بألف ريال فالصفقة هنا واحدة والمبيع متعدد بعضه يجوز عقد البيع عليه وبعضه لا يجوز الثانية (خل وخمر) الخل يجوز بيعه والخمر لا يجوز مثاله باعه قارورتين إحداهما خل والثانية خمر بعشرة ريالات قوله (عبده وعبد غيره) عبد غيره أي الذي لم يوكله ببيعه مثاله أمسك عبده وعبد غيره وباعهما جميعاً بثمن واحد عقداً

واحداُ فقال بعتك هذين العبدين بعشرة آلاف ريال فالصفقة في هذه الأمثلة كلها جمعت بين ما يصح بيعه ومالا يصح يقول المؤلف فيه روايتان أي عن الإمام أحمد رحمه الله إحداهما تفريق الصفقة (فتجوز فيما يجوز بيعه بقسطه من الثمن ويبطل البيع فيما لا يجوز لأن كل واحد منهما له حكم منفرد فإذا أجتمع بقيا على حكمهما كما لو باع شقص وسيفاً) فلو باع حراً وعبداً بعشرة آلاف الحر شاب نشيط متعلم فاهم والعبد شيخ كبير جاهل فباعهما بعشرة آلاف ريال على القول بالصحة نقول الحر قيمته الحر نقدرها مثلاً بتسعة آلاف وخمسمائة والعبد الكبير الجاهل المركب نقدره بخمسمائة نقول الآن صح بيع العبد بخمسمائة والحر على كل حال لا يصح بيعه وكذلك قوله (خل وخمر) باع قارورة من الخل وقارورة من الخمر بعشرة ريالات كيف نقوم؟ الجواب نقوم الخمر خلاً الخل من الشعير والخمر من العنب أيهما أكثر قيمة لو كان كلاهما خلاً لا شك خل العنب أكثر فالآن هاتان قارورتان إحداهما خمر والثانية خل فباعهما جميعاً بثمن واحد والخمر من العنب والخل من الشعير كيف نقوم؟ ثمانية ريالات وريالين ونمشي على هذا وكذلك (عبده وعبد غيره) والمهم أن الرواية الأولى أن العقد صحيح فيما يصح فيه العقد وباطل فيما يبطل فيه العقد ولكن له الخيار كما سيأتي وأما الرواية الثانية أن العقد لا يصح فيهما جميعاً لأنه أجتمع مبيح وحاظر فغلب جانب الحظر ونقول البيع غير صحيح وترد السلعة للبائع ويأخذ المشتري الثمن والمذهب الأول وهو تفريق الصفقة فما كان يجوز عقد البيع عليه فبيعه صحيح ومالا فلا وقوله رحمه الله (كما لو باع شقصاً وسيفاً) يعني باع شقصاً وسيفاً بيعاً صحيحاً فيصح في الشقص وفي السيف والشقص يعني النصيب من أرض أو بيت أو ما أشبه ذلك فهو إذا باع على هذا الإنسان نصيبه من هذه الأرض وسيفاً يصح البيع أو لا يصح؟ الجواب يصح ومعلوم أن الشقص سيكون فيه شفعة وعند أخذ الشريك بالشفعة ماذا نصنع؟ نقسط

الثمن عليهما أي على قيمة الشقص وقيمة السيف وهذا هو الذي أوجب للمؤلف أن يأتي بمثال الشقص والسيف وذلك لأن الشقص إذا أخذه الشريك بالشفعة فلابد أن يُقوَّم بقسطه من الثمن والمثال إنسان عنده سيف وهو سيف مشهور بتار من أحسن السيوف يساوي عشرة آلاف وعنده نصيب من الأرض له فيها شريك أي في الأرض شريك فباع نصيبه من الأرض والسيف بعشرين ألف والأرض تساوي خمسة آلاف والسيف يساوي عشرة آلاف فقام الشريك في الأرض وطالب بالشفعة فبكم نقوم الشقص من أجل أن نسقط ثمنه من مجموع الثمن؟ الجواب خمسة آلاف لأن الثمن عشرين ألف والشقص خمسة آلاف والسيف عشرة آلاف فيكون خمسة عشرة ألف يعني أنه نقص الربع قد وقع البيع بعشرين ألف فنوزع العشرين على ثلاثة أثلاث ثلثين للسيف وثلث للشقص فهذا معنى الكلام.

القارئ: كما لو صرح به فقال بعتك هذا العبد بقسطه من الثمن لم يصح فكذا هاهنا فإن قلنا يصح علم المشتري الحال فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة ولا خيار للبائع بحال وإن لم يعلم المشتري الحال فله الخيار لأن عليه ضرراً في تفريق الصفقة.

الشيخ: هذه المسألة إذا قلنا بتفريق الصفقة وهو القول الراجح إن شاء الله فالمشتري له الخيار بين أن يأخذ ما يصح العقد عليه بقسطه من الثمن وبين أن يرد البيع لأن تفريق الصفقة عليه قد يضره قد يكون مثلاً أشترى هاتين العلبتين على أنهما خل لأنه عنده ضيوف يريد أن يكرمهم ولكن تبين أن واحدة منهما خمر وحينئذ لا يتم الإكرام فيقول فات مقصودي فنقول لك الخيار رد البيع كله وأما البائع يقول المؤلف لا خيار له لأنه عالم بالحال كما إن المشتري إذا علم بالحال فليس له الخيار يعني لو أن المشتري علم أن أحد المبيعين لا يصح عقد البيع عليه فلا خيار له كما لو عرف أن هذا الرجل باع عبده وعبد غيره فإنه لا خيار له لدخوله على بصيرة المؤلف يقول البائع يقول لا خيار له بالحال بناءً على أنه عالم لكن إذا كان جاهلاً كرجل تاجر لا يدري عن كل أمواله فله الخيار أيضاً والمهم أن الأولى أن نأتي بعبارة أعم فنقول لمن جهل الحال الخيار ليشمل ذلك البائع والمشتري لكن صحيح أن البائع في الغالب لا يخفى عليه الأمر لكن قد يخفى فإذا أتينا بعبارة وللجاهل في الحال الخيار صار هذا هو العدل فإن كان الجاهل هوالبائع فله الخيار وإن كان الجاهل هو المشتري فله الخيار.
القارئ: وإن اشترى معلوماً ومجهولاً بطل العقد فيهما لأن ما يخص المعلوم من الثمن مجهول.
الشيخ: علم من قوله (لأن ما يخص المعلوم من الثمن مجهول) أنه لو قدر لكل واحد منهما ثمناً فقال بعتك هذا الجمل وجمل آخر في المرعى كل واحد بعشرة فهل يجوز في المعلوم أو لا يجوز؟ الجواب التعليل يدل على الجواز مادام أنه قدر لكل واحد منهما ثمناً فيصح في المعلوم ولا يصح في المجهول.

