كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
- عدد الأجزاء
- 5 [الكتاب مرقم آليا]
وأما ما ذكره رحمه الله في مسألة الوقت إذا أكل يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب أو أن الفجر لم يطلع وقد طلع أفطر فهذا فيه نظر والصواب أنه لا يفطر في المسألتين وذلك لأنه فعل ما أُذن له فيه أما من أكل ولم يتبين له طلوع الفجر ثم تبين فإنه أكل بأمر الله لقوله (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ) فكيف نقول لشخص فعل ما أمره الله به وأباحه له إنك مسيء فاقض، هذا بعيد مع أنه داخل في عموم ما سبق (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وحديث عدي بن حاتم أيضاً يدل عليه لأن عدي بن حاتم أكل بلا شك بعد أن طلع الفجر وارتفع وأما الثاني فأسأل الله أن يعفو عن المؤلف أتى بأثر عمر وترك المرفوع حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما رواه البخاري (أنهم أفطروا في يوم غيم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس ولم يؤمروا بالقضاء) ثم إنه أيضاً ترك أثراً عن عمر ربما يكون أصح من الذي رواه سعيد وهو أنه رضي الله عنه لما سألوه أنقضي؟ قال إنا لم نتجانف لإثم وهذا الجواب قاعدة من قواعد الشريعة يعني أننا فعلنا ما أحل لنا ومن فعل ما أحل له فإنه لا يؤثم ولا يلزم بقضاء فيكون في هذه المسألة عن عمر روايتان رواية أمرهم بالقضاء ورواية لم يأمرهم بالقضاء وبين لهم أنهم لم يتجانفوا لإثم فإما أن تحمل رواية القضاء على الاحتياط وإما أن تحمل على أن هذا سنة وليس بواجب أن عمر يرى أنه سنة وليس بواجب وعلى كل حال فرأي عمر رضي الله عنه نأخذ بما وافق السنة وهو أنه لا قضاء وهذا هو الصحيح وحينئذ نقول من شرط الفطر بالمفطرات عموماً حتى في الجماع شروط ثلاثة:
العلم وضده الجهل وسواءً كان الجهل في الوقت أو الجهل في المفطر هل يفطر أو لا؟ والثاني الذكر وضده النسيان والثالث الإرادة وضده الإكراه أوعدم الإرادة كالذي يطير إلى أنفه شيء من الغبار أوالدخان أوما أشبه ذلك هذه الشروط الثلاثة هي التي تشترط لإلزام الصائم بالقضاء في الواجب وإفساد الصوم سواءً كان واجباً أو نفلاً فإذا تخلف واحد من هذه الشروط فالصوم صحيح ولايترتب عليه شيء لا قضاء ولا كفارة.
السائل: متى يعذر بالجهل؟
الشيخ: الواجب تركه لا يعذر به الإنسان بدليل أن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يعذر المسيء في صلاته وهو جاهل قال (صلِّ فإنك لم تصلِ) فترك الواجب لا بد من فعله ما دام الطلب قائماً يعني في وقت الصلاة أما إذا فات الوقت فهذا ينظر هل صاحبنا مفرِّط او غير مفرِّط؟ وكلامنا الذي ذكرناه في الشروط الثلاثة إنما هو في فعل المحرم الممنوع انتبه لهذا أرأيت لو سهى بالصلاة أو نسي الصلاة فإنه يصليها إذا ذكرها ولا تسقط عنه.
السائل: أحسن الله اليكم ذكرنا في مسالة (ولأنه نوع جهل فلا يعذر به كالجهل بالوقت) وقلنا إن المؤلف قاس مختلفا فيه على مختلفٍ فيه، هل المؤلف حين ما قال كالجهل بالوقت يقصد وقت الصيام أووقت الصلاة؟
الشيخ: لا مقصوده وقت الصيام ولذلك جاء بالمسألتين التي ذكرنا لو أكل يظن أن الفجر لم يطلع فتبين أنه طالع يجب عليه القضاء وكذلك لو ظن أن الشمس غربت يجب عليه القضاء.
السائل: ما الفرق بين من بالغ في الاستنشاق فدخل الماء إلى حلقه وبين من باشر فأنزل وهو لم يرد الإنزال؟
الشيخ: هذا إيراد جيد لكن قلنا من يعلم أنه سريع الإنزال يمنع لكن الإنسان ما يعلم إلا أنه في هذه المرة حصل الإنزال هذا لا يفطر أما عندما يعرف أنه ينزل بمجرد ما أنه تقوى شهوته فهذا يمنع من أن يباشر لكن الاستنشاق ليس كل استنشاق يصل الماء إلى الحلق.
السائل: الجاهل الذي قلنا إنه إذا كان مفرطاً أو غير مفرط في الواجب قد يعيش الرجل بين العلماء ويعمل العمل ولا يدري أنه على حق ولا يعلم أنه على غير الحق إلا بعد سنوات هل هذا مفرط؟
الشيخ: الظاهر أنه مفرط لأن هذا الفعل الذي خالف فيه سيكون مشهوراً بين الناس.
السائل: وإذا كان ليس مشهوراً بين الناس كرفع القدمين في أثناء السجود بعض الناس استمر على هذه الحال سنوات؟
الشيخ: ربما نقول إن هذا لم يفرط وأنه لا يلزمه إلا قضاء الصلاة الحاضرة فقط لكن لو كان قد سمع أن رفع أحد الأعضاء يبطل السجود ولكن قال (لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) يعني بعض الناس ياخذ الآية هذه يأخذها دليلاً في كل شيء يقول لا تسألوا.
ولا بد أن نعرف ما سبق أنه لا يُفطِّر شيء مما سبق إلا بثلاثة شروط العلم وضده الجهل والذكر وضده النسيان والثالث الاختيار وضده ما كان إكراها أو عن غير قصد.
هذه الشروط بينا فيما سبق أنه دل عليها الكتاب والسنة بأدلة عامة وأدلة خاصة وبناءً على ذلك مادام الأمر واضح والحمد لله في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأمر أسهل من أن نرجع إلى التفاصيل في بعض كتب العلماء ونقول هذه القاعدة قاعدة عريضة مأخوذة من القرآن والسنة الصحيحه.
وإذا شككنا في شيء هل يدخل في المفطرات أو لا؟ فالأصل أنه غير مفطر لأن الصوم ثبت بدليل شرعي فلا يمكن أن ينقض إلا بدليل شرعي مثلاً الإبرة توخز في المريض اختلف الناس فيها ولا سيما عند أول ظهروها فنقول عند الاختلاف بدون مستند شرعي في هذه المسالة نأخذ بالأصل وهو أن الأصل صحة الصوم إلا بدليل واضح على الإفساد وهذه مسألة مهمة لطالب العلم ولا يقول الإنسان إننا لو فتحنا هذا الباب لتساهل الناس نقول نحن نبين الشرع والعمل على غيرنا يجب أيضاً أن نبين للناس الشرع فلو سألك سائل مثلا قال إنه جامع زوجته يظن أن الفجر لم يطلع فتبين أنه طالع ماذا نقول له؟ لا شيء عليه.
ولو سألك سائل في مكة في رمضان أنه جامع زوجته اليوم ماذا تقول له؟ إذا كان متعمداً أفطر لكن إن كان الصوم واجبا عليه فإنه يقضي ويكفر وإن لم يكن واجباً أفطر ولا أثم عليه إلا القضاء والأول يلزمه الإمساك بقية اليوم والثاني لا يلزمه لأن الصوم في حقه ليس بواجب.
فصلٌ
القارئ: وعلى من أفطر القضاء لقوله صلى الله عليه وسلم (من استقاء فليقض) ولأن القضاء يجب مع العذر فمع عدمه أولى وعليه إمساك سائر يومه لأنه أمر به في جميع النهار فمخالفته في بعضه لا تبيح المخالفة في الباقي.
الشيخ: وهذا فيمن أفطر بلا عذر أما من أفطر بعذر فله أن يأكل بقية يومه مثاله لو أفطر إنسان لإنقاذ معصوم في رمضان فهل يلزمه أن يمسك بقية اليوم؟ لا لا يلزمه لأن هذه البقية لا تنفعه ولأن هذا الرجل قد أُذن له بانتهاك حرمة هذا اليوم بل إن هذا اليوم لا حرمة له في حقه لأنه اضطر للفطر فإذاً لا حرمة لباقي اليوم ومثل ذلك على القول الراجح من قدم من السفر مفطراًَ فإنه لا يلزمه إمساك بقية اليوم.
القارئ: ولو قامت البينة بالرؤية بعد فطره فعليه القضاء والإمساك لذلك.
الشيخ: يعني لو قامت البينة في أثناء النهار وهو مفطر لزمه الإمساك ولزمه القضاء أيضاً أولاً لأنه لم ينو من أول النهار وثانياً لأنه أكل وشرب في أول النهار وأما لزوم الإمساك فلأنه ثبت أن هذا اليوم من رمضان وقال شيخ الإسلام إنه لا يلزمه القضاء وإنما يلزمه الإمساك لأنه قبل أن يعلم بدخول الشهر كان جاهلاً معذوراً وأما النية فالنية تتبع العلم وهو لم يعلم ولوعلم قبل أن يطلع الفجر قلنا انو لكنه لم يعلم فالنية تتبع العلم إذ غير المعلوم لا تمكن نيته فيرى رحمه الله أنه يمسك ولا يقضي بل قال لو لم يعلم بدخول الشهر إلا بعد غروب الشمس فإنه لا يلزمه قضاء هذا اليوم لأنه أكل وشرب وجامع من غير علم فيحسب له هذا اليوم مع أنه لم يصمه لوجود مانع وهو الجهل لكن الأحوط أن يقضي لأن هذا الرجل ليس كمن أفطر لعذر في رمضان فإنه حينما كان يأكل ويشرب في أول النهار يعتقد أنه من شعبان وهو فرق بين إنسان أكل أو شربا ناسياً أو جاهلاً وهو يعتقد أن هذا اليوم من رمضان وإنسان آخر لم يعلم به فأرى بناءً على هذا الفرق وإن كان فرقاً ليس له إلا قدم واحد أرى أنه من أجل هذا الفرق أن يحتاط فيقضي ويمسك لأن الإمساك ما فيه إشكال حتى عند شيخ الإسلام ابن تيميه يجب الإمساك.
