تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامةصفحات 441-480
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 441-480
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
عدد الأجزاء
5 [الكتاب مرقم آليا]

السائل: هل يجوز الترتيل في الدعاء يجعله كالقرآن؟ الشيخ: هذا ليس ترتيل كالقرآن وفرق بين أن يدعو لنفسه ويدعو لغيره، الذي يدعو لغيره يأتي بمثل هذه الصيغة لأنها أكثر جلباً للقلوب.
السائل: من نام عن الوتر فأراد أن يصليه في وقت الضحى هل يقدم الضحى عليه أو يصلي قبل الضحى؟ الشيخ: يقدم الوتر أحسن وإن قدم الضحى ما في بأس.

فصل القارئ: والقسم الثاني ما تسن له الجماعة منها التراويح وهي قيام رمضان وهي سنة مؤكدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من صام رمضان وقامه إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه وقام النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ثلاث ليالٍ ثم تركها خشية أن تفرض فكان الناس يصلون لأنفسهم حتى خرج عمر عليهم وهم أوزاع يصلون فجمعهم على أبي بن كعب قال السائب بن يزيد لما جمع عمر الناس على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة فالسنة أن يصلي بهم عشرين ركعة في الجماعة لذلك ويوتر الإمام بهم بثلاث ركعات لما روى مالك عن يزيد بن رومان قال كان الناس يقومون في عهد عمر بثلاث وعشرين ركعة قال أحمد يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا صلى الرجل مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي حديث صحيح قال ويقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس ولا يشق عليهم قال القاضي لا تستحب الزيادة على ختمة لأن لا يشق عليهم ولا النقصان منها ليسمعهم جميع القرآن إلا أن يتفق جماعة يؤثرون الإطالة فلا بأس بها وسميت هذه تراويح لأنهم كانوا يجلسون بين كل أربع يستريحون.

الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله القسم الثاني يعني من صلاة التطوع ما تسن له الجماعة ومنها التراويح وهي قيام رمضان وثبوتها بالسنة الفعلية سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هذا أول بحث وقد خالف الصواب من قال إن التراويح لا تشرع جماعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاها ثلاث ليالٍ أو أربعاً ثم تأخر خشية أن تفرض علينا وهذه الخشية منتفية بعد موته ثم على فرض أنه لم يسنها فقد سنها أمير المؤمنين عمر وهو ممن له سنة متبعة فإنه ثاني الخلفاء الراشدين رضي الله عنه ومن أكثرهم موافقة للصواب.

البحث الثاني كم عدد هذه الركعات؟ الصحيح أن العدد إما ثلاث عشرة ركعة أو إحدى عشرة ركعة لأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سئلت كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رمضان فقالت ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة وهذا نص صريح وروي عنها أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة وكذلك صح في حديث ابن عباس فتكون الركعات دائرة بين إحدى عشرة أو ثلاث عشرة فهذه هي السنة وأما سنة عمر ففيها خلاف فروى مالك عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة وهذا ثابت بأصح إسناد ثم إنه اللائق بعمر رضي الله عنه لأنه هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأما ما ذكره المؤلف أنه جمعهم على أبي بن كعب وكان يصلي بهم عشرين ركعة ففي ثبوته نظر لكن يزيد بن رومان قال كان الناس يقومون في عهد عمر بثلاث وعشرين ركعة وهذا مضاف إلى عهد عمر واللفظ الأول الذي ذكرته لكم مضاف إلى قول عمر وما أضيف إلى قوله أقوى مما أضيف إلى عهده لأن ما فعل في عهد الصحابي فليس بحجة ولا ينسب إلى الصحابي يعني ليس بحجة منسوباً إلى الصحابي إلا أن نعلم أنه اطلع عليه وعلى هذا فلا يمكن أن نقدم ما فعله الناس في عهده على ما أمر به هو نفسه فالصواب أنها ثلاث عشرة أو إحدى عشرة ركعة هذا هو الصواب.

المبحث الثالث هل الأفضل أن يوتر الإنسان مع الإمام ويختم صلاته أو الأفضل أن لا يوتر مع الإمام ويتهجد في آخر الليل؟ الأول أفضل لقول الإمام أحمد رحمه الله يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه وهذا الذي قال أنه يعجبه هو ظاهر الحديث لأن الصحابة قالوا يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا فقال (إنه من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) وهذا يدل على أن الأولى الاقتصار على ما صلاه مع إمامه وإلا لقال من شاء أن يتنفل فليتنفل فالباب مفتوح والليلة باقية إلى الفجر لو نفلتنا بقية ليلتنا فقال (إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) ووجهه من حيث المعنى ظاهر لأنه إذا كان يكتب لك قيام ليلة وأنت نائم على فراشك فأرح نفسك هذه من نعمة الله عز وجل ولأن الذي يصلي مع الإمام إذا أراد التهجد فإما أن ينصرف قبل الوتر فيكون خالف الجماعة وإما أن يوتر مع الإمام ثم يقوم يشفع بركعة وهذا أيضاً نوع خلاف وربما يحمل الإنسان على الرياء وإن كان قد يحمي نفسه من الرياء لكن ربما مع الاستمرار يحصل في قلبه رياء وكأنه يقول للناس إنني سوف أتهجد ولذلك شفعت الوتر.

البحث الرابع هل يختم القرآن بهم كله أو ما تيسر؟ استحب الفقهاء رحمهم الله أن لا ينقص عن ختمة ولا يزيد عليها أن لا ينقص لأجل أن يسمعهم جميع القرآن ولا يزيد لأن لا يشق عليهم وبناءً على ذلك يكون عمل الناس اليوم من الشيء الذي لا ينبغي لأنهم يزيدون على ختمة فتجدهم يختمون في التراويح الصلاة الأولى في أول الليل ثم في التهجد يزيدون إما أن يختموا أو يقلوا عن ختمة وهذا لا ينبغي لأنه يشق على الناس ولكن ولله الحمد في أزماننا المتأخرة صار الذي يتولى إمامة المساجد في رمضان غالبهم طلبة علم فيحملون الناس على فعل السنة لا يزيدون على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة حتى في العشر الأواخر لا يزيدون عليها يصلي في أول الليل أربع ركعات طويلة ثم ينصرف الناس إلى بيوتهم ثم يأتون في آخر الليل ويصلون ما بقي وهذا عمل حسن طيب يوافق السنة مع راحة الناس والمطلوب هو الراحة مع فعل السنة.
القارئ: وكره أحمد التطوع بينها وقال فيه عن ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية، عبادة وأبو الدرداء وعقبة بن عامر.
ولا يكره التعقيب وهو أن يصلوا بعد التراويح نافلة في جماعة لأن أنساً قال ما يرجعون إلا إلى خير يرجونه أو لشر يحذرونه وعنه أنه يكره إلا أنه قول قديم قال أبو بكر إن أخروا الصلاة إلى نصف الليل أو آخره لم يكره رواية واحدة قال أحمد فإذا أنت فرغت من قراءة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع وادع وأطل القيام رأيت أهل مكة وسفيان بن عيينة يفعلونه واختلف أصحابنا في قيام ليلة الشك فقامها القاضي لأن القيام تبعاً للصيام ومنعها أبو حفص العُكبري لأن الأصل بقاء شعبان ترك ذلك في الصيام احتياطا ففيما عداه يبقى على الأصل.
الشيخ: التعقيب بعد التراويح يعني يرجعون ويصلون مرة ثانية كما هو فعل الناس الآن في العشر الأواخر يرجعون ويصلون لكن التعقيب هل هو بعد التراويح وقبل الوتر أو بعد التراويح والوتر؟

السائل: نقض الوتر صورته لم تتضح لي؟ الشيخ: نقض الوتر على رأي من يراه إذا أوتر في أول الليل وقام في آخره يصلي ركعة واحدة فقط ثم يصلي ركعتين ركعتين ثم يوتر بواحدة وعلى هذا يكون أوتر ثلاث مرات وهذا ليس بصحيح يعني هذا القول ضعيف والصواب أنه إذا قام يصلي ركعتين ركعتين حتى ينتهي.

فصل القارئ: القسم الثالث التطوع المطلق وهو مشروع في الليل والنهار وتطوع الليل أفضل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل) وهو حديث حسن والنصف الأخير أفضل قال عمرو بن عبسة قلت يا رسول الله أي الليل أسمع قال (جوف الليل الأخير) رواه أبو داود وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) متفق عليه.
ويستحب للمتهجد أن يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا قام أحدكم من الليل فليفتح صلاته بركعتين خفيفتين) رواه مسلم.
الشيخ: وثبت هذا أيضاً من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفتتح الصلاة صلاة الليل بركعتين خفيفتين والحكمة في ذلك هو أن الشيطان إذا نام الإنسان عقد على قافيته ثلاث عقد فإذا قام وذكر الله انحلت عقدة وإذا توضأ انحلت الثانية وإذا صلى انحلت الثالثة قال العلماء فينبغي أن تكون هذه خفيفة لأجل الإسراع في حل هذه العقد فتكون هذه السنة ثبتت بالقول وبالفعل.
السائل: ما معنى أسمع؟ الشيخ: أسمع يعني أقرب للإجابة السمع هنا سمع الاستجابة.
السائل: ألا يحتمل أن تكون الركعتين الخفيفتين هي سنة العشاء لأن كل الأحاديث التي ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل تطويله وما أشبه ذلك؟ الشيخ: لا ليس هذا، هذا لأجل أن الإنسان تنحل عنه العقد بسرعة الرسول قال (إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين) ما يقصد سنة العشاء سنة العشاء قبل النوم.

