كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
- عدد الأجزاء
- 5 [الكتاب مرقم آليا]
الشيخ: الترتيب بين الطواف والسعى شرط لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتبه كذلك ولأن الله تعالى قال (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فبدأ بذكر البيت ولأن الطواف أهم لقوله تعالى (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) والذي ينبغي أن يبدأ بالأهم فالأهم لذلك كان الترتيب بين الطواف والسعي واجبا فلو بدأ بالسعي قلنا أعد السعي يعني لو سعى ثم طاف قلنا له أعد السعي لأن السعي الأول لاغي في غير محله وهذا في العمرة واضح وكذلك في الحج لا بد أن يتقدم الطواف السعي إلا أنه من رحمة الله عز وجل رخص للعباد أن يقدموا السعي على الطواف أي طواف الإفاضة لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له سعيت قبل أن أطوف قال (لا حرج) والحديث أخرجه أبو داود وهو صحيح فاختلف العلماء في تخريج هذا وكيف يسعى قبل أن يطوف ويقول رسول الله (لا حرج)؟ قالوا هذا في القارن والمفرد قدّم السعي بعد طواف القدوم فأولوا هذا التأويل لأنهم أصلوا قاعدة وهي أنه لا يجوز تقديم السعي على الطواف قالوا فإذا ورد الحديث بجواز تقديم السعي على الطواف وجب حمله علي الصورة التي وردت وهي سعي القارن والمفرد بعد طواف القدوم فيكون سعى قبل أن يطوف وهذا رأي الجمهور أنه لا يجوز تقديم السعي على طواف الإفاضة إلا القارن والمفرد إذا قدماه بعد طواف القدوم ولكن الذي يظهر أنه جائز في طواف الإفاضة لوجهين:
الوجه الأول أن من المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يسأل عن التقديم والتأخير في ذلك اليوم وأن السعي الذي سأل عنه السائل كان في ذلك اليوم من جملة الأنساك وليس بعد طواف القدوم.
ثم إن السعي بعد طواف القدوم لا يحتاج إلى السؤال عنه لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد سعى بعد طواف القدوم فلا حاجة أن يسأل عنه وهو حج الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثالثاً أن السعي والطواف إنما هو في عبادة الحج لأن الرسول كان يسأل يوم النحر وذلك في زمن الحج فالصواب أنه يجوز في سعي الحج أن يقدم على طواف الإفاضة وأما سعي العمرة على طوافها فلا يجوز حتى وإن كان ناسياً فإننا نقول اذهب فأعد السعي أو جاهلاً نقول اذهب وأعد السعي لكن ذكر بعض العلماء ومنهم عطاء فيما أظن أنه لا بأس إذا كان ناسياً أي أنه إذا سعى ناسياً قبل أن يطوف في العمرة أجزأه لكن القلب لا يطمئن إلى هذا القول.
فإذا قال قائل لماذا لا نقيس العمرة على الحج لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (العمرة حج أصغر)؟ قلنا لا نقيس للفرق لأنك لو قدمت السعي في العمرة على الطواف لأخللت إخلالاً بيناً إذ أن العمرة تتكون من ركنين الطواف والسعي وأما الحج فلا يختل إذا قدم على الطواف لكثرة أنساكه ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخص في يوم العيد بالتقديم والتأخير دفعاً للمشقة لأن الناس لو قيل لهم لا بد أن ترموا جميعاً وتنحروا جميعاً وتطوفوا جميعاً وتسعوا جميعاً لكان في ذلك مشقة لكن إذا كان هذا يرمي وهذا ينحر وهذا يطوف وهذا يسعى صار في ذلك سعة للمسلمين.
فصل
القارئ: ويسن الطهارة والستارة وعنه أنهما واجبتان لأنه أحد الطوافين أشبه الطواف بالبيت والأول المذهب لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة حين حاضت (اقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) أخرجه مسلم والبخاري.
الشيخ: هذا الحديث ليس على ظاهره فقوله عليه الصلاة والسلام (غير ألا تطوفي بالبيت) قد ثبت في موطأ الإمام مالك رحمه الله أنه قال لها (غير ألا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة) وكذلك صح عنها في البخاري أنها قضت الطواف والسعي وأنها لم تقرب البيت إلا بعد الوقوف بعرفة فلا يكون في هذا الحديث دليل على أنها تسعى خصوصاً وأن عائشة لو سعت لكان هذا السعي لم يسبقه طواف وهو مشكل على ما تقتضيه الأدلة.
لكن يقال في الجواب على القياس على الطواف إن العبادات ليس فيها قياس وإلا لقلنا أيضاً تجب الطهارة في الوقوف وفي الرمي وفي غيرها من مشاعر الحج وأما الطواف بالبيت فللحديث المروي في ذلك (الطواف بالبيت صلاة) على أنه سبق لنا أن القول الراجح أن الطواف لا تشترط له الطهارة من الحدث الأصغر.
القارئ: ونحوه قالت عائشة إذا طافت المرأة بالبيت فصلت ركعتين ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة ولأنها عبادة لا تتعلق بالبيت فلم يشترط لها ذلك كالوقوف، ويسن أن يرقى على الصفا والمروة ويرمل بين العلمين ويمشي ماسوى ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ولا يجب لما روي عن ابن عمر أنه قال إن أمش فقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا شيخ كبير رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ويسن الموالاة بينه لأن النبي صلى الله عليه وسلم والى بينه ولا يجب لأنه نسك لا يتعلق بالبيت فلم يشترط له المولاة كالرمي وقد روي أن سودة بنت عبد الله بن عمر سعت وقضت طوافها في ثلاثة أيام ويسن أن يمشي فإن ركب جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم سعى راكبا ولما ذكرنا في الموالاة.
الشيخ: إذاً الموالاة على كلام المؤلف في السعي ليست واجبة ولا شرطاً فيجوز أن يسعى شوطاً في أول النهار وشوطاً عند الزوال وشوطاً بعد العصر وشوطاً في نصف الليل وشوطاً في الفجر وشوطاً في الضحى من الغد وشوطاً بعد الظهر من الغد لو فعل ذلك لأجزأ ولا يشك إنسان أن مثل هذا لا يقال إنه سعى سبعة أشواط لأن السعي عبادة واحدة يتصل بعضها ببعض فالصواب أن الموالاة فيه شرط وهو المذهب وأنه لا يجوز أن يفرق إلا لعذر مثل أن يحتاج إلى قضاء الحاجة أو يتعب فهذا له أن يفرق وأما بدون عذر فإنه يعتبر متلاعباً.
فإن قال قائل أليس الله يقول (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) فجعل الله تعالى هذه العشرة كاملة مع أنها مفرقة؟ قلنا لا قياس في العبادات وأيضاً المقصود سبعة أيام كل يوم منفرد عن الآخر أما السعي فهو عبادة واحدة فلماذا لا نقول إن الموالاة فيه شرط كما قلنا الموالاة شرط في الوضوء وشرط في الصلاة وكل عبادة إذا كانت مكونة من هيئة فلا بد أن تتم هذه الهيئة أما أن تجزأ وتجعل عضين فهذا يخالف ما جاءت به السنة.
السائل: أيهما أفضل السعي راكباً أم ماشياً لأن النبي سعى راكباً وهل تقاس الآن العربة على الركوب؟
الشيخ: الأفضل أن يسعى ماشياً لكن له أن يركب والعربة حكمها حكم الركوب.
القارئ: والمرأة كالرجل إلا أنها لا ترقى على الصفا والمروة ولا ترمل في طواف ولا سعي لما ذكرنا في الرمل في الطواف وليس على أهل مكة رمل كذلك نص عليه.
فصل
القارئ: فإذا فرغ من السعي فإن كان متمتعاً لا هدي معه قصر من شعره وحل من عمرته لما روى ابن عمر قال تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجته ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحلل متفق عليه وإنما جعل التقصير هاهنا ليكون الحلق للحج فأما من ساق الهدي فليس له التحلل للحديث وعنه أنه يقصر من شعره خاصة ولا يمس شاربه ولا أظفاره لما روى معاوية قال قصرت من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص عند المروة حديث صحيح رواه مسلم، وعنه إن قدم في العشر لم يحل لذلك وإن قدم قبل العشر نحر وتحلل كالمعتمر غير المتمتع ومن لبد فهو كمن أهدى لما روت حفصة أنها قالت يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحلل أنت من عمرتك فقال إني لبدت رأسي وقلدت هدياً فلا أحل حتى أنحر متفق عليه، فأما المعتمر الذي لا يريد التمتع فإنه يحل وإن كان في أشهر الحج لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في ذي القعدة فحل ونحر هديه.
الشيخ: هذا الفصل فيه أن الإنسان إذا فرغ من السعي فإن كان متمتعاً لا هدي معه قصر من شعره وحل من عمرته وهل هذا وجوباً أو استحباباً؟ الصواب أنه استحباب وأن التمتع ليس بواجب بل الأنساك الثلاثة كلها جائزة لكن من ساق الهدي فالقران في حقه أفضل ومن لم يسقه فالتمتع في حقه أفضل وبذلك تجتمع السنة القولية والفعلية.
