كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
- عدد الأجزاء
- 5 [الكتاب مرقم آليا]
الشيخ: وهذا صحيح أن لبس الخلخال والحلي وما أشبه ذلك يؤدي إلى الفتنة وحكمه في الإحرام كحكمه في الحل وعلى هذا فإذا لم يكن محظور ولا فتنة كالمرأة بين النساء فلا بأس.
القارئ: ويكره أن ينظر في المرآة لإصلاح شيء لأنه نوع تزين.
الشيخ: وهذا أيضاً غير صحيح الصواب أنه لا يكره أن ينظر في المرآة وأن التعليل الذي ذكره عليل فمن قال إنه يكره للمحرم أن يتزين؟ وأما (أشعث أغبر) أو (أتوني شعثاً غبراً) فهذا باعتبار الحال لكن هل يشرع للحاج أن يتقصد ذلك؟ لا يشرع وإلا لقلنا امش في الغبار أو الأشياء التي يكون فيها الإنسان أشد شعثاً وغبرة وهذه المسألة ينبغي لطالب العلم أن يتفطن لها فمثلاً قول النبي عليه الصلاة والسلام في الرباط (إنه إسباغ الوضوء على المكاره) هل نقول يسن للإنسان أن يتوضأ بالماء البارد وعنده ماءٌ ساخن؟ لا لكن إذا لم يكن عنده إلا الماء البارد وأسبغ الوضوء في هذه الحال دخل في الرباط كذلك مسألة الحاج فالحاج مشغول بنسكه فإذا كان أشعث أغبر من أجل السفر وسير الإبل والغبار وما أشبه ذلك فإنه لا يقال إنه لا ينبغي إزالة ذلك وهو يشبه أيضاً كراهة بعض العلماء التسوك للصائم آخر النهار لئلا يزيل الرائحة فمثل هذه المسائل ينبغي أن يقال إن جاءت بلا قصد فلا بأس بها وأما أن يتقصدها الإنسان فلا ومثل ذلك أيضاً إذا كان للإنسان بيتان أحدهما قريب من المسجد والآخر بعيد لا نقول اذهب إلى البعيد من أجل أن تأتي إلى المسجد بخطوات أكثر أو إذا كان هناك طريقان أحدهما بعيد والثاني قريب نقول الأفضل أن تقصد البعيد أو يقال أيضاً الأفضل أن تقارب الخطى كل هذه من الأمور التي فيها نظر.
القارئ: ويكره أن يدهن بدهنٍ غير مطيب لذلك وعن أحمد في جوازه روايتان إلا أنه يحتمل أن تختص الروايتان بدهن الشعر لأنه يزيل الشعث ويسكن الشعر ويزينه.
الشيخ: وهل تسكين الشعر مكروه والرسول صلى الله عليه وسلم قد لبد رأسه في الإحرام!!
القارئ: ويباح التدهن في غيره لأن للمحرم أكل الدهن فكان له أن يدهن به.
الشيخ: الإدهان يلين الجلد ويزين الملمس فإذا قالوا إنه يكره ماسبق فيكره هنا أيضاً فهذا مما يدل على أن الشيء الذي ليس له أصل من الشرع لا بد أن يكون فيه تناقض.
القارئ: وقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ادهن بدهنٍ غير مقتت أي غير مطيب يعني وهو محرم إلا أنه من رواية فرقد وهو ضعيف، ولا فدية فيه بحال لما ذكرنا.
الشيخ: الذي ذكره أن إيجاب الفدية إنما يكون من الشارع ولم يرد.
القارئ: وينبغي أن ينزه إحرامه عن الشتم والكذب والكلام القبيح والمراء لقول الله (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَج) قال ابن عباس الفسوق المنابزة بالألقاب وتقول لأخيك يا فاسق يا ظالم.
الشيخ: قوله رحمه الله وينبغي أن ينزه إحرامه عن الكذب والشتم هذا معناه لمعنىً يخص الإحرام وإلا فإن هذه الأشياء حرام حتى في الحل فالكذب حرام والشتم حرام والكلام القبيح حرام والمراء بالباطل حرام لكن قصده أنها يتأكد طلبها في حال الإحرام وإلا فهي حرام لا شك.
القارئ: والجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه.
الشيخ: والجدال ينبغي أن يفصل فيه فيقال الجدال المأمور به لا بد منه فلو أن رجلاً من أهل البدع جادلك وأنت محرم فلا نقول لا تجادله بل نقول جادله لأن هذا من فعل الخير الذي يكمل به النسك لكن الجدال الذي ليس فيه فائدة هذا الذي ينهى عنه كما يحدث في مجالس كثيرٍ من الناس يتجادلون في كثيرٍ من الأشياء ربما لا يكون فيها فائدة وربما يكون فيها مضرة بسبب فلان قال كذا وفلان قال كذا وما أشبهها أما الجدال لإبطال الباطل أو إثبات الحق فإنه مأمورٌ به في حال الإحرام وغيرها وقد يتعين ببعض المواضع.
القارئ: وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) متفقٌ عليه.
الشيخ: كيومَ بالفتح العلة في ذلك أنها أضيفت إلى المبني ولهذا لو أضيفت إلى معرب أعربت كقوله (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) فإذا أضيفت إلى مبني فالأفصح البناء على الفتح.
القارئ: ويستحب له قلة الكلام إلا فيما ينفع لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ففي حال الإحرام والتلبس بطاعة الله تعالى والاستشعار بعبادته أولى.
الشيخ: وقوله إلا فيما ينفع يشمل ما كان نافعاً لذاته وما كان نافعاً لغيره فالنافع لذاته مثل القرآن والتسبيح والتكبير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم والنافع لغيره هو الذي يقصد به أنس الصحبة والرفقة فهو مباح والمقصود به إدخال الأنس على الرفقة والصحبة ولهذا لو أن أحداً حج مع رفقته وصار كلما جلس مجلساً اشتغل بالقرآن أو بالذكر ولم يدخل عليهم السرور قلنا هذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام فهدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه يدخل السرور على من رافقه وصاحبه.
السائل: هل الأولى للإنسان أن يشتغل بالدعوة في الطواف والسعي لأن هناك منكرات كثيرة أم يشتغل بعبادته الخاصة؟
الشيخ: الأفضل أن يشتغل بالعبادة الخاصة حتى في إجابة الأسئلة إذا كان يلهيه لا ينبغي.
فصلٌ القارئ: ولا بأس أن يغتسل المحرم بالماء والسدر والخطمي ولا فدية عليه وعنه عليه الفدية والأول أصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الميت المحرم (اغسلوه بماءٍ وسدر) وقال عبد الله بن حنين امترى ابن عباسٍ والمسور بن مخرمة في غسل المحرم رأسه فأرسلوني إلى أبي أيوب الأنصاري أسأله كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم قال فصب على رأسه مقبلاً ومدبرا وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل متفقٌ عليه.
الشيخ: وهذا السؤال غريب يدل على ذكاء المرسل وهو ابن عباس رضي الله عنه لم يقل اسئله هل الرسول يغسل رأسه بل كيف يغسل وكأن الأمر أمرٌ مسلم والظاهر أن ابن عباس كان رواه عن أبي أيوب أو ما أشبه ذلك.
القارئ: ويجوز أن يحتجم ولا يقطع شعراً لما روى ابن عباسٍ (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم) متفقٌ عليه.
الشيخ: سبحان الله هل يمكن أن يحتجم في رأسه ولا يقطع شعراً؟ لا يمكن المذهب أنه يحتجم وإذا قطع شعراً فدى والصحيح أنه يحتجم وإذا قطع شعراً فلا فدية لأن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم ولم ينقل عنه أنه فدى فإن قال قائل لماذا لا تقيسونه على حلق الشعر من الأذى وتقولون إن هذا حلق رأسه لمصلحة نفسه؟ فيقال ظاهر الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفد وليس نصاً في الواقع لأنه ما قال _ ولم يفدِ _ ولهذا لو أن أحداً عارض وقال عدم ذكر الفدية ليس ذكراً للعدم لأننا قد علمنا أن أخذ الشعر من الرأس يوجب الفدية لكن الجواب عن هذا الإشكال وهو إشكالٌ في محله أن يقال إن الله تعالى قال (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ) والنسك يتعلق بحلق الرأس كله وهذا هو الذي فيه الفدية أما إذا حلق هذا الجزء اليسير فإنه لا فدية فيه لكن إن كان لغير عذر فهو حرام وإن كان لعذرٍ فهو حلال فالعذر الحجامة أو أن يكون هناك شجة في رأس الإنسان يحتاج إلى أن يقص الشعر حولها أو يحلقه فهذا يكون الحلق حلالاً ولا فدية فيه ولهذا كان أصح المذاهب في هذه المسألة مذهب مالك رحمه الله أن الذي فيه الفدية هو الذي يماط به الأذى وهو الذي يشمل ثلثي الرأس أو نحوها أو أكثر وأما ما دون ذلك فلا فدية فيه لكن إما أن يحرم وإما أن يحل فمع العذر يحل ومع عدمه يحرم وهذا هو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام في مسألة الحجامة أنه لا يجب عليه الفدية لما حلقه من شعر الحجامة.
القارئ: ويجوز أن يفتصد كما يجوز أن يحتجم ويتقلد بالسيف عند الضرورة لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا في عمرة القضية متقلدين سيوفهم ولا بأس بالتجارة (والتكسب بالصناعة) لقول الله تعالى (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) قال ابن عباسٍ كانت ذوالمجاز وعكاظ متجراً للناس في الجاهلية فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) في مواسم الحج رواه البخاري.
الشيخ: قوله في مواسم الحج هذه ليست قراءة لكنها تفسير من ابن عباس رضي الله عنهما والآية عامة.
فصلٌ
القارئ: ومن جامع أفسد حجه وعليه بدنة سواءٌ كان عالماً أم جاهلا عامداً أم ناسيا لأنه في معنىً يتعلق به قضاء الحج فاستوى عمده وسهوه كالفوات.
الشيخ: هذا هو التاسع من محظورات الإحرام وهو الجماع يقول فمن جامع أفسد حجه وعليه بدنة ولكن هذا مشروطٌ بما إذا جامع قبل التحلل الأول وبماذا يحصل التحلل الأول؟ المشهور من المذهب وعليه أكثر أهل العلم أنه لا يحصل التحلل الأول إلا بالرمي والحلق أما النحر على كلام العلماء رحمهم الله لا علاقة له بالتحلل لكن الرمي والحلق وقال بعض أهل العلم بل يتحلل بالرمي وحده وعلى هذا فهذه المسألة كبيرة جداً تحتاج إلى تحرير لأن بعض العلماء قال إن التحلل الأول يحصل بالرمي فقط وكتب في ذلك رسالة فالمسألة تحتاج إلى تحرير إذا جامع قبل التحلل الأول فسد حجه ويترتب عليه أعني الجماع قبل التحلل الأول خمسة أمور أولاً الإثم والثاني فساد النسك والثالث وجوب المضي فيه والرابع قضاؤه من العام القادم والخامس بدنة كل هذه تترتب على الجماع قبل التحلل الأول.
