تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامةصفحات 82-121
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 82-121
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
عدد الأجزاء
5 [الكتاب مرقم آليا]

الشيخ: العلماء رحمهم الله ذكروا الزيارة هنا مع الحج لأنه فيما سبق يصعب على النائي أن يفرد الزيارة في سفر والحج في سفر فكانوا يأتون إلى الحج ويأتون إلى المدينة ولكن يجب أن يبين للعامة أنه لا علاقة بين الحج والزيارة.
السائل: قول النبي صلى الله عليه وسلم (كل منى منحر وكل مكة منحر وطريق) ما المقصود حفظكم الله بطريق؟ الشيخ: طريق يعني موصلة إلى المشاعر فلا نلزم أن نسلك إلى عرفة الطريق الذي سلكه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو إلى مزدلفة أو إلى منى مثلاً الرسول في منى سلك الطريق الوسطى التي تخرج إلى جمرة العقبة ما يلزم أن نسلك الطريق الوسطى.

باب

ما يفسد الحج وحكم الفوات والإحصار

القارئ: ومن وطئ في الفرج فأنزل أو لم ينزل في إحرام الحج قبل التحلل الأول فقد فسد حجه وعليه المضي في فاسده لما روي عن ابن عمر أن رجلا سأله فقال إني واقعت امرأتي ونحن محرمان فقال أفسدت حجك انطلق أنت وأهلك مع الناس فاقضوا ما يقضون واحلق إذا حلقوا فإذا كان العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهديا هديا فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم وقال ابن عباس وعبد الله بن عمر مثل ذلك رواه سعيد بن منصور وروي أيضا عن عمر رضي الله عنه ولا مخالف له فكان إجماعا ولأنه لا يمكنه التحلل من الإحرام إلا بأفعاله.
الشيخ: هذا الباب ذكره المؤلف رحمه الله معنونا بأمرين: الأول ما يفسد الحج ولا يفسد الحج إلا محظور واحد وهو الجماع قبل التحلل الأول أما بقية المحظورات فلا تفسد الحج وهذا مما خرج به الحج عن العبادات فإن جميع العبادات تفسدها محظوراتها إلا الحج فلا يفسده إلا الجماع قبل التحلل الأول ومن جامع قبل التحلل الأول فإنه يترتب عليه إذا كان عامدا خمسة أمور الإثم وفساد النسك ووجوب المضي فيه والقضاء والبدنة.

أما إذا كان جاهلا لا يدري أن الجماع حرام فلا شيء عليه إطلاقا وإذا كان عالما بأن الجماع حرام لكن لم يعلم بما يترتب عليه فإنه لا يعذر لأنه انتهك حرمة العبادة عن قصد فلزمه ما يترتب على ذلك ويدل على هذا قصة الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان وهو يعلم أنه حرام لكنه لا يدري ما يترتب عليه فجاء يستفتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فألزمه بالكفارة.
وذكر رحمه الله الآثار الواردة في أنه يفسد الحج ويلزمه المضي فيه والقضاء من العام القادم وبدنة وقوله في الأثر (فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) هذا الأثر لا بد من تحقيقه.
القارئ: وعليه القضاء على الفور للخبر ولأنه حج واجب بالشرع فكان واجبا على الفور كحجة الإسلام ويجب عليهما الإحرام للقضاء من حيث أحرما أولاً أو من قدره إن سلكا طريقا غيرها لأنه قضاء لعبادة فكان على وفقها كقضاء الصلاة ويفسد حج المرأة للخبر ولأنها أحد المتجامعين فأشبهت الرجل وعليها القضاء ونفقة القضاء عليها إن كانت مطاوعة كالرجل وإن كانت مكرهة فعلى الزوج لأنه ألزمها ذلك فكان موجبه عليه.
الشيخ: وظاهر كلام المؤلف أن المكرهة عليها كفارة والصحيح أنه لا كفارة عليها لأن الله أسقط الحكم عن المكره في أعظم من ذلك وهو الكفر فقال (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّه) والصواب كما ذكرنا أولا في محظورات الإحرام أن من فعل محظورا من محظورات الإحرام جاهلا أو ناسيا أو مكرها فلا إثم عليه ولا كفارة.
القارئ: ولا فرق بين العمد والسهو والعلم والجهل للخبر.

الشيخ: الخبر أن الصحابة قضوا بذلك ولم يستفصلوا فيقال هذا القضاء قضاء عين يعني قضاء في قضية عين فقد يكون عند الصحابة رضي الله عنهم علم بأن هؤلاء انتهكوا الحرمة عن علم كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على المجامع دون أن يستفصله لأنه يعلم أنه جاء يعتذر لأنه عالم وما بالنا ننسى الأدلة القوية الصحيحة الصريحة الموافقة لرحمة الله وشريعة الله في أن من كان جاهلا أو ناسيا أو مكرها لا حكم لفعله لماذا ننسى هذه أدلة مثل الجبال (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال الله قد فعلت (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) وفي أصل الدين (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) فلماذا ننسى هذه الأدلة العظيمة من أجل قضايا عينية قد يكون المفتي فيها عالم بحال الشخص فإذا جاءك رجل استفتاك وتعلم أنه متعمد فلا حاجة أن تستفصل ولهذا يعتبر مثل هذا الاستدلال استدلالاً ضعيفاً فالصواب أن لدينا أدلة محكمة ما استثني منها شيء في أن من كان جاهلا أو ناسيا أو مكرها فلا شيء عليه هذه أدلة محكمة عامة فلتبق على عمومها وما ورد من القضايا العينية تحمل على حال لا عذر فيها.
القارئ: ولأنه معنى يوجب القضاء فاستوى فيه ذلك كالفوائت.

الشيخ: الفرق بينهما ظاهر الفوائت ترك واجب فلو ترك الصلاة نسيانا يجب عليه قضاؤها لأنها واجب متعلق بذمته لا يسقطه النسيان وكذلك لا يسقطه الجهل ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المسيء في صلاته أمره أن يعيد الصلاة وقال إنك لم تصل لأن هذا ترك واجباً والذمة مشغولة بهذا الواجب حتى يقوم به أما هذه فهي فعل محرم فعله الإنسان في حال يعذر بها ويسقط بها الإثم بالاتفاق فإذا كان كذلك فليسقط عنه حكم هذا المحظور لأن هذا المحظور أصبح في حال هذا الرجل ليس معصية ولا مخالفة لأنه جاهل أو ناسي فهو حين فعله لم يتعمد الإثم ولم يتجانف الإثم ولهذا لما أفطر الناس في زمن عمر قبل أن تغرب الشمس ثم ظهرت من غيم كان قد غطاها قالوا يا أمير المؤمنين ماذا نفعل قال إننا لم نتجانف لإثم هذه كلمة عظيمة يعني أننا لم نتعمد الفطر قبل غروب الشمس فإذا لم نتجانف الإثم فكيف يقال رفع عنكم الإثم ووجبت عليكم الكفارة والكفارة إنما تجب من أجل سداد الخلل الذي حصل بالإثم فلهذا القياس والمعنى والنصوص كلها تدل على أن فعل المحظور مع الجهل أو النسيان أو الإكراه لا أثر له.
القارئ: ولا فرق بين الوطء في القبل والدبر من أدمي أو بهيمة لأنه وطء في فرج أشبه وطء فرج الآدمية.
الشيخ: أما قوله لا فرق في الوطء بين القبل والدبر فهذا وجيه لأن الإنسان قد يتلذذ بالدبر أكثر من القبل ممن نكس الله فطرته فإنه يرفع إلينا رجال يطالبون زوجاتهم بأن يكون جماعهم بالدبر إكراها ولا يجامعونهم في القبل لكن هؤلاء نكس الله قلوبهم والعياذ بالله فالمهم أنه يتلذذ به.

أما البهيمة فالإنسان يتردد في هذا هي لا شك أنها حرام لكن هل يحصل تلذذ بوطء البهيمة كما يحصل التلذذ في وطء الآدمية لا أعتقد حتى من ابتلي بذلك ما يرى أنه يتلذذ كما يتلذذ بجماع الآدمية فهذه فيها نظر فإن كانت المسألة إجماعا فلا نخرج عن الإجماع وإن كان فيها خلاف فالصواب قول من يقول إن ذلك لا يفسد النسك لكن إن حصل إنزال فعليه فدية الأذى كما هو المعروف في الإنزال.

فصل القارئ: ويتفرقان في القضاء لأن ابن عباس قال ويتفرقان من حيث يحرمان حتى يقضيا حجهما وفيه وجهان أحدهما أنه واجب لأن ابن عباس ذكره حكما للمجامع فكان واجبا كالقضاء والثاني لا يجب لأنه حج فلم يجب فيه مفارقة الزوجة كغير القضاء ولأن مقصود الفراق التحرز من إصابتها وهذا وهم لا يقتضي الوجوب ومعنى التفرق اجتناب الركوب معها على بعير واحد والجلوس معها في خباء ولكن يكون قريبا منها يراعي حالها لأنه محرمها.
الشيخ: الصحيح أن التفرق إن كان الإنسان يخشى على نفسه فهو واجب وإن كان آمنا فهو سنة فقط ويكون فيه نوع من العقوبة والردع لأنه كما استمتع الاستمتاع المحرم وهو أعظم الاتصالات اتصالا فينبغي أن يفرق بينهما أما إذا كان يخشى على نفسه فالواجب الحذر.