القارئ: ولا تجب الكفارة بغير الجماع لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بها المحتجم ولا المستقيء ولأن الإيجاب من الشرع ولم يرد بها إلا في الجماع وليس غيره في معناه لأنه أغلظ ولهذا يجب به الحد في ملك الغير والكفارة العظمى في الحج ويفسده دون سائر محظوراته ويتعلق به اثنا عشر حكما.
الشيخ: أي في الجماع وبعضهم أوصلها إلى أربعمائة حكم والجماع هو تغييب الحشفة في الفرج لكن تتبع هذا الأمر فيه كلفة ومشقة والمهم أن تعرف الحكم في كل بابٍ على حدة وإن أمكن أن تجمعها فهذا طيب وما قاله رحمه الله من أن الكفارة لا تجب إلا بالجماع هو الحق خلافاً لمن قال تجب الكفارة بإلامناء أو بالفطر عمداً ولو بالأكل والشرب فإن هذه كلها أقوال لا دليل عليها إنما تجب الكفارة بالجماع خاصة في نهار رمضان لمن كان الصوم واجباً عليه فقولنا في نهار رمضان يخرج ما لو جامع في قضاء رمضان يعني إنسان عليه أيام من رمضان وكان يقضيها فجامع فليس عليه كفارة لأن جماعه ليس في نهار رمضان وقولنا والصوم واجب عليه يخرج من جامع في سفر أو جامع في مرض فإنه ليس عليه كفارة لأن الصوم ليس واجباً عليه في هذه الحال.
فصلٌ القارئ: ومن جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل فعليه القضاء والكفارة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً جاء فقال يا رسول الله وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (هل تجد رقبة تعتقها؟) قال لا، قال (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال لا، قال (فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟) قال: لا، قال فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي رسول الله بفرق تمر فقال (أين السائل خذ هذا فتصدق به) فقال الرجل أفعلى أفقر مني يا رسول الله؟ والله ما بين لابيتها يريد الحرتين أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه فقال (أطعمه أهلك) متفق عليه.
الشيخ: هذا الحديث فيه بيان حكم من جامع وفيه فوائد منها صراحة الصحابة رضي الله عنهم في السؤال عن الدين وأنهم لا يمنعهم الحياء عن التفقه في دين الله ومنها أن الصحابة من أحرص الناس على معرفة الحق بل هم أحرص الناس ولهذا جاء يسأل في هذا المكان مع وجود الناس ويقول هلكت وأهلكت كما في ألفاظ الحديث الأخرى ومنها أن الرجل كان عالماً بدليل أنه قال هلكت وإن كان فيه احتمال أنه أخبر بعد أن حدث قومه أو أحداً من الناس يعلم بأنه جامع زوجته فقال هلكت ولكن الأصل عدم ذلك وسواء أخبر أو لم يخبر، وعندنا قاعدة عامة وهي أن من تناول مفطراً جاهلاً فلا شيء عليه وفيه أيضا أن كفارة الجماع في نهار رمضان كفارة مغلظة لأنها عتق رقبة أوصيام شهرين متتابعين أوإطعام ستين مسكين ولا يوجد لها نظير في الكفارات إلا كفارة الظهار ومنها أن كفارته على الترتيب والذي يبدأ به أولاً عتق الرقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يجد فإطعام ستين مسكين ومنها أنه لا فرق بين أن يجامع في يوم أوفي يومين أو ثلاثة أو أربعة هذه تحتاج إلى مناقشة وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصله لم يقل هل جامعت قبل اليوم؟ ولو كان الحكم يختلف لاستفصل لأن الأمر ليس بهين افرض أن هذا الرجل كان حديث عهد بعرس ليس الصحابي أعني غيره حديث عهد بعرس وكان يجامع زوجته كل يوم في رمضان كم يجب عليه من شهر؟ يجب عليه إذا قلنا تتكرر بتكرر الأيام يجب عليه ستون شهراً وإلا فشهران وإذا كان الحكم يختلف هذا الاختلاف المتباين كان لابد أن يستفصل المسؤول عن ذلك فيقول هل جامعتها قبل هذا اليوم أو لا؟ وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وهو وجه في مذهب الإمام أحمد رحمه الله لكننا لا نفتي به وإن كنا نرى أنه من حيث النظر قوي لكن لا نفتي به لأن الإنسان الشاب حديث العرس يأنس بهذه الفتوى يعني يجامع زوجته كل يوم أو في اليوم مرتين كل شهر رمضان ويقول الأمر سهل، صيام شهريين متتابعين أو
بعد يتكاسل يقول والله ما قدرت أنا موظف ومشغول فيطعم ستين مسكيناً فالمسألة وإن كانت من حيث النظر قوية لكن النظر شيء والإفتاء شيء آخر وهذا من فقه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو حق وسياسة حكيمة إذا خشيت من الناس أن يتتابعوا على أمر محرم فلا بأس أن تعاملهم بالأغلظ لأنه إذا كان فاعل المحرم يعزر ويحدث له عقوبة فكيف إذا أردنا أن نمنعه من أن يفعل المحرم لذلك نرى أن الفتوى في ذلك غير وجيهة وإن كانت قوية في النظر لئلا يتتايع الناس في هذا الأمر العظيم فإن عمر كان يعلم أن طلاق الثلاث واحدة وأن الرجل إذا قال أنتي طالق أنتي طالق أنتي طالق فهي واحدة وكانت كذلك في أول عهده في سنتين من عهده لكن لما رأى الناس تتايعوا في هذا الأمر وهلكوا فيه وتجرؤوا على المحرم ألزمهم بما ألزموا به أنفسهم لأن القائل أنتي طالق أنتي طالق أنتي طالق ماذا يريد؟ يريد البينونة فألزمهم رضي الله عنه بذلك ومنعهم من الرجوع ولذلك قال (أرى الناس قد تتايعوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم) إذاً هو رأي اتخذه عمر سياسة لمنع الناس من هذا الفعل المحرم والتعجل فيما جعل الله لهم فيه أناة وكذلك بيع أمهات الأولاد كان جائزاً في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد أبي بكر تباع أم الولد لكن لما رأى عمر أن الناس لن ينتهوا عن هذا وأنهم يفرقون بين السرية وأولادها الصغار ينكسر قلبها ويفزع الصغار فمنع بيع أمهات الأولاد سياسة وفي عهد الرسول (لما حذر الرسول عليه الصلاة والسلام من التفريق بين المرأة وولدها) التزم الناس بهذا وصاروا لا يفرقون بين أمهات الأولاد وأولادهم إلا إذا كبروا واستقل الولد تباع لكن عمر رأى المنع مطلقاً لأن الناس تهاونوا في هذا الأمر فكان هذا سياسية فهذه مسألة ينبغي لطالب العلم أن يلاحظها في الفتوى ومثلاً النقاب جائز من حيث هو نقاب وكان النساء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ينتقبنَ
ولا إشكال في هذا ولانقول هو حرام وهو موجود في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مقر له لكن إذا علمنا أن القول في إباحته يفضي إلى شر وفتنة وأن غالب النساء لم تتقيد بما يجب أن تتقيد به وأنها تخرج عينها مكحولة من أحسن كحل وهي عين جميلة فاتنة ثم قد تأتي بالملصقات التي تلصق على العين لتجميلها فالتي عينها غير جميلة الآن بدأنا يستعملن اللاصقات فتكتحل وتوسع النقاب وما تجعله على قدر النظر هذا أول شهر أو أول سنة وفي السنة الثانية توسعه قليلاً حتى يظهر الحاجبان والوجنتان وهذا هو الواقع الآن بدأت بعض النساء نسأل الله العافية والسلامة يتلثمن ويقلن هذا مثل النقاب وغداً يكشفنّ فمثل هذا إذا امتنع الإنسان من الافتاء بجوازه وقال أنا لا أفتي بجوازه فهذا ليس فيه بأس وهو لم يقل أنا أقول إنه حرام أولا أقول إنه حرام أقول لا أفتي بجوازه وهذا يدل على أنه يراه جائزاً لكن لا يفتي به نظراً للمصلحة وحماية الناس من الفتنة والتسيب في مثل هذه الأمور نحن الآن بصدد الحديث على حديث أبي هريرة رضي الله عنه فنقول هذا الحديث يدل بظاهره أنه لا فرق بين من جامع في يوم أو في أكثر من يوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل مع كون الأمر صعباً شديداً وأما الذين يقولون إنه يجب عليه أن يكفر عن كل يومٍ كفارة فعللوا ذلك بعلة جيدة قالوا لأن كل يوم عبادة مفردة لا سيما إذا قلنا إنه يجب أن ينوي لكل يوم نية في رمضان فقالوا إن كل يوم منفرد ولهذا لو فسد صوم اليوم لم يفسد صوم أمس مما يدل على أن كل يوم عبادة مستقلة وهذا لا شك أنه تعليل قوي وإذا أخذ به الإنسان حماية للناس من التسيب والتلاعب فلا حرج عليه في ذلك إن شاء الله أولاً لقوة تعليله وقد تكون قوة هذا التعليل مقابلة لقوة ظاهر الحديث حديث أبي هريرة فيقال الآن عندنا علة قوية مع ظاهر النص فهل نغلب هذه أو هذه؟ محل نظر لكن الوجه الأول أولى أنه لا فرق إلا أنه لا حرج أن نأخذ بهذا