القارئ: ويستحب أن يكون له ركعات معلومة يقرأ فيها حزبه من القرآن لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أحب العمل إلى الله الذي يدوم عليه صاحبه وإن قل) متفق عليه وقالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء الآخرة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة رواه مسلم وهو مخير إن شاء خافت وإن شاء جهر قالت عائشة رضي الله عنها كل ذلك كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ربما أسر وربما جهر حديث صحيح إلا أنه إن كان يسمع من ينفعه أو يكون أنشط له وأطيب لقلبه فالجهر أفضل وإن كان يؤذي أحداً أو يخلِّط عليه القراءة فالسر أولى فإن أبا سعيد قال اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال (ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة) رواه أبو داود.

فصل القارئ: ويستحب أن يختم القرآن في كل سبع لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو (اقرأ القرآن في كل سبع) متفق عليه.

السائل: ما الراجح من قول المؤلف في صلاة التراويح ليلة الشك وكذلك اعتاده الناس في صلاة التراويح قبل أن تتبين رؤية هلال شوال.
الشيخ: الصحيح أن ليلة الشك لا تصلى وكذلك لا يصام وقد عرفت أن صيام يوم الشك حرام.
القارئ: ويحزبه أحزابا لما روى أوس بن حذيفة قال قلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أبطأت علينا الليلة قال (إنه طرأ علي جزئي فكرهت أن أجيء حتى أختمه) قال أوس فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحزبون القرآن قال: قالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل وحده رواه أبو داود

فصل

القارئ: وصلاة الليل مثنى مثنى لا يزيد على ركعتين لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (صلاة الليل مثنى مثنى) قيل لابن عمر ما مثنى مثنى قال تسلم من كل ركعتين متفق عليه وإن تطوع في النهار بأربع فلا بأس لأن تخصيص الليل بالتثنية دليل على إباحة الزيادة عليها في النهار والأفضل التثنية لأنه أبعد من السهو.
الشيخ: وهذا بناءً على أنه قوله (صلاة الليل والنهار) ليست بصحيحة زيادة النهار أما من صححها فيرى أنه لا فرق بين الليل والنهار وممن صححها الشيخ عبد العزيز بن باز قال إنها صحيحة وهي مختلف فيها لكن من صححها ألحق صلاة النهار بالليل.

فصل القارئ: والتطوع في البيت أفضل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (عليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة) رواه مسلم ولأنه من عمل السر ويجوز منفرداً وفي جماعة لأن أكثر تطوع النبي صلى الله عليه وسلم كان منفردا وقد أَمَّ ابن عباس في التطوع مرة وحذيفة مرة وأنساً واليتيم مرة فدل على جواز الجميع.
الشيخ: لكن لا يتخذ هذا سنة دائمة، أحياناً لا بأس به فقد أَمَّ ابن عباس كما قال وأَمَّ حذيفة وأَمَّ ابن مسعود رضي الله عنهم وأما أنس واليتيم فليس بصلاة الليل إنما هو لما ذهب إلى أم سليم لطعام صنعته ودعت النبي صلى الله عليه وسلم إليه أمهم عليه الصلاة والسلام لكنه ليس بصلاة الليل كما فعل ذلك في عتبان بن مالك حين دعاه عتبان ليصلي في مكان اتخذه مصلىً له والمهم أن صلاة الجماعة أحياناً لا بأس بها في النفل سواء في صلاة الليل أو صلاة الضحى أو غيرها.
السائل: ما حكم صلاة النافلة جماعة دائماً لوجود المصلحة وهي أن يسمعوا القرآن؟ الشيخ: صلاة النافلة جماعة أحياناً لا بأس بها أما اتخاذها سنة راتبة كل ليلة مثلاً يصلي فهذا ليس مشروع إلا في رمضان ولو لمصلحة ما نسن شريعة من أجل المصلحة والمصلحة هذه تحصل بقراءتهم في غير صلاة.

السائل: إذا خرجوا المعسكرات لمدة أسبوع أو عشرة أيام أو أقل يصلون في آخر الليل جماعة؟ الشيخ: هو الأحسن ما يصلونها كل ليلة لا بد أن يفصل.
السائل: من هو اليتيم؟ الشيخ: اليتيم غميرة بن عبد الله.

فصل القارئ: ويجوز التطوع جالسا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة) رواه مسلم ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لأنه يستحب تطويله وتكثيره فسومح في ترك القيام تكثيراً له ويستحب أن يكون في حال القيام متربعا ليخالف حال الجلوس ويثني رجليه حال السجود لأن حال الركوع كحال القيام وقال الخرقي يثنيهما في الركوع أيضا لأن ذلك يروى عن أنس وإن صلى على غير هذه الهيئة جاز.
الشيخ: الآن إذا صلى قاعداً يتربع في حال القيام وفي حال الركوع لأن حال الركوع كحال القيام وقال الخرقي يثنيهما في الركوع أيضاً لأن ذلك يروى عن أنس لكن لا شك أن القياس ما قاله المؤلف أولاً.
القارئ: وإذا بلغ الركوع فإن شاء قام ثم ركع لما روت عائشة رضي الله عنها قالت لم أرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعداً حتى أسن فكان يقرأ قاعداً حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحواً من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم ركع) متفق عليه وإن شاء ركع من قعود لما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعدا وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد رواه مسلم.
الشيخ: خلاصة هذه القطعة هو أن صلاة الليل مثنى مثنى وجوباً حتى قال الإمام أحمد رحمه الله إذا قام إلى ثالثة فكأنما قام إلى ثالثة في صلاة الفجر أي أنه يرجع فإن لم يفعل بطلت الصلاة وفي النهار الأفضل أن تكون مثنى مثنى وإن تطوع بأربع فلا بأس.

ثانياً مكان التطوع: التطوع في البيت أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم (فإن خير صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة) ولأن ذلك أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء ولأجل أن لا تكون بيوتنا قبوراً ومن أجل أن يشاهد العائلة كبيرهم يصلي فيألفون الصلاة فلهذه المعاني صار الصلاة في البيت أفضل.
المسألة الثالثة التطوع هل يشترط له القيام؟ الجواب لا فأما قوله تعالى (وقوموا لله قانتين) فذلك في الفريضة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين (صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) أما النافلة فالقيام ليس ركناً فيها فيجوز أن يتطوع وهو جالس ولكن القيام أفضل إلا لعذر.
وكيف يكون في حال القيام إذا صلى قاعداً؟ يكون متربعاً في حال القيام وفي حال الركوع وأما في حال السجود وفي حال الجلوس فيكون ثانياً رجليه.
السائل: فعل النبي صلى الله عليه وسلم عند القراءة حيث يقوم قبل الركوع لماذا لا تستمر الصلاة قعوداً؟ الشيخ: كان يفعل هذا مرة وهذا مرة في الأحاديث التي عندنا أنه يفعل هذا مرة وهذا مرة.
السائل: بالنسبة لتحية المسجد هل يصح الإنسان يصليها قاعداً مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلوس قبل الصلاة؟ الشيخ: نعم يصح وأما جلوسه لكي يصلي ركعتين فهو الآن يصلي ركعتين فهو لم يجلس إلا ليصلي.
السائل: ما الفرق بين صلاة الليل والوتر والتهجد؟ الشيخ: التهجد هو ما كان بعد النوم والوتر معروف ينويه نفل معين وصلاة الليل نفل مطلق.

فصل القارئ: القسم الرابع: صلوات لها أسباب منها تحية المسجد لما روى أبو قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) متفق عليه

ومنها صلاة الاستخارة قال جابر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به) أخرجه البخاري.
الشيخ: فيه أيضاً ذوات أسباب غير الذي ذكر المؤلف مثل صلاة الكسوف على القول بأنها سنة، صلاة الاستسقاء، التصدق على من دخل وقد فاتته الصلاة، سنة الوضوء، المهم أن ذوات الأسباب ليست محصورة بما قال المؤلف.
السائل: دعاء الاستخارة متى يكون؟ الشيخ: بعد السلام.

فصل القارئ: وسجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع لأن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة في غير الصلاة فيسجد فنسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكاناً لوضع جبهته متفق عليه ولا يسن للسامع عن غير قصد لأن عثمان مر بقاص فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان فلم يسجد وقال إنما السجدة على من استمع.
ويشترط كون التالي يصلح إماماً للمستمع لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى نفر من أصحابه فقرأ رجل منهم سجدة ثم نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنك كنت إمامنا ولو سجدت لسجدنا) رواه الشافعي.

