تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامةصفحات 281-320
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 281-320
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
عدد الأجزاء
5 [الكتاب مرقم آليا]

القارئ: يستحب أن يؤذن في أول الوقت ليعلم الناس بوقت الصلاة فيتهيؤوا لها وقد روي أن بلالاً كان يؤذن في أول الوقت لا يخرم وربما أخر الإقامة شيئاً رواه ابن ماجة ويؤخر الإقامة لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال (اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل الخلاء لقضاء حاجته) رواه أبو داود ولأن الإقامة لافتتاح الصلاة فينبغي أن تتأخر قدراً يتهيؤون فيه للصلاة فإن كان للمغرب جلس جلسة خفيفة لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (جلوس المؤذن بين الأذان والإقامة في المغرب سنة) رواه تمَّام في الفوائد، ويستحب أن يقيم في موضع أذانه إلا أن يشق عليه لكونه قد أذن في مكان بعيد لقول بلال للنبي صلى الله عليه وسلم (لا تسبقني بآمين) رواه أبو داوود لأنه لو أقام في موضع صلاته لم يخف سبقه بذلك ويستحب لمن أذن أن يقيم لما روى زياد بن الحارث الصُّدَائي أنه أذن فجاء بلال ليقيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم) من المسند رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة وإن أقام غيره جاز لما روى أبو داوود في حديث الأذان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ألقه على بلال) فألقاه عليه فأذن بلال فقال عبد الله أنا رأيته وأنا كنت أريده قال (فأقم أنت).

السائل: بعض المساجد تكون الإقامة بالمكيرفونات خارجية فتسمع في الخارج؟ الشيخ: ما فيه بأس الذي نرى فيه بأس الصلاة في الميكرفونات هي التي تشوش.
السائل: لو أقام أحد غير المؤذن هل تصح الإقامة؟ الشيخ: نعم تصح ما لم يكن هناك فتنة أو تشاح بحيث يأتي واحد يقيم قبل وقت الإقامة مراغمة للمؤذن هذا لا يجوز لكن لو فرض أن المؤذن أقام ثم خرج لشغل أو غيره فلا بأس.
السائل: من المسند هل يعني مسند الإمام أحمد؟ الشيخ: نعم ولم يقل رواه الإمام أحمد وهذا تنويع عبارة ومر علينا مثل هذه

السائل: لو صلى الناس بإقامة مسجد آخر؟ الشيخ: لا، يقيمون هم الإقامة للحاضرين.

فصل القارئ: ولا يجوز أخذ الأجرة عليه لما روى عثمان بن أبي العاص أنه قال إن آخر ما عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم (أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على الأذان أجراً) قال الترمذي هذا حديث حسن ولأنه قربة لفاعله أشبه الإمام وإن لم يوجد من يتطوع به رزق الإمام من بيت المال من يقوم به لأن الحاجة داعية إليه فجاز أخذ الرَّزْق عليه كالجهاد وإن وجد متطوع به لم يُرْزَق لأن المال للمصلحة فلا يعطى في غير مصلحة.
الشيخ: لأن المال يعني بيت المال إنما يكون لمصالح المسلمين فإذا وجد من يتطوع بالأذان فلا يجوز أن يقيم شخصاً يؤذن ونعطيه من بيت المال لأن في هذا إضاعة لبيت المال وطبقوا هذه المسألة على واقع المسلمين اليوم فإن حفظ مال بيت المسلمين من أوجب الواجبات لأنه للمسلمين لمصالحهم الدينية والدنيوية ولا يجوز أن يبذل إلا عند الحاجة إليه.
السائل: إذا جاز أن يعطى للمؤذن مالاً إذا لم يجد من يتطوع كيف يوجه حديث (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) الشيخ: الأجر: المؤاجرة أن يقول أنا أستأجرتك على أن تؤذن بكذا وكذا أما الثاني فإنه يرتب مؤذن يؤذن ويؤخذ من بيت المال ويعطى إياه مثل عمل الناس اليوم ما يأخذه المأذنون والأئمة فهو من هذا الباب وإن قيل إنه أتى للمال فلا يسمى مستأجر بل يسمى أخذ أعطية من بيت المال يعطى من بيت المال والذي يعطيه من بيت المال لا يعطيه على أنه أجير يعطيه على أنه قام بمصلحة من مصالح المسلمين ولهذا لو ترك الأذان يوماً أو يومين لم يخصم عليه لكن لو كان أجيراً خصم عليه.
السائل: إن اتفق مجموعة من الناس بأن يعطوا مبلغاً معيناً لمن يؤذن لهم؟ الشيخ: يصح ما دام ليس بينهم عقد اتفاق أجرة فلا حرج.
السائل: هل للمؤذن الذي يأخذ مالاً الأجر؟ الشيخ: فهو على حسب النية إذا أذن ليأخذ ليس له أجر وإن أخذ ليؤذن فلا بأس.

فصل

القارئ: ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول لما روي أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول) متفق عليه ويقول عند الحيعلة لا حول ولا قوة إلا بالله لما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
] يوجد سقط في القراءة إلى نهاية الفصل [. الشيخ: ........ الأصل الأمر فيجب على من سمع المؤذن أن يقول مثل قوله والصحيح أنه مستحب وفيه بيان فضل الله عز وجل حيث جعل للسامع شِرْكاً في أجر المؤذن فإن الأذان لا يكون لكل واحد ولكن من سمع فتابع حصل له هذا الأجر وعلم من كلام المؤلف أنه لا يستحب أن يقول مع المقيم مثل ما يقول لأنه أمر لمن سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول والإقامة ليست أذاناً لا حقيقة ولا حكماً لحديث أنس ابن مالك رضي الله عنه (أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة) ففرق بينهما ولقول النبي عليه الصلاة والسلام (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن) وقال (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة) ولم نؤمر بأن نقول مثل ما يقول وفرق بين حكم الإقامة وحكم الأذان فيمن سمعهما وقد ورد في هذا حديث لكنه حديث ضعيف أن الإنسان يقول مثل ما يقول المقيم لكنه ضعيف لا تقم به حجة وقال بعض العلماء إنه يقول مثل ما يقول المقيم لحديث (بين كل أذانين صلاة).
والرسول يقول (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن) فسمى الإقامة أذاناً فيقال إن هذا من باب التغليب لأن الإقامة لها لفظ خاص ومعنى خاص وحكم خاص فهي مباينة للأذان لكن إذا ذكرت معه على سبيل التغليب فهذا سائغ في اللغة العربية وفهم من سياق المؤلف رحمه الله حديث (من قال حين يسمع النداء وأنا أشهد) أن قول رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً تكون عند قول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فهاتان مسألتان.

المسألة الثالثة أن من سمعه وهو يصلي فإنه لا يجيب لأن ذلك يشغله عن صلاته وقال شيخ الإسلام رحمه الله بل يجيب ولو كان في الصلاة لأن ذلك ذكر وجد سببه في الصلاة فليكن مشروعاً كما شرع للعاطس أن يحمد الله وكما شرع لمن استولى عليه الشيطان في صلاته أن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولكنه فيما نرى قياساً مع الفارق لأن الحمدلة عند العطاس والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم هذه الأولى قليلة لا تشغل فلا يصح قياس الأذان عليها الذي سيأخذ منك وقتاً وأما الثانية فهي لمصلحة الصلاة وهي الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند تسلط الشيطان عليه.
المسألة الرابعة إذا تعدد المؤذنون فهل نجيب كل مؤذن؟ نقول ظاهر الحديث (إذا سمعتم المؤذن) عام وقد قال الفقهاء رحمهم الله يسن أن يجيب المؤذن ثانياً وثالثاً ما لم يصلِّ فإن صلى الصلاة التي فعلها فإنه لا يجيب المؤذن الذي يؤذن لها وعللوا ذلك لأنه غير مدعو بهذا الأذان لأنه قد أدى الفريضة فإذا كان غير مدعو لهذا الأذان فلا وجه لقوله لا حول ولا قوة إلا بالله عند قول المؤذن حي على الصلاة وعلى هذا فلا يسن له إجابة المؤذن إذا كان قد صلى والراجح أنه لا يجيب إذا صلى وأنه قبل يجيب كلما سمع لكن إذا اختلطت أصواتهم وصاروا يؤذنون جميعاً فإنه يجيب من بدأ أولاً فإن غلبه الثاني بصوته أجاب الثاني وعدل عن الأول أما إذا كان يمكنه إدارك صوت الأول الذي شرع في إجابته فليستمر عليه.
المسألة الخامسة أنه يستحب الدعاء بين الأذان والإقامة سواء كنت في صلاة أو في غير صلاة بل إذا كنت في صلاة فإنه يتأكد أكثر إذا سجدت لتجمع بين سببي الإجابة وهما الزمن والهيئة الزمن بين الأذان والإقامة والهيئة السجود.
السائل: في الحديث (إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدهم الله أكبر الله أكبر) ما يؤخذ منه استحباب أن يصل المؤذن التكبير الأول بالتكبير الثاني في الأذان؟

الشيخ: يحتمل هذا ويحتمل غيره لكن وصل التكبير ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يجوز أن تصل التكبيرتين الأوليين بعضهما ببعض.
السائل: هل يجيب المؤذن نفسه؟ الشيخ: ظاهر كلام المؤلف لا لأنه قال يسن لسامعه وهو أيضاً ظاهر الحديث (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) والمؤذن لا حاجة إلى أن يقول مثل ما يقول فهو الذي كبَّر وأذن فإذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم وسأل الله الوسيلة حصلت له.
السائل: إجابة الإقامة ماالراجح فيها؟ الشيخ: أنه لا يجيب لوصح الحديث فيها لقلنا به.

باب شرائط الصلاة القارئ: وهي ستة الطهارة من الحدث لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) رواه مسلم والثاني الطهارة من النجس لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء في دم الحيض (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه وصلي فيه) فدل على أنها ممنوعة من الصلاة فيه قبل غسله فمتى كانت عليه في بدنه أو ثيابه نجاسة مقدور على إزالتها غير معفو عنها لم تصح صلاته.

