تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامةصفحات 61-100
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 61-100
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
عدد الأجزاء
5 [الكتاب مرقم آليا]

الثاني أن نقول إنه يقرأ سورة مع الفاتحة ويكون هذا قضاءً لما لم يدركه مع الإمام لأن الإمام في آخر الصلاة سوف يقتصر على الفاتحة وقد لا يتمكن المأموم من قراءة غيرها فإذا لم يتمكن فإنه يقرأ ما فاته ويكون ذلك داخلاً في عموم قوله (وما فاتكم فأتموا) لأن هذا فاتنا فلابد من إتمامه فصار التخلص من هذا الإلزام بأحد وجهين الوجه الأول أن نقول لا يقرأ مع الفاتحة سورة أخرى ولا يلزمنا لأننا نقول هذا آخر الصلاة وآخر الصلاة ليس فيه إلا الفاتحة الثاني أن نقول يقرأ سورة مع الفاتحة لكن هذا قضاء لما لم يقرأه في أول صلاته وبناءً على ذلك نقول إذا تمكن هذا المسبوق من قراءة سورة بعد الفاتحة في آخر صلاة الإمام فإنه لا يعيد السورة مرة ثانية.
السائل: إن العقل ما يوافق على أن أول الصلاة يصير في آخرها؟ الشيخ: هذا صحيح هذا الترتيب المعقول أن ما أدركه هو أول صلاته لكن أنا أقول كأن المؤلف رحمه الله يريد أن يلزم القائلين بأن ما يقضيه آخر صلاته يلزمهم يقول إنكم تقولون إنه يقرأ سورة مع الفاتحة وهذا يدل على أن الذي يقضيه أول الصلاة نحن نقول ننفصل عن هذا الإلزام بأحد وجهين هما أن نقول لا تقرأ ولا دليل من السنة على أنه يقرأ فنقول اقتصر فيما تقضي على الفاتحة ولا تقرأ والثاني أن نقول اقرأ مع الفاتحة سورة لأنك لم تقرأها في أول صلاتك فيكون هذا مما يقضى لأن الصلاة لابد فيها من قراءة سورة مع الفاتحة في أولها ولم يحصل لك فلا تتمه إلا إذا قرأت.
السائل: أدرك الإمام في التشهد الأخير هل نقول ادخل مع الإمام؟ وكيف نجيب على حديث أبي هريرة (ما أدركتم فصلوا)؟

الشيخ: نقول ادخل مع الإمام إلا إذا كان سيدرك جماعة أخرى من أول الصلاة فلا يدخل معه وحديث أبي هريرة محمول على قوله صلى الله عليه وسلم (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) وهذا في الحقيقة لم يدركها فكونه يأتي بصلاة يدركها من أولها ويدرك فضل الجماعة المطلق خير من كونه يدخل مع الإمام في حال لا يدرك الصلاة معه.
فإذا لم يدرك الجماعة فهل نقول أن الإنسان يخير بين أن يدخل مع إمام لم يدرك معه الجماعة وبين أن يصلي مع إمام يدرك معه الجماعة؟ الجواب الثاني.
القارئ: فإن لم يدرك إلا ركعة من المغرب أو الرباعية ففي موضع تشهده روايتان إحداهما يأتي بركعتين متواليتين ثم يتشهد لأن المقضي أول صلاته وهذا صفة أول الصلاة ولأنهما ركعتان يقرأ فيهما بالسورة فكانتا متواليتين كغير المسبوق والثانية يأتي بركعة ثم يجلس لأنه يروى عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب ومسروق فإذا جلس مع الإمام في تشهده الأخير كرر التشهد الأول فإذا قضى ما عليه تشهد وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم سلم.
الشيخ: وقوله الثانية يأتي بركعة ثم يجلس بناءً على أن ما يقضيه أول صلاته يعني حتى على هذا القول يقولون إنه يجلس عقب ركعة مع أنهم يقولون إنما يقضيه أول صلاته أما على القول بأنه يأتي بركعتين متواليتين فهذا مطرد.

وقوله إذا جلس مع الإمام في تشهده الأخير كرر التشهد الأول هذا أيضاً فيه خلاف فبعضهم قال إن كان جلوسه مع الإمام هو جلوسه الأول كرر التشهد مثل أن يكون أدرك مع الإمام ركعتين في رباعية فإن تشهد الإمام الأخير سيكون له تشهداً أولاً ففي هذه الحال يكرر التشهد الأول لأن لا يزيد فيه على ما يشرع فيه وأما إذا كان تشهد الإمام الأخير ليس تشهده الأول مثل أن يدخل معه في الركعة الأخيرة فإنه يكمل التشهد لأن هذا الجلوس ليس موضع جلوس له إلا لمجرد المتابعة فيتابعه بالقول كما يتابعه بالفعل وهذا له وجه ومنهم من قال بل يكمل التشهد لأنه لا دليل على تكرار التشهد مرتين فيكمل التشهد ويستمر إلى آخره فالأقوال إذاً ثلاثة أقوال: القول الأول ما ذهب إليه المؤلف وهو أنه يكرر التشهد مطلقاً سواء كان ذلك موضع تشهده أولا.
والقول الثاني أنه يكرره إن كان موضع تشهده.
والقول الثالث يستمر سواء كان موضع تشهده أو ليس موضع تشهده.
ونقول نحن الأمر في هذا واسع إن كرر فعل خير وإن استمر فعل خير وليس هناك دليل يفصل بين هذه الأقوال الثلاثة.

فصل القارئ: فإن فاتته الجماعة استحب أن يصلي في جماعة أخرى فإن لم يجد إلا من قد صلى استحب لبعضهم أن يصلي معه لما روى أبو سعيد أن رجلاً جاء وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (من يتصدق على هذا فيصلي معه) وهذا حديث حسن ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) ويجوز ذلك في جميع المساجد إلا أن أحمد كرهه في المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: هذه إعادة الجماعة في مسجد واحد وإعادة الجماعة في مسجد واحد تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول أن يكون هذا المسجد للمارة فكل من مر صلى وذلك كالمساجد التي تكون في الطرقات مثل المساجد التي تكون في المحطات محطات البنزين أو غيرها فإعادة الجماعة فيها غير مكروهة قولاً واحداً لأن هذه للمارة ولا يمكن أن ينتظر الناس بعضهم بعضاً فنقول كلما جاءت جماعة صلوا لكن المكروه أن يدخل جماعة وقد شرعت الجماعة الأولى في الصلاة فيصلون وحدهم كما يوجد هذا في مساجد الطرق وهذا خطأ لأنه يؤدي إلى تقسيم المسلمين ولكن إذا قالوا نحن ندخل لم نصل المغرب وهؤلاء يحتمل أنهم يصلون العشاء قلنا هذا لا يضر لأنهم إذا كانوا يصلون العشاء فهم سفر سيصلونها ركعتين وهذا لا يغير صلاة المغرب بالنسبة لكم ادخلوا معهم فإن أدركتم آخر ركعة فأتوا بركعتين إذا كنتم تصلون المغرب وإن أدركتموه في أول ركعة فأتوا بركعة ولا إشكال في هذا أما أن تقيموا صلاة وحدكم فهذا غلط تفريق للمسلمين.
القسم الثاني أن تتخذ إعادة الجماعة راتبة في غير مساجد الطرق فهذا بدعة مكروهة وهذا كان يفعل في المسجد الحرام قبل أن تستولي عليه الحكومة السعودية كان المسجد الحرام يصلي فيه أربعة أئمة كل إمام يصلي بمن يتبعونه في مذهبه فللحنابلة إمام وللشافعية إمام وللحنفية إمام وللمالكية إمام فيقال هذا المقام الحنفي هذا المقام المالكي هذا المقام الشافعي هذا المقام الحنبلي أحياناً ربما يتفقون جميعاً هذا يصلي مع الجهة الجنوبية وهذا يصلي مع الجهة الشمالية ولا شك أن هذا بدعة منكرة وموجبة لتفريق المسلمين ولهذا كان من حسنات الملك عبد العزيز رحمة الله عليه أن ألغى هذا وقال المسجد مسجد واحد فيكون إمامه واحداً ولا يمكن أن تتعدد الأئمة هذا لا شك في أنه بدعة منكرة.

القسم الثالث أن تكون إعادة الجماعة في هذا المسجد طارئة وهذا هو الذي يقع كثيراً فيأتي جماعة وقد صلى الناس في هذا المسجد وانصرفوا من الصلاة فهنا نقول كما قال المؤلف رحمه الله إنه يستحب أن يصلي في جماعة أخرى ودليل ذلك أولاً قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) وهذا عام.
ثانياً أنه دخل رجل والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جالس بأصحابه فقال (من يتصدق على هذا فيصلي معه) فقام إليه أحد الصحابة وصلى معه وهذه إقامة جماعة بعد جماعة أخرى.

ثالثاً ما استدل به المؤلف من عموم قوله صلى الله عليه وسلم (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) وهذا عام ولكن هذا الاستدلال بهذا الحديث يقتضي أن فضيلة الجماعة الثانية كفضيلة الجماعة الأولى أي أنها تكون بسبع وعشرين درجة وفي هذا عندي نظر فالظاهر أن الجماعة التي تكون أفضل بسبع وعشرين درجة إنما هي الجماعة الأولى أما الثانية فلا شك أن الجماعة أفضل من الانفراد ولكن لا تلحق أن تكون سبعاً وعشرين درجة هذا هو الظاهر هذا وقد بلغنا أن بعض العلماء قال إنها لا تعاد الجماعة إلا فيما إذا تصدق أحد عليه وهذا في الحقيقة من أبعد ما يكون عن القياس النظري وعن الدليل الأثري أما الدليل الأثري فقد علمتموه وأما القياس النظري فيقال إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تقام الجماعة مع شخص يُتصدق عليه فإقامتها مع شخص تكون فضيلة له من باب أولى لأن هذا المتصدق يقوم يصلي نفلاً والرجلان الداخلان اللذان فاتتهما الجماعة كل واحد منهما يصلي فرضاً فإذا جاز إقامة الجماعة في نفل فإقامتها في الفرض من باب أولى بل لو قال قائل إن الجماعة هنا تجب لكان له وجه لكن المؤلف يقول إنها تستحب وبناءً على قوله لو أن هذين الرجلين الداخلين تفرقا وصلى كل واحد وحده لم يكن عليهما إثم لكن فاتهما الأجر ولو قيل بوجوب الجماعة حينئذٍ لكان له وجه لكن الإنسان لا يجزم بوجوب الجماعة في مثل هذه الحال لأن الجماعة الواجبة هي الجماعة الأولى فإن قال قائل إن الذين يقولون لا تعاد الجماعة حتى في هذا الأمر العارض إلا في حال الصدقة استدلوا بأثر روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه دخل المسجد ومعه أصحابه وقد صلى الناس فانصرف إلى البيت وصلى فيقال في الجواب عن ذلك أولاً إن ابن مسعود رضي الله عنه قد روي عنه أنه دخل المسجد فرآهم قد صلوا فصلى جماعة بأصحابه هكذا نقله صاحب المغني عنه فيكون لابن مسعود في ذلك قولان.