الشيخ: الشاهد من هذا قوله (إنك كنت إمامنا) يعني وعلى هذا فلا يسجد المستمع إذا كان القارئ لا يصلح أن يكون إماماً له مثل أن يستمع إلى امرأة تتلو القرآن فتمر المرأة بالسجدة وتسجد فإن المستمع لا يسجد لأن المرأة لا تصح أن تكون إماماً للرجل أما لو سمع صبياً يقرأ فإنه إذا سجد الصبي يسجد وذلك لأن الصبي تصح إمامته في النافلة قولاً واحداً.
القارئ: ويسجد القارئ لسجود الأمي والقادر على القيام بالعاجز عنه لأن ذلك ليس بواجب فيه ولا يقوم الركوع مقام السجود لأنه سجود مشروع فأشبه سجود الصلاة.
الشيخ: قوله ولا يقوم الركوع مقام السجود يعني فيما لو كان في صلاة وصار آخر آية في القراءة سجدة فركع فإنه لا يجزئ عن السجود وأما إذا كان خارج الصلاة وركع بدل السجود فإنه مبتدع ويكون بذلك آثماً إذا كان عن علم.
القارئ: وإن كانت السجدة آخر السورة سجد ثم قام فقرأ شيئاً ثم ركع وإن أحب قام ثم ركع من غير قراءة وإن شاء ركع في آخر السورة لأن السجود يؤتى به عقيب الركوع.
الشيخ: فهذه ثلاث حالات إذا كانت السجدة في آخر السورة مثل (كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) فإما أن يسجد فإذا قام قرأ شيئاً ما حتى يلحق المأمومون به ثم ركع أو يقوم من السجود ولا يقرأ يركع وحينئذٍ ينتظر قليلاً من أجل أن يتكامل المأمومون في القيام وإما أن يركع وظاهر كلامه أن سجود الصلاة الذي يكون بعد الركوع يجزئ عنه سجود التلاوة لأنهما عبادتان من جنس اتفقا في الوقت ولكن هذا القول فيه نظر لأنه وجد الفاصل بين السجود والتلاوة وهو الركوع فلا يظهر ما ذهب إليه المؤلف.

فصل القارئ: وسجود التلاوة غير واجب لأن زيد بن ثابت قال قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد فيها متفق عليه، وقال عمر يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه ولم يكتبها الله علينا.

الشيخ: ما ذكر من خرجه الأثر رواه البخاري بمعناه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب يوم الجمعة فقرأ سورة النحل فلما وصل إلى السجدة نزل من المنبر فسجد ثم قرأها من الجمعة الأخرى ولم يسجد ثم قال إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء وهذا بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم نعلم أن أحداً أنكر عليه وقيل بل سجود التلاوة واجب لأن الله تعالى أنكر على الذين لا يسجدون فقال (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) فذمهم بذلك والصواب أنه ليس بواجب لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صرح بأنه ليس بفرض أمام الملأ من الصحابة ولم ينكر عليه أحد وأما السجود الذي في قوله تعالى (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) فإن القائلين بوجوب سجود التلاوة مستدلين بهذه الآية لا يقولون بظاهرها قطعاً لأن ظاهرها أن مجرد قراءة القرآن توجب السجود وليس كذلك وإنما معنى السجود أنهم لا ينقادون ولا يذلون فهو كالسجود المذكور في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) فالصواب أنه لا يجب سجود التلاوة وإن كان شيخ الإسلام رحمه الله يرى الوجوب لكن هذا القول بالوجوب ضعيف ثم إن حديث زيد بن ثابت أيضاً صريح فإن زيداً قرأ سورة النجم ولم يسجد ولو كان السجود واجباً لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
السائل: بعض الناس يجلس يستمع للإمام وهو يصلي في التراويح مثلاً فيسجد الإمام للتلاوة فهل يسجد المستمع وهو خارج الصلاة؟ الشيخ: لا يسجد لأنه ليس إماماً له.

القارئ: وله أن يومئ بالسجود على الراحلة كصلاة السفر ويشترط له ما يشترط للنافلة ويكبر للسجود تكبيرة واحدة في الصلاة وفي غيرها لأن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه ويرفع يديه في غير الصلاة لأنها تكبيرة افتتاح وإن كان في صلاة ففيها روايتان.
الشيخ: والصحيح أنه لا يرفع لا في الصلاة ولا خارج الصلاة لعموم قول ابن عمر رضي الله عنهما وكان لا يفعل ذلك في السجود فهذا عام وإن كان قرينة الحال تدل على أن مراد (لا يفعل ذلك في السجود) يعني سجود الصلاة لكن لفظ العموم لا بأس به.
القارئ: وإن كان في صلاة ففيها روايتان ويكبر للرفع منه لأنه رفع من سجود أشبه سجود الصلاة ويسلم إذا رفع تسليمة واحدة.
الشيخ: لم يذكر في هذا دليلاً وإنما ذكر القياس، والقياس في هذا لا يصح ولا يستقيم لظهور الفرق الكبير بين سجود التلاوة وسجود الصلاة ولهذا كان الصحيح أنه لا يكبر إذا رفع من سجود التلاوة إلا إذا كان في صلاة لأنه إذا كان في صلاة يكبر إذا رفع ودليل ذلك أن الواصفين لصلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكروا أنه يكبر كلما رفع وكلما خفض ومن المعلوم أنه يقرأ الآيات التي فيها سجود التلاوة فيسجد القارئ: ويسلم إذا رفع تسليمة واحدة لأنها صلاة ذات إحرام فأشبهت صلاة الجنازة.
وعنه لا سلام له لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يفتقر إلى تشهد ولا يسجد فيه لسهو لأنه لا ركوع فيه أشبه صلاة الجنازة ولا يفتقر إلى قيام لأنه لا قراءة فيه ويقول فيه ما يقول في سجود الصلاة.

الشيخ: إذاً الصحيح أنه لا يكبر إذا رفع ولا يسلم لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم والعبادات مبناها على التوقيف وقوله رحمه الله لا يسجد فيه للسهو صحيح لأنه لو سجد للسهو لكان الجابر أكثر من الأصل فالأصل سجود واحد والجابر سجودان وقوله لأنه لا ركوع أيضاً يمكن أن يعلل به أشبه صلاة الجنازة لأن صلاة الجنازة لو سها فيها لم يسجد لأنه لا سجود فيها أصلاً فلا يكون لها السجود لها جابراً.
القارئ: ويقول فيه ما يقول في سجود الصلاة وإن قال ما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود القرآن (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته) فحسن وهذا حديث صحيح وإن قال غيره مما ورد في الأخبار فحسن.
الشيخ: ومنه أنه ينبغي أن يقول سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي لقوله تعالى (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ).
السائل: بعض العلماء قال إذا قرأ وهو قاعد يقوم ثم يهوي للسجود؟ الشيخ: الأظهر عدم القيام الأظهر أنه يسجد لغير قيام لكن روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سجدت للشكر فقامت فقاسوا هذا عليها ثم قاسوه أيضاً على النفل أنه يسن أن يصلي قائماً لكن كما قلنا القياس لا يصح في العبادات ثم إن القيام في النفل مقصود في صلاة النافلة بخلاف سجود التلاوة فالأظهر أنه يسجد بدون القيام.
السائل: هل يجب استقبال القبلة؟

الشيخ: استقبال القبلة ينبني على القول بأنه هل سجود التلاوة صلاة أو لا؟ والذي يظهر لي أنه يستقبل القبلة وأنه يجب له الوضوء وإذا كان على غير وضوء فلا يسجد هذا هو الأظهر وشيخ الإسلام ما يرى هذا يرى أنه سجود دعاء وأنه سنة استقبال القبلة وليس بواجب ونحن نرى أنه ما دام سجوداً لله عز وجل فلا ينبغي أن يكون إلى غير القبلة ولا أن يكون على غير طهارة بخلاف سجود الشكر لأنه يأتي بغتة بدون تقدم.
السائل: إذا كان الإمام في صلاة سرية وقرأ آية سجدة فهل يسجد؟ الشيخ: الأفضل أن لا يسجد وذلك لأنه إن سجد شوش على المصلين وإن ترك السجود فقد ترك شيئاً مسنوناً فالأحسن أن لا يقرأ وقيل بل يقرأ ويسجد وإذا قرب من آية السجدة رفع صوته قليلاً حتى يسمع الناس.
القارئ: وسجدات القرآن أربع عشرة سجدة في الحج منها اثنتان وثلاث في المفصل وعنه أنها خمس عشرة سجدة منها سجدة ص لما روى عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة منها ثلاث في المفصل وسجدتان في الحج رواه أبو داود والصحيح أن سجدة ص ليست من عزائم السجود لما روى ابن عباس أنه قال ليست ص من عزائم السجود رواه أبو داود.
الشيخ: حديث ابن عباس فهو في البخاري لكن المؤلف ذكره من رواية أبي داود وهو في البخاري.
القارئ: ومواضع السجدات ثابتة بالإجماع إلا سجدات المفصل والثانية من الحج وقد ثبت ذلك بحديث عمرو الشيخ: كم سجدات المفصل _ المفصل من ق_؟ النجم والانشقاق واقرأ.
القارئ: وروى عقبة بن عامر أنه قال يا رسول الله أفي الحج سجدتان قال (نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما) رواه أبو داود.