المؤلف يقول من جامع فسد حجه وعليه بدنة سواءٌ كان جاهلاً أوعالماً عامداً أو ناسياً أما قوله فسد حجه فهذا يكاد يكون كالإجماع من الصحابة رضي الله عنهم وأما لزوم البدنة فقال بها أيضاً الصحابة روي عنهم عن عدةٍ منهم ولم يروَ عن غيرهم خلافه وأما كونه جاهلاً أو عالماً عامداًَ أو ناسياً فهذا ليس بصحيح والصحيح أنه لا يترتب على الجماع شيء من أحكامه إلا إذا كان عالماً ذاكراً غير مكره لأن هذه هي القاعدة في جميع محظورات العبادات كل محظورات العبادات لا يمكن أن يترتب أثرها إلا بهذه الشروط الثلاثة العلم والذكر وعدم الإكراه.
فإن قال أنا لا أدري أنه يترتب على الجماع هذه الأمور لكني أدري أنه حرام فهل يعذر؟ لا لأن الجهل بالعقوبة ليس بعذر فإن العالم بالحكم قد انتهك الحرمة وقوله لأنه معنىً يتعلق به قضاء الحج فاستوى عمده وسهوه كالفوات هذا غلط يعني تعليلٌ عليل إن لم نقل إنه ميت لماذا لا نقول لأنه محظور من محظورات الإحرام فلا يترتب عليه حكمه إذا كان جاهلاً أو ناسياً أما الفوات فالفوات ترك واجب لأنه إذا فات الحج معناه أنك لم تقم ببقية أركانه فمن فاته الحج يتحلل بعمرة ويحج من العام القادم.
القارئ: وإن حلق أو قلم ناسياً أو جاهلا فعليه الفدية لأنه إتلاف فاستوى عمده وسهوه كإتلاف مال الآدمي ويتخرج أن لا فدية عليه قياساً على اللبس.
الشيخ: لا شك أن هذا التخريج هو الصواب يقول إذا حلق أو قلم ناسياً أو جاهلاً فعليه الفدية وذكر أنه إتلاف فاستوى عمده وسهوه كإتلاف مال الآدمي وهل حرم الحلق وتقليم الأظفار لأنه إتلاف أو لأنه ترفه؟ هم قالوا لأنه ترف فكيف مرةً يكون إتلافاً ومرةً يكون ترفهاً ثم إذا قدرنا أنه إتلاف فما قيمة قلامة الظفر؟ لا شيء ولهذا يتبين لك ضعف الأقوال إذا كانت بعيدةً عن القواعد الشرعية هناك تعليل آخر أحسن من تعليل المؤلف ومع ذلك فيه نظر قال لأنه إتلافٌ فاستوى فيه العمد وغيره كجزاء الصيد لأن جزاء الصيد من أجل الإتلاف فيكون هذا مثله فنقول هذا قياس مع الفارق أيضاً قلامة ظفر تقيسها بغزالة لا يستقيم هذا ثم إننا نمنع الحكم في الأصل المقيس عليه ونقول إن الصيد إذا كان جاهلاً أم ناسياً فلا ضمان عليه.
القارئ: وإن قتل الصيد مخطئاً فعليه جزاؤه لأنه ضمان مال فأشبه ضمان مال الآدمي وعنه لا جزاء عليه.
الشيخ: نعم هو ضمان مال لا شك لكن لله والله تعالى لما علم عباده (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال قد فعلت بخلاف مال الآدمي فالقياس إذاً قياسٌ مع الفارق فلا يصح.
القارئ: وعنه لا جزاء عليه لقول الله تعالى (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) مفهومه أنه لا شيء في الخطأ.
الشيخ: هذا هو القول الصحيح يعني هذه الرواية عن أحمد هي القول الراجح المتعين لأن الله قال (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً) فقيده بوصفٍ مناسبٍ للحكم وهو العمد فإنه يناسب أن يحكم عليه بالجزاء فكيف نلغي هذا الوصف والله تعالى قد اعتبره وقيد به الحكم فهذه الرواية هي الصواب.
القارئ: وإن تطيب أو لبس ناسياً أو جاهلا فلا فدية عليه لما روى يعلى بن أمية أن رجلاً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه جبة وعليه أثر خلوق.
الشيخ: خلوق يعني طيب.
القارئ: فقال يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي قال اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك أثر الخلوق واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك متفقٌ عليه ولم يأمره بفديةٍ لجهله وقسنا عليه الناسي لأنه في معناه.
الشيخ: هذا الاستدلال استدلال جيد يقول إنه قال افعل كذا ولم يأمره بفدية مع دعاء الحاجة إلى بيان ذلك لو كان يلزمه وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يسير عليها في كل النصوص لكن أحياناً العلماء رحمهم الله بعضهم يسير عليها في موضع ولا يسير عليها في موضعٍ آخر ولكن الصواب أنها قاعدة صحيحة وأنها سليمة فليمش عليها وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى بيان شيء ولم يبين كان ذلك دليلاً على أنه لا اعتبار به.
القارئ: وعنه عليه الفدية لأنه فعلٌ حرمه الإحرام فاستوى عمده وسهوه كالحلق والأول المذهب.
الشيخ: المذهب أصح.
القارئ: ومتى ذكر الناسي أو علم الجاهل فعليه إزالة ذلك فإن استدامه فعليه الفدية لأنه تطيب ولبس من غير عذر فأشبه المبتدئ به.
الشيخ: لو قال استدامه بلا عذر فأشبه من ابتدأه على كل حال ما ذكره المؤلف صحيح أنه متى ذكر أو علم وجب عليه التخلي عن المحظور سواء كان طيباً أو لبساً أو غير ذلك يغسله وإذا غسله بيده انتقل الطيب إلى يده نقول هذا لا بأس به لأنه للتخلص منه.
القارئ: وحكم المكره حكم الناسي لأنه أبلغ منه في العذر وإن مس طيباً يظنه يابساً فبان رطبا ففيه وجهان أحدهما عليه الفدية لأنه قصد مس الطيب والثاني لا فدية عليه لأنه جهل تحريمه فأشبه من جهل تحريم الطيب.
الشيخ: الصواب لأنه جهل حاله: هذا جهل حال لأنه مسه يظنه يابساً لا يجهل أن الطيب حرام لكن يظنه يابساً فبان رطباً فنقول لأنه جهل الحال فكان كجاهل الحكم والصواب أنه لا شيء عليه لأنه معذور فلو مس طيباً يظن أنه يابس فتبين أنه رطبٌ وعلق بيده فلا شيء عليه ولكن عليه أن يبادر فيزيل ما علق بيده.
القارئ: ومن طُيب أو حُلق رأسه بإذنه فالفدية عليه لأن ذلك ينسب إليه وإن حلق رأسه مكرهاً أو نائما فالفدية على الحالق لأنه أمانةٌ عنده فالفدية على من أتلفه بغير إذنه كالوديعة.
الشيخ: أما الأول فصحيح أن من طُيب أو حُلق رأسه بإذنه فعليه الفدية لأن ذلك بإذنه ورضاه فهو كالفاعل والآذن والراضي كالفاعل.
وأما الثاني وهو من حلق رأسه مكرهاً أو نائماً فالفدية على الحالق ففيه نظر لأن هذا ليس مالاً وإنما هو تعبد لله تعالى بترك الحلق وهذا الرجل النائم أو المكره لم ينتهك حراماً فلا شيء عليه والحالق لا شيء عليه لأنه ليس بمحرم ولكن قد يعزر هذا الحالق بما يراه الإمام باعتدائه على أخيه.
القارئ: وإن حلق وهو ساكتٌ لم ينكر فالفدية عليه كما لو اتلفت الوديعة وهو يقدر على حفظها فلم يفعل.
الشيخ: هذا صحيح لكن لو علل ذلك بأنه رضي بفعل المحظور فيه لكان أحسن لأن مسألة الوديعة أموال وليست عبادات لكن يقال في هذا الذي حلق وهو ساكت إن سكوته إقرارٌ وإذن.
القارئ: وإن كشط من جلده قطعةً عليها شعرٌ أو قطع أصبعاً عليها ظفرٌ فلا فدية عليه لأنه زال تبعاً لغيره فلم يضمنه كما لو قطع أشفار عيني إنسان فإنه لا يضمن أهدابها.
باب الفدية
القارئ: من حلق رأسه وهو محرمٌ فعليه ذبح شاةٍ أو إطعام ثلاثة أصوع لستة مساكين لكل مسكينٍ نصف صاع أو صيام ثلاثة أيام لقول الله تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) وروى كعب بن عجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (لعلك تؤذيك هوام رأسك قال نعم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احلق رأسك وصم ثلاثة أيامٍ أو أطعم ستة مساكين لكل مسكينٍ نصف صاع تمر أو انسك بشاة) متفقٌ عليه.
الشيخ: والفدية هنا على التخيير وقد بدأ الله تعالى بالأسهل في ذلك الوقت وهو الصيام ثم الإطعام ثم النسك لكن أيها أعلى باعتبار نفع الفقراء؟ النسك ثم الإطعام ثم الصيام وفي هذه الفدية قدر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدفوع والمدفوع إليه، فالمدفوع قدره نصف صاع والمدفوع إليه ستة مساكين.
وقد يكون الواجب مقدراً والمدفوع إليه غير مقدر كالفطرة فالواجب فيها صاع وليس المدفوع إليه مقدراً يجوز أن تعطي الصاع الواحد لعدة فقراء ويجوز أن تعطي الواحد عدة أصواع.
وهناك قسمٌ ثالث يقدر المدفوع إليه دون المدفوع وهذا هو الأكثر ككفارة اليمين إطعام عشرة مساكين وكفارة الظهار إطعام ستين مسكيناً وكفارة الجماع في رمضان.
القارئ: وسواءٌ حلق لعذرٍ أو غيره وعنه فيمن حلق لغير عذر عليه الدم من غير تخيير لأن الله تعالى خير بشرط العذر فإذا عدم الشرط زال التخيير والأول أولى لأن الحكم ثبت في غير المعذور تبعاً له والتبع لا يخالف أصله وإنما الشرط لإباحة الحلق لا التخيير.
الشيخ: هذا هو الأقرب أن الفرق بين المعذور وغيره هو الإثم بالحلق إن كان غير معذور لزمته الفدية مع الإثم وإن كان معذوراً فإنه لا إثم عليه لكن تلزمه الفدية لأنه انتهك هذا المحظور لمصلحة نفسه فلم يسقط عنه فهو كالذي يقتل صيداً ليأكله فإنه لا يسقط عنه جزاؤه.