فصل (فيمن وطئ دون الفرج) القارئ: ومن وطئ دون الفرج أو قبل أو لمس فلم ينزل لم يفسد حجه وإن أنزل ففيه روايتان إحداهما يفسد حجه لأنه إنزال عن مباشرة أشبه الوطء في الفرج والأخرى لا يفسد وهي أصح لأنه فعل لا يجب الحد بجنسه ولا مهر ولا يتعلق به حكم بدون إنزال أشبه النظر ولا يفسد النسك بغير ما ذكرنا من المحرمات كلها بغير خلاف.
الشيخ: الصحيح في مسألة الإنزال أنه لا يفسد النسك لا حجا ولا عمرة والتعليل كما قال المؤلف رحمه الله لأنه فعل لا يجب الحد به فلا يفسد النسك.

فصل (فيمن وطئ بعد التحلل الأول)

القارئ: ومن وطئ بعد التحلل الأول وقبل الثاني لم يفسد حجه لأنها عبادة لها تحللان فوجود المفسد بعد أولهما لا يفسدها كالصلاة ولكنه يخرج إلى الحل فيحرم ليطوف للزيارة بإحرام صحيح وإن وطئ المعتمر في عمرته أفسدها وعليه إتمامها وقضاؤها كالحج ويتعلق بالماضي في الفاسد من الأحكام وتحريم المحرمات ووجوب الفدية فيها مثل ما يتعلق بالصحيح سواء لأنه باق على الإحرام فتعلق به ذلك كالصحيح.
الشيخ: يعني لو جامع بعد التحلل الأول يعني بعد أن رمى على القول بأنه يحصل التحلل الأول بالرمي أو بعد أن رمى وحلق على القول الثاني فإن حجه لا يفسد لأنه قد تحلل منه وانتهاك التحريم الثاني الضعيف ليس كانتهاك التحريم الأول القوي لأن حرمة الإحرام قبل التحلل الأول أقوى من حرمته بعد التحلل الأول فحرمة الإحرام نقصت ولهذا جاز له جميع المحظورات إلا النساء فعلى هذا نقول إذا جامع بعد التحلل الأول لم يفسد نسكه لكن يقول المؤلف إنه يجب عليه أن يحرم من الحل ليطوف محرما كأنه يقول يفسد ما بقي من إحرامه فلا بد أن يجدد هذا الذي فسد وهذه مسألة في النفس منها شيء يعني لو قيل إن هذا الرجل يكون آثما وأنه يبقى على حله لأن إلزامه بالعودة إلى الإحرام يحتاج إلى دليل قوي ولا أعلم دليلاً قويا وعلى هذا الاحتمال نقول له استغفر الله وكفر ثم استمر في نسكك.

فصل (في فوات الحج)

القارئ: ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج لما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع) رواه الأثرم وعليه أن يتحلل بأفعال العمرة وهي طواف وسعي وتقصير لأن ذلك يروى عن عمر وابنه وزيد بن ثابت وابن عباس رضي الله عنهم قال عمر لأبي أيوب حين فاته الحج اصنع ما يصنع المعتمر ثم قد حللت وقال ابن أبي موسى يمضي في حج فاسد يعني أنه يلزمه المبيت والرمي والصحيح الأول لقول الصحابة ولأن المبيت تبع للوقوف فيسقط بسقوطه ويجب عليه القضاء على الفور وعنه لا قضاء عليه إن كانت نفلا وإن كانت فرضا فعلها بالوجوب السابق قياسا على سائر العبادات والمذهب الأول لأنه قول الصحابة المسمين ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم ولأن الحج يلزم بالشروع فيلزم قضاؤه كالمنذور بخلاف غيره.
الشيخ: والصحيح الأول أنه لا قضاء عليه إذا كانت نفلا إلا أن يكون هناك تفريط منه بأن تأخر بغير عذر حتى فاته الحج فهنا نقول هو الذي فوت الحج على نفسه فيلزمه القضاء وأما إذا فاته بغير قصد وقد أدى فريضة الإسلام فإنه لا يلزمه أن يعيده مرة ثانية لكن القول بأنه يتحلل بعمرة قول وجيه فإذا فاته الحج بأن لم يصل إلى عرفة إلا بعد طلوع الفجر قلنا له الآن لا حج لك فاتك لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة) وقد فات لكن ادخل إلى مكة وطف واسع وقصر أو احلق وانتهت عمرتك فإذا سأل هل يلزمني أن أحج من العام القادم قلنا إن كنت لم تؤد الفريضة فحج العام القادم بالخطاب الأول أي على أنها فريضة لا أنها مقضية وإن كنت قد حججت فلا شيء عليك هذا هو الذي تدل عليه الأدلة أما ما ورد عن الصحابة فيقال فيه ما سبق أنها قضايا أعيان وتحمل على أنه فوت الحج بتفريط منه.

القارئ: ويجزئه القضاء عن الحجة الواجبة بغير خلاف لأن الحجة لو تمت لأجزأت عن الواجب فكذلك قضاؤها لأنه يقوم مقام الأداء ويجب على من فاته الحج هدي وعنه لا هدي عليه لأنه لو لزمه هدي لزم المحصر هديان للفوات والإحصار والصحيح الأول لأنه قول الصحابة المسمين ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه هدي كالمحصر ويخرجه في سنة القضاء لما روى سليمان بن يسار أن هبار بن الأسود حج من الشام فقدم يوم النحر فقال له عمر انطلق إلى البيت فطف به سبعاً وإن كان معك هدي فانحرها ثم إذا كان عام قابل فاحجج وإن وجدت سعة فاهد وإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله تعالى رواه الأثرم فعلى هذا العمل لأنه قول منتشر لم يعرف له مخالف فإن عدم الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع وقال الخرقي يصوم عن كل مد من قيمة الشاة يوما لأنه أقرب إلى معادلة الهدي كبدل جزاء الصيد وقول عمر رضي الله عنه أولى.
الشيخ: إذاً عليه دم وقيل إنه لا دم عليه وهذا أقرب إلى الصواب إلا إذا قلنا بوجوب القضاء عليه إذا كان هو الذي فرط فحينئذٍ نقول عليك القضاء وعليك هدي لأنك أنت الذي فرطت وأما إذا لم يفرط وفاته بغير اختياره وقد أدى الفريضة فليس عليه قضاء ولا هدي أما إذا كان هذا هو الفريضة فقلنا إنه يلزمه الحج من العام القادم بالخطاب الأول والهدي يلزمه إن لزمه يعني إن أتى بنسك قران أو تمتع لزمه الهدي وإلا فلا.

فصل (فيمن أخطأ يوم عرفة) القارئ: وإذا أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك لأنه لا يؤمن مثل ذلك في القضاء فيشق وإن وقع لنفر منهم لم يجزئهم لأنه لتفريطهم وقد روي أن عمر قال لهبار ما حبسك قال كنت أحسب أن اليوم يوم عرفة فلم يعذر بذلك.

الشيخ: هذه أيضا من نعمة الله عز وجل يعني لو أخطأ الناس فوقفوا في اليوم العاشر وبعد أن وقفوا ثبت أن هذا اليوم هو العاشر وليس اليوم التاسع بأن جاء رجلان يشهدان أنهما رأيا هلال ذي الحجة في ليلة يكون فيها هذا اليوم الذي وقفوه هو اليوم العاشر فإنه يجزئهم الحج لأن الهلال ما اشتهر عند الناس لا ما رؤي في الأفق فإذا لم يشتهر ويستهل ويتبين فهو شرعا ليس هلالا ولأن القضاء في مثل هذا يشق على الناس لو قلنا لكل الحجيج مليون نفر حجكم كله غير صحيح لأنكم وقفتم في اليوم العاشر تقضونه في السنة الثانية قالوا أيضا في السنة الثانية من يأمن أن نقف في اليوم العاشر بدلا عن اليوم التاسع وهذا صحيح فيبقى الأمر شاقا على الناس أما لو أخطأ نفر قليل فهؤلاء إذا أخطأوا نقول حجكم غير صحيح وليعلم أن كلام المؤلف رحمه الله في وقت يمكن أن يقع هذا لكن في وقتنا الحاضر والحمد لله لا يمكن أن يقع هذا لا يمكن أن يقف نفر قليل فيخطئون لأن الحكومة وفقها الله لا تأذن لأحد أن يقف بعرفة بعد الناس وحينئذٍ لا يمكن أن يقع الخطأ عمليا إلا من الجماعة كلهم.
السائل: شخص مرض قبل يوم عرفة وشعر أنه إذا واصل سيتعب فهل يلغي حجه؟ الشيخ: إذا كان قد اشترط إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني حل ولا شيء عليه وإلا لزمه أن يبقى على متابعة الحج حتى ينتهي والصحيح أنه إذا خشي مشقة كبيرة ولم يتمكن من إتمامه الصحيح أنه يكون كالمحصر بالعدو بمعنى أنه يتحلل ويذبح هديا إذا استيسر له ويحج من العام القادم إذا كان حجه فرضا.