الشيخ: أولاً شرائط الصلاة، شرائط: جمع شريطة وشروط جمع شرط ولهذا عندي

باب شرائط الصلاة

وهي ست عندي للتأنيث وهي نسخة.
المؤلف رحمه الله بين شروط الصلاة وهي ما تتوقف عليه صحتها أي صحة الصلاة منها الطهارة من الحدث وهي فعل مأمور (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) الثاني اجتناب الطهارة من النجس واستدل له رحمه الله بدم الحيض أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بغسله ثم الصلاة فيه ولكن المؤلف قال الطهارة من النجس في بدنه أو ثيابه وبقي موضع ثالث وهو مكان صلاته فيجب اجتناب النجاسة في هذه المواطن الثلاثة البدن والثوب والمكان.
السائل: إذا صلى وهو لا يعلم أن هناك نجاسة في جسمه إلا بعد الصلاة فصلاته صحيحة ألا يدل هذا على أنها واجبة وليست شرطاً.

الشيخ: هي شرط الصحة مع الذكر والعلم فالظاهر أنها شرط لأن الرسول قال في اجتناب النجاسة (ثم صلي فيه) بعدما يزيلها يصلي فيه ولأن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى في نعل فيهما قذر فخلعهما ويرى بعض العلماء كالشوكاني أن اجتناب النجاسة ليس شرطاً للصلاة ولكنه واجب والذي يظهر لنا أنه شرط ولابد منه.
السائل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول) هذه في نفس الحروف والترتيب فقط أم أيضاً في رفع الصوت؟ الشيخ: في الحروف والترتيب صحيح أما في الصوت فلا، ووجه ذلك عمل الصحابة رضي الله عنهم فما كان كل واحد منهم يرفع صوته حتى يكون كالمؤذن فهذه واحدة والتعليل أن المؤذن إنما يرفع صوته لإعلام الناس إذ لا يمكن حصول الإعلام إلا برفع الصوت وأما هذا فيتابع من أجل الأجر، ولا يقول مع المؤذن لأنه لا يصدق عليه أنه قال الله أكبر حتى يتم الله أكبر.
السائل: ذكر المؤلف أن هناك نجاسة غير معفو عنها فهل هناك نجاسة معفو عنها؟ الشيخ: يسير الدم الذي مر علينا يسير الدم النجس معفو عنه اليسير عند شيخ الإسلام كل شيء يشق فهو معفو عن يسيره بل عنده رحمه الله كل النجاسات معفو عن يسيرها إنما على المذهب منها ما يعفى عن يسيره كالدم ومنها ما لا يعفى عن يسيره كالبول.
القارئ: وإن جبر عظمه بعظم نجس لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر وأجزأته صلاته لأن ذلك يبيح ترك التطهر من الحدث وهو آكد ويحتمل أن يلزمه قلعه إذا لم يخف التلف لأنه لا يخاف التلف أشبه إذا لم يخف الضرر.

الشيخ: مثال ذلك رجل انكسر زنده فأوتي بعظم كلب فألحق به وجبر فإنه لا يجب عليه قلعه مع الضرر وما ذكره المؤلف من احتمال وجوب القلع فهذا احتمال ضعيف جداً بل يقال إنه لا يجب قلعه مع الضرر وهو الصواب وأما إن لم يتضرر بحيث أمكن أن نقلع هذا العظم النجس ونجعل بدله عظماً طاهراً وجب ذلك أما الآن ولله الحمد بعد تقدم الطب صاروا يضعون بدله إما بلاستيك أو حديد أو ما أشبه ذلك.
القارئ: وإن أكل نجاسة لم يلزمه قيئها لأنها حصلت في معدته فصارت كالمستحيل في المعدة وإن عجز عن إزالة النجاسة من بدنه أو خلع الثوب النجس لكونه مربوطاً أو نحو ذلك صلى ولا إعادة عليه لأنه شرط عجز عنه فسقط كالسترة وإن لم يجد إلا ثوباً نجساً صلى فيه لأن ستر العورة آكد لوجوبه في الصلاة وغيرها وتعلق حق الآدامي به في ستر عورته وصيانة نفسه والمنصوص أنه يعيد لأنه ترك شرطاً مقدوراً عليه ويتخرج أن لا يعيد كما لو عجز عن خلعه أو صلى في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه.
الشيخ: وهذا هو الصحيح أنه إذا لم يجد إلا ثوباً نجساً فإنه يصلي فيه ولا إعادة عليه لعموم قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
وقوله والمنصوص يعني عن أحمد أنه يعيد لماذا لأنه ترك شرطاً مقدوراً عليه وهو تجنب النجاسة إذ بإمكانه أن يخلع هذا الثوب ويصلي لكنه يكون عرياناً لكن يترتب على هذا ترك شرط آخر وهو ستر العورة ولهذا كان الصحيح أنه لا يعيد.
وقوله يتخرج أن لا يعيد التخريج معناه نقل حكم مسألة إلى مسألة أخرى يشبه ما يعرف عند الأصوليين بالقياس ما هو التخريج على أي شيء قال يتخرج أن لا يعيد كما لو عجز عن خلعه أو صلى في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه لأنه لو صلى في موضع نجس لا يمكن الخروج منه أجزأت صلاته فيتخرج أن ينقل حكم تلك المسألة إلى هذه.

السائل: إذا لم يجد إلا ثوباً نجساً فالصلاة بالثوب النجس محرم والصلاة وعورته مكشوفة كذلك محرم فاجتمع عندنا محرمان ما أدرانا أن هذا آكد من هذا؟ الشيخ: لأنه إذا ستر عورته حصل على السترة وبروز العورة مخالفة ظاهرة والنجاسة مخالفة خفية قد لا تتبين النجاسة في الثوب فكان مراعاتها أولى هذه واحدة ثانياً أنه يقال إنه ستر عورته بثوب لا يستطيع أن يزيل ما به من نجاسة فسقط عنه وجوب الإزالة لعجزه عن ذلك.
(هنا سقط من باب شرائط الصلاة عند قوله: وإن خفي عليه موضع النجاسة لم يزل حكمها .... إلى فصل في الأماكن التي لا تصح فيها الصلاة عند قوله لارتكابه للنهي وإن لم يعلم صحت)

] أدى ذلك إلى أن يشركوا فيصلوا لهذه القبور وليست العلة ما يذكره بعض الناس أن المقبرة قد تكون منبوشة ويكون التراب متلوثاً بالصديد والدم وذلك لأن صديد الميت طاهر لأن المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً فالعلة إذاً لأنها ذريعة إلى الشرك سواءً كانت قديمة أو حديثة.
الثاني الحمام والحمام هو موضع السباحة وليس هو موضع قضاء الحاجة موضع قضاء الحاجة يسمى الحش لكن الحمام موضع السباحة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) أما العلة في الحمام فلأنه موضع كشف العورات وموضع يكثر فيه الداخل والخارج فيشوش على المصلي وقيل إنه أي الحمام مأوى الشياطين فلا ينبغي أن يصلي في مأوى الشياطين فيه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) يعني لا تجعلوها في قبلتكم ولو كان ذلك في غير مقبرة فلا يجوز للإنسان أن يجعل القبر أمامه لأنه يشبه عابده.

الموضع الثالث أعطان الإبل أعطان الإبل لا يصلى فيها وهي التي تقيم فيها وتأوي إليها وقيل أعطان الإبل ما تقف فيه بعد الشرب فإنه جرت العادة أن الإبل إذا شربت انحازت إلى مكان ثم جعلت تبول وتروِّث فتعطِّن ثم ترجع فتشرب تشرب عللاً يسمونه العامة من العَلَلَ من أجل أن تملأ بطونها من الشراب المهم أعطان الإبل لا تصح الصلاة فيها لماذا؟ لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم [. القارئ: وضم بعض أصحابنا إلى هذه المواضع أربعة أخر المجزرة وهي موضع الذبح والمزبلة وقارعة الطريق وظهر بيت الله الحرام فجعل فيها الروايات الثلاث لما روي عن ابن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة المجزرة والمزبلة والمقبرة ومعاطن الإبل والحمام وقارعة الطريق وفوق بيت الله) رواه ابن ماجة وفيه ضعف ولأن قارعة الطريق والمجزرة والمزبلة مظان للنجاسة أشبهت الحش والحمام وفي الكعبة يكون مستدبراً لبعض القبلة وإن صلى النافلة في الكعبة أو على ظهرها وبين يديه شيء منها صحت صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين متفق عليه والصلاة في هذه المواضع صحيحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فحيث ما أدركتك الصلاة فصل) متفق عليه إلا المقبرة فإن ابن حامد قال لا تصح الصلاة إليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تصلوا إليها).