وفي هذا الفصل أن المتمتع يمكن أن يسوق الهدي والصواب أنه إذا ساق الهدي فإنه لا يحرم بالتمتع لتعذره لأن التمتع لا بد فيه من إحلال ومن معه الهدي لا يمكن أن يحل والعجب أن المؤلف رحمه الله وكذلك من قبله من الفقهاء ومن بعده يقولون إنه إذا ساق الهدي وهو متمتع وطاف وسعى فإنه لا يقصر ويحرم بالحج وقد سبق لنا هل هذا يعتبر قراناً أو تمتعاً؟ منهم من يرى أنه قران ومنهم من يرى أنه تمتع ولكن أصل المسألة غير صحيحة وغير واردة يعني أن يسوق الهدي وهو متمتع.
وفي هذا الفصل أنه إذا قدم في العشر ومعه هدي فإنه لا يحل لفعل النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم ومن قدم قبل ذلك فإنه يحل ولكن الصحيح أن الحكم واحد وأن من ساق الهدي في حجه أو في عمرته وهو متمتع فإنه يجعله قراناً أي أن من قدم مكة ومعه الهدي فليس له إلا القران.
وأما قوله رحمه الله إن التلبيد كسوق الهدي يعني فإذا لبد رأسه امتنع التحلل فهذا فيه نظر ظاهر لأن الذي يمنع التحلل ليس هو التلبيد بل هو سوق الهدي قال الرسول عليه الصلاة والسلام (إن معي الهدي فلا أحل) وأما تلبيد الرسول عليه الصلاة والسلام فلأنه كان عازماً على ألا يأتي رأسه إلا في يوم العيد فلبده والتلبيد أن يضع على الرأس ما يلبد الشعر من صمغ وعسل ونحوه لئلا ينتفش فالصواب أن التلبيد ليس كسوق الهدي وأما قول الرسول عليه الصلاة والسلام (إني لبدت رأسي وقلدت هدياً) فهذا بيان للواقع والذي يمنع التحلل هو سوق الهدي فقط.
وأما إذا قدم مكة لا للحج بل للعمرة فإنه إذا وصل إلى مكة وأدى العمرة نحر وحل وهذا لا إشكال فيه والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في ذي القعدة ونحر هديه وحل.
فصل (في وجوب السعي) القارئ: والسعي ركن لا يتم الحج إلا به لقول عائشة رضي الله عنها (طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة وطاف المسلمون وكانت سنة ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بينهما) رواه مسلم.
وعن حبيبة بنت أبي تجراة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) رواه أبو داود وعنه أنه سنة لا شيء على تاركه لقول الله تعالى (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ) مفهومه أنه مباح وفي مصحف أبيّ وابن مسعود (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) وهذا لا ينحط عن رتبة الخبر قال القاضي الصحيح أنه واجب يجبره الدم وليس بركن جمعاً بين الدليلين وتوسطاً بين الأمرين.
الشيخ: فصار في السعي ثلاثة أقوال:
القول الأول أنه ركن.
والثاني أنه سنة.
والثالث أنه واجب والأظهر أنه ركن وأنه لا يتم الحج والعمرة إلا به كما قالت عائشة رضي الله عنها وأما قوله تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فيعرف معنى الآية بمعرفة سبب النزول وسبب النزول أن الصحابة رضي الله عنهم تحرجوا من الطواف بين الصفا والمروة لأنه كان فيهما صنمان فتحرجوا من الطواف بهما فأنزل الله هذه الآية: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) ويدل على أن المقصود بذلك بيان مشروعية الطواف بالصفا والمروة أنه قال (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) ويكون قوله (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ) دفعاً للتحرج مما وقع في نفوس الصحابة رضي الله عنهم فنفي الجناح ليس المراد به رفع الإثم بل رفع التحرج الواقع عند الصحابة رضي الله عنهم.
فصل (السعي بين الصفا والمروة) القارئ: ولا يسن السعي بين الصفا والمروة إلا مرة في الحج ومرة في العمرة فمن سعى مع طواف القدوم لم يعده مع طواف الزيارة ومن لم يسع مع طواف القدوم أتى به بعد طواف الزيارة فأما الطواف بالبيت فيستحب الإكثار منه والتطوع به لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من طاف بالبيت وصلى ركعتين فهو كعتق رقبة) رواه ابن ماجة.
الشيخ: السعي بين الصفا والمروة ليس بمشروع إلا في حج أو عمرة وأما الطواف فهو مشروع كل وقت ولكن هل الأفضل أن نكثر من الطواف في أوقات المواسم أو لا؟ الصواب أنه ليس من السنة ولا من الأفضل أن نكثر وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع لم يطف إلا طواف النسك فقط فطاف طواف القدوم وطاف طواف الإفاضة وطاف طواف الوداع مع أنه بقي أربعة أيام قبل الطلوع ولم ينزل إلى مكة ليطوف فدل هذا على أنه ليس من السنة ولا من الأفضل أن تكثر الطواف في أيام المواسم لأن في البيت من هو أحق منك ممن حج أو اعتمر فقول المؤلف رحمه الله أنه يسن في كل وقت فيه نظر بل يقال أما إذا كان الإنسان في مكة أو كان قادماً إليها ولم يكن هناك مواسم فلا بأس وأما إذا كان في موسم الحج فالأفضل أن لا يزيد على طواف النسك.
باب صفة الحج
القارئ: يستحب لمن بمكة الخروج يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة قبل صلاة الظهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يومئذٍ فصلى الظهر بمنى فمن كان حراماً خرج على حاله ومن كان حلالاً من المكيين والمتمتعين أحرم بالحج وفعل ما فعله عند الإحرام من الميقات ومن حيث أحرم من الحرم جاز لأن جابراً قال أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم لما حللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الأبطح والمستحب أن يطوف بالبيت سبعا ويصلي ركعتين ثم يستلم الركن وينطلق منه مهلاً بالحج لأن عطاء كان يفعل ذلك ويفعل في إقامته بمنى ورواحه منها ووقوفه مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جابر ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة فسار حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم لم يصل بينهما شيئاً ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه فاستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا أولى ما فعل اقتداء برسول الله.
الشيخ: ذكر المؤلف في هذه القطعة من كلامه صفة الحج وصفة الإحرام زماناً ومكاناً وهيئة.
أما الزمن فيكون قبل صلاة الظهر لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج إلى منى قبل صلاة الظهر يوم الثامن وهو الذي يسمى يوم التروية وسمي بذلك لأن الناس كان يتروون فيه الماء إذ أن المشاعر قبل الأزمنة الأخيرة كان ينقل إليها الماء نقلاً فخرج عليه الصلاة والسلام ومعه الذين حلوا من إحرامهم وهم المتمتعون أحرموا من جديد والذين لم يحلوا بقوا على ما كانوا عليه وخرجوا.
وقول المؤلف رحمه الله من حيث أحرم من الحرم جاز يفهم منه أنه لا يصح أن يحرم من الحل في الحج إذا كان في مكة وأنه لا بد أن يحرم من مكة أو من الحرم وفي هذا خلاف بين أهل العلم منهم من قال إنه يحرم من مكانه سواء كان في الحل أو الحرم ومنهم من قال يحرم من الحرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة) والمذهب الأول أنه يحرم من الحرم كله ومن الحل وقالوا إنه إذا أحرم من الحل فإنه سوف يخرج إلى منى وهي من الحرم فيكون قد جمع في إحرامه بين الحل والحرم ولكن لا شك أن الاحتياط أن يحرم من مكانه وأن لا يترك الإحرام حتى يخرج إلى الحل ويظهر ذلك في المثال لو أن أحداً من أهل مكة أراد أن يحرم بالحج أو من المتمتعين الذين حلوا فانتظر حتى خرج الناس إلى عرفة وأحرم من عرفة فعلى القول بأنه يجوز من الحل والحرم يكون هذا الرجل لم يترك واجباً وعلى القول بأنه لا بد أن يحرم من الحرم يكون هذا قد أحرم من غير الميقات فيلزمه دم.
وقول المؤلف رحمه الله (المستحب أن يطوف بالبيت سبعاً ويصلي ركعتين ثم يستلم الحجر وينطلق منه مهلاً بالحج) هذا ليس بصحيح بل هذا بدعة وإن فعله عطاء لأن عطاء من التابعين وليس صحابياً وفعله ليس بحجة وهاهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يتقدم أحد منهم حين أرادوا الخروج إلى منى إلى الحرم ويطوفوا به بل خرجوا من مكانهم إلى منى محرمين رأساً فهذا الذي ذكره المؤلف أنه مستحب ليس بصحيح.
وأما ما ساقه فقال إن جابراً قال ركب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر فالأمر كذلك وصلاها عليه الصلاة والسلام قصراً بلا جمع لأنه لم يجمع في حجه إلا في عرفة ومزدلفة يقول (إن النبي صلى الله عليه وسلم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة له من شعر فضربت له بنمرة فسار حتى أتى عرفة فوجد القبة ضربت له بنمرة).