فصل (في الإحصار)

القارئ: وإذا حصر المحرم عدو من المسلمين فمنعه المضي فالأفضل التحلل وترك قتاله لأنه أسهل من قتال المسلمين وإن كان مشركا لم يجب قتاله إلا أن يبدأ به لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل الذين أحصروه وإن غلب على ظن المحرم الظفر استحب القتال ليجمع بين الجهاد والحج وإن غلب على ظنه خلاف ذلك استحب الانصراف صيانة للمسلمين عن التغرير ثم إن وجد طريقا آمنا لم يجز له التحلل قرب أم بعد لأنه قادرعلى أداء نسكه فأشبه من لم يحصر فإن كان لا يصل إلا بعد الفوات مضى وتحلل بعمرة وفي القضاء روايتان إحداهما يجب لأنه فاته الحج أشبه من أخطأ الطريق والثانية لا قضاء عليه لأنه تحلل بسبب الحصر أشبه من تحلل قبل الفوات وإن لم يجد طريقا آمنا فله التحلل لقول الله تعالى (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حصره العدو بالحديبية فتحلل ولأنه لو لزمه البقاء على الإحرام لحرج لأنه قد يبقى الحصر سنين وله أن يتحلل وقت الحصر سواء كان معتمرا أو مفردا أو قارنا وعنه في المحرم بالحج لا يحل إلا يوم النحر ليتحقق الفوات لأنه لا ييأس من زوال الحصر وكذلك من ساق هديا لا يتحلل إلا يوم النحر لأنه ليس له النحر قبل وقته والصحيح الأول للآية والخبر فإن النبي صلى الله عليه وسلم ساق هديا فنحره وحل قبل يوم النحر ولأن الحج أحد الأنساك فأشبه العمرة ولو وقف الحل على يقين الفوات لم يجز الحل من العمرة لأنها لا تفوت.
الشيخ: هذا الفصل لبيان من أحصر عن إتمام النسك ذكر رحمه الله أنه إذا حصره عدو من المسلمين فالواجب الانصراف لأنه لا يمكن قتال المسلمين قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) وإن كان من المشركين فله ثلاث حالات: الحالة الأولى أن يغلب على ظننا أنه أقوى منا فهنا ننصرف.

والثانية أن يغلب على ظننا أننا أقوى منه وأننا سنقضي عليه فهنا لا ننصرف وإذا قاتلنا قاتلناه لقوله تعالى (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ).
الثالثة أن لا يغلب على ظنه لا هذا ولا هذا فهو مخير إن شاء مضى وقاتل إن قاتلوه وإن شاء انصرف وفي حال الانصراف ماذا يصنع يتحلل ينحر هديه ثم يحلق رأسه في الآية الكريمة لم يذكر الله تعالى إلا النحر ولم يذكر الحلق ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحلق وحتّم وغضب لما تأخر المسلمون وعلى هذا فيجب عند الإحصار شيئان الأول نحر الهدي والثاني الحلق أما القضاء ففيه قولان للعلماء منهم من قال إنه يقضي ومنهم من قال إنه لا يقضي والصحيح أنه لا قضاء وأن تسمية عمرة القضية أو عمرة القضاء ليس لأنه قضى ما فات فإنَّ كثيرا ممن كان معه في الحديبية لم يكونوا معه في عمرة القضاء لكنها مأخوذة من المقاضاة يعني المصالحة كما جاء في نص الصلح هذا ما قاضى عليه محمد وعلى هذا فسميت عمرة القضاء لأنها وقعت في المقاضاة أي في الصلح.
ولكن إذا لم يتحلل إلا بعد الفوات أي فوات الحج بطلوع الفجر يوم النحر فهل يعطى حكم الفوات ونقول يجب عليه القضاء لأنه فاته الحج ومن فاته الحج يجب عليه القضاء أو يعطى حكم المحصر؟ ذكر المؤلف في ذلك روايتين والصواب أنه يعطى حكم المحصر بل الصواب أنه لا يلزم القضاء إذا فات الحج إلا إن وقع ذلك بتفريط منه أو كان الذي تلبس به هو الفريضة.

فصل (فيمن كان معه هدي)

القارئ: فإن كان معه هدي لم يحل حتى ينحره لقول الله تعالى (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) وله ذبحه حيث أحصر وعنه إن قدر على الحرم أو على إرساله إليه لزمه ذلك ويواطئ رجلا على اليوم الذي يذبحه فيه فيحل حينئذ لأنه قادر على الذبح في الحرم فأشبه المحصر في الحرم والأول أصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه في الحديبية وهي من الحل باتفاق أهل السير ولذلك قال الله تعالى (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّه) ولأنه موضع حله فكان موضع ذبحه كالحرم ويجب أن ينوي بذبحه التحلل به لأن الهدي يكون لغيره فلزمته النية ليميز بينهما ثم يحلق لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا فحالت كفار قريش بينه وبين البيت فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية وهل يجب الحلاق أو التقصير أو لا مبني على الروايتين فيه هل هو نسك أم لا فإن قلنا هو نسك حصل الحل به وبالهدي والنية وإن قلنا ليس بنسك حصل الحل بهما دونه.
الشيخ: والصواب أنه يجب الهدي بنص القرآن ويجب الحلق بالسنة لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم به ولأنه نسك فيجب فعله لأنه مقدور عليه وكل ما قدر عليه من النسك في حال الإحصار فإنه واجب.

ولم يذكر المؤلف رحمه الله ما إذا أحصر بغير العدو كما لو أحصر بمرض أو ذهاب نفقة أو كسر أو ما أشبه ذلك فالمشهور من المذهب أنه لا تحلل بذلك وأنه يبقى على إحرامه حتى يقدر على الوصول إلى البيت قالوا لأن الآية جاءت في صلح الحديبية والإحصار كان فيها بسبب العدو ولكن الصحيح أنه يتحلل بذلك لعموم قوله تعالى (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) وأما قوله تعالى (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ) فهذا ليس دليلا على أن قوله (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) خاص بالعدو وإنما هذا الحكم عاد إلى بعض أفراد العام وإذا عاد الحكم إلى بعض أفراد العام لم يلزم التخصيص كما في قوله تعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء) إلى قوله (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) فإن هذا الحكم إنما يعود على بعض المطلقات فلا يستلزم التخصيص ومثله حديث جابر (قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فلا يقال إن آخر الحديث يقتضي التخصيص في قوله (في كل ما لم يقسم) وأنه لا شفعة إلا في الأراضي وشبهها والصواب أن الشفعة في كل شيء على كل حال في مسألتنا هذه الصواب أن الإحصار يكون بالمرض وذهاب النفقة والكسر والعدو وغير هذا.
فائدة: إذا اشترط الإنسان أن محلي حيث حبستني ففاته الحج هل يتحلل؟ نقول نعم يتحلل لكن الأفضل له في هذا الحال أن يتحلل بعمرة حتى لا يضيع عليه النسك.
السائل: هل يعتبر الزحام من الإحصار؟ الشيخ: الجواب لا لأن الزحام يمكن أن يخف في وقت من الأوقات.

فصل (فيمن لم يجد هديا)

القارئ: وإن لم يجد هديا صام عشرة أيام ثم حل لأنه دم واجب للإحرام فكان له بدل ينتقل إليه كدم التمتع ولا يحل إلا بعد الصيام كما لا يحل إلا بعد الهدي فإن نوى التحلل قبله لم يحل وكان على إحرامه حتى يذبح أو يصوم لأنه أقيم هاهنا مقام أفعال الحج.
الشيخ: هذا ما ذهب إليه المؤلف أن المحصر إذا لم يجد هديا صام عشرة أيام ثم حل ففيه مسألتان: المسألة الأولى أنه يجب عليه أن يصوم عشرة أيام.
والثانية أنه لا يحل حتى يصومها.
والصحيح أنه لا يجب عليه صوم وإذا لم يجد الصوم حل بمجرد الإحصار ودليل ذلك أن الله تعالى قال (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ولم يذكر بدلا وفي هدي التمتع قال (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) وكونه ذكر البدل في هدي التمتع وسكت عن هذا يدل على أنه لا يجب والقياس لا يصح لأن هدي التمتع هدي شكران على حصول النسكين مع التمتع بما أحل الله بينهما وهذا هدي يشبه الجبران وإن كان يتضمن الشكر لله عز وجل على إذنه بالتحلل لكن هو أيضا فيه نوع من الجبران لما فاته من بقية النسك فالصواب أنه لا يجب عليه الصيام وأن المحصر إذا لم يجد هديا حل بدون صيام.

فصل (في قضاء العمرة أو الحج) القارئ: وليس عليه قضاء وعنه يجب عليه القضاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى عمرة الحديبية وسميت الثانية عمرة القضية.
الشيخ: هذا الفصل غريب فإنه لا يحتاج إلى فصل لأن هذا مبني على ما سبق ولا بد أن يكون هذا من النساخ سهوا أو خطأ عادة أن الفصول يؤتى فيها بمسائل جديدة لا يبنى على ما سبق وهنا مبني على ما سبق بحرف العطف أيضا.

القارئ: ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه القضاء كمن فاته الحج ووجه الأولى أنه تطوع جاز التحلل منه مع صلاح الوقت له فلم يجب قضاؤه كما لو دخل في الصوم يعتقده واجباً فلم يكن فأما الخبر فإن الذين صدوا كانوا ألفا وأربعمائة والذين اعتمروا معه في القضاء كانوا نفرا يسيرا ولم يأمر الباقين بالقضاء والقضية الصلح الذي جرى بينهم وهو غير القضاء ويفارق الفوات لأنه بتفريطه.
الشيخ: المؤلف رحمه الله أصاب في سياق الدليل والتعليل لكن بدأ بالتعليل قبل الدليل والحقيقة أنه لا حاجة لنا أن نعلل ولا أن نقيس هذا القياس الذي فيه نظر بل لنا أن نقول لا يجب القضاء لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمر به والذين قضوا في عمرة القضاء أقل من الذين أحصروا ولو كان القضاء واجباً لأمرهم بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا هو الدليل وهو دليل واضح وأما تسميتها عمرة القضاء أو عمرة القضية فلما ذكر أنها سميت بذلك لأنه من باب المقاضاة يعني المصالحة بينه وبين قريش.