القارئ: ولو باع قفيزين من الحلال بثمن واحد فتلف أحدهما قبل قبضه لم ينفسخ العقد في الباقي منهما سواء كانا من جنس واحد أو جنسين لأن حدوث الجهل بثمن الباقي منهما لا يوجب جهالة المبيع حال العقد قال القاضي ويثبت للمشتري خيار الفسخ لتفريق الصفقة عليه فأشبه ما قبلها.

فصل القارئ: فإن جمع بين عقدين مختلفي الحكم كبيع وإجارة أو صرف.
الشيخ: البيع والإجارة واضح أنهما مختلفان حكماً لأن البيع يقع على العين والإجارة تقع على المنافع والصرف أيضاً يختلف عن البيع لأن الصرف بيع نقد بنقد وله شروط والبيع ليس كذلك وإن كان الصرف نوعاً من البيع في الواقع لأنه بيع نقد بنقد لكن له أحكام خاصة فلهذا قال أنه يختلف الحكم بينه وبين البيع غير الصرف.
القارئ: فإن جمع بين عقدين مختلفي الحكم كبيع وإجارة أو صرف بعوض واحد صح فيهما لأن اختلاف حكم العقدين لا يمنع الصحة كما لو جمع بين ما فيه شفعة ومالا شفعة فيه وفيه وجه آخر لا يصح لأن حكمهما مختلف وليس أحدهما أولى من الآخر فبطل فيهما فإن البيع فيه خيار ولا يشترط التقابض فيه في المجلس.
الشيخ: والصرف لا خيار فيه وكذلك يشترط فيه التقابض في المجلس.
القارئ: ولا ينفسخ العقد بتلف المبيع والصرف يشترط له التقابض وينفسخ العقد بتلف العين في الإجارة.

الشيخ: لأن تلف المبيع يكون على نصيب المشتري إلا ما كان من ضمان البائع كما سبق ولا ينفسخ العقد وكذلك أيضاً الصرف لا ينفسخ بتلف المبيع والإجارة تنفسخ بتلف المؤجر ولهذا قال (وينفسخ العقد بتلف العين في الإجارة) وعلى كل حال هذه المسألة إذا جمع بين شيئين في عقد لا بأس به مثل أن يقول أجرتك بيتي وبعتك عليك السيارة بكذا وكذا فهنا إجارة للبيت وبيع للسيارة أو قال أجرتك هذا البيت وبعت عليك هذا البيت يصح لأن أحد البيتين ثبت ملكه بالبيع والثاني ثبت ملكه بالإجارة لكن لو شرط قال بعتك بيتي بشرط أن تستأجر البيت الثاني فالمذهب لا يصح والصحيح أنه يصح وعلى هذا فإذا جمع بين عقدين بلا شرط فهو صحيح وإن جمع بينهما بشرط فعلى المذهب غير صحيح والصواب أنه صحيح والتعليل واضح وهو أن ما جاز جمعه بلا شرط جاز جمعه بشرط لأنه لا يترتب على ذلك مفسدة.
القارئ: وإن جمع بين نكاح وبيع بعوض واحد فقال زوجتك ابنتي وبعتك داري بمائة صح.
الشيخ: لو قال زوجتك بنتي وبعتك داري بمائة يصح وتكون المائة عوضاً عن المبيع وصداقاً للمرأة.
القارئ: صح في النكاح لأنه لا يفسد بفساد العوض وفي البيع وجهان.

الشيخ: والصواب الصحة لكن لو طلق قبل الدخول فسوف تستحق المرأة نصف المهر فكيف نعرف؟ الجواب يقسط يعني يؤتى بأناس أهل خبرة ويقال كم يساوي البيت وكم صداق مثل هذه المرأة ويقسط العوض على ذلك القارئ: وإن جمع بين بيع وكتابة فقال لعبده بعتك عبدي هذا وكاتبتك بمائة بطل البيع وجهاً واحدا لأنه باع عبده لعبده فلم يصح كبيعه إياه من غير كتابة وهل تبطل الكتابة يُخرَّج على الروايتين في تفريق الصفقة.

الشيخ: الصحيح أنه يجوز وتفرق الصفقة وخلاصة هذا الفصل أنه إذا جمع بين عقدين فإن الجمع صحيح إذا لم يكن بشرط وإذا كان بشرط فالمذهب لا يصح والصحيح أنه يصح ما لم يتضمن محظوراً شرعياً فإن تضمن محظوراً شرعياً بأن قال بعتك بيتي هذا فقال اشتريته منك بمائة بشرط أن أقرضك كذا وكذا وكان ثمن البيت أكثر من قيمته الحقيقة فهنا نقول أنه ربح في قرض فلا يجوز.
السائل: قلنا إنه لو باع خمراً وعصيراً صفقة واحدة يصح في العصير ويبطل في الخمر ونقدر الخمر عصيراً ثم نقسط الثمن على ذلك فلماذا لا نقول نبقي خمر على ما هي عليه ونقدر ثمنها خمراً عند من يبيعهاكأهل الذمة؟ الشيخ: لا يجوز لأن بيع الخمر غير صحيح والبيع الآن على مسلم فلا يمكن أن نقدر القيمة على أنها خمر وكل شيء محرم فإنه لا يجوز اعتباره حتى الأمة مثلاً لو أن الإنسان قتل أمة غير مغنية وأمة مغنية فهل نقوم قيمتها على أنها مغنية أوغير مغنية؟ الجواب نقدرها على أنها غير مغنية لأن كل ما زاد بوصف محرم فلا عبرة به.

فصل القارئ: ولو باع رجلان عبداً لهما بثمن واحد صح لأن حصة كل واحد منهما من الثمن معلومة ولو كان لكل واحد منهما قفيز وكانا من جنس واحد فباعاهما صفقة واحد صح لذلك وإن كان المبيع مما لا ينقسم عليه الثمن مثل أن كان لكل واحد منهما عبد فباعاهما صفقة واحدة أو وكلّا رجلاً فباعهما أو وكل أحدهما الآخر فباعهما بثمن واحد لم يصح لأن كل واحد منهما مبيع بحصته من الثمن فلم يصح كما لو صرح به ويحتمل أن يصح بناءً على تفريق الصفقة أو كما لو كاتب عبدين كتابة واحد بعوض واحد.
الشيخ: هذا هو الصحيح الاحتمال الثاني هو الصحيح لأنه لا توجد جهالة وغاية ما هنالك أنه إذا لم يصطلحا أن يُؤتى بأهل الخبرة ويقال بكم تقدرون عبد فلان وبكم تقدرون عبد الآخر فمثلاً إذا كان ثمن

العبدين عشرة آلاف وقالوا نقدر عبد فلان بعشرة آلاف وعبد الآخر بثمانية آلاف فالجميع ثمانية عشر ألف فهل نقول أنهما يقتسمان العشرة آلاف سواء أو من عبده قيمته ثمانية آلاف ينقص؟ الجواب ينقص بمقدار العشر وهلم جرا فالصواب أنه يجوز أن يبيع عبديهما بثمن واحد ثم إن اصطلحا فيما بعد فالأمر إليهما وإن لم يصطلحا فإنه يقسط الثمن على قيمة العبدين.
السائل: هل قول الفقهاء أن كل قرض جر نفعاً فهو رباً فهل هذا في كل الأحوال؟ الشيخ: نعم وهو قول الفقهاء وفيه حديث لكنه ضعيف ولكن المعنى يقتضيه لأنه لولا قصد الإرفاق والإحسان في القرض لكان حراماً لأني لو بعت عليك درهم بدرهم تعطيني إياه بعد أسبوع مثلاً لا يجوز أما القرض إذا أقرضتك لو يبقى عندك عشرة سنوات جاز.
السائل: لو أقرضني رجل مثلاً وأنا أعمل في محل بيع وعليه زحام شديد من الناس فقمت وأتيته بالبضاعة وأعفيته من الوقوف في الزحام وبعته بنفس ما أبيع به الناس فهل هذه الخدمة جائزة؟ الشيخ: الظاهر أن هذا لا بأس لأنه ليس فيها منفعة مال أما إذا كان فيها منفعة مال فلا يجوز لأنك تريد أن تخدمه في شيء جرت العادة بخدمته فيه فلا بأس.