نمرة قرية تقع في الغربي الجنوبي من عرفة وهي مستراح فمكث فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليستريح ولهذا أمر أن تضرب له قبة بنمرة ولم يأمر أن تضرب له قبة بمنى لأنها من مشاعر الحج وأما نمرة فليست من مشاعر الحج ولهذا أمر أن تضرب له قبة بنمرة ولما قالوا ألا نضرب لك بيتاً بمنى قال (لا منى مناخ من سبق).
وأما قوله (فسار حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة) فقد ظن بعض العلماء أن هذا يدل على أن نمرة من عرفة لأنه قال سار حتى أتى عرفة فوجد القبة ضربت له بنمرة ولكن هذا ليس بصحيح لأن مراد جابر بقوله حتى أتى عرفه يعني حتى صار منتهى سيره عرفة ونزل بنمرة في طريقه وقصد جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خالف قريشاً لأن قريشاً يقولون إن أهل الحرم لا يخرجون من الحرم بل يقفون في مزدلفة كما قال في هذا الحديث (ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تفعل في الجاهلية) لكن النبي عليه الصلاة والسلام مضى حتى أتى عرفة أي حتى صار منتهى سيره إلى عرفة.
يقول فنزل بها أي في القبة حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي.
قوله أمر يدل هذا على أنه لا غضاضة في الأمر في مثل هذه الأمور يعني أنه إذا كان الإنسان أمير القوم وأمرهم أن يرحلوا له راحلته وأن يضربوا له القبة وأن يقربوا طعامه أو ما أشبه ذلك فهذا ليس من المسألة المذمومة لأن هؤلاء الذين معه يرون أنهم مؤتمرون بأمره وأنهم بمنزلة الخدم له فكما أنه ليس من المسألة المذمومة أن تقول لابنك أعطني كذا أو لخادمك أعطني كذا فهذا مثله.
يقول حتى أتى بطن الوادي وهو بطن وادي عرنة وهو وادٍ مشهور معروف يفصل بين عرفة وبين مزدلفة ولهذا قال العلماء كل مشعرين فبينهما وادي فعرفة ومزدلفة بينهما عرنة ومزدلفة ومنى بينهما محسر.
يقول حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس وأذن بلال ثم أقام.
نزل عليه الصلاة والسلام في بطن الوادي وفيه دليل على أن النزول في بطن الوادي نهاراً لا بأس به أما المبيت به ليلاً فقد ورد النهي عن ذلك لأن الإنسان لا يدري ربما يفجؤه الماء ويحصل عليه بذلك الضرر لكن في النهار لا بأس للإنسان أن ينزل لصلاة أو طعام أو ما أشبه ذلك يقول فخطب الناس ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر.
في هذا دليل على أن المستحب في عرفة الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم وفيه أيضاً دليل على أن المسافر لا يصلي الجمعة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصل الجمعة في عرفة مع أن وقفته كانت يوم الجمعة لكن السفر ليس محلاً لإقامة الجمعة ولهذا خطب الناس قبل أن يؤذن ولو كانت جمعة لخطب بعد الأذان وصرح جابر بأنه صلى الظهر ثم أقام فصلى العصر.
يقول ثم لم يصل بينهما شيئا لأن المسافر لا يسن له أن يصلي الرواتب وإلا فمن المعلوم أن بين الظهر والعصر راتبة الظهر البعدية ثم ركب صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف يعني حتى أتى الموقف الذي اختار أن يقف فيه وهو شرقي عرفة ووقف فيه عليه الصلاة والسلام وقال (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف) وكأنه يقول للناس لا تتعبوا أنفسكم وتأتوا إلى هذا المكان كونوا على أمكنتكم فكل عرفة موقف لكنه اختار أن يكون هناك والحكمة والله أعلم ليكون في مؤخرة القوم لأن من عادته عليه الصلاة والسلام إذا كان في سفر صار في آخر القوم حتى يتفقد من يتخلف في عرفة أو ما أشبه ذلك.
يقول رحمه الله (فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات) والصخرات معروفة كبيرة عند الجبل الذي وقف عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وما زالت موجودة حتى الآن وقد حاول بعض الناس أن يزيلها وأن يجعل المكان مستراحاً لكن لم يحصل له ذلك والحمد لله لأنه لو حصل ذلك لكان هذا المكان منتزهاً للناس ولزالت حرمته لكن بقيت الصخرات على ما كانت عليه.
وقوله (وجعل حبل المشاة بين يديه) حبل المشاة يعني طريقهم وشبهه بالحبل لأنه موطئ الأقدام له أثر كالحبل الممدود وقيل إن حبل المشاة عبارة عن رمل مندعث بين هذه الصخرات يمشي معه المشاة (فاستقبل القبلة ولم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص) استقبل القبلة وجعل يدعو رافعاً يديه وهو راكب ولما سقط زمام ناقته أمسكه بإحدى يديه وهو رافع الأخرى عليه الصلاة والسلام وبقي يدعو إلى أن غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص يعني بذلك قرص الشمس (ودفع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهذا أولى ما فعل اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم) دفع صلى الله عليه وسلم وقد شنق لناقته القصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله من شدة شنقه لها وهو يقول (أيها الناس السكينة السكينة) ولكنه إذا وجد متسعاً أسرع.
القارئ: ويستحب أن يخطب الإمام خطبة يعلم الناس مناسكهم وفعلهم في وقوفهم ودفعهم في أول ما تزول الشمس.
الشيخ: قوله (أن يخطب الإمام خطبة يعلم الناس مناسكهم وفعلهم في وقوفهم) هذا لا شك أنه مناسب أن يذكر هذا لكن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم خطبة عظيمة بين فيها مقاصد عظيمة من الإسلام وقال (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وقال (اتقوا الله في النساء) وخطبة الرسول عليه الصلاة والسلام هذه معروفة مشهورة تولاها بعض العلماء بالشرح وآخر من علمت تولى ذلك الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رحمه الله فله رسالة في شرح هذه الخطبة.
القارئ: ويقصر الخطبة لأن سالم بن عبد الله قال للحجاج يوم عرفة إن كنت تريد أن تصيب السنة فقصر الخطبة وعجل الصلاة فقال ابن عمر صدق رواه البخاري ويأمر بالأذان فينزل فيصلي بهم الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين للخبر ومن لم يصل مع الإمام جمع في رحله لأنهما صلاتا جمع فشرع جمعهما في حق المنفرد كصلاتي المزدلفة ثم يصير إلى موقف عرفة وأين وقف منها جاز لقول النبي صلى الله عليه وسلم (عرفة كلها موقف) رواه أبو داود وهي من الجبل المشرف على عرفة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر إلى بطن عرنة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (كل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عرنة) رواه ابن ماجه والأفضل الوقوف في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يقف راكبا لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف راكبا ولأنه أمكن له من الدعاء وقيل الراجل أفضل لأنه أروح لراحلته ويحتمل أن يكونا سواء.
الشيخ: والأرجح أن يقال يفعل ما هو أرجح إلى قلبه وأحضر وأجمع لدعائه لأنه لو ركب الآن واجتمع الناس كلهم على ظهر السيارة قد لا يتمكن الإنسان من الدعاء كما يريد لكن لو كان نازلاً في الأرض وانفرد في مكان وحده أو مع رجل أو رجلين من أصحابه ودعا هذا لاشك أنه أحضر لقلبه وأخشع فالأولى أن يقال يفعل ما هو أخشع لقلبه وأما النبي صلى الله عليه وسلم فوقف راكباً لأنه يعلم الناس بقوله وفعله.
فصل (في الذكر والدعاء) القارئ: ويجتهد في الذكر والدعاء لأنه يوم رغبة ترجى فيه الإجابة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما من يوم أكثر أن يعتق الله عبيداً من النار من يوم عرفة فإنه ليدنو عز وجل فيباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء) رواه مسلم والنسائي وابن ماجه ويدعو بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أكثر دعاء الأنبياء قبلي ودعائي عشية عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شي قدير اللهم اجعل لي في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا ويسر لي أمري) ويدعو بدعاء ابن عمر رضي الله عنه الذي ذكرناه ويختار من الدعاء ما أمكنه.
فصل (في الوقوف بعرفة)
القارئ: وقت الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر النحر لما روى عروة بن مضرس بن أوس بن لام قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يا رسول الله إني جئت من جبلي طيء أكللت راحلتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه) حديث صحيح، وقال أبو حفص العكبري أول وقته زوال الشمس لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعده والأول أولى للخبر ولأن ما قبل الزوال من يوم عرفة فكان وقتاً للوقوف بها كالذي بعده ووقوف النبي صلى الله عليه وسلم لم يستوعب الوقت بدليل ما بعد الغروب.
