المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
- عدد الأجزاء
- 5 [الكتاب مرقم آليا]
القارئ: وإن بان له الخطأ في الصلاة استقبل جهة القبلة وبنى على صلاته لأن أهل قباء بلغهم تحويل القبلة وهم في الصلاة فاتسداروا إليها وأتموا صلاتهم متفق عليه وإن اختلف اجتهاد رجلين لم يجز لأحدهما الائتمام بصاحبه لأنه يعتقد خطأه وإن اتفقا.
الشيخ: هذا المذهب والصحيح أنه كما قلت لكم أنه يصح اقتداء أحدهما بالآخر لأن هذا مبني على الاجتهاد كما لو كان أحدهما يرى أن هذا الشيء ناقض للوضوء وأن الصلاة لا تصح معه والآخر يرى العكس لكن بعض العلماء فرق بأن المختلفين في نقض الوضوء اتجاههما واحد فهما متفقان ظاهراً أما من اختلفا في القبلة فقد يكون أحدهما يولي الآخر ظهره يكون هذا يصلي للمشرق وهذا يصلي للمغرب فحصل التباين والتنافي.
السائل: ما الحكم لو تغير اجتهاد المجتهد في تحديد القبلة أكثر من مرة وهو يصلي؟
الشيخ: العلماء ذكروا هذه المسألة قالوا لو أن الرجل صلى باجتهاد إلى جهة الشمال على أنها القبلة ثم في نفس الصلاة اختلف اجتهاده إلى أن القبلة غرباً فإنه يتجه إلى الغرب ثم اختلف اجتهاده بأن القبلة جنوباً فإنه يتجه إلى الجنوب ثم اختلف اجتهاده فظن أن القبلة شرقاً فيتجه إلى الشرق وحينئذٍ يلغز بها فيقال رجل صلى إلى أربع الجهات فصحت صلاته.
القارئ: وإن اتفقا اجتهادهما فصليا جميعاً فبان الخطأ لأحدهما استدار وحده ونوى كل واحد منهما مفارقة صاحبه فإن كان معهما مقلد تبع الذي قلده منهما ودار بدورانه وأقام بإقامته وإن قلدهما جميعاً لم يدر إلا بدورانهما لأنه دخل في الصلاة بظاهر فلا يزول إلا بمثله.
الشيخ: وعلى هذا يبقى مع الأول لم يدر إلا بدورانهما إذا استدارا جميعاً وعلى هذا فإذا استدار أحدهما دون الآخر بقي مع الأول لأنه بنى على ظاهر.
السائل: المجتهد في تحديد القبلة وهو في الصلاة كيف نقول إن صلاته صحيحة مع أن يقينه أصبح أن الجهة الأولى خاطئة؟
الشيخ: لأن أول الصلاة التي صلاها إلى جهة الشمال مثلاً بأمر الله فهو صحيح فآخر الصلاة لا يبطل أولها لأنه كله صحيح.
القارئ: وإن تغير اجتهاده في الصلاة رجع إليه كما لو بان له الخطأ نص عليه.
الشيخ: نص عليه أي الإمام أحد إذا قال المؤلف أو غيره من الأصحاب نص عليه يعني الإمام أحمد كما لو قال وهو المنصوص يعني الإمام أحمد.
القارئ: لأنه مجتهد أداه اجتهاده إلى جهة فلم يجز له تركها وقال ابن أبي موسى لا يرجع ويبني على الأول كي لا ينقض اجتهاده باجتهاده والأول أولى وإن شك في الصلاة مضى على ما هو عليه لأنه دخل فيها بظاهر فلا يزول عنه بالشك وإن تبين له الخطأ ولم يعلم جهة القبلة فسدت صلاته لأنه لا يمكنه إتمامها إلى جهة يعلم الخطأ فيها ولا التوجه إلى جهة أخرى بغير دليل.
الشيخ: إذا تيقن أنه الآن مخطئ لكن ما يدري لأن الجهات أربع الآن تبين أن هذه الجهة خطأ لكن ما يدري هل هي في الجهة الثانية أو الثالثة أو الرابعة نقول الآن أخرج من الصلاة واعمل اجتهادك مرة أخرى حتى يترجح عندك لماذا يخرج؟ يقول المؤلف يخرج لأنه الآن يعتقد أنه على خطأ فكيف يستمر وهو يعلم أن هذه ليست هي القبلة ولم يتبين له الآن جهة أخرى حتى نقول انتقل إليها وهو ظاهر.
القارئ: وإن صلى بالاجتهاد ثم أراد صلاة أخرى لزمه الاجتهاد لها كالحاكم إذا اجتهد في حادثة ثم حدثت مرة أخرى.
الشيخ: والصحيح لا يلزمه الصحيح أنه لا يلزمه لأن الاجتهاد الأول طريق شرعي سواء في مسألة القبلة أو في الحاكم القاضي، القاضي إذا حكم بمسألة بعد أن اجتهد فيها وراجع الكتب وراجع كلام العلماء ثم حدثت أخرى نفس المسألة هل نقول يلزمك أن تبحث مرة ثانية المؤلف يقول لازم يبحث مرة ثانية والصحيح أنه لا يلزمه لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
فصل
القارئ: فإن خفيت الأدلة على المجتهد بغيم أو غيره صلى على حسب حاله ولا إعادة عليه لما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) رواه ابن ماجه والترمذي ولأنه أتى بما أمر به فأشبه المجتهد مع ظهور الأدلة وإن لم يجد المقلِّد مَنْ يقلده صلى وفي الإعادة رواياتان إحداهما لا يعيد لما ذكرنا والثانية يعيد لأنه صلى بغير دليل وقال ابن حامد إن أخطأ أعاد وإلا ففيها وجهان.
الشيخ: والصحيح أنه لا يعيد لأن الله قال (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
القارئ: ويجوز للأعمى الاستدلال باللمس فإذا لمس المحاريب جاز له استقباله لأنه يحصل بذلك العلم فأشبه البصير فإن شرع في الصلاة لخبر غيره فأبصر في أثنائها وهو ممن فرضه الخبر بنى على صلاته لأن فرضه لم يتغير وإن كان فرضه الاجتهاد فشاهد ما يدل على القبلة من شمس أو محراب أو نحوه أتم صلاته وإن لم يشاهد شيئاً وكان قلد مجتهداً فسدت صلاته لأن فرضه الاجتهاد فلا تجوز صلاته باجتهاد غيره.
الشيخ: والصحيح أنها لا تفسد لأن كل من أفسد عبادة فلابد من دليل.
فصل القارئ: ولا يقبل خبر كافر ولا فاسق ولا صبي ولا مجنون لما تقدم ويقبل خبر من سواهم من الرجال والنساء والعبيد والأحرار لأنه خبر من أخبار الديانة فأشبه الرواية وإن رأى محاريب لا يعلم أهي للمسلمين أم لغيرهم لم يلتفت إليها لأنه لا دلالة له فيها.
الشيخ: هذا الفصل القصير أنه لا يقبل خبر كافر ولا فاسق ولا صبي ولا مجنون، لا شك أن الأصل أن هؤلاء لا يقبل خبرهم ولكن إذا كان هذا مهنة للإنسان كرجل عنده آلة يقيس بها وهو فاسق لكنه مهندس يحافظ على سمعته وعلى مهنته أو كافر كذلك لكنه مهندس جيد حاذق يخاف على مهنته وعلى سمعته فإن قوله مقبول لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استأجر هادياً يدله على الطريق من مكة إلى المدينة وكان رجلاً مشركاً والعمدة في هذا هو الثقة بقوله فإذا جاءنا رجل كافر لكنه خبير بمنازل القمر والجهات مهندس لا يمكن أن يخبر بالكذب لا تديناً لله ولكن خوفاً على سمعته وحفاظاً على مهنته فما المانع من قبول خبره.
السائل: من كلام المؤلف يدل على أن محاريب غير المسلمين كمحاريب المسلمين مع أنها مختلفة عن محاريبهم؟
الشيخ: نعم لكن لعل هذا في وقت المؤلف.
السائل: الصغير الصبي هل يقبل خبره في معرفة القبلة ولو كان حاذقاً؟
الشيخ: الصبي ما يوثق بخبره ولا يقبل ولا يكون الصبي حاذقاً سبع سنين ثمان سنين ماذا يحذق؟!
فصل
القارئ: والمجتهد في القبلة العالم بأدلتها وإن كان عاميا.
الشيخ: العالم هذا ليس صفة للمجتهد ولكنه خبر مبتدأ ولو أن المؤلف رحمه الله أتى بـ (هو) ضمير الفصل لكان أبين فهو يقول المجتهد في القبلة هو العالم بأدلتها وإن كان عامياً هذا المجتهد في القبلة فقوله العالم خبر المجتهد يعني هو العالم بأدلتها.
القارئ: ومن لا يعرفها فهو مقلد وإن كان فقيها فإن من علم دليل شيء كان مجتهد فيه وأوثق أدلتها النجوم لقوله تعالى (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) وآكدها القطب وهو نجم خفي حوله أنجم دائرة كفراشة الرحى في أحدي طرفيها الفرقدان وفي طرفها الآخر الجدي وبين ذلك أنجم صغار ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل تدور هذه الفراشة حول القطب دوران الرحى حول قطبها في كل يوم وليلة دورة وحول الفراشة بنات نعْش مما يلي الفرقدين وهي سبعة أنجم متفرقة مضيئة والقطب في وسط الفراشة لا يبرح مكانه.