الشيخ: والمؤلف رحمه الله صحح الصلاة في هذه المواضع السبعة أنها تصح الصلاة فيها ما عدا ما يدخل في المواضع الخمسة السابقة ودليل ذلك (جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا) وهذا عموم لا يمكن أن يخرج منه شيء إلا بدليل مساوٍ له وهذا في الصحيحين ومن ذلك صلاة الفريضة في الكعبة فإن الصحيح جوازها وإجزاؤها لأن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل وأما قوله (إلا المقبرة) فإن ابن حامد قال لا تصح الصلاة إليها فالصواب أنها لا تصح الصلاة إلى القبر لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) والحديث لمسلم من حديث أبي مرثد الغنوي (لا تصلوا إلى القبور) لا تجعلوها بين أيديكم لأن هذا يشبه عبادتها فلذلك نهي عنه.
القارئ: وإن صلى في مسجد بني في المقبرة فحكمه حكمها وإن حدثت المقبرة حوله صحت الصلاة فيه لأنه ليس بمقبرة.
الشيخ: هذه مسألة المسجد والمقبرة لابد فيه من تفصيل المسجد إن بني على القبور فالصلاة فيه غير صحيحة لأنه بني في مقبرة وإن دفن فيه بعد بنائه فإن الصلاة فيه تصح ويجب نبش القبر وقبره مع الناس إلا إذا كان القبر بين يدي المصلين فإن الصلاة لا تصح لأنه داخل في عموم النهي عن الصلاة إلى القبور أما إذا كانت المقبرة خارج المسجد فإن كان بينها وبين المسجد جدار أو كانت عن يمينه أو يساره أو شرقه أو خلف القبلة فلا بأس به وإن لم يكن بينها وبينه جدار يحول يعني جدار حائل فإن الصلاة إلى القبور لا تصح.
السائل: الذين يصلون ويجعلون غرفة عائشة بينهم وبين قبلة المسجد النبوي هل يجوز ذلك؟ الشيخ: لا لأن القبر قد حال بينهم وبينه عدة جدران لكن قد يكون هؤلاء ينون الصلاة للرسول فيكون شركاً أكبراً.
السائل: ما الحكم لو أزيحت القبور بكاملها بجانب من المقبرة وبني فيها المسجد؟ الشيخ: لا يجوز لأن المقبرة لا يجوز نبش القبور فيها إلا لضرورة فأصحاب القبور أحق بأمكنتهم من غيرهم.

القارئ: وفي أسطحة هذه المواضع وجهان أحدهما أن حكمَها حكمُها لأنها تابعة لها والثاني تصح لأنها ليست بمظنة النجاسة ولا يتناوله النهي الشيخ: الصحيح أنها تصح الصلاة في أسطحتها إلا إذا كان السطح منها كما لو بني حجرة في المقبرة فهنا لا تصح الصلاة لا في الحجرة ولا في سطحها أو في الحمام والحمام ليس حمامنا هذا فإنه إذا بني فيه بناء فإن كل ما دخل فيه لا تصح الصلاة فيه ولو كان في السطح وأما ما عدا ذلك فالصحيح أنه صحيح يعني مثلاً لو بنينا روشاً على السوق فإن الصلاة تصح فيه أو بنينا سقفاً على محل قضاء الحاجة محل الحشوش لكن ليست متصلة بالحوش كما يوجد في بعض المساجد الآن فلا بأس بذلك كما لو وضعنا شيئاً طاهراً على الأرض النجسة فإن الصلاة تصح.
السائل: من هو ابن حامد؟ الشيخ: ابن حامد من أصحابهم من الحنابلة من المتقدمين.

باب ستر العورة القارئ: وهو الشرط الثالث للصلاة لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) رواه أبو داوود.
الشيخ: الشرط الأول الطهارة من الحدث والشرط الثاني اجتناب النجاسات.
قوله (صلاة حائض) يعني البالغة بالحيض فيه أيضاً دليل آخر وهو قوله تعالى (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) فإن المراد بأخذ الزينة الثياب.
القارئ: وعورة الرجل ما بين سرته وركبتيه لما روى أبو أيوب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما بين السرة وبين الركبتين عورة) رواه أبو بكر بإسناده وعن جرهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له (غط فخذك فإن الفخذ من العورة) رواه أحمد في المسند وليست السرة والركبة من العورة لما ذكرنا.
الشيخ: أنا عندي رواه أحمد في المسند وأبو داوود والترمذي.

القارئ: وعنه أنها الفرجان لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري وعورة الحر والعبد سواء لعموم الأحاديث.
الشيخ: هذه الرواية الثانية عن أحمد أنها الفرجان وعلى هذا ما بين السرة والفرج ليس بعورة وما بين الفرج والركبة ليس بعورة واستدل بهذا الحديث والحديث بالنسبة للصلاة ليس فيه دليل لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كشف عن فخذه في غير صلاة والصلاة قال الله فيها (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ) وهل من غطى السوأة القبل والدبر فقط وصلى هل يقال أخذ زينته؟ أبداً لا يقال ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله لا ينبغي أن يكون في المسألة خلاف بالنسبة لعورة الصلاة وما قاله صحيح رحمه الله فإن عورة الصلاة يطلب أن يكون الإنسان على أحسن هيئة حتى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه أو على عاتقه منه شيء) فكيف نقول بصحة صلاة الرجل عنده ثياب وضع سَيْرَاً على قبله ودبره ثم صلى هذا لا ينبغي أن يقول به أحد من أهل العلم ولا أظن الإمام أحمد رحمه الله أراد بالرواية عنه هذا المعنى نعم في مسألة النظر قد يقال إن الفخذ ليس بعورة وقد يفرق بين الفخذ المحاذي للسوأة وما نزل عنه وقد يفرق بين الشاب والكبير لأن خروج فخذ الشاب فتنة بخلاف الرجل الكبير رجل أعمال رفع ثوبه ليعمل هذا لا ليس فيه فتنة فالحاصل الآن أن الصواب بلا شك أنه في مسألة الصلاة يجب أن يستر ما بين السرة والركبة على أقل تقدير أما خارج الصلاة فهنا قد نقول إن الفخذ ليس بعورة في باب النظر ولكن يجب ستره من الشباب من أجل خوف الفتنة على أنه لو قال قائل إن الرسول صلى الله عليه وسلم حسر عن فخذه فما الذي جعلكم تلغون ما بين السرة والفرج يعني لو فرضنا جدلاً أن حديث أنس هذا وهو فعل يخصص حديث جرهد لقلنا إذا كان يخصص

فيخصص في محل التخصيص وهو الفخذ لا يوجد أن الرسول مثلاً حسر عن عانته لأنه على رأي هؤلاء الذين يقولون فرجان فقط استر الذكر والأنثيين والدبر والباقي يجوز كشفه.
السائل: ما الدليل على أن الزينة من السرة إلى الركبة.
الشيخ: هذا أدنى شيء فلا أحد يقوم بالزينة بأدنى من ذلك أبداً وهذا عن طريق العُرف.
السائل: ما رأيك فيمن ينكر على من يأتي للصلاة بثوب النوم ويستدل بهذه الآية (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ).
الشيخ: ليس صحيحاً الثياب من الزينة حتى ثياب النوم لكن قد ينكر عليه يقول له إنه ما جرت به العادة فيكون من باب الشهرة.
السائل: العورة في الصلاة من السرة إلى الركبة وهنا يقول ما بين السرة والركبتين هنا السرة خارجة؟ الشيخ: المذهب فيه رأي من السرة إلى الركبة، وأنا عندي كله في نفسي منها شيء فلو أن إنساناً صلى وأظهر سرته أو ركبته فصلاته صحيحة وهذا هو المذهب.

فصل القارئ: والمرأة كلها عورة إلا الوجه وفي الكفين روايتان لقول الله تعالى (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال ابن عباس وجهها وكفيها ولأنه يحرم ستر الوجه في الإحرام وستر الكفين بالقفازين ولو كانا عورة لم يحرم سترهما والثانية أن الكفين عورة لأن المشقة لا تلحق في سترهما فأشبه سائر بدنها وما عدا هذا عورة لقوله صلى الله عليه وسلم (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) وعن أم سلمة قالت يا رسول الله تصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار فقال (نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها) رواه أبو داوود.

الشيخ: هذه مسألة المرأة كلها عورة يعني في الصلاة قال إلا الوجه والكفين ففيهما روايتان لقول الله تعالى (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال ابن عباس وجهها وكفيها والاستدلال بهذه الآية في هذا الموضع غير صحيح لأن هذه الآية إنما وردت في النظر (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ) إلى آخره لكن يمكن أن يستدل على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) ولم يذكر تغطية الوجه وأما الكفان فيهما روايتان المذهب عند المتأخرين من أصحابنا أنهما عورة والقول الثاني أنهما ليستا بعورة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الصحيح لكن سترهما أفضل من باب الاحتياط ووجه ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) والمعتاد عند نساء الصحابة في لباسهن إخراج الكف هذا المعتاد لأن ثيابهن من رسغ اليد إلى كعب الرجل هذا لباسهن في البيوت والصلاة ما تكون إلا في البيت ولهذا كان القول الراجح أن القدمين والكفين يجوز إخراجهما في الصلاة ولا يلزم سترهما لكن إن احتاطت المرأة وسترتهما فهو خير.
وأما قول المؤلف ولأنه يحرم ستر الوجه في الإحرام هذا فيه نظر ستر الوجه في الإحرام ليس بحرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ولا تنتقب) ولبس النقاب أخص من مجرد ستر الوجه لأن النقاب لبس الوجه فحرم على المرأة في حال الإحرام أن تلبس في وجهها وكفيها ما اعتادت لبسه لأنه في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كن يعتدن لبس القفازين في الكفين والنقاب في الوجه فنهيت المحرمة عن ذلك أما مجرد التغطية فليست بحرام لكن الأفضل كشف الوجه لحديث عائشة أنه إذا مر بهن الرجال سدلن خمرهن على وجوههن فإذا انصرفوا أو ذهبوا كشفن وجوههن

السائل: هل يجب ستر العورة وهو يصلي بحيث لا يراه أحد؟ الشيخ: نعم في الصلاة يجب فلو كان الإنسان في ظلمة ما عنده أحد حتى هو نفسه ما يرى عورته يجب عليه أن يسترها وغير الصلاة فيها خلاف.
السائل: إذا امرأة صلت في حضرة جامع وغطت وجهها في السجود هل تكشف الغطاء أولا؟ الشيخ: إذا لم يكن عليها مشقة فالأفضل أن تكشف لأجل أن تباشر جبهتها الأرض ولا يجوز للرجال أن ينظروا إليها وهي كاشفة.