ثانياً أن رجوع ابن مسعود وصلاته في بيته قضية عين ليست قولاً عاماً هي قضية عين أي فعل يحتمل ربما يكون ابن مسعود رضي الله عنه خاف إن أقام الجماعة أن يتهاون الناس بالحضور إلى الجماعة الأولى لأنه صحابي جليل فإذا رأوه في هذه الحال اقتدوا به فخاف أن إذا رآه الناس يصلي جماعة أن يتهاون الناس بحضور الجماعة الأولى ثانياً أنه رضي الله عنه ربما ذهب إلى بيته ليصلي بالجماعة الذين معه خوفاً من أن يكون في قلب الإمام إمام المسجد ما فيه قد يكون في قلبه ما فيه ويفكر لماذا تأخر ابن مسعود حتى فرغت الصلاة وجاء يصلي بأصحابه وهذا أمر وارد لا سيما الصحابي.
ثالثاً أننا لا ندري فربما يكون ابن مسعود تذكر أنه ليس على وضوء فذهب إلى بيته ليتوضأ منه وهذا الاحتمال أضعف الاحتمالات فعلى كل حال نقول إن فعل ابن مسعود رضي الله عنه قضية عين تحتمل وجوهاً ثم هي معارضة بما يروى عنه أنه صلى ثم هي معارضة بما تدل عليه أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام والمعول على الأخير على ما دلت عليه السنة.

فصل القارئ: ويتبع المأموم الإمام فيجعل أفعاله بعد أفعاله لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد) متفق عليه والفاء للتعقيب وقال في حديث أبي موسى فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم رواه مسلم وقال البراء بن عازب كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن أحد ظهره حتى يقع ساجداً فنقع سجوداً بعده متفق عليه.
الشيخ: إذاً المتابعة تكون بأمرين المبادرة في الاتباع وعدم السبق ولهذا قال (إذا كبر فكبروا) والفاء يقول المؤلف إنها تدل على التعقيب وعلى هذا فليس من السنة أن يتأخر المأموم عن الإمام حتى وإن كان قد تأخر للدعاء فإن ذلك ليس من السنة.

القارئ: فإن كبر للإحرام مع إمامه أو قبله لم يصح لأنه ائتم بمن لم تنعقد صلاته.
الشيخ: إذاً موافقته في تكبيرة الإحرام توجب أن لا تنعقد صلاته صلاة المأموم لأنه ائتم بمن لم تنعقد صلاته فإن الإمام لا تنعقد صلاته حتى يتم التكبير.
القارئ: وإن فعل سائر الأفعال معه كره لمخالفة السنة ولم تفسد صلاته لأنه اجتمع معه في الركن وإن ركع أو رفع قبله عمداً أثم لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام) والنهي يقتضي التحريم وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار) متفق عليه فظاهر كلام الإمام أحمد أن صلاته تبطل لهذا الحديث قال لو كان له صلاة لرجي له الثواب ولم يخش عليه العقاب وقال القاضي تصح صلاته لأنه اجتمع معه في الركن أشبه ما لو وافقه.
الشيخ: والصواب الأول الصواب ما كان ظاهر كلام الإمام أحمد أنه إذا سبقه بطلت صلاته لأنه فعل شيئاً محرماً في نفس العبادة وكما قال الإمام أحمد رحمه الله لو كان له صلاة لرجي له الثواب ولم يخش عليه العقاب إذاً لو ركع قبل الإمام متعمداً عالماً أنه لا يجوز فصلاته باطلة لأنه ارتكب محظوراً عالماً بذلك والمذهب أن صلاته لا تبطل لأن إمامه وافقه في الركن لكن مع ذلك هو آثم بسبقه وهذا مخالف للقواعد لأن القاعدة أن ما كان محرماً في العبادة فهو مبطل لها مفسد لها.
السائل: ما الفرق بين الفساد والبطلان؟

الشيخ: لا فرق، فسدت صلاته، يعني بطلت وبطلت يعني فسدت فلا فرق بين الفاسد والباطل عند الحنابلة إلا في بابين من أبواب العلم الباب الأول في باب الإحرام والباب الثاني في باب النكاح فباب الإحرام يقولون إن الإحرام لا يبطل إلا بالردة فإذا ارتد الإنسان وهو محرم بطل إحرامه، ويفسد بالجماع قبل التحلل الأول فالنسك بالجماع قبل التحلل الأول فاسد ولا يقال إنه باطل وبالردة باطل ولا يقال إنه فاسد.
والباب الثاني باب النكاح فما أجمع العلماء على فساده فهو باطل وما اختلفوا فيه فهو فاسد فالنكاح بلا ولي فاسد ونكاح المعتدة باطل لأنه مجمع على تحريمه.
السائل: ما معنى اجتمع معه في الركن؟ الشيخ: لما ركع قبل الإمام ثم ركع الإمام بعده اجتمعا في الركوع وهو الركن وإنما قالوا ذلك لأجل أن يسلم لهم قولهم لو أنه ركع ورفع قبل ركوع إمامه بطلت لأنه لم يجتمع معه في الركن لكن هذا التعليل عليل، لأن التعليل الأول وهو أن هذا الرجل أتى بمحرم في الصلاة فوجبت أن تبطل هو الصحيح.
السائل: ما وجه كراهة الإمام أحمد في إعادة الجماعة في المسجد الحرام والمسجد النبوي دون غيرهما؟ الشيخ: وجه ذلك علله بأنه يخشى أن يتوانى الناس عن حضور الإمام الراتب وهذا يقتضي أن مراده إذا كان ذلك على سبيل الإعادة الراتبة يعني الدائمة كما يفعلون فيما سبق.
القارئ: وإن فعله جاهلاً أو ناسياً فلا بأس وعليه أن يعود ليأتي بذلك معه فإن لم يفعل صحت صلاته لأنه سبق يسير لا يمكن التحرز منه فإن ركع ورفع قبل أن يركع إمامه وسجد قبل رفعه عمداً عالماً بالتحريم بطلت صلاته لأنه لم يأتم بإمامه في معظم الركعة وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته للعذر ولم يعتد بتلك الركعة لما ذكرنا.

الشيخ: انتبهوا لهذا التفصيل صار المأموم إذا سبق الإمام إلى الركن ففي بطلان صلاته قولان والصحيح البطلان هذا إذا كان عالماً ذاكراً أما إن كان جاهلاً أو كان ناسياً أو غافلاً أو سمع صوتاً ظنه تكبير الإمام فركع ثم تبين له الأمر فإنه يرجع يجب عليه أن يرجع ليأتي به بعد إمامه فإن لم يفعل يقول المؤلف إن لم يفعل صحت صلاته لأنه اجتمع معه في الركن قال وهذا السبق يسير لا يمكن التحرز منه فقولهم إنه يسير قد يسلم به وقولهم لا يمكن التحرز منه غير مسلم إذ يمكن التحرز يقال للمأموم انتظر هذه واحدة ثم قال فإن ركع ورفع قبل أن يركع إمامه وسجد قبل رفع الإمام عامداً عالماً بتحريمه بطلت صلاته لأنه لم يأتم بإمامه في معظم الركعة هذا إذا سبقه بركن بأن ركع ورفع قبل أن يركع الإمام فهنا سبق إمامه بركن لأنه أتى بالركوع تاماً قبل أن يركع الإمام يقول المؤلف إنه تبطل صلاته وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته للعذر ولم يعتد بتلك الركعة لما ذكرنا أي لأنه لم يأتم به في معظم الركعة هذا إذا سبقه بالركن فعندنا الآن السبق إلى الركن والسبق بالركن، السبق إلى الركن معناه أن المأموم يصل إلى الركن قبل الإمام لكن يوافقه الإمام فيه يعني الإمام يلحقه هذا في بطلان صلاته قولان والصحيح البطلان أما السبق بالركن فمعناه أن المأموم يفرغ من الركن قبل أن يصل إليه الإمام مثل أن يركع ويرفع قبل إمامه فهذا نقول إنه سبقه بركن إن كان عالماً ذاكراً بطلت صلاته بمجرد السبق بالركن وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته لكن تبطل ركعته وعللوا ذلك بأنه لم يأتم بإمامه في معظم الركعة حيث أنه ركع ورفع قبل إمامه والصحيح أنه لا فرق إذا كان جاهلاً أو ناسياً بين أن يسبقه إلى الركن أو يسبقه بالركن فإنه إذا كان جاهلاً ثم زال جهله يعود ليأتي بما سبق إمامه به بعد إمامه مثال ذلك رجل سمع صوتاً فظنه الإمام مكبراً للسجود فسجد ثم سمع الصوت مرة أخرى فظنه