الشيخ: أما ما ذكره أبو حفص العكبري هو الذي عليه جمهور العلماء أن وقت الوقوف من زوال الشمس وقالوا إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم (وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً) مجمل بينه فعل الرسول عليه الصلاة والسلام وأما ما ذكره من التعليل فهو تعليل عليل وهو قوله ولأن ما قبل الزوال من يوم عرفة فكان وقتاً للوقوف كالذي بعد الزوال فيقال هذا القياس ليس بصحيح لأن في أيام التشريق ما قبل زوال الشمس من أيام التشريق ومع ذلك لا ترمى إلا بعد زوال الشمس والمسألة عند التأمل تكاد تقول إن الأدلة متكافئة في كون ما قبل الزوال وقتاً للوقوف أو لا.
لأن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يبقى في نمرة إلى الزوال ثم لم يأت إلا بعد أن زالت الشمس مع أنه بإمكانه أن يرتحل من نمرة قبل الزوال أو يواصل السير حتى ينزل مرة واحدة يؤيد قول الجمهور أن وقت الوقوف من الزوال فقط وحديث عروة يؤيد المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن وقت الوقوف من الفجر إلى الفجر أي من الفجر يوم التاسع إلى الفجر يوم العاشر.
القارئ: ومن حصل في عرفة في وقت الوقوف قائماً أو قاعداً أو مجتازاً أو نائماً أو غير عالم بأنه عرفة فقد أدرك الحج للخبر ومن كان مغمى عليه أو مجنوناً لم يحتسب له به لأنه ليس من أهل العبادات بخلاف النائم لما ذكرنا في الصيام ومن فاته ذلك فقد فاته الحج قال ابن عقيل والسكران كالمغمى عليه لأنه ليس من أهل العبادات.
الشيخ: إذاً لو الإنسان نام قبل أن يصل إلى عرفة وحمله أهله وهو نائم ثقيل النوم وبقي نائماً في سيارته حتى مغيب الشمس ثم دفعوا به معهم فحجه صحيح لأنه وقف بعرفة وليس فاقداً للعقل بخلاف السكران والمجنون فإنه ليس لهم حج ويكون الحج قد فاتهم ويعاملون معاملة من فاته الحج والمغمى عليه كالمجنون لأنه لا يستطيع أن يستيقظ بخلاف النائم فإنه يمكن أن يستيقظ.
القارئ: ولا يشترط للوقوف طهارة ولا سترة ولا استقبال لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة إذ حاضت (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) وأمرها فوقفت قال أحمد رضي الله عنه يستحب أن يشهد المناسك كلها على وضوء لأنه أكمل وأفضل ويجب أن يقف حتى تغرب الشمس لأن النبي صلي الله عليه وسلم وقف كذلك فإن دفع قبل الغروب ثم عاد فلا دم عليه لأنه جمع بين الليل والنهار فإن لم يعد فعليه دم لأنه ترك نسكاً واجبا ولا يبطل حجه لحديث عروة بن مضرس.
الشيخ: وهذه مسألة أيضاً فيها خلاف هل يجب أن يقف إلى الغروب أو يجوز أن يدفع قبله فمن العلماء من قال إنه يجوز أن يدفع قبل الغروب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعروة (وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه) ولم يقل أو نهاراً وبقي إلى الغروب وإذا تم حجه وقضى تفثه فهذا يعني البراءة من الدم لكن إذا تأمل الإنسان حق التأمل وجد أنه لا بد أن يبقى إلى الغروب.
أولاً لأن هذا فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد قال (خذوا عني مناسككم).
ثانياً أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يختار الأيسر من الأعمال ومعلوم أن الناس إذا دفعوا قبل غروب الشمس أي في النهار فهو أيسر مما إذا دفعوا بعد الغروب لأنهم إذا دفعوا بعد الغروب أظلم الليل ولا يختار النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أشق على المسلمين إلا لوجوبه.
ثالثاً أن في البقاء حتى تغرب الشمس مخالفة للمشركين لأن المشركين كانوا يدفعون من عرفة قبل أن تغرب الشمس إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كالعمائم على الرجال دفعوا ولا ينتظرون الغروب فمن دفع قبل ذلك فقد شابه المشركين وعدل عن سنة سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام فالأقرب أن البقاء إلى الغروب واجب ويبقى هل في كل واجب تركه الإنسان دم سيأتي إن شاء الله الكلام في الواجبات ويتبين الأمر.
القارئ: ومن وافى عرفة ليلاً أجزأه ولا دم عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) رواه أبو داود ويستحب أن لا يدفع قبل الإمام قال أحمد وما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفعوا قبله.
الشيخ: أما الآن فلا إمام ولا مأموم كل إمام نفسه لأن الأمة كما تعرفون كثيرة جداً والطرق تحتاج إلى ترتيب من الجنود فلا يمكن أن يتبع الإمام والله المستعان.
فصل (في الدفع إلى مزدلفة)
القارئ: ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة ويسير وعليه السكينة وإذا وجد فرجة أسرع لقول جابر (وأردف رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة وسار وهو يقول أيها الناس السكينة السكينة حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما) وقال أسامة (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق فإذا وجد فرجة نص) يعني أسرع متفق عليه ويكون في الطريق يلبي ويذكر الله تعالى لما روى الفضل (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) متفق عليه فإذا وصل مزدلفة أناخ راحلته ثم صلى المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما لخبر جابر وروى أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام فصلى المغرب ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلوا ثم حلوا رواه مسلم وإن صلى المغرب في طريق مزدلفة ترك السنة وأجزأه لأن الجمع رخصة فجاز تركها كسائر الرخص.
الشيخ: ما قاله المؤلف رحمه الله في أنه يجمع بين المغرب والعشاء هذا هو الواقع بالنسبة إلى حال الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه سار من أقصى عرفة إلى مزدلفة وهذا على الإبل يحتاج إلى مدة ولهذا كان جمع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع تأخير لأنه لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد دخول وقت العشاء.
وقول المؤلف رحمه الله إنه لو صلاها في الطريق أجزأ لأن الجمع رخصة هذا هو رأي الجمهور وخالف في ذلك ابن حزم وجماعة معه وقالوا لو صلى في أثناء الطريق لم تصح صلاته لأن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال (الصلاة أمامك) ولكن الصحيح رأي الجمهور وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة ولم يصل في الطريق رفقاً بالناس لأنه لو وقف وصلى في الطريق صار في هذا تعب ومشقة ولا سيما أنه في ذلك الوقت ليس هناك إضاءات فيشق على الناس فكان عليه الصلاة والسلام من حسن تسييره للحجاج أنه أخر صلاة المغرب والعشاء حتى أتى مزدلفة ولكن لو وصل إلى مزدلفة قبل صلاة العشاء فهل يسن له جمع التأخير اقتداءً بالرسول عليه الصلاة والسلام أو يقال صل المغرب ثم انتظر حتى يأتي وقت العشاء أو يقال صل المغرب والعشاء جمع تقديم؟ يرى بعض العلماء الأول ويقول إن الرسول جمع جمع تأخير ويرى بعض العلماء الثاني ويستدل بحديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه وصل إلى مزدلفة قبل العشاء ثم أذن وصلى المغرب ثم دعا بعشائه فتعشى ثم أذن فصلى العشاء والحديث صحيح ويرى بعضهم أنه يصلي من حين أن يصل ويجمع جمع تقديم ويقول إن الرسول عليه الصلاة والسلام جمع جمع تأخير لأنه أرفق بالناس والآن الأرفق بالناس أن يصلوا جمعاً متى وصلوا فيكون إذا وصل متقدماً يجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم وهذا هو المناسب لا سيما في أوقاتنا الحاضرة فإنه قد يشق على الإنسان أن يجد ماء يتوضأ به فيكون الأرفق به أن يجمع جمع تقديم من حين أن يصل ولكن لو لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد منتصف الليل فهل يؤخر؟ نقول لا شك أنه إذا تمكن من أن ينزل ويصلي قبل فوات الوقت أن هذا هو الواجب لكن إذا كان يشق عليه فهل يؤخر حتى يصل إلى مزدلفة؟ إن قلنا بأن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر قلنا إذا شق عليه النزول في أثناء الطريق أخر إلى أن يصل إلى مزدلفة ما لم يخش طلوع الفجر وأما إذا
قلنا بأن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل وهو القول الراجح نقول صل ولو على ظهر السيارة إذا لم تتمكن من النزول لأنه أحياناً لا يتمكن الإنسان من النزول لكثرة السيارات لا يستطيع أن يخرج عن الخط ولا أن يقف في الخط ففي هذه الحال على القول بأن وقت العشاء إلى منتصف الليل يتعين عليه أن يصلي على ظهر سيارته على حسب حاله يفعل ما يقدر عليه إذا أمكن جماعة أو فرادى المهم أن لا يخرج الوقت.