وأول السجدات آخر الأعراف ثم في الرعد عند قوله (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) وفي النحل عند (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وفي سبحان عند (وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) وفي مريم عند (خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً) وفي الحج الأولى عند (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) والثانية عند (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وفي الفرقان عند (وَزَادَهُمْ نُفُوراً) وفي النمل عند (الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) وفي (الم تنزيل) عند (وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) وفي حم السجدة عند (وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ) وفي آخر النجم وفي (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) عند (لا يَسْجُدُونَ) وآخر (اقْرَأْ).
ويكره اختصار السجود وهو أن يجمع آيات السجدات فيقرأها في ركعة وقيل أن يحذف آيات السجدات في قراءته وكلاهما مكروه لأنه محدث وفيه إخلال بالترتيب.

فصل القارئ: وسجود الشكر مستحب عند تجدد النعم لما روى أبو بكر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه شيء يسر به خر ساجدا وصفته وشروطه كصفة سجود التلاوة وشروطها ولا يسجد للشكر في الصلاة لأن سببه ليس منها فإن فعل بطلت كما لو سجد في الصلاة لسهو صلاة أخرى.

الشيخ: سجود الشكر سنة كما قال المؤلف رحمه الله لكن عند تجدد النعم لا عند دوامها لأنه لو قيل أنه يسجد عند دوام النعم لبقي ساجداً مدى الدهر لأن النعم تترا كل لحظة لكن عند تجدد النعم التي ليست معتادة فأما المعتادة كالاستيقاظ من النوم وحصول الأكل في الغداء والعشاء وما أشبه ذلك فلا لكن لو تجددت له نعمة مثل أن يولد له ولد أو يتزوج أو يبشر بانتصار المسلمين أو ما أشبه ذلك فليسجد للشكر وكذلك قال العلماء عند اندفاع النقم كما لو حصل حادث في سيارة فنجى من الحادث أو تردى من جبل أو سقط في حفرة فنجى فكل هذا من اندفاع النقم الطارئة فيسجد شكراً لله عز وجل على هذه النعمة التي حصلت ثم ذكر المؤلف أن حكمه كسجود التلاوة فيشترط له ما يشترط له وعلى هذا يكبر إذا سجد وإذا رفع ويسلم وقد عرفتم القول الراجح في سجود التلاوة أنه يكبر إذا سجد فقط ثم ذكر أنه لا يصح أن يسجد للشكر في الصلاة لأنه لسبب خارج منها ولهذا قالوا لو سجد الإنسان سجدة ص في الصلاة لبطلت الصلاة وذلك لأنها لنا سجدة شكر ولداود سجدة توبة ولكن القول الراجح أنها سنة أي سجود التلاوة في ص سنة في الصلاة وخارج الصلاة لأن سببها بالنسبة لنا هو التلاوة لولا أننا تلونا هذا ما مرت بنا إذاً خلاصة ما سبق في سجود التلاوة أن سجود التلاوة سنة على القول الراجح ودليله حديث مرفوع وأثر موقوف الحديث المرفوع حديث زيد بن ثابت أنه قرأ عند النبي صلى الله عليه وسلم في النجم فلم يسجد فيها وأما الأثر فهو حديث عمر الأثر الموقوف أنه لم يسجد وقال أمام الناس إن الله لم يفرض علينا السجود.
والمسألة الثانية سجود التلاوة على المشهور من المذهب حكمه حكم النافلة يشترط فيه ما يشترط في النافلة ويفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم.

المسألة الثالثة هل السجدات الموجودة في القرآن مجمع عليها؟ الجواب نعم مجمع عليها إلا السجدة الثانية في الحج وثلاث سجدات في المفصل أربع سجدات هذه محل خلاف والصحيح أنها يسجد فيها.
المسألة الرابعة فيما يتعلق بسجود الشكر وهو الذي يشرع عند تجدد النعم واندفاع النقم والمؤلف رحمه الله لم يذكر اندفاع النقم لكن قد يقال إنه من وجه يكون تجدد نعمة لأن السلامة من الهلاك مثلاً نعمة.
السائل: لو سجد في الصلاة سجدة شكر غير سجدة (ص) هل تبطل صلاته؟ الشيخ: تبطل صلاته نعم لو سجد للشكر في غير سجدة الصلاة وهو يصلي فإن صلاته تبطل لأنه زادها سجوداً ليس له سبب فيها.
السائل: هل يشترط لسجود الشكر الطهارة واستقبال القبلة؟ الشيخ: الصحيح أنه لا يشترط له الطهارة لأنه يأتي مفاجئاً وليس هناك دليل على اشتراط الطهارة أن نقول للإنسان إذا جاءت النعمة فاذهب وتوضأ وربما نقول لو ذهب وتوضأ لطال الفصل وأما استقبال القبلة فكما قلت لكم في سجود التلاوة أنه لا ينبغي للإنسان أن يسجد لله ودبره إلى بيت الله.
السائل: هل له أن يسجد في أثناء الخطبة سجدة الشكر؟ الشيخ: نعم لا بأس يعني لو بشر الخطيب وهو يخطب بانتصار المسلمين وسجد في أثناء الخطبة فلا بأس.

باب

سجود السهو

القارئ: وإنما يشرع لجبر خلل الصلاة وهو ثلاثة أقسام زيادة ونقص وشك فالزيادة ضربان زيادة أقوال تتنوع ثلاثة أنواع: أحدها أن يأتي بذكر مشروع في غير محله كالقراءة في الركوع والسجود والجلوس والتشهد في القيام والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول ونحوه فهذا لا يبطل الصلاة بحال لأنه ذكر مشروع في الصلاة ولا يجب له سجود لأن عمده غير مبطل وهل يسن السجود لسهوه فيه روايتان إحداهما يسن لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) والثانية لا يسن لأن عمده غير مبطل فأشبه العمل اليسير الثانية أن يسلم في الصلاة قبل إتمامها فإن كان عمداً بطلت صلاته لأنه تكلم فيها وإن كان سهواً فطال الفصل بطلت أيضاً لتعجل بناء الباقي عليها وإن ذكر قريباً أتم صلاته وسجد بعد السلام فإن كان قد قام فعليه أن يجلس لينهض عن جلوس لأن القيام واجب للصلاة ولم يأتِ به قاصداً لها والأصل فيه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي وصلى ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فوضع يده عليها كأنه غضبان وشبك بين أصابعه ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى وخرجت السرعان من أبواب المسجد فقالوا قصرت الصلاة وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين فقال له يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة فقال (لم أنس ولم تقصر) فقال (أكما يقول ذو اليدين) فقالوا نعم قال فتقدم فصلى ما ترك من صلاته ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه فكبر ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه فكبر متفق عليه.
الشيخ: في هذه الفقرة عدة مسائل:

أولاً سجود السهو فما هو السهو السهو هو الذهول عن شيء معلوم يعني يذهل الإنسان عن شيء يعلمه فيسهو وهو سهو في الصلاة وسهو عن الصلاة فأما السهو عن الصلاة فنوعان سهو بمعنى الترك وهذا هو المذموم في قوله تعالى (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) وسهو بمعنى النسيان وهذا هو المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) هذا السهو عن الصلاة أما السهو في الصلاة فهذا هو الباب الذي كتبه المؤلف في هذا الموضوع.
المسألة الثانية أسباب سجود السهو ثلاثة زيادة ونقص وشك وجه انحصارها في ذلك هو التتبع والاستقراء لأن العلماء تتبعوا النصوص الواردة في ذلك فوجدوها لا تخرج عن واحد من هذه الثلاثة إما زيادة وإما نقص وإما شك ويأتي التفصيل.
المسألة الثالثة الزيادة تتنوع إلى نوعين والمؤلف قال إلى ضربين والخلاف بسيط زيادة قولية وزيادة فعلية والزيادة القولية ثلاثة أقسام كما قسمها المؤلف رحمه الله:

الأول أن يأتي بذكر مشروع في غير موضعه، مشروع في الصلاة لكن يأتي به في غير موضعه وضرب له المؤلف أمثلة كالقراءة في الركوع والسجود والجلوس القراءة في الركوع والسجود على القول الراجح محرمة لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً) لأن القراءة محلها القيام كذلك أيضاً التشهد في القيام لأن محله الجلوس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول لأن محل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير ونحوه وهذا لا يبطل الصلاة ولو تعمدها فهذه الزيادة لا تبطل الصلاة ولو تعمدها وذلك لأنها قول مشروع في الصلاة في الجملة لكن أتى به في غير محله وهذه مخالفة لا توجب إبطال الصلاة اللهم إلا على قول من يقول إن قراءة القرآن في الركوع والسجود حرام فهذه يتوجه أن يقال بأن من تعمد ذلك بطلت صلاته لأنه فعل شيئاً محرماً في الصلاة لكن إذا فعله سهواً فهل يشرع له السجود أو لا؟ في ذلك روايتان كما قال المؤلف رواية أنه يسن السجود لعموم الأدلة الدالة على سجود السهو لكل سهو سجدتان (وإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) وما أشبه ذلك والرواية الثانية لا يسن سجود السهو وذلك لأنه لا يبطل عمده الصلاة فكان كالحركة اليسيرة في الصلاة ولكن هذا التعليل فيه نظر لأن قياسه على الحركة اليسيرة في الصلاة غير صحيح إذ أن هذا الذي زاده، زاده على أنه مشروع فأما الحركة في الصلاة اليسيرة فإن فاعلها لم يفعلها على أنها مشروعة فالصحيح أن هذا القسم يسن له سجود السهو ولكنه لا يجب إذاً الزيادة القولية في غير محلها لا تبطل الصلاة إذا تعمدها ويسن السجود إذا فعلها سهواً.