فصل (في زوال الاحصار) القارئ: فإن لم يحل المحصر حتى زال الحصر لم يجز له التحلل لأنه زال العذر وإن زال بعد الفوات تحلل بعمرة وعليه هدي للفوات لا للحصر لأنه لم يحل به وإن فاته الحج مع بقاء الحصر فله الحل به لأنه إذا حل به قبل الفوات فمعه أولى وعليه الهدي للحل ويحتمل أن يلزمه هدي آخر للفوات.
الشيخ: والصواب أنه يلزمه هدي واحد للإحصار فقط.
القارئ: وإن حل بالإحصار ثم زال وأمكنه الحج من عامه لزمه ذلك إن قلنا بوجوب القضاء أو كانت الحجة واجبة لأن الحج على الفور وإلا فلا ومن كان إحرامه فاسدا فله التحلل بالإحصار لأنه إذا حل من الصحيح فمن الفاسد أولى فإن زال الحصر بعد الحل وأمكنه الحج من عامه فله القضاء فيه ولا يتصور القضاء للحج في العام الذي أفسده فيه إلا في هذا الموضع.

الشيخ: وعلى هذا فيكون مما يلغز به يقال رجل أفسد حجه وقضاه في سنة واحدة يكون هذا إذا أحصر في الحج الفاسد وتحلل منه ثم أمكنه أن يحج فهنا نقول حج وانوه قضاءً عن الفاسد وحينئذٍ يكون هذا العام حصل له حجتان ولنقل مثلا إنه أحرم بالحج في اليوم الثامن في منى وفي منى جامع زوجته هذا جماع قبل التحلل الأول فحصر أي منع من الوقوف بعرفة حيث صده عدو عن الوقوف بعرفة وحصروه فتحلل بعمرة وانتهى ثم إنه زال الحصر نقول الآن أحرم بالحج لأنه زال الحصر وينويه قضاء عن الحج الفاسد لأن الحج الفاسد تحلل منه فيكون حج وقضاء في عام واحد ولا يتصور هذا إلا في هذا الموضع.

فصل (فيمن صد عن عرفة) القارئ: ومن صد عن عرفة وتمكن من البيت فله أن يتحلل بعمرة لأن له ذلك من غير حصر فمعه أولى وعنه لا يجوز له التحلل بل يقيم على إحرامه حتى يفوته الحج ثم يحل بعمرة لأنه إنما جاز له التحلل بعمرة في موضع يمكنه الحج من عامه ليصير متمتعا وهذا ممنوع من الحج فلا يمكنه أن يصير متمتعا.

فصل (في الحصر الخاص) القارئ: والحصر الخاص مثل أن يحبسه سلطان أو غريم ظلما أو بحق لا يقدر على إيفائه والعبد إذا منعه سيده والزوجة يمنعها زوجها كالعام في جواز التحلل لعموم الآية وتحقق المعنى فيه فأما من أحصره مرض أو عدم نفقة ففيه روايتان إحداهما له التحلل لعموم الآية ولأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى) رواه النسائي ولأنه محصر فأشبه من حصره العدو والثانية ليس له التحلل لأن ابن عباس وابن عمر قالا لا حصر إلا حصر العدو ولأنه لا يستفيد بالحل الانتقال من حاله والتخلص من الأذى به بخلاف حصر العدو.
الشيخ: سبق أن الصواب أنه يحصل به الحصر.

باب الهدي

القارئ: يستحب لمن أتى مكة أن يهدي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى في حجته مائة بدنة رواه البخاري ولم يقل في حجته ويستحب استسمانها واستحسانها لقول الله تعالى (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) قال ابن عباس هو الاستسمان والاستحسان والاستعظام وأفضل الهدي والأضاحي الإبل ثم البقر ثم الغنم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) متفق عليه.
الشيخ: هذا الحديث فيه دليل على أنه لا يحصل على هذا الأجر إلا إذا اغتسل وقوله (غسل الجنابة) المعنى كما يغتسل للجنابة وليس من شرطه أن يكون الغسل عن جنابة وقوله (ثم راح) المراد بالرواح هنا مجرد الذهاب وليس الذهاب بعد زوال الشمس لأن الذهاب بعد زوال الشمس لا يتضمن هذه الساعات الخمس بل هو قليل جدا إذ أن يوم الجمعة كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يبرد فيها بل يصليها من حين أن تزول الشمس وربما صلاها قبل أن تزول.
وجه الاستدلال من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإبل للأسبق ويليها البقر ويليها الغنم إلا أن بعض أهل العلم قال في العقيقة إن الأفضل فيها الغنم لأن هذا هو الوارد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن المؤلف ما تكلم على العقيقة وربما يتكلم عليها في موضعها.
السائل: إذا أحصر عن الواجب فما هو الحكم؟ الشيخ: إذا أحصر عن الواجب فالأمر سهل يذبح دماً ويوزعه على الفقراء وينجبر بذلك حجه.
فائدة: التقديم هنا الإبل ثم البقر ثم الغنم فيما إذا أخرج كاملا أما الغنم فالواحد منها أفضل من سبع البدنة.

القارئ: ويجوز للمتطوع أن يهدي ما أحب من كبير الحيوان وصغيره وغير الحيوان استدلالا بهذا الحديث إذ ذكر فيه الدجاجة والبيضة.
الشيخ: يعني هدي التطوع لك أن تهدي ما شئت صغيرا كان أم كبيرا من بهيمة الأنعام أو من غيرها حتى من الطعام واستدل المؤلف رحمه الله بهذا الحديث فإن الدجاجة والبيضة ليست من بهيمة الأنعام والمقصود بالهدي هو نفع الفقراء في مكة.
القارئ: والأفضل بهيمة الأنعام لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى منها فإن كانت إبلا سن إشعارها بأن تشق صفحة سنامها اليمنى حتى يسيل الدم ويقلدها نعلا أو نحوها لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذي الحليفة ثم دعا ببدنه فأشعرها في صفحة سنامها اليمنى وسلت الدم عنها بيده رواه مسلم.
الشيخ: أولا كيف تشعر وفي ذلك إيلام لها؟ والجواب عن ذلك أن يقال هذا الإيلام فيه مصلحة تربو على مفسدته وهو إظهار الشعائر لأن هذه الناقة أو هذا البعير إذا مر من عند الناس وقد أشعر علم أنه هدي فكان في ذلك إظهار للشعيرة.
ولماذا قلد النعال والخرق البالية وما أشبه ذلك؟ الجواب ليعلم أن هذا من نصيب الفقراء فهم اللذين يلبسون النعال المقطعة والثياب المرقعة فيعلم الناس أن هذا من نصيب الفقراء فإن قال قائل أفلا يخشى أن يكون في ذلك رياء؟ قلنا خشية الرياء ترد على كل عبادة والإنسان المؤمن إذا أشعرها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم لتعظيم شعائر الله خلا قلبه من الرياء.
وفي هذا الحديث أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم سلت الدم عنها بيده فهل في ذلك دليل على طهارة الدم؟

هناك احتمال أن يكون الدم طاهرا لأنه لم يذكر أن الرسول غسل يده ولكن غسله يده وارد بلا شك وهناك احتمال أنه يعفى عن يسير الدم كما عليه الجمهور وإلا فهو نجس لا شك فإن كل دم يخرج من حيوان ميتته نجسة فهو نجس وخرج بقولنا ميتته نجسة ما ميتته طاهرة كالسمك إلا أنه يستثنى من هذا الآدمي فإن ميتته طاهرة ودمه نجس على رأي الجمهور لكن لو قال قائل ما هو الدليل على استثناء الآدمي؟ فإذا كانت ميتة الآدمي طاهرة فليكن دمه طاهر وإذا كان ما أبين من الآدمي من الأجزاء طاهرا فليكن الدم كذلك طاهراً على كل حال هذه مسألة بحثناها في باب إزالة النجاسة لكن هذا الحديث لا يدل على طهارة هذا الدم لوجود الاحتمالات وما وجد فيه الاحتمال سقط به الاستدلال على عين المسألة التي هي أحد الاحتماليين وليس المعنى أنه يسقط الاستدلال به مطلقا وإلا فقد يكون هناك أدلة تعين أحد الاحتماليين فلا يبقى النص مجملا.
القارئ: ولأنها ربما اختلطت بغيرها أو ضلت فتعرف بذلك فترد وإن كانت غنما قلدت آذان القرب والعرى لقول عائشة كنت أفتل القلائد للنبي صلى الله عليه وسلم فيقلد الغنم ويقيم في أهله حلالًا أخرجه البخاري ومسلم نحوه، ولا يشعرها لضعفها ولأنه يستتر موضع الإشعار بشعرها وصوفها.
الشيخ: بشعرها إن كانت معزاً وصوفها إن كانت ضأناً وهذا تعليل صحيح ويكفي في ذلك السنة أنها لم ترد بإشعار الغنم لكن تقلد ما ذكره من آذان القرب.

فصل (في شرائط وجوب الهدي) القارئ: ولا يجب الهدي بسوقه مع نيته كما لا تجب الصدقة بالمال بخروجه به لذلك ويبقى على ملكه وتصرفه ونماؤه له حتى ينحره وإن قلده وأشعره وجب بذلك كما لو بنى مسجدا وأذن للصلاة فيه وإن نذره أو قال هذا هدي أو لله وجب لأنه لفظ يقتضي الإيجاب فأشبه لفظ الوقف.