القارئ: ثم يبيت بمزدلفة حتى يطلع الفجر ثم يصلي الفجر في أول وقتها ثم يأتي المشعر الحرام فيقف عليه ويستقبل القبلة ويدعو ويكون من دعائه اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق فإذا أفضتم من عرفات ثم يقف حتى يسفر جدا ثم يدفع قبل طلوع الشمس إلى منى فإذا أتى بطن محسر أسرع حتى يجاوزه ثم يسير حتى يأتي جمرة العقبة فيرميها لقول جابر في حديثه (ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر فصلى الصبح حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدا فدفع قبل طلوع الشمس حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى حتى أتى الجمرة _ يعني جمرة العقبة _ فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصاة الخذف).
الشيخ: إذا جمع في مزدلفة اضطجع حتى يطلع الفجر ولا ينبغي إحياء تلك الليلة بقراءة أو ذكر أو تسبيح بل الأفضل أن ينام ولاسيما إذا كان قد تعب واحتاج إلى الراحة كما هي ظاهر حال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنه من حين صلى الظهر وهو في عمل إلى أن وصل إلى مزدلفة وهذا شاق لا سيما في الأزمان السابقة فإذا وصل إلى مزدلفة فإن الأفضل أن يريح بدنه وأن يضطجع إلى أن يطلع الفجر وقول جابر رضي الله عنه (اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الصبح) هنا طوى ذكر الوتر وذكر سنة الفجر فهل يعني ذلك أن الوتر يسقط ليلة مزدلفة وكذلك سنة الفجر أو يقال إن عدم الذكر ليس ذكراً للعدم؟ الثاني لأن عدم فعل الوتر وسنة الفجر محتمل وعمومات الأدلة محكمة تدل على أنه يوتر ويصلي سنة الفجر فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يدع الوتر حضراً ولا سفراً بل أمر فقال (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) ولم يكن يترك سنة الفجر لا حضراً ولا سفراً بل رغب فيها على الإطلاق حتى قال (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) وسكوت جابر عنهما لا يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعلهما ولهذا كان الصحيح أنه يصلي الوتر ويصلي سنة الفجر.
وقوله (حتى أتى المشعر الحرام) هل هناك مشعر حلال ومشعر حرام؟
الشيخ: نعم المشعر الحرام مزدلفة لأنه في الحرم والمشعر الحلال عرفة لأنه في الحل فإن عرفة ليست من الحرم.
القارئ: وأين وقف من مزدلفة جاز لقول النبي صلى الله عليه وسلم (مزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر) وحدها ما بين مأزمي عرفة وقرن محسر ويستحب أخذ حصى الجمار منها ليكون مستعداً بالحصاة حتى لا يشتغل بجمعه في منى عن تعجيل الرمي ومن حيث أخذه جاز وعدده سبعون حصاة ويستحب أن يكون مثل حصى الخذف ويلقطهن لقطا لما روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة إلقط لي حصاً فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول أمثال هؤلاء فارموا ثم قال أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين رواه ابن ماجه.
الشيخ: أفادنا المؤلف رحمه الله أنه لا يتعين أن يذهب إلى المشعر الحرام بل يقف بعد صلاة الفجر في أي مكان لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسع لأمته فقال (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر) وبطن محسر ليس من منى وسبق أن ذكرنا أن بين كل مشعرين وادياً فبين عرفة ومزدلفة عرنة وبين مزدلفة ومنى محسر أما حدها فالآن ولله الحمد عليه أعلام الحكومات الإسلامية منذ عهد قديم جعلت لها أعلاماً ولا سيما في عهدنا هذا فإن الحكومة السعودية وفقها الله جعلت أعلاماً بينة واضحة فما كان دون هذه الأعلام فهو من منى وما كان وراءها فهو من مزدلفة.
وتضمنت هذه القطعة أيضاً أنه يستحب أخذ الحصى من مزدلفة وليس فيه دليل لكن فيه تعليلاً وهو ألا يشتغل بلقطه إذا وصل إلى منى لأن الأفضل أن يبادر بالرمي لأن رمي الجمرة بمنزلة تحية المسجد لداخل المسجد بالنسبة إلى منى وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دفع من مزدلفة راكباً على بعيره فلم يحط رحله حتى رمى الجمرة مما يدل على سرعة المبادرة بذلك ولكن هذا التعليل الذي ذكره رحمه الله تعليل عليل لأن تقيده بمزدلفة يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ابن عباس أن يلقط له الحصى في أثناء الطريق فيمكن أن يكون من مزدلفة أو من وادي محسر أو من منى أو قريباً من الجمرة.
ثم أشار المؤلف رحمه الله أنه يلقط الحصى لقطاً لقول الرسول عليه الصلاة والسلام (القط لي الحصى) يعني لا يحثوها بيده حثياً ثم يختار بل نقول القطها لقطاً من الأرض على واحدة واحدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهذا.
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن تعليم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكون بالقول ويكون بالفعل لأن التعليم بذلك أبلغ وأبين فإن العين تبصر وتشاهد وشهود العين أقوى من شهود القلب ولذلك ينبغي لطالب العلم وخصوصاً في المسائل التي يصعب تصورها أن يبين للناس بالقول والفعل كما كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعل هذا.
وفيه التحذير من الغلو في الدين والغلو هو الزيادة والزيادة في الدين نقص ولهذا حذر منها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين أنها سبب للهلاك وقال (إنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) ووجه ذلك ظاهر لأن الغلو خروج عن حدود الله وقد قال الله تعالى (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا) ولأن الغلو تطرف يستلزم تطرفاً آخر من جانب التفريط فالغلو تطرف في الإفراط ولا بد أن يكون هناك جانب آخر يقابل هذا الجانب فيكون هناك تفريط فإذا انقسمت الأمة إلى مفرِط ومفرّط حصل بذلك الهلاك بالعداوة والبغضاء والتنابز بالألقاب وغير ذلك ولا يلزم أن يكون المراد بقوله (أهلك من كان قبلكم الغلو) لا يلزم أن يكون هذا الهلاك عقوبة حسية معلومة بل من أعظم العقوبات والهلاك العقوبة القلبية أن يتنافر الناس ويتنازعوا فعلى ضوء هذا الذي أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي ألا نغلو في دين الله حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام تبرأ من الغلاة الذين قالوا نقوم ولا ننام أو نصوم ولا نفطر أو لا نتزوج النساء أو لا نأكل اللحم تبرأ منهم فقال (من رغب عن سنتي فليس مني) ثم إن الواجب على طالب العلم فيما حدث من الأمور التي لم تكن معلومة من قبل ولا معروفة ألا يتسرع في الحكم عليها بل يجب أن يتأنى وينظر هل النصوص تدل عليها دلالة واضحة أو لا؟ وهل الأمة محتاجة إليها حاجة ضرورية أو كمالية أو لا؟ حتى لا يتسرع.
القارئ: والمبيت بمزدلفة واجب يجب بتركه دم لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف به وسماه موقفا وليس بركن لقوله عليه الصلاة والسلام (الحج عرفة) ويجوز الدفع منها بعد نصف الليل لما روت عائشة رضي الله عنها قالت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم أفاضت رواه أبو داود ولا بأس بتقديم الضعفه ليلاً لهذا الحديث ولما روى ابن عباس قال كنت فيمن قدم النبي صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى متفق عليه ولا يجوز الدفع قبل نصف الليل فمن خرج قبل ذلك ثم عاد إليها في ليله فلا دم عليه ومن لمن يعد فعليه دم فإن وافاها بعد نصف الليل فلا دم عليه كما قلنا في عرفة سواء.
الشيخ: أفادنا المؤلف رحمه الله أن المبيت في مزدلفة واجب وليس بركن والفرق بين الواجب والركن أن الواجب لا يفسد الحج بتعمد تركه ولكن فيه دم على المشهور عند العلماء أما الركن فلا يصح الحج إلا به حتى لو فرض أنه حصر عنه ولم يتمكن لم تتم حجته ولم تسقط عنه الفريضة.
وقد اختلف العلماء هل المبيت بمزدلفة ركن أو واجب أو سنة وأعدل الأقوال وأوسطها أنه واجب وليس بسنة وأما الدليل على وجوبه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم امتثل أمر ربه في قوله (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) وبين صلى الله عليه وسلم هذا الذكر بفعله فإنه بات وذكر الله تعالى في هذا المكان أول ما وصل إليه عليه الصلاة والسلام وذكر الله تعالى أيضاً عند الانصراف منه فإنه بدأ أول ما وصل إلى مزدلفة بالصلاة وانصرف منها بعد الذكر بعد الصلاة.
وأما القول بالركنية فاستدل المؤلف رحمه الله لنفيه بقول النبي صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة) ولو كان الوقوف أو المبيت بمزدلفة ركناً لقال ومزدلفة فلما لم يقل ذلك علم أنه ليس بركن.
فإن قال قائل يرد عليكم على تقرير هذا الدليل الطواف بالبيت فإنه ركن ومع ذلك لم يكن إلا بعد عرفة وكذلك السعي على القول بركنيته فيقال إن الطواف والسعي تشارك العمرة فيهما الحج يعني ليسا مختصين بالحج لكن الركن المختص بالحج عرفة وما عدا ذلك من الأفعال المختصة بالحج ليست بركن وبهذا ينتفي هذا الإيراد.