فصل القارئ: وما يظهر غالباً من الأمة كالرأس واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الركبتين ليس بعورة لأن عمر نهى الأمة عن التقنع والتشبه بالحرائر قال القاضي في الجامع وما عدا ذلك عورة لأنه لا يظهر غالباً أشبه ما تحت السرة وقال ابن حامد عورتها كعورة الرجل لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورته فإن ما تحت السرة إلى الركبة عورة) يريد عورة الأمة رواه الدارقطني ولأنه من لم يكن رأسه عورة لم يكن صدره عورة كالرجل والمدبرة والمعلق عتقها بصفة كالقن لأنهما مثلها في البيع وغيره وأم الولد والمعتق بعضها كذلك لأن الرق باق فيهما إلا أنه يستحب لهما التستر لما فيهما من شبه الأحرار وعنه أنهما كالحرة لذلك.
الشيخ: المراد بقوله (أنهما) أم الولد والمعتق بعضها، والمراد بقوله (كذلك) أي للشبه الذي حصل.
القارئ: وعورة الخنثى المشكل كعورة الرجل لأن الأصل عدم وجوب الستر فلا نوجبه بالشك فإن قلنا العورة الفرجان لزمه ستر قُبُلِه وَذَكَرِه لأن أحدهما واجب الستر ولا يتيقن ستره إلا بِسَتْرِهما.
الشيخ: قوله قبله وذكره ليسا مترادفان القبل صفة الفرج الخنثى المشكل له فرج أنثى وذكر رجل فيسترهما جميعاً.
السائل: ما الراجح في مسائل عورة الأمة؟

الشيخ: أنا في الحقيقة ما وجدت أدلة أقتنع فيها ولذلك فإني مقلد المذهب في هذه المسالة إلا في مسألة الكفين والقدمين فإن الظاهر من الأدلة عدم وجوب الستر يذكر أن شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله رأى في المنام أم المؤمنين عائشة تصلي وهي كاشفة كفيها وأظنه في سن الطلب فتعجب وقال كيف أم المؤمنين تكشف كفيها وهي تصلي فلما راجع كتب أهل العلم وجد أن هذا هو قولها.

فصل القارئ: وإن انكشف من العورة شيء يسير عفي عنه لأن اليسير يشق التحرز منه وإن كثر بطلت الصلاة به لأن التحرز منه ممكن وإن أطارت الريح ثوبه عن عورته فأعاده بسرعة لم تبطل صلاته لأنه يسير فأشبه اليسير من العورة ويجب ستر العورة بما يستر لون البشرة من الثياب أو الجلود أو غيرهما فإن وصف لون البشرة لم يعتد به لأنه ليس بساتر ويجب أن يجعل على عاتقه شيئاً من اللباس في الصلاة المفروضة لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا يصلي أحدكم في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء) متفق عليه وإن ترك عليه شيئاً من اللباس أجزأه وإن لم يسترها استدلالاً بمفهوم الحديث وقال القاضي ستر المنكبين واجب في الفرض وقيل يجزئه وضع خيط وظاهر الحديث يدل على ما ذكرنا.
الشيخ: والصحيح أن هذا على سبيل الاستحباب في الفرض والنفل وأنه لو صلى وهو مكشوف الكتفين فصلاته صحيحة والدليل على ذلك حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه وعن أبيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له في الثوب (إن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقاً فاتزر به) فحدث بذلك جابر رضي الله عنه فلما حضرت الصلاة أراد أن يصلي بإزار فقال له بعض من حضر هذا الرداء على المشجب والمشجب شيء يوضع على البئر فقال كنت أعلم بذلك ثم استدل بهذا الحديث وهو أن ستر الكتفين ليس بواجب وهذا هو الصحيح أنه ليس بواجب فلو صلى بالإزار فصلاته صحيحة لكن الأفضل أن يسترها.

السائل: فإن لم يجد إلا ما يستر منكبيه أو فرجيه فأيهما يقدم؟ الشيخ: هم يقولون رحمهم الله إن لم يكفيهما فالدبر أي إن لم يكفِ السوأتين فإنه يستر الدبر لأنه ينفرج إذا سجد وإن لم يجد إلا ما يستر واحداً من ثلاثة فهو يستر المنكبين وهذا ضعيف جداً.
السائل: ما هو الدليل على وجوب تغطية شعر رأس المرأة؟ الشيخ: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) والأصل أن نفي القبول نفي للإجزاء هذا الأصل ما لم يوجد دليل على أنه لنفي الكمال.
السائل: لو كشفت عورته في الصلاة فهل تبطل الصلاة؟ الشيخ: إذا كان يسيراً فإنه لا يضر وإن كان كثيراً وستره في الحال لم يضر أيضاً لو أطارت الريح مثلاً إزاره ثم في الحال ستر فلا بأس فإذا طال الزمن أو فحش المنكشف فهو ما يصح ويستأنف الصلاة.

فصل القارئ: ويستحب للرجل أن يصلي في قميص ورداء أو إزار وسراويل لما روى ابن عمر قال قال عمر إذا كان لأحدكم ثوبان فليصلِّ فيهما رواه أبو داوود فإن اقتصر على ثوب واحد أجزأه لأن (النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ثوب واحد) متفق عليه والقميص أولى من الرداء لأنه أعم في الستر فإن كان واسع الجيب ترى منه عورته لم يجزئه لما روى سلمة بن الأكوع قال قلت يا رسول الله إنا نصيد أفنصلي في القميص الواحد قال (نعم وازرره ولو بشوكة) حديث حسن فإن كان ذا لحية تسد جيبه فلا ترى عورته جاز وإن صلى في رداء وكان واسعاً التحف به وإن كان ضيقاً خالف بين طرفيه.

الشيخ: إذا لم يكن ذا لحية وانفتح الجيب وليس فيه إزرار فهل يجزئ أن يضع يده؟ الجواب نعم يجزئ وذلك لأن وضع اليدين على الركبتين حال الركوع ليس بواجب إنما هو سنة وفي قوله إن كان ذا لحية يدل على إبقاء اللحية ولو كثيفة وطويلة وقد حدثني بعض الناس اليوم عن شخص من العلماء أنه يقول إن الإنسان إذا زادت لحيته عن القبضة فإن ذلك من الإسبال على كل حال معلوم أن هذا قياس مع الفارق إسبال الثوب من فعل الإنسان وطول اللحية من فعل الله عز وجل.
القارئ: وإن كان ضيقاً خالف بين طرفيه على منكبيه كالقصار لما روى عمر بن أبي سلمة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد قد ألقى طرفيه على عاتقيه متفق عليه وإن لم يجد إلا ما يستر عورته أو منكبيه ستر عورته لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا كان الثوب واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقاً فاتزر به) رواه البخاري.

السائل: قلتم بأن وضع اليد على الجيب يكفي لكن ماذا يفعل في حال السجود لأن السجود على سبعة أعظم ركن؟ الشيخ: في حال السجود يمكن يضم ثوبه وينستر ولا يضع يده.
السائل: ما الفرق بين القميص والرداء؟ الشيخ: القميص مثل ثوبنا هذا يعني الذي له أكمام والرداء مثل لباس الرجل إذا أحرم يلبس الإزار والرداء.
القارئ: ويستحب للمرأة أن تصلي في درع وخمار وجلباب تلتحف به لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال تصلي المرأة في ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار وإن صلت في درع وخمار يستر جميع بدنها أجزأ لما روينا من حديث أم سلمة وقد روي عن أم سلمة وميمونة أنهما كانتا تصليان في درع وخمار وليس عليهما إزار رواه مالك.
الشيخ: أخذ شيخ الإسلام من هذا الحديث أن كفي المرأة وقدميها ليستا عورة في الصلاة وهذا صحيح أن كفي المرأة وقدميها ليستا من العورة في الصلاة لكن سترهما أولى خروجاً من الخلاف.

فصل

القارئ: فإن عدم السترة وأمكنه الاستتار بحشيش يربطه عليه أو وَرَق لزمه لأنه ساتر للبشرة أشبه الثياب وطيناً لم يلزمه أن يطين عورته لأنه يلوثه ولا يغيب الخلقة وإن وجد بارية توذي جسمه ويدخل القصب فيه لم يلزمه لبسها لما فيه من الضرر وإن وجد ماءً لم يلزمه النزول فيه وإن كان كدراً لأنه ليس يستره ويمنعه التمكن من الصلاة.
الشيخ: هذه الأشياء يقول إن عدم السترة وأمكنه الاستتار بحشيش يربطه عليه أو ورق لزمه لأنه أمكنه أن يستر عورته وإن وجد طيناً لم يلزمه أن يضع طيناً على عورته وعلل المؤلف رحمه الله لأنه يلوثه ولا يغيب الخلقة وإن وجد بارية تؤذي جسمه البارية مثل الخصيف أو الحصير وما أشبهها فإن هذا يؤذي جسمه ويدخل القصب في جسمه لم يلزمه لما فيه من الضرر وإن وجد ماءً هذا الرابع إن وجد ماءً لم يلزمه أن ينزل فيه ليستر عورته ولو كان كدراً لأنه لو قدرنا أن الماء يصل إلى سرته مثلاً وهو كدر ويستتر فيه لكن ماذا يصنع عند السجود؟ إذا انغمس سوف ينخنق ولا يقال يومئ لأن فيه مشقة والمؤلف رحمه الله علل لأنه ليس بسترة ويمنعه أيضاً التمكن من الصلاة.

فصل القارئ: فإن لم يجد إلا ما يستر بعض العورة ستر الفرجين لأنهما أغلظ وإن لم يكفِ إلا أحدهما ستر الدبر في أحد الوجهين لأنه أفحش وفي الآخر القبل لأنه يستقبل القبلة والدبر يستتر بالإليتين وأيهما ستر أجزأه.
الشيخ: القبل لا شك أن ستره أولى لأنه يستقبل به القبلة ولا يرد عليه إلا في حال السجود في حال السجود يستتر القبل وينفرج الدبر لكن حتى عند عامة الناس القبل أفحش من الدبر فيكون هو الأولى بالستر ومع ذلك يقول المؤلف إذا ستر أحدهما أجزأ.