الشيخ: هذا وصف القطب وما حوله فالقبلة لها أدلة حسية متعددة منها يقول النجوم وهي أوثق الأدلة ولكن أوضح الأدلة الشمس والقمر لأن الشمس تشرق من المشرق وتغرب من المغرب فإذا عرفت جهتك حول الكعبة أو حول مكة عرفت أين القبلة إذا عرفت أن جهتك بين المشرق والمغرب بالنسبة لمكة صار المشرق على يسارك إن كنت شمالاً والمغرب على يمينك وإن كنت جنوباً فبالعكس لكن القطب ذكره لأنه لا يتغير ولكن القطب نجم خفي كما قال المؤلف رحمه الله لا يرى إلا في الليالي المظلمة التي ليس فيها قمر ولا يراه أيضاً إلا حديد البصر هذا النجم بإذن الله كقطب الرحى تدور عليه النجوم وهو لا يتغير وأقرب النجوم الواضحة حوله الجدي معروف عند العامة وأهل الأسفار يعرفون الجدي، الجدي لا يبرح عن مكانه إلا قليلاً لأنه قريب من القطب وكلما قرب من الدائرة أو أصل الدائرة فإن دورانه يكون قليلاً هذا الجدي كما قال المؤلف نجوم سبعة كالفراشة هو في طرف والفرقدان في طرف، الفرقدان نجمان مضيئان كإضاءة الجدي أو قريباً منه وتحتهما مما يلي الجدي نجمتان أيضاً أخفى منهما ثم نجمتان صغيرتان لكن ليستا تربيعية من النجمتين الأخيرتين إنما هما في جانب والجدي هو الثالث من هذه الأنجم فيكون مجموع الفراشة سبعة ثلاثة نضيد واحد اثنين أربعة الأول الجدي ثم اثنين ثم بعد ذلك أنجم أربعة نجمان هكذا واحد اثنان أربعة الذي في الطرف يسمى الفرقدان ويضرب بهما المثل في عدم التفرق كما في الملحة قال: فرقد السماء لن يفترقا دائماً متقارنان وهذه الفراشة السبع لا تغيب عن الأرض لأن دورتها قريبة من القطب لكن أحياناً تجدها في أول الليل جنوباً وأحياناً في أول الليل شمالاً وقول المؤلف رحمه الله إن لها في كل يوم وليلة دورة يعني في الغالب وليس على إطلاقه لأنها تسير تختلف باختلاف الزمن لكن المهم فيها أنها لا تغيب عن الأرض.
أما بنات نعش الكبرى التي يقول المؤلف رحمه الله وحول الفراشة بنات نعش مما يلي الفرقدين بنات نعش الكبرى شبيهة بالفراشة في التركيب يعني أربعة أنجم مربعة ويليها ثلاثة أنجم كل واحدة وراء الأخرى لكنها أبين وأوضح ودورتها أوسع ولهذا تغيب عن الأرض إلا أنها لا تغيب إلا مقدار أربع ساعات ثم تخرج من الشرق فهذا أثبت الأدلة لأنه لا يتغير ثم ذكر المؤلف كيف يستدل به.
القارئ: والقطب في وسط الفراشة لا يبرح مكانه، إذا جعله إنسان وراء ظهره في الشام كان مستقبلاً للكعبة وإن استدبر الفرقدين أو الجدي كان مستقبلاً للجهة.
الشيخ: أمر دقيق هذا إذا جعله وراء ظهره في الشام كان مستقلاً للكعبة يعني لعين الكعبة لكن هذا متعذر مع سعة الدائرة الأرضية وإن استدبر الفرقدين أو الجدي كان مستقبلاً الجهة أما الجدي فنعم إذا استدبره في الشام فهو مستقبل للجهة وأما الفرقدان ففيه نظر لأن الفرقدين دورتهما أوسع من دورة الجدي قد يميلان إلى الشمال وقد يميلان إلى الجنوب.
القارئ: إلا أن انحرافه يكون أكثر والشمس والقمر.
الشيخ: قوله والشمس والقمر معطوف على النجوم، فيكون: وأوثق أدلتها النجوم والشمس والقمر.
القارئ: إلا أن انحرافه يكون أكثر، والشمس والقمر ومنازلهما وهي ثمانية وعشرون منزلاً تطلع كلها من المشرق وتغرب في المغرب يكون في طلوعها على يسرة المصلي وفي غروبها على يمينه.
الشيخ: وهذا من في الشام، ومن في اليمن على العكس يكون شروقها على اليمين وغروبها على اليسار ومن في نجد يكون شروقها خلف المصلي وغروبها أمامه 1
القارئ: ويستدل من الرياح بأربع تهب من زوايا السماء الدبور تهب مما بين المغرب والقبلة مستقبلة شطر وَجْه المصلي الأيمن والصبا مقابلتها تهب من ظهره إلى كتفه اليسرى مارة إلى مهب الدبور والجنوب تهب مما بين المشرق والقبلة مارة إلى الزاوية المقابلة لها والشمال تهب من مقابلتها مارة إلى مهب الجنوب.
الشيخ: هذه الرياح هي أضعفها دلالة لأنها واسعة لكن مع ذلك يستدل بها وكثير من الناس الذين يمارسون الأسفار يعرفون الريح هل هي شمالية أو جنوبية أو صبا أو دبور بمجرد ما تهب يعرفونها من طبيعتها أما نحن الذين نخرج بثياب كثيرة وندخل بثياب ما نعرف الأشياء هذه.
فصل
القارئ: ويسقط الاستقبال في ثلاثة مواضع أحدها عند العجز لكونه مربوطاً إلى غير القبلة يصلي على حسب حاله لأنه فرض عجز عنه أشبه القيام.
الشيخ: لو قال المؤلف بقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) لكان أسهل وأطمأن لنفسه يطمئن الإنسان أكثر.
القارئ: والثاني في شدة الخوف مثل حال التحام الحرب والهرب المباح من عدو أو سيل أو سبع لا يمكنه التخلص منه إلا بالهرب فيجوز له ترك القبلة ويصلي حيث أمكنه راجلاً وراكباً لقول الله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) قال ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم (مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) رواه البخاري ولأنه عاجز عن الاستقبال كأشبه المربوط فإن كان طالباً للعدو يخاف فوته ففيه روايتان إحداهما يجوز له صلاة الخائف كالمطلوب لأن عبد الله بن أنيس قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى سفيان بن خالد الهذلي لأقتله فانطلقت أمشي فحضرت العصر وأنا أصلي أومئ إيماءً نحوه رواه أبو داوود وظاهره أنه أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره قال الأوزاعي قال شرحبيل بن حسنة لا تصلوا الصبح إلا على ظهر فنزل الأشتر فصلى على الأرض فمر به شرحبيل فقال مخالف خالف الله به فخرج الأشتر بالفتنة ولأنها إحدى حالتي الخوف فأشبهت حالة المطلوب والثانية لا يجوز لأنه آمن.
الشيخ: إذاًَ هذان موضعان الموضع الأول عند العجز والثاني عند الخوف وعند الطلب فيه روايتان كما سمعتم رواية أنه يجوز ترك استقبال القبلة لأن الطالب كالهارب وللحديث الذي ذكره ورواية أخرى أنه لا يجوز لأن الطالب غير خائف والله يقول (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) والصحيح أنه ينظر في المصلحة إذا كان الطالب يريد أن يقضي على عدو يخشى منه على المسلمين فإنه يحل له ترك استقبال القبلة وإن كان عدوه هارباً أما إذا كان لا يخشى ويمكن أن يصلي الإنسان ثم يدركه بعد ذلك فلا يجوز ترك استقبال القبلة، وإذا كان المريض في المستشفى مضطجع على سرير ولا يتمكن من استقبال القبلة لا بنفسه ولا بالممرضين فهل يسقط عنه استقبال القبلة؟ نعم يسقط عنه لأنه عاجز وفي هذا دليل على أن الوقت أهم شروط الصلاة بحيث يخل الإنسان بذات الصلاة من أجل المحافظة على الوقت.
السائل: إذا كان الهارب قاتلاً هل يجوز له عدم استقبال القبلة؟
الشيخ: ماذا قال المؤلف في أول الكلام قال والهرب المباح والقاتل إذا هرب هل هربه مباح؟ ليس مباحاً إذاً لا يجوز لأنه لا يجوز أن يترخص في أمر محرم.
السائل: بالنسبة للمريض لو أمكن أن يدار السرير إلى القبلة فهل يجب ذلك؟
الشيخ: إذا أمكن أن يدار السرير إلى القبلة وجب لكن أحياناً لا يمكن لأن بعض السرر تكون ثابتة أو تكون الحجرة مثلاً ضيقة وهو في طولها ولا يمكن أن يكون في عرضها المهم إذا أمكن وجب.