الشيخ: هذه المسألة بماذا يتعين الهدي؟ يتعين الهدي بفعل ما يدل عليه من إشعار أو تقليد ويتعين باللفظ بقوله هذا هدي أو لله أو نحو ذلك ويتعين بالذبح إذا ذبحه مع نيته صار هديا.
أما شراؤه مع النية فإنه لا يتعين به مثلا إنسان اشترى من السوق شاة يريدها هديا فإنها لا تكون هديا وله إبدالها وبيعها والتصرف فيها ونماؤها له لأن مجرد النية لا يتعين به الهدي كما لو أخذ دراهم معينة يريد أن يتصدق بها فإنها لا تكون صدقة وكما لو بنى بيتا يريد أن يوقفه ولكنه لم يقل هذا وقف فإنه لا يكون وقفا.

القارئ: وله ركوبه عند الحاجة من غير إضرار به لأن أبا هريرة روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها فقال يا رسول الله إنها بدنة فقال اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة متفق عليه وفي حديث آخر قال اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا رواه أبو داود فإن نقصها الركوب ضمنها لأنه تعلق حق غيره بها وإن ولدت فولدها بمنزلتها يذبحه معها لما روي أن علياً رضي الله عنه رأى رجلا يسوق بقرة معها ولدها فقال لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها فإذا كان يوم النحر فانحرها وولدها ولأنه معنى تصير به لله تعالى فاستتبع الولد كالعتق وله أن يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها لحديث علي ولقول الله تعالى (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) ولا يجوز أكثر من ذلك للخبر ولأن اللبن غذاء الولد فلا يجوز منعه منه كما لا يجوز منع الأم علفها فإن لم يمكنه المشي حمله على ظهرها لأن ابن عمر كان يحمل ولد البدنة عليها فإن لم يمكنه حمله ولا سوقه صنع به كما يصنع بالهدي الذي يخشى عطبه وإن كان عليها صوف في جزه صلاح لها جزه وتصدق به لأنها تسمن بذلك فتنفع المساكين وإن لم يكن في جزّه صلاح لم يجز أخذه لأنه جزء منها وينفع الفقراء عند ذبحها وإن أحصر نحره حيث أحصر لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه بالحديبية وإن تلف من غير تفريط لم يضمنه لأنه أمانة عنده فلم يضمنه من غير تفريط كالوديعة فإن تعيب ذبحه وأجزأه لأنه لا يضمن جميعه فبعضه أولى.
الشيخ: كل هذا فيما إذا تعين بالتعيين أما ما كان واجبا في الذمة فإنه إذا فرط ضمنه.
السائل: هل يجوز تصوير المرضى لعرضهم على المتبرعين مثل المحترقين حتى يعرضوا على المتبرعين للتبرع لحالتهم؟ الشيخ: إذا كان هناك ضرورة فلا بأس وإلا فلا.
السائل: قول ابن عباس حول استسمان واستحسان واستعظام فماذا يقدم حفظكم الله الاستسمان أو الاستعظام؟

الشيخ: هذا ينظر إلى حاجة الناس إذا كان الناس في حاجة إلى اللحم فالاستعظام أولى وإذا كانوا بحاجة إلى الترفه فالاستسمان أولى وإذا كانت الحسنى من البهائم أغلى ثمنا وأنفس عند أهلها فهي أفضل.
السائل: هل يجوز أو يستحب للمتمتع بعد أن يحل أن يشتري هديه ويقلده للاستحباب الذي ذكر؟ الشيخ: لا الظاهر هذا فيمن ساقه هو الذي يستحب أن يشعره ويقلده أما من اشتراه من السوق ليذبحه فهذا لا يسن فيه الإشعار ولا التقليد.
السائل: إذا قلنا إن المقصود من إشعار البدن وتقليدها تعظيم شعائر الله عز وجل وبيان أنها مما يختص به الفقراء هل يمكن أن يقوم مقام ذلك الأصباغ الموجودة بأن يكتب عليها هذه هدي أو ما أشبه ذلك؟ الشيخ: الجواب أقول لا السنة أولى أن تتبع.
السائل: هل البقر يشعر؟ الشيخ: فيها قولان للعلماء فمن قال إنه يلحق بالإبل قال إنه يشعر ومن قال يلحق بالغنم لأنه يذبح كما تذبح الغنم ولأنه أقل تحملا من الإبل قال لا يشعر.

فصل (في عجز الهدي عن الوصول إلى الحرم)

القارئ: وإن عجز عن المشي أو عطب دون محله نحره موضعه وصبغ نعله الذي في عنقه في دمه فضرب بها صفحته ليعرفه الفقراء وخلى بينه وبينهم ولم يأكل منه هو ولا أحد من رفقته لما روى ذؤيب أبوقبيصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث معه بالبدن ثم يقول إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتاً فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من رفقتك رواه مسلم ولأنه متهم في التفريط فيها ليأكلها أو يطعمها رفقته فمنعوا من أكلها لذلك فإن لم يذبحها عند خوفه عليها حتى تلفت ضمنها لأنه فرط فيها فلزمه ضمانها كالوديعة إذا رأى من يسرقها فلم يمنعه وإن أتلفها ضمنها لأنه أتلف مالاً تعلق به حق غيره فضمنه كالغاصب ويلزمه أكثر الأمرين من قيمتها أو هدي مثلها لأنه لزمته الإراقة والتفرقة وقد فوتهما فلزمه ضمانهما كما لو أتلف شيئين فإن كانت قيمتها وفق مثلها أو أقل لزمه مثلها وإن كانت أكثر اشترى بالفضل هديا آخر فإن لم يسع اشترى به لحما وتصدق به لأنه أقرب إلى المفوت ويحتمل أن يتصدق بالقيمة وإن أكل مما منع من أكله ضمنه بمثله لحما كما ذكرنا.
وإن أتلفها غيره فعليه قيمتها لأنه لا تلزمه الإراقة فلزمته قيمتها كغيرها ويشتري بالقيمة مثلها فإن زادت فالحكم على ما ذكرنا فيما إذا ماأتلفها صاحبها وإذا اشترى هديا فوجده معيبا فله الأرش ويحتمل أن يكون للمساكين لأنه بدل عن الجزء الفائت من حيوان جعله لله تعالى فكان للمساكين كعوض ما أتلف منه بعد الشراء ويكون حكمه حكم الفاضل عن المثل ويحتمل أن يكون له لأن النذر إنما صادف المعيب بدون الجزء الفائت فلم يدخل في نذره فلا يستحق عليه بدله.

الشيخ: خلاصة هذا الفصل أنه إذا ساق الهدي فعجز عن المشي أو عطب دون محله فإنه يذبحه ولا يدعه يموت فإن تركه يموت مع قدرته على ذبحه ضمنه وإذا ذبحه فإنه لا يأكل منه لا هو ولا رفقته للحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله ولأن الإنسان يتهم قد يتعجل ويتسرع في ذبحه خوفا من تلفه وهو يمكن أن يعيش فلما كانت التهمة واردة منع الإنسان من ذلك.

أما إذا أتلفه غيره فيقول إنه يضمنه بالقيمة وهذا مبني على أن الحيوان ليس مثليا والصحيح أن الحيوان من المثليات وأنه يجب ضمانه بمثله ما لم يتعذر ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استسلف بكرا ثم لما أفاء الله عليه أمرهم أن يعطوا الرجل بدل بكرة فقالوا إنا لم نجد إلا خيارا رباعية فقال لهم أعطوه فإن خير الناس أحسنهم قضاءً وكان صلى الله عليه وسلم يستسلف على إبل الصدقة البعير بالبعيرين والبعيرين بالثلاثة وهذا يدل على أن الحيوان مثلي وهو كذلك في الواقع لكن إن تعذر المثل بأن لم يوجد إلا أكبر منه أو أصغر منه أو أحسن منه فحينئذٍ لا يلزم الإنسان إلا بالقيمة.

فصل (في زوال الملك عن الهدي) القارئ: ولا يزول ملكه عن الهدي والأضحية بإيجابهما نص عليه وله إبدالهما بخير منهما وقال أبو الخطاب يزول ملكه وليس له بيعه ولا إبداله لأنه جعله لله تعالى فأشبه المعتق والموقوف ووجه الأول أن النذور محمولة على أصولها في الفروض وفي الفرض لا يزول ملكه وهو الزكاة وله إخراج البدل فكذلك في النذور وأما بيعها بدونها فلا يجوز لأن فيه تفويت حق الفقراء من الجزء الزائد فلم يجز كما لو أخرج في الزكاة أدنى من الواجب ولا يجوز إبدالها بمثلها لأنه تفويت لعينها من غير فائدة تحصل.

الشيخ: معناه أن الهدي إذا تعين فهل يزول ملك المهدي أو لا؟ في هذا قولان للعلماء أحدهما أنه يزول ملكه والثاني أنه لا يزول والصحيح أنه يزول ملكه ويدل لهذا أنه لو كان لا يزول ملكه للزمه الضمان بكل حال مع أنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط وهذا يدل على أن الهدي بيده أمانة فالصواب أنه يزول ملكه فإذا قال هذا هدي فهو كما لو قال عن البيت هذا وقف لكن هل له أن يبدله؟ نقول إن كان البدل أدنى فليس له ذلك لأنه يفوت الجزء الأعلى على مستحق هذا الهدي وإن كان البدل أعلى فله ذلك ويدل لهذا حديث الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة وقال يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس فقال صلها هاهنا فأعاد عليه قال صلها هاهنا فأعاد عليه فقال شأنك إذن يعني إلزم شأنك إذن فدل ذلك على أن الانتقال من مفضول إلى أفضل في النذر المعين جائز فكذلك يقال في الهدي المعين وكذلك يقال على القول الراجح في الأوقاف إذا أراد الإنسان أن ينقلها إلى ما هو أفضل فله ذلك.
إذا أبدله بمثله فليس له ذلك لأنه نقل لملكه المعين بدون فائدة والأصل أنه لما عين تعين فلا يبدله بمثله.