باب الثنيا

القارئ: إذا باع حائطاً وأستثنى شجرة بعينها أو قطيعاً واستثنى شاة بعينها صح لأن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن الثنيا إلا أن تعلم) قال الترمذي هذا حديث صحيح وهذه معلومة وإن استثنى شجرة أو شاة يختارها لم يصح للخبر وإن استثنى أصعاً معلومة أو باع نخلة وأستثنى أرطالاً معلومة فعنه أنه يصح للخبر والمذهب أنه لا يصح لأن المبيع إنما علم بالمشاهدة والاستثناء يغير حكم المشاهدة فإنه لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة.

الشيخ: هنا ثلاثة أنواع من الاستثناء الأول إذا باع حائطاً واستثنى شجرة بعينها أو قطيعاً يعني من الغنم واستثنى شاة بعينها فهذا جائز ولا إشكال لأن المستثنى الآن معلوم والباقي معلوم أيضاً والصورة الثانية إذا استثنى شجرة أو شاة يختارها فهذا لا يصح لأنه مجهول فلو قال مثلاً بعتك حائطي إلا نخلة أختارها فهذا لا يصح لأننا لا نعلم ماذا يختار فيكون مجهول وكذلك أيضاً إذا باعه القطيع وقال بعتك هذا القطيع يعني مجموعة من الغنم إلا شاة أختارها فلا يصح لأنه لا يُدرى ماذا يختار من القطيع والصورة الثالثة إذا باع نخلة واستثنى أرطالاً معلومة أو باع صبرة واستثنى آصعاً معلومة ففي ذلك روايتان عن الإمام أحمد الأولى يصح والثانية لا يصح ومثال ذلك قال بعتك هذه النخلة واستثنيت من ثمرها رطلاً فالمذهب لا يصح لأنه إذا أخذ الرطل بقي ما بعده غير معلوم فلا ندري ماذا يبقى بعد الرطل والصحيح أن ذلك جائز لأن البائع استثنى شيئاً معلوماً فدخل في (نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الثنيا حتى تعلم) وهذه معلومة فإذا

أخذ الرطل صار الباقي معلوماً بالمشاهدة ولا إشكال فيه وكذلك لو باع عليه صبرة يعني كومة من طعام واستثنى صاعاً منها فالمذهب أنه لا يصح والصحيح أنه يصح لأنه إذا أخذ الصاع فالباقي معلوم بالمشاهدة الصورة الرابعة أن يبيعه الثمرة ويستثني جزءاً مشاعاً معلوماً منها كالنصف والربع والثلث وما أشبهها فهذا جائز لأنه معلوم بالنسبة مثل أن يقول بعتك هذه النخلة يعني ثمرها إلا العشر فإنه يصح ومن ذلك أيضاً أن يقول بعتك بستاني هذا كله واستثنيت الزكاة فإنه يصح لأنه معلوم بالنسبة إذ أن الزكاة نصف العشر فيما يسقى بمؤونة والعشر كاملاً فيما يسقى بلا مؤونة.
القارئ: ولو باعه الصبرة إلا قفيزا لم يصح لذلك فإن باعه قفيزاً من هذه الصبرة إلا مكوكا صح لأن القفيز معلوم والمكوك منه معلوم.

الشيخ: قوله (إذا باعه قفيزاً من هذه الصبرة) القفيز مكيال معروف وأستثنى من القفيز مكوكاً والمكوك جزء معلوم من القفيز فكأنه الآن باعه قفيزاً إلا مكوكاً وهذا صحيح.
القارئ: وإن باعه داراً إلا ذراعا وهما يعلمان ذرعاتها جاز وكان مشاعاً.
الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله (إن باعه داراً إلا ذراعاً) فهم يعلمون أن الدار عشرة أذرع مثلاً فإنه يجوز لأنه معلوم بالنسبة يعني إذا كانت عشرة أذرع واستثنى ذراع كأنه استثنى عشرها ولهذا قال (وكان مشاعاً منها).
القارئ: وإلا لم يجز كما لو باعه ذراعاً منها.
الشيخ: (وإلا) يعني وإلا يعلمان ذرعها (لم يجز) لأنه كالقفيز من الصبرة.
مسألة: لو باعه داراً إلا ذراعاً مما يلي بيته يصح أو لا يصح؟ على القول الراجح يصح أما على المذهب ما يصح إلا إذا كان يعلمان ذرعها فإذا كان يعلمان ذرعها فربما يجوز على المذهب وأنا أشك في أنهم يجيزون هذا أيضاً لأنه إذا قال إلا ذراعاً مما يلي بيتي فهذا كالمعين بخلاف ما إذا قال إلا ذراعاً منها فهذا مشاع لكن على القول الراجح أنه جائز ولا حرج فيه كقوله بعتك الصبرة إلا قفيزاً منها.
القارئ: وإن باعه سمسماً إلا كسبه أو قطناً إلا حبه أو شاة إلا شحمها أو فخذها لم يصح لأنه مجهول فيدخل في الخبر.

الشيخ: ما هو كسب السمسم أنا لا أعرف ما هو بالضبط لكن لعله ألياف السمسم أو قوله (أو شاة إلا شحمها) هذا مجهول لأن الشحم منه ما هو منفرد كالألية والثِّرب وما على الكلى أو على القلب ومنها ما هو مختلط باللحم لا يمكن الإحاطة به فإذا باعها إلا شحمها فإنه لا يجوز وإذا باعها إلا فخذها يقول المؤلف أيضاً أنه لا يجوز وإذا باعها إلا رأسها فالمذهب أنه يجوز وهو كذلك أيضاً حتى الفخذ على القول الراجح أنه جائز فالفخذ والألية وكل جزء منفرد فإنه يجوز استثنائه لأنه معلوم بالمشاهدة فلو باعه الشاة وقال إلا رقبتها أو إلا ورأسها أو إلا رجلها أو إلا يدها أو إلا أليتها كل هذا جائز لأن هذا معلوم

بالمشاهدة لكن لو قال بعتك هذه الشاة إلا كبدها نقول الكبد لا شك أنها متميزة لكنها داخلة فلا تُشاهد والقلب كذلك متميز لكنه داخل والرئة متميزة لكنها داخلة والكلى متميزة لكنها داخلة فهذه الذي يظهر أنه لا يصح ونقول انتظر حتى يُخرج وبيع وأشتري أما ما كان مشاهداً معلوماً فالصحيح أنه لا بأس به.
القارئ: وإن استثنى حملها فعنه أنه يصح لأن ابن عمر أعتق جارية واستثنى ما في بطنها وعنه لا يصح وهو أصح للخبر.