القارئ: الثالث النافلة في السفر فإن كان راكباً فله الصلاة على دابته لما روى ابن عمر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه وكان يوتر على بعيره) متفق عليه وكان يصلي على حماره ولا فرق بين السفر الطويل والقصير لأن ذلك تخفيف في التطوع كي لا يؤدي إلى قطعه وتقليله فيستوي فيه الطويل والقصير فإن أمكنه الاستقبال والركوع والسجود كالذي في العمارية لزمه ذلك لأنه كراكب السفينة ويحتمل أن لا يلزمه لأن الرخصة العامة يستوي فيها ذو الحاجة وغيره وإن شق عليه صلى حيث كان وجهه يومئ بالركوع والسجود ويجعل سجوده أخفض من ركوعه وإن شق عليه استقبال القبلة في تكبيرة الإحرام كراكب الجمل المقطور لا يمكنه إدارته لم يلزمه وإن كان سهلاً ففيه وجهان أحدهما يلزمه ذلك اختاره الخرقي لأنه أمكنه الاستقبال في ابتداء الصلاة فلزمه كالماشي والثاني لا يلزمه اختاره أبو بكر لأنه جزء من الصلاة فأشبه سائرها فإن عدلت به البهيمة عن جهة مقصده إلى جهة القبلة جاز لأنها الأصل وإن عدلت إلى غيرها وهو عالم بذلك مختار له بطلت صلاته لأنه ترك قبلته لغير عذر وإن ظنها طريقه أو غلبته الدابة لم تبطل فأما الماشي ففيه روايتان إحداهما له الصلاة حيث توجه لأنها إحدى حالتي سير المسافر فأشبه الراكب لكنه يلزمه الركوع والسجود على الأرض مستقبلاً لإمكان ذلك والثانية لا يجوز وهو ظاهر قول الخرقي لأن الرخصة وردت في الراكب والماشي بخلافه لأنه يأتي في الصلاة بمشي وذلك عمل كثير فإن دخل المسافر في طريقه بلداً جاز أن يصلي فيه وإن كان في البلد الذي يقصده أتم صلاته ولم يبتدئ فيه صلاة.
الشيخ: إذاً الثالث مما يستثنى في وجوب استقبال القبلة النافلة في السفر لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصلي على راحلته حيث ما توجهت به وهل يقاس على الراكب الماشي في هذا قولان للعلماء القول الأول أنه يقاس لأن كلاً من الراكب والماشي محتاج ولو أن الماشي وقف ليركع ويسجد ويجلس لتأخر في سيره فهو محتاج لمواصلة السير محتاج لكثرة النوافل كالراكب وهذا هو الصحيح وهو المذهب لكن فرقوا بينه وبين الراكب بأن الماشي يلزمه افتتاح الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود والراكب يلزمه افتتاح الصلاة إلى القبلة ولا يلزمه الركوع والسجود لأنه يتعذر عليه الركوع والسجود فيؤمئ إيماءً والصحيح أنه يجوز للراكب والماشي ولا يلزمه افتتاح الصلاة إلى القبلة وإنما افتتاح الصلاة إلى القبلة أفضل وإلا فالرخصة عامة وعلى المذهب الذين يقولون بوجوب افتتاح الصلاة إلى القبلة يقول لو عجز كالإبل المقطورة التي ربط بعضها ببعض ولا يمكن أن تتجه إلى القبلة وحدها فإنه يسقط عنه في هذه الحال لأنه تعذر عليه.
السائل: الذي يجاهد من المسلمين في حرب بينه وبين الكفار كيف تكون صلاته؟
الشيخ: يصلي الصلاة المعتادة يومئ إيماءً بالركوع والسجود وإذا كان يحتاج إلى كر وفر فلا بأس يكر ويفر وهو في صلاته.
السائل: ما معنى العمارية؟
الشيخ: العمارية: هذه عبارة عن شيء يوضع على ظهر الجمل كالكرسي يمكن للإنسان في وسط العمارية هذه يتحرك يروح يمين ويسار فهل يلزمه أن يستقبل القبلة لأنه يمكنه بسهولة أو لا يلزمه؟ فيه احتمالان احتمال أنه يلزمه واحتمال أنه لا يلزمه لأن الرخصة عامة.
باب في الشرط الخامس وهو الوقت القارئ: وقد ذكرنا أوقات المكتوبات ولا تصح الصلاة قبل وقتها بغير خلاف فإن أحرم بها فبان أنه لم يدخل وقتها انقلبت نفلاً لأنه لما بطلت نية الفريضة بقيت نية الصلاة.
الشيخ: إذاً هذه قاعدة مفيدة الصلاة الفريضة تشتمل نيتها على شيئين هما النية المطلقة للصلاة والثانية النية المعينة أنها فريضة الظهر العصر المغرب العشاء الفجر فإذا بطلت باعتبار التعيين بقي الإطلاق ولهذا قال المؤلف رحمه الله لأنه لما بطلت نية الفريضة بقيت نية الصلاة.
وقول المؤلف فإن أحرم بها فبان أنه لم يدخل وقتها انقلبت نفلاً قال فبان يفهم منه أنه لو أحرم بها قبل الوقت وهو يعلم أنه لم يدخل ونواها فإنها لا تصح لا فرضاً ولا نفلاً لأنه مستهزئ يأتي إنسان يقول أنا سأصلي الظهر في الضحى ما يصير سأصلي الفجر قبل طلوع الفجر ما يمكن لو فعل ذلك متعمداً صار آثماً ولم تصح صلاته لا فرضاً ولا نفلاً.
القارئ: ووقت سنة كل صلاة مكتوبة متقدمة عليها من دخول وقتها إلى فعلها ووقت التي بعدها من فعلها إلى آخر وقتها.
الشيخ: هذا بيان لأوقات النوافل التابعة للصلاة الراتبة التي قبل الصلاة وقتها من دخول وقت الصلاة إلى فعل الصلاة والتي بعدها من انتهاء الصلاة إلى آخر الوقت وعلى هذا فراتبة الظهر الأولية إذا فعلت بعدها فهي قضاء لأنها في غير الوقت.
السائل: هل الراتبة القبلية من دخول الوقت ولو لم يؤذن؟
الشيخ: نعم ولو لم يؤذن العبرة بدخول الوقت.
السائل: بعضهم يفرق بين القائد للسيارة والراكب مع أن السائق بإمكانه يقود السيارة ويصلي؟
الشيخ: الفرق بينهما أن القائد ينشغل ذهنه وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) وأيضاً هو على خطر لكن لو فرضنا أن الخطر منتفي فالقائد وغيره سواء لأن حركة القيادة في السيارة سهلة لأن بعض السيارات ما يتحرك إلا اليد فقط تكون أتوماتيكية.
القارئ: فأما النوافل المطلقة فجميع الزمان وقت لها إلا خمسة أوقات بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد طلوعها حتى ترتفع قيد رمح وعند قيامها حتى تزول وبعد العصر حتى تتضيف الشمس للغروب وإذا تضيفت حتى تغرب فلا يجوز التطوع في هذه الأوقات لصلاة لا سبب لها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس) متفق عليه وروى عقبة بن عامر قال (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول وحين تضيف الشمس للغروب) رواه مسلم والنهي عما بعد العصر يتعلق بالفعل ولو لم يصلِّ فله التنفل وإن صلى غيره لأن لفظ العصر بإطلاقه ينصرف إلى الصلاة وعن أحمد فيما بعد الصبح مثل ذلك لأنها إحدى الصلاتين فكان النهي متعلقاً بفعلها كالعصر والمشهور في المذهب أنه متعلق بالوقت لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ليبلغ الشاهد الغائب أن لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين) رواه أبو داوود وسواء في هذا مكة ويوم الجمعة وغيرهما لعموم النهي في الجميع.
الشيخ: هذه أوقات النهي وهي خمسة وإن شئت فقل ثلاثة، يقول المؤلف رحمه الله خمسة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد طلوعها حتى ترتفع قيد رمح وعند قيامها يعني وسط النهار عند الزوال حتى تزول الشمس والرابع من صلاة العصر حتى تضيف للغروب والخامس إذا تضيفت للغروب حتى تغرب لكن ما معنى تضيفت للغروب؟ قيل معناه إذا شرعت في الغروب يعني غاب أول القرص وهذا لا يستغرق إلا دقيقة ونصفاً أو نحو ذلك وقيل إذا بقي عليها أن تغرب طول طلوعها يعني قيد رمح وهذا هو الصحيح وعلى هذا فيكون من الفجر إلى طلوع الشمس ومن طلوع الشمس إلى أن ترتفع قيد رمح وعند قيامها حتى تزول ومن صلاة العصر حتى يبقى عليها قيد رمح ومن ذا إلى أن تغرب خمس أوقات ولكن هل النهي متعلق بوقت الصلاة في الفجر أو بفعلها؟ في هذا روايتان عن أحمد رواية أن النهي متعلق بالوقت وعلى هذا يدخل وقت النهي قبل الصلاة ورواية أخرى أن النهي متعلق بالصلاة صلاة الفجر وعلى هذا فلا ينهى عن النفل إلا بعد صلاة الفجر الدليل المؤلف رحمه الله قال إنها إحدى الصلاتين فكان النهي متعلقاً بفعلها كالعصر فجعل الحكم قياساً على صلاة العصر فإن النهي في صلاة العصر لا يدخل من وقت العصر إذا أذن العصر صلِّ ما شئت من النوافل وإنما يدخل النهي في العصر بالصلاة، الفجر سمعتم أن فيه قولين الذين قالوا بالجواز علل المؤلف قولهم بأنه قياس على العصر والصحيح أنه ليس ذلك من باب القياس بل ثبت به النص (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد صلاة الصبح) بهذا اللفظ وعلى هذا فيكون متعلقاً بفعل الصلاة لا بالقياس ولكن بالنص وهذا هو الصحيح أن الحكم متعلق بفعل الصلاة صلاة الفجر أما الحديث الذي ذكره المؤلف فلا شك أن ما بين طلوع الفجر وصلاة الفجر لا تسن فيه الصلاة إلا ركعتي الفجر وهما ركعتان خفيفتان كما عرفتم فلو قال الإنسان أنا سأقوم أصلي بين أذان الفجر وإقامة الصلاة غير الراتبة قلنا لا، لا تفعل
هذا خلاف الأولى لكن لو فعل هل يكون آثماً كما لو صلى بعد صلاة الفجر؟ الصحيح لا يكون آثماً والصلاة صحيحة لكنها غير مطلوبة في هذا الوقت وقوله: لا فرق في هذا بين مكة والجمعة وغيرها لأن بعض العلماء قال لا نهي في مكة واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى فيه أية ساعة شاء من ليل أو نهار) قال (أية ساعة شاء من ليل أو نهار) وهذا يشمل الساعات التي فيها النهي وقول المؤلف: الجمعة نص عليها لأن بعض العلماء قال لا نهي عن التطوع وسط النهار يوم الجمعة وأن الإنسان له أن يتطوع ولو قبل زوال الشمس بيسير واستدلوا لهذا بحديث ورد باستثناء يوم الجمعة لكنه ضعيف (إلا يوم الجمعة) لكنه ضعيف واستدلوا بفعل الصحابة وأنهم كانوا يتقدمون إلى صلاة الجمعة ولا يزالون يصلون إلى أن يأتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفعل الصحابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام سنة وهذا التعليل الثاني هو الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله وقال إنه لا نهي عند الزوال في يوم الجمعة لفعل الصحابة ولكن هذا إذا كان الإنسان مستمراً في التطوع أما ما يفعله بعض الناس اليوم إذا قارب مجيء الإمام قام يتطوع فهذا فيه نظر ولا ينبغي أن يفعله الإنسان.