القارئ: وفي حلق أربع شعراتٍ ما في حلق الرأس كله لأنها كثير فتعلقت بها الفدية كالكل.
الشيخ: قوله (لأنها كثير) النبي صلى الله عليه وسلم قال (الثلث والثلث كثير) فإذا عللنا بالكثرة فيجب أن نربط الحكم بثلث الرأس كما قال به بعض أهل العلم وقال إن الذي فيه الفدية هو ما كان من ثلث الرأس فأكثر لأننا ما دمنا عللنا ذلك بالكثرة فالكثرة بنص الحديث أنها الثلث وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وقال لا فدية فيما دون الثلث ثم إنه إذا قطع ثلاث شعرات من رأسه لا يتبين أنه حلق ولا أنه قطع ولهذا الإنسان يجد في مثل هذه المسائل حرجاً أن يلزم الناس بشيء لم يتبين له في الكتاب والسنة قد يقول الإنسان هذا سهل إطعام ستة مساكين والخير كثير والحمد لله لكن ليست المسألة سهولة المدفوع المسألة هل هو حكم شرعي يقابل الإنسان به ربه يوم القيامة أنه ألزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به؟ هذه المشكلة ثم إن هذا الإطعام الذي هو سهل اليوم قد يكون في يوم من الأيام صعباً فالحاصل أني أود من إخواني الطلبة أن ينتبهوا لهذا الشيء أن الله سيسألهم إذا أوجبوا شيئاً لم يدل عليه الدليل سيسألهم لماذا ألزمتم عبادي بما لم ألزمهم به فما الجواب والآية (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ)، (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ) وهذا يدل على أن الرأس كله.
القارئ: وفي الثلاث روايتان إحداهما كالكل قال القاضي هي المذهب لأنها يقع عليها اسم الجمع المطلق فهي كالأربع والثانية لا يجب فيها ذلك وهي اختيار الخرقي لأن الثلاثة آخر القلة وآخر الشيء منه.
الشيخ: وعلى ما أومأنا إليه نقول كلها غير صحيحة الأربع ما فيها فدية والثلاث ما فيها فدية وإن قلنا بالوجوب فالثلاث فيها الفدية لأنها جمع وأما قوله إنه زالت بها القلة فصارت تبعاً للقليل فغير صحيح لأنه لما زالت بها القلة بلغت إلى حد الكثرة.
القارئ: وفيما دون ذلك ثلاث روايات إحداهن في كل شعرة مدٌ من طعام لأن الله تعالى عدل الحيوان بالطعام هاهنا وفي الصيد وأقل ما يجب منه مدٌ من طعام فوجب والثانية قبضةٌ من طعام لأنه لا تقدير له في الشرع فيجب المصير إلى الأقل لأنه اليقين.
الشيخ: ومن قال إن اليقين هو قبضة ثم إن القبضة تختلف بعض الناس يده كبيرة وبعض الناس يده صغيرة ولهذا نقول كل هذا تحكم بلا دليل وأما أن الله عدل الطعام بالفدية فيقال هذا فيما أوجب الفدية وأنتم لا توجبون الفدية فيما دون الثلاثة وهذا يقتضي أن ما دون الثلاثة ليس فيها شيء.
القارئ: والثالثة درهم لأن إيجاب جزءٍ من الحيوان يشق فصرنا إلى قيمته وأقل ذلك درهم.
الشيخ: من يقول أقل ذلك درهم؟! الجزء من الحيوان قد يساوي مائة درهم وقد لا يساوي إلا درهماً وأنا أذكر أنه مر علينا سنوات نشتري الشاة بأربعة قروش أي خُمس ريال.
القارئ: وإزالة الشعر بالقطع والنتف والنورة وغيرها كحلقه لأنها في معناه والأظفار كالشعر في الفدية سواء لأنها في معناها وفي بعض الشعرة أو الظفر ما في جميعه كما أن في القصيرة مثلما في الطويلة وإن حلق شعر رأسه وبدنه فعليه فديةٌ واحدة لأنه جنسٌ واحدٌ فأجزأته فديةٌ واحدة كما لو لبس عمامةً وقميصا وهذا اختيار أبي الخطاب وحكي روايةٌ أخرى أن عليه فديتين اختاره القاضي لأن حلق الرأس يتعلق به النسك دون شعر البدن فيخالفه في الفدية.
الشيخ: الأصح الرأس فقط وشعر البدن ليس فيه دليل على أنه محرم وأن فيه فدية.
القارئ: ومن أبيح له الحلق فهو مخيرٌ في الفدية قبله وبعده كما يتخير في كفارة اليمين قبل الحنث وبعده.
الشيخ: لأن الله قال (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) لكن الكفارة قبل الحنث تسمى تحلة لأنه حل اليمين وبعد الحنث تسمى كفارة لأنه انتهك حرمة اليمين فصارت كفارة، لو قال أنا سأحلف أن لا أخرج من البيت ثم أخرج الكفارة للحلف الذي سيحلفه؟ لا يصح لأنه قبل السبب أما قبل الشرط فلا بأس.
مسألة: لو لبس عمامةً وقميصاً فهل نقول فدية واحدة لأن الجميع لبس أو نقول فديتان لأن هذا على الرأس وهذا على البدن؟ هذا فيه خلاف لكن ينبغي أن يفرق بين ما إذا لبس عمامةً وقميصاً أو غطى رأسه ولبس قميصاً الأول يسمى لبساً فيكون الجنس واحداً والثاني يسمى تغطية ولبساً فيكون بينهما فرق ويكونان جنسين.
فصلٌ
القارئ: ومن لبس أو غطى رأسه أو تطيب فعليه الفدية مثل حلق رأسه لأنه في معناه فقسناه عليه وإذا لبس عمامةً وقميصاً وسراويل وخفين فعليه فدية واحدة لأنه جنسٌ واحدٌ فأشبه ما لو طيب رأسه وبدنه وإن لبس وتطيب وحلق وقلم فعليه لكل جنسٍ فدية لأنها أجناسٌ مختلفة فلم تتداخل كفاراتها كالأيمان والحدود وعنه إن فعل ذلك دفعةً واحدة ففديةٌ واحدة لأن الكل محظورٌ فأشبه اللبس في رأسه وبدنه وإن كرر محظوراً واحداً فلبس ثم لبس أو تطيب ثم تطيب أو حلق ثم حلق ففديةٌ واحدة ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني وعنه إن فعله لأسباب مثل من لبس أول النهار للبرد ووسطه للحر وآخره للمرض ففديات لأن أسبابه مختلفةٌ فأشبه الأجناس المختلفة والأول أولى لأن الحكم يتعلق بالمحظور لا بسببه فأشبه الحالف بالله ثلاثة أيمان على شيء واحدٍ لأسبابٍ مختلفة وقليل اللبس والطيب وكثيره سواء وحكم كفارة الوطء في التداخل مثل ما ذكرنا لأنها ليست ضمانا فأما جزاء الصيد فلا تداخل فيه وكلما قتل صيداً حكم عليه وعنه أنه يتداخل كسائر الكفارات وعنه لا يجب الجزاء إلا في المرة الأولى لقول الله تعالى (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) ولم يذكر جزاء والأول المذهب لقول الله تعالى (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وهذا يقتضي كل قاتل ومثل الصيدين أكثر من مثل واحد ولأنه ضمان مالٍ يختلف باختلافه فوجب في كل مرةٍ كضمان مال الآدمي قال أحمد روي عن عمر وغيره أنهم حكموا في الخطأ وفيما قتل ولم يسألوه هل كان قتل قبل هذا أو لا.
الشيخ: والصحيح أن جزاء الصيد بتعدد المصيد حتى ولو كان بفعلٍ واحد مثل أن يرمي فيصيب عدة طيور فعليه لكل طيرٍ جزاء لأن الله تعالى قال (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وكما يلزم المثل في الصفة والهيئة يلزم المثل في العدد وأما تكرار اللبس فإن كان لبس لعذرٍ دام فلا حرج أن يكرر مثل أن يلبس للبرد في أول النهار وفي وسط النهار لا برد فيعود ويلبس الإزار والرداء ثم في آخر النهار حدث البرد فنقول البس ولا تتعدد الكفارة لأنه إنما استباح لبس المخيط لسبب وهو البرد فكأن هذا المحظور انحل في حقه ولم يبقَ عليه محرماً هذا هو الضابط فيما يتكرر، الجماع أيضاً لو جامع ثم جامع ثم جامع فإنه يتكرر إلا إذا كان لم يكفر عن الأول.
فصلٌ القارئ: وإذا وطئ المحرم في الفرج في الحج قبل التحلل الأول فعليه بدنةٌ لأن ذلك يروى عن ابن عباسٍ رضي الله عنه وسواءٌ كان الفرج قبلاً أو دبرا من آدميٍ أو بهيمةٍ لأنه وطءٌ في فرج أشبه وطء الآدمية وإن وطئت المحرمة مطاوعةً فعليها بدنة لأنها أفسدت حجها بالجماع فوجبت عليها البدنة كالرجل وإن وطئ الرجل محرمةً مطاوعةً فعلى كل واحدٍ منهما بدنة لأن ابن عباسٍ قال للمجامع اهد ناقة ولتهد ناقة ولأنه إفساد حج شخصين فأوجب بدنتين كالوطء من رجلين وعنه يجزئهما هديٌ واحد لأنه جماعٌ واحدٌ فأشبه ما لو أكرهها فإن وطئها نائمةً أو مكرهةً ففيها روايتان إحداهما أن الواجب هديٌ واحدٌ عليه دونها لأنها معذورةٌ فلم يلزمها كفارةٌ كالمكرهة على الوطء في الصيام والثانية يجب هديان لأنه إفساد حج اثنين فعلى هذا يتحملها الرجل عنها لأن الإفساد وجد منه فكان موجبه عليه كما تجب عليه نفقة قضائها ويحتمل أن تكون عليها لأنها وجبت لفساد حجتها.
الشيخ: هذا الأخير ثقيل صعب والصواب أنها إذا وطئت نائمة أو مكرهة فلا شيء عليها لأنها معذورة ولا شيء على الرجل أيضاً لأنه جماعٌ واحد من شخصٍ واحد فلا يوجب أكثر من فدية ولكنه يأثم إذا أكرهها أو وطئها نائمة وهل يفسد حجها؟ لا على القول الراجح لا يفسد لأنه عن غير عمد.
القارئ: ويحتمل أن تكون عليها لأنها وجبت لفساد حجها وإن وطئ في العمرة أو وطئ في الحج بعد التحلل الأول فعليه شاةٌ لأنه فعل محظور لم يفسد حجا فلم يوجب بدنةً كالقبلة.