الإمام رافعاً فرفع والإمام لم يسجد بعد هذا جاهل كيف نقول إن هذا تبطل صلاته بل نقول لما رفع من السجود ثم سجد الإمام يعود فيسجد بعد إمامه وتكون زيادته زيادة السجدة هنا غير مبطلة للصلاة لأنه معذور ومن هذا ما حدث أخيراً من رفع الصلاة على مكبر الصوت في المنارة فإن بعض المساجد إذا سمعوا تكبير من حولهم ظنوه إمامهم فركعوا أو سجدوا بل إن بعض المأمومين إذا كان قراءة جارهم في المسجد قراءة جيدة مجودة بصوت حسن يمشون مع هذا الإمام ويتركون إمامهم ما يدرون ما الذي قرأ يمشون مع هذا الإمام فإذا قال (وَلا الضَّالِّينَ) قالوا آمين وإن كان إمامهم في سورة أخرى وهذا من مفاسد رفع الصلاة بمكبر الصوت من فوق المنارة.
الخلاصة أن العلماء يفرقون بين السبق إلى الركن والسبق بالركن والصواب أنه لا فرق بينهما وأنه متى كان السابق عالماً ذاكراً فصلاته باطلة مطلقاً وإن كان جاهلاً أو ناسياً فصلاته صحيحة وعليه أن يعود ليأتي به بعد الإمام.
القارئ: فإن ركع قبله فلما ركع رفع ففي بطلان الصلاة بذلك والاعتداد بالركعة مع جهله ونسيانه وجهان فإن ركع الإمام ورفع قبل ركوع المأموم عمدا بطلت صلاته لتركه المتابعة وإن كان لنوم أو غفلة ونحو ذلك لم تبطل لأنه سبق يسير ويركع ثم يدركه فإن سبقه بأكثر من ذلك لعذر ففيه وجهان أحدهما يفعله ويلحق كالمزحوم في الجمعة والثاني تبطل الركعة لأنها مفارقة كثيرة.
الشيخ: هذا يقع كثيراً يغفل الإنسان أو لا يسمع صوت الإمام فيركع الإمام مثلاً ويرفع ولا يحس به إلا وقد قال سمع الله لمن حمده فماذا يصنع هل يلغي الركعة نقول لا يلغيها يركع ويرفع ويتابع الإمام فإن سبقه بأكثر من ذلك بأن ركع الإمام ورفع وسجد وذلك غافل ففي متابعته وجهان: الوجه الأول أنه يأتي بما سبقه به الإمام ثم يتابع.

والثاني تبطل هذه الركعة وليس هناك دليل ولكن هناك تعليل يقول لأنه إذا تخلف عن الإمام بركوع فإنه تخلف يسير بخلاف ما إذا تخلف عنه بأكثر الركعة فإنه كثير فلا يغتفر.
وأما وجه الصحة فيقول لأن العذر قائم في القليل والكثير ما دمنا عذرناه بالتخلف القليل ولو كان بركن هام كالركوع فلنعذره بالتخلف الكثير وهذا هو الصحيح إلا إذا وصل الإمام إلى مكانه فإنه هنا لا يتوجه أن يقضي ما فاته بل تلغى الركعة الأولى للمأموم ويكون له ركعة ملفقة، مثاله مأموم تخلف عن الإمام فركع الإمام ورفع وسجد ورفع وقام يقرأ فأحس به حين قام يقرأ في الركعة الثانية فالآن تخلف عنه بركعة كاملة هنا لا نقول إنك تقضي ما فاتك لما في ذلك من الخلل الكبير بل نقول ابق على ما أنت عليه وتكون لك ركعة ملفقة معنى ملفقة أنها ملفقة من الركعة الأولى للإمام والركعة الثانية فإذا سلم الإمام فأتِ بهذه الركعة التي فاتت أما إذا كان الإمام لم يصل إلى مكانك فإنك تأتي بما تخلفت به وتتابعه وهذا هو الصحيح، الصحيح أنك تأتي بما تخلفت به عنه ولو كثرت إلا أن يصل إلى الموضع الذي أنت فيه.
السائل: ركع الإمام ثم ركع المأموم معه فغفل فلم يحس إلا بعد قراءة الفاتحة من الركعة الثانية؟ الشيخ: يأتي بها ولو كان كثيراً والمسألة فيها خلاف لكن الراجح أنه يأتي بها ما لم يصل إلى مكانه وهنا لم يصل إلى مكانه.
السائل: ما الحكم إذا تعمد المأموم إطالة الركن؟ الشيخ: إذا تعمد فإنه إذا فارق الإمام بركن واحد بطلت صلاته هذا هو المذهب أن التخلف كالسبق إلا إذا كان لعذر.
السائل: إذا كان الإمام يستعجل في قراءة الفاتحة بحيث لا يستطيع الماموم القراءة؟

الشيخ: إذا علمت أن الإمام يستعجل فالواجب عليك المفارقة أصلاً لأنك لا يمكن المتابعة مع القيام بالأركان فأنت إما أن تفوت المتابعة وإما أن تفوت الأركان فنقول فارقه لأنه إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أجاز من فارق إمامه للتطويل فمن فارق إمامه للإخلال بالأركان من باب أولى.
السائل: ما الفرق في المعنى في قولنا أنها ركعة ملفقة أو أنها فاتته؟ الشيخ: الفرق بينهما أننا إذا قلنا ركعة ملفقة معناه أنه وافق الإمام في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية أما من حيث القضاء فلابد من القضاء لا نقول إنه لما وصل الإمام إلى مكانه فإنها تبطل الصلاة بل نقول تبقى ركعة ملفقة.

باب

صفة الأئمة

القارئ: الكلام فيها في ثلاثة أمور أحدها صحة الإمامة والناس فيها على خمسة أقسام أحدها من تصح إمامته بكل حال وهو الرجل المسلم العدل القائم بأركان الصلاة وشرائطها فتصح إمامته وإن كان عبداً لأن أبا ذر وابن مسعود وحذيفة وناساً من أصحاب رسول الله قدموا أبا سعيد مملوكاً لأبي أسيد فصلى بهم ولأنه من أهل الأذان لهم فأشبه الحر.
الشيخ: قوله وهو الرجل المسلم إلى آخره إذا قال قائل أليست المرأة أيضاً تصح إمامتها؟ فيقال تصح إمامتها في النساء دون الرجال والكلام الآن على من تصح إمامته بكل حال بمن كانوا من جنسه ومن لم يكونوا من جنسه والرجل احترازاً من المرآة واحترازاً من الصغير، والمسلم احترازاً من الكافر، والعدل احترازاً من الفاسق، القائم بأركان الصلاة وشرائطها احترازاً من العاجز عنها كالذي لا يستطيع القيام أو لا يستطيع الركوع أو عاري يؤم مستورين أو ما شابه ذلك.

القارئ: وتصح إمامة الأعمى لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى رواه أبو داود، ولأن العمى فقد حاسة فأشبه فقد الشم وتصح إمامة الأصم لذلك فإن كان أصم أعمى فقال بعض أصحابنا لا تصح إمامته لأنه قد يسهو فلا يمكن تنبيهه والأولى صحتها لأنه لا يخل بشيء من واجبات الصلاة والسهو عارض فلا يبطل الصلاة احتمال وجوده كالجهل بحكم السجود.
الشيخ: وهذا هو الصحيح أن الإنسان الأصم الأعمى تصح إمامته لكن لاشك أنه إذا كان سميعاً بصيراً فهو أولى.
القارئ: وتصح إمامة ولد الزنا والجندي والخصي والأعرابي إذا سلموا في دينهم لدخولهم في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم) وتصح إمامة المتيمم بالمتوضئ لأن عمرو بن العاص صلى بأصحابه متيمما وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم ينكر عليه ولأن طهارته صحيحة أشبه الماسح.

السائل: لماذا خص بالذكر ولد الزنا والجندي والخصي والأعراب في سلامة الدين؟ الشيخ: ولد الزنا لأنه قد يكون شؤم أبيه يلحقه والجندي كما تعرف الغالب على الجنود أنهم يتساهلون في بعض الأشياء والخصي لأن فيه نقصاً في الخلقة وليس كالرجل الكامل ولهذا لا يلقح والأعرابي واضح، نص المؤلف على هذا لأن بعض العلماء يقول ما تصح إمامتهم وإلا المسألة واضحة.

فصل القارئ: القسم الثاني من لا تصح إمامته وهم نوعان أحدهما من لا تصح صلاته لنفسه كالكافر والمجنون ومن أخل بشرط أو واجب لغير عذر فلا تصح إمامته بحال لأنه لا صلاة له في نفسه أشبه اللاعب إلا في المحدث والنجس إذا لم يعلم هو والمأموم حتى فرغوا من الصلاة.
الشيخ: المأموم المراد به الجنس هنا فيشمل الواحد والمتعدد.

القارئ: إذا لم يعلم هو والمأموم حتى فرغوا من الصلاة أعاد وحده لما روي عن عمر أنه صلى بالناس الصبح ثم خرج إلى الجرف فأهراق الماء فوجد في ثوبه احتلاماً فأعاد ولم يعد الناس وروى الأثرم نحو هذا عن عثمان وعلي وابن عمر ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعا ولأن هذا مما يخفى فكان المأموم معذوراً في الاقتداء به والنجاسة كالحدث لأنها مما تخفى ولا يعفى عن سائر الشروط لأنها ليست من مظنة الخفاء.