فصل
القارئ: ويجوز قضاء المكتوبات في كل وقت لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) وقوله عليه السلام (من أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته) ويجوز في وقتين منهما وهما بعد الفجر وبعد العصر الصلاة على الجنازة لأنهما وقتان طويلان فالانتظار فيهما يضر بالميت.
الشيخ: سبق لنا أن الصواب أن النهي في أول النهار متعلق بفعل الصلاة ثم ذكر المؤلف في هذا الفصل ما الذي يفعل في أوقات النهي فذكر أن الذي يفعل الصلاة الفائتة أي وقت تذكر هذه الصلاة الفائتة أو تستيقظ فصلّ دليله قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) والحديث الذي بعده ثم قال ثانياً يجوز في وقتين منها وهما بعد الفجر وبعد العصر الصلاة على الجنازة وهذا من فائدة تقسيم أوقات النهي إلى خمسة أقسام إن الأوقات الثلاث القصيرة لا يجوز فيها صلاة الجنازة وهي من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قيد رمح وعند قيامها حتى تزول وإذا تضيفت للغروب حتى تغرب هذه لا يجوز فيها صلاة الجنازة، في الأوقات الطويلة يجوز صلاة الجنازة وعلل المؤلف ذلك بأن هذه الأوقات طويلة يشق الانتظار انتظار زوال الوقت.
القارئ: وركعتا الطواف بعده.
الشيخ: هذا الثالث ركعة الطواف بعده أي بعد الطواف.
القارئ: لقول النبي صلى الله عليه وسلم (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى في أية ساعة شاء من ليل أو نهار) رواه الشافعي والأثرم.
الشيخ: هذه ركعتا الطواف أيضاً تجوز في أوقات النهي في أي وقت لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى فيه أية ساعة شاء من ليل أو نهار) أية بالتأنيث لأن ساعة مؤنث والمؤنث يؤتى فيه بالتاء وجه الدلالة أنه قال أية ساعة ولكنه نوزع في هذا الاستدلال وقيل إن هذا من باب النهي عن المنع بسبب الولاية فيأتي المنع الشرعي ينظر فيه يعني يقول أنتم ولاة البيت لا تمنعوا أحداً طاف به أو صلى أية ساعة وهذا باعتبار السلطة والولاية ثم هل يجوز أن يصلي أو لا يصلي هذا يرجع إلى الشرع ولا شك أن هذه منازعة قوية في هذا الدليل وأنه لقائل أن يقول هذا ولكن الصحيح أن ركعتي الطواف تفعلان في وقت النهي لكن بناءً على قاعدة مهمة نذكرها إن شاء الله تعالى في آخر ما يذكره المؤلف من الاستثناءات حتى يتبين وجه ذلك.
القارئ: وإعادة الجماعة لما روى يزيد ابن الأسود أنه قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر فلما قضى صلاته إذا هو برجلين لم يصليا معه فقال (ما منعكما أن تصليا معنا) فقالا يا رسول الله قد صلينا في رحالنا فقال (لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكم نافلة) رواه الأثرم.
الشيخ: هذه القصة وقعت والرسول عليه الصلاة والسلام في منى في مسجد الخيف لما سلم إذا هو برجلين لم يصليا فجيء بهما ناداهما الناس فأتيا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ترعد فرائصهما يعني يتنافران من هيبة الرسول عليه الصلاة والسلام فقال (ما منعكما أن تصليا معنا) قالا صلينا في رحالنا فقال (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة) إنها الضمير يعود للصلاة الأولى أو للثانية؟ للثانية لأنها أقرب مذكور ولأن الفرض سقط بالصلاة الأولى ولا يمكن أن يعود الفرض نفلاً فقوله (إنها) يعني الصلاة الثانية استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن صلاة الجماعة لا يجب أن تكون في المسجد لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينههما ما قال لا تصليا في رحالكما بل ائتيا إلى جماعة الناس بل أقرهما على أن يصليا في رحالهما وهذا هو المذهب عند الحنابلة أن صلاة الجماعة لا يجب أن تكون في المساجد بل الواجب الجماعة ولو في البيت واستدلوا بهذا الحديث وهذا الحديث في آخر حياة الرسول عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع فيبعد أن يكون منسوخاً وقال آخرون من العلماء بل الصلاة في الجماعة واجبة في المساجد وهذان الرجلان اللذان صليا في رحالهما يحتمل أنهما لم يعلما بوجوب الصلاة في المساجد مع الناس ويحتمل أنهما ظنا أن الناس قد صلوا ويحتمل احتمالات أخرى والقاعدة في الاستدلال أنه إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال وأن النصوص المتشابهة ترد إلى المحكم فإذا كان لدينا نص محكم يدل على وجوب الصلاة جماعة في المساجد فلا يمكن أن نبطل دلالة هذا النص المحكم من أجل دلالة حديث متشابه أو نص متشابه سواء آية أو حديث وقال بعض العلماء صلاة الجماعة في المساجد فرض كفاية لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة التي لا يجوز أن تعدمها بلاد المسلمين وإذا وجد من يكفي سقط عن الباقين وعلى هذا فإذا صلى في المسجد ثلاثة وجماعته ألف نفر سقط الفرض
بصلاة هؤلاء الثلاثة بل إذا صلى اثنان سقط الفرض بصلاتهما لأنه فرض كفاية ولا شك أن الاحتياط للإنسان والأسلم والابرأ لذمته أن يصلي مع جماعة المسلمين لما في ذلك من المصالح العديدة التي يأتي ذكرها إن شاء الله في باب صلاة الجماعة الشاهد أن هذا هو الموضع الرابع مما يستثنى فعله في أوقات النهي إعادة الجماعة وظاهر كلام المؤلف أن إعادة الجماعة مشروعة حتى صلاة المغرب وهذا موضع خلاف بين العلماء فمن العلماء من يقول إن صلاة المغرب لا تسن إعادتها لأنها وتر والوتر لا يكرر والصحيح أنها كغيرها تعاد ولا يقال إنها وتر بل نقول إنها صلاة معادة غير مستقلة فالمصلي تابع لغيره ليست صلاة مستقلة وعلى هذا فلا حاجة إذا سلم الإمام من صلاة المغرب أن تقوم فتأتي برابعة والدليل على أنها تدخل صلاة المغرب عموم قوله صلى الله عليه وسلم (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم).
السائل: ما حكم من صلى جماعة في مسجد ثم يذهب إلى مسجد آخر لقصد إعادة الجماعة؟
الشيخ: قصد المسجد لإعادة الجماعة غير مشروع إلا إذا جئت بغير قصد الإعادة ولهذا قال (ثم أتيتما مسجد جماعة) ما قال فاذهبا إلى مسجد جماعة لم يقل إذا صليتما في رحالكما فاذهبا إلى مسجد جماعة بل قال (ثم أتيتما مسجد جماعة).
السائل: قول المؤلف: وركعتا الطواف بعده قوله بعده هل هذا قيد؟
الشيخ: لا هذا بيان للواقع لأنه لا يوجد ركعتا طواف قبله.
القارئ: فأما فعل هذه الصلوات الثلاث في الأوقات الثلاثة الباقية ففيها روايتان إحداهما يجوز لعموم الأدلة المجوزة ولأنها صلاة جازت في بعض أوقات النهي فجازت في جميعها كالقضاء والثانية لا يجوز لقول عقبة في حديثه (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا) وذكر الصلاة مع الدفن ظاهر في الصلاة مع الميت ولأن النهي في هذه الأوقات آكد لتخصيصهن بالنهي في أحاديث ولأنها أوقات خفيفة لا يطاف على الميت فيها ولا يشق تأخير الركوع للطواف فيها بخلاف غيرها.
الشيخ: والصحيح أنها عامة بل الصحيح أن لدينا قاعدة وهي أن كل صلاة ذات سبب فهي جائزة في وقت النهي أولاً لأن في بعض أحاديث النهي أنه (نهى أن يُتحرَّى طلوع الشمس وغروبها).
وثانياً أن العلة في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات مشابهة الكفار وما كان له سبب فإنه لا تتأتى فيه المشابهة لأن الصلاة تعزى إلى هذا السبب وتبعد فيها المشابهة.
