كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
- عدد الأجزاء
- 5 [الكتاب مرقم آليا]
الشيخ: هكذا قال المؤلف رحمه الله والصواب أنه يصح ولنفرض أن إنسان جار لك وقال أنا أحتاج من بيتك أو من حوشك مثلاً عشرة أذرع فقال البائع لا بأس خذ من الجدار تمام عشرة أذرع كل ذراع بألف ريال فليس هناك جهالة في المبيع خصوصاً إذا كانت المسافة التي سيُأخذ منها العشرة معلومة فمثلاً قدرنا أن الحوش مائة ذراع وأخذنا منه عشرة أذرع فكأننا أخذنا العُشر فليست هناك جهالة أبداً فالصواب أن ذلك جائز ولا يدخل هذا في النهي عن بيع الغرر لأنه معلوم.
القارئ: ولو قال بعتك نصف داري مما يلي دراك لم تصح نص عليه لذلك.
الشيخ: الصواب أنه يصح فإذا قال بعتك نصف داري مما يلي دارك صح لأنه يمكن أن يعلم بأن يذرع فيُعرف.
القارئ: وإن قال بعتك من هذا الثوب من أوله إلى هاهنا صح لأنه معلوم.
الشيخ: ليس المراد بالثوب المخيط بل المراد بالثوب قطعة القماش أما الثوب المخيط فإنه لا يمكن أن يُجزّء.
القارئ: وقال القاضي إن كان ينقصه القطع لم يصح لعجزه عن التسليم إلا بضرر والأول أصح لأن التسليم ممكن والضرر لا يمنع الصحة إذا التزمه كما لو باعه نصف مشاعاً أو نصف حيوان.
الشيخ: يعني لو باعه نصف مشاعاً وطالب المشتري أن يقسم فإنه يقسم أو باعه نصف حيوان وطالب المشتري أن يذبح ويعطيه نصفه فعل ذلك.
فصلٌ القارئ: ويشترط لصحة المبيع معرفة الثمن لأنه أحد العوضين فيشترط العلم به كالمبيع ورأس مال السلم.
الشيخ: الفقهاء رحمهم الله يستعملون القياس دائماً فيما يمكن فيه استعمال النص فهنا لو قال يشترط لصحة البيع معرفة الثمن لأن جهله غرر وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه نهى عن بيع الغرر) كانت ثبوت العلم بالثمن بالنص وهذا أولى ونقول هذا لا اعتراضاً على الفقهاء لأن الفقهاء رحمهم الله يريدون من طالب العلم أن يكون عنده قدرة على إلحاق الأشياء بنظائرها لكني أقول من حيث الاستعمال لا شك أننا إذا اعتمدنا على الدليل الأثري أولى ثم نلحقه بالدليل النظري لأن الدليل الأثري يوجب للإنسان منافع كثيرة منها الرجوع إلى الأصل وهو الدليل من الكتاب والسنة ومنها الطمأنينة لأن الإنسان يطمئن ويرى أن له حجة عند الله عز وجل إذا عمل بهذا ومنها أنه لا يمكن لأحد أن يعارض لأنك إذا استعملت القياس فربما ينازعك منازع ويقول لا أوافق على القياس ومنها محبة الله ورسوله لأنك تشعر بأنك تابع للكتاب والسنة وهذا يؤدي إلى محبتك لله ورسوله لأن الله شرع لك هذا ولأن الرسول شرع لك هذا فتزداد محبتك لله ورسوله فلذلك أوصيكم بالاعتماد ما استطعتم على النصوص من الكتاب والسنة وإذا لم تجدوا ماء فتيمموا أي اذهبوا إلى القياس وهذا هو الذي ضر كثيراً من العلماء رحمهم الله أنهم رجعوا إلى القياس فتناقضوا في كثير من المسائل ولهذا يسمون أهل الرأي لأنهم لا تكاد تجد في مؤلفاتهم الاعتماد على الأدلة وعكسهم الظاهرية الذين لم يلتفتوا إلي المعقول إطلاقاً ولكنهم متناقضون لأنهم أحياناً يرجعون إلي القياس وعلى كل حال ليس هذا موطن بحث هذه المسألة والقصد أنه متى ما وجد النص فلا يُعدل به شيء واستعمال النص في هذه المسألة سهل جداً (نهى عن بيع الغرر) والثمن إذا كان مجهولاً فهو غرر وانتهينا.
القارئ: وإن باعه بثمن مطلق في موضع فيه نقد معين انصرف إليه وإن لم يكن فيه نقد معين لم يصح لجهالته.
الشيخ: هذه المسالة لا تقع في الوقت الحاضر فيما أعلم يعني أن يكون في بلد ما نقدان متساويان ويستعملهم الناس على السواء فهنا إذا قدرنا أن هناك دراهم مثلاً تبع السعودية ودراهم تبعٌ لبلد آخر وهي رائجة في البلد على السواء وقلت بعتك بدرهم لا يصح لأنه لا يدري أي الدرهمين المقصود لكن إذا كان من المعروف أن الرائج والأكثر هو الدرهم الفلاني صح ويحمل المطلق عليه.
القارئ: وإن باعه سلعة برقمها أو بما باع به فلان وهما لا يعلمان ذلك أو أحدهما أو بما ينقطع به السعر لم يصح لأنه مجهول.
الشيخ: هذه المسألة مما اختلف فيها العلماء إذا قال الزبون للتجار بكم هذه السلعة قال التاجر مكتوبٌ عليها الثمن فربما يكون التاجر لا يعرف عنها شيئاً والمشتري أيضاً لا يعرف يقول المؤلف أنه لا يصح البيع والحقيقة أن هذا أولى بالصحة مما إذا قدره البائع لأن المقدَّرَ هنا مقدَّر إما من قِبَل الدولة وإما من قِبَل الشركة فهو مقدر بثمن يشترك فيه الناس كلهم فالصواب أنه إذا باعها برقمها فالبيع صحيح وأنه أولى بالصحة من تعيين البائع الثمن وذلك لأن البائع قد يزيد في الثمن والمشتري لا يدري والمسألة الثانية إذا قال بعتك بما باع به فلان يقول المؤلف لا يصح وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون فلان من العمداء المعتمدين في السوق أو غيرهم من الناس والصواب أنه يصح إذا كان فلان ممن عرف في السوق واعتمد لأن بعض التجار يكون عمدة عند الناس لأنه يعرف الأثمان ويقدر الأشياء بأثمانها والناس ينتابونه ويشترون منه كثيراً فإذا قلت أنا لا أعرف السلع ولا أعرف ثمنها لكن اذهب واسأل فلان فالذي يبيع به فهي لك به يقول المؤلف أنه لا يصح والصواب أنه يصح إذا كان فلان ممن عرف بأنه عمدة وأن الناس ينتابونه وأن أسعاره معتبرة أما لو قال اذهب إلى فلان وأسأله هذا ما يصح لأننا لا ندري ماذا يقدرها به فلان وفلان هذا ليس معروفاً بين الناس وليس عمدة في البيع والشراء أما إذا كان عمدة فالصواب أنه يصح وقول المؤلف (بما ينقطع به السعر) يعني إذا قال البائع للمشتري اذهب وأعرض هذه السلعة في السوق ونادي عليها بالمزيادة فإذا وقفت على سعر ما فهي لك به يقول المؤلف لا يصح لكن نقول هنا أيما أشد غرراً وجهالة أن يقول هي بمائة وربما لا يدري البائع والمشتري عن الثمن أو إذا قال البائع للمشتري اذهب وأعطها من ينادي عليها فإذا أنقطع السعر فهي لك أيهما أقرب إلى موافقة الحقيقة في الثمن؟ الجواب الثاني بلا شك وحينئذ نقول إذا باعه بما ينقطع به السعر
فالصواب أن ذلك جائز إذا قال قائل ربما تكون الأشياء رخصة والبائع يظنها باقية على سعرها الأول فيندم البائع؟ نقول البائع بائع على كل حال ولن يبيع بأكثر من سعر الناس إلا إذا أراد الغش والخداع وإلا فالناس في السوق ولم يمنعوا من المزايدة
كذلك بالعكس لو أن المشتري ظن أنها رخيصة ولكن الأسعار زادت وزاد فيها الناس حتى رَبَت فالمشتري حينئذ سوف يندم لأنه زاد عليه السعر فنقول هو أي المشتري شاري بأي ثمن لأنه يريد أن يدفع حاجته فإذا كان كذلك فإن البائع لم يزد عليه عما في السوق حتى لو ذهب إلى السوق ولم يجد إلا بهذا الثمن فالصواب أنه جائز لكن في مثل هذه الحالة نقول تطييباً للقلوب وإزالةً للضغائن يقول البائع للمشتري إذا أنقطع السعر فأنت بالخيار إن شئت خذها وإن شئت أتركها وكذلك بالنسبة للبائع يقول المشتري للبائع إذا أنقطع السعر فأنت أيضاً بالخيار فحينئذ يحصل المقصود للطرفين ويكون كل واحد منهما وعد الآخر بأخذها.
القارئ: وإن قال بعتك بألف درهم ذهباً وفضة لم يصح لأنه لم يبين القدر من كل واحد منهما.
الشيخ: هذه المسألة فيها تفصيل إذا كان سعر الذهب والفضة واحداً وقال بعتك بمائة ذهباً وفضة نحمل الكلام الآن على المناصفة لأنه قال ذهب وفضة فالعدل أن نجعلهما خمسين من الدنانير وخمسين من من الدراهم والسعر معروف وهو خمسين دينار يعني خمسمائة درهم فيكون الثمن خمسمائة وخمسين درهماً لكن نصفها ذهب فهذا ليس فيه جهالة في الواقع أما إذا كان سعر الذهب يختلف كما هو المعهود الآن فهنا لا يصح أن يقول بعتك بمائة ذهباً وفضة لأن هذا فيه جهالة عظيمة قد يقدر أن قيمة الدينار عشرة فإذا هو بعشرين أو يقدر عشرة فإذا هو بخمسة.
القارئ: وإن باعه بعشرة نقدا أو بخمسة عشرا نسيئة أو بعشرة صححا أو بعشرين مكسرة لم يصح لم يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيعتين في بيعة) حديث صحيح ولأنه لم يعقد على ثمن بعينه أشبه إذا قال بعتك أحد هذين العبدين.