الشيخ: الصحيح الأول أنه يصح ولا يعارض الخبر لأن الخبر نهى عن الثنيا إلا أن تعلم وهذا معلوم وإذا باعه الحامل شاة أو بعيراً أو غيرها وأستثنى الحمل فكأنه باعها حائلاً فإن قال قائل الحمل الآن مجهول وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر؟ قلنا إن استثنائه استبقاء وليس ابتداء تعويض وفرق بين الاستبقاء والابتداء فإذا قال قائل يمكن أن يكون واحد أو أثنين أو ذكر أو أنثى أو يخرج حياً أو ميتاً؟ قلنا كل هذا لا يرد علينا أنه من باب الغرر لأن هذا من باب الاستبقاء وقدر أنه باعها حائلاً أليس البيع يصح وهذا مثله فإذا قال قائل ربما تموت البهيمة من الوضع؟ قلنا وإذا ماتت فهذا احتمال وارد لكنه قليل بالنسبة للواقع ثم لو قُدّر أنه وقع فإن البهيمة لم تمت بسبب الحمل أي بسبب أن صاحب الحمل الذي استثناه تعدى عليها حتى نقول إنها مضمونة عليه ويكون المشتري هو الذي خاطر ورضي وعلى كل حال الصواب أنه إذا باع حاملاً واستثنى حملها فإن البيع صحيح والاستثناء صحيح ولا ينافي الخبر.
القارئ: فإن باع جارية حاملاً بحر وقلنا استثناء الحمل صح هاهنا وإن قلنا لا يصح ثم ففيه وجهان أحدهما لا يصح لأنه استثناه في الحقيقة والثاني يصح لأنه قد يقع مستثنى بالشرع مالا يصح استثناؤه بالشرط بدليل بيع الأمة المزوجة.
الشيخ: الصواب أنه يصح كما لو كانت حاملاً برقيق وأستثنى حملها بائعها فإنه لا بأس به فالصواب أنه يصح والمستثنى بالشرع أقوى لأن المستثنى بالشرع لا يملك البائع أن يعقد عليه البيع فيكون استثنائه أقوى لكن كيف تكون حامل بالحر وهي أمة؟ نقول هذه تتصور فيما لو وطئت بشبهة يكون الواطيء ظن أنها زوجته مثلاً فإن الولد يكون حراً وعليه ضمانه لسيدها لأنه هو الذي أتلفه عليه لأنه لو كان نكاحاً لكان الولد رقيقاً للسيد.

القارئ: وإن باع حيواناً مأكولاً واستثنى رأسه وجلده وسواقطه صح نص عليه لأنها ثنيا معلومة وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلي المدينة مر براعٍ فذهب أبو بكر وعامر بن فهيرة فاشتريا منه شاة وشرطا له سلبها.
الشيخ: وهذا واضح أنه يصح الجلد معلوم والرأس معلوم والسواقط وهي الكوارع معلومة وعلى ما ذكرنا حتى لو استثنى الفخذ واستثنى اليد بعضوها أو استثنى الرقبة أو استثنى الألية فهو جائز والسلب هو

الجلد والقاعدة في باب الثنيا أن يكون المستثنى معلوماً سواء علمت نسبته إلى المستثنى منه أم لم تعلم فمثلاً إذا قال بعتك هذه الصبرة من الطعام إلا قفيزاً يصح على القول الراجح لأن القفيز معلوم والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نهى عن الثنيا إلا أن تعلم) فلو قال بعتك هذا القطيع إلا شاة منه ففيه تفصيل إذا كانت الغنم متساوية القيم فالاستثناء يصح لأنها معلومة وإن لم تكن متساوية فإنه على القول الراجح الذي نصحح فيه تصرف الفضولي نقول يصح فإذا أتى بالشاة التي تختارها فللمشتري الخيار يأتي به فإذا قال نعم خذها صح البيع ولا يحتاج إلى إعادة العقد لأن هذا من باب إجازة ما مضى وكما عرفنا أن من العلماء من يقول يصح بيع ما لم يره وله الخيار إذا راءه ويصح البيع بالصفة وله الخيار إذا رأه والمهم أنه نأخذ هنا قاعدة أن ما اختلف العلماء فيه من أنواع المعاملات فالأصل فيه الحل ولهذا نقول لمن منع لابد أن تأتي بالدليل فإذا جاء الدليل ووجدنا أنه ينطبق على الأدلة المناعة منعنا المعاملة.
القارئ: فإن متنع المشتري من ذبحها لم يجبر وعليه قيمة ذلك لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قضى في رجل أشترى ناقة وشرط ثنياها فقال أذهبوا معه إلى السوق فإن بلغت أقصى ثمنها فأعطوه حساب ثنياها من ثمنها وعن الشعبي قال قضى زيد بن ثابت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقرة باعها رجل واشترط رأسها بالشروى يعني أن يعطيه رأساً مثل رأس.

الشيخ: وعلى هذا يصح لأن المستثنى الآن معلوم بالمشاهدة فلو استثنى الرأس أو الجلد أو السواقط وهي الأكراع يصح وذكرنا أن مثل ذلك أيضاً اشتراط الألية والفخذ والعضد وما أشبه ذلك لأن هذه معلوم فإن قال قائل وهل تقولون إن مثل ذلك أن يشترط الكبد والقلب والرئة؟ الجواب لا لأن هذه غير معلومة فهي في باطن الجوف فليست معلومة بالمشاهدة والأكباد قد تختلف صغراً وكبراً وكذلك القلوب.

فصل القارئ: ومن باع شيئاً وأستثنى منفعته مدة معلومة كجمل اشترط ركوبه إلى موضع معين ودار أستثنى سكنها شهرا وعبدٍ استثنى خدمته سنة صح لما روى جابر أنه باع النبي صلى الله عليه وسلم جملاً وأشترط ظهره إلى المدينة متفق عليه ولأنها ثنيا معلومة فتدخل في خبر أبي هريرة.
الشيخ: إذا اشترط البائع استثناء الرأس أو الجلد أو الأكراع إذا وامتنع المشتري من ذبحها فإن عليه قيمتها لأنها لم تدخل في ملكه بسبب استثناء البائع كما قال المؤلف رحمه الله فإن قال قائل لماذا لا تجعلونه يضمنها بمثلها؟ قلنا لأنها دخلت بالتقويم فهي مستثناة من شيء مبيع عُوِّض عنها بالقيمة فلا يمكن أن نقول لابد أن تأتي برأس بدله وهذا هو الظاهر ولو قيل بأنه يجب أن يأتي برأس مثله إذا أمكن فهو جيد وقول المؤلف (ومن باع شيئاً واستثنى منفعته مدة معلومة) ذكر أنه لابد أن تكون المدة معلومة وأن تكون المنفعة معلومة

أيضاً وضرب لذلك مثلاً بجمل أشترط ركوبه إلى موضع معين وكذلك لو أشترط ركوبه إلى زمن معين لكن بين نوع استعماله في هذا الزمن فلا بأس.
القارئ: فإن عرض المشتري على البائع عوضها لم يلزمه قبوله لأن حقه تعلق بعينها فأشبه ما لو استأجرها وإن أراد البائع اجارتها تلك المدة فقال ابن عقيل يصح في قياس المذهب لأنه استحق نفعها فملك إجارتها كالمستأجر.