فصل

القارئ: فإن عدم بكل حال صلى عرياناً جالساً يومئ بالسجود لأنه يحصل به ستر أغلظ العورة وهو آكد لما ذكرناه وعنه يصلي قائماً ويركع ويسجد لأن المحافظة على ثلاثة أركان أولى من المحافظة على بعض شرط ويصلي العراة جماعة صفاً واحداً لأن لا يرى بعضهم عورات بعض ويكون إمامهم في وسطهم ليكون أستر له فإن لم يسعهم صف واحد صلوا صفين وغضوا أبصارهم فإن كان فيهم نساء صلى كل نوع لأنفسهم فإن ضاق المكان صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم صلى النساء واستدبرهن الرجال.
الشيخ: الصحيح في المسألة الأولى أنه يصلي قائماً ولا يصلي جالساً وأنه يركع ويسجد والتعليل كما قال المؤلف رحمه الله لأن المحافظة على ثلاثة أركان أولى ثم هو عاجز عن السترة وفي حال العجز يسقط عنه الوجوب وليس بعاجز عن القيام ولا عن الركوع ولا عن السجود فيقال في هذا إذا صلى قائماً وركع وسجد أتى بثلاثة أركان وهو أولى من المحافظة على بعض شرط وأيضاً هو عاجز عن السترة وليس عاجز عن القيام والركوع والسجود فيلزمه ما قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه فالصواب بلا شك أنه يصلي قائماً ويركع ويسجد أما قوله إن العراة يصلون صفاً واحداً فهذا متوجه إذا كانوا في إضاءة أو نهار أما إذا كانوا في ظلمة فالإمام يتقدمهم هذا هو الأفضل.
السائل: لماذا يصلون العراة صفاً واحداً؟ الشيخ: لأن هذا أستر إذا صلوا صفين صار الذين في الخلف ينظرون إلى عورة الذين أمامهم وإذا كانوا صفاً واحداً فهو أستر.

فصل القارئ: وإن وجد السترة بعد الصلاة لم يعد لأنه شرط للصلاة عجز عنه أشبه القبلة وإن وجدها في أثناء الصلاة قريبة ستر وبنى لأنه عمل قليل وإن كانت بعيدة بطلت صلاته لأنه يفتقر إلى عمل كثير وإن عتقت الأمة في الصلاة وهي مكشوفة الرأس فكذلك فإن لم تعلم حتى صلت أعادت كما لو بدت عورتها ولم تعلم بها.

فصل

القارئ: إذا كان معهم ثوب لأحدهم لزمته الصلاة فيه فإن آثر غيره وصلى عرياناً لم تصح لأنه قادر على السترة.
الشيخ: مر علينا هذا ذكرنا أن الإيثار بالقرب إذا كانت واجبة فهو حرام وإذا كانت مستحبة ينظر لما هو أصلح.
القارئ: وإن أعاره لواحد لزمه قبوله وصار بمنزلته لأن المنة لا تلحق به ولو وهبه له لم يلزمه قبوله لأن فيه منة فإن أعاره لجميعهم صلى فيه واحد بعد واحد إلا أن يخافوا ضيق الوقت فيصلي فيه واحد والباقون عراة ويستحب أن يعيره لمن يصلح لإمامتهم حتى يأمهم ويقوم بين أيديهم فإن أعاره لغيره جاز قال القاضي ويصلي وحده لأنه قادر على شرط الصلاة فلم يجز أن يأتم بالعاجز عنه كالمعافى يأتم بمن به سلس البول.
الشيخ: والصحيح أنه يصلي معهم ولا حرج وأنه يجوز أن يكون الإمام عاجزاً عن بعض الشروط.
السائل: إذا أعتقت الأمة هل تعيد صلاتها؟ الشيخ: إن أعتقت بعد الصلاة لا تعيد وإن أعتقت أثناء الصلاة وعلمت بعد الصلاة أنها أعتقت ولم تستتر تعيد لأن الشرط لا يسقط بالجهل.
السائل: قوله ويستحب أن يعيره لمن يصلح لإمامتهم؟ الشيخ: صحيح يعني بعد صلاته هو.

فصل

القارئ: ويحرم لبس الثوب المغصوب لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه فإن لم يجد غيره صلى وتركه ويحرم على الرجال استعمال ثياب الحرير في لبسها وافتراشها وكذلك المنسوج بالذهب والمموه به لما روى أبو موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم) قال الترمذي هذا حديث صحيح وإن صلى في ذلك ففيه روايتان مضى توجيههما في المواضع المنهي عنها وإن صلى في عمامة محرمة أو خاتم ذهب صحت صلاته لأن النهي لا يعود إلى شرط الصلاة ولا بأس بصلاة المرأة في الحرير والذهب لحله لها ولا بأس بلبس الرجال الخز لأن الصحابة رضي الله عنهم لبسوه ومن لم يجد إلا ثوب حرير صلى فيه ولا يعيد لأنه مباح له في تلك الحال ويباح علم الحرير في الثوب إذا كان أربع أصابع فما دون لما روى عمر بن الخطاب قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع حديث صحيح رواه مسلم، وقال أبو بكر يباح وإن كان مذهباً وكذلك الرقاع ولبنة الجيف وسجف الفراء وما نسج من الحرير وغيره جاز لبسه إذا قل الحرير عن النصف لما روى عن ابن عباس أنه قال إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت.
الشيخ: قول أبي بكر يباح ولو مذهباً هذا هو الذي عليه عمل الناس اليوم فالمشالح التي فيها أزارير مذهبة لكنها أقل من أربع أصابع فلا تكون حراماً ومن يرى أن المذهب حراماً مطلقاً يقول هذه لا يجوز لبسها بشرط أن يكون الذي فيها ذهب وإنما اشترطنا ذلك لأن بعضها يكون لونه لون الذهب ولكنه ليس بذهب.
السائل: إذا وجد الرجل ثوب امرأة وما عنده ما يستتر به؟ الشيخ: يصلي به لكن لا يلبسه كأن يتزر به.
السائل: هل يوجد فرق بين سترة الأمة والحرة؟ الشيخ: الأمة عند الفقهاء مثل الرجل ما بين السرة والركبة والحرة كلها عورة إلا وجهها.

القارئ: أما العلم وسدى الثوب فليس به بأس رواه أبو داود، وإن زاد عن النصف حرم لأن الحكم للأغلب وإن استويا ففيه وجهان أحدهما إباحته للخبر والثاني تحريمه لعموم خبر التحريم ويباح لبس الحرير للقمل والحكة لأن أنساً روى أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شَكَوَا القمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرخص لهما في قمص الحرير متفق عليه وعنه لا يباح لعموم التحريم واحتمال اختصاصهما بذلك.
الشيخ: هذه غير صحيحة احتمال الاختصاص لا وجه له لأن الأصل عدم الخصوصية.
القارئ: وهل يباح لبسه في الحرب فيه روايتان إحداهما لا يحوز لعموم الخبر والثانية يجوز لأن المنع منه للخيلاء وهي غير مذمومة في الحرب وكان لعروة يَلْمَقٌ من ديباج بطانته من سندس يلبسه في الحرب وليس لولي الصبي أن يلبسه الحرير لأنه ذكر فيدخل في عموم الخبر وعنه يباح لأن الصبي غير مكلف فأشبه ما لو ألبسه الدابة.

السائل: ما الصحيح في لبس الحرير للصبي؟ الشيخ: الصحيح أنه لا يجوز، لا يجوز ليس لأنه مكلف ولكن لأنه يأخذ عليه.

فصل فيما يكره لبسه القارئ: ويكره للرجل لبس المزعفر والمعصفر لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى أن يتزعفر الرجل) متفق عليه وعن علي رضي الله عنه قال (نهاني النبي صلى الله عليه وسلم عن لباس المعصفر) رواه مسلم.

الشيخ: المعصفر المصبوغ بالعصفر والمزعفر المصبوغ بالزعفران وهذا يكون أحمر وقد يميل إلى الصفرة قليلاً ويؤخذ على المؤلف رحمه الله أنه قال لما روي ثم قال متفق عليه وروي صيغة تمريض ولا يؤتى بصيغة التمريض إلا في الحديث الضعيف لكن هذه عادة للمؤلف رحمه الله يقول لما روي بصيغة التمريض ويبرر هذا أنه يذكر بعد ذلك بأنه متفق عليه أو رواه مسلم أو ما أشبه ذلك فكأنه يأتي بُروي المبني للمجهول لأنه والله أعلم لم يستحضر الراوي فيذكره بعينه لا لأن الحديث عنده ضعيف فعلى هذا يكون حذف الفاعل هنا لعدم ذكره أو للجهل به لكن الغالب لهؤلاء الأئمة أن يكون لعدم ذكره لا لضعف الحديث.
القارئ: ولا بأس بذلك للنساء فأما ما عليه صور الحيوان فقال أبو الخطاب يحرم لبسه لأن أبا طلحة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة) وقال ابن عقيل يكره وليس بمحرم لأن في سياق الحديث (إلا رقما في ثوب) متفق عليه.
الشيخ: قوله لأن في سياق الحديث (إلا رقماً في ثوب) غريب أن يستدل بهذا على الكراهة وقد استثني من هذا الوعيد وكان على من استدل به أن يقول أنه لا كراهة في ذلك كأن الذين يستدلون بهذا الاستثناء يقولون إن المراد بالصورة ما كان مجسماً وأما ما ليس بمجسم وهو الرقم فإنه لا بأس به وقد أخذ بهذا بعض السلف وعلماء الخلف كما رأيتم فيقولون المراد بهذا ما ذكر.

المهم أن الصحيح أن يحمل قوله (إلا رقماً في ثوب) على الأرقام غير المصورة بصورة حيوان ويدل لهذا الحمل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما رأى ستراً قد صور فيه في بيت عائشة هتكه عليه الصلاة والسلام يعني مزقه ولما رأى النمرقة وقف ولم يدخل، نمرقة مخدة أو سجادة وقف وقال عليه الصلاة والسلام (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يقال أحيوا ما خلقتم) وهذا يدل على أن قوله (إلا رقماً في ثوب) إن كانت الكلمة محفوظة فالمراد بها ما كان صورة لكنها غير صورة حيوان.