الشيخ: والصواب الصحة إذا قال بعتك هذا الشيء بعشرة نقداً ويسميها مقلدوا الناس بعضهم ببعضاً يسمونها كاشاً ولا أدري كلمة كاش هل هي لغة عربية أو أجنبية وعلى كل حال أقول استعمال كلمة نقد أحسن من استعمال كلمة كاش لأنها هي لغة الفقهاء وهي اللغة العربية وكوننا نجاري الناس لا ينبغي إلا إذا قال العامي ما معنى نقد فحينئذ نقول له كاش ويكون ذلك ترجمة والترجمة جائزة وعلى كل حال إذا قال بعتك هذا الكتاب بعشرة نقداً أو عشرين نسيئة فقال المشتري قبلت يقول المؤلف أنه لا يصح ويفسر هذا بأنه بيعتين في بيعة والصحيح أنه لا ينطبق عليه الحديث إطلاقاً ولا يدل عليه الحديث لأن هذا بيعة واحدة بثمنين مُخيَّر بينهما فلا يوجد بيعتان في بيعة فالبائع يقول بعشرة نقداً أو عشرين نسيئة وأخذ المشتري العشرة فليس هناك جهالة فهما لم يتفرقا إلا وقد عُيِّن الثمن ولو قال البائع بعشرة نقداً أو عشرين نسيئة فأخذه المشتري بعشرين نسيئة ذهب فليس في ذلك شيء ولو قال البائع خذه بعشرة نقداً ولك إلى
الغد وفي الليل جاء المشتري بالعشرة فإنه يصح على القول الراجح وإذا مضى اليومان لزمه بعشرين فالصواب أنه صحيح وأنه لا يدخل في بيعتين في بيعة وأن هذا بيعة واحدة بثمنين مُخيَّر بينهما.
القارئ: ويتخرج أنه يصح بناءاً على قوله في الإجارة وقيل معنى (بيعتين في بيعة) أن يقول بعتك هذا بمائة على أن تبيعني دارك بألف أو على أن تصرفها لي بذهب وأيّاً ما كان فهو غير صحيح.
الشيخ: هذه المسألة فيها خلاف إذا قال بعتك بيتي هذا بشرط أن تبيعني بيتك يقول المؤلف لا يجوز لأنه بيعتان في بيعة وهذا أقرب من الأول أن يكون بيعتين في بيعة لأنك تقول بعت عليك بشرط أن تبيع عليَّ فهاتان بيعتان في بيعة ولكن الصحيح أنه جائز إلا إذا كان حيلة على الربا بأن قال أقرضك مثلاً عشرين ألفاً بشرط أن تبيع عليَّ دارك هذا لا يجوز لأنه قرض جرا نفعاً وكذلك أيضاً إذا تضمن ربا مثل أن يقول أبيع عليك ذهباً مصنوعاً صناعة جديدة على أن تبيع علي ذهبك المصنوع صناعة قديمة وبينهما اختلاف في الميزان فهذا أيضاً لا يصح لأن فيه ربا فضل فالصواب أن اشتراط عقد في عقد جائز ما لم يتضمن محرماً من ربا أو جهالة إذاً كلا المعنيين لا يدخلان في معنى بيعتين في بيعة فما هي (بيعتان في بيعة)؟ نقول فسرها الرسول عليه الصلاة والسلام وليس لنا أن نتجاوز ما فسره لأنه هو المتكلم هو الذي نهى عن بيعتين في بيعة وهو الذي فسرها لنا فقال (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) وقوله (أوكسهما) يعني أنقصهما أو (الربا) يعني إما أن يأخذ بالناقص ولا يكون عليه شيء فهو حلال أو الربا فالرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بيّن وفصّل أن بيعتين في بيعة إما أن يأخذ بأنقصهما فيكون حلالاً وإما أن يأخذ بأكثرهما فيكون ربا فلا نتعداه وكيف يكون ذلك؟ أن أبيعك بيتي بمائة ألف إلي سنة فهذه بيعة تامة ثم رجعت إليك فأخذته منك بثمانين نقداً وأعطيتك ثمانين فهذه بيعة فهاتان بيعتان الأولى والثانية وقوله (في بيعه) أي في مبيع فيحمل قوله (في بيعه) أن معناه في مبيع فالمبيع الآن واحد وورد عليه عقدان أول وثان فإن أخذ البائع بالأول فهو الربا وإن أخذ بالثاني فهو أوكسهما وليس بربا وتوضيحاً للمثال بعتك هذا البيت بمائة ألف ريال لمدة سنة ثم أخذته منك بثمانين ألفاً نقداً وأعطيتك ثمانين فالآن أعطيتك ثمانين وفي ذمتك لي مائة ألف فهذا ربا وحقيقة الأمر أن
هذا البيع يراد به إعطاء ثمانين بمائة فإن قلت اشتريته منك بثمانين ولا شيء لي عندك فهنا أخذت بأوكسهما وليس في ذلك شيء عليه نقول إن البيعتين في بيعة المنهي عنهما هما مسألة العينة كما فسرها بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكما هو صريح الحديث (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا).
السائل: يقولون في نفس الحديث أن الذي يقول بع هذا بعشرة نقداً أو بعشرين نسيئة أنه باع العشرة والسلعة هذه لا تجاوز ثمنها عشرة دراهم فعشرة دراهم هذه باعها بعشرين كأنه أربا؟
الشيخ: أنت لم تبع العشرة لأنك ما أخذتها بعشرة ثم عدت وقلت اجعلها مؤجلة بعشرين لكن لو أخذت بعشرة ثم أنقطع الخيار ثم بعد ذلك رجعت وقلت أنا أخذتها منك بعشرة ظناً مني أني أدركت اليوم عشرة لكن لم أدرك اجعلها عشرين إلى سنة فهذا حرام لأنه أستقر عليك الثمن بعشرة فلا يجوز أن تجعله عشرين في مقابل الآجل لكن نقول من الأصل أنا ما أخذتها بعشرة أنا خُيِّرتُ بين ثمنين وأخذت بالعشرة ومسائل الخلاف يجب على الإنسان أن يتحرى فيها الدقة فلا يأخذ الشيء مسلّماً كما مر علينا في مسائل كثيرة في البيع كالبيع بما يبيع الناس والبيع بالرقم البيع والبيع كما يبيع فلان المشهور المعتمد فكل هذه المسائل يقول المؤلف لا يصح وإذا تأملت وجدت أنها أولى بالصحة من الثمن المقطوع من جانب البائع.
القارئ: وإن باع بثمن معين تعين لأنه عوض فتعين بالتعيين كالمبيع فعلى هذا إن وجده مغصوباً بطل العقد وإن وجده معيباً فرده أنفسخ العقد لرد المعقود عليه فأشبه رد المبيع وعن أحمد أن الثمن لا يتعين إلا بالقبض فتنعكس هذه الأحكام.
الشيخ: الثمن يتعين بالتعيين كما يتعين المبيع فإذا قلت مثلاً لشخص أعطني بالعشرة هذه التي يدي دفاتر مثلاً فالآن الورقة التي بيدي تتعين ولا أستطيع أن أبدلها لأن العقد وقع عليها بعينها فالنقد يتعين بالتعيين كما يتعين المبيع وهذه الرواية هي المذهب وهي الصحيحة وقيل أن الثمن لا يتعين بالتعيين وأن للمشتري الذي عين الثمن أن يبدله ويغيره لأن الثمن الذي هو النقد الدراهم والفضة مثلاً لا يُرَاد أعيانها ولا يهتم إذا سقطت الورقة النقدية فأخذها وأعطاه ورقة أخرى لا يهتم بهذا لأن الثمن واحد فلذلك أختلف العلماء هل تتعين بالتعيين أولا وهذا فيما إذا كان الثمن نقداً يعني دراهم أو فضة أما إذا كان الثمن عيناً فلا شك أنه يتعين بالتعيين رواية واحدة مثل أن أقول اشتريت سيارتك بهذه السيارة فهنا الثمن سيارة وفي عين فتتعين بذاتها ولا إشكال فيه ولهذا نقول الفرق بين الثمن والمثمن ما دخلت عليه الباء فهو الثمن هذه القاعدة ما دخلت عليه الباء فهو الثمن مثلاً اشتريت منك سيارة بهذه السيارة فالثمن هنا السيارة الثانية ولو قلت اشتريت منك العشرة دراهم التي بيدك بهذا الكتاب فالكتاب هنا هو الثمن ولأنه هو الذي دخلت عليه الباء فكل ما دخلت عليه الباء فهو الثمن ويتعين الثمن بالتعيين كما يتعين المثمن وهذا كلام المؤلف رحمه الله، ثم قال المؤلف (فعلى هذا إن وجده مغصوباً بطل العقد) يعني إن وجد الثمن الذي عينه مغصوباً بطل العقد لأنه وقع على مالا يملكه المشتري ومعنى مغصوباً يعني أن المشتري غصب هذا الثمن مثلاً غصب عشرة ريالات وجاء بها إلي وأشترى بها مني حاجة وعينها عند العقد فتبين أنها مغصوبة يقول المؤلف يبطل البيع لأن المشتري لا يملكها ثم قال المؤلف (وإن وجده معيباً فرده أنفسخ العقد) يعني إن
وجد البائع أن هذا الثمن معيباً فمثلاً وجد الورقة النقدية مزيفة أو مشققة ثم ردها فإنه ينفسخ العقد ثم قال المؤلف (وعن أحمد أن الثمن لا يتعين إلا بالقبض فتنعكس الأحكام) معناه إذا قلنا أن الثمن لا يتعين بالتعين فقال المشتري للبائع اشتريت منك هذا الكتاب بهذه الدراهم التي بيدي ثم تم البيع وأخذ البائع الثمن وتبين أن الثمن مغصوب أو مسروق فالعقد على هذا القول صحيح ويلزم المشتري بعوضه يعني بأن يعطي البائع عشرة أخرى من عنده وكذلك إذا وجد البائع بعد إن استلم الثمن المعين وجده معيباً ثم رده للمشتري فإنه لا يبطل ويلزم المشتري بدله.
القارئ: وإن باعه بثمن في الذمة لم يتعين فإذا قبضه فوجده مغصوباً لم يبطل العقد وإن رده لم ينفسخ لأن الثمن في الذمة.
الشيخ: قوله (بثمن في الذمة) لا يلزم أن يكون مؤجلاً فإذا قلت اشتريت منك كتاباً بعشرة ريالات والريالات معي في جيبي وبعد أن تم البيع أخرجت من جيبي عشرة وأعطيتك إياها فهذا ثمن في الذمة لأن العشرة التي في جيبي عند العقد لم تعين فتكون في الذمة فلا يلزم من كلمة الذمة أن يكون الثمن مؤجلاً.