ثالثاً أن هذه المسائل المعينة التي ورد فعلها في أوقات النهي يقاس عليها ما كان مشابهاً لها من ذوات الأسباب وهذا القول هو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد رحمه الله وهو مذهب الشافعي واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي وشيخنا عبد العزيز بن باز وهو الصحيح أن كل ذات سبب فإنها تصلى في وقت النهي فتحية المسجد مثلاً لو دخلت قبل الغروب فصلها لا تجلس حتى تصلي، ركعتا الطواف، إعادة الجماعة، صلاة الاستخارة في أمر يفوت أما في أمر لا يفوت فلا تصلي لأنه يمكن أن تؤخر الصلاة إلى أن يزول وقت النهي.
السائل: ماحكم صلاة الجنازة على القبر وقت النهي؟
الشيخ: صلاة الجنازة على القبر لا تصلى في وقت النهي لأن السبب الصلاة الأولى أما هذه فيمكن أن تؤخرها إلى وقت آخر نعم لو فرض أن الميت لم يدفن فيصلى عليه من أجل اغتنام أو انتهاز الفرصة في وجوده بين يدي المصلي.
السائل: هل قول النبي صلى الله عليه وسلم (ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم) هذا مخصوص بالفرض أم أيضاً النافلة كصلاة التراويح؟ الشيخ: حتى النافلة لا ينبغي أن تجلس والناس يصلون.
فصل
القارئ: ومتى أعاد المغرب شفعها برابعة نص عليه لأنها نافلة ولا يشرع التنفل بوتر في غير الوقت.
الشيخ: قوله نص عليه يعني الإمام أحمد رحمه الله يشفعها برابعة والصواب أنه لا يشفعها لأن الأحاديث عامة أن تصلي مع الإمام وتكون نافلة ولا يقال هذا وتر فلا يعاد نقول لأن هذه الإعادة ليست وتراً استقلالياً حتى نقول إن الرجل أوتر مرتين.
القارئ: ومتى أقيمت الصلاة في وقت نهي وهو خارج من المسجد لم يستحب له الدخول فإن دخل صلى معهم لما روي عن ابن عمر أنه خرج من دار عبد الله بن خالد حتى إذا نظر إلى باب المسجد إذا الناس في الصلاة فلم يزل واقفاً حتى صلى الناس وقال إني قد صليت في البيت
الشيخ: مثلاً رجلٌ جاء إلى المسجد وقد صلى ووجدهم يصلون فبقي خارج المسجد فلا بأس اقتداءً بفعل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
فصل
القارئ: فأما سائر الصلوات ذوات الأسباب كتحية المسجد وصلاة الكسوف وسجود التلاوة وقضاء السنن ففيها روايتان إحداهما المنع لعموم النهي ولأنها نافلة فأشبهت ما لا سبب له والثانية يجوز فعلها لما روت أم سلمة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بعد العصر فصلى ركعتين فقلت يا رسول الله صليت صلاة لم أكن أراك تصليها فقال (إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر وإنما قدم وفد بني تميم فشغلوني عنهما فهما هاتان الركعتان) رواه مسلم وعن قيس بن عمر قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي بعد الصبح ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أصلاة الصبح مرتين) فقال له الرجل إني لم أكن صليت ركعتين قبلها فصليتهما الآن فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داوود ولأنها صلاة ذات سبب فأشبهت ركعتي الطواف والمنصوص عن أحمد في الوتر أنه يفعله قبل الفجر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله زداكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح) رواه الأثرم وقال في ركعتي الفجر إن صلاهما بعد الفجر أجزأه قال أحمد رحمه الله وأما أنا فأختار تأخيرهما إلى الضحى لما روى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من لم يصلِّ ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس).
الشيخ: هذا الفصل في ذوات الأسباب منها:
تحية المسجد وتعرفون أن بعض العلماء يرى أنها أي تحية المسجد واجبة وعلى هذا فلا تدخل في الاستثناء لماذا؟ لأن الكلام في النوافل ولا نهي عن واجب هذه واحدة.
الثاني صلاة الكسوف أيضاً فيها خلاف والراجح عندي أن أدنى ما نقول فيها أنها فرض كفاية وأما أن تكون سنة إن صلاها الناس أجروا وإن لم يصلوها لم يؤزروا ففي النفس منها شيء كيف يوجد كسوف والناس غافلون لا يلتفتون إلى الله هذا بعيد أن يقوله قائل والصواب أن أدنى ما يقال في صلاة الكسوف أنها فرض كفاية ولا بد.
أيضاً سجود التلاوة، سجود التلاوة مختلف في كونه صلاة فإن قلنا إنه ليس بصلاة فلا وجه لاستثنائه كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
قضاء السنن، قضاء السنن هل هو من ذوات الأسباب أو يمكن قضاؤها في وقت آخر لأن وقتها فات والحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله في حديث قيس بن عمر فظاهر هذا الحديث أنها تصلى في وقت النهي والحديث الثاني يدل على أنها تصلى بعد طلوع الشمس والصواب أنها جائز أن تصلى بعد صلاة الفجر وأن تصلى بعد طلوع الشمس والغالب أن يُختار أنها بعد صلاة الفجر لأن الإنسان إذا أخرها لها عنها ونسيها وهذا يقع كثيراً.
أما مسألة الوتر فالحديث الذي ذكره المؤلف ضعيف أو يحمل المراد إلى صلاة الصبح أي إلى وقت صلاة الصبح لأنه ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما قد صلى) ولا يقضى الوتر بعد طلوع الفجر بل إذا طلع الفجر وأنت لم توتر فلا تقضه إلى بعد طلوع الشمس في الضحى ولا تقضه وتراً ولكن اقضه شفعاً لحديث عائشة الذي في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان إذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة).
السائل: كيف يقضي صلاة الوتر؟ وهل يقنت؟
الشيخ: يكون شفعاً والقنوت ليس سنة دائماً يعني لم يثبت عن الرسول أنه قنت بوتر أبداً.
باب
النية
القارئ: وهي الشرط السادس فلا تصح الصلاة إلا بها بغير خلاف لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) ولأنها عبادة محضة فلم تصح بغير نية كالصوم ومحل النية القلب.
الشيخ: الشرط السادس النية وهنا النية لها أوجه:
الوجه الأول نية العمل وهو الذي يتكلم عليه الفقهاء رحمهم الله.
والوجه الثاني نية المعمول له هل ينوي بهذا العمل وجه الله أو شيئاً آخراً وهذا يتكلم عنه أهل التوحيد
والوجه الثالث نية الامتثال امتثال الأمر وهذا يتكلم عنه أرباب السلوك فلها ثلاث جهات أولاً نية العمل والثاني نية المعمول له والثالث نية الامتثال وأكثر الناس في عباداتهم اليوم يركزون على نية العمل وينسون نية المعمول له بناءً على أنهم مخلصون لله وليس في قلوبهم شيء سوى الله لكنهم ينسون نية الامتثال وأنه قام يصلي امتثالاً لقوله تعالى (وَأَقِمِ الصَّلاةَ) قام يتوضأ امتثالاً لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) وما أشبه ذلك وهذا يفوت على الإنسان خيراً كثيراً ويجعل العبادات قشوراً لا لباً فلابد من مراعاة هذه الأوجه الإخلاص ونية الامتثال ونية العمل، نية العمل يتميز بها العادة من العبادة ويتميز بها العبادات بعضها من بعض يقول المؤلف رحمه الله محلها القلب وهذا صحيح محلها القلب أما اللسان فليس له تدخل في النية ولذلك لو نطق بغير ما أراد في قلبه فإنه لا يؤثر.
القارئ: ومحل النية القلب فإذا نوى بقلبه أجزأه وإن لم يلفظ بلسانه وإن نوى صلاة فسبق لسانه إلى غيرها لم تفسد صلاته.
الشيخ: ولكن هل الأفضل أن ينطق بالنية أو لا ينطق؟ وإذا قلنا الأفضل أن ينطق فهل ينطق بها سراً أو جهراً؟ في هذا خلاف والصواب أنه لا يستحب النطق بها لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا بقوله ولا بفعله ولا بإقراره فلا ينطق بالنية وبعضهم قال ينطق بها جهراً إعلاناً للعبادة وقياساً على قول الحاج لبيك حجاً ولكن هذا لا وجه له ومن طرائف الأخبار أن عامياً وقف إلى جنب رجلٍ يصلي في الحرم في زمن قديم قبل أن تتوسع مدارك الناس وفهومهم وعلومهم فلما أراد أن يصلي هذا الرجل الأجنبي إلى جنب العامي قال اللهم إني نويت أن أصلي صلاة الظهر أربع ركعات في المسجد الحرام خلف الإمام الراتب لما أراد يكبر قال قف باقي عليك قال وماذا بقي قال باقي عليك التاريخ قل في يوم كذا في شهر كذا في سنة كذا ما دام المسألة يقصد بها التحديد فلابد من ذكر الوقت أنت ذكرت المكان والإمام والصلاة إذا كان المقصود التعيين فلابد أن تذكر التاريخ هذه من طرائف الأخبار وليست بغريبة على العوام، العامي بفطرته ينكر ما لا يأتي به الشرع وأذكر أني مرة في مجلس فتكلم بعض الإخوان عن قول أهل التعطيل في استواء الله على العرش قال (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) يعني استولى عليه فقال العامي باللغة العامية الله يعطيه العمى إذن العرش من هو عنده بالأول فسبحان الله حتى أنا تعجبت قلت هل أنت سمعت من عالم من قبل قال لا هذه واضحة خلق السماوات والأرض ثم استولى طيب عند من العرش قبل هذا فطر العوام تنكر ما لا يأتي به الشرع اللهم لك الحمد.