الشيخ: هذا صحيح لكن لو قال المشتري لما رأى أن البائع أجرها فقال المشتري أنا أحق بها ولي الشفعة فهل يملك ذلك؟ ظاهر كلامهم أنه لا يملك ولكن الصحيح أنه يملك ذلك لأن هذا من دفع الضرر عنه أن يأتي إنسان غير البائع يسكنها فإن فيه ضرر عليه ومادام البائع قد تخلَّى عنها ولم يتمسك بها فإن مشتريها أحق بها من غيره لأن معه الأصل والمنفعة فرع مثال ذلك رجل باع بيتاً وأستثنى سكناه مدة سنة فقبل المشتري ثم إن البائع أراد أن يؤجر البيت هذه السنة فهل يملك ذلك أو لا؟ المؤلف يقول يملكه ونقل عن ابن عقيل أنه يملك ذلك لأن المنفعة له أي للبائع كالمستأجر يستأجر بيتاً لمدة سنة فله أن يؤجره لكن بشرط ألا يؤجره لأحد أكثر منه ضرراً فلو أن مشتري البيت قال للبائع مادمت تريد أن تؤجره فأنا أحق به أنا أعطيك الأجرة فهل يملك ذلك أو لا؟ الجواب ظاهر كلام الفقهاء أنه لا يملك والصواب أنه يملك ذلك وأنه يقال للبائع خذ الأجرة التي تريد أن تؤجرها به من المشتري ولا تدخل عليه أناس قد يضرونه.
القارئ: وإن أتلف المشتري العين فعليه قيمة المنفعة لتفويته حق غيره وإن تلف بغير تفريط فكلام أحمد رضي الله عنه يقتضي ذلك بعمومه ويحتمل أن لا يضمن لأن البائع لم يملك منفعة من جهة المشتري فلم يلزمه عوضها له كما لو تلفت النخلة المبيعة مؤبرة بثمرتها والحائط الذي استثنى منه شجرة ويحمل كلام أحمد على من فرط.
الشيخ: هذا هو المتعين فالمتعين أنه لو تلفت هذه العين فلا ضمان على المشتري لأن البائع لم يملك هذه المنفعة من جهة المشتري وإنما ملكها بالاستبقاء لا بتجديد الملك ومعنى بالاستبقاء أنه لما أستثنى المنفعة التي تكون تابعة للأصل أبقاها على ملكه فالصواب المتعين أنها لو تلفت فلا ضمان على المشتري ولكن إن فرط في تلفها فهنا يتوجه أن يُضمَّن الأجرة للبائع.

السائل: قلنا إنه لا يجوز استثناء الكبد ألا نقول إن هذا يؤول للعلم خاصة إذا كان سيذبح البهيمة في نفس الوقت؟ الشيخ: لا يجوز لئلا يتجاسر الناس على هذا الشيء ثم إن هذا مشكل إذا استثناها وصارت الكبد صغيرة.
السائل: وغن كان رضي بذلك؟ الشيخ: لا يكفي ونقول إذا كنت راضي فإذا ذبحناها واخرجنا الكبد فاستثنيها ونَزِّل من القيمة.

السائل: قلنا يصح استثناء الحمل فما الفرق بينه وبين الكبد؟ الشيخ: نعم لأن الحمل منفصل أما الكبد فهو من الأجزاء فالحمل لا بأس باستثناءه على القول الراجح لأنه كأنه باعها على أنها حائل.
السائل: هل يقاس على الحمل اللبن لأن كل واحد منهما منفصل؟ الشيخ: نعم مثلاً لو باعه شاة لبوناً وأستثنى اللبن الموجود الآن فيها فلا بأس.
القارئ: وإن باع المشتري العين صح وتكون المنفعة مستثناة في يد المشتري فإن لم يعلم به فله الخيار لأنه عيب فهو كالتزويج في الأمة.
الشيخ: هذا واضح.
القارئ: ومن باع أمة واستثنى وطأها لم يصح لأنه لا يحل إلا في تزويج أو في ملك يمين ومن استثنى مدة غير معلومة لم يصح للخبر.
الشيخ: من ذلك أن يقول مثلاً بعتك بيتي بمائة ألف على أن أبقى ساكناً فيه حتى أجد بيتاً فهنا المدة معلومة غير معلومة فلا يصح والصحيح أن ذلك صحيح بشرط أن يذكر مدة أعلى بأن يقول استثنيت سكناه حتى أجد بيتاً في خلال سنة فهذا لا بأس به لأن أكثر ما عند المشتري أن يسكن البائع سنة فإذا وجد بيتاً قبل السنة انتهت مدة الاستثناء، وأما صار استثناء البائع وطء الأمة المبيعة لا يصح لأنه إذا باعها أنتقل الملك إلى المشتري والله عز وجل يقول (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) وهنا انتقل الملك عنه فلا يصح.

باب الشروط في البيع

القارئ: باب الشروط في البيع.
الشيخ: يجب أن نعلم أن لدينا شروط شيء وشروطاً في شيء فما هو الفرق؟ الفرق من وجهين الأول شروط الشيء تتوقف عليه صحته والشروط في الشيء يتوقف عليه لزومه فيمن شرط له ذلك الشيء فقولنا شروط الشيء تتوقف عليه صحته مثلاً نقول شروط البيع ثمانية إذا فُقد واحد منها لم يصح البيع أما الشروط في البيع لا تتوقف عليه صحته فلو اشترط المشتري في العبد أن يكون كاتباً فهل نقول إذا تبين أنه غير كاتب فالعقد باطل؟ الجواب لا لكن يتوقف عليه لزومه فيمن شرط له فنقول لمن شرط له أن العبد كاتب الخيار له إن شاء أمضى البيع وإن شاء رده لعدم الوفاء بالشرط والفرق الثاني شروط الشيء موضوعة من قبل الشرع والشروط في الشيء موضوعة من قِبِلِ المتعاملين ببيع أو إجارة أو غير ذلك فهذا هو الفرق ويمكن أن نزيد فرقاً ثالثاُ فنقول شروط الشيء شروط ثابتة شرعاً سواء اشترطت أم لم تشترط