القول وأن كل يوم له كفارة مستقلة بخلاف من قتل أنفساً فإن من قتل أنفساً لابد لكل نفسٍ من كفارة فلو أن رجلاً حصل عليه حادث وهو فيه مفرط أو معتدي ومات معه عشرة لزمه أن يعتق عشرة رقاب فإن لم يجد صام عشرين شهراً ولا نقول هنا بالتداخل لأن كل نفس لا تجني على نفس أخرى وكل نفس مستقلة وفي الحديث أيضاً من الفوائد تسهيل الشرع على العباد لقوله صلى الله عليه وسلم (هل تجد رقبة تعتقها؟ قال لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال لا قال فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال لا) وهذا لاشك أنه تيسير على المكلف إذا لم يستطع فإنه ينزل إلى ما دون ذلك فإن لم يستطع إطعام ستين مسكيناً ماذا يكون أمره؟ قال بعض العلماء إنها تسقط عنه لأنه لا واجب مع العجزوقد قال الله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) وقال بعض العلماء تكون في ذمته ديناً متى وجد أطعم لأنه بمنزلة الدين والذي يظهر أنها تسقط ما لم يحصل على ذلك في وقته وحينه فإنه يلزمه أن يكفر فلو مثلاً لزمته الكفارة اليوم فوجد الإطعام في أخر النهار أو من الغد فهذا لا نقول إنه معدم بل نقول يلزمه والدليل على هذا أنه لما قال هذا الرجل لا أستطيع وجاء التمر أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتصدق به ولو سقطت لم يأمره وفيه أيضاً دليلٌ على إعطاء ولي الأمر ما يتصدق به على الفقراء وكان هذا من عادة الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك من كان أكثر مساساً بالناس وأعرف بالناس فإن إعطاؤه أو الاستنارة برائه مفيد ويؤخذ من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب من سؤاله ومن قوله في الأخير أين السائل؟ وهو كذلك فالرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه فإن الله أطلعه من الغيب على من لم يطلع به غيره ومن فوائد هذا الحديث ما نعود إليه ثانية صراحة الصحابة وأن الإنسان يذكر وصفه على أي حال كان لما قال تصدق به قال أعلى
أفقر مني؟ وكثير من الناس يتستر ولاشك أن التستر خير قال الله تعالى (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) لكن هذا في سؤال الناس لا يسألون الناس إلحافاً أما في بيان حالهم عند الحاجة فلا بأس وفيه أيضاً جواز الحلف على غلبة الظن يؤخذ من قوله (فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني) لأن هذا الرجل لم يذهب إلى كل بيت يسألهم بلا شك لكن هذا غالب ظنه فحلف على غالب ظنه فإن قال قائل إذا كان هذا الرجل ليس عنده أي تمر أو أية حبة أو أي ثوب زائد على ما يلبس هل يوجد أحد أفقر منه؟ نعم الفقير المدين يكون مثله في مصروفاته اليومية وعليه دين فيكون أفقر وأيضاً قد ورد اليمين على غلبة الظن فإن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة عبد الله بن سهل وعبد الرحمن بن سهل قال لهم (تحلفون خمسين يميناً على من قتل صاحبكم) في قصة القسامة ومعلوم أنهم لم يروا ولم يشهدوا لهذا قالوا لم نر ولم نشهد فكيف نحلف؟ لكن عرض الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم اليمين يدل على جواز ذلك ومما يستفاد من هذا الحديث حسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه ضحك وهذا يدل على انبساطه من هذا الرجل لو كان عندي لقلت ما تشكر نعمة الله ما تخاف الله وماذا يدريك أنه ما في البلد أهل بيت أفقرمنك؟ لكن الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم الناس وهو على خلق عظيم فضحك منبسطا منشرحاً صدره عليه الصلاة والسلام ضحك حتى بدت أنيابه والأنياب هي ما وراء الرباعيات والأسنان هي الثنايا ثم الرباعيات ثم الأنياب ثم قال (أطعمه أهلك) سبحان الله دليل على أن الإنسان يكون أهل لكفارته لأنه قال (أطعمه أهلك) هكذا استدل بعض العلماء وقالوا إن الفقير إذا وجبت عليه كفارة فأعطاه إنسان ما يكفر فله أن يأخذها إذا كان فقيراً لكن هذا القول فيه نظر والاستدلال بهذا الحديث له فيه نظر أيضاً لأن أهل هذا الرجل لا يبلغون ستين مسكيناً إما بالتأكيد أو بغلبة الظن ولم يستفسر النبي صلى
الله عليه وسلم أن أهله يجدون لكن لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً علم أنه لا يستطيع أن يؤدي الكفارة وسقطت عنه وهو يريد أن يطعم أهله وفيه أيضاً هذه الغنيمة التي رجع بها هذا الرجل كأنك تتصور أن هذا الرجل خرج من امرأته وهو يقول سأذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وربما يكون قلبه يرجف خوفاً ولهذا وردت أحاديث فيها ألفاظ فيها نظر كونه جاء ينتف شعره ويشق ثوبه وما أشبه ذلك هذه كلها ألفاظ لا أظنها تصح لكن لاشك أن الرجل جاء خائفاًَ فزعاً وأنه خرج من أهله على هذه الحال ومع ذلك رجع إليهم بطعام بتمر سبحان الله هكذا ينبغي أن ندعو الناس لكن يجب أن نعرف الفرق بين رجل جاء تائباً نادماً يطلب الخلاص هذا نعامله بما تقتضيه حاله ونلين له في القول ونيسرله الأمر وهذا من خلق الرسول عليه الصلاة والسلام الذي أمرنا أن نقتدي به.
القارئ: وسواء في هذا وطء الزوجة والأجنبية والحية والميتة والآدمية والبهمية والقبل والدبر لأنه وطء في فرج موجب لغسل أشبه وطء الزوجة ولأنه إذا وجب التكفير بالوطء في المحل المملوك ففيما عداه أولى ويحتمل أن لا تجب الكفارة بوطء البهيمة لأنه محل لا يجب بالحد بالوطء فيه أشبه غير الفرج.
الشيخ: وهذا القول أقرب إلى الصواب لأن هذا الفرج لا يباح بحال وكما قال المؤلف رحمه الله لا يجب حد الزنا بالوطء فيه وأيضاً على القول الراجح لا يجب الغسل إذا وطأ بهيمة ما لم ينزل لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) ومعلوم أن البهيمة ليس لها ختان فالصواب أن وطء البهيمة وإن كان بعض الناس والعياذ بالله قد قلبت طبيعتهم ويتلذذ به لكنها لا توجب شيئاً إلا أن واطيء البهيمة يعزر وتقتل البهيمة قتلاً لا تذكى ذكاة تقتل وترمى للكلاب فإن كانت ملكاً للواطيء فقد تلفت عليه وإن كانت لغيره وجب عليه ضمانها ولا تؤكل.
القارئ: وفي الجماع دون الفرج إذا أنزل روايتان إحداهما تجب به الكفارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل السائل عن الوقاع والثانية لا تجب لأنه مباشرة (لا يفطر) بغير إنزال.
الشيخ: عندي بالمخطوطة (لا تفطر) نسخة.
القارئ: فأشبه القبلة ولا يصح قياسه على الوطء في الفرج لما بينهما من الفرق وإنما لم يستفصله النبي صلى الله عليه وسلم لأنه فهم منه الوقاع في الفرج بدليل ترك الاستفصال عن الإنزال.
الشيخ: وهذا هو الصحيح أن الإيقاع بدون إنزال لا يوجب الكفارة.
القارئ: وتجب الكفارة على الناسي والمكره لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل السائل عن حاله وعن أحمد: كل أمرٍ غلب عليه الصائم فليس عليه قضاءٌ ولا غيره فيدخل فيه الإكراه والنسيان لقول النبي صلى الله عليه وسلم (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه النسائي، وقياساً على سائر المفطرات وقال ابن عقيل إن كان الإكراه إلجاء مثل أن استدخل ذكره وهو نائم أو مغلوب على نفسه فلا كفارة عليه لأنه لا فعل له وفي فساد صومه احتمالان وإن كان بالوعيد ونحوه فعليه القضاء لأن الانتشار من فعله ولا كفارة عليه لعذره.
الشيخ: والصواب في هذه المسألة أنه إذا كان ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه لعموم الأدلة السابقة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم الجاهل الذي أكل بعد طلوع الفجر بالقضاء ولم يلزم الناس جميعاً الذين أفطروا قبل غروب الشمس بالقضاء وقال (من أكل أو شرب وهو ناسي فليتم صومه) ولا فرق كلاهما محظور وكلاهما مفطر لكن ربما يقول قائل النسيان في الجماع بعيد لأنه ليس كالأكل والشرب ولأنه متعلق بطرف أخر والطرف الأخر ينبهه فالنسيان غيروارد وأما الجهل يقع ولكن إذا كان جاهلاً بوجوب الكفارة عالماً بتحريم الجماع فهل تلزمه الكفارة؟ نعم تلزمه لأنه انتهك المحرم عن علم ولأن الرجل الذي جاء يستفتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن يعلم بالكفارة بل سأل عنها وهكذا جميع الأشياء التي فيها حد أو كفارة إذا كان الإنسان عالماً بها وجاهلاً بالعقوبة والكفارة فإنه لا يعذر فلو زنى ثيب وقال إنه لايدري أن عليه الرجم ولكن يدري أن الزنى حرام انتهكه فعليه الرجم وأما قوله في تعليل وجوب الكفارة ولو كان عن جهل أو إكراه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل فيقال إن الرجل صرح بما يدل على أنه كان عالماً لأنه يقول هلكت وهذا يدل على أنه كان عالماً ولم يقل أخبروني أني هلكت حتى نقول إنه علم بعد الوقاع ثم إن مثل هذا يرد كثيراً يذكر السلف الصالح أن من فعل كذا فعليه كذا فيظن بعض الناس بهذه العبارة العموم وهي نعم عامة لكنها مقيدة بألا يوجد مانع يمنع الوجوب بأدلة أخرى وهذا يقع حتى في كلام الفقهاء رحمهم الله يقول إذا جامع قبل التحلل الأول فسد حجه ولزمه كذا وكذا هذا حكم لكن هل الحكم لا يكون له موانع؟ بلى وهذه المسألة ينبغي أن نتفطن لها وهوأن الرسول علم من حال هذا الرجل أنه كان عالماً وأنه جاء يريد التخلص مما وقع منه لقوله إني هلكت وخلاصة الكلام الآن أن الجماع كغيره من المفطرات إذا وقع من جاهل أو ناسٍ أو مكره يعني
غير مريد فإنه لا يفطر به وليس عليه الكفارة.