الشيخ: هذا القسم الثاني ممن لا تصح إمامته وهم نوعان أحدهما من لا تصح صلاته لنفسه كالكافر فمن لا تصح صلاته لنفسه لا تصح إمامته لغيره فالكافر لو كان إماماً فإنه لا تصح إمامته لكن إذا كان كافراً لا علامة على كفره وصلى بأناس فإن صلاتهم صحيحة لأنهم معذورون بخفائه كما لو أنه رجل ينكر الإيمان باليوم الآخر ولا يعترف به لكنه أمام الناس يصلي فهذا لا تصح إمامته لمن كان عالماً بحاله وأما من كان جاهلاً فإنه معذور تصح وظاهر كلام المؤلف أنها لا تصح مطلقاً وأنه متى علم أنه كافر وجبت عليه الإعادة وفي هذا نظر الصواب أن الجاهل بحال الإمام ليس عليه شيء كذلك المجنون كيف المجنون هل أحد يريد أن يقدم شخصاً مجنوناً؟ نقول نعم ربما يكون مجنوناً لكنه لا يظهر جنونه لكل أحد ولكن علمنا بعد أن شرع في الصلاة أنه مجنون فهذا ظاهر كلام المؤلف أن إمامته لا تصح بحال والصحيح أن من جهل حاله صحت صلاته خلفه كذلك من أخل بشرط أو واجب لغير عذر مثل أن لا يطمئن أو أن لا يسجد أو أن لا يركع أو أن يدع ما يجب من الذكر كتكبيرة الانتقال والتسبيح والتحميد والتسميع وما أشبه ذلك يقول فلا تصح إمامته بحال لأنه لا صلاة له في نفسه أشبه اللاعب إلا المحدث والنجس إذا لم يعلم هو والمأموم حتى فرغوا من الصلاة فإنه يعيد وحده وأما المأموم فلا وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لو علم المحدث بحدثه في أثناء الصلاة وجب عليه الإعادة ووجب على المأموين معه وهذا هو المذهب والصحيح خلاف ذلك وأنه إذا كان المأموم لا يعلم بحدث إمامه فائتمامه به صحيح سواء علم الإمام في أثناء الصلاة أو لم يعلم إلا بعد فراغها لأن العلة واحدة وهي جهل المأموم بحال الإمام ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتاه جبريل في أثناء الصلاة وأخبره أن في نعليه قذراً فخلعهما واستمر في صلاته وظاهر كلام المؤلف أنه لو علم بالنجاسة في أثناء الصلاة بطلت صلاته وبطلت صلاة المأموين

معه والصواب في مسألة النجاسة أنها لا تبطل صلاته إذا أمكنه التخلي عنها كما لو كانت في غترته نجاسة فهنا يمكن أن يتخلى عنها ويمضي في صلاته أو في نعليه فإنه يمكن أن يتخلى ويمضي في صلاته والقاعدة الآن أنه متى كانت صلاة الإمام باطلة على وجه لا يعلم بها المأموم فإن صلاة المأموم صحيحة سواء كان ذلك عن حدث أو عن نجاسة أو عن فسق لم نعلم به أو عن كفر لم نعلم به أو كان يركع ويسجد بدون ذكر وبدون قول المهم أن المأموم معذور بعدم العلم فالصواب أن صلاته صحيحة.
القارئ: ولا يعفى عن سائر الشروط لأنه ليست من مظنة الخفاء فإن علم الإمام والمأموم ذلك في أثناء الصلاة لزمهم الاستئناف وحكي عنه في المأموم أنه يبني على ما مضى لو سبق الإمام الحدث والمذهب الأول لأن ما مضى بني على غير طهارة بخلاف من سبقه الحدث وإن علم بعض المأمومين دون بعض فالمنصوص أنهم يعيدون جميعاً لعدم المشقة فيه ويحتمل أن تختص الإعادة بمن علم لأنه اختص بالعلم المبطل فاختص بالبطلان كما لو أحدث.
الشيخ: الصواب أنهم إذا لم يعلموا فإن صلاتهم صحيحة وأنه إذا علم الإمام في أثناء الصلاة انصرف وأمر من يتم بهم الصلاة لأن المأمومين معذورون وقد قال الله تبارك وتعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ولو قلنا بعدم العذر للزم من ذلك أنه كلما تقدم إمام يقول المأمومون له هل أنت على طهارة هل ثيابك طاهرة لأن لا يقعوا في الحرج فيما لو تبين أنه محدث أو أن في ثوبه نجاسة فالصواب أن المأمومين إذا لم يعلموا فإنه لا إعادة عليهم سواء علم الإمام في أثناء الصلاة أو لم يعلم إلا بعد انتهائها.

القارئ: النوع الثاني الفاسق إما بالأفعال أو ببدعة لا تكفره ففي إمامته روايتان إحداهما تصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر (كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة عن أوقاتها) قال قلت فما تأمرني قال (صلِّ الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصلِّ فإنها لك نافلة) من المسند وكان ابن عمر يصلي وراء الحجاج والحسن والحسين يصليان وراء مروان.
والثانية لا تصح لأن جابراً قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا تؤمن امرأة رجلا ولا فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان أو يخاف سوطه أو سيفه) رواه ابن ماجة ولأنه لا يؤمن على شرائط الصلاة ويحتمل أن تصح الجمعة والعيد دون غيرهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهما خلف كل بر وفاجر ولأنها تختص بإمام واحد فالمنع منها خلف الفاسق يفضي إلى تفويتها فسومح فيها دون سائر الصلوات.

الشيخ: هذا الاحتمال هو المذهب أنها تصح الصلاة خلف الفاسق في الجمعة والعيد إذا تعذر خلف غيرهم لأننا لو قلنا لا تصلي لزم أن لا يصلي الجمعة دائماً وأن لا يصلي العيد أما الصلوات الخمس إذا قلنا لا تصلي أمكنه أن يصلي وحده أو أن يصلي في جماعة في مكان آخر والصحيح في هذا الرواية الأولى التي قدمها المؤلف وهو أن الفاسق تصح الصلاة خلفه سواء كان فاسقاً بالأقوال أو بالأفعال أو بالاعتقاد فإن الصلاة تصح خلفه لأن من صحت صلاته صحت إمامته إلا ما دل الدليل على خلافه ولأننا لو اعتبرنا هذا شرطاً لم نجد في يومنا الحاضر من يصلح للإمامة لأنه وإن كان الإنسان مستقيم الدين فيما بينه وبين الله لكن أين الذي يسلم من الغيبة بل كثير من أئمة المساجد لا تطيب لهم المجالس إلا بالغيبة نسأل الله العافية فالصواب إذاً أن الصلاة تصح خلف الفاسق وفعل الصحابة رضي الله عنهم يدل على ذلك فإن ابن عمر رضي الله عنه صلى خلف الحجاج مع أنه يمكن أن لا يصلي خلفه وقد يقال إن ابن عمر رضي الله عنه كان يصلي خلف الحجاج لأن لا يؤدي تخلفه عن الصلاة خلفه إلى فتنة وكذلك الحسن والحسين يصليان خلف مروان قد يقال أيضاً كذلك إنهما يخشيان من الفتنة لكن نقول إنه لا دليل على اشتراط أن يكون الإمام عدلاً صحيح أنه إذا كان عدلاً فهو أولى بلا شك لكن كوننا نجعل ذلك شرطاً لا تصح الصلاة إلا به فيه نظر وينبني على ذلك ما لو كان الإمام حالقاً لحيته فهذا فاسق بالأفعال وهل ينبني على ذلك ما إذا كان فاسقاً بجر ثوبه خيلاء أو ينبني على شيء آخر؟ هذا ينبني على شيء آخر وهو أننا إذا جعلنا من شرط صحة الساتر أن يكون مباحاً صار هذا الذي عليه الثوب النازل كالعاري تماماً فصلاته غير صحيحة وإذا لم تصح صلاته لم تصح إمامته ولهذا يجب أن نعرف الفرق بين رجل مسبل وبين رجل حالق لحيته الفرق بينهما أن إسبال هذا يتعلق بشرط من شروط الصلاة وأما حالق اللحية فلا، مع أن القول الراجح أنه

ليس من شرط صحة الساتر أن يكون مباحاً وأن الإنسان لو ستر عورته بمحرم فالستر ثابت لكنه آثم أما من يرى أن الإسبال مبطل للصلاة فهنا لا يصح الائتمام به لأنه سوف يأتم بمن يرى أن صلاته باطلة وهذا لا يستقيم.
إذا اجتمع شخصان كل واحد منهما فاسق من وجه فأيهما يقدم؟ الأخف.
شارب الدخان وحالق اللحية من يقدم؟ شارب الدخان لأن ذنبه أهون من وجهين الوجه الأول أنه لا نص على تحريمه والوجه الثاني أن شارب الدخان لم يجاهر به وإن جاهر فإنما يجاهر عند من كانوا حوله لكن حالق اللحية قد جاء النص بوجوب إعفاء اللحية وأيضاً حالق اللحية معلن إعلاناً تاماً بالمخالفة والمعصية فهو من المجاهرين والعياذ بالله.
أيهما أولى شارب الدخان أو المغتاب؟ شارب الدخان أولى من الذي يغتاب لأن الغيبة كبيرة وشرب الدخان صغيرة لا يكون كبيرة إلا بالإصرار وعلى هذا فإذا اجتمع شخص معروف بالغيبة وأكل لحوم الناس وآخر شارب للدخان أيهما أولى؟ شارب الدخان مع أن هذا عند العامة شيء كبير.
اجتمع شارب دخان وشارب خمر أيهما أولى؟ شارب الدخان أولى بالإمامة لأن شرب الدخان أهون من شرب الخمر.
السائل: إذا أردنا أن نمنع مجموعة من العوام وهم يشربون الدخان والشيشة فنبدأ بالتوحيد والأشياء المهمة أم بتحذيرهم من الدخان؟

الشيخ: على كل حال الدعوة للتوحيد قبل كل شيء لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما بعث معاذاً إلى اليمن قال فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لكن إذا كانت دعوتنا إليهم بالأسهل سبباً لقبولهم للأعلى فلا مانع وهذا يكون من باب الوسيلة كما لو أعطيناهم دراهم للتأليف على الإسلام مثلاً لنفرض أن أناساً يعني يعظمون القبور على وجه الغلو فهل مثلاً نحدثهم أول ما نحدثهم عن ذلك أو نحدثهم أولاً فيما يجب في الطهارة والصلاة والأشياء التي تلين قلوبهم لها ثم بعد ذلك إذا قبلوا منا وأقبلوا علينا نهيناهم عن هذا على كل ينظر في هذا للمصلحة وإلا فالأصل أن الدعوة للتوحيد قبل كل شيء.

فصل القارئ: القسم الثالث من تصح إمامته بمثله ولا تصح بغيره وهم ثلاثة أنواع المرأة يجوز أن تؤم النساء لما تقدم ولا يجوز أن تؤم رجلاً ولا خنثى مشكلا في فرض ولا نفل لقوله عليه السلام (لا تؤمن امرأة رجلا) ولأنها لا تؤذن للرجال فلم يجز لها أن تؤمهم كالمجنون.