فصل القارئ: ولا يجوز بيع الملامسة والمنابذة لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيعتين الملامسة والمنابذة) والمنابذة أن يقول إذا نبذة إليَّ هذا الثوب فقد وجب البيع والملامسة أن يمسه بيده ولا ينشره متفق عليه ولأنه إذا علق البيع على نبذ الثوب ولمسه فقد علقه على شرط وهو غير جائز.
الشيخ: الملامسة والمنابذة ثبت النهي عنها وكما ذكر المؤلف مثالها ليس فيها ملامسة من الجانبين فاللمس من جانب واحد بأن يقول أيُّ ثوب تلمسه فهو عليك بكذا فهذا لا يصح لأن فيه غرر وجهالة فربما يلمس ثوباً يساوي مائة أو ثوباً يساوي عشرة فهو مجهول وبناءاً على ذلك لو كانت الثياب مستوية القيمة لا يختلف أحدها عن الآخر فإن ذلك جائز فإذا قال قائل الحديث عام؟ قلنا إن السنة يفسر بعضها بعضاً وحديث أبي هريرة (نهى عن بيع الغرر) يدل بمفهومه على أن كل بيع لا غرر فيه فهو جائز فيحمل النهي عن الملامسة عن ملامسة فيها غرر، ولو أننا أبقينا كل نص على عمومه لتناقضت السنة بل يخص عموم السنة بما يخصها نعم وأما المنابذة فمثالها لو قال أيُّ ثوب تنبذه عليَّ فهو بمائة فهذا لا يصح ومعنى تنبذه أي ترمي به عليَّ فلا يصح لأنه ربما يرمي عليه ثوباً يساوي خمسة ريالات أو عشرة وهو يريده بمائة وربما يخطئ فيرمي عليه ثوباً يساوي مائتين ففيه جهالة لكن نجد الآن في بعض الدكاكين يقولون كل شيء بثلاثة ريالات هل هو من هذا النوع؟ لا لأنه لا يمكن أن يجد ما يساوي أكثر من ثلاثة ريالات كأنهم يقولون كل الذي في الدكان لا يوجد شيء يساوي أكثر من ثلاثة ريالات فلا توجد جهالة والإنسان يختار ما شاء
ويشبه هذا ما ذكرناه من قبل أن يقول البائع للمشتري مثلاً أدخل في قطيع الغنم وخذ منه ما شئت بمائة ريال والبائع يدري أنه لا يمكن أن تزيد الواحدة عن مائة ريال فهذا لا بأس به لعدم وجود الجهالة.
القارئ: وإذا باعه قبل نشره فقد باعه مجهولا فيكون غررا.
الشيخ: هذا صحيح وأما مسألة تعليق البيع بالشرط فليس به بأس مادام الشرط معلوماً مثل أن يقول بعت عليك سيارتي بعشرة آلاف إن رضي أبي ثم ذهب إلى الأب فقال رضيت فالبيع صحيح لأن هذا ليس بربا ولا ظلم ولا غرر.
القارئ: ولا يجوز بيع الحصاة لما روى أبو هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة) رواه مسلم وهو أن يقول ارمِ هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا وقيل هو أن يقول بعتك من هذه الضيعة بقدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا وكذا وكلاهما غير صحيح لأنه غرر.
الشيخ: بيع الحصاة سواء فُسر بهذا أو هذا فهو بيع مجهول مثل أن يكون دكان فيه أنواع من البضائع فقال البائع للمشتري ارمِ حصاة على هذه البضائع أي بضاعة تقع عليها الحصاة فهو بكذا فهذا لا يجوز لأنه مجهول لكليهما أما البائع فظاهر لأنه لا يدري ماذا يصوب المشتري الحصاة إليه وأما المشتري فقد يخطئ أحياناً يرمي الإنسان الحصاة يريد هدفاً معين ثم تصيب غيره إذاً هو مجهول لهذا ولهذا فلذلك نهي عنه لما فيه من الغرر وكذلك أيضاً الحصاة من الضيعة الضيعة مثل البستان أو الأرض أو ما أشبه ذلك قال البائع للمشتري خذ الحصاة هذه وارمها والمدى الذي تصل إليه فهو عليك بكذا فلا يجوز لأنه غرر حتى لو كان المشتري يعرف من نفسه أنه رجل قوي وأنه إذا رمى الحصاة ستبلغ ثلاثمائة متر مثلاً فلا يصح لأنه وإن كان هذا ظنه بنفسه لكن ربما تخلل يده عند الرمي أو ربما يقابلها ريح شديدة تردها عما أراد أو أي سبب من الأسباب ففيه جهالة فهو للبائع قطعاً مجهول وللمشتري الغالب أنه مجهول لأنه لا يستطيع أن يحدد مدى ما تصل إليه الحصاة إذا رمى بها وكل هذه الأشياء التي جاء بها الحديث كلها في الحقيقة عبارة عن أمثلة للقاعدة العامة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع الغرر).
السائل: شخص أراد شراء شيء بمائة درهم مثلاً ثم تذكر أن معه صرف في جيبه بعد أن عين هذه الدراهم فردها مرة أخرى بعد إن أستلم المبيع ثم أعطى البائع من الصرف الذي في جيبه؟
الشيخ: هذا ينبني على الروايتين إن قلنا إنها تتعين بالتعيين فإنه لا يملك أن يبدلها وإن قلنا لا تتعين ملك ذلك.
السائل: إذا كان الثمن بعد الرمي يعني يقول المشتري لصاحبه سأرمي هذه الحجر فإذا بلغ المحل الفلاني أبيعه مثلاً بمائة.
الشيخ: هذا ما في مانع إذا كان العقد بعد الرمي لكن لا أحد يفعل هذا إلا أنه فيه خبل لأنه كيف سيجعل الحصاة هي التي تعين ما يريد.
السائل: في بعض البضائع تكون مغلفة محطوطة في كيس أو كرتون وإذا فتحت الكرتون يجب أن تدفع قيمتها ويكون اسم البضاعة مكتوب بالخارج؟
الشيخ: لو تغيرت عما كتب عليها في الكرتون أرجعتها.
السائل: بعض الكتب تجيء مغلفة ما ندري ما اسم الكتاب أو المادة التي فيه؟
الشيخ: لا هذا ما يصلح إذا صرت ما تدري ماذا يوجد في الكتاب لكن لابد أن تعرف مثلاً أنه كتاب سبل السلام شرح بلوغ المرام ومغلف فهذا إذا اختلف فلك رده لأنه عين.
القارئ: ولا يجوز بيع حبل الحبلة لما روى ابن عمر قال (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة) متفق عليه، قال أبو عبيد هو بيع ما يلد حمل الناقة وقيل هو بيع السلعة بمثن إلى أن يلد حمل الناقة وكلاهما لا يجوز لأنه على التفسير الأول بيع معدوم مجهول وعلى الثاني بيع الثاني بثمن إلى أجل مجهول.
الشيخ: هذا واضح بيع حبل الحبلة له تفسيران الأول أن يبيعه ولد حمل هذه الناقة فهذا لا يجوز لأنه معدوم ومجهول قد تلد ناقة وقد لا تلد قد تلد جملاً ولأن الناقة قد تموت وقد تحيا وقد تلد اثنين أو ثلاثة فالمهم أنه لا يجوز لأنه مجهول معدوم أو قال بعتك هذا بثمن إلى أن يلد حمل الناقة فهذا أيضاً لا يجوز لأننا لا ندري متى تلد فهو أشد جهالة وكذلك لو قال إلى أن تلد الناقة فلا يجوز لأن الثمن مؤجل بأجل مجهول وهذا يؤدي إلى النزاع والاختلاف أما لو قال اشتريت منك هذا الثوب إلى ميسرة حتى يرزقني الله فإنه يجوز لأن قوله حتى يرزقني الله إنما هو تأكيد إذ أنه لا يلزمه أن يسلم الثمن إلا إذا رزقه الله مادام البائع يعلم أنه فقير فإن مقتضى العقد ألا يطالبه بالثمن إلا إذا رزقه الله فيكون هذا الشرط تأكيداً ولهذا قالت عائشة (يا رسول الله إن فلان قَدِم له بَزٌّ من الشام فلو بعثت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى ميسرة) فأرسل إليه النبي عليه الصلاة والسلام ولكنه لم يقبل وامتنع أن يبيعه لأنه يريد أن يأخذ الثمن ويرجع إلى أهله.
القارئ: ولا يجوز تعليق البيع على شرط مستقبل كمجيء المطر وقدوم زيد وطلوع الشمس لأنه غرر.
الشيخ: الصواب في هذا التفصيل إذا علق البيع على شرط مستقبل فإن كان معلوماً فلا بأس وإن كان مجهولاً فلا والمؤلف مثَّل بأمثلة يقول كمجيء المطر وهذا غير معلوم وكذلك قدوم زيد غير معلوم أما طلوع الشمس فهو معلوم وعلى هذا فإذا وقته بطلوع الشمس فلا بأس لأنه معلوم والتعليق لا يؤدي إلى الجهالة فإذا قال قائل ماذا تقولون لو تلف المبيع فيما بين هذا العقد وبين طلوع الشمس؟ نقول لو تلف فإنه على ضمان البائع لأن العقد معلق بطلوع الشمس فيبقى في يد المشتري أمانة لا يلزمه الضمان.
القارئ: ولأنه عقد معاوضة فلم يجوز تعليقه على شرط مستقبل كالنكاح.
الشيخ: هنا قاس شيئاً مختلف فيه على مختلف فيه فالنكاح من قال أنه لا يصح إذا كان معلقاً فهو قياس على قياس مختلف فيه وهذا لا ينفع لأن من شرط القياس اتفاق الخصمين على حكم الأصل وهذا له أمثلة عند الفقهاء رحمهم الله منها مثلاً قالوا لا يجوز رمي الجمرات بحصى قد رُمي به كما لا يجوز استعمال الماء إذا استعمل في طهارة واجبة فالمذهب إذا استعمل الماء في طهارة واجبة فإنه يكون طاهر غير مطهر فيقولون إذا رَمى بحصاة رُمي بها فإنه لا يصح الرمي قياساً على ما إذا توضأ بماء قد توضئ به فنقول نحن لا نسلم بالأصل الذي قستم عليه وإذا لم نسلم بالأصل لم نسلم بالمقيس ولذلك كان الصحيح أنه يجوز للإنسان أن يرمي الجمرات بحصاة رمي بها لأنها حصاة وقد أورد بعض العلماء على هذا أنه إذا قلتم بهذا القول لزم من قولكم أن يكفي الحجاج حصاة واحدة؟ نقول نحن ملتزمون دع الحاج يأخذ الحصاة ويرميها سبعة مرات عن نفسه ويجئ آخر نفسه كذلك والحجاج مليونين مثلاً لكن هذا إلزام بأشياء لا يمكن أن تكون ولكن نحن نلتزم وماذا يضر وعلى كل حال هذا جاء استطراداً ونقول إن القياس يشترط فيه ثبوت الأصل عند الخصم الذي تريد أن تحتج عليه أما فإذا أنكر الأصل فكيف تقيس عليه ما هو فرعه.