وأما الشروط في الشيء بعضها ثابت إذا كانت مما يحل شرطه وبعضها محرم لاغي إذا كانت مما لا يحل شرطه فهذه ثلاثة فروق بين شرط الشيء والشرط في الشيء فالشروط في البيع في هذا الباب الذي معنا هي التي وضعها المتعاقدان.
القارئ: وهي على أربعة أضرب أحدها ما هو من مقتضى البيع كالتسليم والرد بالعيب فهذا لا أثر له لأنه بيان وتأكيد لمقتضى العقد.
الشيخ: مثاله باع عليه بيتاً وقال بشرط أنك تسلمني البيت وأسلمك الثمن فحكم هذا الشرط لا أثر له سواء شرط أم لم يشرط لأن هذا هو مقتضى العقد، مثال آخر باعه البيت وقال المشتري بشرط أني أتصرف فيه كما شئت ببيع أو هبة أو صدقة أو وقف أو غير ذلك فهذا لا حاجة له لأنه ثابت بمقتضى العقد.
القارئ: الثاني ما هو من مصلحته كالخيار والأجل والرهن والضمين فهذا شرط صحيح لازم ورد الشرع به نذكره في مواضعه.

الشيخ: هذا الشرط من مصلحة العقد كالخيار والخيار هنا يعني خيار الشرط مثل أن يبيعه داراً ويقول لي الخيار لمدة شهر فهذا من مصلحة العقد وأما الأجل فبأن يقول اشتريت منك هذا البيت بشرط أن تؤجل الثمن لمدة كذا وكذا وأما الرهن فواضح بأن تقول بعته عليك بكذا بشرط أن ترهنني كذا وكذا أما الضمين فهو أن تأتي له بضامن.
القارئ: الثالث شرط ينافي مقتضى العقد وهو نوعان أحدهما ما لم يبن على التغليب والسراية كشرط ألا يملك ولا يتصرف ولا يسلم أولا يعتق أو إن أعتق فالولاء له أو متى نفق المبيع وإلا رده أو إن خسر فيه فعلى البائع فهذا شرط باطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة لما أرادت شراء بريرة فاشترط أهلها ولاءها (اشتريها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق ثم قال من أشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) متفق عليه وهل يفسد البيع به فيه روايتان إحداهما لا يفسد لحديث بريرة والثانية يفسد لأنه إذا فسد الشرط وجب رد ما في مقابلته من الثمن وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولا.
الشيخ: والصواب ما دل عليه الحديث أن الشرط فاسد والعقد صحيح فإذا أشترط البائع الذي باع العبد أن ولائه له أي للبائع فالعقد صحيح والشرط باطل والدليل على ذلك حديث بريرة أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها اشترتها وأشترط أهلها أن يكون الولاء لهم فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشرط ولم يبطل البيع ومثله إذا شرط ألا يملك فقال بعتك هذا على ألا تملكه وألا تتصرف فيه وما أشبه ذلك وقوله (لا يسلم) يعني لا يبيعه سلماً قوله (أو لا يعتق) يعني لا يعتق العبد.

القارئ: النوع الثاني أن يشتريه بشرط أن يعتقه ففيه روايتان إحداهما الشرط الفاسد لأنه ينافي مقتضى البيع فأشبه ما قبله والثانية يصح لأن عائشة اشترت بريرة لتعتقها فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم فعلى هذا إن امتنع المشتري من العتق أجبر عليه في أحد الوجهين لأنه عتق مُستَحَقٌ عليه فأجبر عليه كما لو نذر عتقه والثاني لا يجبر عليه لأن الشرط لا يوجب فعل المشروط كما لو شرط رهناً أو ضميناً لم يجبر ولكن يثبت للبائع خيار الفسخ كمشترط الرهن فإن مات العبد رجع البائع على المشتري بما نقصه شرط العتق وإن كان المبيع أمة فأحبلها أعتقها وأجزأه لأن الرق باق فيها.
الشيخ: إذا اشترط أن يعتقه ففيه روايتان إحداهما الشرط فاسد والثاني الشرط صحيح والصواب أن الشرط صحيح لأن البائع قد يكون له في ذلك غرض فإذا قال قائل إذا كان البائع قد اشترط على المشتري أن يعتقه فما فائدة المشتري؟ قلنا فائدته أن يكون الولاء له فإذا قال قائل ما فائدة البائع إذا باعه وأشترط على المشتري أن يعتقه؟ قلنا فائدته أنه يأخذ الثمن فربما يكون الرجل هذا ما يستطيع أن يعتق العبد وهو يرغب أن العبد يُعتق وهو ليس عنده مال فباعه وشرط أن يُعتق ومن المعلوم أنه إذا باعه وشرط أن يعتق فسوف ينقص الثمن كثيراً لكن هو يقول يكفيني ما يحصل من الثمن فصار كلٌّ من البائع والمشتري في هذه المسألة له له غرض صحيح.
السائل: إذا امتنع المشتري من العتق فما الحكم؟ الشيخ: الصواب أنه إذا أمتنع عن العتق أجبر عليه فإن لم يفعل أعتقه القاضي.
القارئ: الرابع مالا ينافي مقتضى العقد ولا هو من مصلحته وهو نوعان أحدهما أن يشترط عقداً آخر مثل أن يبيعه بشرط أن يبيعه عين أخرى أو يؤجره أو يسلفه أو يشتري منه أو يستسلف فهذا شرط فاسد يفسد العقد به لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يحل بيع وسلف ولا شرطان في بيع) قال الترمذي هذا حديث صحيح ونهى عن بيعتين في بيعة وهذا منه.

الشيخ: هذا الرابع مهم جداً لابد أن نعرفه معرفة تامة وهو مالا ينافي مقتضى العقد ومعناه أن العقد يبقى على ما هو عليه والبائع ينتفع بالثمن والمشتري ينتفع بالسلعة ولا هو من مصلحته يعني من مصلحة العقد كالرهن والأجل وما سبق فهذا نوعان أحدهما أن يشترط عليه عقد آخر مثل أن يبيعه بشرط أن يبيعه عين أخرى قال أبيعك سيارتي بشرط أن تبيع عليَّ سيارتك يقول المؤلف إن هذا الشرط فاسد مفسد للعقد ولو قلنا أنه فاسد غير مفسد للعقد لصح البيع الأول ولم يلزم البيع الثاني يعني صح أن يبيع السيارة لكن لا