الشيخ: أما الأول (لا تؤمن امرأة رجلا) ففي صحته نظر وأما الثاني في كونها لا تؤذن للرجال فإن هذه علة طردية وليست هي علة معنوية كونها ما تؤذن للرجال نقول لا تؤمهم إذاً ممكن أن نقول إذا كانت لا تؤذن للرجال أيضاً لا تكلمهم فهذا لا يصح التعليل به لكن يمكن أن يصح التعليل بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وكوننا نعطيها القيادة في صلاتنا هذا تولية أمر ثم إن كونها إماماً فيه مفسدة وهي الفتنة العظمى لا سيما إن كانت شابة وكان صوتها رقيقاً وكان الذين وراءها شباباً فحدث ولا حرج فالحاصل أن العلة هي عموم الحديث (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) والفتنة، مع أن الفتنة في الحقيقة غير منضبطة يعني لو قال قائل أبطلوا إمامة المرأة فيما إذا كانت شابة حسنة الصوت حسنة الأداء والذين وراءها شباب أبطلوها لا بأس لكن إذا كانت عجوزاً والذين وراءها شيوخ وقراءتها مكسرة وصوتها رديء ليس هناك فتنة لكن يقال الفتنة لا تنضبط وكما قيل لكل ساقطة لاقطة فإغلاق الباب هو الأولى.
إذاً هذه لا تصح إمامتها إلا لامرأة لا تصح إمامتها إلا بمثلها ولا تصح بأعلى منها مثل الرجل والخنثى إذا قال قائل الرجل واضح وأما الخنثى لاحتمال أن يكون رجلا والخنثى هو الذي لم يظهر خلقه إما أن يكون ذكراً أو أنثى وسبب عدم الظهور وجود إحدى أربع صور يقول الموفق رحمه الله في المغني إنه ذكر في الشام رجل ليس له إلا ثقب بين مخرج السبيلين ثقب واحد يخرج منه البول والغائط جميعاً ورجل آخر ليس له آلة ذكر ولا فرج أنثى وإنما فيه شيء كالورم يخرج منه البول رشحاً كالعرق والثالث ليس له شيء يخرج منه الفضلات من الأسفل وإنما يخرج من فوق إذا أكل الطعام وبقي في المعدة ما شاء الله تقيئه فهذه ثلاث صور الصورة الرابعة هي أن يكون له آلتان لا تتميز إحداهما عن الأخرى بأن يبول منهما جمعياً.

وأما إذا كان يبول من أحدهما فهو واضح إما ذكر أو أنثى لكن والحمد لله هو قليل بالنسبة للآدمين كثير بالنسبة للبهائم ولا سيما المعز فإنه يكثر فيها الخنثى وقد ورد سؤال من بعض الناس يسأل عن التضحية بالخنثى هل تجوز أو لا تجوز فما الجواب؟ تجوز لأنها مجزئة على كل احتمال إن كانت ذكراً فهي مجزئة وإن كانت أنثى فهي مجزئة.
القارئ: الثاني الأمي وهو من لا يحسن الفاتحة أو يخل بترتيبها أو حرف منها أو يبدله بغيره كالألثغ الذي يجعل الراء غينا ومن يلحن لحناً يحيل المعنى مثل أن يضم تاء (أنعمت) أو يكسر كاف (إياكَ) أو يخل بتشديدة فإن الشدة قامت مقام حرف بدليل أن شدة راء الرحيم قامت مقام اللام لكن إن خففها أجزأته فهؤلاء إذا لم يقدروا على إصلاح قراءتهم أميون تصح صلاتهم بمثلهم ولا تصح بقارئ لأنه عجز عن ركن الصلاة فأشبه العاجز عن السجود فإن أم أميين وقارئاً صحت صلاة الأمين وفسدت صلاة القارئ.

الشيخ: هذا لو قيل بأنها لا تصح صلاة الجميع لكان قولاً وجيهاً وذلك لأنهم عصوا النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله) فتكون إمامة هذا الرجل الأمي في غير محلها ومعلوم أن المعصية إذا عادت إلى ذات العبادة أفسدتها فلو قيل ببطلان صلاة الجميع لكان له وجه نرجع الآن لقوله في الأمي، الأمي في الأصل هو الذي لا يقرأ ولا يكتب ومنه سمي العرب أميين لأنهم لا يقرؤون ولا يكتبون نسبة إلى الأم والإنسان يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئاً كما جاء في القرآن الكريم أما في الاصطلاح في باب صلاة الجماعة فهو ما ذكره المؤلف هو من لا يحسن أو يخل بترتيبها فمن يقرأ الحمد لله رب العالمين مالك يوم الدين ولا يقرأ إلا هكذا نقول هذا أمي وهذا في ترتيب الآيات وكذلك ترتيب الكلمات لو قال الحمد لرب العالمين الله كذلك أيضاً يخل بحرف منها فيسقطه مثلاً ومن ذلك ما نسمعه من بعض القراء يُخلِّون بالباء في ربّ حتى إنك تكاد أن تقول إنهم يقولون الحمد لله ربِ العالمين وأما إخلال بعضهم بكلمة نعبدْ هذا لا يحيل المعنى لأنهم يقرؤونها بالجزم كثير من الأئمة إذا سمعته يقرأ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لا يبين الضمة فهل نقول إن هذا إخلال بحركة أو نقول لأنه لما جاز الوقف بالسكون صار هذا كالذي أجرى الوصل مجرى الوقف على كل حال الذي ينبغي للإنسان أن يحرص ويعتني بالفاتحة كذلك أيضاً أو يبدله بغيره كالألثغ الذي يجعل الراء غيناً فيقول مثلاً الحمد لله غب العالمين لكن غريب من المؤلف أن يقول يبدل الراء غيناً والكثير ابدال الراء لاماً هذا هو الكثير كذلك أيضاً يقول أو يلحن لحناً يحيل المعنى مثل أن يضم تاء (أنعمتَ) لأنه يختل المعنى إذا قال صراط الذين أنعمتُ عليهم من يكون المنعم؟ القارئ والمنعم هو الله عز وجل أو يكسر الكاف (إياكَ) وهذا أطم وأعظم الكاف للخطاب وهو يخاطب الله فإذا قال إياكِ نعبد بدل إياك فهذا خطأ عظيم

جداً أو يفتح همزة (اهدنا) أهدنا يختل المعنى أو لا؟ كيف الاختلاف أهدنا من الإهداء واهدنا من الدلالة والتوفيق أو يقول ولا الظالين لأن هذا إبدال الضاد ظاءً يختل به المعنى لأن الظال معناه الذي صار مثل (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً) يعني صار وجهه مسوداً فإذا أبدل الضاء بظاء فقد أبدل حرفاً بحرف يختل معه المعنى فلا تصح قراءته الفاتحة وهذا أحد الوجهين في هذه المسألة والوجه الثاني في مذهب الإمام أحمد أن إبدال الضاد بظاء لا يضر وذلك لمشقة التحرز منه وقرب المخارج والعامي لا يفرق بين الضاد والظاء ولو أننا أفسدنا الصلاة بمثل ذلك لفسدت صلاة كثير من الناس ولهذا الصحيح أنه لو قال ولا الظالين فصلاته صحيحة، أو يخل بشدة فإن الشدة قامت مقام حرف صحيح إذا قال الحمد لله رب العالمين ولم يأتِ بالشدة فقد نقص حرفاً لأن كل حرف يشدد فهو حرفان والدليل استدل المؤلف بدليل لغوي بدليل أن شدة راء الرحيم قامت مقام حرف اللام هناك اللام القمرية واللام الشمسية اللام القمرية ظاهرة القمر، والشمسية الشمس غير ظاهرة لكن جعل بدل اللام الشين المشددة فالشين المشددة قامت مقام الشين الأصلية والشين التي وقعت بدلاً عن (أل) وكذلك الرحيم كما قال المؤلف رحمه الله الراء المشددة قامت مقام الراء الأصلية والراء التي جعلت بدلاً عن اللام لكن إن خففها أجزأته يعني إن أتى بها مسهلة من غير أن يشدد كثيراً فإنها تجزئه وهذا أيضاً من التيسير والحمد لله مثل (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) شدد لكن ما تسمعها أنت من خلفه إنما هو في نفسه شددها فوقعت خفيفة بحيث إن السامع لا يشعر بأنه أظهرها.
السائل: ما المقصود بقوله: أو يخل بترتيبها؟ الشيخ: ترتيب الآيات وكذلك ترتيب الكلمات لو قال الحمد لرب العالمين الله.
السائل: قلتم إذا الإمام في الصلاة أسرع في الركوع والسجود فإن للمأموم أن يخرج فإذا خرج هل له أجر الجماعة؟ الشيخ: نعم لأنه معذور.

السائل: المسألة التي قلنا لو قيل إنها تبطل على الجميع لكان أولى فإذا كان الإمام راتباً ولا يحسن الفاتحة؟ الشيخ: إذا كان الإمام راتباً فالواجب أنه يزال وصلاة القارئ تبطل وصلاة الأميين ما تبطل على كلام المؤلف لكن ذكرنا أنه لو قيل ببطلان الصلاة صلاة الجميع لكان له وجه لأنهم عصوا الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
السائل: بعضنا صلى خلف بعض الأئمة أعراب لا يحسنون القراءة حتى يخطؤون كثيراً فالآن ما حكم صلاتنا؟ الشيخ: صلاتكم التي مضت نرجو أن تكون مقبولة إن شاء الله.
القارئ: وفي معنى هذا النوع من يخل بشرط أو ركن كالأخرس والعاجز عن الركوع والسجود والقيام والقعود والمستحاضة ومن به سلس البول وأشباههم تصح صلاتهم في أنفسهم وبمن حاله كحالهم.
الشيخ: الذي نرى في هذه المسألة وهو العاجز عن الشروط والأركان أنها تصح صلاته بالقادر عليها إلا في مسألة القراءة لأن القراءة فيها نص (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وأما غيرها فمن صحت صلاته صحت إمامته فلو وجدنا إماماً يصلي بنا قارئاً لكنه لا يستطيع السجود لمرض في عينيه أو في ركبتيه أو ما أشبه ذلك ويسجد إيمائاً فالذي نرى أن الصلاة خلفه صحيحة لأنه هو اتقى الله ما استطاع ونحن كذلك اتقينا الله ما استطعنا فأتينا بالواجب من الركوع والسجود وغيرهما من الشروط والأركان.
السائل: لماذا ذكر الأخرس؟ الشيخ: الأخرس كالأمي لحديث (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) هذا ما يقرأ أصلاً.
السائل: إذا قرأ بنا إمام وأخل بالقراءة هل ننفصل أو ماذا نفعل؟ الشيخ: لا، ردوا عليه فإذا كان لا يقوَّم لو رددت عليه فهنا انفصل وجوباً.
القارئ: ولا تصح لغيرهم لأنهم أخلوا بفرض الصلاة فأشبه المضجع يؤم القائم إلا في موضع واحد وهو العاجز عن القيام يؤم القادر عليه بشرطين.