الشيخ: وعليه شاة ويجب أن نعلم أن كل ما أوجب شاةً من المحظورات فهو على التخيير بين الشاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.
القارئ: ومتى وطئ المحرم دون الفرج أو قبل أو لمس لشهوة فلم ينزل فعليه شاةٌ لأنه فعلٌ محرمٌ بالإحرام لم يفسد بالحج فوجبت به الشاة كالحلق وإن أنزل فعليه بدنة لأنه استمتاعٌ بالمباشرة أوجب الغسل فأوجب البدنة كالوطئ في الفرج وإن نظر فلم ينزل فلا شيء عليه وإن نظر فصرف بصره فأنزل فعليه شاة وإن كرر النظر حتى أنزل ففيه روايتان إحداهما شاةٌ يروى ذلك عن ابن عباس ولأنه ليس بمباشرة فلم يوجب البدنة كما لو صرف بصره والثانية فيه بدنة اختارها الخرقي لأنه إنزالٌ بإستمتاعٍ فأوجب البدنة كالمباشرة.
الشيخ: والصواب أنه لا يوجب البدنة وأن البدنة لا تجب إلا في الجماع قبل التحلل الأول في الحج وأما الإنزال بالمباشرة أو الجماع فيما دون الفرج وما أشبه ذلك فلا يوجب البدنة هذا هو القول الراجح في المسألة.
أما إذا كرر النظر فأنزل فينبغي أن تجب الشاة وأما إذا نظر ثم صرف بصره فلا شيء عليه ولو أنزل لأن إنزاله بعد صرف بصره ليس للنظر بل للتفكير في المنظور والتفكير على القول الراجح ليس فيه شيء.
القارئ: وإن فكر فأنزل فلا شيء عليه كما ذكرنا في الصوم وإن أمذى في هذه المواضع فهو كمن لم ينزل لأنه خارجٌ لا يوجب الغسل أشبه البول.
الشيخ: وفي هذا دليل على أن الإمذاء في الصوم لا يفسد الصوم كما هو الراجح والفقهاء قالوا إن الإمذاء يفسد الصوم والصواب أنه لا يفسده ولا يمكن أن يقاس المذي على المني لاختلافهما في الحكم وفي الحقيقة والماهية والأثر.
فصلٌ
القارئ: ومن لزمته بدنةٌ أجزأته بقرة لأن جابراً قال وهل هي إلا من البدن ولأنها تقوم في الأضاحي والهدايا مقامها فكذا هنا ويجزؤه سبعٌ من الغنم لذلك.
الشيخ: لكن بعض أهل العلم قال في غير جزاء الصيد فاستثنى جزاء الصيد وقال إن جزاء الصيد إذا وجبت فيه بدنة لم تجزئ البقرة لأن الله تعالى قال (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وهذا القول لا شك أنه وجيه لأنه إذا ذبح بقرةً في مقام البدنة لم يكن آتياً بما يلزمه من وجوب المماثلة.
القارئ: وإن لم يجد هدياً فعليه صيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعة إذا رجع لأن ابن عمر وابن عباسٍ وعبد الله بن عمروٍ قالوا للواطئين اهديا هديا فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعة إذا رجعتم وهم الأصل في ثبوت حكم الوطء وإليهم المرجع فيه فكذا في بدله وقال بعض أصحابنا تقوم البدنة فيشتري بقيمتها طعاماً يتصدق به فإن لم يجد صام عن كل مدٍ يوماً قياساً على البدنة الواجبة في فدية النعامة.
الشيخ: هذا قياسٌ مع الفارق والصواب أن من لزمته البدنة وقدر عليها فليفعل وإلا فلا شيء عليه وما روي عن هؤلاء الصحابة الذين ذكروا فيحمل على الاستحباب.
باب جزاء الصيد
القارئ: يجب الجزاء في الصيد لقول الله تعالى (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وهو ضربان ما له مثلٌ من النعم وهي بهيمة الأنعام فيجب فيه مثله للآية وهو نوعان الضرب الأول ما قضت الصحابة فيه فيجب فيه ما قضت لأنه حكم مجتهد فيه واجتهادهم أحق أن يتبع فمن ذلك الضبع قضى فيها عمر وابن عباسٍ بكبش وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيها بذلك رواه أبو داود وغيره وقال الترمذي هو حديثٌ حسنٌ صحيح.
الشيخ: قال الله تبارك وتعالى في جزاء الصيد (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) وأول من يدخل في هذا الوصف وهو العدالة الصحابة رضي الله عنهم فما قضت به الصحابة لا يجوز العدول عنه أولاً لأنهم هم أعلم منا وأقرب إلى الصواب وأقوى أمانة.
وثانياً أنه لو فتح الباب لكل واحدٍ أن يجتهد لم يقر قرارٌ للناس لكان كل قومٍ يأتون يقول هذا ليس مثل هذا بل مثله كذا فتضطرب الأمة فلهذا نقول ما قضت به الصحابة فلا عدول عنه ومن ذلك الضبع فيها كبش وقضاء الصحابة أن في الضبع كبشاً يدل على أنها حلال وأنها من الصيد وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها كما قاله الإمام أحمد رحمه الله إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قضى فيها بكبش.
القارئ: والنعامة قضى فيها عثمان وعلي وزيد وابن عباس ومعاوية ببدنة.
الشيخ: لأن أقرب ما يكون شبهاً به البدنة.
القارئ: وحمار الوحش فيه روايتان إحداهما فيه بقرة لأن عمر قضى فيه بها والثانية فيه بدنة لأن أبا عبيدة وابن عباسٍ قضيا فيه بها وقضاء عمر أولى لأنه أقرب إلى ما قضي به وعن ابن مسعودٍ أنه قضى في بقرة الوحش ببقرة وقال ابن عباسٍ في الأيل بقرة.
الشيخ: على كل حال الآن اختلف عمر وابن عباس وأبو عبيدة والصواب مع عمر لا شك لأنه أقرب.
القارئ: وقال ابن عمر في الأروى بقرة وقضى عمر في الظبي بشاة وفي اليربوع بجفرة وهي التي لها أربعة أشهرٍ من المعز.
الشيخ: هذه كلها أنواع من الظباء الآيل والتيتل والأروى كلها أنواع من الظباء.
القارئ: وفي الأرنب بعناق وهي أصغر من الجفرة وفي الضب بجدي.
الشيخ: في الأرنب عناق مع أن الأرنب أكبر بكثير من اليربوع ومع ذلك جزاؤه أقل من أجل المماثلة فهي ليست من باب التقويم بل من باب المماثلة.
القارئ: والضرب الثاني ما لم تقضِ فيه الصحابة فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة لقول الله تعالى (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) ويجوز أن يكون القاتل أحدهما لدخوله في العموم ولما روى طارق بن شهاب قال خرجنا حجاجاً فأوطأ منا رجل يقال له إربد ضباً ففزر ظهره فقدمنا إلى عمر فسأله إربد فقال له احكم فيه يا إربد قال أنت خيرٌ مني يا أمير المؤمنين وأعلم فقال عمر إنما أمرتك أن تحكم ولم آمرك أن تزكيني فقال إربد أرى فيه جديا قد جمع الماء والشجر فقال عمر فذلك فيه رواه سعيد بن منصور ولأنه واجبٌ لحق الله فجاز أن يكون من وجب عليه أميناً فيه كالزكاة.
الشيخ: وقيل إنه لا يصح أن يكون حكماً إذا كان هو القاتل لأن الله قال (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) وقاتل الصيد في الإحرام ليس بعدل حتى يتوب ولأنه متهم فيما يجب عليه والفرق بينه وبين الزكاة أن هذا غرمٌ منفصل وأما الزكاة فهو إخراج واجبٍ في ماله فكان أخف وهذا الأثر إن صح عن عمر فلعله لسببٍ رآه لأن هذه قضية عين فلعله رأى أن إربد تاب لله عز وجل فصح أن يكون حكما.
القارئ: وفي كبير الصيد كبيرٌ مثله وفي صغيره صغيرٌ مثله وفي كل واحدٍ من الصحيح والمعيب مثله وإن فدى الذكر بالأنثى جاز لأنها أفضل وإن فدى الأنثى بالذكر ففيه وجهان أحدهما لا يجزئ لذلك والآخر يجزئ لأن لحمه أوفر وهو المقصود.
الشيخ: ولكن الأقرب أنه لا يجزئ الذكر عن الأنثى لأن الأنثى أطيب لحماً وأرق.
القارئ: وإن فدى أعور بعينٍ من أخرى جاز لأن المقصود منهما واحد وإن فدى معيباً بمعيبٍ من جنسٍ آخر لم يجز لأنهما مختلفان.
الشيخ: مثال معيب بعيبٍ من جنس آخر مثل لو كان أعور وأعرج فلا يجزيء أحدهما عن الآخر لاختلاف الجنس وأما إذا كان أعرج بيد وأعرج برجل فالظاهر أن الجنس واحد وأنه يجزئ هذا عن هذا.
القارئ: وإن أتلف صيداً ماخضاً ففيه قيمة مثله ماخضاً قاله القاضي لأن قيمته أكثر من مثله وقال أبو الخطاب فيه مثله ماخض للآية.
الشيخ: وقول أبي الخطاب أقرب إلى الصواب ولكن إذا لم يجد بأن وجد أنثى غير حامل ففي هذه الحال يخرجها ويخرج الفرق بين الحامل والحائل.
القارئ: وإن جنى على ماخضٍ فأتلف جنينها ففيه ما نقصها كما لو جرحها وإن خرج حياً ثم مات ضمنه بمثله.
الشيخ: فصارت المماثلة تكون في الجنس وفي الشبه وفي الصغر وفي الكبر وفي العيب والسلامة بقدر الإمكان.
القارئ: والثاني ما لا مثل له وهو الطير وشبهه من صغار الصيد ففيه قيمته إلا الحمام فإن فيه شاة لأن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباسٍ قضوا في حمام الحرم بشاة والحمام كل ما عب الماء وهدر كالحمام المعروف واليمام والجوازل والقماري والرقاطي والدباسي والقطا لأن هذا كله حمام وقال الكسائي كل مطوقٍ حمام فعلى هذا يكون الحجل حماما وعلى الأول ليس بحمام وما كان أصغر من الحمام ففيه قيمته لأنه لا مثل له وما كان أكبر منه ففيه وجهان أحدهما فيه قيمته لأن القياس يقتضيها في جميع الطير تركناه في الحمام لقضاء الصحابة ففي ما عداه يبقى على القياس والثاني فيه شاة لأن إيجابها في الحمام تنبيهٌ إلى إيجابها فيما هو أكبر منه وقد روي عن ابن عباسٍ وجابرٍ أنهما قالا في الحجلة والقطا والحبارى شاة شاة وإن نتف ريش طائرٍ ففيه ما نقص فإن عاد فنبت ففي ضمانه وجهان كغصن الشجرة إذا نبت وفي بيض الصيد قيمته.