يلزمه المشتري أن يبيعه سيارته لكن المؤلف يقول لا يصح العقد لا الأول ولا الثاني والصحيح أن هذا الشرط جائز لأن فيه مصلحة وليس فيه مضرة والأصل في المعاملات فإذا قال أبيعك سيارتي بشرط أن تبيع لي سيارتك ليس هناك مانع فيكون المشتري لا يريد سيارته التي عنده والبائع كذلك لا يريد أن يتخلى عن السيارة لأنه لابد له من سيارة وكذلك أيضاً لو قال بعني بيتك بمائة ألف ريال فقال البائع أبيعك بيتي بمائة ألف ريال بشرط أن تؤجرني بيتك لمدة شهرين حتى أجد بيتاً أشتريه فهل يصح أو لا يصح؟ على كلام المؤلف لا يصح لأنه شرط عليه عقداً آخر والصواب أنه صحيح لأنه ليس هناك مانع لا ظلم ولا غرر ولا ربا فكل شيء واضح وصريح وفيه مصلحة للمتقاعدين قوله (أو يسلفه) يعني يعطيه سلفاً أي سلماً وهذا غير الاستسلاف لأن الاستسلاف هو القرض فمعنى يسلفه يعني يقول أنا ما عندي مانع أن أبيع عليك سيارتي لكن بشرط أن تعطيني سلماً ألف ريال ثمن حب قمح أعطيك إياه بعد سنة لأجل أن يستفيد بائع السيارة من ثمن السيارة ومن الدراهم التي أُسلمت إليه والمثال بصورة أخرى جاءني رجل يقول بيع عليَّ سيارة فقلت ما في مانع أبيعها عليك لكن بشرط أن تسلفني يعني تسلم إليَّ عشرة آلاف ريال ثمن رز أعطيكه بعد سنة فعندنا الآن بيع وعندنا سلم فهل هذا يجوز أو لا؟ المؤلف يقول لا يجوز والصحيح أنه جائز لكن ما فائدة اشتراط بائع السيارة أن يسلم إليه المشتري ثمناً لرز يسلمه له بعد سنة؟ الجواب فائدته أنه يستفيد من الثمن الذي قُدِّم إليه مع ثمن السيارة قوله (أو يشتري منه) مثاله جاء إليَّ شخص وقال أريد أن تبيعني الفيلا الشرقية قلت ما في مانع لكن بشرط أن تشتري مني الفيلا الغربية الغربية لأني أريد أن يكون الفيلتان سواء فقال ما في مانع فعقدنا البيع للشرقية بمائة ألف وللغربية بمائة ألف أوبأقل أو أكثر المؤلف يقول إن هذا لا يجوز والصحيح أنه جائز ولا بأس به وسواء عين لكل واحدة

منهما ثمناً خاصاً أو اشترهما جميعاً بثمن واحد لا بأس قوله (أو يستلسف) يعني يستقرض وهذا هو الذي لا يجوز لماذا؟ لئلا يؤدي إلى سلف يجر نفعا والسلف الذي يجر نفعاً محرم ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام (لا يحل سلف وبيع) مثال ذلك طلب رجل من آخر أن يبيع عليه بيته فقال لا بأس بشرط أن تسلفني مائة ألف فسلفه فهنا المشتري سلفه سلفاً جر نفعاً لأن البائع سوف يراعي إقراضه وسوف يبيع عليه ما يساوي مائة بتسعين لكي يأخذ القرض فيكون المقرض الآن استفاد لأنه سيقرض البائع المائة ألف ولكنه نزل له من ثمن البيت ما يكون منفعة له فلهذا إذا اجتمع بيع وسلف بالشرط فهذا لا يجوز أما بدون شرط فلا بأس قوله (فهذا شرط فاسد يفسد العقد به لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل سلف وبيع) معلوم أنه إذا قال الرسول لا يحل سلف وبيع فلا يمكن لأحد أن يقول إن ذلك حلال أبداً لكن وقوله صلى الله عليه وسلم (ولا شرطان في بيع) بعض العلماء يقول كل بيع تضمن شرطين فهو فاسد سواء كان الشرطان من مقتضى العقد أو مصلحة العقد أو لا يتعلق بمقتضاه ولا مصلحته لا شرطان في بيع وشرطان نكرة في سياق النفي فتعم وبعضهم يقول إن كلام الرسول عليه الصلاة والسلام المطلق يجب أن يحمل على المقيد فيحمل قوله (ولا شرطان) على شرطين إذا اجتمعا صار باجتماعهما محظور شرعي وإذا

انفردا لم يكن في ذلك محظور شرعي وأما مجرد الشرطين فهذا بعيد أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أراده مثال ذلك رجل باع على شخص بيتاً وشرط المشتري على البائع أن يزين هذه الحجرة يعني يجعل فيها ديكوراً وأن يفتح باباً للحجرة الثانية فهذان شرطان فهل نقول هذا حرام؟ لا أحد يقول إن هذا حرام وكذلك كما ذكرنا أن الراجح أنه إذا شرط عليه أن يبيع عليه بيتاً آخر أو حاجة أخرى فإن ذلك لا يضر وعلى هذا فنقول إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد بقوله (شرطان في بيع) كل شرطين إذا اجتمعا حصل باجتماعهما محظور وإذا انفردا لم يحصل بواحد منهما محظور قوله (ونهى عن بيعتين في بيعة وهذا منه) الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة لكن من قال إن هذا منه؟ لأن العلماء مختلفون فمنهم من قال إن (بيعتان في بيعة) أن يقول خذ هذا الكتاب بعشرة نقداً أو بعشرين نسيئة ومنهم من قال إن (بيعتان في بيعة) أن يقول بعتك هذا الكتاب بشرط أن تبيعني كتابك ومادام أن العلماء لم يتفقوا على تفسير الحديث فإنه يجب أن يطبق الحديث على ما تدل عليه السنة والسنة دلت على أن البيعتين في بيعة هي مسألة العينة تماماً حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) وصورتها أن يبيع شيئاً بثمن مؤجل مثل أن يبيع سيارته على شخص قال هذه السيارة بعتها عليك بعشرة آلاف لمدة سنة فالثمن الآن مؤجل فأخذها المشتري ثم عاد البيع إليه وقال بعنيها بثمانين نقداً فباعها فهاتان بيعتان في بيعة البيعة الأولى والبيعة الثانية ولهذا قال الرسول (فله أوكسوهما أو الربا) إن أخذ البائع بالبيعة الأولى فقد رابا لأن حقيقة الأمر أنه أخذ مائة بثمانين وإن أخذ بالبيعة الثانية أخذ بأوكسهما أي بأنقصهما ومعلوم أننا إذا وجدنا من كلام النبي عليه الصلاة والسلام ما يفسر كلامه المجمل فإن الواجب الأخذ به وهذا الذي قلته هو الذي فسره به شيخ الإسلام

ابن تيمية رحمه الله وهو واضح لا غبار عليه وإنما كانت البيعتان في بيعة على الوجه الذي ذكرت محرمتين لأنها حيلة على ربا النسيئة والفضل بإدخال سلعة بينهما غير مقصودة فهو إما حيلة وإما ذريعة ولهذا سمى ابن عباس رضي الله عنهما هذه البيعة سماها (دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة) يعني قطعة من القماش.
القارئ: الثاني أن يشترط المشتري منفعة البائع في المبيع فيصح إذا كانت معلومة مثل أن يشتري ثوباً ويشترط على بائعه خياطته قميصا أو فِلعة ويشترط حذوها نعلا.
الشيخ: فلعة معطوفة على قوله (ثوباً) لا على قوله (قميصاً).
القارئ: أو حطباً ويشترط حمله لأن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جرزة حطب واشترط عليه حملها وأشتهر ذلك فلم ينكر ولأنه بيع وإجارة فصح كما لو باعه عبده وأجره داره في عقد واحد وقال الخرقي إن شرط مشتري الرطبة جزها على بائعها بطل العقد فيحتمل أن يخص قوله بهذه الصورة وشبهها لإفضائه إلى التنازع فإن البائع يريد قطعها من أعلاها لتبقى له

منها بقية والمشتري يريد الاستقصاء عليها ويحتمل أن يعدى حكمها إلى كل عقد شرط فيه منفعة البائع لأنه شرط عقداً في عقد فأشبه ما قبله.