الشيخ: أشبه المضجع يؤم القائم لماذا قال المضجع ما قال القاعد؟ لأن لا تدخل المسألة التي استثناها لأنه استثنى القائم يؤمه القاعد.
القارئ: أحدهما أن يكون إمام الحي والثاني أن يرجى زوال مرضه ويصلون خلفه جلوسا لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم جالسا فصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا ثم قال (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون) متفق عليه فإن صلوا قياماً ففيه وجهان أحدهما لا تصح للنهي عنه والثاني تصح لأن القيام هو الأصل وقد أتوا به.
الشيخ: نحن الآن نتكلم على من لا تصح صلاته إلا بمثله كالعاجز عن الأركان والشروط ويستثنى من ذلك إمام الحي المرجو زوال علته إذا عجز عن القيام فإنه يصلي قاعداً ويصلي الناس وراءه قعوداً لكن اشترط المؤلف رحمه الله شرطين أن يكون إماماً للحي يعني الإمام الراتب في المسجد وأن يكون ممن يرجى زوال علته وهذان الشرطان فيهما نظر والصحيح أنهما لا يشترطان لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً) ولأن العلة وهي موافقة الإمام لا تختلف بنسبتها إلى إمام الحي أو غير إمام الحي أو من يرجى زوال علته ومن لا يرجى فالصواب أنه يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وإذا كان لا يستطيع القيام صلى قاعداً وصلوا وراءه قعوداً يقول المؤلف رحمه الله إن صلوا قياماً خلف من يصلي قاعداً فهل تصح صلاتهم؟ يقول رحمه الله فيها وجهان: الوجه الأول أن الصلاة لا تصح لأن في ذلك معصية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (صلوا قعوداً).
والوجه الثاني أنها تصح لأن الأمر بصلاتهم قعوداً ليس على سبيل الوجوب، ولكن القول بأن صلاتهم لا تصح قول قوي لأنهم ارتكبوا محظوراً في نفس الصلاة والقاعدة لمن ارتكب محظوراً في نفس العبادة فإنه يبطل العبادة لكن المذهب الأول أن الصلاة لا تبطل لكنهم أخطؤوا.

القارئ: فإن صلوا قياماً ففيه وجهان أحدهما لا تصح للنهي عنه والثاني تصح لأن القيام هو الأصل وقد أتوا به.
الشيخ: لكن هذا التعليل لأن القيام هو الأصل وقد أتوا به هذا التعليل معارض بأن هذا أصل أبطلته السنة.
القارئ: فإن ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس أتموا قياما لأن عائشة قالت لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فلما دخل أبو بكر في الصلاة خرج النبي صلى الله عليه وسلم فجاء حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالساً وأبو بكر قائماً يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر متفق عليه فأتموا قياما لابتدائهم إياها قياماً.
الشيخ: هذا التخريج هو الصحيح يعني تخريج فعل النبي عليه الصلاة والسلام في آخر حياته حيث صلى قاعداً والناس خلفه قيام هذا التخريج الذي ذكره المؤلف هو المتعين لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في أثناء الصلاة وقد ابتدؤوها قياماً فلزم أن يتموها قياماً وإنما قلنا هذا هو المتعين لنجمع بينه وبين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً) فيقال يصلون قعوداً ما لم يبتدئ بهم الصلاة قائماً فإن ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل فإنهم يتمون قياماً وذهب الأئمة الثلاثة إلى أن هذا الحديث ناسخ لقوله صلى الله عليه وسلم (صلوا قعوداً) وعللوا ذلك بأن هذا في آخر حياته وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر ولكن يقال إن من شرط النسخ أن لا يمكن الجمع بين النصين فإن أمكن فلا يجوز النسخ لأن النسخ مقتضاه إبطال أحد النصين والجمع مقتضاه العمل بالنصين وما اقتضى العمل بالنصين فهو أولى مما اقتضى إبطال أحد النصين فالصواب هو ما ذكره المؤلف رحمه الله من أن الإمام إذا ابتدأ بهم قاعداً ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً أما إذا ابتدأ بهم الصلاة جالساً فإنهم يصلون جلوساً.

السائل: إذا حضر الإمام الراتب والناس يصلون فتقدم إماماً فهل تسقط عنه قراءة الفاتحة؟ الشيخ: الإمام الذي حضر ثم أتم بهم الصلاة يبني على صلاة الأول لكن بالنسبة لقراءة الفاتحة لابد من قراءتها بالنسبة لهذا الذي حضر أخيراً لأنه لم يستمعها ولم يقرأها فلابد من أن يقرأ وإذا كان قد فاته شيء منها فإنه يقضيه ويجلس الناس الذين أتموا صلاتهم فمثلاً لو أن الإمام دخل وهم في الركعة الثالثة فيصلي بهم ما بقي ثم يقوم وهم يجلسون ينتظرون تسليمه.
القارئ: فأما غير إمام الحي فلا يصح أن يؤم قادراً على القيام وهو جالس لعدم الحاجة إلى تقديمه مع عجزه.
الشيخ: قوله لعدم الحاجة لتقديمه هذه علة فيها نظر لأن إمام الحي أحق من غيره لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) لكن الأقرأ أحق من غيره لقول النبي صلى الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فإذا اجتمع اثنان أحدهما قادر على القيام والثاني غير قادر لكن غير القادر أقرأ فالسنة تقتضي أن يقدم الأقرأ.
القارئ: وإن لم يرجَ برؤه لم تجز إمامته لأنه لا يجوز استبقاؤه إماماً دائماً مع عجزه.
الشيخ: هذا أيضاً فيه نظر يقول لابد أن يرجى زوال علته لأنه لو لم يرجَ زوال علته لم يجز أن يبقى إماماً فيقال هذا ليس إلينا هذا إلى الجهات المسؤولة هي التي تفصله أو تبدله ليس إلينا مادام باقياً يصلي بنا وهو إمام من قبل المسؤولين فلا يهمنا أن يرجى زوال علته أو لا.

لكن كيف نعرف أنه يرجى زوال علته أو لا؟ نعرف ذلك بنوع المرض المانع له فمثلاً إذا كان المرض قطع رجل مثلاً ولا يستطيع أن يعتمد على الرجل الأخرى لا بعصا ولا بغير عصا أو كان شلل في الأسفل أو ما أشبه ذلك عرفنا أنه لا يرجى زواله وإذا كان مرضاً عارضاً كوجع في ساقه أو فخذه أو ركبته ينتظر زواله فهذا مما يرجى زواله ولكن على كل حال الصحيح أنه لا فرق بين من يرجى زوال علته ومن لا يرجى لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً).
السائل: إذا قلنا أنه إذا ابتدأ قاعداً يجب عليهم أن يصلوا خلفه قعوداً وهذا هو الأقرب لكن إذا صلوا قياماً فهل تبطل صلاتهم؟ الشيخ: هذا يحتمل أن يقال إن صلاتهم تبطل لأنهم فعلوا أمراً منهياً عنه في نفس الصلاة ويحتمل أن يقال إنها لا تبطل لأنهم رجعوا إلى الأصل وهذه مخالفة في صفة الاقتداء والأقوى أن تبطل صلاتهم ويعيدون.
السائل: إذا كان القارئ ممن لا يحسن القراءة في صلاة سرية هل الحكم سواء؟ الشيخ: إذا كان يدري أنه يلحن لحناً يحيل المعنى لا يجوز أن يأتم به إلا على القول الثاني الذي قلنا أنه إذا كان عاجزاً لا يستطيع كما لو كان ألثغ يبدل الراء غيناً أو لاماً ولا يستطيع أن يعدل فالصحيح أنه يجوز أن يصلي خلفه.
القارئ: واحتمل هذا في القيام دون سائر الأركان لخفته بدليل سقوطه في النفل دونها.
الشيخ: هذا التعليل عليل لأنه يقال والركوع والسجود يسقطان في النفل لأن الإنسان إذا صلى قاعداً في النفل فإنه يؤمئ بالركوع ويومئ بالسجود وأنتم تقولون إن العاجز عن الركوع والسجود لا يصح أن يكون إماماً للقادر عليهما فالصواب المطرد هو أن نقول يصح أن يأتم الإنسان القادر على الأركان بالعاجز عنها ولكن لابد من ملاحظة أن العاجز أحق بالإمامة لكونه أقرأ أو أعلم بالسنة أو ما أشبه ذلك.

القارئ: فإن كان أقطع اليدين فقال أبو بكر لا تصح إمامته لإخلاله بالسجود على عضوين من أعضاء السجود فأشبه العاجز عن السجود على جبهته وفي معناه أقطع اليد الواحدة وقال القاضي تصح إمامته لأنه لا يخل بركن الصلاة بخلاف تارك السجود على الجبهة.
الشيخ: وبناءً على القول الصحيح يكون لا فرق الصلاة صحيحة ولا فرق بين الذي أقطع اليدين والعاجز عن السجود على الجبهة ومسألة من عجز عن السجود على الجبهة هل يسقط عنه بقية الأعضاء؟ المذهب يسقط وأن من عجز عن السجود على الجبهة لم يلزمه بغيرها والقول الصحيح أنه لا يسقط لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) فإذا كان الرجل يستطيع أن ينحني إلى قرب الأرض ويضع يديه على الأرض لكن لا يستطيع أن يسجد لجروح في جبهته أو وجع في عينه أو ما أشبه ذلك فإنه يلزمه أن يأتي بما يقدر عليه فينحني إلى المكان أو الهيئة التي يعجز معها عن السجود ويضع يديه ويقرب من الأرض بقدر ما يستطيع.
السائل: إمام يصلي ومعه طفلة صغيرة فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها فعند السجود بكت البنت فحصل هنا مفسدة إذا بكت أخرجت المصلين من الخشوع فحملها عند السجود على رأسه وأمسكها بيد وبذلك يكون سجد على ستة أعضاء فهل هذا يجوز؟ الشيخ: لا، أنا أرى أن مثل هذا يخفف بدل ما يطيل السجود إذا أتى بقدر الواجب وهو الطمأنينة والطمأنينة هي السكون وإن قل وحينئذٍ تزول المفسدة فلا بد أن يسجد على سبعة أعظم فالحديث (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه والكفين) فالأقطع الكف هو ما ذكره المؤلف.