الشيخ: فصارت الطيور كلها تضمن بالقيمة إلا الحمام لقضاء الصحابة وإلا ما كان أكبر من الحمام ففيه الوجهان الوجه الأول أنه يضمن بالقيمة لأنه لا مثل له والثاني يضمن بالشاة لأن إيجاب الصحابة رضي الله عنهم شاةً في الحمامة يدل على أن ما فوقها من باب أولى والراجح أن مالم تقضِ فيه الصحابة من الطيور ففيه القيمة فقط.
فصلٌ القارئ: ومن وجب عليه جزاء صيدٍ فهو مخير بين إخراج المثل أو يقوم المثل ويشتري بقيمته طعاما ويتصدق به أو يصوم عن كل مدٍ يوما لقول الله تعالى (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاما) فأو للتخيير، وعنه أنها للترتيب فيجب المثل فإن لم يجد أطعم فإن لم يجد صام ككفارة القتل وعنه لا إطعام في الجزاء وإنما ذكره ليعدل الصيام والمذهب الأول لأنه ظاهر النص فلا تعويل على ما خالفه.
الشيخ: صحيح لكن هل يقوم المثل أو يقوم الصيد؟ المؤلف يقول إنه يقوم المثل وقيل إنه يقوم الصيد لأنه هو الذي حصل به العدوان وأما المثل فلا يقوم ولكلٍ من القولين وجه أما من قال يقوم المثل فقال إن التقويم بدلٌ عن الأصل والأصل هو المثل وأما من قال إنه يقوم الأصل يعني الصيد قال إن المثل إنما جعله الشارع قيمةً للصيد فإذا لم يأخذ به الإنسان فإنه يرجع إلى الأصل وهي قيمة الصيد وأياً كان تارةً يكون قيمة الصيد أكثر وتارةً تكون قيمة المثل أكثر أما إذا تساوت القيمتان فلا يظهر أثرٌ للخلاف لكن إذا اختلفت القيمتان بأن كان هذا الصيد نادر الوجود فأقول إن المسألة محتملة هل يقوم المثل أو يقوم الصيد؟ ولم يظهر لي ترجيح في هذا من زمان ولكن إذا قلنا إنه يقوم المثل فبما يعادله من الطعام إذا لم يختر المثل الطعام ربما يكون كثيراً فإذا قدرنا أنه قوم المثل بمائتي ريال والصاع بريالين فيكون فيها مائة صاع أي أربعمائة مد فنقول لهذا الرجل صم أربعمائة يوم هذا عدل الطعام!! فالنفس في قلق من هذا والله عز وجل يقول (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ) وأطلق سبحانه وتعالى (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً) أي ما يعادل إطعام المسكين صياماً وهي في الحقيقة من المسائل التي تحتاج إلى تحريرٍ تام في باب المناسك.
فصلٌ
القارئ: وإن اشترك جماعةٌ في قتل صيدٍ فعليهم جزاءٌ واحد وعنه على كل واحدٍ جزاء لأنها كفارة قتلٍ أشبهت كفارة قتل الآدمي وعنه إن كفروا بالمال فجزاءٌ واحد وإن كفروا بالصيام فكفارات والأولى أولى لأن ذلك يروى عن عمر وابنه وابن عباس ولأنه بدلٌ متلفٌ يتجزأ فيقسم بدله بين المشتركين كالديات وقيم المتلفات.
الشيخ: لكن في الصيام إذا قدرنا أنه سيكون على كل واحد صيام عشرة أيام ونصف يجبر النصف ولا بد لأن الصوم لا يصح إلا يوماً كاملاً فيلزم كل واحد أن يصوم أحد عشر يوما.
القارئ: وإن اشترك حلالٌ وحرام فلا شيء على الحلال وهل يكمل الجزاء على الحرام أو يكون حكمه حكم المشارك الحرام فيه وجهان.
الشيخ: والأقرب أنه ليس عليه إلا النصف لأن القتل حصل من فعلين.
القارئ: وإن جرح صيداً ضمنه وفي ضمانه وجهان أحدهما يضمنه بمثله من مثله لأن ما وجب ضمان جملته بمثله وجب في بعضه مثله كالمكيلات.
الشيخ: وعلى هذا يكون معنى قوله جرح صيداً أي قطع منه عضواً لأن الجرح لا يكون فيه جزءٌ متلف ولهذا قال يضمنه بمثله من مثله فإذا قطع يده مثلاً وجب عليه يدٌ من مثله أو أذنه وجب عليه أذنٌ من مثله وإن كانت الأذن ليست لها قيمة ولكن قد يكون لها قيمة باعتبار تقويمها مع الجملة.
القارئ: والآخر تجب قيمة قدره من مثله لأن الجزء يشق إخراجه فصرنا إلى قيمته.
الشيخ: لكن هذا يجاب عنه بأنه إذا شق إخراجه عجزنا عن ضبط المماثلة فحيئذٍ يكون كالصيد الذي ليس له مثل يرجع إلى القيمة.
القارئ: وإن جرح صيداً فأزال امتناعه فقتله حلالٌ أو سبع فعلى المحرم جزاء جميعه لأنه سبب تلفه وإن قتله محرمٌ آخر فعلى الأول ما نقصه والباقي على الثاني وإن برئ وزال نقصه فلا شيء فيه كالآدمي وإن نقص فعليه نقصه وإن برئ غير ممتنعٍ فعليه جزاء جميعه لأنه عطله فصار كالتالف وإن غاب ولم يعلم خبره فعليه نقصه لأنه المتيقن.
فصلٌ القارئ: والقارن والمفرد والمعتمر سواءٌ في جزاء الصيد وسائر الكفارات لأنهم سواءٌ في الإحرام فوجب استواؤهم في ذلك.
فصلٌ القارئ: وصيد الحرم حرامٌ على الحلال والحرام لما روى ابن عباسٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يختلى خلالها ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها فقال العباس إلا الإذخر فإنا نجلعه لبيوتنا وقبورنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر) متفقٌ عليه وحكمه في الجزاء حكم صيد الإحرام.
الشيخ: في هذا الحديث دليلٌ على عظمة تحريم هذا البيت وأن الله حرمه يوم خلق السماوات والأرض فإن قال قائل أليس قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (إن إبراهيم حرم مكة) فنقول بلى لكن المراد بتحريم إبراهيم مكة أنه أظهر تحريم مكة وبينه وإلا فإن هذا البلد حرامٌ بحرمة الله منذ خلق السماوات والأرض إلى أن تقوم الساعة وفي هذا الحديث دليلٌ على جواز مراجعة الحاكم وولي الأمر لأن العباس راجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم ينكر عليه وفيه دليل على أن الفاضل قد يغيب عنه ما يظهر للمفضول مثل قول العباس إلا الإذخر فإنه لبيوتهم وغيره والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم هذا لا شك لكن قد يغيب على الإنسان الفاضل ما يتبين لمن دونه وفيه دليلٌ على جواز الاستثناء بدون اتصال في المستثنى منه لأن العباس ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد انتهاء الخطبة وفيه دليل على أنه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه قبل تمام المستثنى منه لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم ينوِ ذلك وهذا والذي قبله هو الصحيح أن الاستثناء يجوز وإن لم ينوه إلا بعد تمام المستثنى منه وأنه يجوز ولو حصل فصل لكن بشرط أن يكون الكلام واحداً فإن استثنى بعد الانقطاع وبعد مفارقة المجلس فإنه لا يصلح الاستثناء بل لا بد من إعادة الجملة السابقة حتى يصح الاستثناء منها وفيه أيضاً في هذا الحديث دليل على أن بعض الناس قد يكون مفتاحاً للخير والتيسير وعلى العكس من ذلك من يكون سبباً للتضييق على الناس ولهذا جاء في الحديث (من أعظم الناس جرماً رجلٌ سأل عن مسألةٍ لم يحرمها الله فحرمت من أجل مسألته) لأنه يكون بذلك سبباً للتضييق على الناس وفيه دليل على حرمة الآدمي في مكة لأنه إذا ثبتت هذه الحرمة للأشجار وهي جماد وثبتت للصيد أيضاً فما بالك بالإنسان وفيه أيضاً دليل على أنه لا يجوز قطع الشوك من الشجر في مكة لقوله (ولا يعضد شوكها) وما لا شوك
فيه من باب أولى فإن قال قائل الناس يضطرون إلى طريق فيه أشجارٌ كثيرة من الشوك فهل يجوز لهم أن يزيلوها عن الطريق الجواب نعم إذا لم يكن لهم طريقٌ إلا هذا فإنه يجوز كما لو اضطر الإنسان إلى أكل الصيد في الحرم فإنه يقتله ويأكله فإن قال قائل إذا كانت الشجرة في أرضٍ لي نبتت بفعل الله وأنا أريد أن أبني هذه الأرض نقول إذا كان يمكنك أن تبني في الجانب الذي ليس فيه شجرة فافعل وإن كان لا يمكنك بحيث تكون الأشجار منتشرة أو المكان صغيراً فالظاهر أن هذا من جنس الاضطرار وأن له أن يقلعها لا يقال إن لها حرمة لأننا نقول حرمة الآدمي أوكد وأعظم وإذا فرضنا مثلاً أن جميع مكة مفروشة بالأشجار نقول لأهل مكة لا تبنوا هذا فيه صعوبة.
الشيخ: وأضاف في الحديث (خلاها)، (شوكها) هذا إلى مكة ليخرج به ما ينبته الآدمي فإن ما يغرسه الآدمي كالنخل والعنب وما أشبهها ليس بحرام لأن هذا ينسب إلى مالكه الذي غرسه والمراد الأشجار التي نبتت بغير فعل الآدمي كما أن القول الراجح أن الإنسان إذا أدخل صيداً إلى الحرم فإنه ملكه حلال ولا يلزمه إطلاقه وله أن يذبحه.
القارئ: وحكمه في الجزاء حكم صيد الإحرام لأنه مثله في التحريم فكان مثله في الجزاء والسمك في التحريم كصيد البر لعموم قوله (لا ينفر صيدها) ولأن حرمته بمحله وهما في المحل سواء وعنه لا يحرم لأنه لا يحرمه الإحرام فلم يحرمه الحرم كالسباع وسائر الحيوانات كلها.
الشيخ: وهذه الرواية الثانية هي الصواب بلا شك وأن صيد البحر في الحرم ليس حراماً فلو فرض أن بحيرة صارت في الحرم وظهر فيها أسماك فإن الأسماك هذه حلال لأن الله تعالى يقول (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً).