وأفاد المؤلف رحمه الله أنه يجوز الدفع منها بعد نصف الليل.
نقول في مناقشة هذا القول أولاً نحتاج إلى دليل بتقييد هذا بنصف الليل دليلهم على ذلك يقولون إن المبيت واجب وإذا بات أكثر الوقت فقد حصل الواجب وبعد منتصف الليل يكون قد أمضى أكثر الليل فيكتفى به ولكننا نقول إن الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدفع من مزدلفة قبل الفجر كلها تدل على أنه في آخر الليل يعني في السحر وكانت أسماء بنت أبى بكر رضي الله عنهما تراقب القمر فإذا غاب دفعت ومعلوم أن القمر لليلة العاشر لا يمكن أن يغيب عند منتصف الليل ولا قريباً منه لا يغيب إلا في الثلث الأخير من الليل وهذا هو القول الراجح أنه لا عبرة بالنصف العبرة بذهاب الثلثين أو نحو ذلك لأن أفعال الصحابة تبين المقصود.
ثم ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يجوز الدفع لغير الضعفة والمذهب أنه يجوز الدفع للضعفة وغير الضعفة حتى الأصحاء والأقوياء لهم أن يدفعوا بعد منتصف الليل ولكن الصواب أنه لا يجوز إلا لمن كان ضعيفاً ويبقى النظر في تحقيق المناط في الوقت الحاضر ففي الوقت الحاضر كل الناس ضعفاء إلا رجلاً أعطاه الله كبراً في الجسم وقوة فهذا ليس بضعيف لكن غالب المسلمين اليوم مع هذا الزحام ضعفاء ولهذا نرى أن يرخص للناس في الدفع من مزدلفة قبل الفجر لأنهم كلهم ضعفاء.
الضعفاء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لا يخافون على أنفسهم كما يخاف الناس اليوم هذا ما أظن، لا شك أنهم دون الأقوياء لكن لا يحصل الزحام وهذا العنف وهذه العجرفة يأتي الواحد كالجمل كبراً وقوة منفعلاً حنقاً على الشيطان فيدعس من أمامه مهما كان هذا لا يوجد في الصحابة فالواقع أننا نرى أن الناس اليوم ينبغي أن يفتح لهم باب التيسير ويقال ادفعوا في آخر الليل ويوسع على الناس.
ويستفاد من ترخيص الرسول عليه الصلاة والسلام للضعفة أن يتقدموا فيرموا مع إمكانهم أن يتأخروا فيرموا في آخر اليوم لكن من أجل أن يشاركوا الناس فرحتهم بالعيد بالتحلل ومن أجل أن يقوموا بالأنساك التي تفعل يوم العيد على الترتيب الأفضل وإلا فمن الممكن أن يقال ادفعوا مع الناس بعد صلاة الفجر ولا ترموا إلا العصر والعصر سيكون خالياً لكن من أجل أن يرموا مبكرين ويشاركوا الناس في التحلل ويأتوا بالأنساك التي تكون في يوم العيد على وجه الترتيب الأفضل أذن لهم الرسول عليه الصلاة والسلام في التقدم ويؤخذ منه أنه لا يجوز تقديم الرمي في أيام التشريق على الزوال وجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأذن للضعفة الذين يزاحمهم الناس يوم العيد لم يأذن لهم في أيام التشريق أن يرموا قبل الزوال والعلة واحدة بل إن وقت الرمي في غير يوم العيد أقل من وقت الرمي في يوم العيد لأنه من الزوال ويوم العيد للضعفاء من آخر الليل وللأقوياء من بعد طلوع الشمس.
فصل (في رمي الجمرات) القارئ: فإذا وصل منى بدأ برمي جمرة العقبة لأنه صلى الله عليه وسلم بدأ بها ولأنها تحية منى فلم يقدم عليها شيء كالطواف في المسجد والمستحب رميها بعد طلوع الشمس لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) من المسند.
الشيخ: هذا سبق الكلام عليه والعجب أن بعض العلماء المعاصرين قال يدفع من مزدلفة إذا كان من أهل الأعذار في آخر الليل أو بعد منتصفه على اختلاف القولين ولكن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس وهذا القول قليل الفقه إذ ما الفائدة من تقدمه إذا لم يرم فالصواب أنه إذا وصل يرمي الجمرة لأن الرسول عليه الصلاة والسلام بدأ برمي الجمرة حين وصل وهي كما قال المؤلف تحية منى وهذا هو الفائدة من تقدمهم وأيضاً حديث أبي داود الذي ذكره (أن أم سلمة رمت الجمرة قبل الفجر) وأيضاً في الصحيح أن ابن عمر كان يذهب بأهله يأذن لهم أن يدفعوا فيوافون الفجر أو قبل الفجر ويرمون فالصواب أنه إذا جاز الدفع من مزدلفة جاز الرمي متى وصل إلى منى ولو قبل الفجر.
القارئ: وأول وقته بعد نصف الليل لحديث عائشة.
الشيخ: لكن لاحظوا أنه لا بد أن يتقدمه شيئان الوقوف بعرفة وبمزدلفة لا بد من هذا لقوله تعالى (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) فهذان نسكان متواليان بنص القرآن فيبقى النسك الثالث منى وما يكون فيها من أعمال الحج متأخراً عن هذا وهذا.
القارئ: ويستحب من كان راكباً أن يأتيها راكبا لما روى جابر قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول (لتأخذوا عني مناسككم) رواه مسلم.
الشيخ: لكن هذا الآن لا يمكن يعني لو قيل للحوافل التي تأتي إلى منى كلهم يذهبون إلى جمرة العقبة بالسيارات لا يمكن هذا في الوقت الحاضر ومن هنا نعرف أن ما يذكره العلماء رحمهم الله من مثل هذه الأحكام إنما يتكلمون في ذلك حسب زمنهم ولكن الآن من شاهد الناس لا يمكن أن يقول إن من كان راكباً فالأفضل أن يرميها راكباً بل قد نقول أنه لو رماها راكباً لكان إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة لأنه يؤذي الناس.
القارئ: ويستحب أن يستبطن الوادي ويستقبل القبلة ويرمي على حاجبه الأيمن لما روى عبد الرحمن بن يزيد قال لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن ثم رمى بسبع حصيات ثم قال والله الذي لا إله غيره من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة متفق عليه وإن رماها من فوقها جاز لما روي عن عمر جاء والزحام عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها.
الشيخ: يقول رحمه الله يستحب أن يستبطن الوادي يعني يأتي من بطن الوادي ويستقبل القبلة ويرمي على حاجبه الأيمن يمشي من بطن الوادي فتكون الجمرة على يمينه فيرميها وهو مستقبل القبلة من عند الحاجب الأيمن لكن هذه الصفة لم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام وهذا الحديث غريب المؤلف جعله متفقاً عليه مع أن المتفق عليه أن ابن مسعود رضي الله عنه وقف فجعل مكة عن يساره وجعل منى عن يمينه واستقبل الجمرة وقال هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة فهذا الحديث المؤلف جعله من الصحيحين ولكن ليس من الصحيحين وعندي تعليق على الحديث بقلمي يقول هو بهذا اللفظ غير متفق عليه وإنما هو لفظ رواية الترمذي وهي رواية شاذة ولفظ الصحيحين المتفق عليه أنه جعل منى عن يمنيه والكعبة عن يساره وهو المعتمد.
القارئ: ويقطع التلبية عند البداءة بالرمي لقول الفضل إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ولأن التلبية للإحرام وبالرمي يشرع في التحلل منه فلا يبقى للتلبية معنى ويكبر مع كل حصاة لحديث جابر وعن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم استبطن الوادي ورمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر اللهم اجعله حجاً مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا) رواه حنبل في مناسكه.
الشيخ: ولكن حديث جابر ليس فيه إلا التكبير فقط يقول الله أكبر الله أكبر فقط يعني مع كل حصاة تكبيرة واحدة فليس فيها بسملة كما يصنع بعض العوام الآن يقول بسم الله والله أكبر لا صحة له.
القارئ: ويرفع يديه في الرمي حتى يرى بياض إبطيه، ولا يجزئه الرمي بغير الحجر من المدر والخزف ولا بحجر قد رمي به لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بالحصى وأمر بلقطه من غير المرمى ولأن ما تقبل من الحصى رفع والباقي مردود فلا يرمى به.
الشيخ: قوله لا يجزئه الرمي بغير الحجر من المدر والخزف، المدر هو حجر من الطين والخزف الطين المشوي ومثل ذلك الإسمنت لا يجزئ فمثلاً لو وجد الإنسان صبة من الإسمنت قد صبت على الأرض وأخذ يكسر منها فإنها لا تجزئه لا بد من حجر ودليل ذلك ظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بحصى مثل حصى الخذف.