القارئ: فصل في وجوب الهدي في الذمة.
الشيخ: هذا العنوان خطأ والصواب في حكم الواجب من الهدي في الذمة.
القارئ: ومن وجب في ذمته هدي فعينه في حيوان تعين لأن ما وجب به معين جاز أن يتعين به ما في الذمة كالبيع ويصير للفقراء فإن هلك بتفريط أو غيره رجع الواجب إلى ما في الذمة كما لو كان له عليه دين فباعه به طعاما فهلك قبل تسليمه فإن تعيب أو عطب فنحره لم يجزئه لذلك وهل يعود المعين إلى صاحبه فيه روايتان إحداهما يعود ذكره الخرقي فقال صنع به ما شاء لأنه إنما عينه عما في ذمته فإذا لم يقع عنه عاد إلى صاحبه كمن أخرج زكاته فبان أنها غير واجبة عليه والأخرى لا يعود لأنه صار للمساكين بنذره فلم تعد إليه كالذي عينه ابتداء.

الشيخ: هذه المسألة إذا وجب عليه هدي في ذمته كهدي التمتع أو هدي جزاء الصيد أو ما أشبه ذلك فعينه قال هذا عن هدي التمتع أو هذا عن جزاء الصيد فإنه كما سبق على القول الراجح يكون للفقراء فإذا هلك أو ضل أو تعيب أو أصابه ما لا يمكن الإجزاء معه فإن عليه بدله على كل حال سواء فرط أو لم يفرط لأنه وجب في الذمة فلا بد من أن يؤديه كاملا من غير نقص.
وإذا ذبح بدله ثم عاد الذي ضل أو برئ من العطب أو ما أشبه ذلك فهل يعود هذا إلى ملكه أو لا يعود؟ في هذا قولان للعلماء أصحهما ما ذهب إليه الخرقي رحمه الله أنها إذا رجعت إليه رجعت ملكا له ووجهه أنه أتى ببدله ولا يمكن أن يجمع له بين البدل والمبدل منه لأن الرجل أبرأ ذمته فلا تعود إليه هذه التي ضلت أو عطبت إلا ملكا له لأنه أتى ببدلها وهذا هو الصحيح.
القارئ: وهل تعود إلى ذمته مثل المعين أو مثل الواجب في الذمة؟ ينظر فإن تلف بغير تفريط لم يلزمه أكثر مما في الذمة لأن الزائد إنما تعلق بالعين فسقط بتلفها وإن تلف بتفريط لزمه أكثر الأمرين لأنه تعلق بالمعين حق الله تعالى فإذا أتلفه فعليه مثل ما فوته.
الشيخ: هل يجب عليه ما يجزئ أو يجب عليه مثل الذي تلف؟ نقول إن تلف بتفريطه وجب عليه مثل الذي تلف وإن تلف بغير تفريط وجب عليه ما يجزئ يعني الواجب في الذمة والواجب في الذمة هو ما يجزئ ولنفرض أنه اشترى لهدي التمتع شاة جيدة طيبة سمينة فعطبت بغير تفريط منه فهل يجب عليه أن يشتري شاة سمينة يذبحها عن التي عطبت؟ الجواب لا لأنه غير مفرط أما إن فرط فهلكت وجب عليه مثلها لأنه هو الذي أتلفها بصفتها الجيدة على مستحقيها وهم الفقراء.

القارئ: وإن ولد هذا المتعين تبعه ولده لما ذكرنا في المعين ابتداء فإن تعيبت الأم فبطل تعينها ففي ولدها وجهان أحدهما يبطل تبعا كما ثبت تبعا والثاني لا يبطل لأن بطلانه في الأم لمعنى اختص بها بعد استقرار الحكم في ولدها فلم يبطل فيه كما لو ولدت في يد المشتري ثم ردها لعيبها.
الشيخ: وهذا محل تردد قد يقال إنه يتبعها وقد يقال إنه لا يتبعها لأنه لما بطل في الأم بطل في الولد لكن الأحوط أن يقال له اذبحه لأن الأم بطل التعين فيها لمعنى يختص بها حيث إنها عطبت وأخذ بدلها وقلنا أن البدل يكفي عنها وإذا وجدت فإنه لا يجب ذبحها لكن إذا كان لها ولد فالاحتياط أن يذبحه.

فصل (في ذبح الهدي بغير أمر صاحبه) القارئ: وإذا ذبح هديه أو أضحيته إنسان بغير أمره في وقته أجزأ عنه لأنه لا يحتاج إلى قصده فإذا فعله إنسان بغير إذنه وقع الموقع ولا ضمان على الذابح لأنه حيوان تعين إراقة دمه على الفور حقا لله تعالى فلم يضمنه كالمرتد.

الشيخ: وهذه من غرائب العلم إنسان عرف أن هذه الشاة هدي لفلان فقام فذبحها بغير توكيل منه وبغير أمر ولا إذن فما الحكم يقول المؤلف هنا تجزئ لأن هذه العين تعين ذبحها لتعينها أضحية أو هديا فإذا أتلفها متلف فلا ضمان كما لو قتل المرتد فإنه لا يقتص منه وإن كان قتل المرتد لولي الأمر فهذه الشاة التي تعينت هديا أو أضحية الذي يتولى ذبحهاه صاحبها فهي الآن مستحقة للذبح فإذا ذبحها ذابح قلنا هذا افتيات على صاحبها لكنها تجزئ عن صاحبها وهذه من الغرائب أن يقال شخص أجزأت عنه عبادة لم يعلم بها ولم ينوها فيقال لا غرابة في ذلك لأن الرجل لما عينها تعينت للذبح وإن كان حين ذبحها لم ينوِ ذبحها لكن أصل تعينها إنما عينها لتذبح ولكن مثل هذا لو علمنا أن قصده العدوان فهل يعزر أو لا؟ نعم يعزر ولو قال صاحبها أنا لا أرضى أنه يتولى ذبحها هذا افتيات علي وأنا أطالبه بضمانها وهي له فهذا يتوجه أن يقال نعم له ذلك حتى لا يفتات أحد على أحد وإن كان في الأصل لا يجوز لأنه لما ذبحها تعينت وصار هذا اللحم هديا يوزع على الفقراء فلا يصح أن يؤخذ بدله شاة لتذبح لكن لو رأى ولي الأمر أن في هذا مصلحة لكان هذا متوجه.
السائل: هل هذا خاص بهذه الصورة مثلاً في الزكاة لو علم رجل بأن هذه الشياه زكاة فلان فأخرجها بغير علمه وأعطاها لمستحقه هل تجزئ؟ الشيخ: لا تجزئ عن الزكاة والفرق بينهما أن الزكاة لا تتعين حتى لو قال عن شاة هذه عن أربعين شاة عندي ما تتعين أما الأضحية فإنها تتعين فإذا ذبحت وقعت في الموقع أما مسألة الزكاة فللمزكي أن يغير رأيه ويخرج شاة أخرى سواء كانت مثل الشاة الأولى أو أقل.

فصل (في حكم الأكل من الهدي)

القارئ: ويجوز الأكل من هدي التمتع والقران لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن متمتعات إلا عائشة فإنها كانت قارنة لإدخالها الحج على عمرتها وقالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة قالت فدخل علينا بلحم بقر فقلت ما هذا فقيل ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن أزواجه رواه مسلم ولأنه دم نسك فجاز الأكل منه كالأضحية.
الشيخ: رحم الله أبا محمد عنده حديث صريح صحيح أحسن من هذا وهو حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن يؤخذ من كل بدنة بضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها هذا حديث صحيح صريح من فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
القارئ: ولا يجوز الأكل من واجب سواهما لأنه كفارة فلم يجز الأكل منه ككفارة اليمين وعنه له الأكل من الجميع إلا المنذور وجزاء الصيد.
الشيخ: والأقرب أن ما وجب كفارة فإنه لا يأكل منه لأنه كفارة فلو قيل بالأكل منه لعادت المنفعة إلى المكفر ولهذا ذكرنا فيما سبق أن دم الشكران يجوز الأكل منه ودم الجبران لا يجوز الأكل منه وأن من هدي الشكران هدي التمتع والقران أما المحصر فذكرنا أنه يحتمل أنه شكران حيث إن الله خفف فأذن للإنسان إذا أحصر أن يتحلل ويهدي ويحتمل أنه جبران لأنه أسقط شيئاً من واجبات النسك والظاهر لي والله أعلم أن الهدي الذي ذبحه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه في الحديبية أنهم أكلوا منه فيكون أقرب إلى كونه دم شكران.

القارئ: ولا يجوز الأكل من الهدي المنذور في الذمة لأنه نذر إيصاله إلى مستحقيه فلم يجز أن يأكل منه كما لو نذر لهم طعاماً وما ساقه تطوعا استحب الأكل منه سواء عينه أو لم يعينه لقول الله تعالى (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) وأقل أحوال الأمر الاستحباب وقال جابر أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكل منها وحسا من مرقها ولأنه دم نسك فأشبه الأضحية قال ابن عقيل حكمه في الأكل والتفريق حكمها وقال جابر كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث فرخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال كلوا وتزودوا فأكلنا وتزودنا رواه البخاري ومسلم نحوه والمستحب الاقتصار على اليسير في الأكل لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في بدنه وإن أطعمها كلها فحسن فإن النبي صلى الله عليه وسلم نحر خمس بدنات ثم قال من شاء اقتطع رواه أبو داود وظاهر هذا أنه لم يأكل منها شيئا ويجوز للمهدي تفريق اللحم بنفسه ويجوز إطلاقه للفقراء استدلالا بهذا الحديث.