الثاني من زيادة الأقوال أن يسلم في الصلاة قبل تمامها وهذا زيادة قول لا شك فإن كان عمداً بطلت الصلاة لأن السلام من كلام الآدمين فإنه يقول السلام عليكم ولأنه نوى قطعها قبل إتمامها فهو كما لو نوى الفطر في الصيام يبطل يومه فتبطل الصلاة وإن كان سهواً وطال الفصل بطلت الصلاة أيضاً لتعذر بناء آخرها على أولها بفوات الموالاة ولم يبين المؤلف رحمه الله مقدار طول الفصل فيرجع فيه إلى العرف فإذا قيل والله الآن طال الفصل قلنا بطلت الصلاة ولابد من استئنافها وإن كان قصيراً فإنه يتم صلاته ويسجد للسهو بعد السلام ولكن ذكر المؤلف أنه يجب أن يجلس ثم يقوم ووجه ذلك أن قيامه الأول ليس قيام عبادة بل قام القيام الأول على أن صلاته انتهت فيجب أن يرجع ويجلس ثم يقوم حتى يكون نهوضه من الجلوس مشروعاً التكبير لا يكبر لأن التكبير الأول من السجود حصل وليس هناك تكبير آخر في الانتقال من السجود إلى القيام ما هو الدليل على هذه المسألة؟ الدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه المعروف عند العلماء بحديث ذي اليدين ونقرأه الآن قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي وصلاة العشي هما الظهر والعصر لأن العشي من الزوال إلى الغروب إحدى صلاتي العشي فصلى ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فوضع يده عليها كأنه غضبان وشبك بين أصابعه خشبة معروضة في المسجد في قبلته قام ووضع يده عليها كأنه غضبان هكذا قال وشبك بين أصابعه عليه الصلاة والسلام ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى هكذا يده اليمنى على ظهر الكف والإنسان إذا كان مهموماً ربما يكون هكذا جلوسه وإنما كان مهموماً أو كالغضبان عليه الصلاة والسلام لأن الصلاة لم تتم فكأن النفس متعلقة بإتمامها وهذه من نعمة الله على الإنسان إذا كان من عادته أن يتمم عبادته ثم نقصت بغير شعور منه يجد نفسه منقبضة هذه لا شك أنها من نعمة الله عليه لأنه إذا وجد هذا الانقباض سوف يفكر عن

سبب هذا الانقباض يقول وخرجت السرعان من أبواب المساجد يعني الذين يخرجون سريعاً خرجوا يقولون قصرت الصلاة ولم يفكروا أن الرسول قد ينسى والوقت وقت تشريع فيمكن أن الصلاة قصرت خرجوا يقولون قصرت الصلاة وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه في القوم يعني المصلين أبو بكر وعمر وهما أخص أصحابه به ومع ذلك هابا أن يكلماه أولاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم ألقى الله عليه المهابة ثانياً أنه في هذه الحال حتى وإن كان الإنسان يستطيع أن يتكلم معه لكن إذا رآه على هذه الحال سوف يهابه أكثر كونه قام واتكأ وشبك بين أصابعه ووضع خده على ظهر كفه وشبك بين أصابعه وكأنه غضبان لا شك أن الإنسان سوف يتهيب الإنسان لو يجد شخصاً مثله على هذه الحال لتهيب أن يكلمه أو استحى أن يكلمه وإلا فلا شك أن أشد الناس ادلالاً على الرسول عليه الصلاة والسلام هما أبو بكر وعمر ولكنهما هابا أن يكلماه لسببين السبب الأول ما ألقى الله على رسوله من المهابة والسبب الثاني أن حاله الآن تستدعي المهابة ولكن يسر الله عز وجل من يكلمه رجل في يديه طول يعني يداه طويلتان ولعل النبي صلى الله عليه وسلم يمازحه أحياناً ياذا اليدين والإنسان إذا كان يمازحه الكبير أحياناً يكون هو منطلقاً معه ومجترئاً عليه ولكنه رضي الله عنه تكلم بأدب فقال يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة لم يجزم بأنه نسي ولا بأنه قصر الصلاة بل الأمر إما كذا وإما كذا وبقي قسم ثالث بمقتضى القسمة العقلية لكنه لا يمكن أن يقع يعني أو سلمت قبل التمام عمداً هذا الاحتمال الثالث احتمال عقلي لكنه باعتبار حال النبي عليه الصلاة والسلام ممتنع أليس كذلك؟ ولهذا لم يذكره لأن هذا شيء ممتنع لا يمكن أن يقع من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يسلم من الصلاة قبل إتمامها عمداً فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لم أنس ولم تقصر) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق الناس قولاً فنفى النسيان ونفى القصر وأحد

الأمرين ثابت لا محالة لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفى الأمرين بناءً على ظنه أنه أتم صلاته وهذا مما يدلنا على أن الإنسان إذا أخبر بحسب ظنه فإنه يعتبر عند الله صادقاً ولهذا لا يحنث في اليمين لو حلف على اليمين بناءً على غلبة ظنه لم يكن حانثاً ولا حتى في المستقبل ولم يكن آثماً بالنسبة للماضي فلو قال والله ليقدمن زيدٌ غداً بناءً على ظنه ولم يقدم فإنه لا حنث عليه لما قال (لم أنس ولم تقصر) فقال بلى قد نسيت وهي محذوفة في بعض الألفاظ قال بلى قد نسيت فجزم بأنه ناسي ولم يجز بأن الصلاة مقصورة لأن النسيان أقرب إلى جهل الحكم بالنسبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لأن النسيان يقع منه لكن كونه يجهل الحكم هذا بعيد أو مستحيل فجزم بالقسم الثاني وهو أنه نسي فتعارض عند النبي عليه الصلاة والسلام أمران ظنه وخبر ذي اليدين فهل يأخذ بظنه أو يأخذ بخبر ذي اليدين (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) الآن تنازع هذان عند النبي عليه الصلاة والسلام ظنه وخبر ذي اليدين فلم يبق إلا أن يرجع إلى الطرف الثالث وهم الصحابة المشاركون له في العمل فقال (أكما يقول ذو اليدين) قالوا نعم وهذه الصراحة في الحق ما جاملوا النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا أبداً ما نسيت ولا قصرت الصلاة، قالوا نعم نسيت لأن الله قد رباهم فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) قالوا نعم قال فتقدم فصلى ما ترك من صلاته ثم سلم تقدم هذا يدل على أن الإنسان لو حصل مثل هذا وقام عن مكانه فإنه يرجع إلى مكانه الأول ويصلي ما ترك وفي قوله صلى ما ترك ما يشير إلى ما قاله المؤلف من أنه يجلس ثم يقوم وذلك لأنه ترك القيام من الجلوس إلى القيام يعني أن هذا النهوض من جملة ما تركه فيقتضي أن يجلس ثم يقوم ليكون

النهوض بقصد العبادة بخلاف نهوضه الأول فإنه نهض على أن الصلاة قد تمت فصلى ما ترك من صلاته ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه فكبر ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه فكبر لما سلم سجد سجدتي السهو بعد السلام وذلك لأن سببهما زيادة ومتى كان سبب سجود السهو الزيادة فإن سجوده بعد السلام والحكمة في ذلك أن لا تجتمع زيادتان في الصلاة وهما السجود والسهو الذي أوجب السجود فكان سجود السهو للزيادة بعد السلام سواء كانت الزيادة قولية أو فعلية كما سيأتي، في هذا الحديث لم يذكر أنه سلم من سجود السهو لكن يقول أبو هريرة في حديث آخر نبئت أن عمران بن حصين قال ثم سلم وعلى هذا فيسجد سجودين ويسلم كسلام الصلاة، في الجلوس هنا بعد الرفع من السجدة الثانية يكون متوركاً أو مفترشاً؟ الظاهر أنه يكون حسب الصلاة إن كان في صلاة في تشهده الأخير تورك صار متوركاً وإلا صار مفترشاً.
السائل: الذين ظنوا أنه قصر في الصلاة هل صلاتهم تامة؟ الشيخ: هذه أشكلت على بعض الناس، الذين خرجوا هل رجعوا أو بقوا على ما هم عليه أو قيل لهم أعيدوا صلاتكم فأعادوا كل هذا محتمل يحتمل أنهم رجعوا لما سمعوا التكبير أو لما رأوا الجماعة تأخروا وأبطؤوا رجعوا ويحتمل أنهم قيل لهم فيما بعد أتموا صلاتكم لأن الصلاة ما تمت ويحتمل أنهم بقوا على ما صلوا ولم يكملوا الصلاة فهذه ثلاث احتمالات أليس كذلك إذا كان هكذا نرجع إلى الأصل وهو أن الذمة لا تبرأ إلا بصلاة تامة فيبقى هذا النص أو هذا الحديث مشكلاً مشتبهاً والقاعدة الشرعية أنه عند الاشتباه نرجع إلى المحكم الذي ليس به اشتباه فإذا وقع مثل هذا ثم خرج السرعان ثم تحاور الناس فيما بينهم وعلموا أنهم نقصوا الصلاة وأتموا الصلاة نقول للإمام إن عرفت أحداً منهم فبلغه حتى يصلي وإلا فإذا جاءت الصلاة الثانية فنبه الجماعة قل لهم إن صلاتنا الفائتة كانت ناقصة حتى يصلوا من جديد.