فصل القارئ: ولا يجوز بيع العنب والعصير لمن يتخذه خمرا ولا السلاح لأهل الحرب أو لمن يقاتل به في الفتنة ولا الأقداح لمن يشرب فيها الخمر لأنه معونة على المعصية فلم يجوز كإيجاره داره لبيع الخمر.
الشيخ: لو قال لأنه معونة على المعصية وقد قال الله تعالى (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) أما (فلم يجز كإيجار داره) فعدل إلى القياس مع وجود النص وهذا تقصير في الاستدلال فالواجب إذا وجد النص ألا نعدل عنه وأن نستدل به وعلى كل حال كل شيء علمت أنه يراد به فعل محرم فلا يجوز لك بيعه فإن قلت أنا لا أدري؟ قلنا ما الذي يغلب على ظنك لأنه أحياناً لا يدري الإنسان مائة بالمائة فنقول إذا غلب على ظنك أن هذا الرجل إنما اشترى هذا الشيء للمعصية حَرُمَ عليك البيع فإن ترددت فالأصل الحل وإن غلب على ظنك أنه اشتراها لمباح فهو حلال.
القارئ: ولا يجوز بيع العبد المسلم لكافر لأنه يمنع من استدامة ملكه عليه فلم يصح عقده عليه كالنكاح.
الشيخ: استثنى بعض العلماء من ذلك من يعتق عليه أي يعتق على الكافر فإنه إذا باع العبد على كافر يعتق عليه بالشراء فلا بأس لأن هذا من مصلحة العبد والذي يعتق عليه بالشراء هو إما أنه ذو رحم منه وإما أنه قد علق عتقه بملكه إياه على القول بجواز تعليق العتق بالملك ومثال الأول أن تبيع شخص كافر عبداً مسلماً والعبد أخ لهذا الكافر فهنا إذا بعته عليه فبمجرد ما يقول قبلت يعتق وحينئذ لا ضرر على العبد بل في بيعه فائدة وهي عتقه ومثال الثاني أن يقول الكافر إن اشتريت فلاناً فهو حر فهنا يجوز بيعه عليه لأنه بمجرد شرائه يعتق عليه.
القارئ: فإن أسلم في يده أو في يد موروثه ثم انتقل إليه بالإرث أجبر على إزالة ملكه عنه لأن في تركه في ملكه صغارا فإن باعه أو وهبه لمسلم أو أعتقه جاز وإن كاتبه ففيه وجهان أحدهما يجوز لأنه يصير كالخارج عن ملكه في التصرفات والثاني لا يجوز لأنه يزيل الملك فلم يقبل كالتزويج.
الشيخ: وهذا هو الصحيح أن المكاتبة لا تكفي لأنه ربما يعجز الرقيق عن الوفاء وحينئذ يعود إلى الرق فلا فائدة منها فالصواب إذا قال أنا أكاتبه قلنا لا بل يجب أن تزيل ملكك عنه فوراً إما ببيع أو هبة أو غيرهما.
القارئ: وإن ابتاع الكافر مسلماً يعتق عليه بالشراء ففيه روايتان أحدهما لا يصح لأنه عقد يملك به المسلم والثانية يجوز لأن ملكه يزول حال ثبوته فلا يحصل به صغار وإن حصل فقد حصل له من الكمال بالحرية فوق ما لحقه برق لحظة وإن قال الكافر لمسلم أعتق عبدك عني وعليَّ ثمنه ففيه وجهان بناءاً على ما ذكرناه لأنه بقدر بيعه للكافر وتوكيل البائع في عتقه.
الشيخ: العبارة عندي (لأنه يُقَدَّر بيعه) والعبارة غير واضحة وعلى كل حال كما قلنا إذا قال أعتق عبدك عني وعليَّ ثمنه فقال المسلم لعبده المسلم أنت حر عن فلان الكافر فهذا لا يضره شيئاً وليس فيه صغار بل فيه مصلحة.
فصل القارئ: ولا يجوز أن يُفَرَّق في البيع بين ذوي رحم محرم قبل البلوغ لما روى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من فَرَّقَ بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) حديث حسن وعن علي رضي الله عنه قال وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين أخوين فبعت أحدهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما فعل غلامك) فأخبرته فقال (رده رده) رواه الترمذي وقال حديث حسن، فإن فرق بينهما فالبيع باطل رضيت الأم ذلك أم كرهته نص عليه لأنه فيه إسقاطاً لحق الولد وهل يجوز التفريق بينهما بعد البلوغ فيه روايتان أحدهما لا يجوز لعموم الخبر والثانية يجوز لأن سلمة بن الأكوع أتى أبا بكر الصديق رضي الله عنه بامرأة وأبنتها في غزوة فنفله أبو بكر ابنتها ثم استوهبها النبي صلى الله عليه وسلم من سلمة فوهبها له رواه مسلم وهذا تفريق ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت له أختان مارية وسيرين فأمسك مارية ووهب أختها لحسان بن ثابت.
فصل
القارئ: ولا يجوز أن يبيع عيناً لا يملكها ليمضي ويشتريها ويسلمها لما روى حكيم بن حزام أنه قال لنبي صلى الله عليه وسلم إن الرجل يأتي لي يلتمس من البيع ما ليس عندي فأمضي إلى السوق فأشتريه ثم أبيعه منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تبع ما ليس عندك) حديث صحيح ولأنه بيع مالا يقدر على تسلميه أشبه بيع الطير في الهواء.
الشيخ: هذه المسألة وهي بيع مالا يملك تنقسم إلى قسمين الأول أن يبيع عليه عيناً معينة ثم يذهب ويشتريها فهذه لا إشكال في تحريمها لأنه لا يقدر على ذلك مثل أن يأتي إنسان ويقول أنا قد أعجبتني دار فلان فقال له البائع اشتراه مني وهو لايملكه فاشتراه منه ثم ذهب البائع الذي لايملك الدار واشتراها من صاحبها فهذا لا يصح لأنه وقع العقد على ما لايملك وهذا لا إشكال فيه لكن إذا باع عليه موصوفاً بأن قال بعني السلعة الفلانية وهي ليست عنده لكن البائع أضمر أنه سيشتريها مثل أن يأتي إليه المشتري يقول أنا أريد منك صحيح البخاري وهو ليس عند البائع فباعه عليه وذهب البائع واشتراه من المكتبة وأعطاه المشتري فهذا ظاهر حديث حكيم أنه لا يجوز لأنه باع ما لم يملك ولكن هذا يشكل عليه مسألة السَّلم فالسَّلم كان الصحابة يبيع الإنسان التمر أو نحوه ويأخذ الدراهم ولكنه مؤجل فيقول البائع للمشتري
أعطني ألف ريال بألف كيلو تمر مثلاً بعد ستة أشهر فهذا جائز وهو السَّلم الذي كان الصحابة يفعلونه وهنا المُسْلَم إليه باع ما ليس في ملكه وبعض العلماء فرق وقال إن السَّلم مؤجل وهذا حال والسَّلم الحال لا يصح وهذا واضح إذا قلنا بأن السَّلم الحال لا يصح لكن على القول بأن السَّلَم يصح ولو حالاً يبقى الإشكال وتَخلُّصاً من هذا كله أن نقول عِدْهُ ولا تبيع عليه ولا تعقد معه بل قل أنا آتي لك بصحيح البخاري بعد العصر مثلاً وإذا أتيت به عقدنا البيع فهذا لا بأس به ولا حرج فيه لكن المشكل أن يعقد البيع لأنه قد يعجز عنه فربما يقول أنا أبيع عليك البخاري بكذا ظناً منه أنه سوف يُحَصِّلُه ثم إذا ذهب إلى المكتبة قال صاحب المكتبة انتهى ما عندنا شيء وحينئذ يبقى إشكال ونزاع فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم (عن بيع ما ليس عنده) فصار بيع ما ليس عنده له صورتان الأولى أن يبيع شيئاً معيناً وهذا لا إشكال في منعه وأنه غير جائز لأنه ليس ملكاً وليس قادراً عليه إذ قد يمتنع مالكه من البيع والثانية أن يبيع عليه موصوفاً في الذمة ليس عنده ويذهب ويشتريه فهذا هو ظاهر حديث حكيم بن حزام والحديث يقول (لا تبع ما ليس عندك) ووجه النهي في هذا ليس لأنه باع ما لا يملك ذلك لأنه باع شيئاً في ذمته لكن الحكمة من النهي أنه قد يظن أنه قادر على إحضاره ثم لا يستطيع فيحصل الغرر والتغرير والنزاع والخصومة.
القارئ: فإن باع مال غيره بغير إذنه ففيه روايتان أحدهما لا يصح لذلك والثانية يصح ويقف على إجازة المالك فإن أجازه جاز وإن أبطله بطل لما روى عروة بن الجعد البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري به شاة فاشترى به شاتين ثم باع إحداهما بدينار في الطريق قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار وبالشاة فأخبرته فقال (بارك الله لك في صفقة يمينك) رواه الإمام أحمد والأثرم ولأنه عقد له مجيز حال وقوعه فوقف على إجازته كالوصية.