الشيخ: هذه المسألة هي أن يشترط المشتري على البائع نفعاً في المبيع مثل أشترى منه قطعة قماش وقال اشتريتها منك بعشرة بشرط أن تخيطها ثوبا أو قطعة جلد وقال بشرط أن تخرزها نعلاً فالآن أشترط المشتري على البائع نفعاً وهو في الأول خياطة الثوب وفي الثاني خرز الجلد والمنفعة الآن في المبيع يقول المؤلف إن هذا جائز لكن الشرط منفعة البائع في المبيع أما إن شرط منفعة البائع في غير المبيع مثل لو قال اشتريت منك هذا الثوب بشرط أن تخرز لي هذا النعل هل يجوز أو لا الجواب لا يجوز لأن هذه هي المسألة الأولى وهي بيع وإجارة أما المسألة التي ذكرنا فهي شرط في منفعة في المبيع فقوله (أن يشترط منفعة البائع في المبيع) يعني أن يشترط على البائع منفعة في المبيع والمشترط هو المشتري مثال ذلك أشترى منه قطعة قماش وقال اشتريتها منك بعشرة بشرط أن تخيطها لي قميصاً فوافق فالآن الشرط شرط منفعة أي منفعة البائع يعني أن المشتري اشترط أن ينتفع من البائع فهنا منفعة البائع من باب إضافة المنفعة إلى الفاعل لكن على أنه مطالب بها فصورة المسألة مرة أخرى اشترط المشتري على البائع نفعاً يكون في نفس المبيع والمثال اشترى قطعة قماش بخمسين ريال قال بشرط أن تخطيها لي قميصاً ويذكر المنفعة فهل يجوز أو لايجوز؟ الجواب يجوز لأن هذه منفعة في المبيع كما لو أشترط على البائع أن يكون حسن الخط إذا باعه عبداً مثلاً أو ما أشبه ذلك لأن هذه منفعة في المبيع وأما لو أن المشتري أشترط على البائع نفعاً في غير المبيع فهذا ينبني على الخلاف في المسألة الأولى في النوع الرابع وهي أن يشترط عقد آخر فإذا لم يكن هناك محظور شرعي فهذا جائز لكن على المذهب ليس بجائز مثال ذلك اشتريت ثوباً من بائع وقلت له اشتريته منك بمائة بشرط أن تُرقِّع لي ثوبي الثاني فعلى كلام المؤلف الآن لا يجوز لأن المنفعة في غير المبيع فكأنه جمع بين بيع وإجارة يعني جمع بين عقدين في عقد فلا يصح وأهم

شيء أن نعرف القاعدة الآن إذا أشترط المشتري على البائع نفعاً في المبيع فما الحكم؟ جائز وإن أشترط المشتري على البائع نفعاً في غير البيع فهو على المذهب ليس بجائز لأنه بيع وإجارة وعلى القول الذي صححناه في النوع الرابع يصح مادامت الإجارة معلومة ومفهومة فإنه لا بأس أما الخرقي رحمه الله فيقول (إن شرط مشتري الرطبة جزئها على بائعها بطل العقد) والرطبة هي البرسيم وعلى لغتنا وهي لغة عربية القت فإذا اشترى قتاً واشترط على البائع أن يحصده أي يجزه البائع يقول الخرقي (هذا لا يصح) فيحتمل أنه أراد هذه الصورة ويحتمل أنه أراد العموم وهذه الصورة وجه عدم صحتها قال (فأن البائع يريد أن يقطعها من أعلاها) لأنه يستفيد بجزها من أعلاها فائدتين بقاء الأصول وسهولة الجز لأن قطف أعلاها أسهل وأما المشتري فيريد أن تجز من أسلفها لأنه أكثر لها فيحتمل أن الخرقي رحمه الله قال إن هذه الصورة لا تصح لأنها تؤدي إلى التنازع فالبائع يقول نجز من فوق والمشتري يقول من تحت فيحصل نزاع ويحتمل أنه أراد أنه لا يصح مطلقاً فيكون الخرقي رحمه الله بذلك مخالفاً للمذهب في هذه المسألة.

القارئ: وقال القاضي لم أجد بما قال الخرقي رواية في المذهب والمذهب جوازه فإن شرط شرطين مثل إن شرط خياطة الثوب وقصارته وفي الحطب حمله وتكسيره أو اشترط منفعة البائع واشترط البائع منفعة المبيع مدة معلومة فسد العقد لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا شرطان في بيع) وإن شرط منفعة مجهولة لم يصح لإفضائه إلى التنازع.

الشيخ: يقول رحمه الله (إن شرط شرطين مثل إن شرط خياطة الثوب وقاصرته) يعني تنظيفه حتى يكون أبيض فإنه لا يجوز لأنه جمع بين شرطين وأستدل له المؤلف بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا شرطان في بيع) عطفاً على قوله (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع) والصواب أنه يصح أن يشترط شرطين في منفعة المبيع كأن يشترط عليه حمل الحطب وتكسيره وكذلك خياطة الثوب وتقصيره وقوله (أو اشترط منفعة البائع) يعني في غير مبيع لأن في المبيع سبق أنه جائز إذا شرط منفعة البائع في المبيع قوله (واشترط البائع منفعة المبيع) معناه أن المشتري اشترط نفع البائع في غير المبيع والبائع اشترط منفعة المبيع فإنه لا يصح أو نقول اشترط منفعة البائع مطلقا واشترط البائع منفعة المبيع فيكون شرطان لكن من كل واحد (اشترط منفعة البائع) يعني أن المشتري قال أشترط عليك كذا وكذا منفعة أو أن البائع اشترط منفعة المبيع ومثاله باع بيتاً على شخص فقال المشتري للبائع بشرط أن تُركِّب الأبواب وقال البائع للمشتري وبشرط أن أسكنه سنة فهنا عندنا شرطان شرط من البائع على المشتري وشرط من المشتري على البائع فعلى ما قال المؤلف نقول هذا لا يحل وإن كان هذان الشرطان بالنسبة لكل واحد شرطاً واحد لكنهما شرطان في عقد أحدهما للبائع والثاني للمشتري وسبق أن الصواب أن قوله (لا شرطان في بيع) المراد الشرطان اللذان يتضمنان محظوراً شرعياً 1

فصول الكتاب · 13 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة · 500 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب التفليس
كتاب الصلح
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الوقف
جارٍ التحميل