القارئ: وسائر الحيوانات حكمها في الحرم حكمها في الإحرام فما حرمه الإحرام من الصيد حرمه الحرم وما أبيح فيه من الأهلي وغير المأكول لم يحرمه الحرم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم) رواه مسلم، إلا أن القمل لا يحرمه الحرم رواية واحدة.
الشيخ: وسبق لنا أن القمل القول الراجح فيه أنه لا يحرم وأنه يجوز للمحرم أن يتفلى.
القارئ: ويجب الجزاء على كل قاتل في الحرم مسلما كان أو كافرا صغيرا أو كبيرا لأن حرمته لمحله وهو ثابت بالنسبة إلى كل قاتل.
الشيخ: فإذا قال قائل ليس الكافر مكلفا بشرائع الإسلام حتى يسلم قلنا إن هذا من باب ضمان الإتلاف ويستوي فيه الكافر وغيره.
فإن قال قائل كيف يقتل الكافر صيدا في الحرم؟ فالجواب يمكن إما أن يقتله وهو في الحل والصيد في الحرم وإما أن يدخل معاندا وهو كافر فيدخل الحرم المهم أن المقصود التصوير فهل إذا قتل الكافر صيدا في الحرم يلزم بالجزاء؟ الجواب نعم لا تعبداً لله ولكن ضماناً للمتلف.
وإن أحرم الكافر وقتل الصيد وهو محرم؟ نقول لا يصح إحرامه ولا جزاء عليه فيما قتل من الصيد إلا أن يكون في الحرم.
القارئ: ولو قتل محرم صيدا حرميا لزمه جزاء واحد لأن المقتول واحد فكان جزاؤه واحدا كما لو قتله حلال.
الشيخ: وقيل إذا قتل المحرم صيدا في الحرم لزمه جزاءان لأنه اجتمع سببان للتحريم كونه في الحرم وكونه محرما ولكن الراجح أنه جزاء واحد وهذا كما قيل في القارن إنه إذا قتل صيدا لزمه جزاءان لأنه جامع بين الحج والعمرة أي بين نسكين والصحيح أنه لا يلزمه إلا جزاء واحد في المسألتين جميعا.
فصل القارئ: ومن ملك صيدا في الحل فأدخله الحرم لزمه رفع يده عنه وإرساله فإن تلف في يده أو أتلفه ضمنه وإن ذبحه صار ميتا لأن الحرم سبب لتحريم الصيد فحرم استدامة إمساكه كالإحرام.
الشيخ: وسبق أن الصحيح أن له الدخول به وأنه ملكه والفرق بينه وبين الإحرام الذي قاسه عليه أن هذا ليس صيد حرم فهو لم يدخل في التحريم أصلاً وأما الإحرام فإن المحرم ممنوع من أن يتملك الصيد وممنوع من أن تكون يده المشاهدة عليه.
القارئ: وإن أمسكه في الحرم فأخرجه إلى الحل لزمه إرساله كالمحرم إذا أمسك الصيد حتى حل.
الشيخ: هذا صحيح.
القارئ: وإن رمى من الحل صيدا في الحرم أو أرسل كلبه عليه فقتله أو قتل صيدا على غصن في الحرم أصله في الحل ضمنه لأنه صيد حرمي معصوم بمحله.
الشيخ: وإن قتله على غصن شجرة أصلها في الحرم والغصن في الحل فلا شيء عليه.
القارئ: وإن رمى من الحرم صيدا في الحل أو أرسل كلبه عليه أو قتل صيدا على غصن في الحل أصله في الحرم فلا ضمان فيه لأنه صيد حل قاتله حلال فلم يضمن كما لو كان قاتله في الحل وقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ينفر صيدها) يدل بمنطوقه على تحريمه في الصورة الأولى وبمفهومه على حله في الثانية وعن أحمد فيهما جميعاً روايتان فإن كانا جميعا في الحل فدخل السهم أو الكلب الحرم ثم خرج فقتل صيدا في الحل لم يضمن بحال لأن الصيد والصائد جميعا في الحل وإن رمى صيدا في الحل فدخل السهم الحرم فقتل فيه صيدا ضمنه لأن العمد والخطأ واحد في الضمان.
الشيخ: والصحيح أنه لا يضمن يعني أنه رمى صيدا في الحل وهو أيضا في الحل ثم إن السهم طاش وأصاب صيدا في الحرم فالصحيح أنه لا ضمان عليه لأن الله اشترط في وجوب الضمان أن يكون متعمدا.
القارئ: وإن أرسل كلبه على صيد في الحل فدخل فقتله في الحرم أو قتل غيره ففيه روايتان إحداهما لا يضمن لأن للكلب اختيارا وقد دخل باختياره فلم يضمن جنايته بخلاف السهم والثانية إن كان الصيد قريبا من الحرم ضمنه لتفريطه بتعرضه للاصطياد في الحرم وإن كان بعيدا لم يضمن لعدم تفريطه ولا يؤكل لأنه صيد حرمي وقال أبوبكر عليه الضمان بكل حال.
الشيخ: الصواب أنه لا يضمن لو دخل الكلب لأن للكلب اختيارا.
السائل: هل الصلاة في الحرم تعدل مائة ألف صلاة في الحل؟
الشيخ: لا الصحيح أنها في المسجد الذي فيه الكعبة فقط لأنه روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة) فنص على مسجد الكعبة لكن الصلاة في مساجد الحرم أفضل من الصلاة في مساجد الحل والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نزل بالحديبية في جانب الحل منها وكان يصلي في الحرم فدل ذلك على أن الصلاة في الحرم أفضل من الصلاة في الحل لكن المضاعفة المخصوصة إنما هي في مسجد الكعبة ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام) ومن المعلوم أن الرحال لا تشد إلى مسجد في مكة غير مسجد الكعبة فالذي تضاعف فيه الصلاة هو الذي تشد إليه الرحال.
السائل: هناك بعض المحلات إذا اشتريت أكثر من خمسين ريالا يعطونك ورقة لسحب جائزة تكون سيارة أو ما شابه ذلك هل هذا يجوز؟
الشيخ: إذا كنت لا تشتري الحاجة إلا لأجل الدخول في المسابقة فهذا لا يجوز أو كان هذا المحل قد رفع قيمة السلعة من أجل المسابقة فلا يجوز أيضا أما إذا كنت محتاجا إلى السلعة وكان ثمنها كالثمن في بقية المحلات فإن ذلك لا بأس به لأنك في هذه الحال إما أن تكون سالما أو أن تكون غانما فلا يكون من الميسر.
السائل: وإذا اشتريت نوعاً من البضاعة يعطونك بعض الأشياء المصاحبة لهذه البضاعة هل هذا جائز؟
الشيخ: نعم هذا جائز أيضا لأنه إذا كان الإنسان إما سالما وإما غانما فلا بأس.
السائل: مقدار الأضحية في البحرين حوالي مئتين وسبعين ريالا لكنك تشهد الأضحية وفي بنغلاديش والهند وما شابه ذلك حوالي مائة وخمسين ريال لكن من باب التسهيل على المواطنين نريد تنزيل إعلان حتى يكون مقدار الأضحية حوالي مائتين وخمسين ريالا والجمعية لها الحق أن تنحر هذه الأضحية في المكان المناسب هل هذا يجوز؟
الشيخ: لا يا أخي هذا في الحقيقة تعطيل لهذه الشعيرة المقصود من الأضحية التعبد لله عز وجل بسفك دمها هذا هو الأصل كما قال الله تعالى (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) وليس المقصود مجرد انتفاع الفقير باللحم فمجرد الذبح قربة فلا أرى لكم أن تفتحوا هذا الباب دعوا الناس يضحون في بيوتهم ويظهرون شعائر الإسلام في البيوت ويعرف أن هذا عيد أضحى وأن أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل فدعوا هذا وحذروا منه أيضا حتى لا تتعطل الشعيرة لأن أكثر الناس الآن كما تعرف عندهم كسل وإذا أتى الله بقوم يأخذون منه الدراهم يخرجها من جيبه ويذهب إلى بنغلاديش أو غيرها من البلاد ويذبح هناك على أننا لا ندري ماالذي يذبح ولا ندري من الذابح ولا ندري كيف تفرق ولا ندري هل تذبح في الوقت أو بعده كل هذه الاحتمالات واردة كيف نذهب في هذه الشعيرة إلى مثل هذه المخاطر لو أن الناس انكبوا على هذا بقيت البلاد بلا شعيرة أضحية مع أن الله قال (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) وقال (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِس) فبدأ بالأكل ومتى يأكل الإنسان إذا كان هو في البحرين أو في المملكة السعودية وتذبح أضحيته في بنغلاديش أو في غيرها من البلاد الإسلامية ومن أراد أن ينفع إخوانه وهو صادق فلينفعهم بدراهم وليتقرب إلى الله تعالى بذبح أضحيته يذكر اسم الله عليها (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (36) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) ما قال لأجل أن ينتفع الفقراء (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (34) فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) فمع الأسف
أن كثيراً من الناس الآن صاروا يظنون أن الواجبات المالية التي أوجبها الله ما هي إلا انتفاع مادي فقط ولا يشعرون بالتقرب إلى الله والتعبد له بذبح الأضاحي مثلا أو ذبح العقيقة أو إخراج صدقة الفطر في مكانهم وهذا غلط وسفه.
السائل: يا شيخ هل ترون عدم جواز إخراج الأضحية إلى خارج البلد؟
الشيخ: أنا أرى أنها لا تصح بمعنى أنها ليست أضحية كما ضحى النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان رسول الله عليه الصلاة والسلام ضحى في المدينة وذبح أضحيته بيده وسمى وكبر هذه هي السنة ولهذا لما أراد الهدي بعث هدياً إلى مكة لكن في الأضاحي ما بعثها إلى مكة ضحى بها في المدينة.
السائل: هناك من يخبرنا أن من إخواننا في الهند والنيبال وبنغلاديش لا يذوقون اللحم ولا مرة في السنة؟
الشيخ: يا أخي أضف إلى أضحيتك التي تشتريها بمئتين وسبعين ريال مثلا أضف مائة ريال وأرسل المائة ريال إلى النيباليين والبنغلاديشيين وغيرهم واشتروا لهم لحما هناك.
السائل: هل المحاذاة للمواقيت تكون بأن يصل الإنسان إلى نقطة تبعد من مكة قدر بعد الميقات الأصلي؟ أم أن يصل الإنسان إلى نقطة على خط يصل بين ميقاتين أصليين؟ أم أن يصل الإنسان إلى أقرب نقطة في الميقات من الميقات الأصلي في طريقه إلى مكة؟
الشيخ: الجواب إذا كان أقرب المواقيت إليه يبعد عن مكة يومين مثلاً فإذا بقي عليه يومان على مكة أحرم أي على قدر المسافة لكن لا بد أن ينظر إلى أقرب المواقيت إليه.