الشيخ: هذه المسألة يسميها العلماء تصرف الفضولي يعني أن تبيع ملك غيرك فالمشهور من المذهب أنه لا يصح حتى لو أذن له وحتى لو كنت تعلم أنه يرغب أن يبيعها فإنه لا يصح لأنك لست مالكاً ولا وكيلاً والقول الثاني أنه يصح ويقف على إجازة المالك ودليله كما ذكر المؤلف فإن عروة بن الجعد رضي الله عنه اشترى وباع أشترى شاتين وقد وُكِّلَ أن يشتري شاة واحدة وباع شاة بعد أن دخلت ملك الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأجازه النبي عليه الصلاة والسلام ولم يقل رد البيع فدل ذلك على أن تصرف الفضولي إذا وافق صاحبه فإنه ينفذ وهذا القول هو الراجح لكن المشكل إذا أبى والمشتري قد أشترى على أن الملك ملك من باع عليه وحينئذ يقع شقاق ونزاع فماذا نصنع؟ نقول إذا كان الذي باع قد آذن المشتري بأنه ملك فلان فلا عذر للمشتري لأنه دخل على بصيرة وإن لم يؤذنه فإن هذا الذي تصرف تصرفاً فضولياً يغرم ما فات على المشتري لأن المشتري قد يفوته بعض الشيء والذي نرى في هذه المسألة
أنه لا يجوز للإنسان أن يتسرع في بيع أملاك الناس لكن لو فرضنا أنك تعلم أن صاحبك الذي أنت له بمثل الأخ وأنه حريص على بيع ملكه وبعته له فإن هذا لا بأس به مثال ذلك تعلم أن صاحبك يريد بيع سيارته وأنه يرغب رغبة أكيدة فجاء إنسان واشترها منك وبعتها عليه ثم أخبرت صاحبك فقال جزاك الله خيراً أنا أرغب هذا فهذا لا بأس أن تُقدم على بيعها لأنك تعلم علم اليقين أن صاحبك سيرضى بذلك.
القارئ: وإن اشترى بعين مال غيره شيئاً بغير إذنه فهو كبيعه فإن أشترى له شيئاً بغير إذنه بثمن في ذمته ثم نقد ثمنه من مال الغير صح الشراء لأنه تصرف في ذمته لا في مال غير ويقف على إجازة المشتري له لأنه قصد الشراء له فإن أجازه لزمه وإن لم يجزه لزم من اشتراه لأنه لا يلزمه ما لم يأذن فيه والبيع صحيح ويلزم المشتري فإن باع مال غيره وهو حاضر فلم ينكر ذلك فهو كبيعه في غيبته فإن السكوت ليس بإذن فإنه محتمل كغير الإذن فلا يتعين كونه إذنا والله أعلم.
الشيخ: ولو قيل في هذه المسألة إذا باع لغيره وهو حاضر وسكت فإنه يُنظر إلى قرائن الأحوال لأنه ربما يبيع مالا لغيره وهو حاضر ويسكت لأن هذا الغير لا يحب أن يبيعه على شخص ما إما لاحترامه له وتعظيمه إياه فلا يحب أن يقع بينه وبينه عقد بيع أو لأنه قد يعتب عليه أنه يهبه إياه مثل أن يكون قريباً له جداً ويخشى إن باشر البيع أن صاحبه يعتب عليه بأن يقول لماذا لم يعطني إياه مجاناً فينبغي أن يقال في هذه المسألة إذا باع ماله وهو حاضر وسكت إن دلت القرينة على أنه راضي فالبيع صحيح وإلا فلا لأنه قد يكون حاضراً ولا يستطيع أن يتكلم أو يكون غافلاً أو ما أشبه ذلك وهذا كله بناءاً على عدم جواز تصرف الفضولي أما على القول بأنه يجوز فالمسألة واضحة أنه إذا أجاز ولو كان ساكتاً فإنه يصح.
باب بيع النجشي والتلقي وبيع الحاضر لباد
وبيعه على بيع غيره والعينة
القارئ: وهي بيوع محرمة لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا تلقوا الركبان ولا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تناجشوا ولا يبع حاضر لباد) متفق عليه ومعنى النجش أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليغتر به المشتري ويقتدي به فهو حرام لأنه خداع والشراء صحيح وعنه أنه باطل لأن النهي يقتضي الفساد والأولى أصح لأن النهي عاد إلى غير العاقد فلم يؤثر فيه وللمشتري الخيار إن غبن غبناً يخرج عن العادة سواء كان بمواطاة البائع أو لم يكن لأنه غبن للتغرير بالعاقد فأثبت الخيار كتلقي الركبان ولو قال البائع أعطيت بهذه السلعة كذا كاذبا فاشتراها المشتري لذلك فالبيع صحيح وله الخيار لما ذكرناه.
الشيخ: هذا النجش محرم كما قال المؤلف رحمه الله واستدل له بنهي النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه من العدوان على حق أخيه ثم ما هو سبب النجش؟ الجواب إما أن يكون كراهة للمشتري ويريد أن ينكد عليه وإما أن يكون محاباة للبائع لأنه صاحبه أو قريبه فيريد أن يزيد الثمن له وإما هذا وهذا يعني أنه يريد محاباة البائع ويكره المشتري فيريد أن يزيد عليه الثمن وأما من زاد وهو يريد الشراء فهذا جائز باتفاق المسلمين ومازال المسلمون يتزايدون في السلع فتعرض السلع فيقول هذا بعشرة ويقول الثاني بأحد عشر والثالث بعشرين وما أشبه ذلك فبيع المزايدة ليس فيه بأس باتفاق المسلمين ثم أنه إذا ثبت النجش فإن للمنجوش الخيار بين الإمضاء بالثمن الذي استقر عليه العقد وبين الفسخ فإن قال قائل وهل تجعلون له الأرش بمعنى أن تقولوا أمسك السلعة بثمنها المعتاد الخالي عن النجش كما قلتم في خيار العيب؟ نقول لا لا نقول بهذا بل نقول للمنجوش إما أن تمسكها بالقيمة وإما أن تردها لأن هذا ليس فوات مقصود في عين السلعة حتى نقول إنه مثل العيب بل هذا زيادة في الثمن فإما أن تأخذها به وإما أن تردها ولو قال البائع أعطيت في السلعة مائة ريال وهو كاذب؟ فإنه لا يجوز ويعتبر هذا من النجش فللمشتري الخيار ولو أن البائع قدر قيمتها بأكثر بكثير من ثمنها الحقيقي وهذا يوجد كثيراً في السباكة وغيرها فيقدر الشيء بأضعاف قيمتها والمحتاج سوف يشتري فإذا تبين أنه قد زاد فهذا نجش للمشتري الخيار ولو قال البائع اشتريتها بمائة وهو كاذب وإنما اشتراها بخمسين لكن قال بمائة من أجل أن يزيد الثمن فهذا أيضاً من النجش ولو قال البائع للمشتري هي بثمانين وهو يبيع بستين لكن جرت العادة أن الناس يماكسونه حتى ينزل من ثمنه إلى ستين فجاء رجل سليم القلب وقال للبائع بكم هذه فقال البائع بثمانين فقال المشتري خذ هذه ثمانين فهل يجوز أو لا؟ هذا لا يجوز بل نقول الواجب عليك إذا قدرت القيمة
بثمانين وأراد المشتري أن يأخذها أن تقول أصبر أنا قدرتها بثمانين وحددت الثمن بثمانين بناءاً على أنك ستماكسني كما يماكسني الناس أمَّا وأنت غير مماكس فإن قيمتها الحقيقة ستون فإذا قال البائع هكذا وقال المشتري أنا أرضى بثمانين فهذا الأمر إليه لكن كون البائع يحدد الثمن بزيادة عن القيمة بناءاً على أنه جرت العادة أنه يُماكس حتى ينزل من القيمة ثم إن هذا المشتري أخذها بما حدها به فهذا لا يجوز ولابد أن يبين البائع للمشتري أمر قيمة السلعة ومبنى المعاملات أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به فهذا الصحيح ويُذكر أن جرير بن عبد الله البجلي وهو ممن بايع الرسول عليه الصلاة والسلام على النصح لكل مسلم أنه اشترى فرساً بمائتي درهم أو دينار - الشك مني - فلما أخذه وركبه وإذا هو يساوي أكثر فرجع إلى البائع وقال إن الفرس يساوي أربعمائة فلما عاد ووجده جيداُ رجع إلى البائع وقال يساوي ستمائة حتى أوصله إلى ثمانمائة وهذا هو الذي يبارك له في بيعه وإن كان البائع الأول قد يكون عالماً بأن قيمته ثمانمائة لكنه محتاج فباعه بمائتين من أجل أن يأخذ حاجته من الدراهم لكن لا شك أن من تمام النصح إذا عرفت إن صاحبك إما مضطر وإما مغتر أن تحدد له الثمن الحقيقي.
السائل: ما الحد الأعلى فيما يأخذ البائع من الربح فأحياناً تكون بعض السلع غير موجودة في البلد الذي هو فيه فيجلبها من الخارج ويكون مثلاً اشتراها بمائة ولو قال بخمسمائة لشتراها منه الناس فما هو الحد الذي يأخذه ولا يكون عليه حرام؟
الشيخ: الواجب أن ينظر إلى قيمة هذه السلعة في السوق.
السائل: إذا لم توجد في سوق البلد الذي هو فيه؟
الشيخ: ننظر في البلد المجاور وهو يعرف والتجار يعرفون.
السائل: لكن إذا كانت السلع النادرة مثلاً من خارج البلاد؟
الشيخ: أنا أرى أن هذا من جنس المحتكر فإذا كانت السلعة لا توجد إلا عنده فإنه يبيع بما جرت به العادة من الربح ولا يحتكر لكن المشكل أن بعض الباعة يقولون إذا قدرنا الثمن بقليل قال المشتري هذا ليس بجيد وتركه وهذا يكثر في ملابس النساء فالمرأة إذا قلت لها هذا الثوب بعشرين ريال وهذه هي قيمته قالت لا هذا ليس بجيد فتذهب لدكان الثاني فإذا قال لها هذا بمائتين قالت هذا هو الطيب وأخذته وهذا واقع والآن يقولون أنهم يشترون من بلاد مجاورة كالرياض مثلاً فيشترون الثياب الثوب بعشرين ريال أو ثلاثين ريال ثم يأتون به إلى القصيم ويبعونه بثمانين ريال ويقولون نخشى أن نقول بأربعين ونكسب عشرة تقول المرأة هذا ليس بجيد وتتركه وهذه مشكلة ولكن نحن نقول لهم أنتم اتقوا الله (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ).
السائل: أحياناً يجد الشخص الناس يتزايدون في السلعة فيقول نزيد في السعر لا محاباة للبائع ولا إضرار بالمشتري أي أنه يزيد بدون غرض الشراء؟
الشيخ: هذا محرم هذا حرام عليه لأن هذا إضرار بالمسلمين فلا يجوز لابد أن يكون لك غرض صحيح إما أنك تريد السلعة بنفسها أو أنها رخيصة في نظرك حتى ارتفع سعرها وتركتها أو لأي غرض.