السائل: الفرق بين نية المعمول له ونية الامتثال لم يتبين لي؟
الشيخ: نية الامتثال أنك تستحضر أنك تفعل هذا امتثالاً لأمر الله ونية المعمول له أن تستحضر بأنك تفعل هذا لله لا رياءً ولاسمعة فمعنى نية الامتثال امتثال أمر الله، الله أمر (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ) تقول أنا الآن أشعر بأني أطبق هذا الأمر إقامة الصلاة طبعاً إقامة الصلاة لا تكون إلا بالاتباع لكن الإخلاص تصلي ولا يخطر ببالك أنك تمتثل أمر الله لكنك مخلصاً لله في هذه العبادة.
القارئ: والأفضل النية مع تكبيرة الإحرام لأنها أول الصلاة لتكون النية مقارنة للعبادة ويستحب استصحاب ذكرها في سائر الصلاة لأنها أبلغ في الإخلاص.
الشيخ: هذه مسألة مهمة النية تكون عند أول فعل العبادة ويستحب أن تكون على ذكر منها تذكرها في كل أجزاء الصلاة هذا هو الأفضل لتكون النية مقارنة للعمل في كل جزء منه هذا هو الأفضل فإن غابت عنك في أثناء الصلاة هل يضرك هذا أو لا؟ لا، لا يضرك أنت على نيتك الأولى فإن جاءك الشيطان في أثناء الصلاة قال هل أنت ناوي الظهر أو العصر فلا تلتفت لهذا لا تلتفت أنت على نية الصلاة التي أتيت لها ولهذا ذهب ابن شاقلا من أصحاب الإمام أحمد مذهباً فيه راحة للناس قال يكفي في نية الصلاة أن تنوي بها صلاة هذا الوقت وإن لم تعين أنها ظهر أو عصر لأنه قد يغيب عنك تعيين الظهر أو العصر ولا سيما إذا جئت والإمام راكع لأنه قد يغيب عن ذهنك التعيين فإذا نويت أنك إنما أتيت لتصلي فريضة هذا الوقت أجزأك وهذا لا شك أن فيه سعة للناس المهم أن استصحاب النية في جميع أجزاء الصلاة سنة فإن خلا الركوع أو السجود أو القيام أو القعود عن النية لكن ما نويت القطع أجزأ ومن هنا أخذ كثير من العلماء ومنهم الشيخ محمد الشنقيطي رحمه الله أنه لا يشترط نية الطواف ولا نية السعي لأن الطواف والسعي جزء من العبادة فكما أنك لا تنوي الركوع في الصلاة ولا السجود بل تكفي النية العامة للصلاة فكذلك الطواف والسعي وسائر أجزاء العبادة أنت من حين ما قلت لبيك عمرة عند الميقات فإنك قد نويت كل أفعال العمرة وهذا أيضاً فيه سعة للناس، كثير من الناس ولا سيما في أيام الزحام يدخل البيت الحرام ويشرع في الطواف ويغيب عن ذهنه أنه نوى طواف العمرة أو أي طواف كان فإذا قلنا أن الطواف والسعي بمنزلة الركوع والسجود في الصلاة وأن النية العامة تشملهما صار في ذلك سعة للناس وتسهيلاً وهو قول كثير من أهل العلم وهو الذي نختاره لأن الحقيقة أن كثيراً من الناس يندهش ولا سيما إذا رأى كثرة الناس فيدخل بنية الطواف ولا يشعر بأنه للحج أو للعمرة ولكن الطواف سينويه لأنه جاء ليطوف فيطوف.
السائل: هل يشرع التلفظ بنية الحج والعمرة؟
الشيخ: لا يشرع وأما قول لبيك حجاً فهذا إخبار عما في القلب لكن النطق بالنية أن تقول عند الإحرام اللهم إني نويت العمرة اللهم إني نويت الحج كما يذكره الفقهاء رحمهم الله قالوا ينبغي لمن أراد الإحرام أن يقول اللهم إني نويت العمرة وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني اللهم إني نويت الحج وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني هذا غير صحيح أنت إذا تهيأت ثم لبيت هذا هو الدخول فالتلبية بمنزلة تكبيرة الإحرام لا بمنزلة النية وتعيينها إظهار لما في القلب ليس عقداً بل إظهار لما في القلب كأنك تقول أنا الآن ملبي بعمرة.
السائل: هل نقول لا يستحب التلفظ بالنية أو التلفظ بها بدعة؟
الشيخ: شيخ الإسلام صرح بأنه بدعة والقاعدة أن كل من تعبد لله بما لم يشرعه الله من عقيدة أو قول أو عمل أو ترك فهو مبتدع هذا الضابط من تعبد لله فلابد من قصد التعبد في البدعة أما ما جرى مجرى العادات فهذا لا يسمى بدعة وإن سمي بدعة لغة فليس بدعة شرعاً.
القارئ: وإن تقدمت النية التكبير بزمن يسير جاز ما لم يفسخها لأن أولها من أجزائها فكفى استصحاب النية فيها كسائر أجزائها وإن كانت فرضاً لزمه أن ينوي الصلاة بعينها ظهراً أو عصراً لتتميز عن غيرها قال ابن حامد ويلزمه أن ينوي فرضاً لتتميز عن ظهر الصبي والمعادة وقال غيره لا يلزمه لأن ظهر هذا لا يكون إلا فرضا وينوي القضاء في الفائتة.
الشيخ: المؤلف اشترط في الصلاة المعينة أن ينويها بعينها فلا يصح أن ينوي مطلق الصلاة بل لابد أن ينويها بعينها إن كانت ظهراً ينويها ظهراً إن كانت عصراً ينويها عصراً فلا يجزئ النية المطلقة وقال ابن حامد يلزمه مع ذلك أيضاً أن ينوي الظهر وأنها فرض نقول الظهر ما تقع إلا فرضاً قال لا تقع إلا فرضاً في حق البالغ أما الصبي فتقع في حقه نفلاً فيقال يا ابن حامد غفر الله لك الذي يصلي الآن بالغ ولا غير بالغ؟ بالغ إذا نوى الظهر ماذا تقول؟ فرضاً يتعين بل لو نوى الظهر نفلاً وهو بالغ ما صحت فقول ابن حامد رحمه الله قول ضعيف لا شك في ضعفه.
القول الثالث الذي أشرنا إليه وهو قول ابن شاقلا نقله في الإنصاف أنه ينوي فرض هذا الوقت وإن غاب عن ذهنه أنها ظهر أو عصر وهذا هو الذي نميل إليه وذلك لأن الإنسان قد يغيب عن باله التعيين والله أعلم.
السائل: بعض الناس ينكر فعل الناس في القنوت في رمضان في قولهم اللهم اعتق رقابنا من النار يقول لأن قولهم اللهم اعتق رقابنا من النار يقتضي أننا حُكم علينا أننا من أهل النار؟
الشيخ: وإذا قلت اللهم أجرنا من النار.
السائل: أجرنا من النار يقول مقبولة لأن العتق هو تخليص من شيء وقع فيه.
الشيخ: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا (72)) لكن نعم لو قال قائل إن هذا الأسلوب (اعتق رقابنا من النار) إنه غير وارد أنا ما أحفظها واردة وعتق الرقبة يكون في المملوك يشترى ويعتق أما اعتقنا من النار لا بأس، أجرنا من النار أعذنا من النار لا بأس.
السائل: ما الفرق بين اعتقنا واعتق رقابنا؟
الشيخ: لأن الدعاء ينبغي فيه التعميم ولا يؤتى بالجزء عن الكل ثم ما دام لم ترد وورد بدلها اعتقنا من النار أو أعذنا من النار نعوذ بالله من عذاب جهنم أحسن.
السائل: إنسان يتوضأ ويذهب إلى المسجد ناوي الصلاة فكيف نقول إنه قد يغيب عنه ذكر فرض الوقت؟
الشيخ: إن كان لا يغيب عنك فإنه يغيب عني إنسان يسرح يفكر في شيء ويجيء يصف مع الناس لكن ما أنوي العشاء مثلاً لأني لو أردت أن أنوي العشاء ما عينت العشاء لكن يغيب عني أحياناً خصوصاً إذا أردت أعدلكم مثلاً استووا اعتدلوا لماذا متقدم لماذا متأخر أنسى ماذا سأصلي مثلاً وهذا واضح.
السائل: إذا واحد نام بعد العصر فاستيقظ بعد المغرب لقي الناس يصلون فظنها صلاة الفجر فنوى صلاة الفجر؟
الشيخ: هذه تقع أحياناً يستيقظ الإنسان من منامه على أنه بالليل حتى يرى النهار فهذا لا تصح صلاته لأنه نوى خلافها وإذا تبين أنها المغرب يجب أن يقطعها لأنها الآن لا هي فجر ولا مغرب يقطعها ليلقى الجماعة.
السائل: التقسيمات هذه أليس فيها مشقة على الناس نية الفرض ونية التعيين؟
الشيخ: الصحيح ما تحتاج إلى شيء من هذا، الفقهاء يريدون التحرير فقط وإلا ما تحتاج لو تسأل العامي الذي دخل المسجد عقب أذان الظهر إلا وهو ينوي صلاة الظهر لو تقول له هل نويت صلاة الظهر؟ قال سبحان الله أنا مجنون أنا ما أتيت المسجد إلا لصلاة الظهر ما فيها إشكال لكن العلماء رحمهم الله يحررون المسائل للتدقيق.