السائل: بالنسبة للكفارة بوطيء الدبر كاللواط والميت هل تجب؟
الشيخ: نعم إذا فرض أنه يشتهي هذا الشيء إنسان وحصل منه الوقاع وهي ميتة فعليه الكفارة.
السائل: من فعل محرم وهو يعلم أنه محرم لكن لا يعلم أنه مخرج من الملة؟
الشيخ: نعم يخرج من الملة يعني من ترك الصلاة وهو لا يعلم أنه يخرج من الملة لكن يعلم أنه حرام خرج من الملة.
فصلٌ
القارئ: في وجوب الكفارة على المرأة روايتان إحداهما تجب لأنها إحدى المتواطئين فلزمتها الكفارة كالرجل والثانية لا تلزمها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر امرأة المواقع بكفارة ولأنه حق مال يتعلق بالوطء من بين جنسه فاختص بالرجل كالمهر.
الشيخ: والصواب أن عليها الكفارة إذا كانت مختارة عالمة وأما كون الرسول صلى الله عليه وسلم لم يذكر وجوبها على المرأة فلأن المرأة لم تقر ولم تأتِ تستفتي فيحتمل أنها كانت نائمة أو ناسية أو جاهلة أو مكرهة فأمرها عند الرسول عليه الصلاة والسلام مجهول وهو إنما أفتى من جاء يستفتي والعلة الموجبة للكفارة على الرجل موجودة في المرأة فإن التلذذ وانتهاك حرمة الصوم هو موجود في المرأة أيضاً فالصواب الذي يكاد يكون مقطوعاً به أن المرأة إذا كانت مختارة فعليها الكفارة كالرجل تماماً.
القارئ: فإن كانت ناسية أو مكرهة فلا كفارة عليها رواية واحدة لأنها تعذر بالعذر في الوطء ولذلك لا تحد إذا أكرهت على الزنا بخلاف الرجل والحكم في فساد صومها كالحكم في الرجل المعذور.
الشيخ: الآن عفوا عن المرأة إذا كانت مكرهة أو ناسية وهذا يمكن أن يخرّج من هذا القول القول بأن الرجل أيضاً يعفى عنه وهو تخريج قريب والصحيح العفو عنهم جميعاً أن المرأة إذا كانت جاهلة أو ناسية أو مكرهة فلا شيء عليها أما قوله إذا أكرهت على الزنى فإنها لا تحد والرجل إذا أكره على الزنا فإنه يحد فهذا أيضاً فيه نظر والصواب أن الرجل وإن أكره على الزنا فلا حد عليه لعموم الأدلة وقولهم إنه لا يمكن أن يجامع إلا بانتشار ولا انتشار إلا عن إرادة وهذا يدل على تعذر صورة الإكراه نقول هذا غير صحيح بل إذا هيئ لإنسان امرأة شابة جميلة وزينت وطيبت ومكيجت وهو شاب وقيل لابد أن تجامعها وإلا قتلناك ثم دنا منها هل يمكن أن ينتشر ذكره أو لا؟ يمكن فقوله إنه لا يمكن إكراه الرجل على الجماع فيه نظر والواجب في مثل هذه الأمور أن الإنسان ينظر للواقع وأما الفروض الذهنية فهي غير واردة في الأمور الشرعية صحيح أن إكراهه بعيد خصوصاً أن الإنسان إذا كان عنده خوفٌ من الله عز وجل ربما لا يستطيع أن يجامع لعدم انتشار ذكره لكن النفوس مجبولة على أنه إذا حصل مثل هذا التهييء للإنسان الشاب أن يفعل والخلاصة أن المكره على الزنى من رجل أو امرأة ليس عليه حد لعموم الأدلة.
القارئ: ولا تجب الكفارة بالوطء في غير رمضان لعدم حرمة الزمان.
الشيخ: حتى في القضاء ليس فيه كفارة لكن إذا وجدت شروط الإفطار صار مفطراً فعليه القضاء.
فصلٌ
القارئ: ومن لزمه الإمساك في رمضان فعليه الكفارة بالوطء وإن كان مفطراً لأنه وطء حرم لحرمة رمضان فوجبت به الكفارة كوطء الصائم.
الشيخ: مثال ذلك لو قدم الإنسان مفطراً من سفر وجامع زوجته فإنه تجب عليه الكفارة لأنه يلزمه الإمساك وهذا بناء على القول بلزوم الإمساك أما على القول الراجح أنه إذا قدم مفطراً فإنه لا يلزمه الإمساك فإنه إذا جامع في هذه الحال لا كفارة عليه.
القارئ: ومن جامع وهو صحيح مقيم ثم مرض أو جنّ أو سافر لم تسقط الكفارة عنه لأنه أفسد صوماً واجباً في رمضان بجماع تامٍ فوجبت الكفارة وجوباً مستمراً كما لو لم يطرأ عذر.
الشيخ: هذا صحيح لأنه لو جامع في رمضان وهو مقيم ثم سافر فالمسافر له أن يفطر ولو كان سفره في أثناء النهارفهل نقول في هذه الحال لا كفارة عليه لأنه أخر النهار قد أبيح له الفطر أو نقول إن عليه الكفارة؟ نقول عليه الكفارة لأنه حين الوطء كان صائماً صوماً واجباً في رمضان.
القارئ: وإن وطيء ثم وطيء قبل التكفير في يوم واحد فعليه كفارة واحدة بلا خلاف لأنها عبادة تكرر الوطء فيها قبل التكفير فلم تجب أكثر من كفارة كالحج وإن كان ذلك في يومين ففيه وجهان أحدهما تجزئه كفارة واحدة لأنه جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها فتداخلا كالحدود وكالتي قبلها والثاني تلزمه كفارتان اختاره القاضي لأنه أفسد صوم يومين بجماع فوجبت كفارتان كما لو كانا في رمضانين فإن كفر عن الأول فعليه في الثاني كفارة وجهاً واحداً لأنه تكرر السبب بعد استيفاء حكم الأول فوجب أن يثبت للثاني حكمه كسائر الكفارات.
الشيخ: إذا كفر ثم أعاد الوطء فعليه أن يكفر للوطء الثاني سواءً أكانا في يوم واحد أو في أيام وسبق لنا مسائل مهمة في مسألة الجماع أولاً المرأة هل عليها كفارة؟ قلنا إن الصحيح أن عليها كفارة لأن الرجال والنساء سواء ما لم يوجد دليل يفرق بينهما والإجابة عن حديث المجامع سهلة لأن المرأة لم تحضر ولم تقر وربما تكون في حال تعذر فيها فهي في الحقيقة مسكوت عنها وليس مسقطاً عنها الكفارة وفرق بين المسكوت عنها وبين المسقط عنه الكفارة لو قال الرسول لا كفارة عن امرأتك قلنا نعم لكن هي مسكوت عنها لأن قضيتها لا ترى وربما يشير قوله هلكت وأهلكت ربما يشير هذا إلى أنه أكرهها وإلا لقال هلكت وهلكت امرأتي وعلى كل حال القول الراجح بلا شك هو أن المرأة عليها الكفارة إذا كانت مطاوعة وسبق لنا أنه إذا تكرر الجماع في يوم قبل التكفير لزمه كفارة واحدة بالاتفاق وإذا تكرر في يومين قبل التكفير ففيه وجهان ورجحنا من حيث النظر أنه لا يلزمه إلا كفارة واحدة ولكننا لا نفتي بذلك نظراً لسد باب التهاون في هذا الأمر لأنه قد يهون على الإنسان أن يجامع زوجته كل يوم في رمضان ويؤدي كفارة واحدة هذه مسائل ينبغي للطالب أن يتفطن لها لأنه ربما يأتيه إنسان مثلاً ذكر له أنه كان يجامع كل يوم أو عشرة أيام مثلاً ولم يكفر وأنه تائب ونادم ونعرف أنه رجل من أهل الرجولة فهذا ربما نفتيه سراً بأن يكفيه كفارة واحدة كما كان العلماء يفعلون هذا رحمهم الله يفتون بالمسائل التي يخافون من إنزلاق الناس فيها يفتون فيها سراً كعبد السلام بن تيميه جد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان يفتي بأن الطلاق الثلاث واحدة لكن كان يفتي به سراً كما نقله عنه حفيده وأصل هذه الأمور أن العلم يقصد به شيء وراء العلم وهو تربية الناس وإقامتهم على الحق وأنه مهما أمكن التربية إذا لم تخالف الشرع فاسلكها فلو أن أحداً مثلاً يقول إن ستر الوجه ليس بواجب بمقتضى الدليل عندي قلنا لك
رأيك ولا نلزمك برأينا لكن هل من المصلحة أن تنشر هذا الرأي في قوم ملتزمين بتغطية الوجه؟ ليس من المصلحة لست ترى أن كشف الوجه واجباً حتى تقول سأبينه ليقوم الناس بالواجب ترى أنه مباح وربما ترى في ضميرك أنه مباح وتركه أفضل إذاً كيف تنشر للناس ما يوجب التهاون في هذا الأمر؟ فهذه المسائل انتبهوا لها بارك الله فيكم ربوا الناس مادام الناس الآن متمسكين بلزوم تغطية الوجه وليس عندهم في هذا إشكال وليس كشفه واجب حتى نقول نبين للناس دعهم على ما هم عليه لأنهم إذا كشفوا وجوههم صاروا آثمين عند بعض العلماء وليس آثمين عندك أنت الذي تبيح كشف الوجه بل هم فاعلون للأفضل لكن لو كشفوا الوجه صاروا عند من يرى وجوب ستره صاروا آثمين فكيف توقع الناس بالإثم وهم في سلامة منه.