فصل القارئ: وتلقي الركبان أن يخرج الرجل من المصر يتلقى الجلب قبل دخوله فيشتريه فيحرم للخبر ولأنه يخدعهم ويغبنهم فأشبه النجش والشراء صحيح وعنه أنه باطل للنهي والمذهب الأول لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار) رواه مسلم والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح ولأن النهي لضرب من الخديعة أمكن استدراكها بالخيار فأشبه بيع المصراة وللبائع الخيار إن
غبن غبناً يخرج عن العادة فإن لم يغبن فلا خيار له ويحتمل أن له الخيار للخبر والأول المذهب لأنه إنما يثبت لدفع الضرر عن البائع ولا ضرر مع عدم الغبن والحديث يحمل على هذا وجعل النبي صلى الله عليه وسلم له الخيار إذا هبط السوق يفهم منه الإشارة إلى معرفته بالغبن فإن خرج لحاجة غير قصد التلقي فقال القاضي لا يجوز له الشراء لوجود معنى النهي ويحتمل الجواز لعدم دخوله في الخبر والبيع للركبان كالشراء منهم لأن النهي عن تلقيهم لدفع الغبن والشراء والبيع فيه واحد.
الشيخ: هذا أيضاً صحيح أنه يحرم تلقي الركبان ولكن ظاهر الحديث أنه لا فرق بين الركبان الذين يعرفون السعر والذين لا يعرفون طرداً للباب وإلا فيحتمل أن يقال الركبان الذين جرت العادة أنهم يجلبون السلع إلى هذا البلد وهم يعرفون أقيامها لا بأس أن يتلقاهم ولكن يقال إنه ممنوع لأننا لو قدرنا أن البائعين الذين تلقوا خارج البلد قد رضوا بالسعر بقي حق للآخرين الذين في البلد لأن الإنسان إذا تلقى الركبان واشترى منهم قبل دخول البلد حَرَمَ أهل البلد من السلع التي قد يريدها كثير من الناس ولا يستطيعون الخروج لها فصار التلقي منهياً عنه مطلقا سواء كانوا قاصدين البلد وهم يعرفون أو لا ولكن هل البيع يبطل أو يصح؟ الصواب الذي لا شك فيه أنه لا يبطل بل هو صحيح لكن للبائع أن يختار أحد الأمرين إما أن يمضي أو لا يمضي ثم ذكر المؤلف هل له الخيار سواء غبن أم لم يغبن وذكر في ذلك قولين فظاهر الحديث أن له الخيار سواء غبن أم لم يغبن ويحتمل ألا يكون له الخيار إلا إذا غبن لكن الأخذ بظاهر الحديث أولى أن للبائع الخيار فإن كان مغبوناً فليغبنه وإن كان غير مغبون فلأجل تعزير هذا المتلقي الذي تلقى مع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التلقي فيقال إن البائع له الخيار سواء غبن أم لم يغبن حتى يسد الباب على المتلقين.
فصل
القارئ: وبيع الحاضر للبادي هو أن يخرج الحاضر إلى جلَّاب السلع فيقول أنا أبيع لك فهو حرام للخبر ولأن فيه تضييقاً على المسلمين إذ لو تُرك الجالب يبيع متاعه باعه برخص فإذا تولاه الحاضر لم يبعه برخص وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله (لا يبع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) وعنه لا بأس به وحمل الخبر على أنه أختص بأول الإسلام لما كان عليهم من الضيق والمذهب الأول للخبر والمعنى.
الشيخ: المؤلف رحمه الله ذكر ما هو أخصُّ من الدليل حيث أنه خصَّ البيع بما إذا خرج الحاضر إلى البادي يعني تلقَّاه وقال أنا أبيع لك وظاهر الحديث العموم وأن الحاضر لا يبيع للبادي مطلقا فيكون الحكم أخص من الدليل.
القارئ: قال أصحابنا إنما يحرم بشروط خمسة أحدها أن يكون الحاضر قد قصد البادي ليتولى ذلك والثاني أن يكون البادي جاهلاً بالسعر لأنه إذا كان عالماً به فهو كالحاضر والثالث أن يكون قد جلب السلعة ليبيعها فإن جلبها ليدخرها فلا ضرر على الناس في بيع الحاضر له ذكر الخرقي هذه الثلاثة وذكر القاضي شرطين آخرين أن يقصد بيعها بسعر يومها ويتضرر الناس بتأخير بيعه فإذا اجتمعت هذه الشروط فالبيع باطل للنهي عنه وعنه أنه صحيح لأن النهي عنه لمعنى في غيره.
الشيخ: ننظر إلى هذه الشروط هل الحديث يؤيدها أم لا (لا يبيع حاضر لبادي دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) ربما نفهم من قوله (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) أنه يشترط أن يكون البادي جاهلاً بالسعر لأنه إذا كان عالماً فلن يبيع إلا بالسعر وحينئذ لا يحصل من ورائه كسب وكذلك ربما نأخذ الشرط أن يقصده الحاضر وأنه إذا قصده البادي فإنه لم يرد أن يبيع برخص وإذا كان كذلك فيكون كالعالم بالسعر ومازال الناس الآن على هذا تجد الرجل يأتي بسيارته مثلاً قادماً بها من خارج البلد مما فيه الخضروات أو غيرها ثم يقف بها عند الدلال ويقول بعها لي ولا يسع الناس العمل إلا بهذا ولو أن هذا الذي جاء جالباً قال له الحاضر لا أبيع لأن هذا حرام ثم ذهب لثاني قال لا أبيع ثم ذهب لثالث قال لا أبيع فهنا ربما يضطر إلى أن يبيع برخص شديد إذا لم يجد من يبيع له أو ربما يخرج إلى بلد آخر ويبيع هناك فعمل الناس الآن على خلاف ذلك والظاهر أن اشتراط أن يكون جاهلاً بالسعر وألا يقصده الحاضر الظاهر أنه يؤخذ من الحديث من التعليل وهو قوله (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض).
القارئ: فأما شراء الحاضر للبادي فصحيح لأنه لا يضيق على الناس فيه فإذا شرع ما يدفع به الضر عن أهل المصر لا يلزم شرع ما يتضرر به أهل البدو فإن الخلق في نظر الشارع على السواء.
الشيخ: المعنى أنه إذا شرع ما يدفع به الضرر عن أهل المصر وهو عدم التلقي لا يلزمه أن يشرع ما يتضرر به أهل البدو لأن الكل في نظر الشارع سواء ومعلوم أنه إذا جاء البادي وقال للحاضر اشتري لي السلعة الفلانية أنه لا ضرر لا على البادي ولا على أهل البلد.
فصل
القارئ: وأما البيع على بيع أخيه فهو أن يقول لمن أشترى شيئاً في مدة الخيار أنا أبيعك مثله بدون هذا الثمن أو أجود منه بهذا الثمن فيفسخ العقد ويشتري سلعته فيحرم للخبر ولأن فيه إفسادا وشبهاً بالنجش وإن فسخ البيع فأشترى سلعته فالشراء باطل للنهي عنه وشراؤه على شراء أخيه كبيعه على بيعه ويحتمل أن البيع صحيح لأن النهي لمعنى في غير العقد.
الشيخ: قول المؤلف (لمن أشترى شيئاً في مدة الخيار) مفهومه أنه إذا انتهى الخيار فلا بأس مثال ذلك اشترى شخص من زيد سيارة واشترط الخيار ثلاثة أيام فذهب آخر إلى زيد وقال أنا أعطيك مثل هذه السيارة بأقل فهذا حرام لأنه بإمكان المشتري الآن أن يفسخ البيع ويذهب ويشتري من الجالب الجديد فأما إذا كان قد انتهى الخيار واشترى السيارة وتفرقا من المجلس فجاء آخر وقال لو أتيت إليَّ لأعطيتك مثلها بأقل أو أحسن منها بمثل الثمن فظاهر كلام المؤلف أن ذلك جائز والحديث عام (لا يبع بعضكم على بيع بعض) فيشمل ما في زمن الخيار وما بعده لكن نعم لو طالت المدة فحينئذ لا بأس أن يأتي إلى الشخص بعد شهر أو شهرين ويقول عندي مثلها بأقل وإنما قلنا إن الحديث عام لأن بيعه على بيع أخيه بعد انتهاء مدة الخيار يوجب أن يقلق المشتري ويقول كيف غلبني البائع فربما يكون في قلبه شيء على البائع ويعتقد أنه غشه وأنه خدعه وهذا القول هو الصواب أنه يحرم سواء كان في مدة الخيار أو بعد انتهاء المدة لكن هذا إذا كان في زمن قريب أما إذا بعد الزمن واحتمل تغير الأسعار واطمأن المشتري لا بأس.
السائل: لو كان البائع ظالماً للمشتري فجاء آخر وقال للمشتري من باب النصيحة ردّ هذه السلعة وتعال أنا أعطيك أحسن منها أو ردها؟
الشيخ: هذه قد نقول إنها مصلحة للمشتري وليست للذي عرض عليه البيع يعني مثلاً لو أنه لما سأله قال اشتريت هذه السيارة بعشرين ألف وعلم علم اليقين أن البائع قد خدعه وأنها لا تساوي إلا عشرة فقال له ذلك فهذا من باب النصيحة وليس هناك ضرر ويكون الذي جنى على نفسه البائع الأول.
فصل القارئ: فأما سومه على سوم أخيه فننظر فيه فإن كان البائع أنعم للمشتري البيع بثمن معلوم حرم على غيره سومه لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يسم الرجل على سوم أخيه) رواه مسلم وإن لم ينعم له جاز سومها لما روى أنس أن رجلاً شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم الشدة والجهد فقال له (ما بقي لك شيء) قال بلى قدح وحلس فأتاه
بهما فقال (من يبتاعهما) فقال رجل أنا أبتاعهما بدرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (من يزيد على درهم) فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه قال الترمذي هذا حديث حسن ولأن فاطمة بنت قيس ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن معاوية وأبا جهم خطباها فأمرها أن تنكح أسامة متفق عليه فإن ظهرت منه أمارات الرضى من غير تصريح به فقال القاضي لا تحرم المساومة لخبر فاطمة ويحتمل أن تحرم لعموم النهي وليس في خبر فاطمة إمارة على الرضى.