القارئ: والأفضل النية مع تكبيرة الإحرام لأنها أول الصلاة لتكون النية مقارنة للعبادة ويستحب استصحاب ذكرها في سائر الصلاة لأنها أبلغ في الإخلاص وإن تقدمت النية التكبير بزمن يسير جاز ما لم يفسخها لأن أولها من أجزائها فكفى استصحاب النية فيها كسائر أجزائها.
الشيخ: النية في العبادة لها وجهان:
الوجه الأول نية المعمول له وهذه أهم شيء لأنه هذه هو الإخلاص لمن تصلي لمن تتصدق لمن تصوم فنية المعمول له أهم ولكن هذه يتكلم عليها من يتكلمون عن التوحيد وأرباب السلوك
والثاني نية العمل ليتميز كل عمل عن الآخر وهذه التي يتكلم عليها الفقهاء
فالنية لها وجهان فالوجه الأول نية المعمول له لمن صليت لمن تصدقت لمن صمت لمن حججت وهذا يعني الإخلاص ويتكلم على هذا أصحاب العقائد وأرباب السلوك والوجه الثاني نية العمل ليتميز كل عمل عن الآخر فرض نفل ظهر عصر وهكذا وهذه يتكلم عليها الفقهاء والأول أشرف ولهذا كان أشرف العلوم علم التوحيد والعقائد المهم الآن ينبغي أن تقارن النية التكبير وإذا كبر بنية العبادة ثم غفل عن النية حتى انتهت الصلاة كان ذلك مجزئاً لأنه وإن لم يستصحب ذكرها فقد استصحب حكمها فاستصحاب الذكر أن تكون على باله من أول التكبيرة إلى التسليم على باله النية واستصحاب الحكم أن ينويها عند أول التكبير ثم تعزب عن خاطره لكن لا ينوي قطعها وهذا يسمى استصحاب الحكم.
القارئ: وإن كانت فرضاً لزمه أن ينوي الصلاة بعينها ظهراً أو عصراً لتتميز عن غيرها قال ابن حامد ويلزمه أن ينوي فرضاً لتتميز عن ظهر الصبي والمعادة وقال غيره لا يلزمه لأن ظهر هذا لا يكون إلا فرضاً.
الشيخ: الفرق بين قول ابن حامد وكلام المؤلف ظاهر يقول ابن حامد لا بد أن تنوي أنها الظهر وأنها فرض لتتميز عن صلاة الصبي والصحيح أنه لا يشترط إذا نوى الظهر كفى لأن الظهر معروف أنها تقع من البالغ فرضاً ومن الصبي نفلاً.
القارئ: وقال غيره لا يلزمه لأن ظهر هذا لا يكون إلا فرضاً وينوي الأداء في الحاضرة والقضاء في الفائتة وفي وجوب ذلك وجهان أَوْلاهما لا يجب لأنه لا يختلف المذهب فيمن صلى في الغيم بالاجتهاد فبان بعد الوقت أن صلاته صحيحة وقد نواها أداءً فإن كانت سنة معينة كالوتر ونحوه لزم تعيينها أيضاً.
الشيخ: وقد سبق لنا أننا ذكرنا قولاً لا يُلزم بالتعيين يكفي أن تنوي فرض الوقت فمثلاً إذا دخلت المسجد والناس يصلون على أنك ناوي الظهر أو أنها فرض الوقت مثلاً فإنه يجزئ وهذا القول ذكرنا أنه أصح وأنه هو الذي يستريح فيه الناس لأنه أحياناً يغيب عن ذهن الإنسان تعيين الصلاة هل هي ظهر أو عصر لكن هو ما جاء إلا ليؤدي فرض هذا الوقت فإن كان في وقت الظهر فهي ظهر وإن كان في وقت العصر فهي عصر ولكن على كل حال التعيين أفضل لكن أحياناً يغيب عن الإنسان.
القارئ: وإن كانت نافلة مطلقة أجزأته نية الصلاة ومتى شك في أثناء الصلاة هل نواها أم لا لزمه استئنافها لأن الأصل عدمها فإن ذكر أنه نوى قبل أن يحدث شيئاً من أفعال الصلاة أجزأه.
الشيخ: وهذا مقيد بما إذا لم يكن كثير الشكوك فإن كان كثير الشكوك فإنه لا يلتفت إليه لأن بعض الناس نسأل الله العافية يبتلى فتجده دخل في الصلاة كبر قرأ ثم يشك هل نوى أم لا؟ يكون كل ما دخل في الصلاة شك هذا الشك نقول هذا لا يلتفت إلى شكه لأن كثرة الشك يجب إلغاؤها لأن لا ينفتح على الإنسان باب الوسواس.
القارئ: وإن فعل شيئاً قبل ذكره بطلت صلاته لأنه فعله شاكاً في صلاته وإن نوى الخروج من الصلاة بطلت لأن النية شرط في جميع الصلاة وقد قطعها وإن تردد في قطعها فعلى وجهين أحدهما تبطل لما ذكرنا والثاني لا تبطل لأنه دخل فيها بنية متيقنة فلا يخرج منها بالشك.
الشيخ: وهذا هو الصحيح، الصحيح أنه يستمر في صلاته لو تردد هل يقطع صلاته أم لا يعني افرض أنه شرع في الصلاة ثم ذكر حاجة فتردد هل يقطع صلاته ليدرك حاجته أو لا ثم قال أمضي فعلى القول بأن التردد يبطل النية يلزمه استئناف الصلاة إذا قلنا بأن التردد في النية يبطل النية يعني يجعلها نية فاسدة وأما إذا قلنا بالقول الثاني أن التردد فيها لا يبطلها لأنه دخل بنية متيقنة وطرأ التردد عليها من غير ترجيح ومثل ذلك لو نوى فعل محظور ولم يفعله مثل أن تنحبس الريح وهو يصلي فيقول سأطلق الريح ومعلوم أنه إذا أطلق الريح أن صلاته تبطل ثم يستمر يتصبر ويستمر فإن صلاته لا تبطل لأنه نوى فعل محظور ولم يفعله.
القارئ: وإذا نوى في صلاة الظهر ثم قلبها عصراً فسدتا جميعاً لأنه قطع نية الظهر ولم تصح العصر لأنه ما نواها عند الإحرام وإن قلبها نفلاً لعذر مثل أن يحرم بها منفردا فتحضر جماعة فيجعلها نفلاً ليصلي فرضه في الجماعة صح لأن نية النفل تتضمنها نية الفرض وإن فعل ذلك لغير غرض كره وصح قلبها لما ذكرنا ويحتمل أن لا يصح لما ذكرنا في الظهر والعصر.
الشيخ: ينبغي أن يقال يحتمل أن لا يصح ليس لهذه العلة لأنه لا يجوز أن يخرج من الفرض إلا بعذر وهذا الرجل خرج من الفرض إلى النفل وهذه المسألة تحتاج إلى وضع ضابط نقول:
إذا انتقل من معين إلى معين لم يصح الاثنان.
ومن معين إلى مطلق يدخل في ضمنه المعين فإنه يصح.
ومن مطلق إلى معين لا يصح.
انتقل من الظهر إلى العصر لا يصح لا الظهر ولا العصر أما الظهر فلأنه أبطلها وأما العصر فلأنه لم ينوها من أولها انتقل من نفل مطلق إلى الوتر لا يصح لأنه من مطلق إلى معين مثل إنسان يتهجد في الليل يصلي صلاة مطلقة فجعلها وتراً نقول لا يصح لأنه من مطلق إلى معين، انتقل من صلاة الظهر إلى نفل مطلق يصح لماذا لأن صلاة الظهر تشتمل على نيتين في الواقع نية الصلاة وكونها ظهراً أبطل كونها ظهراً فبقيت نية الصلاة، انتقل من صلاة الظهر إلى راتبة الظهر لا تصح لأنه من معين إلى معين فالظهر أبطلها والراتبة لابد أن تكون من أولها راتبة ولا يمكن أن تكون الصلاة من أولها مطلقة وآخرها راتبة لا يمكن.
السائل: ما حكم من نوى أن يوتر بخمس مثلاً ثم اقتصر فأوتر بركعة واحدة؟
الشيخ: ما في بأس.
السائل: ما حكم إذا أراد أن يصلي راتبة الظهر أربعاً ركعتين ركعتين فنسي فقام إلى الثالثة؟
الشيخ: نقول اجلس لأجل تكون ركعتين ركعتين وإن أتمها أربعاً فلا بأس لكن خلاف الأولى.
فائدة: لو صلى الظهر يريد أربع ركعات وغفل وعندما جلس للتشهد الأول سلم على أنها الفجر فهذا لا يكمل لأنه صلاها على أنها ركعتين أما لو سلم من الركعتين على أنها أربع فنقول يكمل.
السائل: الذي يصلي الظهر وقلبها نافلة قلنا يصح لأنه من معين لمطلق والله قال (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) فكيف نوفق بين الآية وهذا القول؟
الشيخ: الإبطال ما معناه؟ قال بعض العلماء لا تبطلوا أعمالكم بالردة لقوله تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) وإما إبطال العبادة فلا يدخل في هذا والرجل ما أبطلها مثل ما قال المؤلف يكره لغير غرض صحيح، إذا كان لغرض صحيح يصح والمؤلف يقول يكره لكن فيه قول يحتمل أن لا يصح لما ذكرنا في الظهر والعصر.
باب
صفة الصلاة
القارئ: وأركانها خمسة عشر القيام وهو واجب في الفرض لقول الله تعالى (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب) رواه البخاري.
فإن كبر للإحرام قاعدا أو في حال نهوضه إلى القيام لم يعتد به لأنه أتى به في غير محله.
ويستحب القيام إلى المكتوبة عند قول المؤذن قد قامت الصلاة لأنه دعاء إلى القيام فاستحب المبادرة إليه.