فصل
القارئ: والكفارة عتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتبعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً للخبر وعنه أنها على التخيير بين الثلاثة لما روي عن أبي هريرة أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو (يطعم) ستين مسكيناً.
رواه مسلم ومالك في الموطأ.
الشيخ: (أو إطعام) نسخة بالمخطوطة أنسب للسياق الذي قبلها (أو صيام شهرين).
القارئ: وأو للتخير والأول المذهب لأن الحديث الأول أصح وهو متضمن للزيادة.
الشيخ: ثم يقال إن الأول متضمن للزيادة وهو (هل تجد؟ هل تستطيع؟) ثانياً أن هذا لا ينافي الترتيب وكون (أو) تأتي لا ينافي الترتيب إذ أن المعنى أو صيام شهرين متتابعين إن لم يجد رقبة والحديث واحد رواه أبو هريرة فيحمل هذا على الأول يقيناً وتكون الكفارة على الترتيب.
القارئ: وإن عجز عن الأصناف كلها سقطت لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي أخبره بحاجته إليها بأكلها ويحتمل أن لا تسقط لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إليه المكتل وأمره بالتكفير بعد إخباره بعجزه والأول أولى لأن الإسقاط أخر الأمرين فيجب تقديمه.
الشيخ: وهذا هو الصحيح أنه عند العجز تسقط وهو الموافق أيضاً للقاعدة العامة (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) وللقاعدة التي أخذها أيضاً العلماء من هذه الآية أنه لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة إذا كانت الضرورة تندفع به وهاتان قاعدتان مهمتان لا واجب مع العجز دليلها (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) ولا محرم مع الضرورة إذا كان تندفع به دليلها قوله تعالى (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) ويصوم يوماً مكان اليوم الذي أفسده لأنه أفسد يوماً فيجب عليه قضاؤه فلو شرع في الصلاة ثم أفسدها فإنه يقضيها أما لو كان لم يصم من الأول فلا قضاء عليه لأنه تعمد ترك هذا اليوم.
السائل: رجل إذا جاء رمضان يصوم ويصلي وإذا فات رمضان ترك الصلاة واستمر على هذا سنوات ثم تاب وكان في رمضان يجامع زوجته فلما تاب التزم بالواجبات والسنن واستقام هل تجب عليه الكفارة؟
الشيخ: من المعلوم أننا لانلزمه بقضاء الصلاة لأنه كان يتركها عمدا ومن المعلوم أيضا أن هذا لم يترك الصلاة تركا مطلقا ومن المعلوم أيضا أنه يفسد صيامه بالجماع فهل نقول بالقول الثاني الذي ذكره المؤلف رحمه الله بتداخل كفارات الأيام وأنه يجزئه كفارة واحدة بناءً على أن هذا لو ألزمناه بأن يكفر عن كل يومٍ كفارة ربما يرتد ويقول لو استقمت لزمني هذا الأمر فهل من حسن التربية أن نأخذ بالقول الثاني الذي له وجهة من النظر، كما أسلفنا فيما سبق لو أنه استفتاني وعرفت أن الرجل تاب توبةً نصوحة لقلت يكفيك كفارة واحدة ولكن لا تخبر الناس بذلك.
باب القضاء
القارئ: يجوز تفريق قضاء رمضان لقول الله تعالى (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) وهذا مطلق يتناول التفريق وروى الأثرم بإسناده عن محمد بن المنكدر أنه قال (بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع قضاء رمضان فقال لو كان على أحدكم دينٌ فقضاه من الدرهم والدرهمين حتى يقضي ما عليه من الدين هل كان ذلك قاضياً دينه؟ قالوا نعم يا رسول الله قال فالله أحق بالعفو والتجاوز منكم) رواه الدارقطني.
الشيخ: هذا مرسل لأنه رواه محمد بن المنكدر يقول بلغني، والأمر كما قال رحمه الله إنه يجوز لمن عليه قضاء أن يقضي متتابعاً ومتفرقاً لقول الله تعالى (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ولم يقل فشهرٌ من شهورٍ أخر قال (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) وهذا يشمل المتفرق والمتتابع ولأن عائشة رضي الله قالت كان يكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان وهذا يدل على أنها لو قضته يوماً ثم يوماً مفطرة أنه لا بأس به وهو كذلك.
القارئ: والمتتابع أحسن لأنه أشبه بالأداء وأبعد من الخلاف.
الشيخ: العلة التتابع أفضل لأنه أشبه بالأداء فإن رمضان كان متتابعاً وأسلم من خلاف من قال يجب القضاء فوراً وهو قول ضعيف لا يعول عليه ولأنه أسبق إلى الخيرات لأن القضاء خير وكلما قدمت فهو خير ولأنه أسرع في إبراء الذمة ولأنه أحوط فإن الإنسان لا يدري متى يأتيه الموت ثم يبقى هذا الصوم ديناً في ذمته وقد يصوم الولي وقد لا يصوم وقد يطعم وقد يتأخر بالإطعام فعلى كل حال التتابع لاشك أنه أفضل وأحسن.
القارئ: ويجوز له تأخيره ما لم يأتِ رمضانٌ آخر لأن عائشة رضي الله عنها قالت (لقدكان يكون علي الصيام من رمضان فلا أقضيه حتى يجئ شعبان) متفقٌ عليه ولا يجوز تأخيره لغير عذرٍ أكثر من ذلك لأنه لو جاز ذلك لأخرته عائشة ولأن تأخيره غير مؤقتٍ إلحاقاً له بالمندوبات.
الشيخ: ودليل ذلك أولاً أثر عائشة فواضح حيث قالت فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان وأما الثاني فلأننا إذا قلنا بجواز تأخيره إلى ما بعد رمضان لألحقناه بالنوافل إذا لم يكن له حد صار يجوز تأخيره إلى الأبد وهذا إلحاقٌ له بالنوافل يعني يجعله كأنه نافلة وتعليلٌ ثالث ولأن رمضان الثاني بمنزلة خروج وقت الصلاة ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلى وقت آخر لأن القضاء مابين رمضانين ثم يأتي شهرٌ آخر له متعلقاته.
القارئ: فإن أخره لعذرٍ فلا شئ عليه لأن فطر رمضان يباح للعذر فغيره أولى وسواءٌ مات أو لم يمت لأنه لم يفرط في الصوم فلم يلزمه شئ كما لو مات في رمضان.
الشيخ: هذه مسألة مهمة إذا أخره لعذر فإنه لا شئ عليه لا إطعاماً ولا قضاء فلو أن إنساناً مرض في رمضان مرضاً يرجى برؤه ثم استمر به المرض حتى مات فلاشئ عليه لا يصوم عنه وليه ولا يطعم عنه لماذا؟ لأنه لم يستطيع الصوم وقولنا يرجي برؤه احترازاً مما لو جاءه رمضان وهو لا يرجى برؤه هذا ليس فرضه الصيام وإنما فرضه الإطعام فيطعم عنه وينتهي أمره في رمضان وهذه مسألة قد يغلط فيها بعض الطلبة قد يظن أن المسألة الأولى كالمسألة الثانية ولكن بينهما فرق لأن فرض المريض في المسألة الأولى الصوم أن يصوم بدل ما ترك ولم يستطيع بعد ذلك فسقط عنه كما لو مات في رمضان أو مات في شعبان وأما الثانية ففرضه الإطعام أصلا يعني هذا الذي لا يرجى برؤه في رمضان فلاصوم عليه أصلا وإنما يجب عليه الإطعام فنطعم عنه في نفس الشهر وينتهي أمره.
القارئ: وإن أمكنه القضاء فلم يقض حتى جاء رمضان آخر قضى وأطعم عن كل يومٍ مسكينا لأن ذلك يروى عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم.
الشيخ: عندي بالمخطوطة (وإن أمكنه الصيام) نسخة، رمضان مما زيد فيه الألف والنون وما زيد فيه الألف والنون سواء كان علما أم صفة فإنه يشترط العلمية أو الوصفية وليس مجرد زيادة الألف والنون مانعا من الصرف حتى تنضم إليه العلمية أو الوصفية ولهذا لو جاءك إنسان في آخر شعبان وقال أنا أدعوك إلى زيارتي فقلت إن شاء الله بعد رمضانٍ قال إن شاء الله من يوم نفطر قلت من يوم نفطر من رمضانٍ فجاءك بعد العيد قال أوف أقول له أنا ما عينت قلت بعد رمضانٍ نعم لكن هذا من باب التورية ولاسيما في مخاطبة العوام ويمينك على مايصدقك به صاحبك فهل تجوز هذه التورية؟ إذا لم يكن ظالماً فتجوز على رأي بعض العلماء وكذلك إذا كان لمصلحة ومثل ذلك إذا قال متى تزورني؟ قلت بعد غدٍ وبعد غدٍ يمتد إلى يوم القيامة فمثل هذه الأشياء يتخلص بها الإنسان لأن بعض الناس يكرر ويلزم وهذا ممكن ترضيه فيما بعد تقول يا أخي إني أقول لك بعد غدٍ وتقول له في نفس الوقت بعد غدٍ إلى يوم القيامة حتى يزول ما في قلبه لئلا يقول أنت خدعتني أو ما أشبه ذلك.
القارئ: ولأن تأخير القضاء عن وقته إذا لم يوجب قضاءً أوجب كفارة كالشيخ الهرم.