الشيخ: السوم على سومه كما قال المؤلف ينظر إن كان عارض السلعة قد أقتنع ورضي بالسوم وما بقي إلا أن يطلق العقد فهنا يحرم السوم عليه لأنه عدوان وأما إذا كان صاحب السلعة لم يرض بل قال من يزيد مثلاً فلا بأس تزيد على سومه لأنك في هذه الحال لم تعتد عليه فصار السوم فيه تفصيل إن كان الجالب قد اطمأن للسائم ورضي بذلك لكن لم يطلق العقد حرم السوم على سومه وإن كان لم يرض بذلك ويعرف هذا بالقرائن أو بعرض صاحب السلعة السلعة على الناس فهنا لا بأس أن تزيد.
فصل
القارئ: فأما بيع العينة فهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها منه بأقل من الثمن حالا فلا يجوز لما روى سعيد عن غُندر عن شعبة عن أبي إسحاق عن امرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل قالت دخلت على عائشة أنا وأم ولد زيد بن أرقم فقالت أم ولد زيد إني بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريته منه بستمائة درهم فقالت لها بئس شريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب ولا تقول مثل هذا إلا توقيفاً سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم ولأن ذلك ذريعة إلى الربا لأنه أدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة والذرائع معتبرة.
الشيخ: بيع العينة هي أن يبيع شيئاً بثمن مؤجل ثم يشتريه من المشتري بأقل نقداً مثل أن يبيع عليه هذه السيارة بخمسين ألفاً إلى سنة ثم يعود ويشتريها منه بأربعين ألفاً نقدا فهذه هي العينة وسميت عينة لأن البائع الذي باعها أولاً احتاج إلى العين أي إلى النقد ولم يجد من يقرضه فأحتال على هذا بهذه الحيلة على الربا والأصل سد الذرائع ومنع الحيل وقول عائشة رضي الله عنها (أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب) إنما قالت ذلك لأن سيئة الربا سيئة عظيمة فهو من أكبر المحرمات وهو من الموبقات التي عدها النبي صلى الله عليه وسلم فتكون هذه السيئة تطيح بثواب الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا أن يتوب.
القارئ: فإن اشتراها بسلعة جاز لأنه لا ربا بين الأثمان والعروض وإن اشترها بنقد غير الذي باعها به فقال أصحابنا يجوز لأن التفاضل بينهما جائز ويحتمل التحريم لأن النساء بينهما محرم.
الشيخ: وهذا أقرب يعني مثلاً باعه السلعة بذهب ثم اشتراها بفضة فالفقهاء يقولون لا بأس لأنه ليس بين الفضة والذهب ربا فضل والمؤلف يقول (يحتمل التحريم) وذلك لأن الفضة بينها وبين الذهب ربا نسيئة وهنا كأنه اشترى ذهباً بفضة إلى أجل وهذا محرم والمثال لو أنه اشترى السيارة بخمسين ألف درهم مؤجلة ثم جاءه البائع وقال أعطنيها بعشرة دنانير عشرة دنانير تساوي أربعين درهم فهذا لا يجوز والسبب لأنه حيلة على بيع ذهب بفضة مع تأخير القبض فالاحتمال الذي ذكره المؤلف رحمه الله احتمال قوي.
القارئ: وإن اشتراها من غير المشتري أو اشتراها أبو البائع أو ابنه جاز.
الشيخ: صحيح لكن بشرط ألا يكون أبوه أو ابنه شريكاً له فإن كان شريكاً له فلا يجوز ومثاله رجل باع هذه السيارة على زيد بخمسين ألف مؤجلة ثم اشترها أبو زيد منه بأربعين نقداً فهنا لا بأس وذلك لأن مال الابن مستقل ومال الأب مستقل أما إن كان شريكين فإنه لا يجوز.
القارئ: وإن نقصت السلعة لتغير صفتها جاز لبائعها شراؤها بأقل من الثمن لأن نقص الثمن لنقصان السلعة.
الشيخ: وهذا صحيح لكن بشرط أن يكون النقص من الثمن بمقدار نقص السلعة لا من أجل التأجيل والتعجيل أما إذا كان من أجل التعجيل والتأجيل فهذا حرام مثال ذلك باع علي سيارة بخمسين ألف مؤجلة ثم تغيرت صفتها بما ينقص عشر الثمن مثلاً فهنا لا نقول اشترها بما تريد من الثمن بل نقول اشترها بحيث لا ينقص من الثمن إلا العشر فقط لأننا إذا اعتبرنا النقص فلابد ألا ننقص عن سبب النقص وأعيد المثال للمرة الثانية ونقول إذا باع هذه السيارة بخمسين ألفاً إلى أجل ثم تغيرت صفتها بما ينقصها عشرة آلاف فصارت الآن تساوي أربعين ألف فإذا اشتراها هذا الرجل وهو البائع الأول بأربعين ألفاً فلا بأس لأن الذي نقص عن الخمسين في مقابل نقصها وأما إذا اشترها بثلاثين ألفاً فلا يجوز لأنه الآن صار هناك نقص في الثمن مقابل نقص السلعة وصار نقص آخر مقابل التعجيل والمهم أن كلام المؤلف ليس على الإطلاق بل نقول إذا نقصت صفتها فلا بأس أن يشتريها بمقدار ما نقصت الصفة فقط دون مراعاة التأجيل.
القارئ: وإن نقصت لتغير السوق أو زادت لم يجز شراؤها بأقل لما ذكرناه.
الشيخ: هذه مسألة نقصان السعر هل هو كنقصان القيمة أو لا؟ المذهب أن نقصان السعر ليس كنقصان القيمة فلو فُرض أن هذه السيارة التي بيعت بخمسين ألف إلى أجل نقصت قيمتها وصارت الآن لا تساوي إلا أربعين ألف إلى أجل فهل يجوز أن يشتريها بأربعين؟ الجواب على كلام المؤلف لا لماذا لأن عين المبيع
ليس فيها نقص والنقص هنا إنما هو في رغبات الناس وفي الجلب والطلب وتوضيحاً للمثال نقول باع الشخص هذه السيارة بخمسين ألفاً مؤجلة إلى سنة فلو اشترها بأربعين ألفاً نقداً لا يجوز ثم تغير ثمن السلعة وصارت لا تساوي إلا أربعين ألفاً مؤجلة فاشترها بأربعين ألف مؤجلة يقول المؤلف إن هذا لا يجوز لأن نقص السعر غير معتبر مع أن البائع الأول اشترها بما تساوي لو بيعت الآن مؤجلة إلى هذا الأجل لكن ما ذكره المؤلف رحمه الله أحوط وأسد لباب الربا أن نقول حتى لو تغير السعر فلا تشترها أما لو تغيرت لنقص العين فهذا يجوز بشرط أن يكون النقص عن الثمن في مقابلة نقص العين بدون زيادة ولو سُدَّ الباب مطلقاً لكان أحسن أيضاً لأننا إذا قلنا بشرط أن يكون النقص بقدر نقص العين ربما لا ينضبط هذا وربما يتجرأ الناس ويجعلون الخدش اليسير ينقص به شيء كثير من أجل أن ينزلوا القيمة فسد الباب أولى لكن لو باعها المشتري الذي اشترها بثمن مؤجل وباعها على آخر ثم اشترها البائع الأول من الآخر بأقل فإنه يجوز ولو بأقل.
فصل القارئ: فإن باعها بثمن حال نقده ثم اشترها بأكثر منه نسيئة لم يجز نص عليه لأنها في معنى التي قبلها سواء.
الشيخ: هذه الصورة واضحة إنسان باع سلعة بثمن نقد وأخذه ثم اشترها بثمن مؤجل مثل أن يبيع هذه السيارة بأربعين ألفاً نقدا ويأخذها من المشتري ثم يعود ويشتريها منه بخمسين ألفاً إلى سنة وهذه تسمى عكس مسألة العينة وفيها عن الإمام أحمد رحمه الله روايتان رواية يجوز إذا لم يكن حيلة ورواية أخرى أنها كمسألة العينة ولا تجوز والصواب الرواية الأولى وأنها تجوز إذا لم تكن حيلة لأن محذور الربا فيها بعيد في الحقيقة والعينة إنما وردت فيما إذا باعها بمؤجل ثم أشترها بأقل منه نقداً لأن الحيلة فيها واضحة أما هذه فلا فإن الحيلة فيها غير واضحة والأصل في المعاملات الحل حتى يقوم الدليل على المنع والعجيب أن المؤلف رحمه الله ما ذكر الرواية الأخرى عن الإمام أحمد وهي رواية حرب حيث نقل عن الإمام أحمد أنها تجوز إذا كانت بلا حيلة.
فصل
القارئ: وإن باع طعاماً إلى أجل بثمن فلما حل الأجل أخذ منه بالثمن طعاما لم يجز لأنه ذريعة إلى بيع طعام بطعام نسيئة فهو في معنى ما تقدم.
الشيخ: صورة هذه المسألة إذا باع براً بثمن مؤجل فلما حل الأجل أتى البائع إلى المشتري وقال أعطني الثمن فقال المشتري ما عندي دراهم لكن عندي هذا الشعير خذه عن البر يقول المؤلف إن هذا لا يجوز
لماذا؟ لأن البر بالشعير يجري بينهما ربا النسيئة ويخشى أن تكون الصفقة الأولى ذريعة لبيع البر بالشعير بدون قبض هكذا قال والصحيح أنه جائز لأن محظور الربا هنا بعيد فهذا رجل باع براً على شخص بدراهم فلما حل الأجل قال ما عندي شيء لكن عندي هذا الشعير وليس عندي سواه أو قال عندي هذا الرز وما عندي سواه فهل نقول هذا لا يجوز؟ هذا فيه نظر بل نقول يجوز لكن بشرط أن يأخذها بسعر يومها فإذا كان الصاع من هذا الشعير يساوي ريالين فإنه لا يجوز أن يأخذه بأقل بمعنى أن يقول أعطنيه بريالين إلا ربع لكي نزيد الاستيفاء فهذا لايجوز لأنه حينئذ يكون ربح فيما لم يدخل في ضمانه.
القارئ: وكل شيئين حرم النساء فيهما لم يجز أخذ أحدهما عن الآخر قبل قبض ثمنه وقياس قول أصحابنا في مسألة العينة أنه يجوز هاهنا أخذ ما يجوز التفاضل بينه وبين الطعام المبيع.
الشيخ: هذا القياس هو الذي صححناه في الفقرة السابقة أنه لا بأس به فمثلاً الشعير والبر يجوز بينهما التفاضل دون النساء فهنا نقول لا بأس إذا أخذه لكن كما قلنا سابقاً بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يدخل في ضمانه.