القارئ: النوع الثالث الصبي تصح إمامته بمثله لأنه بمنزلته ولا تصح إمامته ببالغ في فرض نص عليه لأن ذلك روي عن ابن مسعود وابن عباس ولأنه ليس من أهل الكمال فلا يؤم الرجال كالمرأة وهل يؤمهم في النفل على روايتين إحداهما لا تصح لذلك والثانية تصح لأن صلاته نافلة فيؤم من هو في مثل حاله ويتخرج أن تصح إمامته لهم في الفرض بناءً على إمامة المتنفل للمفترض ولأن عمرو بن سلمة الجرمي كان يؤم قومه وهو غلام في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه البخاري.
الشيخ: هذا التخريج هو الصواب بلا شك وليت المؤلف رحمه الله قدم النقل على العقل في هذه المسألة لأنه قدم رحمه الله التعليل على النص وهذا يعني تقديم العقل على النقل والأولى في الترتيب أن يقدم النقل على العقل وهذه القصة قصة عمرو بن سلمة الجرمي ثابتة في صحيح البخاري لأنه قال عليه الصلاة والسلام (يؤمكم أكثركم قرآناً) فنظروا في القوم فلم يجدوا أكثر من هذا الصبي قرآناً فجعلوه إمامهم وله ست أو سبع سنوات صغير فكان يؤم قومه فخرجت امرأة من القوم ذات يوم ووجدت أن إزاره رفيع تكاد تنكشف عورته فقالت غطوا عنا إست قارئكم والإست الدبر وليست القبل اللهم إلا تجوزاً يقول فاشتروا لي ثوباً جديداً فما فرحت بعد الإسلام فرحي بهذا الثوب لأن الناس في ذلك الزمن معدومون وهذا القول هو المتعين لوجود الدليل عليه وعلى هذا فلو وجدنا صبياً يصلي في الناس نافلة أو فريضة قلنا إمامته صحيحة على هذا القول الراجح صارت المسألة فيها ثلاثة أقوال: القول الأول الصحة في النفل دون الفرض.
والقول الثاني الفساد في النفل والفرض.
والثالث الصحة في النفل والفرض وهذا هو الصحيح.
القارئ: القسم الرابع من تصح إمامته بمن دونه ولا تصح بمثله ولا أعلى منه وهو الخنثى المشكل تصح إمامته بالنساء لأن أدنى أحواله أن يكون امرأة ولا تصح برجل لأنه يحتمل أن يكون امرأة ولا خنثى مشكل لأنه يحتمل كون المأموم رجلا.

الشيخ: الخنثى المشكل مشكل فمن الخنثى المشكل؟ هو الذي لا يعلم أذكر هو أم أنثى وذلك بأن يكون له آله ذكر وأنثى يعني ذكراً وفرجاً يبول منهما جميعاً ولم يحصل له شيء يتميز به عن النساء أو عن الرجال هذا لا يصح أن يكون إماماً إلا بمن دونه من الذي دونه؟ المرأة فالخنثى المشكل يكون إماماً للمرأة ولا يكون إماماً للرجل ولا لمثله لما ذكر المؤلف لاحتمال أن يكون الخنثى أنثى والمأموم رجل وإمامة الأنثى للرجل لا تصح وإذا كان بمثله فيحتمل أن يكون الإمام هو الأنثى والمأموم هو الرجل أو بالعكس، والعكس يصح لكنه غير متيقن أما بالأنثى فواضح لكن إذا أمَّ أنثى أين تقف منه إلى جنبه لاحتمال أنه أنثى أو خلفه لاحتمال أنه ذكر؟ مشكل إذا وقفت خلفه وقفت منفردة مع إمام واحد وهذا يقتضي أن تكون صلاتها باطلة لكن لو وقفت عن يمينه لم تبطل صلاتها حتى لو قلنا إنه ذكر وهي أنثى فإن مقامها خلفه على سبيل الاستحباب وعلى هذا فيكون الاحتياط أن تقف إلى جنبه.

فصل في إمامة المتنفل للمفترض القارئ: القسم الخامس المتنفل يصح أن يؤم متنفلاً وهل يصح أن يؤم مفترضا فيه روايتان إحداهما لا تصح لأن صلاة المأموم لا تتأدى بنية الإمام فأشبه الجمعة خلف من يصلي الظهر والثانية تصح وهو أولى لأن جابراً روى أن معاذاً كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة متفق عليه وصلى النبي صلى الله عليه وسلم في الخوف بطائفة ركعتين ثم سلم ثم صلى بالأخرى ركعتين ثم سلم رواه أبو داود وهو في الثانية متنفل يؤم مفترضين ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال فأشبه المتنفل يأتم بمفترض.
الشيخ: المؤلف رحمه الله ذكر في هذه المسألة المتنفل يصح أن يؤم متنفلاً واضح وهل يصح أن يؤم مفترضاً فيه روايتان: الرواية الأولى لا تصح قال لأن صلاة المأموم لا تتأدى بنية الإمام لأن المأموم سينويها فرضاً والإمام نفلاً ومعلوم أن الفرض لا تتأدى بنية النفل.

وقوله أشبه الجمعة خلف من يصلي الظهر فيه نظر ظاهر لأن الجمعة لا توافق الظهر الظهر أربع والجمعة ركعتان فيلزم المأموم الذي صلى يريد الجمعة خلف من يصلي الظهر يلزمه إما أن يخالف الإمام فيسلم قبله وإما أن يوافقه فيصلي أربعاً لكن لو قال رحمه الله لأن صلاة المأموم أعلى من صلاة الإمام لكان هذا هو التعليل صلاة المأموم فرض والإمام نفل لو قال هذا لكان واضحاً.
الرواية الثانية تصح ثم ذكر حديث جابر رضي الله عنه في قصة معاذ، معاذ كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة العشاء ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم نفس الصلاة فهو متنفل وهم مفترضون ثم استدل أيضاً المؤلف بصلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاة الخوف فإن أحد وجوهها أن يصلي بطائفة ركعتين ويسلم ثم بطائفة ركعتين ويسلم والثانية في حقه نفل لأنه لا يمكن أن يصلي فرضين لوقت واحد لكن الاستدلال بهذا فيه نظر لماذا لأن مسألة الخوف لحاجة أن يصلي المتنفل بالمفترض من أجل إقامة العدل بين الطائفتين لكن على كل حال هي تشبه المسألة من بعض الوجوه إلا أن حديث قصة معاذ أوضح في ذلك.
وقوله ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال فأشبهتا المتنفل يأتم بمفترض هذا أيضاً فيه نظر في قوله فأشبه المتنفل يأتم بمفترض نقول لا شبه لأن المتنفل يأتم بمفترض ائتم بمن هو أعلى منه وأما المفترض بالمتنفل فيمن هو أدنى فهذا التشبيه فيه نظر.
القارئ: وإن صلى الظهر خلف من يصلي العصر أو صلى العشاء خلف من يصلي التراويح ففيه روايتان وجههما ما تقدم.
الشيخ: والصواب أنها تصح إذا صلى الظهر خلف من يصلي العصر فهي صحيحة وإذا صلى العشاء خلف من يصلي التراويح فهي صحيحة هذا الصحيح هذا القول هو الراجح لكن من صلى العشاء خلف من يصلي التراويح هل يسلم معه إن كان مسافراً سلم معه وإن كان مقيماً أتى بركعتين.

القارئ: فإن كانت إحدى الصلاتين تخالف الأخرى كصلاة الكسوف والجمعة خلف من يصلي غيرهما أو غيرهما خلف من يصليهما لم تصح رواية واحدة لأنه يفضي إلى المخالفة في الأفعال فيدخل في قوله عليه السلام (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه).
الشيخ: هذه المسألة يقول إنها رواية واحدة يعني إذا صلى خلف من يخالفه في الأفعال كصلاة المغرب مثلاً خلف من يصلي العشاء أو صلاة العشاء خلف من يصلي المغرب فظاهر كلام المؤلف أنها لا تصح رواية واحدة في الصورتين وعلل ذلك بأنه يؤدي إلى المخالفة في الأفعال فيقال إذا كانت صلاة المأموم أقصر فهنا سوف يخالفه في الأفعال وإن كانت أكثر فإنه لن يخالفه لأنه سيبقى حتى يسلم الإمام ثم يأتي ثم يقوم فيقضي ما بقي عليه كالمسبوق فالتعليل فيه نظر أيضاً والصواب أن ذلك صحيح أي أنه يجوز أن يأتم بشخص تخالف صلاتُه صلاتَه في الأفعال فإذا صلى العشاء خلف من يصلي المغرب فالصلاة صحيحة وإذا سلم الإمام قام فأتى بالرابعة وهذا واضح فيما إذا كان المأموم مقيماً لكن لو كان مسافراً فماذا يصنع؟ الظاهر لي أنه يخير بين أن يسلم إذا قرأ الإمام التشهد الأول وقرأ هو التشهد الأخير يسلم لأن صلاته انتهت ويحتمل أن نقول كمِّل مع الإمام وأتِ بالركعة الرابعة لأنك ائتممت بإمام متم أتم صلاته لأن المغرب لا تقصر وإن كان الأمر بالعكس المغرب خلف العشاء فكذلك أيضاً نقول صلي المغرب خلف الإمام الذي يصلي العشاء فإذا قام إلى الرابعة فاجلس وتشهد وسلم ثم ادخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء وإن كنت لا تريد أن تصلي العشاء فلا بأس أن تنتظر وأنت جالس حتى يصل الإمام وتسلم بعده فإن قال قائل هذا فيه مخالفة ظاهرة للإمام لأنك سوف تفارقه وتتشهد وتسلم والإمام في صلاته قلنا نعم هذا فيه مفارقة لكن المفارقة هنا مفارقة للعذر العذر الحسي أو الشرعي؟ العذر الشرعي لأنه لا يمكن أن تصلي المغرب أكثر من ثلاثاً فالمخالفة هنا مخالفة في