فصل في اشتمال الصماء القارئ: ويكره اشتمال الصماء لما روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (نهى عن اشتمال الصماء) رواه البخاري ومعنى الصماء أن يجعل الرداء تحت كتفه الأيمن ويرد طرفيه على الأيسر فيبقى منكبه الأيمن مكشوفا وعنه إنما نهى عنه إذا لم يكن عليه إزار فيبدو فرجه أما إذا كان عليه إزار فتلك لبسة المحرم فلا بأس بها.

الشيخ: اشتمال الصماء فسرها المؤلف رحمه الله بأنها الاضطباع والرواية الأخرى يقول بشرط أن لا يكون عليه إزار بأن يكون الرداء كبيراً واسعاً يسع كل الجسم فيضطبع به والاضطباع أن يجعل وسطه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر هذه هي اشتمال الصماء وقيل إن اشتمال الصماء أن يلتف بثوب على جميع بدنه ولذلك سميت صماء لأنه ليس لها منفذ وقال إن هذا الاشتمال يمنعه من أن يأتي بالصلاة كاملة فيمنعه مثلاً من رفع اليدين ويمنعه من أن يدافع عن نفسه فيما لو هاجمه حيوان أو غيره أما الاضطباع فإنه ليس بمكروه ولهذا يشرع للمحرم إذا طاف بالبيت والقدوم أن يضطبع فعلى كل حال نقول إذا فسرناه بما فسره به المؤلف بأنه الاضطباع فإنه يحمل على ما إذا لم يكن تحته إزار لأنه في هذه الحال ربما مع حركة اليدين ينكشف بخلاف ما إذا كان عليه الإزار أما إذا قلنا بالقول الآخر الذي يدل عليه الاشتقاق وهو اشتمال وصماء والاشتمال معناه شمول الشيء فهذا يدل على أنه يلتف بثوب دون أن يجعل ليديه مخارج.
القارئ: ويكره إسبال القميص والإزار والسراويل اختيالا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) متفق عليه.

الشيخ: اقتصار المؤلف رحمه الله على الكراهة فيه نظر ظاهر بل لا نقتصر على التحريم في هذا بل نقول إنه من كبائر الذنوب لأن عليه وعيداً قد يقول قائل لعل المؤلف أراد بالكراهة كراهة التحريم فيقال هذا خلاف مصطلح عندهم المصطلح عند المتأخرين أن الكراهة عند الإطلاق للتنزيه لكن من حمله على أن المراد بالكراهة كراهة التحريم فإنه يقول حال المؤلف تبعد أن يقول يكره ثم يستدل عليها بهذا الحديث كيف تبعد؟ لأن المؤلف رحمه الله عالم فقيه بل هو إمام لمن دونه فكيف نقول إن مراده بالكراهة كراهة التنزيه وهو يستدل بحديث يقتضي أن تكون من المحرمات بل من الكبائر ولهذا الصحيح أن إسبال القميص والإزار والسراويل اختيالاً من كبائر الذنوب وأن عقوبته أن الله لا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم والعياذ بالله وأما من نزل ثوبه إلى أسفل من الكعبين لا اختيالاً فإنه يعذب عليه بالنار بمقدار ما نزل فقط ولا جرم أن يكون هذا حقاً أي أن يعذب الإنسان على جزء من بدنه وليس فيه إشكال بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (ويل للأعقاب من النار) فجعل الوعيد هنا على الأعقاب حيث أخلوا بغسلها فإنها أرهقتهم صلاة العصر وأسرعوا في الوضوء فصاروا يتوضؤون ولا يكملون أعقابهم فقال (ويل للأعقاب من النار) فهنا العذاب جزئي فكذلك ما حصلت به المخالفة في الثوب النازل عن الكعبين فإنه جزئي على ما حصلت فيه المخالفة ثم إذا قلنا إنه لا ينزل عن الكعبين فما هو الأفضل؟ نقول ما بين نصف الساق إلى الكعب كله سنة لأنك إذا تأملت ألبسة الصحابة وجدت الأمر كذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما حدث بهذا الحديث (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) قال أبو بكر يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي علي إلا أن أتعاهده فقال إنك لست ممن يصنع ذلك خيلاء فهذا يدل على أن ثوبه من نصف الساق فأنزل لأنه لو كان إلى نصف الساق ثم نزل إلى الأرض

لبدت عورته من فوق فالتشديد في هذه المسألة وكون الإنسان يتزعم أن هذا سمة الصالحين المتبعين للرسول عليه الصلاة والسلام وأن من أنزل ثوبه عن نصف الساق فإن هذه من سمة المتهاونين الذين لم يصلوا إلى درجة الكمال فهذا خطأ بل يقال الأمر واسع ما بين نصف الساق إلى الكعب بل إن قول الرسول عليه الصلاة والسلام (ما أسفل من الكعبين في النار) يدل دلالة واضحة على جواز ما كان على الكعبين أو فوق الكعبين وهو كذلك.
الشاهد أن تعبير المؤلف بكلمة يكره ثم استدلاله بحديث يقتضي أنه من الكبائر إذا نظرنا إلى حال المؤلف قلنا إن المراد بالكراهة التحريم وإن كان هذا خلاف ما اصطلح عليه المتأخرون من أهل العلم.
السائل: لماذا فرقنا إسبال الإزار بأنه من كبائر الذنوب وأن الإسبال من غير خيلاء يكون حراماً برغم أن هناك عقوبة؟ الشيخ: من قال لك في هذا تفريق كله من كبائر الذنوب لكن عقوبة الخيلاء أعظم لأن فيها لم ينظر الله إليه ولا يكلمه ولا يزكيه وله عذاب أليم أما هذا ففيه وعيد أو إشارة للوعيد في قوله (ما أسفل من الكعبين ففي النار).
السائل: بالنسبة للصلاة في المشلح لو ترك إدخال اليدين في المشلح هل تعتبر من اشتمال الصماء؟ الشيخ: لا، لا يعتبر من اشتمال الصماء لكن قل هل يكون من السدل المكروه أو لا؟ يقول شيخ الإسلام إنه ليس من السدل المكروه لا المشلح ولا القباء فلو جعل الإنسان الكوت مثلاً على كتفيه ولم يدخل يديه في الكمين فليس من المكروه.
السائل: بعض الناس إذا رأوا من يلبس إلى نصف ساقه يستنكروه ولا يتقبلون منه؟

الشيخ: أنا يتخيل لي أنه أراد أن الإنسان إذا رفع لباسه إلى نصف الساق صار من لباس الشهرة ولباس الشهرة منهي عنه فنقول إن ما كان من لباس الشهرة لأن الناس تركوه فيستنكروه لكن لا ينبغي أن نقول إن هذا من لباس الشهرة وينهى عنه وقد جاء الحديث (إزرة المؤمن إلى نصف ساقه) لكننا نقول لا تشددوا علينا إذا نزل إلى ما بعد نصف الساق وتقول أنتم جماعة آخرين لستم سلفيين ولا تحبون السنة وما أشبه ذلك يوجد بعض السفهاء يقول هكذا.
القارئ: ويكره تغطية الفم في الصلاة لما روى أبو هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه) رواه أبو داوود.
الشيخ: السدل قال العلماء أن يطرح الرداء على كتفيه ولا يرد طرفيه على الكتفين هذا السدل وعللوا ذلك بأنه من عمل اليهود.
أما تغطية الفم فنعم لأنك إذا غطيت فمك وأنت تصلي لم تتمكن من إظهار القراءة والتسبيح وغيرها على الوجه الأكمل ولكن إذا حدث تثاؤب وعجزت عن كظمه فإن من المشروع أن تغطي فاك لكن هذا عارض.
السائل: لو أنه يشم رائحة من فمه كريهة أو من غيره؟ الشيخ: أما إذا كان هو في فمه رائحة فلا يحضر المسجد لأن لا يؤذي الملائكة والمصلين وأما إذا كان هو نفسه يتأذى ولم يتيسر له أن ينتقل إلى مكان آخر مثل أن يكون قد دخل في الصلاة الآن فلا حرج لأنه حاجة كما قلنا بكراهة تغميض العينين في الصلاة إذا رأى ما يشغله فله أن يغمض.
السائل: ما الإجابة على تفريق بعض العلماء يقولون إن المعصفر مكروه والمزعفر حرام كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أثر صفرة في عبدالرحمن بن عوف، وأن ابن عمر خرج في ثوب أصفر فلم ينكر عليه وقال كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك؟

الشيخ: الإجابة أن المزعفر في الإحرام صحيح لأنه طيب وأما غير الإحرام فإذا كان المزعفر أحمر خالص فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لباس الأحمر الخالص وأما إذا كان يميل إلى الصفرة كما هو الغالب في الزعفران وإن كان الزعفران أقرب إلى الحمرة من العصفر فهو باق على الكراهة وأما أثر الزعفران بدون أن يكون الثوب كله زعفران فلا بأس.
القارئ: ويكره شد الوسط بما يشبه شد الزنار لما فيه من التشبه بالنصارى فأما شده بغير ذلك فلابأس به.
الشيخ: شد الوسط يتحزم الواحد بوسطه والزنار يعني شد معروف عند النصارى يشدون به أوساطهم عند تعبدهم في الكنائس وأنا ما رأيته لكنه من خصائص لباس النصارى عند التعبد فيكره للمسلم في حال الصلاة أن يشد وسطه بما يشبه شد الزنار وقال بعض الفقهاء يكره مطلقا في الصلاة وغيرها لأنه لا يلبس الزنار إلا النصارى فيكون شد الوسط به تشبهاً بهم ولكن بقي أن يقال المؤلف يقول يكره لما فيه من التشبه بالنصارى وظاهر كلامه أن التشبه بالكفار مكروه لا محرم وهذا هو المشهور من المذهب عندنا أن التشبه بالكفار ليس بمحرم بل هو مكروه صرحوا به في قولهم يكره التشبه بالكفار في لباس وغيره ولكن الصحيح أن التشبه بالكفار محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من تشبه بقوم فهو منهم) قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم اسناده جيد وأقل أحواله التحريم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم.