الشيخ: كلام المؤلف أن الهدي المنذور لا يجوز الأكل منه ولو قيل بجواز الأكل منه لأن الناذر إذا قال لله علي نذر أن أهدي هديا وهدي التطوع يؤكل منه فهو يريد الهدي الذي يتطوع به الإنسان لكن هنا مسألة غير مسألة الهدي لو نذر الإنسان أن يذبح شاة أو بعيرا لحصول نعمة أو زوال نقمة كما يفعل بعض الناس يقول إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أذبح شاة أو أن أذبح بعيرا فهل يأكل منه أو لا يأكل؟ نقول الأصل أن ما كان في مقابلة نعمة فالمراد به شكر النعمة وإذا كان المراد به الشكر صار حقا للفقراء والمساكين فلا يأكل منه شيئا إلا لو دلت القرينة على أن المراد أن يطعم الجيران وأن يفعل حفلا كما لو قيده بالعرس مثلا مثل أن يقول إن تزوج ابني فلله علي نذر أن أذبح بعيرا فهذا نعلم أنه لا يريد بهذا التقرب إلى الله بالبعير أو شكر النعمة وإنما أراد أن يوسع الحفل ويكبره فهذا له أن يأكل والحاصل أن النذر في مقابلة النعمة أو اندفاع نقمة الأصل فيه أنه شكر لله عز وجل فيكون للفقراء كقوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) إلا إذا قامت قرينة على أن المراد بذلك الذبح العرفي يعني غير القربة فيعمل بهذه القرينة.

فصل (فيمن نذر هديا دون تحديده)

القارئ: إذا نذر هديا مطلقا فأقل ما يجزئه شاة أو سبع بدنة أو بقرة لأن المطلق يحمل على أصله في الشرع ولا يجزئ إلا ما يجزئ في الأضحية ويمنع فيها من العيب ما يمنع فيها وإن عينه بنذره ابتداء أجزأه ما عينه كبيرا أو صغيرا أو حيوانا أو غيره لقول النبي صلى الله عليه وسلم (فكأنما قرب دجاجة وكأنما قرب بيضة) وإذا أطلق بالنسبة إلى مكانه وجب إيصاله إلى فقراء الحرم لأن ذلك المعهود في الهدي وإن عين الذبح بمكان غيره في نذره لزمه ذلك ما لم يكن فيه معصية لما روي أن رجلا قال يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة قال هل بها صنم قال لا قال أوف بنذرك رواه أبو داود.

فصل (فيما يجزئ من وجب عليه هدي) القارئ: ومن وجب عليه دم أجزأه ذبح شاة أو سبع بدنة أو بقرة لقول ابن عباس في هدي المتعة شاة أو شرك في دم فإن ذبح احتمل أن يكون جميعها واجب كما لو اختار التكفير بأعلى الكفارات واحتمل أن يكون سبعها واجبا وباقيها تطوعا لأن سبعها يجزئه فأشبه ما لو ذبح سبع شياه.
الشيخ: إذا وجب عليه دم أجزأه شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة فإن ذبح بدنة عن الشاة فهل يكون الواجب السُبع أو تكون هي كلها واجبة؟ ذكر فيها احتمالين والظاهر أنه على حسب ما نوى إذا ذبح بدنة فنوى سبعها فقط صار الواجب السُبع والباقي لحم يفعل به ما شاء وإن نواها مطلقا عما وجب في ذمته فهل يقال إنه يثاب ثواب الواجب على سُبع منها والباقي يثاب ثواب التطوع أو يقال ينسحب حكم الواجب على جميعها لأن الواجب لم يتميز؟ الظاهر أنه ينسحب على جميعها لأنه لم يخصص السُبع للواجب فهذا هو الأقرب والفرق بينه وبين ما إذا عين شاة من سبع شياه ظاهر جدا لأن الشاة من سبع شياه متميزة منفصلة.

القارئ: ومن وجب عليه بدنة بنذر أو قتل نعامة أو وطء أجزأه سبع من الغنم لأنها معدولة بسبع والشياه أطيب لحماً وقد روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال إن علي بدنة وأنا موسر لها ولا أجدها فأشتريها فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن رواه ابن ماجه، وقال ابن عقيل إنما يجزئ ذلك مع عدم البدنة لأنها بدل فيشترط فيه عدم المبدل والأول أولى لما ذكرنا.
الشيخ: لكن قال بعض أهل العلم هذا صحيح أن سبعة شياه تجزئ عن البدنة والبقرة لأنها أطيب لحما وأكثر نفعا إلا في جزاء الصيد فإن الشياه لا تجزئ عن البدنة وذلك لأن المعتبر في جزاء الصيد المثلية وهذه تفوت فلو ذبح سبع شياه عن النعامة فإنه لا يجزئ لأن النعامة الواجب فيها البدنة لكن المذهب مطلقاً أنه تجزئ سبع شياه عن البدنة أو البقرة حتى في جزاء الصيد.
القارئ: وإن وجبت عليه بدنة فذبح بقرة أجزأته لما روى جابر قال كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل له والبقرة فقال وهل هي إلا من البدن رواه مسلم وقال ابن عقيل إن نذر بدنة لزمه ما نواه فإن لم ينو شيئا ففيه روايتان إحداهما هو مخير على ما ذكرناه والثانية إن لم يجد البدنة أجزأته بقرة فإن لم يجد فسبعا من الغنم وعنه عشر لأنه بدل فلا يجزئ مع وجود الأصل فأما من وجب عليه سبع من الغنم فإنه يجزئه بدنة أو بقرة لأنها تجزئ عن سبع في حق سبعة ففي حق واحد أولى.
الشيخ: إذا وجب عليه بدنة فذبح عنها بقرة تجزئ لكن ينبغي أن يقال إلا في جزاء الصيد لأن جزاء الصيد لا بد فيه أن يكون مثله.

وقال ابن عقيل إن نذر بدنة لزمه ما نواه فإن لم ينو شيئا ففيه روايتان إحداهما مخير على ما ذكرناه أي بين البدنة والبقرة والثانية إن لم يجد البدنة أجزأته بقرة وهذه الرواية أولى لأنه إذا نذر البدنة ثم قلنا تجزئ البقرة فقد أجزأ الأدون عن الأعلى فالبعير أكثر لحما والبقر أيضا عند بعض الناس لا يؤكل فالصواب أنها لا تجزئ اللهم إلا إذا كان الناس يحبون أكل لحم البقر أكثر مما يحبون أكل لحم الإبل فحينئذ قد يقال بالإجزاء لأنه وإن كانت أقل حجما فهي أرغب عند الناس وأطيب.
وإذا وجب عليه سبع من الغنم فهل تجزئه بقرة أو بدنة؟ الجواب نعم وقيل إنها لا تجزئ ولكن ينبغي أن يقال بالإجزاء ما لم يكن ذلك في جزاء الصيد فإن جزاء الصيد لا بد فيه من المماثلة وقوله وعنه عشر من الغنم لأن بعض العلماء رحمهم الله قال إن البعير عن عشر وإن البقرة عن سبع وقال بعضهم البعير عن عشر في الأضحية والبقرة عن سبع أما في الهدي فكلتاهما عن سبع لأنه ورد في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى مع أصحابه وأنهم ذبحوا عن البدنة عشرة لكن المشهور عند أكثر أهل العلم أن البدنة والبقرة كلتاهما عن سبع.
السائل: إذا هرب الهدي فرماه ومات أيجزئ؟ الشيخ: الجواب نعم يجزئ لأن لها أوابد كما قال رسول الله كأوابد وحش فما ند فاصنعوا به هكذا.

باب الأضحية

القارئ: وهي سنة مؤكدة لما روى أنس رضي الله عنه قال ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما متفق عليه قال أبوزيد الأملح الأبيض الذي فيه سواد وقال ابن الأعرابي هو الأبيض النقي.

الشيخ: أفادنا المؤلف رحمه الله في هذه الجملة أن الأضحية سنة مؤكدة فاستفدنا أن السنن قد تكون مؤكدة وقد تكون غير مؤكدة وللعلماء في هذا اصطلاح فعند الحنفية إذا قالوا سنة مؤكدة فهذا يعني أنه واجب ولكن الجمهور على أن السنة المؤكدة لا تصل إلى حد الواجب وهو كذلك في كلام المؤلف رحمه الله واستدل على كونها سنة مؤكدة بفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث ضحى بكبشين أملحين أقرنين الكبش هو العظيم من الخراف من الضأن والأقرن هو ذو القرون وذو القرون أكمل خلقة مما فقدهما والأملح بينه المؤلف رحمه الله أنه الأبيض النقي وقيل الذي فيه سواد يعني أن بياضه مختلط بالسواد.
القارئ: والتضحية أفضل من الصدقة بقيمتها لأن النبي صلى الله عليه وسلم آثارها على الصدقة.
الشيخ: هذا صحيح التضحية أفضل من الصدقة بثمنها حتى وإن كان في الناس مجاعة فإن الأضحية أفضل ولهذا لما حصلت مجاعة في المدينة في عام من الأعوام أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن لا يدخروا فوق ثلاث يعني أن يوزعوا اللحم كله لا يزيد على ثلاثة أيام وفي العام الثاني بيّن لهم أنه إنما نهاهم عن الادخار فوق ثلاث من أجل الدافة التي دفت وأن لهم أن يأكلوا ويدخروا ما شاؤوا فدل هذا على أن ذبح الأضحية أفضل من الصدقة ولو كان هناك مجاعة وهو كذلك لأن ذبح الأضحية أهم ما فيه التقرب إلى الله عز وجل بالذبح قال الله تعالى (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) فيحصل بالأضحية التقرب إلى الله بالذبح والصدقة ويدل لذلك أن الله قرن النحر بالصلاة فقال (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وقال تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) فذبحها أفضل من الصدقة بثمنها لما يترتب على الذبح من القربان والتقرب إلى الله عز وجل.