عذر شرعي كمخالفة الطائفة الأولى في صلاة الخوف حيث إنها تنفرد عن الإمام وتكمل الركعة الثانية وتسلم وتنصرف فهذا انفرد عن إمامه لعذر وكما لو أصيب الإنسان بمدافعة الأخبثين أو أحدهما وهو مع الإمام فهنا له أن ينوي الانفراد ويسلم وهذا الذي قلته هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وبه نعمل وعملنا أيضاً أي صلينا المغرب خلف العشاء وجلسنا لما قام للرابعة وتشهدنا وسلمنا ثم أدركنا الإمام فيما بقي من صلاة العشاء.
القارئ: وإن صلى من يؤدي الصلاة خلف من يقضيها أو من يقضيها خلف من يؤديها صحت رواية واحدة ذكره الخلال لأن الصلاة واحدة وإنما اختلف الوقت وخرَّج بعض أصحابنا فيها روايتين كالتي قبلها.
الشيخ: الفرق بين الأداء والقضاء أن الأداء ما فعل في وقته والقضاء ما فعل بعد وقته هذا الفرق فهل يمكن أن يكون أحد يصلي الظهر قضاءً بمن يصليها أداءً؟ نعم وبالعكس كذلك مثاله رجل نام عن صلاة الظهر بالأمس ثم حضر المسجد الآن والناس يصلون الظهر فذكر أنه لم يصلِّ الظهر بالأمس لأنه نام عنها ونسي أن يصليها فنقول ادخل بنية صلاة الظهر بالأمس وكذلك بالعكس والصحيح أن ذلك صحيح كما قال المؤلف رحمه الله والتخريج فيه نظر.

فصل القارئ: الأمر الثاني في أولى الناس بالإمامة وأتم ما روي فيه حديث أبي مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سناً أو قال سلما ولا يؤمَّنَّ الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) رواه أحمد ومسلم.

الشيخ: أولى الناس بالإمامة أتم ما فيه هذا الحديث حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وهل المراد أقرؤهم أكثرهم أو أقرؤهم يعني أجودهم بالقراءة يحتمل معنيين المعنى الأول الأكثر كما جاء في الحديث الصحيح (وليؤمكم أكثركم قرآناً) ويحتمل الأقرأ يعني الأجود في القراءة بحيث يؤديها على الوجه المطلوب والكل محتمل في هذا الحديث أما (وليؤمكم أكثركم قرآناً) فهذا صريح فإن قال قائل إذا اجتمع فقيه وأقرأ فمن يقدم؟ قلنا ظاهر الحديث أنه يقدم الأقرأ وليكن هو المعتمد لأن العمل بظاهر الأحاديث بل بظاهر النصوص عموماً هو الواجب إلا بدليل ويؤيد ذلك قوله (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) والعالم بالسنة عنده فقه أكثر ممن لم يعرف السنة فدل هذا على أنه إذا اجتمع قارئ وفقيه قدم القارئ، قوله (أعلمهم بالسنة) أي سنة هل المراد بالسنة عموماً أو بالسنة التي تتصل بالصلاة؟ الظاهر الثانية ويظهر أثر ذلك فيما لو كان عالماً بالسنة فيما يتعلق بالصلاة لكنه جاهل بالسنة فيما يتعلق بالمعاملات والأنكحة والفرائض وما أشبه ذلك وآخر بالعكس يقدم الأول لأنه أشد صلة بالصلاة وماذا ينتفع الإنسان الذي عنده علم بالبيوع وغيرها من العقود والتوثيقات ماذا يستفيد بالنسبة لما يتعلق بالصلاة؟ لا يستفيد شيئاً وماذا ينقص الرجل إذا كان عالماً بالسنة المتعلقة بالصلاة لكنه جاهل فيما سوى ذلك؟ لا ينقصه شيء إذاً (أعلمهم بالسنة) التي تتعلق بالصلاة (فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرة) هجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وهذا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام واضح السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أولى ممن تأخروا ولهذا قال الله عز وجل (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ) وهو صلح الحديبية يعني ومن كان دون ذلك (وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)

فإن كانوا في الهجرة سواءً أو كانوا ولدوا في دار الإسلام كلهم (فأقدمهم سناً) يعني أكبرهم أو قال سلماً والثانية لا تتأتى إلا فيما إذا كان الناس يدخلون في الإسلام واحداً فواحداً أما من كانوا في بلد الإسلام فلا يتصور إلا أن المراد أقدمهم سناً وهو الأكبر هكذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم ذكر ما يكون مستثنى من ذلك بقوله (ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته) ولو كان أقرأ من صاحب البيت فلو أن شخصاً دعا جماعة إلى بستانه وحضر وقت الصلاة وصلوا فمن الذي يقدم صاحب البستان وإن كان دون هؤلاء في القراءة كذلك لا يؤمنه في سلطانه كإمام المسجد الراتب فإنه مقدم على من سواه ولو كان في الجماعة من هو أقرأ منه وذلك لتقدم حق هؤلاء فالإمام الراتب في سلطانه في المسجد متقدم على الحادث وكذلك يقال في البيت يقول (ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) إلا بإذنه عائدة على كل الجمل الثلاثة (لا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) في الصور الثلاث التكرمة: ما يقدم إكراماً للضيف هذه التكرمة لا تجلس إلا بالإذن فلو أن رجلاً قدم الطعام لكن صاحب البيت لم يقل تفضل إلا أن هذا الرجل كان جائعاً جداً فمن حين انتهى تقديم الطعام تقدم نقول هذا لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ولهذا يرى الحاضرون أن هذا عنده سوء أدب ولهذا امتدح الشاعر نفسه في قوله: وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجلهم

فلا تقعد على التكرمة إلا بإذنه كما أنك لا تدخل بيته إلا بإذنه أحياناً يقدم صاحب البيت الطعام ثم يذهب إلى بيته يأتي بأشياء ليست ضرورية في الطعام وإذا كانت ليست ضرورية في الطعام ربما يتأخر كثيراً أو يحصل مشكلة في البيت يبقى في البيت يحلها والطعام موجود بين الحاضرين في هذه الحال هل يتقدمون للطعام أو ينتظرون رجوعه؟ ظاهر الحديث الثاني لا شك لكن بعض الناس يكون عنده جرأة ويقول يا جماعة تفضلوا تفضلوا الرجل ما قدم الطعام إلا لنا فيأذن لهم فهل له أن يأذن؟ فيه تفصيل إذا علم أن صاحب البيت يرضى بهذا وهو غالباً يرضى فلا بأس وتجد هذا الذي قال تفضلوا إذا جاء صاحب البيت سيقول له أنا أمن عليك وتقدمنا ربما يقول جزاكم الله خيراً كونكم تتقدمون ولا تنتظرونني ربما أنا لا أجيء إلا بعد مدة فهذه المسألة فيها تفصيل.
عندي رواه أحمد ومسلم وأيهما أصح المسند أو صحيح مسلم؟ صحيح مسلم لا شك لكنهم يقدمون الإمام أحمد لإمامته وجلالته رحمه الله ولا سيما إذا كانت المؤلفات في مذهبه فإن تقديمه وجيه.
القارئ: فأولى الناس بالإمامة السلطان للحديث وهو الخليفة أو الوالي من قبله أو نائبهما.
الشيخ: إذاً إذا حضر السلطان إلى بلد مثلاً ودخل المسجد الجامع فمن يؤم الناس؟ السلطان ولو كان للمسجد إمام راتب لأن للسلطان الولاية العامة، حتى في الجمعة وهو قادم لهذا البلد على سفر؟ المذهب لا لأن هذا السلطان لا يصح أن يكون إماماً في الجمعة لكونه غير مستوطن في هذا البلد لكن الصحيح أنه يصح أن يكون إماماً وإن لم يكن مستوطناً كما أنه لو قيل إن السلطان مستوطن في جميع بلاده وعلى هذا حمل فعل عثمان رضي الله عنه في منى حيث أتم لكن هذا ليس بصحيح لأنه لو كان كذلك لكان السلطان لا يقصر أبداً وهذا لا يمكن.

القارئ: فإن لم يكن سلطان فصاحب البيت أحق للخبر وقال أبو سعيد مولى أبي أسيد تزوجت وأنا مملوك فدعوت ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبو ذر وابن مسعود وحذيفة فحضرت الصلاة فتقدم أبو ذر فقالوا له ورائك فالتفت إلى أصحابه فقال أكذلك قالوا نعم فقدموني رواه صالح بإسناده في مسائله.
الشيخ: لماذا؟ لأنه سلطان في بيته.
القارئ: فإن أذن صاحب البيت لرجل فهو بمنزلته فإن اجتمع السلطان وصاحب البيت فالسلطان أولى لأن ولايته على البيت وصاحبه وإن اجتمع السلطان وخليفته فالسلطان أولى لأن ولايته أعم وإن اجتمع العبد وسيده في بيت العبد فالسيد أولى لأنه مالك للعبد وبيته وإن اجتمع المؤجر والمستأجر في الدار فالمستأجر أولى لأنه أحق بالمنفعة وإمام المسجد الراتب فيه بمنزلة صاحب البيت، لا يجوز لأحد أن يؤم فيه بغير إذنه لذلك ويجوز مع غيبته لأن أبا بكر صلى حين غاب النبي صلى الله عليه وسلم وفعل ذلك عبد الرحمن بن عوف مرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أحسنتم) رواه مسلم فإن لم يكن ذو مزية من هؤلاء فأولاهم أقرؤهم لكتاب الله للخبر ولقول رسول الله الله صلى الله عليه وسلم (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) رواه مسلم.
الشيخ: لماذا قلنا فليؤمَهم بالنصب مع أن لام الأمر تجزم؟ لأن الميم مشددة فحرك بالفتح لالتقاء الساكنين.
القارئ: ويرجع في القراءة بجودتها وكثرة القرآن فإن كان أحدهم أجود والآخر أكثر قرآناً فالأجود أولى لأنه أعظم أجرا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة) حديث حسن صحيح وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه.

فصول الكتاب · 13 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة · 500 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب التفليس
كتاب الصلح
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الوقف
جارٍ التحميل