السائل: هناك حديث يقرأ في المساجد (إني لن أنسى ولكن لأسن) وهذا الحديث يخالف من أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر ينسى؟ الشيخ: هذا بارك الله فيك ذهب إليه بعض العلماء وأتى بهذا الحديث المكذوب وهذا لا يصح بل قال الرسول (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) والطبائع البشرية فيها نقص بل إن الرسول ينسى أحياناً آية من القرآن مر برجل يقرأ في صلاة الليل قال (رحم الله فلاناً لقد ذكرني آية نُسِّيتها) والله عز وجل يقول (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى) فالصواب أن الطبائع البشرية تكون للرسول صلى الله عليه وسلم كما تكون لغيره.
السائل: ماذا يصنع الإنسان إذا علم عن مثل هذا الحديث يقرأ في المسجد؟ الشيخ: إذا علم ينبه إن كان مثلاً سمعه في المسجد يقول للإمام إذا انتهى الدرس ترى القضية كذا وكذا فيراجع وإذا كان المؤلف موجوداً حياً فإنه يناقش في هذا الشيء حتى يعدل الكتاب أحسن من الردود ونحن ما نحب أن العلماء بعضهم يرد على بعض إلا عند الضرورة القصوى لأن استعمال هذه الطريقة توهن الطرفين توهن المردود عليه والراد وتوجب تحزب الناس هذا يتحزب لهذا وهذا يتحزب لهذا فالواجب معالجة الأمور بالمحاورة والمناقشة وإذا قدر أن هذا الذي ظننت أنه مخطئ بقي على ما هو عليه فبإمكانك أن تؤلف كتاباً ولا تقل مثلاً في الرد على فلان تؤلف الكتاب تبين أن هذا الأمر أن الصحيح كذا وكذا بأن تؤلف كتاباً مبنياً على القول الصحيح.

القارئ: وإن انتقض وضوؤه أو دخل في صلاة أخرى أو تكلم في غير شأن الصلاة كقوله أسقني ماء فسدت صلاته وإن تكلم مثل كلام النبي صلى الله عليه وسلم وذي اليدين ففيه ثلاث روايات إحداهن لا تفسد لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وذا اليدين تكلموا ثم أتموا صلاتهم والثانية لا تفسد صلاة الإمام لأن له أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم وتفسد صلاة المأموم لأنه لا يمكنه التأسي بأبي بكر وعمر لأنهما تكلما مجيبين للنبي صلى الله عليه وسلم وإجابته واجبة ولا بذي اليدين لأنه تكلم سائلاً عن قصر الصلاة في زمن يمكن ذلك فيه فعذر بخلاف غيره واختارها الخرقي والثالثة تفسد صلاتهم لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) اختارها أبو بكر والأُولى أولى.
الشيخ: المسألة الرابعة متى يتعذر بناء آخر الصلاة على أولها؟ نقول يتعذر الأول إذا طال الفصل وسبق.
الثاني إذا انتقض وضوؤه لأنه إذا انتقض وضوؤه فسدت صلاته حتى وإن لم يسلم وحينئذٍ لا يمكن بناء بعضها على بعض.
الثالث إذا دخل في صلاة أخرى فإنه لا يمكن أن يبني آخر الصلاة على أولها لحيلولة الصلاة الأخرى وهذه فيها قولان فمن العلماء من يقول إن شرع في صلاة مفروضة كما لو جمع بين الصلاتين الظهر والعصر ثم سهى هذا السهو في صلاة الظهر وشرع في صلاة العصر فإنه لابد من استئناف الصلاة وإن شرع في نافلة قطع النافلة وأكمل الصلاة التي سلم قبل إتمامها.

المسألة الخامسة إذا تكلم فإن الكلام ينقسم إلى قسمين الأول أن يكون في غير شأن الصلاة مثل بعد أن سلم من ركعتين من الظهر أو العصر قال لابنه يا بني اذهب وأحضر السيارة ثم بعد أن قال هكذا قال له ابنه يا أبتي ما أتممت الصلاة فماذا يصنع الأب؟ يعيد الصلاة من جديد لأنه تكلم بكلام لا يتعلق بالصلاة والصحيح أنه لا يعيد الصلاة ولا يستأنفها لأنه تكلم حين تكلم بناءً على أن صلاته تامة فهو جاهل بعدم تمام صلاته فالصواب أنه يبني ولا يستأنف وإن تكلم بشأن الصلاة التي سها فيها ففيها ثلاث روايات الأولى أن صلاة الإمام والمأموم لا تبطل لأن هذا الكلام وقع من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبنوا على صلاتهم والثاني لا تبطل صلاة الإمام وتبطل صلاة المأموم وانظر إلى التعليل الإمام لا تبطل لأن له أسوة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمأموم تبطل يقول لأنه لا يمكنه التأسي بأبي بكر وعمر لأنهما كانا مجيبين للرسول صلى الله عليه وسلم وإجابته واجبة وهذا التعليل كما ترون عليل لأنه حتى وإن كانت إجابته واجبة فإن إجابته من كلام الآدميين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدمين) فهي وإن كانت إجابته واجبه فإنها مبطلة للصلاة إذاً هذا التعليل يعتبر عليلاً ولا بذي اليدين لأنه تكلم سائلاً عن قصر الصلاة في زمن يمكن ذلك فيه فعذر بخلاف غيره وهذا أيضاً فيه نظر لأنه لو تكلم في أثناء الصلاة بدون سلام يسأل عن قصر الصلاة في زمن يمكن فيه قصر الصلاة هل تبطل صلاته أو لا؟ تبطل لكن الآن سأل بناءً على أن الصلاة منتهية إذا كانت مقصورة أو غير منتهية إذا كان ذلك نسياناً وذو اليدين ما جزم بأنها مقصورة جعل الأمر متردداً بين القصر وبين النسيان فالعلة ليس أنه يمكن أن تقصر العلة أنه تكلم ظاناً أن الصلاة تامة فكذلك أولئك القوم الذين يظنون أن الصلاة تامة إذا تكلموا يتحاورون فإنها لا تبطل صلاتهم

فالصواب إذاً أن صلاة الإمام والمأموم لا تبطل الثالثة أنها تبطل صلاة الإمام وصلاة المأموم وهذا أشد الأقوال لماذا لأنهم تكلموا بكلام الآدميين وكلام الآدميين لا يصلح في الصلاة والجواب على هذا سهل تكلموا جاهلين أو عالمين؟ جاهلين وكلام الآدميين جهلاً لا يؤثر في الصلاة بدليل أن معاوية بن الحكم تكلم في صلب الصلاة وقال للذي حمد الله عند عطاسه قال له يرحمك الله وقال ياثكل أمياه ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة.
القارئ: النوع الثالث أن يتكلم في صلب الصلاة فإن كان عمداً أبطل الصلاة إجماعاً لما روى زيد بن أرقم قال كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه فنزلت (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام متفق عليه وإن تكلم ناسياً أو جاهلاً بتحريمه ففيه روايتان إحداهما يبطلها لما روينا ولأنه من غير جنس الصلاة فأشبه العمل الكثير والثانية لا يفسدها لما روى معاوية بن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم لكني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني ثم قال (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) رواه مسلم فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة لجهله والناسي في معناه.

الشيخ: وهذه الرواية هي الصحيحة أنه إذا تكلم في صلب الصلاة بالكلام الذي يبطلها تعمدُه فإنها لا تبطل إذا كان جاهلاً أو ناسياً ودليل ذلك عموم قوله تعالى (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وهذه الآية عامة والدليل الثاني خاص وهي قصة معاوية بن الحكم رضي الله عنه فإنه تكلم مرتين مرة قال للعاطس يرحمك الله ومرة قال واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي ومع ذلك لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة ولو كانت صلاته باطلة لأمره بالإعادة كما أمر الذي صلى ولم يطمئن بأن يعيد صلاته.
السائل: أحياناً يكون الإنسان في التشهد الأول ويبقى الإمام لم ينهض فأطال والمأموم انتهى من التشهد فهل يقول الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو لايرى أن تقال في التشهد الأول؟ الشيخ: يستمر فيما نرى وبعض العلماء قال لا يستمر وإنما يكرر التشهد الأول والصواب أنه يستمر.
السائل: إذا كان الإمام يقنت قبل الركوع ولا يجهر بالقنوت والمأموم لا يرى القنوت فماذا يفعل؟ الشيخ: يقرأ من القرآن إذا صلى وراء مثل هذا الإمام الذي يقنت قبل الركوع لكن لا يجهر بقنوته والمأموم لا يرى القنوت فهذا يقرأ القرآن.
السائل: لا يوجد شيء متعارف عليه في الفصل بين أجزاء الصلاة فكيف نحددها؟ الشيخ: الظاهر لي إذا فصل من أربع دقائق أو شبهها ما يعتبر قبوله.