القارئ: وليست واجبة لأنه روي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما كانا لا يضحيان عن أهلهما مخافة أن يرى ذلك واجبا وروت أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي) رواه مسلم.
الشيخ: أولا نفى المؤلف الوجوب والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم وقد بسطنا ذلك في كتابنا كتاب الأضحية والذكاة فمن أراد أن يتوسع في هذا فليرجع إليه وظاهر كلام شيخ الإسلام رحمه الله أنها واجبة لأنها شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة ولأن الله تعالى عوض بها المسلمين في بلادهم عن الهدي الذي يشرع للحجاج فهناك آيات وأحاديث تدل على الوجوب وأما ما ذكره رحمه الله عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فمن المعلوم أن قولهما حجة لكن إذا خالف النص فالعبرة بالنص.
ثم اعلم أن من العلماء من استدل بالحديث الذي أورده المؤلف عن أم سلمة على أن الأضحية ليست واجبة لقوله (وأراد أحدكم أن يضحي) ولكن هذا لا ينفي الوجوب كما لو قلت إذا دخل وقت الظهر وأردت الصلاة فتوضأ هل أحد يقول إن مثل هذه العبارة تدل على أن الصلاة غير واجبة؟ فقوله (أراد أن يضحي) من المعلوم أن إرادتي تابعة لمراد الشرع فإذا دلت الأدلة على وجوب الأضحية فإن هذا لا يعد معارضا لها ولا مانعاً للوجوب.
وقوله (فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا) فيه زيادة الثالث وهو البشرة يعني الجلد فلا يأخذ من هذه الأشياء الثلاثة الشعر والأظفار والبشرة.
القارئ: قال القاضي هذا نهي كراهية لا تحريم بدليل قول عائشة كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلدها بيده ثم يبعث بها ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي متفق عليه.

الشيخ: هذا غريب من بعض العلماء أن يستدل بمثل هذا الحديث على أنه ليس للتحريم لأن الحديثين غير واردين على شيء واحد هذا في الهدي وحديث أم سلمة في الأضحية ولا يصح نقل أحدهما للآخر ثم إن هذا أيضا مقيد بالعشر والهدي الذي يبعثه الرسول عليه الصلاة والسلام غير مبين في الحديث فكيف يعارض به حديث أم سلمة لكن يفتح الله على من يشاء وأشد ما يكون في مثل هذا الاستدلال الذي لا وجه له إذا اعتقد الإنسان الشيء قبل أن يستدل وهذه آفة عظيمة تحصل لطالب العلم المستدل أن يحاول حمل النصوص على ما كان يعتقد فتجده يستدل استدلالا مستكرها أو بعيدا ولهذا الموفق رحمه الله عارض من استدل به.
القارئ: ويمكن حمل الحديث على ظاهره في التحريم ولا تعارض بين الحديثين لأن أحدهما في الأضحية والآخر في الهدي المرسل ولو تعارضا لكان حديث أم سلمة خاصا في الشعر والظفر فيجب تقديمه فإن فعل استغفر الله تعالى ولا فدية عليه.
الشيخ: هذا أيضاً وجه آخر لو فرض التعارض فعائشة تقول رضي الله عنها (ولا يحرم عليه شيء أحله الله له) هذا عام وحديث النهي عن الأخذ من الشعر والظفر والبشرة خاص.
واختلف العلماء لماذا نهي عن أخذ الشعر والظفر فقيل لأن الأضحية فدية تفدي الإنسان من النار فينبغي أن يكون الفداء واقعا على جميع أجزاء البدن.
وهذا التعليل عليل أولا لأن كونها فدية يتقي بها الإنسان النار فيه حديث ضعيف لا تقوم به حجة.
وثانيا أن نقول إذا أعتق الله العبد عتق كله سواء أخذ من أظفاره أم لم يأخذ.
وقال بعض أهل العلم إن الحكمة من ذلك هو أن يشارك الناس الحجاج في بعض خصائص الإحرام لأن الإحرام لا يؤخذ من الشعر ولا من الظفر فمن أجل المشاركة نهي عن الأخذ من ذلك.
وقيل إنه تعبدي بمعنى أن العلة في ذلك هو نهي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهذا أسلم أما أن يتمحل الإنسان عللا غير مطردة فهذا لا ينبغي.

فصل (فيما يجزئ في الأضحية)

القارئ: ولا يجزئ إلا بهيمة الأنعام لقول الله تعالى (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ).
الشيخ: وهي ثلاثة وهي الإبل والبقر والغنم وسميت بهيمة لأنها لا تتكلم.
القارئ: ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني من غيره لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تذبحوا إلا مسنة فإن عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن) رواه مسلم والثنية من البقر هي المسنة ومن الإبل ما كمل لها خمس سنين قاله الأصمعي.
الشيخ: الجذع من الضأن ما تم له نصف سنة وله علامة وهو أن ينام الشعر على ظهره أما الثني من الغنم فما له سنة ومن البقر سنتان ومن الإبل خمس سنوات إذن عندنا شرطان الشرط الأول أن تكون من بهيمة الأنعام والشرط الثاني أن تبلغ السن المحددة شرعا.
القارئ: وأفضلها البياض لأنه صفة أضحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ما كان أحسن لونا.

فصل (في إجزاء البدنة والبقرة عن سبعة) القارئ: وتجزئ البدنة عن سبعة وكذلك البقرة لقول جابر كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها رواه مسلم ويجوز أن يشتركوا فيها سواء أراد جميعهم القربة أو بعضهم القربة والباقون اللحم لأن كل سبع مقام شاة ويجوز أن يقسموا أنصباءهم لأن القسمة إفراز حق والحاجة داعية إليه.
الشيخ: وهل المراد سبعة أشخاص أو سبع من الغنم؟ الثاني هو المراد أي أن السُبع يقوم مقام شاة وبناء على ذلك لو أن الإنسان ضحى بسُبع من البقر أو الابل عنه وعن أهل بيته لكفى حتى لو كان أهل بيته ألفا ولهذا قال المؤلف رحمه الله لأن كل سُبع مقام شاة يعني يقوم مقام الشاة.
ولا فرق بين أن يريد الجميع القربة أو بعضهم يريد القربة وبعضهم يريد اللحم فلو كان أحدهم يريد أضحية والثاني يريد هديا والثالث يريد فدية والرابع يريد لحما فلا بأس به.

ولا بد أن يكونوا مشتركين فيها من قبل الذبح فلو ذبحها ثلاثة عنهم ثم جاء إنسان بعد الذبح وقال أشركوني فأشركوه فإن ذلك لا يصح لأنها قد ماتت بالذبح ولا يمكن الاشتراك فيها بعد ذبحها.
وهل لو اشترك ثلاثة فاشتروها ثم جعلوا ينتظرون الناس فجاء أناس بعد الشراء وقبل الذبح وشاركوا الثلاثة والثلاثة لم يعينوها عن أنفسهم فهل يجوز؟ نعم يجوز لأن ثلاثة لم يعينوها عن ثلاثة ولم يذبحوها فهم ينتظرون الناس فإذا جاء الناس وتلاحقوا فيما بينهم فجائز.
ولو تبين زيادة واحد ذبحوها على أنهم سبعة وتبين زيادة واحد أنهم ثمانية فماذا يصنع؟ قال الفقهاء يذبحون شاة لأحدهم وفي هذه الحال صارت الشاة الآن مشاعة بين الثمانية لكن هذا للضرورة وإلا فإن الغنم لا يشترك فيها اثنان على وجه الشيوع أبداً.

فصل (في استحباب نحر الهدي بيد صاحبه) القارئ: ويستحب أن ينحر الهدي والأضحية بيده لحديث أنس ويجوز أن يستنيب فيه لما ذكرنا في الهدي ويجوز أن يستنيب كتابياً لأنه من أهل الذكاة ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم لأنها قربة فالأفضل أن لا يليها كافر بالله وعنه لا يجوز أن يليها كافر لذلك.
الشيخ: والصحيح أنه لا يصح إلا عند الضرورة.
القارئ: ويستحب لمن استناب أن يحضرها لما روى أبوسعيد أن رسول لله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة احضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها ويقول عند الذبح بسم الله والله أكبر لحديث أنس وإن قال اللهم هذا منك ولك اللهم تقبل مني أو من فلان فحسن لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال على أضحيته (اللهم هذا منك ولك عن محمد وأمته بسم الله والله أكبر) ثم ذبح وفي رواية قال (بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد) ثم ضحى رواه مسلم وليس عليه أن يقول عن فلان لأن النية تجزئ.
الشيخ: وإن قال عن فلان فهو جيد كما يقول اللهم تقبل هذا عن محمد وآل محمد يقول هذا عن فلان.

فصل (في وقت ذبح الهدي والأضحية)

القارئ: وأول وقت الذبح في حق أهل المصر إذا صلى الإمام وخطب يوم النحر لما روى البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى) متفق عليه وفي حق غير أهل المصر قدر الصلاة والخطبة لأنه تعذر في حقهم اعتبار حقيقة الصلاة فاعتبر قدرها وقال ....

فصول الكتاب · 13 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة · 500 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب التفليس
كتاب الصلح
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الوقف
جارٍ التحميل