وما قاله رحمه الله هو الصواب أن التشبه بالكفار محرم لما فيه من المفاسد العظيمة لأن المتشبه بهم لا شك أنه قد أعجبه صنيعهم فيكون في قلبه تعظيم لهم ولأن التشبه بهم يؤدي إلى افتخارهم واعتزازهم فإن جبلة الإنسان وطبيعته تقضتي أنه إذا رأى الناس يقتدون به شمخ وانتفخ ومن المعلوم أن المطلوب منا أن لا نفعل ما يكون به إعزاز الكفار بل المطلوب منا أن نفعل ما يغيظ الكفار وقد حثنا الله على ذلك في قوله (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) إغاظة الكفار من العمل الصالح وقال عز وجل في وصف محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) هذه الرفعة العظيمة للمسلمين لمحمد ومن معه من أجل إغاظة الكفار فمن تشبه بهم هل يكون مغيظاً لهم أو شارحاً لصدورهم.

ثالثاً أن التشبه بهم في الظاهر يؤدي إلى التشبه بهم في الباطن لأنه لم يتشبه بهم إلا وقد أعجبه ما يصنعون فيتدرج به الشيطان حتى يتبعهم في باطن أمورهم وهذا شيء مشاهد وقد حكي لي شيء عجيب أن بعض المسلمين يقتنون الكلاب مع تحريم اقتنائها وأنهم كل يوم يغسلونها بالماء والصابون والشامبو نعم هكذا سمعت وهم إذا غسلوها هذا التغسيل ما تطهر لأن النجاسة عينية الذي يطهر هو ما كانت نجاسته حكمية أما ما كانت نجاسته عينية فلا يمكن أن يطهر لو يبقى في سبعة أبحر ألف عام هذا من التشبه بالكفار كل يوم ينقص من أجرهم قيراط أو قيراطان هدم للأجور والحسنات والعياذ بالله إلا ما رخص به الشرع ككلب ماشية أو حرث أو زرع وإن كان بعضهم يدعي أنه وضعه في البيت للحماية وقال إن حماية النفوس أولى من حماية البهائم وقد أباحه الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل الماشية فالنفوس من باب أولى نقول هب أننا سلمنا ذلك وقلنا أنت المنفرد عن الناس ببيتك أو قصرك اقتني كلباً لكن ما الذي يجعلك تغسله وتصوبنه وتجعل عليه الشامبو وما أشبه ذلك خطأ اللهم اهدهم اللهم اهدهم.
السائل: ما هو ضابط النهي عن التشبه؟ الشيخ: التشبه بعباداتهم هذا حرام على كل حال حتى لو انتشر بين المسلمين التشبه بالعبادات ومن ذلك التشبه بهم في أداء السلام أو في رد السلام فإنه محرم لأن السلام عبادة وأما العادات فقد ذكر العلماء رحمهم الله أن ما تعلق الحكم فيه بعلة يزول حكمه بزوال العلة فإذا كان العلة من هذا الفعل أو من هذا اللباس أو من هذا الفراش هي التشبه وانتشر هذا الأمر بين الناس وصار لا فرق فيه بين المسلم والكافر فإنه يرتفع الحكم لأن ما ثبت بعلة زال بزوالها وقد ذكر ذلك الحافظ بن حجر رحمه الله في فتح الباري ونقله عن مالك وهذا صحيح.
السائل: كيف يجاب في قصة الحسن والحسين عندما كان تحت السرير جرو؟

الشيخ: إن صح فإنه يغتفر للصبيان ما لا يغتفر للكبار هذا من وجه أو يقال إن هذا قبل النهي.
القارئ: ويكره لف الكم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف شعراً ولا ثوباً) متفق عليه.
الشيخ: (أمرت) يعني أمره الله وأما كف الكم المؤلف يقول كف الكم والحديث (ولا أكف ثوباً) وهناك فرق بين كف الثوب وكف الكم، كف الثوب من الأسفل وكف الكم في اليد ولا سيما أكمام القميص لأن الحكمة والله أعلم من النهي عن كف الثوب أنه يحصر ما يسجد معه فإذا أرخى الثوب اتسع المكان وسجد على أكبر بقعة من الأرض والكم في القيمص لا يصل إلى الأرض ولهذا نظر بعض العلماء في كف الكم وقال إنه لا يدخل في الحديث هذه واحدة والذين قالوا الكم قالوا لعموم قوله لا أكف ثوباً ثم هل المكروه أن يكفه للصلاة أو أن يكفه مطلقاً مثل أن يكون قد عمل عملاً قبل أن يصلي فرفع ثوبه من أجل هذا العمل أو كفه أو كف كمه في هذا قولان للعلماء وأظهرهما أن النهي عما إذا كان عند الصلاة أما ما فعله قبل أن يصلي ثم بقي كما هو كما يصنعه العمال والحراث فإن هذا لا بأس به وهو ظاهر من اللفظ (أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف) يعني عند السجود ولم يقل ولا يكون ثوبي مكفوفاً أو شعري مكفوفاً نعم الشعر ورد فيه نهي خاص (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل وهو معقوص الشعر أو الرأس).

باب استقبال القبلة القارئ: وهو الشرط الرابع للصلاة لقول الله تعالى (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).

الشيخ: استقبال القبلة، القبلة: هي الكعبة للمسلمين وهل هذه الكعبة قبلة للأنبياء السابقين وحصل التحريف من أتباعهم كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فإن شيخ الإسلام يقول إن الكعبة قبلة جميع الأنبياء ولكن اليهود حرفوها والنصارى كذلك حرفوها فاليهود حرفوا استقبال القبلة إلى أن يستقبلوا بيت المقدس وذلك مراغمة للنصارى فإن النصارى لما استولوا على بيت المقدس قذروا على الصخرة وألقوا عليها القمامة والكناسة وأهانوها فجاء اليهود وفعلوا ضد ذلك من إكرامها حتى اتجهوا إليها واستدبروا الكعبة إذا كانوا بينها وبين الكعبة أما النصارى فاتجهوا إلى المشرق فكانت القبلة محرفة كما حُرِّف الإيمان بالله ورسوله.
ثم إن من الحكمة أن الله جعل للمصلي قبلة يستقبل إليها ليتعلق قلبه بالله في السماء وببيته في الأرض ولأجل أن يتحد المسلمون على قبلة واحدة لولا هذا لكان أحد يصلي للشرق والثاني يصلي للغرب والثالث يصلي للشمال والرابع يصلي للجنوب كيفما تيسر لكن صارت القبلة شرطاً لصحة الصلاة في جميع أقطار الأرض لكل مسلم ودليلها (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) في أي مكان في السماء في الأرض في البحر في أي مكان (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) إذا قال قائل هل المراد تولية الوجه فقط يعني أن الإنسان يمكن أن يكون جسمه للشمال ووجه للقبلة أو الجسم للجنوب والوجه للقبلة أو المراد الجميع؟ المراد الجميع لكنه نص على الوجه لأنه هو المقابل ولهذا يكره الإنسان أن يلتفت في صلاته.
القارئ: وهو الشرط الرابع للصلاة لقول الله تعالى (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).
الشيخ: حيث: ظرف مكان أي في أي مكان كنتم فولوا وجوهكم شطره وهي شرطية.

القارئ: والناس في القبلة على ضربين منهم من يلزمه إصابة العين وهو المعاين للكعبة أو من بمكة أو قريباً منها من وراء حائل فمتى علم أنه مستقبل الكعبة عمل بعلمه وإن لم يعلم كالأعمى والغريب بمكة أجزأه الخبر عن يقين أو مشاهدة أنه مصلي إلى عين الكعبة.
الشيخ: هذا القسم الأول من يلزمه استقبال عين الكعبة والمؤلف رحمه الله يقول هو من بمكة أو قريب منها من وراء حائل قريب منها يعني من الكعبة من وراء الحائل وفي هذا شيء من المشقة لأن من بمكة لا يمكنه مشاهدة الكعبة ومن بينه وبينها وراء حائل لا يمكن أيضاً مشاهدة الكعبة فالصواب أن من أمكنه مشاهدة العين لزمه استقبال العين ومن لم يمكنه لم يلزمه وعلى هذا فالذين في المسجد الحرام يمكنهم مشاهدة العين اللهم إلا من كان بعيداً فهذا لا يمكنه لأنه يوجد أعمدة كثيرة تغطي والقاعدة التي تفهم في هذا الباب هي ما ذكره الله في قوله (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) اتقوا الله ما استطعتم هذا هو الواجب فإذا كان باستطاعتك وجب عليك استقبال العين وإذا لم يكن باستطاعتك سواء كنت قريباً من الكعبة أو بعيداً فإنك لا تكلف.
القارئ: الثاني من فرضه إصابة جهة الكعبة وهو البعيد عنها ولا يلزمه إصابة العين لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما بين المشرق والمغرب قبلة) قال الترمذي هذا حديث صحيح ولأن الإجماع انعقد على صحة صلاة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة ولا يمكن أن يصيب العين إلا أحدهما.