الشيخ: هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء إذا أخره إلى رمضان الثاني بلا عذر ثم قضاه فمنهم من يرى أنه يلزمه كفارة إطعام مسكين مع كل يوم بناءً على هذه الآثار التي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى ومنهم من يقول لا إطعام عليه لعموم قول الله تعالى (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ولم يذكر شيئاً ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شئ ولعل إفتاء هؤلاء الثلاثة إنما كان من باب الاحتياط أو من باب التعزير أو ما أشبه ذلك وأما إثبات حكمٍ شرعيٍ بها مع وجود عمومٍ في القرآن وتركٍ في السنة فلا يمكن أن نلزم عباد الله بمثل هذا ولكن لاشك أن الاحتياط أن يطعم وأما إلزام الناس بذلك فلا وكثيرٌ من الناس الذين يسألون الآن يرون أن الإطعام أثقل عليهم من القضاء ولهذا تجدهم يفرحون إذا قلت لهم لا يجب عليكم إلا الصيام ويسألون عن هذا الإطعام وأما القياس فهو قياسٌ مع الفارق وهو مما يدلنا على أن الإنسان يجب أن يستدل قبل أن يعتقد انظر إلى القياس (ولأن تأخير القضاء عن وقته إذا لم يوجب قضاءً أوجب كفارة) وهذا أوجب قضاء وأيضا القياس على الهرم غلط لأن الهرم يكفر في وقت الأداء ما فيه تأخير ولكن كما قلت لكم سابقا إن الإنسان إذا اعتقد أولاً صار يحاول أن يثبت ما اعتقد ولو على وجهٍ مستكره فالصواب أن يقال الآثار على العين والرأس لكن هل قالوا ذلك على سبيل الوجوب أو على سبيل الاحتياط وكف النفس عن ذلك في المستقبل؟ وأما القياس على الهرم فهو قياسٌ بعيد.
القارئ: وإن فرط فيه حتى مات قبل رمضانٍ آخر أُطعِم عنه عن كل يوم مسكين لأن ذلك يروى عن ابن عمر.
الشيخ: لم يذكر المؤلف أن يصام عنه مع أنه فرط ولم يقض بلا عذر وإنما لم يذكره لأن المشهور من المذهب أنه لا يقضى عن الميت إلا صوم النذر فقط، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما روته عائشة وهو صحيح (من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليه) هذا في النذر لكن لا دليل على التخصيص ويا سبحان الله كيف يخصص الحديث في النذر مع أن النذر وقوعه نادر وصيام رمضان وقوعه كثير ما أكثر الذي يموت قبل أن يقضي رمضان وما أقل الذي يكون عليه نذر فيقضى عنه وحملنا الحديث على أمرٍ نادر مع وجود أمرٍ أكثر بكثير ليس بصواب فالصواب أنه يقضى عنه ولكن لا على سبيل الوجوب لأننا لو قلنا يجب على الولي أن يصوم لزم من ذلك تأثيمه بالترك وقد قال الله تعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) إذاً فنطعم عنه إذا قال الولي إنني لن أصوم قلنا أطعم من تركته، وإذا لم يكن له تركة قلنا إن تبرع أحدٌ بالإطعام عنه فمشكور ومثاب وإن لم يفعل أحد سقط عنه لأنه لم يجد شئاً.
القارئ: وإن مات المفرط بعد أن أدركه رمضانٌ آخر فكفارةٌ واحدةٌ عن كل يومٍ يجزئه نص عليه لأن الكفارة الواحدة أزالت تفريطه فصار كالميت من غير تفريط قال أبو الخطاب عليه لكل يومٍ فقيران لأن كل واحدٍ يقتضي كفارة فإذا اجتمعا وجب بهما كفارتان كما لو فرط في يومين.
الشيخ: وكأن أبا الخطاب رحمه الله قاس الإطعام على الصيام فإنه كما تقدم قريباً إذا أخره إلى رمضان آخر بدون عذر لزمه الصوم والكفارة فكذلك إذا أخر الكفارة إذا مات فعليه الكفارة فيكون عليه كفارتان ولكن الصحيح أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة.
القارئ: ويجوز لمن عليه قضاء رمضان التطوع بالصوم لأنها عبادة تتعلق بوقتٍ موسعٍ فجاز التطوع بها في وقتها قبل فعلها كالصلاة وعنه لا يجوز لأنها عبادة يدخل في جبرانها المال فلم يجز التطوع بها قبل فرضها كالحج والأول أصح لأن الحج يجب على الفور بخلاف الصيام.
الشيخ: يجوز لمن عليه قضاء رمضان التطوع بالصوم قبل القضاء ما لم يبق على رمضان الثاني بقدر ما عليه من الفرض فإن بقي على رمضان الثاني بقدر ما عليه من الفرض لم يصح التطوع لأن الوقت الباقي للفريضة فلا يمكن أن تحل محلها النافلة لكن يستثنى من ذلك صوم ستة أيامٍ من شوال فإنه لو صامها يصح الصوم لكنه لا ينال الأجر المرتب عليها وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم (من صام رمضان ثم أتبعه بستٍ من شوال فكأنما صام الدهر) وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال (من صام رمضان ثم أتبعه) ومن عليه قضاء لا يصح أن يقال إنه صام رمضان ثم إنه إذا قدرنا أنه عليه خمسة عشرة يوماً من رمضان وصام الستة أيام من شوال كم صام، صام واحداً وعشرين يوما ولم يصم شهراً وستة أيام وإنما جُعل صوم الشهر والستة أيام بمنزلة صيام الدهر لأن صوم رمضان بعشرة أشهر وصوم ستة أيامٍ من شوال بشهرين وهذا الذي تطوع بها قبل أن يتم رمضان لم يحصل له هذا الشئ وبقي أن يقال القول الراجح كما قدم المؤلف رحمه الله أنه يجوز أن يتطوع الإنسان بالصوم قبل قضاء رمضان لكن أيهما أولى؟ الأولى القضاء لأن القضاء واجب والتطوع ليس بواجب ومن الحكمة أن يقدم الإنسان الواجب قبل التطوع لأن التطوع لو مات لم يكن لازماً له في ذمته والفرض يكون لازماً فلاشك أن من الحكمة أن يقدم الواجب على التطوع وقول المؤلف رحمه الله في التعليل (لأنها عبادة دخل في جبرانها المال فلم يجب التطوع بها قبل فعلها كالحج) وعندي بالمخطوطة (قبل فعلها) لكن ما عندكم أيضا صحيح وهذا تعليلٌ عليل أن نقول دخل في جبرانها المال لأن الصوم الأصل في جبرانه القضاء قضاء الصوم لا المال ولا يجب المال إلا للإنسان الذي ليس عليه صوم يعني لا يمكن أن يجمع بين الصوم والمال أبداً إلا على الرأي القول الضعيف فيمن أخر القضاء بلا عذر وإلا فلا يمكن وأما جبران الجماع في نهار رمضان فهو من أجل الجماع ومن أجل انتهاك الزمن
أيضا ولهذا لو جامع في القضاء لم يجب عليه كفارة فالمهم أن مثل هذه الأقيسة أقيسةٌ ضعيفة جداً لا ينبغي للإنسان أن يعتمد على مثلها.
القارئ: ولا يكره قضاؤه في عشر ذي الحجة لأن عمر كان يستحب القضاء فيها ولأنها أيام عبادةٍ فلم يكره القضاء فيها كعشر المحرم وعنه يكره لأن علياً كرهه ولأن العبادة فيها أحب الأعمال إلى الله تعالى فاستحب توفيرها على التطوع.
الشيخ: أما كراهة علي فيعارض استحباب عمر وعمر أقرب للصواب من علي رضي الله عنهما جميعا وأما قوله إن العبادة فيها أحب الأعمال إلى الله فيقال والفرض أحب إلى الله من النفل وعلى هذا فالحديث يؤيد رأي عمر رضي الله عنه أن يقضيها في هذه الأيام ولكن هل يتقصد أن يقضيها في هذه الأيام أو المبادرة بها أفضل من تأخيرها إلى هذه الأيام؟ الثاني أولى لأن المبادرة فيها قضاء الواجب فلو قال قائل هل الأفضل أن أقضي ما علي من رمضان في شوال أو أنتظر عشر ذي الحجة؟ قلنا في شوال للمبادرة إلى الخير ولو فرض أن الإنسان صار له عذر إلى آخر يوم من ذي القعدة فحينئذٍ يمكن أن يسأل هل ترون أن أصوم عشر ذي الحجة تطوعاً أو قضاءً ماذا نقول؟ نقول قضاءً أفضل أولاً لأثر عمر وثانياً لما فيه من المبادرة إلى الخير وثالثاً أن الفرائض أحب إلى الله من النوافل كما قال الله تعالى في الحديث القدسي (ما تقرب إليّ عبدي بشئٍ أحب إليّ مما افترضته عليه).
السائل: في قضاء رمضان لو أفطر الإنسان في القضاء فهل يحق له ذلك؟
الشيخ: لا يجوز أن يفطر في قضاء رمضان بغير عذرٍ شرعي لأن كل من دخل في فرضٍ وجب عليه إتمامه وكل من دخل في نفلٍ لم يجب عليه إتمامه إلا الحج والعمرة.
السائل: لو كان عليه قضاء أيام قضاها في شوال هل يدخل فيها الأجر والثواب؟
الشيخ: نعم يعني لو أتم القضاء في شوال والست في آخر شوال فلا بأس.
باب ما يستحب وما يكره
القارئ: ينبغي للصائم أن يحرس صومه عن الكذب والغيبة والشتم والمعاصي لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤٌ صائم) متفقٌ عليه.