الشيخ: هنا علل القيام عند قد قامت الصلاة بأنه دعاء إلى القيام وقال بعض العلماء يقوم عند قوله حي على الصلاة لأن معنى حي أقبل وقال بعضهم يقوم إذا شرع وقال بعضهم يقوم إذا كبر الإمام للتحريمة قال الإمام مالك رحمه الله والأمر عندنا في هذا واسع ما في التوقيت يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
القارئ: ويستحب للإمام تسوية الصفوف لما روى أنس بن مالك قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه يعني عوداً في المحراب ثم التفت وقال (اعتدلوا سووا صفوفكم) ثم أخذه بيساره وقال (اعتدلوا سووا صفوفكم) رواه أبو داوود
فصل
القارئ: ثم يكبر للإحرام وهو الركن الثاني لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء في صلاته (إذا قمت إلى الصلاة فكبر) وقال (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) رواه أبو داوود وقال (لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول الله أكبر ولا يجزئه غيره من الذكر ولا قوله الله الأكبر ولا التكبير بغير العربية لما ذكرنا فإن لم يحسن العربية لزمه التعلم فإن خشي خروج الوقت ففيه وجهان أحدهما يكبر بلغته لأنه عجز عن اللفظ فلزمه الإتيان بمعناه كلفظة النكاح والثاني لا يكبر بغير العربية لأنه ذكر تنعقد به الصلاة فلم يجز التعبير عنه بغير العربية كالقراءة فعلى هذا يكون حكمه حكم الأخرص فإن عجز عن بعض اللفظ أو عن بعض الحروف أتى بما يمكنه وإن كان أخرص فعليه تحريك لسانه لأن ذلك كان يلزمه مع النطق فإن عجز عن أحدهما بقي الآخر ذكره القاضي ويقوى عندي أنه لا يلزمه تحريك لسانه لأن ذلك إنما وجب على الناطق ضرورة القراءة وإذا سقطت سقط ما هو من ضرورتها كالجاهل الذي لا يحسن شيئاً من الذكر ولأن تحريك لسانه بغير القراءة عبث مجرد فلا يرد الشرع به.
الشيخ: هذا الذي قاله إنه يقوى عنده هذا هو المتعين حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال ينبغي أن يقال ببطلان صلاته لأنه حركة لا ثمرة منه رجل أخرس لا ينطق إذا أراد يحرك لسانه وشفتيه صارت حركة كثيرة متوالية لأنه سوف يحركه من حين يبدأ إلى أن يختم فهي حركة كثيرة متوالية عبث فالصواب ما قاله المؤلف رحمه الله أنه لا يحرك لسانه أخرص لا يستتطيع النطق يسقط عنه لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وأما الذي يعجز عن التكبير بالعربية فله أن يكبر بلغته وذلك لأن التكبير لا يتعبد بلفظه بخلاف القرآن فإذا كبر بلغته أو دعا بلغته أو سبح بلغته فلا بأس.
القارئ: ويبين التكبير ولا يمططه فإن مططه تمطيطاً يغير المعنى مثل أن يمد الهمزة في اسم الله تعالى فيجعله استفهاما.
الشيخ: يقول آلله أكبر؟ إذا قال آلله صار استفهاماً مثل قوله (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ).
القارئ: أو يمد أكبار فيزيد ألفاً فيصير جمع كبر وهو الطبل لم تجزه.
الشيخ: يعني أن أكبار جمع كبر كأسباب جمع سبب فإذا قال المكبر الله أكبار قلنا صلاتك باطلة ولم تنعقد لأنك قلت أكبار وأكبار بمعنى الطبول.
السائل: إذا قال في الأذان الله أكبار؟
الشيخ: نفس الشيء ما يصح أذانه.
السائل: هل يستحب تسوية الصفوف أم يجب؟
الشيخ: الاستحباب هذا للإمام أما المأمومون فيجب عليهم تسوية الصفوف لكن الإمام هو الذي يستحب له أن يأمر الناس يقول استووا سووا صفوفكم اعتدلوا ويجب عليه إذا رأى أحد متقدم أو متأخر يجب ولهذا قوله يستحب للإمام تسوية الصفوف أن يقول استووا.
السائل: ما هو الراجح في القيام في الصلاة هل واجب أم ركن؟
الشيخ: القيام في صلاة الفرض ركن لا تصح الصلاة إلا به.
القارئ: ويجهر بالتكبير إن كان إماماً بقدر ما يسمع من خلفه وإن لم يكن إماماً بقدر ما يسمع نفسه كالقراءة.
الشيخ: قولهم بقدر ما يسمع من خلفه هذا أدنى الواجب وليس المعنى إذا كان جهوري الصوت أن يخفضه حتى لا يسمعه إلا من خلفه بل أدنى الواجب أن يسمع من خلفه.
فصل القارئ: ويستحب أن يرفع يديه ممدودتي الأصابع مضموماً بعضها إلى بعض حتى يحاذي بهما منكبيه أو فروع أذنيه لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ولا يفعل ذلك في السجود) متفق عليه.
ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه لأن الرفع للتكبير فيكون معه فإن سبق رفعه التكبير أثبتهما حتى يكبر ويحطهما في حال التكبير وإن لم يرفع حتى فرغ من التكبير لم يرفع لأنه سنة فات محلها وإن ذكر في أثنائه رفع لأن محله باق فإن عجز عن الرفع إلى حذو المنكبين رفع قدر ما يمكنه وإن عجز عن رفع إحدى اليدين رفع الأخرى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
الشيخ: وإن لم يقدر إلا أن يرفعهما أكثر مثل أن تكون اليد ما تنثني فهو إما أن يرفع جداً أو يترك فهل يرفع أو يترك؟
يرفع لأن هذه مخالفة في الصفة فقط.
والرفع بيَّن أنه إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه، فروع أذنيه أي أعلاهما والمنكبان هما الكتفان فهل هما صفتان أو صفة واحدة لأن السنة وردت بهذا وهذا لكن هل هما صفتان أو صفة واحدة قال بعضهم إنهما صفتان وقال بعضهم صفة واحدة لكن من ذكر الكتفين فالمراد أسفل الكف ومن ذكر فروع الأذنين فالمراد أعلى الكف والخطب في هذا سهل أما ابتداء الرفع يقول إنه مع ابتداء التكبير فهذا أيضاً جاءت به السنة وجاءت السنة بأن يكبر ثم يرفع وأن يرفع ثم يكبر فالصفات إذاً ثلاث صفات.
فصل
القارئ: فإذا فرغ استحب وضع يمينه على شماله لما روى هُلْب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه قال الترمذي هذا حديث حسن ويجعلهما تحت السرة لما روى عن علي أنه قال السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة رواه أبو داوود وعنه فوق السرة وعنه أنه يخير ويستحب جعل نظره إلى موضع سجوده.
الشيخ: لم يذكر المؤلف الصفة التي هي أولى وأحسن والتي دل عليها حديث وائل بن حجر أنه يضعهما على صدره وهذا أصح لأن حديث علي ضعيف أن الرسول عليه الصلاة والسلام يضعهما تحت السرة فالصواب أنه يضعهما على صدره.
القارئ: ويستحب جعل نظره إلى موضع سجوده لأنه أخشع للمصلي وأكف لنظره.
الشيخ: ويستثنى من ذلك إذا كان في التشهد أو في الجلسة بين السجدتين فإنه ينظر إلى محل إشارته يعني إلى أصبعه ويستثنى من ذلك إذا كان في صلاة الخوف فإنه ينظر إلى العدو لقول الله تعالى (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) واستثنى بعض العلماء إذا كان في المسجد الحرام فإنه ينظر إلى الكعبة والأخير ليس بصحيح بل الذي في المسجد الحرام ينظر إلى موضع سجوده وقال بعض العلماء السنة أن ينظر تلقاء وجهه لأن هذا ظاهر فعل الصحابة حيث كانوا يحكون اضطراب لحية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم سئلوا بماذا تعرفونه يقرأ قالوا باضطراب لحيته وهذا يدل على أنهم ينظرون تلقاء وجوههم وكذلك في صلاة الكسوف رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم النار تلقاء وجهه ولو قيل بأن الأمر في هذا واسع أيضاً لم يكن بعيداً من الصواب أن يقال إما أن تنظر تلقاء وجهك أو تجعل نظرك في موضع سجودك فإذا كان أخشع لك أن يكون نظرك في موضع سجودك فافعل وإذا كان أريح لك أن تجعل نظرك منطلقاً إلى الأمام فلا بأس.
السائل: النظر إلى موضع السجود للوجوب أو الاستحباب؟
الشيخ: لا، ليس للوجوب.
السائل: الذين يقولون الأولى تنظر إلى موضع سجودك كيف يردون على الأحاديث التي فيها أن الصحابة ينظرون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك فعله في صلاة الكسوف؟
الشيخ: يقولون فسر كثير من السلف قوله تعالى (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) الذين ينظرون إلى مواضع سجودهم وأما فعل الصحابة لعلهم يقولون إن هذا لأن الرسول عليه عليه الصلاة والسلام يقتدى به وهو أسوة وإمام فنظرهم إليه يحتاجون له وعلى كل حال ينبغي أن ينظر لما هو أصلح له وفعله أيضاً يمكن يجيبون عنه بأن هذه حال طارئة لأن الله أراد أن يعرض عليه الجنة والنار، الأمر في هذا واسع.
السائل: ما هو التوجيه في عدم صحة استحباب النظر إلى الكعبة في المسجد الحرام؟