الشيخ: إذا كان بعيداً منها فإن فرضه استقبال الجهة لا العين لأن استقبال العين متعذر واستدل المؤلف رحمه الله بنص وإجماع أما النص فهو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأهل المدينة (ما بين المشرق والمغرب قبلة) لان أهل المدينة يستقبلون جهة الجنوب ومن كان في حكمهم فله حكمهم فأهل الشام مثلاً يقال لهم ما بين المشرق والمغرب قبلة وأهل اليمن يقال لهم ما بين المشرق والمغرب قبلة لكن أهل جدة وأهل الطائف لا نقول لهم ما بين المشرق والمغرب قبلة نقول ما بين الشمال والجنوب قبلة واستدل بإجماع العلماء على صحة صلاة اثنين متباعدين إلى جهة واحدة يستقبلان جهة واحدة وهنا قطعاً لا يمكن أن يصيب العين إلا أحدهما وقد لا يصيبان أبداً لكن على فرض أن أحدهما أصاب العين فإن الثاني قطعاً لم يصبها يعني مثلاً الآن بين طرفي المسجد هذا وطرفه أوسع من الكعبة فإذا كان واحد يصلي في طرف مسجدنا هذا من الشمال وآخر بطرفه من الجنوب والاتجاه واحد فإننا نعلم قطعاً أنه إن أصاب أحدهما عين الكعبة فالآخر لم يصبها لأن عين الكعبة أقل من المسافة التي بينهما وهذا شيء مجمع عليه صف مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام أطول من الكعبة وقد أجمع المسلمون على صحة صلاة الناس في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بصف مستقيم وطرف الصف من الجنوب أو من الشمال أحدهما لم يستقبل عين الكعبة قطعاً إن فرض أن هناك استقبال عين الكعبة إلى أحدهما.
القارئ: وهذا ينقسم ثلاثة أقسام أحدها الحاضر في قرية أو من يجد من يخبره عن يقين ففرضه التوجه إلى محاريبهم أو الرجوع إلى خبرهم لأن هذا بمنزلة النص ولا يجوز الرجوع من الاجتهاد معه كالحاكم إذا وجد النص.

الشيخ: إذا كان في قرية فالواجب أن يرجع إلى محاريبها لأن المحاريب مبنية إلى القبلة أو من يخبره عن يقين كصاحب الدار إذا استأجرت بيتاً وقال لك صاحب البيت هذه هي القبلة والآن ولله الحمد يسر الله للمسلمين هذه العلامات للقبلة التي تسمى دليل القبلة بالبوصلة وهي على قسمين قسم معين بالأرقام وقسم آخر معين بالإشارة بعضها بالأرقام وبعضها بالإشارة ففيه دليل يقول لك مثلاً ضع الإبرة على رقم ستة عشر خمسة عشر عشرين كذا ومعين البلد الذي عليه هذا الرقم ثم يتبين القبلة وقسم آخر معين البلد في نفس البوصلة في نفس الدليل ويقول لك اجعل الإبرة على وزن نفس البلد وهذه أسهل لأن هذه كل إنسان يعرفها ولا تحتاج تذكر الأرقام أو تصحب الدفتر الذي فيه الأرقام وهذه كان عندنا منها شيء نستعمله الآن وهي مصنوعة قديماً صنعها واحد من فارس مسلم مر بالبلاد وعرف سمتها فصنعها فوجدناها مضبوطة وصنع أيضاً اسطوانة فيها دليل الحاج خاصة بالمدينة ومكة والقرى التي يمر بها الحجاج ومفيدة أيضاً وهناك ساعة العصر جاءت أيضاً لتبين للناس القبلة لكن لها طريقة معينة إلا في مكة ما تعطيك الخبر وفي منى ومزدلفة ما تعطيك الخبر يظهر على الشاشة قريب للغاية لكن على كل حال هي مفيدة جداً.
القارئ: الثاني من عدم ذلك وهو عالم بأدلة القبلة ففرضه الاجتهاد لأن له طريقاً إلى معرفتها بالاجتهاد فلزمه ذلك كالعالم في الحادثة.

الثالث من عجز عن ذلك لعدم بصره أو بصيرته أو لرمد أو حبس ففرضه تقليد المجتهد لأنه عجز عن معرفة الصواب باجتهاده فلزمه التقليد كالعامي في الأحكام وإن أمكنه تعرف الأدلة والاستدلال بها قبل خروج الوقت لزمه ذلك لأنه قدر على التوجه باجتهاد نفسه فلم يجز له تقليد غيره كالعالم فإن اختلف مجتهدان قلد العامي أوثقهما عنده فإن قلد الآخر احتمل أن يجوز لأنه دليل مع عدم غيره فكذلك مع وجوده واحتمل أن لا يجوز لأنه عمل بما يغلب على ظنه خطأه فأشبه المجتهد إذا خالف جهة ظنه فإن استويا عنده قلد من شاء منهما كالعامي في الأحكام.
الشيخ: فتبين الآن أن الذي يكون في قرية يستدل بالمحاريب الإسلامية وبأخبار الثقات ففرضه ذلك والثاني من عجز مثل أن يكون في البر حانت الصلاة وأنت في البر وليس عندك علامات على القبلة فهنا يلزمك الاجتهاد إن كنت من أهل الاجتهاد ومن المجتهد هنا؟ المجتهد هنا هو الذي يعرف دلائل القبلة إما بالشمس أو بالنجوم أو بالقمر أو بغير ذلك فإن لم يمكنه الاجتهاد بأن صار لا يعرف فحينئذٍ يجب أن يقلد ثقة ولو كان الثقة يخبره عن غير يقين كاجتهاد مثلاً له أن يقلد المجتهد فإن اختلف عليه مجتهدان قال أحدهما القبلة يمين والثاني قال القبلة يسار وجب عليه أن يقلد الأوثق لأنه هو الذي يغلب على الظن عنده صدقه والعمل بغالب الظن واجب إذا تعذر اليقين فإن تساويا عنده أو لم يعرف عن حالهما شيئاً فإنه يخير هذا ما لم يكن هذان الرجلان مساويين له في عدم المعرفة فإن كانا مساويين لهما في عدم المعرفة واختلفا عليه سقط قولهما ويجتهد هو بنفسه ويتحرى ويصلي.
السائل: هل يجوز استقبال حِجْر الكعبة؟ الشيخ: نعم يجوز استقباله إلا طرفه الشمالي فإنه لا يستقبل.
السائل: لو كان يخشى في اجتهاده في الاستدلال للقلبة خروج الوقت؟

الشيخ: يسأل فإذا ما وجد أحداً وضاق عليه الوقت صلى على حسب ما يطرأ عليه يعني لو ما وجد أحداً يسأله وخاف خروج الوقت وهو لا يعرف أن يستدل فيصلي أين كان وجهه ولا يمكث حتى يخرج الوقت كما قلنا لكم مراراً وتكراراً المحافظة على الوقت فوق كل شيء ولهذا من لم يجد ماءً ومن لم يجد تراباً صلى بلا ماء ولا تراب ومن وجد ما يستر عورته سترها ومن لم يجد صلى عرياناً ومن استطاع أن يصلي قائماً صلى قائماً فإن لم يستطع فقاعداً حتى وإن كان يعرف أنه بعد خروج الوقت سيقدر على القيام المهم أن الوقت مقدم على كل شيء.

فصل القارئ: ومن ترك فرضه بالاستقبال وصلى لم تصح صلاته وإن أصاب لأنه تارك لفرضه فأشبه ما لو أخطأ وإن أتى بفرضه فبان أنه أخطأ وكان في الحضر أعاد لأن ذلك لا يكون إلا لتفريط وإن كان مسافراً لم يعد لأنه أتى بما أمر به من غير تفريط فلم تلزمه الإعادة كما لو أصاب الشيخ: يقول وإن أتى بفرضه وفرضه أولاً أن يستدل بالمحاريب وأشباهها إذا كان في القرية ثانياً أن يجتهد ثالثاً أن يقلد.

إذا أتى بفرضه فبان أنه أخطأ وكان في الحضر أعاد لأن ذلك لا يكون إلا لتفريط والصواب أنه إذا أتى بفرضه واجتهد وهو ممن يعرف الأدلة وأخطأ فلا إعادة عليه لقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) فمثلاً إذا كان في الحضر ودخل بيتاً ينام فيه ولم يسأل صاحب البيت عن القبلة ولكنه يعرف دلائل القبلة فخرج إلى السطح ورأى النجوم وباجتهاده تبين له أن القبلة إلى هذه الناحية فصلى في هذه الناحية ثم تبين أنه أخطأ فعند المؤلف يعيد الصلاة لأن فرضه أن يسأل، الاجتهاد ما يأتي إلا إذا عدم من يسأله والصحيح أنه لا إعادة عليه لأن هذا مشقة وأحياناً يكون صاحب البيت غير موجود ولا أدري أين ذهب ولا يمكنني أن أسأله والقاعدة العامة عندنا في هذا وغيره أن كل من اجتهد في أي عبادة كان فإنه قد أدى الواجب عليه يقول وإن كان مسافراً لم يعد لأنه أتى بما أمر به من غير تفريط فلم تلزمه الإعادة كما لو أصاب.
السائل: إذا اجتهد اثنان واختلفا فقلد العامي أحدهما مع أن الآخر أوثق عنده؟ الشيخ: الصحيح أن صلاته تبطل إذا اختلف عنده اثنان وأحدهما أوثق فتبع غير الأوثق وإن كان فيه احتمال أن يكون الصواب مع غير الأوثق في هذه القضية المعينة لكن ترك تقليد من يظن أنه أصح.
السائل: ما هو تعليقكم على قوله (لأنه دليل مع عدم غيره فكذلك مع وجوده)؟ الشيخ: ليس صحيحاً، دليله مع عدم غيره ما لم يوجد من هو أولى منه.
السائل: اثنان اجتهدا في تحديد القبلة واختلفا وهما جماعة؟ الشيخ: كل واحد يصلي لما أدى اجتهاده إليه والصحيح أنهم يصلون جماعة وقيل لا يصليان جماعة لاختلاف الاتجاه لكن الصحيح أنهما يصليان كما لو اختلفا في أن هذا ناقض الوضوء أو غير ناقض.

فصول الكتاب · 13 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة · 500 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب التفليس
كتاب الصلح
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الوقف
جارٍ التحميل