الشيخ: في تعبير من المؤلف بقوله روي نظرٌ ظاهر جداً لأنه قال الحديث متفقٌ عليه ومثل هذا لا يقال فيه روي بل يقال ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن مر علينا الكثير من هذا ومر علينا أنه يجزم بالحديث وهو ضعيف جداً وهذا قد يتساهل فيه بعض الناس وقوله عليه الصلاة والسلام (إن سابه أحدٌ أو قاتله) قاتله بالسلاح وإلا بالمضاربة؟ الثاني لأنه إذا قاتله بالسلاح يدافع عن نفسه بالسلاح كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام فيمن استفتاه (رجلٌ جاء يأخذ مالي؟ قال لا تعطه قال إن قاتلني؟ قال قاتله قال أرأيت إن قتلني؟ قال فأنت شهيد وإن قتلته؟ قال فهو في النار) وقوله (فليقل إني صائم) ظاهر الحديث سواء كان الصوم فرضاً أم نفلاً فإن كان فرضاً فالغالب أنه لا رياء فيه لأن الناس كلهم صائمون وإن كان نفلاً فهل يقوله أو يقال هذا رياء فلا يقوله؟ من العلماء من قال إنه يقوله ومنهم من قال إنه لا يقوله لئلا يدخله الرياء والصواب أنه يقوله لاسيما إذا كان هذا اليوم مما يسن صومه لعله ينشطه أن يصوم هذا اليوم مثل يوم الإثنين أو الخميس أو الأيام البيض ولكننا نقول يقوله مطلقاً يقول إني صائم وفائدة هذا القول أولاً توبيخ هذا الذي أراد أن يسبه أو يقاتله وثانياً بيان أنه قادرٌ على مقابلته لكنه ترك الأمر لله عز وجل وثالثاً أن هذا أدعى إلى الكف عنه لأن المعتدي إذا علم أنه إنما تركه أو ترك مقاتلته لهذه العبادة فسوف يخجل ويمتنع فكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم هو الأمر المطابق للحكمة تماماً.
القارئ: ويستحب للصائم السُحور لما روى أنسٌ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (تسحروا فإن في السُحور بركة) متفقٌ عليه ويستحب تأخير السُحور وتعجيل الإفطار لما روى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا تزال أمتي بخير ما أخروا السُحور وعجلوا الفطور) من المسند.
الشيخ: في إسناده ابن لهيعة يكتب حديثه وعلى كل حال هو مختلط فمن روى عنه قبل الاختلاط فحديثه حسن وإلى الصحة أقرب ومن روى بعد الاختلاط فحديثه فيه نظر ولكن هناك حديث سهل بن سعد في الصحيحين (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) ولكن المؤلف جاء بهذا لأنه جمع بين الفطر والسُحور على كل حال في هذا دليل على رأفة الله تعالى بالخلق ورحمته إياهم وتيسيره عليهم ألا يتعجل الإنسان بالسُحور بل يؤخره حتى يعلم أنه يدركه قبل أن يطلع الفجر لا بزمنٍ كثير ولكن على التحري والفطور أيضاً ينبغي أن يعجل من حين أن تغرب الشمس ويغيب قرنها الأعلى تفطر حتى ولو كنت ترى شعاعها أو ترى النور جيداً أفطر فإن هذا أفضل قال الله تعالى في الحديث القدسي (أحب عبادي إليّ أعجلهم فطرا) وهذه من الرحمة وبهذا نعرف خطأ أولئك الموسوسين الذين يقولون أمسك قبل طلوع الفجر بخمس دقائق وفعلاً يوقتون أذانهم على هذا أي على وقتٍ قبل أن يطلع الفجر بخمس دقائق وهذا غلط عظيم غلطٌ من وجهين من جهة الصيام ومن جهة الصلاة أما من جهة الصيام فلأنهم يحرمون عباد الله ما أحل الله لهم لأن الله أحل لنا أن نأكل ونشرب حتى يتبين الفجر والنبي صلى الله عليه وسلم قال (كلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتومٍ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) ثانياً من جهة الصلاة ربما يكون بعض الناس حينذاك قد تطهر وتهيأ للصلاة ومن حين أن يؤذن يقوم ويؤدي الفريضة أو يؤدي الراتبة ثم الفريضة وهذا خطر عظيم لأنه لو كبر للإحرام قبل الوقت بدقيقةٍ واحدة فصلاته نافلة لا تجزيء عن الفريضة وهذا خطر ومادام الله عز وجل يسر لنا (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ) والرسول قال (حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) يقال له أصبحت أصبحت ثم يذهب يؤذن
المسألة فيها سعة والحمد لله ولكن بعض الناس يضيق ما وسع الله فيضيق على نفسه وعلى عباد الله وحدثني رجلٌ ثقة عن مؤذنٍ أعمى لا يؤذن ولو أذن الناس يقول لأنه إذا طلع الفجر شممت ريحة ويقول إنه جُرب ولوحظ أنه إذا أذن رأوا الفجر، وهذا أيضاً ثبت طباً من جهة الفلك أن نور الفجر سبحان الله العظيم يرسل أشياء مثل الغازات وأشياء خفية مايدركها إلا مثل ذاك الرجل الذي شمه قوي واستحب بعض الأطباء أنك عند طلوع الفجر تفتح النوافذ حتى يدخل إليها ذلك الذي يأتي مع الشمس والفجر ولله في خلقه شؤون.
السائل: لماذا لا يكون مؤذن البلد واحداً مثلاً كما في بعض البلدان يجعلون مؤذناً واحداً يؤذن في مكان ثم ينقل إلى سائر المساجد عن طريق مكبرات الصوت؟
الشيخ: هذا بارك الله فيك من قبل كان الناس يعتمدون على أذان الجامع قبل اليوم والبلد ما اتسعت لا يؤذنون حتى يؤذن الجامع ولا يؤذنون للمغرب حتى يؤذن أيضاً وأنا أدركت وغيري أدرك منكم كان المدفع بالأول للغروب عند الصرحية على الصنقر يسمونها الصنقر وكان الريس رحمه الله إذا غابت الشمس وهو في المنارة قبل أن يأتي الكهرب يشير لهم بخرقة حمراء فيطلق المدفع وبعد أن جاء الكهرب صار فيه لمبة حمراء إذا غابت الشمس ولعها ثم أطلق المدفع كانت المسألة ممكنة والآن ما يمكن - اللهم إلا إن وضعنا هنا محطة إذاعة في كل بلد فإذا دخل الوقت يؤذن والروادي مفتوحة في كل الجهات يمكن.
القارئ: ويستحب أن يفطر على رطب فإن لم يجد فعلى تمرات فإن لم يجد فعلى الماء لما روى أنسٌ قال (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم يكن فعلى تمرات فإن لم يكن حسا حسواتٍ من ماء) وهذا حديثٌ حسن.
الشيخ: يفعل هذا عليه الصلاة والسلام تحقيقاً للفطر وإلا فقد يكون الإنسان لا يشتهي أن يأكل تمراً أو أن يشرب ماءً ولكن تحقيقاً للفطر ينبغي أن يفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وليبادر بذلك وهل يقدم الطعام سوى التمر على الشراب؟ الجواب لا لأن بإمكان الرسول عليه الصلاة والسلام أن يأخذ خبزاً إن كان عنده وعلى هذا فلو كان عند الإنسان طعاماً وليس عنده تمر قلنا أفطر على ماء وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث (فإن لم يكن فليفطر على ماءٍ فإنه طهور) وإذا لم يجد شيئاً كمسافر غابت عليه الشمس وهو صائم وليس معه شئ فعند العامة يمص أصبعه ويفطر واختار بعض العامة أن يبل غترته بريقه ثم يفصلها ثم يمصها ويكون هذا أفطر على ريقه وكل هذا لا أصل له فنقول إذا لم تجد شيئاً تأكله أو تشربه فانوِ بقلبك أنك أفطرت.
القارئ: ولا بأس بالسواك لأن عامر بن ربيعة قال (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم) وهذا حديثٌ حسن.
الشيخ: نعم ذكره البخاري تعليقاً وقول المؤلف لا بأس بالسواك الظاهر أنه أراد بذلك دفع من يقول إنه مكروه وإلا فالأصل أن السواك سنة لاشك فيه لكن هل يسن في أول النهار وآخره؟ الصحيح أنه يسن في أول النهار وآخره للصائم لعموم الأحاديث الواردة في فضل السواك مثل قوله صلى الله عليه وسلم (السواك مطهرةٌ للفم مرضاةٌ للرب) ومثل قوله (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) و (مع كل وضوء) وهذه أدلة عامة لم يستثن منها شئ مع كثرة الصيام من الرسول عليه الصلاة والسلام ومن المسلمين في عهده وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يسن للصائم بعد الزوال أن يتسوك لأنه يذهب رائحة خلوف فم الصائم لأن فم الصائم في آخر النهار تكون رائحته كريهة لما يخرج من البخار من المعدة الخالية من الطعام والشراب قالوا فيكره أن يتسوك لأنه يزيل بذلك أثر عبادةٍ تعبد لله بها فهو كغسل دم الشهيد إذا قتل فإن الشهيد إذا قتل يدفن في ثيابه ودمه ولا يغسل لأن دمه يبقى فيه يخرج يوم القيامة وجرحه يثعب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك فيقال في هذا أولاً لا قياس في العبادات وثانياً هذا القياس مخالف لظاهر النصوص فلا يعول عليه وثالثاً من قال إن الإنسان يسن له إذا حصل أثر من العبادة أن يبقي هذا الأثر ولو كان مستكرهاً في النفوس من قال هذا؟ ولو كان كذلك لقلنا للحاج الأشعث الأغبر إذا حللت من إحرامك فلا تزل هذا الشعث والغبر لأنه أثر عبادة ولم يقل به أحدٌ من أهل العلم فالصواب أن السواك باقٍ على سنيته للصائم أول النهار وآخر النهار ولكن إذا كان للسواك طعم فإن الصائم لا يبتلعه لأنه إذا ابتلعه فقد أدخل جوفه شيئاً طارئاً عليه فيكون بذلك مفطراً أما إذا كان لا طعم له فلا بأس أن يبتلع ريقه ولو كان السواك في فمه ولا يضر.