القارئ: وإن غلبه بكاء فنشج بما انتظم حروفاً لم تفسد صلاته نص عليه لأن عمر رضي الله عنه كان يسمع نشيجه من وراء الصفوف وإن غلط في القراءة وأتى بكلمة من غيره لم تفسد صلاته لأنه لا يمكنه التحرز منه وإن نام فتكلم احتمل وجهين أحدهما لا تفسد صلاته لأنه عن غلبة أشبه ما تقدم والثاني أنه ككلام الناس وإن شمت عاطسا أفسد صلاته لحديث معاوية وكذلك إن رد سلاما أو سلم على إنسان لأنه من كلام الآدميين فأشبه تشميت العاطس وإن قهقه بطلت صلاته لأن جابراً روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (القهقهة تنقض الصلاة ولا تنقض الوضوء) رواه الدارقطني، والكلام المبطل ما انتظم حرفين فصاعدا لأنه أقل ما ينتظم منه الكلام وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نفخ في الصلاة وتنحنح فيها وهو محمول على أنه لم يأتِ بحرفين أو لم يأتِ بحرفين مختلفين.
الشيخ: هذا النوع الثالث أن يتكلم في صلب الصلاة يعني يتكلم بكلام الآدميين وأما ما كان ذكراً أو مشروعاً في الصلاة فليس من هذا الباب سبق الكلام عليه ففيه مسائل: المسألة الأولى إذا تكلم في صلب الصلاة بطلت صلاته ودليله حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه ولكن إذا تكلم ناسياً أو جاهلاً فهل تبطل؟ في ذلك روايتان والصواب أنها لا تبطل لعموم قوله تعالى (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) ولحديث معاوية بن الحكم وهو في نفس الموضوع.

المسألة الثانية إذا غلبه البكاء فصار يبكي ويسمع له صوت فهذا ليس من كلام الآدميين فلا تبطل الصلاة واستدل المؤلف رحمه الله بفعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يسمع نشيجه من وراء الصفوف وقوله إن غلبه يفهم منه أنه لا يتقصد ذلك فإن تقصد ذلك فإن صلاته تبطل مع أنه في الحقيقة ليس بكلام للآدميين ففي إبطال الصلاة به نظر لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما قال (لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين) ولهذا لو تنحنح الإنسان لشخص وفهم مراده فإن صلاته لا تبطل لأن النحنحة ليست كلاماً.
المسألة الثالثة إذا قهقه، قهقه: يعني صوَّت بالضحك فإن صلاته تبطل لأن القهقة تنافي الصلاة منافاة كاملة حتى وإن قلنا أنها ليست بكلام فإنها تنافي الصلاة فتبطلها.
المسألة الرابعة ما هو الكلام المبطل؟ الكلام المبطل يقول المؤلف ما انتظم حرفين فصاعدا سواء أفاد أم لم يفد وظاهر كلامه أن ما دون الحرفين ليس بكلام ولو أفاد فلو مثلاً أراد شخص ضرب المصلي فلما انتبه الذي بجنبه قال عِ، عِ: يعني أمراً من الوعي فظاهر كلام المؤلف أنه لا يسمى كلاماً لأنه لم ينتظم من حرفين بل هو حرف واحد وفيه فاعل مستتر وكما تعلمون أن هذا فيه نظر لأنه خطاب لآدمي ومفيد وكلام المؤلف أيضاً يدل على أنه لو قال (هل) بطلت صلاته لأنه كلام منتظم من حرفين وينبغي أن يقال ما انتظم من حرفين أو أفاد ولو من حرف واحد من أجل أن يدخل في ذلك عِ، فِ، قِ كلها على حرف واحد وجمل مفيدة.

المسألة الخامسة التنحنح في الصلاة يقول المؤلف إن المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك محمول على أنه لم يأتِ بحرفين ولا أدري هل يتمكن الإنسان من نحنحة بلا حرفين فمثلاً حرف الحاء أصلاً ساكن وما يمكن تنطق بالساكن إلا قبله همزة وصل مكسورة فيقال كيف يحمل على شيء قد لا يمكن حصوله أو لا يمكن إلا بمشقة لكن يحمل على أنه ليس بكلام أصلاً التنحنح يشبه الإشارة والإشارة ليست بكلام فيحمل على أن الإنسان إذا تنحنح لا يقال إنه تكلم أبداً لكن يقال إنه نبه وأما أن يقال إنه تكلم فلا وحمله غير المؤلف على أنه لحاجة وهذا أيضاً فيه نظر لأن الكلام الصريح ولو لحاجة يبطل الصلاة فالصواب أن يقال إن النحنحة ليست بكلام ولهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتنحنح في صلاته ولا يستأنفها.
السائل: قلتم إن الكلام إذا وقع من ناس فإن صلاته لا تبطل لعموم قوله (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وقلتم إن من ذبح ولم يسمِّ ناسياً لم تحل ذبيحته ولم تقولوا بعموم الآية وحملتموه على نفي المؤاخذة بالإثم؟ الشيخ: فرق العلماء قالوا فرق بين فعل يبطل العبادة وبين فعل يبطل تركه العبادة، الثاني من باب فعل المأمور فلابد منه وإذا تركه الإنسان ناسياً سقط عنه الإثم وترتب حكم الفعل عليه بخلاف المحظور.
السائل: ذكر المؤلف المصلي النائم إذا تكلم فهل النائم لا ينتقض وضوؤه؟ الشيخ: لا إذا كان النوم خفيفاً أحياناً بعض الناس من أول ما يغطه النوم وإذا هو ما شاء الله يتكلم وبعض الناس الله لا يبلانا وإياكم يتكلم بما فعل في ذلك اليوم اللهم عافنا.
السائل: إذا غلبت الإنسان قهقهة فهل تبطل الصلاة؟

الشيخ: مثلاً رأى إنسان على السلم فسقط بعض الناس يغلبه الضحك فهل نقول إن هذا من باب الغلبة فلا تبطل الصلاة كما لو غلب على الكلام لأن بعض الناس مثلاً إذا أصابه شيء يقول من غير شعور أح وهذا لو حصل له في الصلاة لا تبطل صلاته لأن الذي غلب بغير اختياره لم يختر المفسد فالظاهر أنه إذا غلبه الظاهر إن شاء الله أنه لا تبطل الصلاة لكن لا يبقى يضحك دائماً يقول امتدت الغلبة إلى آخر الصلاة.

فصل القارئ: الثاني زيادة الأفعال وهي ثلاثة أنواع أحدها زيادة من جنس الصلاة كركعة أو ركوع أو سجود فمتى كان عمداً أبطلها وإن كان سهواً سجد له لما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم خمساً فلما انفتل من الصلاة توشوش القوم بينهم فقال (ما شأنكم) قالوا يا رسول الله هل زيد في الصلاة شيء قال (لا) قالوا إنك صليت خمساً فانفتل فسجد سجدتين ثم سلم ثم قال (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) وفي لفظ (فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين) رواه مسلم.
ومتى قام الرجل إلى ركعة زائدة فلم يذكر حتى سلم سجد للحال وإن ذكر قبل السلام سجد ثم سلم وإن ذكر في الركعة جلس على أي حال كان فإن كان قيامه قبل التشهد تشهد ثم سجد ثم سلم وإن كان بعده سجد ثم سلم وإن كان تشهد ولم يصلّ على النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه ثم سجد وسلم.
الشيخ: هذا الفصل ذكر فيه المؤلف زيادة الأفعال زيادة الأفعال تتنوع كما قال رحمه الله إلى ثلاثة أنواع:

الأول أن تكون الزيادة من جنس الصلاة كركوع وسجود وقيام وقعود والمراد بذلك الزيادة التي تغير هيئة الصلاة فأما ما لم تغير هيئة الصلاة كما لو زاد رفع اليدين عند السجود أو عند القيام من السجود فإنه ليس له هذا الحكم الذي قال المؤلف إذا زاد فلا يخلو إما أن يذكر الزيادة في أثناء الركعة الزائدة وإما أن يذكرها بعد السلام فإن ذكرها في أثناء الركعة الزائدة وجب عليه أن يجلس ويتشهد ويسجد على كلام المؤلف سجدتين ثم يسلم والصحيح أنه يتشهد ثم يسلم ثم يسجد سجدتين هذا الصحيح لأن هذا السجود عن زيادة وبهذا نعرف خطأ بعض الأئمة الذين إذا قاموا إلى زائدة لم يرجعوا بعد استتمامهم قائمين ظناً منهم أن هذا مثل القيام عن التشهد الأول وهذا خطأ عظيم بل هذا يرجع حتى لو ركع وقال سمع الله لمن حمده ثم ذكر أن هذه هي الخامسة في الرباعية وجب عليه الرجوع يقول المؤلف إن ذكر قبل السلام سجد ثم سلم وإن ذكر بعده سجد ثم سلم لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث ابن مسعود لم يعلم بالزيادة إلا بعد السلام ثم سجد وسلم ونحن نقول إذا علم بالزيادة في أثناء الصلاة أو بعد السلام فالسجود كله بعد السلام لأنه عن زيادة.
السائل: طلاب المدارس وهم مميزون أعمارهم إلى ثماني عشرة سنة يكثرون في الصلاة الضحك والكلام متعمدين هل هذا يصل إلى الكفر؟ الشيخ: لا ما يصل إلى الكفر ولو تعمد إبطال صلاته ما يكفر على كل حال يقال صلاتكم باطلة أعيدوها ولو في بيوتكم.
السائل: هل سجود السهو بسبب الزيادة يكون فيه تشهد أم لا؟ الشيخ: الصحيح أنه سجود ثم سلام بدون تشهد، السجود بعد السلام الصحيح ليس فيه تشهد.