القارئ: وإن جرحه في الحل فدخل في الحرم فمات فيه لم يضمنه وحل أكله لأنه ذبحه في الحل وإن وقف صيد في الحرم والحل فقتله ضمنه تغليباً للتحريم.
الشيخ: هذه المسائل تكاد تكون فرضية لأنه كيف يتصور أن يعلم الإنسان أن مقدم هذا الصيد في الحرم ومؤخره في الحل يعني ما هناك حد فاصل كحد السيف لكن العلماء رحمهم الله يذكرون مثل هذه المسائل التي قد لا تقع لأجل التمرين.
القارئ: وإن أمسك طائرا في الحل فهلك فراخه في الحرم ضمن الفراخ وحدها لأنه أتلفها في الحرم.
الشيخ: هذه الجملة تدلنا على أنه لا ينبغي للإنسان أن يصيد الطيور في وقت فراخها لأن هذا يقتضي هلاك الفراخ لكننا لا نقول إنه حرام لأنه لم يقصد أن يهلك الفرخ ولهذا ترمى المدن والقرى بالمنجنيق وإن قتلت من لا يجوز قتله لأن هذا غير مراد وسبق لنا أن الرسول عليه الصلاة والسلام حرق نخيل بني النضير مع أنه قد يكون في النخيل حشرات أو طيور وما أشبه ذلك لأن هذا غير مقصود.
القارئ: وإن أمسك الطائر في الحرم فهلك الفراخ في الحل ضمن الطائر وحكم الفراخ حكم ما لو رمى من الحرم صيدا في الحل لأن صيد الحل هلك بسبب كان منه في الحرم وإن نفر صيدا حرميا فهلك في نفوره بسبع أو غيره في حل أو حرم ضمنه لأنه هلك بتنفيره المنهي عنه.
الشيخ: لكن لو قال قائل هذا يخالف القاعدة إذا اجتمع متسبب ومباشر فالضمان على المباشر والجواب عنه أن نقول المباشر لا يمكن إحالة الضمان عليه هو نفر صيدا في الحرم فأكله السبع نقول الضمان على المنفر لأنه لا تمكن إحالة الضمان على المباشر الذي هو السبع.
القارئ: وإن سكن من نفوره ثم هلك لم يضمنه لأن هلاكه بغير سببه وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه دخل دار الندوة فعلق رداءه فوقع عليه حمام فخاف أن يبول عليه فأطاره فانتهزته حية فقال أنا أطرته فسأل من معه فحكم عليه عثمان ونافع بن عبد الحارث بشاة.
الشيخ: هذا الأثر في نفسي منه شيء أولا أن الحمام لا يبول وإنما يزرط ولهذا يقال زرط الحمام.
وثانيا أن عمر رضي الله عنه قال إني أطرته يعني فضمنه وهذا قد يكون على سبيل الاحتياط وأما على سبيل الوجوب فليس بظاهر لأن هذا إنما أطاره لدفع أذاه وخوفه من أن يتأذى الرداء وهل نقول إن الإنسان إذا أراد أن يتخلص من أذى أحد فعليه الضمان؟ هذا بعيد.
فصل
القارئ: ويحرم قلع شجر الحرم وحشيشه كله لحديث ابن عباس (إلا الإذخر) وما زرعه الإنسان لأنه كالحيوان الأهلي.
الشيخ: قوله (إلا الإذخر) وجه الاستدلال بهذا الاستثناء على العموم ما ذكره بعض العلماء الأصوليين أنه قال الاستثناء معيار العموم وهذا صحيح لأن الاستثناء يدل أن الحكم يشمل ما سوى المستثنى فيكون في ذلك دليل على العموم وانتبه لقول المؤلف شجر الحرم وحشيشه حيث إن المراد بذلك الشجر المضاف إلى الحرم والحشيش المضاف إلى الحرم فأما شجرالآدمي الذي زرعه وحشيشه فلا يحرم ولهذا قال المؤلف وما زرعه إنسان وقوله لأنه كالحيوان الأهلي هذا في الحقيقة تعليل عليل بل نقول إن ما زرعه الإنسان لم يدخل في لفظ النص لأن لفظ النص أضيف الحشيش والشجر إلى الحرم فلا يحتاج إلى استثناء لأنه لم يدخل أصلا.
القارئ: وإن غرس شجرة فقال أبو الخطاب له قلعها لأنه أنبته الآدميون فأشبه الزرع وإن أخذه من الحرم فغرسه لم يبح قلعه لأنه حرمي ويحتمل كلام الخرقي تحريم قلع الشجر كله لقوله عليه الصلاة والسلام (ولا يعضد شجرها).
الشيخ: لكن كلام الخرقي رحمه الله الذي ذكر المؤلف أنه يحتمل ضعيف جدا والصواب كلام أبي الخطاب بلا شك أن الشجر إذا غرسه الآدمي فهو ملكه يتصرف فيه بما شاء وكذلك الزرع.
القارئ: وذكر القاضي وأبو الخطاب أنه يباح قطع الشوك والعوسج لأنه بمنزلة السباع في الحيوان والحديث صريح في أنه (لا يعضد شوكها) واتباعه أولى.
الشيخ: أولى هنا بمعنى أوجب ولا شك أنه أوجب إذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نص على الشوك قال (لايعضد شوكها) فكيف يجوز أن نقول يجوز قطع الشوك هذا مخالفة لنص صريح ومعلوم أن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار.
القارئ: ولا بأس بقطع ما يبس لأنه بمنزلة الميت وأخذ ما تناثر أو يبس من الورق أو تكسر من الشجر والعيدان بغير فعل الآدمي لذلك وما قطعه آدمي لم يبح له ولا لغيره الانتفاع به في ظاهر كلام أحمد لأنه قطع محرم لحرمة الحرم فأشبه ذبح الصيد ولا يجوز أخذ ورق الشجر الأخضر لأن في بعض الألفاظ (ولا يخبط شجرها) ولأنه يضر بالشجر أشبه نتف ريش الطير.
فصل
القارئ: ويجب الجزاء في ذلك فيجب في الشجرة الكبيرة بقرة وفي الصغيرة شاة لما روي عن ابن عباس أنه قال في الدوحة بقرة وفي الجزلة شاة والدوحة الكبيرة والجزلة الصغيرة وإن قطع غصنا ضمنه كأعضاء الحيوان فإن خلف مكانه فهل يسقط الضمان؟ على وجهين أحدهما لا يضمنه كشعر الآدمي والثاني يضمنه لأنه أتلفه وإن قلع شجرة لزمه ردها إلى موضعها كمن صاد صيدا لزمه إرساله فإن أعادها فيبست ضمنها لأنه أتلفها وإن نبتت كما كانت لم يضمنها كالصيد إذا أرسله وإن نقصت ضمن نقصها كالصيد سواء.
الشيخ: في هذا الفصل بين المؤلف رحمه الله الجزاء في شجر الحرم والصحيح أنه لا جزاء فيه لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما روي عن ابن عباس فإن صح عنه فإنه يحمل على أن هذا من باب التعزير والتعزير بالمال جائز على القول الراجح ويدل لعدم الوجوب أن الأصل براءة الذمة وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ذكر تحريم قلع الشجر وقطعه لم يبين للناس جزاءً ولا يصح أن يقاس على الحيوان لأن الحيوان ذو روح مأكول يأكله الآدمي ويتنعم به والنفس تدعو إليه فجعل الجزاء ليكون ذلك أبلغ في الردع عن انتهاك الصيد فالقياس قياس مع الفارق.
السائل: قطع الإذخر لغير حاجة هل يجوز؟
الشيخ: هذا سؤال مهم الظاهر أنه لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أجازه للحاجة.
فائدة: حكم ماتزرعه البلدية في الشوارع كحكم ما يزرعه الآدمي لنفسه.
فصل
القارئ: ويحرم قطع حشيش الحرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يختلى خلاها) ويضمنه بقيمته كما يضمن صغار الصيد بقيمته وإن استخلف، فهل يسقط الضمان؟ على وجهين.
الشيخ: يقول رحمه الله ويحرم قطع حشيش الحرم واستدل لذلك بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يختلى خلاها) وهذا حق والحكمة من تحريم قطع الأشجار والحشائش تأكيد الأمان في هذا المكان لأنه إذا كانت الأشجار والحشائش محترمة في هذا المكان والصيود وهي غير آدمية محترمة فالآدمي من باب أولى فالحكمة من ذلك تأكيد التحريم وتأكيد الأمان في هذا المكان وأما قوله ويضمنه بقيمته كما يضمن صغار الصيد فقد قدمنا أن القول الراجح أنه لا ضمان في شجرالحرم وحشيشه لعدم وجود الدليل في ذلك وأما قوله كما يضمن صغار الصيد فهذا فيه نظر فقد مر علينا في جزاء الصيد أن الصغير يضمن بمثله ولو قال كبيض الصيد لأنه لا مثل له لكان أقرب مع أن الاختلاف بين الحشيش وبين الصيد ظاهر لأن الصيد وردت الشريعة بجزائه وأما الحشيش والشجر فلم ترد.
القارئ: وفي إباحة رعيه وجهان أحدهما يباح لأن الحاجة تدعو إليه فأشبه قطع الإذخر والثاني يحرم لأنه تسبب إلى إتلافه كإرسال الكلب على الصيد.
الشيخ: هذا قياس في مقابلة النص وقياس لا يصح هل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومعه مائة من الإبل ومعه راحلته والصحابة معهم رواحلهم هل كمموا أفواهها؟ أبدا ولهذا لا حاجة إلى هذا القياس بل نقول إن الرعي لا بأس به بل إنه ثبت أن رسول الله رخص للرعاة أن يدعوا الرمي أيام التشريق بل يرمون يوما ويتركون يوماً إذاً لا شك في جواز الرعي وسواء رعت البهيمة بنفسها أو أرسلها ترعى لا فرق في هذا.
القارئ: وتباح الكمأة لأنه لا أصل لها فأشبهت الثمرة.
الشيخ: الكمأة هي الفقع وقوله الكمأة المراد كل أنواع الكمأة سواء كانت كمأة أو عساقل أو بنات الأوبر لأنها ثلاثة أصناف وإليها يشير الشاعر بقوله:
ولقد جنيتك أكمأً وعساقلاً ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
فالمهم أن الكمأة لا بأس بها فإذا وجدت كمأة في الحرم فلا بأس أن تأخذها.