فصل
القارئ: ومن اشترى مكيلاً أو موزوناً لم يجز له بيعه حتى يقبضه في ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه والخرقي وماعداهما يجوز بيعه قبل قبضه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من ابتاع طعاماً فلا يبيعه حتى يستوفيه) وقال ابن عمر رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يُضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يؤوه إلى رحالهم متفق عليهما وهذا لا يخلو من كونه مكيلاً أو موزونا والحديث يدل بصريحه على منع بيعه قبل قبضه وبمفهومه على حل بيع ما عداه وعن أحمد أن المنع من البيع قبل القبض يخص المطعوم لاختصاص الحديث به وما ليس بمطعوم من المكيلات والموزونات يجوز بيعه قبل القبض وعنه أن المنع يختص ما ليس بمتعين كقفيز من صبرة ورطل زيت من دن وما بيع صبرة أو جزافاً جاز بيعه قبل قبضه وهو قول القاضي وأصحابه لأنه يتعلق به حق توفيته بخلاف غيره وعنه أن كل مبيع لا يجوز بيعه قبل قبضه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار) رواه أبو داود وقال ابن عباس أحسب كل شيء بمنزلة الطعام ولأنه لم يتم ملكه علي أشبه المكيل والمذهب الأول.
الشيخ: هذه المسألة فيها عدة روايات الرواية الأولى وهي المذهب أيضاً أنه إذا أشترى مكيلاً أو موزوناً سواء كان مطعوماً أو غير مطعوم فإنه لا يجوز أن يبيعه حتى يقبضه فإن باعه قبل قبضه فالبيع غير صحيح
والدليل لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه) والدليل هنا أخص من المدعى فالدليل خاص بالطعام والمدلول عليه وهو المدعى عمم في كل مكيل أو موزون لكن يقولون إن الغالب أن الذي يُجلب في الأسواق هو الطعام وعلى هذا فتخصيصه بالطعام بناءاً على الغالب وما كان مبني على الغالب فإنه لا مفهوم له وعليه فنلحق به كل مكيل وموزون بيع بكيل أو وزن لأنه يحتاج إلى توفية إذ أن المشتري يحتاج إلى أن يكيله أو يزنه لأنه بيع عليه بالكيل والوزن فلابد أن يكيله ليعرف مقدار ثمنه والرواية الثانية أن المنع من البيع قبل القبض يختص بالمطعوم وما ليس بمطعوم يجوز بيعه قبل القبض والرواية الثالثة أن المنع يختص بما ليس بمتعين كقفيز من صبرة فمثلاً إذا كان هناك صبرة طعام يعني كومة طعام باع عليَّ صاحبه قفيزاً منه فلا يجوز أن أبيع هذا القفيز حتى يعين ويميز ويكال ويعطنيه وقبل ذلك لا يجوز لأنه مبهم فهو كغير المقدور على تسليمه وما بيع صبرة جميعاً أو جزافاً جاز بيعه قبل قبضه والرواية الرابعة أن كل مبيع لا يجوز بيعه قبل قبضه مطلقاً سواء مطعوم أو غير مطعوم وسواء مكيل أو غير مكيل حتى لو كان حيواناً أو غير حيوان فالمهم كل مبيع لا يجوز بيعه حتى يقبض ودليل ذلك ما أشار إليه المؤلف من الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم (نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار) يعني إلي رحالهم وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم (من ابتاع طعاماً فلا يبيعه حتى يستوفيه) قال ابن عباس رضي الله عنهما أحسب كل شيء بمنزلة الطعام أو قال لا أحسب كل شيء إلا مثله يعني لا يباع حتى يقبض وهذا الأخير هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا يجوز بيع الشيء حتى يقبض والعلة أنه إن كان يحتاج إلى توفية كالكيل والوزن فلأنه لم يستوف بعد وإن كان لا يحتاج فلأنه إذا باعه فالغالب أنه لا يتعجل بيعه إلا لربح
فيه وإذا ربح فيه وهو مكان البائع فإنه سيبقى في قلب البائع شيء إما حسد وإما سوء ظن بالمشتري فيقول غبنني وما أشبه ذلك فلهذا يمنع من بيع كل شيء في مكان الشراء حتى يحوزه المشتري إلى رحله وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله واستنبطه ابن عباس من الحديث هو الأقرب وفيه أيضاً أن الرسول (نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار) فعليه نقول لا يباع الشيء في مكان شرائه حتى يحوزه المشتري لكن يبقى عندنا إشكال وهو ما يباع في الأسواق ويجلب في محل البيع العام ثم يبيعه البائع وينصرف فيأتي المشتري ويبيعه فهل نقول إن رفع يد البائع عنه يعتبر قبضاً لأن السوق ليس للبائع بل السوق عام لكل أحد والتخلية بين المشتري وبين السلعة يعتبر قبضاً؟ هذا هو الأقرب وعليه العمل تجد الآن الفاكهي الذي يأتي بالفاكهة أو الخضروات أو ما أشبه ذلك يأتي إلى السوق ويبيع حمولة السيارة ثم ينصرف ويبيعها الإنسان في مكان شرائها ولا يعد الناس في ذلك غبناً ولا غرراً بل إن البائع نفسه يعرف أن المشتري سوف يربح ولن يكون في نفسه شيء وهذا هو الذي لا يسع الناس العمل إلا به الآن يعني لو قيل لابد أن يكون للجالبين مكان وللبائعين مكان آخر صار فيه ضيق على الناس فهذا والله أعلم أقرب ونرجو ألا نكون أخطأنا فيه.
السائل: بالنسبة السيارات التي تباع في الموانيء البحرية تأتي السيارة من الخارج وعليها سعر يسمونه سعر البطاقة يكون ملصقاً على زجاج السيارة الأمامية فيأتي المشتري ويدفع السعر ويأخذ السيارة مع إن التجار المستوردين حتى الآن ما ضموها إلى رحالهم ومعارضهم ووكالتهم؟ الشيخ: الظاهر أنها تدخل في هذا الحديث إلا إذا جرت العادة أن تنزيلها في المكان هذا يعتبر قبضاً إذا جرت العادة أنه يعتبر قبضاً فهو قبض.
السائل: جرت عادة بعض التجار في بعض البلاد ربما للحاجة أنهم يشترون البضاعة من مطعوم مثلاً قبل ورودها حتى إلى الميناء بيوم أو يومين إذا أخبروا أن الباخرة التي تحمل هذه البضاعة ستصل غداً مثلاً أو بعد يومين يبدؤن في بيع البضاعة؟
الشيخ: هذه لا يجوز بيعها بالتعيين أما بالوصف فلا بأس يقول بعت عليك مثلاً مائة كيس رز بكذا وكذا وصفته كذا وكذا فهذا ليس فيه مانع ويكون متعلق بالذمة لا بالحمولة أما لو باع ما في الحمولة فهذا غرر لأنه قد تعطب السفينة بغرق أو غيره فلا يقدر عليها
السائل: لكن العادة أنه لو فعلاً غرقت سيستلم ماله؟
الشيخ: لكن يستلم ماله من أين ثم إذا قدرنا أنها إذا تلفت تتلف على حساب البائع ربما يحصل مشاجرات ومنازعات وربما يطالب صاحب السفينة وتطول المدة فيمنع من ذلك إلا إذا كان موصفاً في الذمة فلا بأس.
القارئ: وما بيع بصفة أو برؤية متقدمة فهو كالمكيل لأنه يتعلق به حق توفيه فأشبه المكيل والموزون.
الشيخ: هذا إذا كان معين وبيع بالصفة وليس المقصود ما كان في الذمة لأن الموصوف إما أن يكون في الذمة وإما أن يكون معين مثال المعين أن يقول بعت عليك سيارتي التي في الموقف الموجودة الآن وصفتها كذا وكذا فهذا بيع معين موصوف والذي برؤية متقدمة أن يكون المشتري قد رأى السيارة أمس وأتفق مع مالكها اليوم فهذا معلوم برؤية متقدمة وهذا أيضاً لا يجوز بيعه حتى يقبضه لأنه لم يستوفيه بعد.
القارئ: وما حرم بيعه قبل قبضه لم يجز بيعه لبائعه لعموم النهي ولا الشركة فيه لأنه بيع لبعضه.
الشيخ: قوله (لم يجوز بيعه لبائعه) ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه يجوز بيعه لبائعه لأن العلة من بيعه هو خوف الربح وأن يكون في قلب بائعه شيء فإذا باعه لبائعه فلا بأس ثم إن ظاهر قوله (فلا يبيعه حتى يقبضه أو حتى يستوفيه) يدل على أنه إذا كان المشتري هو البائع فلا بأس لأن البائع قد قبضه والآن عند البائع وكذلك أيضاً عند شيخ الإسلام يرى أنه إذا باعه بمثل الثمن أو أقل فلا بأس وكل هذا في الحقيقة يعود إلى تخصيص العموم بالعلة ولكن التخصيص بالعلة لابد أن تكون العلة مفهومة معلومة والعلة التي ذكرها الشيخ رحمه الله علة مستنبطة قد يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أرادها أو لم يردها فلهذا لا يقوى ذلك على تخصيص العموم فالظاهر أنه لا يجوز بيعه لا على بائعه ولا إذا باعه برأسماله لأن الحديث عام فيكون ما قاله المؤلف هو الأقرب.
القارئ: لعموم النهي ولا الشركة فيه لأنه بيع لبعضه ولا التولية لأنه بيع بمثل الثمن الأول.
الشيخ: التولية كما عرفنا فإن شيخ الإسلام يجوزها ومعنى (الشركة فيه) أن يبيع عليه بعضه مثلاً اشترى طعاماً قدره مائة صاع ثم باع منه خمسين صاعاً فلا يجوز لأنه إذا منع بيع الكل منع بيع البعض إذ لا فرق والتولية أن يقول بعتك إياه برأس ماله فالصواب أنه لا يجوز لعموم الحديث واختار شيخ الإسلام رحمه الله أنه جائز وهذا يسمى تولية قد عرفنا فيما سبق في دراسة زاد المستقنع أن البيع إما تولية والثاني شركة الثالثة مرابحة والرابع مواضعة.
القارئ: فأما الثمن في الذمة فيجوز بيعه لمن هو في ذمته لما روى ابن عمر قال كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ بدل الدراهم الدنانير ونبيع بالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال (لا بأس إذا افترقتما وليس بينكما شيء) رواه أبو داود.