القارئ: وإذا سها الإمام فزاد أو نقص فعلى المأمومين تنبيهه لما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فزاد أو نقص ثم قال (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا نابكم أمر فليسبح الرجال وليصفِّح النساء) وفي لفظ (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) متفق عليه.
الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله في هذا الفصل إذا سها الإمام فزاد أو نقص وجب على المأموم تنبيهه وهذا ظاهر لأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام وهل يجب على غير المأمومين تنبيهه مثل أن يصلي إلى جنبك رجل فيزيد يقوم إلى زائدة وهو ليس إماماً لك فهل يلزمك أن تنبهه؟ نعم الظاهر يلزم أن تنبهه لأن هذا من باب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى هذا فيكون كلام المؤلف بناءً على الغالب والله أعلم.
القارئ: وإذا سبح به اثنان لزمه الرجوع إليهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى قول أبي بكر وعمر وأمر بتذكيره ليرجع فإن لم يرجع بطلت صلاته لأنه ترك الواجب عمدا وليس له اتباعه لبطلان صلاته فإن اتبعوه بطلت صلاتهم إلا أن يكونوا جاهلين فلا تبطل لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تابعوه في الخامسة وإن فارقوه وسلموا صحت صلاتهم وذكر القاضي رواية أخرى أنهم يتابعونه استحبابا ورواية ثالثة أنهم ينتظرونه اختارها ابن حامد.

الشيخ: يجب عليهم أن ينبهوه بأنه زاد ويجب عليه الرجوع فإن لم يفعل فإنهم لا يتابعونه لأنهم إذا تابعوه تابعوه على زيادة عمداً ولكن هل يفارقونه أو يجلسون ينتظرونه؟ نقول الأولى أن يجلسوا لينتظروه لاحتمال أن يكون قد نسي ركناً من الصلاة من إحدى الركعات فأتى بهذه الركعة جبراً لما ترك كما يقع ذلك كثيراً فإن بعض الأئمة إذا قيل له زدت في الصلاة قال أنا نسيت قراءة الفاتحة في الركعة الأولى أو في الثانية مثلاً أو ما أشبه ذلك فلهذا نختار أن ينتظروه لاحتمال ما ذكرنا أما لو كان هذا الاحتمال غير وارد كما لو كان يصلي بهم صلاة الفجر وقد سمعوا قراءة الفاتحة وركعوا معه وسجدوا وقاموا وقعدوا ثم قام إلى الثالثة فحينئذٍ ينبهونه فإن أصر وجب عليهم مفارقته لأنه في هذه الحال تكون صلاته باطلة إذ لا عذر له.
القارئ: وإن كان الإمام على يقين من صواب نفسه لم يرجع لأن قولهما إنما يفيد الظن واليقين أولى وإن سبح به واحد لم يرجع نص عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع لقول ذي اليدين وحده.
الشيخ: صحيح هذا لم يرجع إليه إذا سبح إليه واحد لا يرجع إليه ما دام هو يعرف صواب نفسه أما إذا سبح به واحد وبعد تسبيحه غلب على ظنه أن الذي سبح به مصيب فحينئذٍ يرجع لأن البناء على غالب الظن جائز ولأن هذا يقع كثيراً أحياناً يمضي الإمام على أنه لم يكمل صلاته فإذا سبح به أحد شك في أمره ورجح قول من سبح به.
القارئ: وإن سبح به من يعلم فسقه لم يرجع لأن خبره غير مقبول.

الشيخ: كيف يسبح به من يعلم فسقه؟ يعلم ذلك بصوته يكون هذا الرجل الذي معهم في الجماعة يكون معروفاً بالفسق ويعرف الإمام صوته فيقول المؤلف رحمه الله إنه لم يرجع لأنه خبره غير مقبول والحكم والتعليل كلاهما غير صحيح أما قوله لم يرجع فهذا على إطلاقه فيه نظر لماذا لأن الإنسان الذي معك في الصلاة لا يمكن أن يسبح بشيء يعلم أنه خطأ لأن خطأ الإمام سوف يعود على صلاته هو أيضاً فيبعد جداً أن يخبر بما يخالف الواقع ولو كان فاسقاً أعرفتم فالفاسق إذا سبح بالإمام بعيد جداً أن يقصد بذلك تغرير الإمام لأنه إذا غر الإمام فقد أضر نفسه والرجل جاء يصلي يؤدي فريضة كيف يقدم على شيء يضر نفسه إذا غرر بإمامه وأما التعليل فقوله إن خبر الفاسق غير مقبول يرده قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) ولم يقل فردوه فخبر الفاسق يتبين فيه الإنسان قد يكون صحيحاً وخبر العدل مقبول فكوننا نقول إن خبره غير مقبول هذا ليس بصحيح بل خبر الفاسق مما يجب التبيّن فيه وعلى هذا فإذا سبح به فاسق يبقى النظر هل الواحد يكفي أو لابد من اثنين؟ إذا قلنا لابد من اثنين فسبح به فاسقان فإنه يرجع إلى قولهما لأنه يبعد جداً أن يقولا في هذا المكان ما ليس بصحيح وكم من إنسان فاسق في عمل من الأعمال ويكون في الصلاة من أحسن الناس كم من إنسان يشرب الدخان مثلاً والإصرار على شرب الدخان فسق أو يحلق اللحية وحلق اللحية فسق ومع ذلك تجده في الصلاة من أحسن الناس حتى إننا نعرف أناساً يشربون الدخان مصرين عليه يقومون الليل ولا تفوتهم الجماعة بل لا يفوتهم المكان الأفضل في الصف فهل مثل هؤلاء نقول لا نقبل خبرهم في أمر يتعلق بالصلاة هذا من أبعد ما يكون.
القارئ: وإن افترق المأمومون طائفتين سقط قولهم لتعارضه عنده.

الشيخ: وإذا سقط قولهم ماذا يفعل؟ يرجع إلى ما عنده إلى ما في نفسه يعني يكون كأنه لم يسبح به أحد وظاهر كلامه وكلام غيره أنه لا يرجح أحد على أحد والصحيح أنه يرجح فإذا كان يعرف أصواتهم فإنه يرجح من يغلب على ظنه أنهم أقرب إلى الصواب وصورة هذه قال له من وراءه سبحان الله وهو جالس فلما هم بالقيام قال الآخرون سبحان الله يعني لا تقم فالآن اختلفوا عليه ولا نكون كالعامي الذي قال له أحدهم سبحان الله فقام فقال الآخرون سبحان الله فقعد فقال الآخرون سبحان الله فاضطجع.
القارئ: وإن نسي التشهد الأول فسبحوا به بعد انتصابه قائماً لم يرجع ويتابعونه في القيام لما روى زياد بن علاقة قال صلى بنا المغيرة بن شعبة فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس فسبح به من خلفه فأشار إليهم قوموا فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدتين وسلم وقال هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الإمام أحمد.
الشيخ: في الحديث إشكال وهو قوله سلم وسجد سجدتين لكن قد يقال إن الواو لا تستلزم الترتيب لأن مثل هذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن بحينة أنه سجد قبل أن يسلم.
السائل: لو سبح للإمام باسمه قال سبحان الله يا فلان؟ الشيخ: لن يقول هذا إلا جاهل وإذا تكلم جاهلاً فإن صلاته صحيحة.
السائل: لو سبح به اثنان أو أكثر وأجزم صواب نفسه فماذا يفعل؟ الشيخ: إذا جزم بصواب نفسه لا يرجع لقول أحد كائناً من كان وإن غلب على ظنه رجحان قول الرجلين يتبع الرجلين.
القارئ: فإن رجع بعد شروعه في القراءة لم يتابعوه لأنه خطأ فإن سبحوا به قبل قيامه لزمه الرجوع فإن لم يرجع تشهدوا لأنفسهم وتابعوه لأنه ترك واجباً تعين عليهم فلم يجز لهم اتباعه في تركه وإن ذكر التشهد قبل انتصابه فرجع إليه بعد قيام المأمومين وشروعهم في القراءة لزمهم الرجوع لأنه رجع إلى واجب فلزمهم متابعته ولا عبرة بما فعلوه قبله.

فصول الكتاب · 13 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة · 500 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب التفليس
كتاب الصلح
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الوقف
جارٍ التحميل