وأما قوله ولا بحجر قد رمي به واستدل أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بالحصى وأمر بلقطه من غير المرمى أما كونه رمى بحصى فنعم وأما كونه أمر بلقطه من غير المرمى دليلاً على أن ما رمي به لا يصح الرمي به فلا وجه لذلك لأن من المعلوم أن لقطه قبل أن يصل إلى مكان الرمي أسهل وليس من المعقول أن الرسول يقول القطوا الحصى من المكان الذي رمي به ولا سيما أن الرسول سيكون أول من يرمي فليس بالمكان حصى لكن آفة العالم أن يعتقد أولاً ثم يستدل ثانياً فانظر كيف حمّل هذا الدليل ما لا يحتمله من الاستدلال وهذا غلط والواجب على الإنسان أن يكون تابعاً للدليل وألا يجعل الأدلة تابعة لما يعتقد فيلوي أعناقها أو يستدل استدلالاً مستكرهاً.
لكن الذين قالوا لا يرمى بحجر رمي به عللوا ذلك بأنه كالماء المستعمل في الطهارة الواجبة والماء المستعمل في الطهارة الواجبة لا يجزئ الوضوء به مرة ثانية وكالعبد إذا أعتق فإنه لا يعتق مرة أخرى وهذا القياس غير صحيح أيضاً.
أما الأول وهو أنه يقاس على الماء الذي تطهر به فيقال نحن لا نسلم هذا الحكم في الأصل المقيس عليه وإذا لم نسلمه في الأصل سقط القياس لأن من شرط القياس عند المناظرة أن يكون الأصل متفقاً عليه بين الطرفين وهذا غير متفق عليه فنحن نقول من الذي قال لكم إن الماء المستعمل لا يستعمل مرة ثانية في الطهارة فهو لم يخرج عن كونه ماءً والماء يتطهر به.
وأما قولهم كالرقيق فهذا أيضاً غير صحيح لأن الرقيق إذا حرر لم يكن رقيقاً والحصى إذا رمي به ظل حصى ثم نقول أيضاً هذا الرقيق لو هرب إلى بلاد الكفر ثم جرى بيننا وبينهم قتال ثم أسرناه صار رقيقاً يعتق فالصحيح أنه يجوز الرمي بحصى قد رمي به ولا بأس.
لكن أورد على هذا أنه يلزم على هذا القول أن تجزئ حصاة واحدة عن جميع الحجيج فهذا الإلزام غير صحيح لا أحد يقول به ولا يجوز أن يلزم به القائل بإجزاء الرمي بحجر قد رمي به أبداً فالصواب أنه يجوز الرمي بحجر قد رمي به لكن صحيح أنه ليس من السنة أن الإنسان يقف على الحوض ويبدأ يأخذ من الحوض ويرمي لكن لو أخذ من حصى متناثرة من الحوض فلا بأس وهذا يحتاج الإنسان إليه أحياناً لأنه قد يسقط منه حجر قبل الحوض وحينئذٍ يحتاج إلي أن يأخذ الحصى من قريب من الحوض فلا بأس في ذلك حتى فيما يظهر على المذهب لا بأس به لأنه لا يتيقن أن هذه الحصاة قد رمي بها فيجوز أن تكون وقعت من صاحبها أو رماها ثم طارت فلم تسقط في الحوض أو ما أشبه ذلك.
القارئ: وإن رمى بحجر كبير أجزأه لأنه حجر وعنه لا يجزئه لأنه منهي عنه.
الشيخ: الثاني أصح أنه لا يجزئه لأن الرسول قال (فبأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين) فكيف يجزئ الرمي بحجر قد نهى عنه فالصواب أنه لا يجزئ ثم إن الرمي بالحجر الكبير فيه خطر على الناس لأن هذا الحجر لو وقع على رأس إنسان لتأثر تأثراً كبيراً لا سيما إذا رماه شخص بقوة شديدة.
القارئ: ولا يجزئه وضع الحصى في المرمى بغير رمي لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى.
الشيخ: صحيح يعني لو وقف على الحوض وبدأ يضعها وضعاً فهذا لا يجزئ لا بد من مسمى الرمي لكن لا يشترط أن يرفع يده حتى يرى بياض إبطه هذا ليس بشرط الشرط أن يكون رمياً.
القارئ: فإن رمى السبع دفعة واحدة لم يجزئه إلا عن واحدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى سبع رميات.
الشيخ: هذا صحيح لو رمى السبع جميعاً فإنه لا يجزئه إلا عن واحدة ولو قيل إنه لا يجزئه مطلقاً لم يكن بعيداً ولا عن واحدة لأن هذه صفة ليست بمشروعة فلا تكون مقبولة ولم يكن هناك دليل على أن مثل هذا يقبل.
فلو قال قائل أليس الرجل إذا طلق ثلاثاً وقع واحدة مع أنه ليس بمشروع أعني الطلاق الثلاث قلنا بلى ولكن هذا ورد به النص (كان الطلاق الثلاث واحدة) لكن هل كان السبع الحصيات واحدة هذا لم يرد فأقرب ما يكون لولا أنه جهل لقلنا هذا استهزاء لكن هذا لا يقع إلا من جاهل فإذا قلنا له صح منك حصاة واحدة نقول هذا لا يضرك أن تبدأ من جديد وأن ترمي بسبع حصيات.
القارئ: فلو رمى ووقعت الحصاة في غير المرمى واستقرت لم تجزئه وإن طارت فوقعت في المرمى أجزأته لأنها حصلت فيه برميه.
الشيخ: لو قال تدحرجت كان أقرب من طارت ومراده أنها تدحرجت أو نحو ذلك.
القارئ: وإن وقعت على ثوب إنسان أو محمله ثم طارت إلى المرمى أجزأته وإن رماها الإنسان عن ثوبه أو وقعت بحركة المحمل لم تجزئه لأنها لم تصل برميه وإن رماها من مكان عال فتدحرجت إلى المرمى أجزأته لأنها حصلت فيه بفعله وإن وقعت في غير المرمى فأطارت أخرى إلى المرمى لم تجزئه لأن التي رماها لم تصل.
الشيخ: صحيح التي رماها لم تصل، الفقهاء رحمهم الله يذكرون أشياء غريبة يعني تتعجب كيف أفهامهم أو أفكارهم تصل إلى هذا الحد لكن في بعض الأحيان يذكرون هذا من باب التمرين على القواعد.
القارئ: وإذا فرغ من الرمي انصرف ولم يقف لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف عندها فإن أخر الرمي إلى المساء رمى ولا شيء عليه لما روى ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل بمنى قال رجل رميت بعد ما أمسيت فقال (لا حرج) رواه البخاري، فإن لم يرم حتى جاء الليل لم يرم وأخره إلى غدٍ بعد الزوال لأن ابن عمر قال ذلك.
الشيخ: هذا المذهب لأنه يشترط ألا تغرب الشمس فإن غربت فلا بد أن يؤخره إلى غد بعد الزوال وقال بعض أهل العلم بل يرمي ولو بعد غروب الشمس وهذا القول هو الراجح لا سيما عند الحاجة في مثل أوقاتنا هذه وقال بعض العلماء يرمي ولو بعد طلوع الفجر ولو بعد طلوع الشمس لكنه في الليل أداء وفيما بعد ذلك قضاء فيكون الفائدة أنه يجوز تأخيره إلى الليل ولا يجوز إلى طلوع الفجر فإن قدر أنه فرط أو نام أو خاف من الزحام فإنه يقضيه في النهار صباحاً وهذا أقرب إلى الصواب أنه إذا فاته الرمي اليوم لعذر فإنه يرميه من الغد في الضحى لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) ولم يقل فليصلها إذا دخل وقتها من اليوم الثاني بل قال إذا ذكرها وليس هذا بأشد من الصلاة.
السائل: ما هو ضابط حجم المرمى؟
الشيخ: حجم المرمى الآن موجود في الأحواض هذه الأحواض المحوضة هي مكان المرمى على كل حال بعض الناس قالوا مادام أنها من زمان ما ينبغي أن نتوسع وإلا ففيه اقتراحات كثيرة أن يوسع الحوض والآن كما ترى في الجسر الحوض واسع لكن أسفله ضيق بحيث يقع الحصى في المرمى فبعض الناس قالوا لو أنها توسع وتجعل كما جعل الأعلى منصبة إلى الأسفل لكن رأى أكثر الإخوان من المشايخ ألا تغير.
السائل: هل ترمى جمرة العقبة الكبرى من جهة واحدة فقط في أسفل الجسر لأن الحوض غير كامل؟
الشيخ: لا مانع أن ترمى من كل الجهات كانت بالأول ترمى من جانب واحد لأنها كانت عقبة جبل لا أحد يصعده أما الآن فالحمد لله زال هذا لكن إذا رميتها من الخلف من الشرق لا بد أن تقع الحصاة في الحوض.
فصل
(في ذبح الهدي)
القارئ: ثم ينصرف فيذبح هدياً إن كان معه وإن كان واجباً عليه ولا هدي معه اشتراه فذبحه لقول جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم (إنه رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثة وستين بدنة بيده) ويسن أن ينحر بيده لهذا الحديث ويجوز أن يستنيب فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عليا فنحر ما غبر.