إذا قال قائل إذا كان الحشيش قد ملأ الأرض واحتجت إلى وضع الفراش على هذا الحشيش ومن المعلوم أنه إذا وضع عليه الفراش فسوف يتكسر ويذبل وييبس فهل يجوز لي ذلك؟ نعم يجوز ولا شك في هذا لأن ذلك لا يمكن التحرز منه إطلاقا، وهل يضمن؟ إذا قلنا بالجواز فعلى قول من يرى أن فيه الضمان يضمنه لأنه أتلفه لمصلحة نفسه فهو كالرأس إذا حلقه لمصلحة نفسه ولكن كما علمتم أن القول الراجح أنه لا ضمان في الحشيش والشجر.
فصل
القارئ: ويكره إخراج تراب الحرم وحصاه لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما كرهاه ولا يكره إخراج ماء زمزم لأنه يستخلف ويعد للإتلاف فأشبه الثمرة.
الشيخ: والصحيح أنه لا يكره إخراج الحصى فإن صح ما روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما فلعلهما خافا من أن يكون هناك غلو في هذه الحصاة وتعلق بها وأما إذا كان أمرا عاديا فلا كراهة لأن الحصى نفسه ليس له حرمة حتى نقول إنه أخرجه من مكان احترامه إلى مكان امتهانه.
فصل
القارئ: ويحرم صيد مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وشجرها لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرف على المدينة فقال (اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثلما حرم إبراهيم مكة) وفي لفظ (ولا يقطع شجرها) متفق عليه.
ولا جزاء في صيدها وشجرها لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام فأشبه صيد وج.
الشيخ: هذا التعليل يسمونه تعليل اللقب ليس له تأثير في الواقع (لأنه موضع يجوز دخوله بلا إحرام فلم يكن في صيده جزاء كوادي وج) لكن للقائل أن يعكس فيقول فيه الجزاء لأنه صيد محرم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (مثلما حرم إبراهيم مكة) فجعل تحريم المدينة كتحريم مكة وعلى هذا يكون في صيدها الجزاء وفيه خلاف يذكره المؤلف رحمه الله.
القارئ: ولأن الإيجاب من الشارع ولم يرد به وعنه فيه الجزاء وهو سلب القاتل لآخذه لما روي أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاء أهل العبد فكلموه أن يرد عليهم فقال معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يرد عليهم رواه مسلم وفي لفظ قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم هذا الحرم وقال من وجد أحدا يصيد منه فليسلبه رواه أبو داود.
الشيخ: وهي رواية عن أحمد رحمه الله أن فيه الجزاء وهو سلب القاتل ولعل هذا والله أعلم من باب التعزير وليس من باب الواجب.
القارئ: وحد حرمها ما بين لابتيها بريد في بريد وقال أحمد هكذا فسر أنس بن مالك وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما بين لابتيها حرام) متفق عليه.
الشيخ: وقد ورد تحديد ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام (ما بين عير إلى ثور) وعير جبل معروف في المدينة ولا يزال حتى الآن بهذا الإسم وثور قيل أنه جبل صغير وراء أحد وهذه المسافة كما قال المؤلف بريد في بريد والبريد أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال.
السائل: هل يجوز قطع السدر في الحرم للحاجة قياساً على الإذخر؟
الشيخ: إذا عمت الحاجة في ذلك فلا بأس أما الحاجة الخاصة فقد يقال إنه يجوز وقد يقال لا يجوز لأن قطعه متحقق المضرة وهي مخالفة الشرع والانتفاع به في الدواء قد يفيد وقد لا يفيد أما لو اضطر إليه ليأكل فيسلم من الموت فهذا لا شك أنه جائز يعني لو أن إنسانا جائعاً ووجد شجراً له أوراق وهو محتاج إلى أكل هذه الأوراق وإن لم يفعل هلك فحينئذ نقول لا بأس للضرورة.
فصلٌ القارئ: ويفارق حرم مكة في أن من أدخل إليها صيدا من خارج فله إمساكه وذبحه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول (يا أبا عمير ما فعل النغير) متفق عليه وهو طائر كان يلعب به فلم ينكر عليهم إمساكه.
الشيخ: سبق أن القول الراجح أنه يجوز إدخال الصيد إلى حرم مكة وهو ملك لصاحبه لا يلزمه إطلاقه ويجوز له ذبحه وعلى هذا فلا فرق يعني مثلاً لو اصطاد أرنبا خارج حرم مكة ودخل حرم مكة فهي له يمسكها ويذبحها ويأكلها وكذلك في الجراد لو أنه أمسك جرادا في خارج الحرم وملأ الأكياس منه فلما دخل الحرم فعلى المذهب يجب عليه أن يفك أفواهها ويطير الجراد ولكن هذا الجراد ملكه لو أن أحداً أمسكه خارج الحرم رجع عليه به لأنه ملكه ولكن الصحيح إذا دخل الحرم ومعه صيد فالصحيح أنه ملكه يمسكه ولا حرج عليه وعلى هذا فلا فرق بين مكة وبين المدينة وأما ما ذكره عن النغير فهذا طائر صغير مع شخص صغير يلعب به وكان قد فرح به فرحا كثيرا فمات فاغتم الصبي فكان النبي عليه الصلاة والسلام يمازحه يقول (يا أبا عمير ما فعل النغير) فاستدل به العلماء على فوائد كثيرة منها جواز تكنية الصغير لأنه كناه فقال يا أبا عمير ومنها مداعبة الصبيان ومنها جواز تسليط الصبي على الطيور يعني لو أمسكنا عصفوراً وأعطيناه الصبي فلا بأس لكن إذا شاهدناه يعذبه لا نمكنه.
القارئ: ويجوز أن يأخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حرم المدينة قالوا يا رسول الله إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح وإنا لا نستطيع أرضا غير أرضنا فرخص لنا فقال القائمتان والوسادة والعارضة والمسند فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء) رواه الإمام أحمد.
الشيخ: ولقائل أن يقول ليس هذا بفرق لأن النبي صلى عليه وسلم استثنى من حرم مكة ما يحتاج الناس إليه كالإذخر وعلى هذا فيكون استثناء ما ذكر في المدينة لأن الناس أصحاب زرع وحرث فهم محتاجون لهذه الأشياء وعليه فلا يكون هناك فرق بين شجر مكة وشجر المدينة.
القارئ: فأما صيد وج وشجره وهو واد من أودية الطائف فحلال لأن الأصل الحل وقد روي فيه حديث ضعفه أحمد وذكره الخلال في كتاب العلل.
الشيخ: هذا الوادي معروف حتى الآن بوادي وج وهو واد كبير وقد ورد فيه حديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرمه ولكن الحديث ضعيف وعلى تقدير صحته فإنه يحمل على أنه حرمه أي حماه كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحمي بعض الأراضي لإبل الصدقة وإبل الجهاد وما أشبه ذلك.
وعلى هذا فلا يكون هناك حرم في الأرض إلا حرمان حرم مكة وحرم المدينة ويكون في قول بعض الناس إن المسجد الأقصى ثالث الحرمين يكون فيه نظر وذلك لأنه يوهم أنه حرم وإن كان من حيث اللغة لا يوهم لأنه قال ثالث الحرمين ولم يقل ثالث المحرمات فالإضافة إلى الحرمين لكن البعد عن الاشتباه أحسن فيقال ثالث المساجد التي تشد إليها الرحال وهذا يكون مطابقا تماما للحديث.
السائل: قول بعضهم الحرم الجامعي ونحوه هل يجوز ذلك؟
الشيخ: هذا حرم لغوي لا شرعي مثل قول الفقهاء حريم البئر كذا وكذا فهو حرم لغوي لكن إن كان يخشى أن يشتبه على بعض الناس فليتجنب لكن الظاهر الآن أنه صار عرفا اصطلاحيا حرم الجامعة يعني ما ضمه سورها.
السائل: الآن ياشيخ دخلت الأشهر الحرم فهل للصبيان ونحوهم صيد العصافير؟
الشيخ: الطيور وخصوصا العصافير الآن الظاهر أنها ما تصاد لأنها بدأت تفرخ هذا وقت فراخها أما الأشهر الحرم فلا يمتنع فيها الصيد بل إن العلماء اختلفوا هل يحرم فيها القتال أو لا؟ أكثر العلماء على أن تحريم القتال منسوخ في الأشهر الحرم والصحيح أنه ليس بمنسوخ وأنه لا يجوز إبتداء الكفار بالمقاتلة في الأشهر الحرم ويجوز قتال الدفاع ويجوز استمرار القتال السابق عن الأشهر كما في قصة قتال الطائف فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قاتلهم في ذي القعدة.
مسألة: حرم المدينة أخف من جهة أن حرم مكة مجمع عليه ومن جهة أن حرم مكة يشرع لقاصده الإحرام ومن جهة أن حرم مكة فيه بيت الله عز وجل وقبلة المسلمين أما المدينة ففيها خلاف بين علماء السلف والخلف هل هي حرم أو غير حرم ولكن الصحيح أنها حرم.
السائل: الذي يسافر بمفرده بالطائرة في هذه الأيام فهل ينطبق عليه الحديث (المسافر شيطان) علماً بأن الطائرة مزدحمة بالناس؟
الشيخ: لا، كم في الطائرة من راكب؟ أقول هذه ما فيها إشكال، نحن الآن نرى أن المسافر في سيارته في الخطوط المعمورة ليس منفردا يعني مثلا عندنا الآن طريق الرياض القصيم لو ذهب الإنسان وحده في سيارته فهو غير مسافر وحده لأن الخط مملوء فهو كالذي يسير وحده بسيارته في داخل البلد.
السائل: أحسن الله إليكم شيخنا ما حكم إيداع مبلغ من المال في بنك ربوي عندما يأمر المسؤول بذلك؟
الشيخ: الموظفون ليس عليهم ذنب إذا أحيلوا على البنوك والذنب على من أودع في البنوك هذا إن كان في ذلك ذنب لأن الإيداع في البنوك إن كانت لا تتعامل إلا بالربا مائة بالمائة فالإيداع فيها حرام لأن المودع يعلم أن ماله سيذهب في الربا أما إذا كان للبنوك موارد أخري غير الربا كالمقاولات والتجارات وما أشبه ذلك فالإيداع فيها ليس بمحرم لكن تركها أولى.
السائل: أحسن الله إليكم يا شيخنا هل يجوز لشخص يحج مجانا لكونه عاملا أو نحوه أن يحج عن غيره حجة بدل ويستفيد من مال حجة البدل لنفسه؟
الشيخ: نعم إذا وافق من أعطاه المال فلا بأس وإلا فلا يجوز إلا إذا كان ذهابه مع هذه الحملة يعمل يعني بمعنى أنهم أسقطوا عنه النفقة والأجرة من أجل عمله فهنا لا بأس بذلك لأن أهل الحملة في هذا الحال لن يمنوا عليه.
فصل