الشيخ: معناه أنه إذا رمى جمرة العقبة يوم العيد فالأفضل أن يذبح هديه إن كان معه وإلا فاشتراه لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما رمى الجمرة انصرف إلى المنحر فنحر كما في حديث جابر رضي الله عنه وقد أهدى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مائة بدنة فنحر ثلاثة وستين بيده وأعطى علياً فنحر الباقي ثم أمره أن يقوم عليها ويتصدق بلحمها وجلودها وجلالها إلا أنه أمر أن يؤخذ من كل بدنة قطعة فجعلت في قدر وطبخت فشرب من مرقها وأكل من لحمها ففي هذا دليل على فوائد
أولاً أنه ينبغي للإنسان أن يباشر ذبح هديه بيده لأن الذبح عبادة فكونك تباشره بيدك أفضل من كونك تستنيب غيرك
وفيه أيضاً تأكد الأكل من الهدي لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن يؤخذ من كل بدنة قطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها وقد قال بعض العلماء إن الأكل من الهدي واجب لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم به بل إن الله قدمه على إطعام الفقير فقال (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَر)
ومنها أيضاً النكتة الغريبة اللطيفة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح ثلاثة وستين بيده قال العلماء على قدر السنوات التي عاشها صلى الله عليه وسلم فإنه عاش ثلاثاً وستين سنة.
فإن قال قائل لماذا أعطى علي ابن أبي طالب دون غيره من الصحابة؟
فالجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشرك علياً في هديه.
والثاني أن علياً كان له عملٌ كبير في هذا الهدي لأنه قدم بجزء كبير منه من اليمن فلهذا جعله النبي صلى الله عليه وسلم نائباً عنه ثم على فرض أن هذا من مناقب علي ابن أبي طالب فإن تميز الإنسان بمنقبة خاصة لا يقتضي أن يكون له الفضل المطلق فهناك فضل مقيد وفضل مطلق فقد يمتاز بعض الصحابة بفضل مقيد لكن غيره أفضل منه على وجه الإطلاق فعكاشة ابن محصن امتاز عن بعض الصحابة بل عن أكثر الصحابة بأنه ممن يدخل الجنة من غير حساب ولا عذاب ولا يقتضي ذلك أن يكون له الفضل المطلق على أبي بكر وعمر وعثمان وأمثالهم فيجب التمييز بين الفضل المطلق والفضل المقيد.
هذا الحديث دليل على جواز استنابة الغير في ذبح الهدي ولكن لا بد أن يكون الغير موثوقاً من حيث العلم ومن حيث الأمانة، من حيث العلم لئلا يقع في أمر محظور شرعاً مثل أن يذبح ولا يسمي أو يذبح ولا ينهر الدم وأن يكون أميناً يتصدق فيما ينبغي الصدقة به.
القارئ: وحد منى ما بين العقبة وبطن محسر فحيث نحر منها أو من الحرم أجزأه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (كل منى منحر وكل فجاج مكة منحر وطريق)
الشيخ: وعلى هذا فوادي محسر ليس من منى وجمرة العقبة ليست من منى لأنه قال ما بين جمرة العقبة ووادي محسر.
فصل
القارئ: ثم يحلق رأسه ويستحب أن يكبر عند حلقه لأنه نسك ويستقبل القبلة ويبدأ بشقه الأيمن لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه ثم الأيسر رواه أبو داود ويجوز أن يقصر من شعره إلا أن أحمد قال من لبد رأسه أو عقص أو ظفر فليحلق لأن عمر وابنه أمرا من لبد رأسه أن يحلق ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من لبد فليحلق) فأما غير هؤلاء فيجزئهم التقصير بالإجماع والحلق أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق وقال (اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال في الرابعة والمقصرين) والمرأة تقصر ولا تحلق لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ليس على النساء حلق إنما على النساء تقصير) رواه أبو داود ولأن الحلق في حقها مثلة فلم يكن مشروعا ومن لا شعر له فلا شيء عليه لأنها عبادة تتعلق بمحل فسقطت بذهابه كغسل اليد في الوضوء ويستحب أن يمر الموسى على رأسه لأن ابن عمر قال ذلك.
الشيخ: هذا الفصل في الحلق ذكر فيه أنه يكون الحلق بعد النحر لقوله تعالى (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) وذكر فيه أنه يستحب أن يكبر عند حلقه لأنه نسك وهذا فيه نظر والصحيح أنه ليس بسنة لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأما قوله لأنه نسك فيلزم من ذلك أن نقول يكبر أيضاً عند الوقوف بعرفة وعند المبيت بمزدلفة فالحاصل أن الصواب أنه ليس بسنة.
يقول يستقبل القبلة وهذا أيضاً فيه نظر وإن كان بعض العلماء رحمهم الله قال إن كل عبادة الأفضل أن يكون مستقبل القبلة فيها إلا بدليل وبنوا على ذلك أن المتوضئ يسن أن يستقبل القبلة عند وضوئه لكن في هذا نظر فيقال استقبال القبلة عبادة ولا يشرع إلا إذا جاءت به السنة.
وأما البداءة بالأيمن فصحيح للحديث الذي ذكره ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ بالأيمن في وضوئه وغسله.
وأما تلبيد الرأس وعقصه أو ضفره فيقول المؤلف إنه لا بد من الحلق وتلبيد الرأس أن يضع عليه شيئاً من الصمغ أو العسل حتى لا ينتفش وهذا قد يصعب على الإنسان أن يقصره فيكون المشروع في هذا الحلق.
ذكر أيضاً من مسائل هذا الباب أن المرأة لا تحلق لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (ليس على النساء حلق وإنما على النساء التقصير) رواه أبو داود ولأنه مثلة لأن المرأة إذا حلقت صار الحلق في حقها مثلة يعني مشوهاً لخلقتها.
وذكر أيضاً في هذا الفصل أنه لو كان الإنسان أقرع الرأس ليس له شعر فإنه يسقط عنه الحلق والتقصير لعدم المحل كما لو قطعت يده فإنه لا يلزمه أن يغسل بدلها العضد ولكن يقول يستحب أن يمر الموسى على رأسه هذا فيه نظر إلا إذا كان يخشى أن يكون هناك شعرات في هذا الصلع فيحتاط فنعم وعليه يحمل حديث ابن عمر إن كان ثبت عنه وأما إذا تيقن أنه ليس هناك شعرات فإمرار الموسى على الرأس عبث وهذا كقول بعض العلماء أن الرجل الأخرس إذا أراد أن يقرأ يحرك لسانه وشفتيه وهذا لا معنى له والصواب أنه إذا كان أقرع الرأس فإنه لا يسن له إمرار الموسى على رأسه لعدم الفائدة فهو عبث والشريعة لا تأتي بالعبث إلا إذا كان يخشى أن يكون هناك شعرات يسيرة فالأولى من باب الاحتياط أن يفعل.
فصل
(في الحلق والتقصير)
القارئ: وفي الحلاق والتقصير روايتان إحداهما ليس بنسك إنما هو استباحة محظور لأنه محرم في الإحرام فلم يكن نسكا كالطيب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا موسى أن يتحلل بطواف وسعي ولم يذكر تقصيرا.
الشيخ: وذلك حين قدم من اليمن.
القارئ: والثانية هو نسك وهو أصح لقول الله تعالى (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) ولأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر به بقوله (فليقصر وليحلل) ودعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة والتفاضل إنما هو في النسك وقال عليه السلام (إنما على النساء التقصير).
الشيخ: استدل المؤلف بأدلة واضحة على أن التقصير والحلق نسك منها قوله تعالى (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه وأصحابه يدخلون مكة ويطوفون بالبيت ويقصرون فقال (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ) يعني أراه رؤيا صدق وحق ثم أكد ذلك بقوله (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) وهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات اللام والنون والقسم.
لكن في قوله (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) قد يقول قائل فيها إشكال وهو أن يقال إن شاء الله لتدخلن وإن لم يشأ فلا تدخلون فيبقى الأمر معلقاً؟
والجواب عن ذلك أن يقال هذا التعليق للتحقيق فهو كقول زائر القبور وإنا إن شاء الله بكم لاحقون والمعنى أنكم ستدخلون ذلك بمشيئة الله فهو من باب التحقيق وبعث الاطمئنان في قلوب الصحابة وأنكم ستدخلون بمشيئة الله لأن الذي وعدكم قادر على تحقيق وعده.
الدليل الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في قوله (فليقصر وليحلل).
الدليل الثالث دعا للمحلقين ثلاثاً ولو كان التقصير إطلاقاً من المحظور فقط لم يستحق فاعله أن يدعى له ولهذا قال التفاضل إنما هو في النسك.
والدليل الرابع قوله عليه الصلاة والسلام (إنما على النساء التقصير) وعلى تفيد الوجوب وهذا هو الصحيح أن التقصير والحلق نسك.