القارئ: وهل يكره بالعود الرطْب على روايتين إحداهما لا يكره لأنه يروى عن عمر وعليٍ وابن عمر والأخرى يكره لأنه لا يؤمن من أن يتحلل منه أجزاءٌ تفطره.
الشيخ: الصحيح أنه لا فرق بين الرطب واليابس لكن الرطب إذا كان له طعمٌ فإنه لا يبتلع طعمه.
فصلٌ
القارئ: وتكره القبلة لمن تحرك شهوته لأنه لا يأمن إفضاءها إلى فساد صومه
الشيخ: عندي بالمخطوطة (من إفضائها) نسخة.
القارئ: ومن لا تحرك شهوته فيه روايتان إحداهما يكره لأنه لا يأمن حدوث شهوة.
الشيخ: أنا عندي في المخطوطة بالتاء (تكره) يعني القبلة وهي أصح إذ أن الضمير إذا عاد إلى مؤنث ولو كان مجازياً وجب تأنيث الفعل معه.
القارئ: والأخرى لا تكره (لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم) متفق عليه لما كان أملك لإربه وقد روي عن أبي هريرة أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له فأتاه آخر فسأله فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب رواه أبو داود.
الشيخ: هذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه فمنهم من قال إنه ضعيف ومنهم من قال إنه حسن أما أن يصل لدرجة الصحة ففيه نظر والثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يقبل وهو صائم وسئل عن ذلك وكانت عنده أم سلمة فقال للسائل سل هذه فأخبرته (أن النبي صلى الله عليه كان يباشر وهو صائم ويقبل وهو صائم فقال يا رسول الله إنك قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك فقال والله إني لأعلمكم بالله وأخشاكم له) وهذه إحالة على فعل الرسول عليه الصلاة والسلام تدل على أن لنا به أسوة والصواب أن القبلة جائزة حتى لمن تحرك شهوته ولا دليل على المنع والأصل الحل إلا من عرف من نفسه سرعة الإنزال فإنه لا يقبل خوفاً من فساد صومه وقياساً على قول الرسول صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فالصواب أنها جائزة ولا بأس بها والأصل الحل ولم يحرم الله علينا إلا الجماع (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) والمباشرة كلها في القرآن هي الجماع (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) إلى أن قال (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فإن خاف الإمذاء فقط؟ إن قلنا بأنه يفطر بالإمذاء حرمت القبلة وإن قلنا لا يفطر به وهو الصحيح لم تحرم لأنها ستؤدي إلى فعلٍ جائز.
السائل: بعضهم إذا دعي لصلاة المغرب في الجماعة قبل أن يفطر احتج بتعجيل الفطر وبأنه لا صلاة مع حضرة الطعام؟
الشيخ: نقول صدقت جائز ما فيه شيء إذا كان مشتاقاً له كان ابن عمر يأكل ويتعشى ويسمع صوت الإمام ولو فاتت صلاة الجماعة معذور لكن يمكن هذا يكون نادراً من الناس.
السائل: لو أكل الصائم في النهار علكاً؟
الشيخ: هذا أولاً نحن ننهى عنه لا لأنه حرام فالعلك للصائم لا يفطر ما لم يكن له طعمٌ يجري بريقه لكننا لا نحبذ هذا أولاً لإساءة الظن به فمن يدري أن الذي في فمه علك أو تمرة مثلاً؟ وثانياً لئلا يقتدي به من لا يعرف الحكم فيظن أن الأكل للصائم لا بأس به أما إنسان في بيته مثلاً وأكل لباناً لأجل أن يخفف بطنه فهذا لا بأس به.
السائل: الحجر هل يجوزوضعه للصائم في الفم؟
الشيخ: لا هذا ربما إذا أدخل الحجر في فمه وله طعم ثم جمع الريق عليه ابتلع ريقه وفيه طعم أما إذا لم يكن فيه طعم إطلاقاً فلا بأس لكنني أظن أن الإنسان يمكن أن يجمع ريقه بدون أن يضع في فمه حجراً.
السائل: بارك الله فيكم على القول بالتفريق كما في حديث أبي داود بين الشيخ والشاب يحتمل أن هذا الشاب عرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقرب إلى الإمناء؟
الشيخ: لوصح الحديث لقلنا إنه ينزل على هذا بمعنى أن الشاب قريب أن يحصل منه الإنزال إذا قبل زوجته ويكون فيه فائدة عظيمة لوصح وهو اختلاف الفتوى بحسب حال المستفتي وهذه مسألة مهمة جداً ولها أمثلة كثيرة ذكر ابن القيم جملة منها في إعلام الموقعين أن الفتوى تختلف بحسب اختلاف الأحوال والأزمان.
القارئ: والحكم في اللمس وتكرار النظر كالحكم في القبلة لأنهما في معناها ويكره أن يذوق الطعام فإن فعل فلم يصل إلى حلقه شئ لم يضره وإن وصل شئٌ فطره.
الشيخ: قوله يكره ذوق الطعام لم يستثنِ المؤلف شيئاً لكن ينبغي أن يستثنى منه ما إذا ذاقه لحاجة كامرأةٍ في المطبخ تريد أن تذوق الطعام ما مدى كثرة الملح أو ما أشبه هذا فإذا كان لحاجة فلا بأس أما إذا كان يعبث أومن أجل أن يتلذذ بطعم الطعام في فمه فهذا يكره.
القارئ: ويكره مضغ العلك القوي الذي لا يتحلل منه شئ فأما ما يتحلل منه أجزاءٌ يجد طعمها في حلقه فلا يحل مضغه إلا أن لا يبلع ريقه فإن بلعه فوجد طعمه في حلقه فطرَّه، وإن وجد طعم ما لا يتحلل منه شئٌ في حلقه ففيه وجهان أحدهما يفطره كالكحل والثاني لا يفطره لأن مجرد الطعم لا يفطر كمن لطخ باطن قدميه بالحنظل فوجد مرارته في حلقه لم يفطره.
الشيخ: يقولون إنه إن لطخ الإنسان باطن قدمه به أحس بطعمه في حلقه لأنه قوي المرارة ثم إن بعض الناس يستعمله من أجل تليين الطبيعة إذا كان فيه يبوسة في الخارج منه فإن هذا يلين الطبيعة بمنزلة المسهل وهذا حسب التجربة وهذه المسألة التي ذكرها المؤلف تدلنا على أن القول الصحيح في مسألة الكحل أوالتقطير في الإذن إذا وصل الحلق فإنه لا يفطر لأن العلة واحدة هم يعللون مسألة الحنظل إذا لطخ به باطن القدم يقولون لا يفطر لأن القدم ليس منفذاً معتاداً فيقال وكذلك العين والأذن، ليست منفذاً معتاداً ولا أحد يحاول أن يوصل الطعام إلى المعدة من طريق العين أو الأذن.
القارئ: ويكره الغوص في الماء لئلا يدخل مسامعه فإن دخل فهو كالداخل من المبالغة في الاستنشاق لأنه حصل بفعل مكروه فأما الغسل فلا بأس به لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً ثم يغتسل.
الشيخ: الغوص في الماء معناه أن يكون الإنسان عنده بركة أو بحر أو نهر فيسبح فيه ويغوص يقول المؤلف إنه يكره والكراهة حكم شرعي تحتاج إلى دليل شرعي أو تعليل صحيح تشهد له النصوص بالصحة وإذا رجعنا إلى هذه المسألة لم نجد دليلاً وإذا نظرنا إلى التعليل وجدنا أنه عليل لأنه يقول لأنه يدخل مسامعه أين المسامع؟ لعله يريد مسامه هي عندي مسامعه أيضاً لكن المسامع كما تعلمون لا تجمع لأن الإنسان ليس عنده إلا مسمعان الأذن اليمنى والأذن اليسرى والمسام قد تكون أقرب يعني مسام البدن لكن لنجعلها مسامعه فيقال إذا دخل إلى مسامعه هل يصل إلى حلقه؟ لا وقياسه على الاستنشاق قياسٌ ضعيف لأن الاستنشاق من قبل الأنف منفذٌ عادي قريب بخلاف ما يدخل في الأذن فالصواب إذاً أنه لا يكره للصائم أن يغوص في الماء لكن يخشى في غوصه من أن يدخل الماء إلى أنفه فيقال وإذا دخل إلى أنفه وهو لم يقصد فلا حرج عليه.
فصلٌ القارئ: ويكره الوصال وهو أن يصوم يومين لا يفطر بينهما لما روى أنسٌ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تواصلوا قالوا إنك تواصل قال إني لست كأحدكم إني أطعم وأسقى) متفقٌ عليه فإن أخر فطره إلى السحر جاز لما روى أبو سعيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر) أخرجه البخاري.
الشيخ: عندي بالمخطوطة (إلى السحر) وعلى كل حال المعنى واحد لأن (حتى السحر) بمعنى (إلى السحر) قال تعالى (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) أي إلى مطلع الفجر والوصال كما قال المؤلف رحمه الله أن يصوم يومين لا يفطر بينهما وهو مكروه ما لم يتضرر به الإنسان فإن تضرر كان حراماً لأن الله تعالى قال (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) وقد استدل عمرو بن العاص رضي الله عنه بهذه الآية على جواز التيمم خوفاً من أذى البرد فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في سرية فأجنب فتيمم في ليلةٍ باردة فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال (أصليت بأصحابك وأنت جنب) قال يا رسول الله ذكرت قول الله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) فتيممت فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه أو أنيابه فأقره على استدلاله مع أنه لن يموت في الغالب من البرد لكن يتضرر به فدل هذا على أن كل ما فيه ضرر على البدن فهو حرام فالوصال مكروه ما لم يكن فيه ضرر فإن كان فيه ضرر كان حراماً ثم ذكر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه (نهى عن الوصال) ولكن الصحابة ظنوا أن نهيه إياهم رأفةً بهم لا اختياراً للأفضل فواصلوا فتركهم النبي عليه الصلاة والسلام يواصلون حتى رؤي الهلال فقال (لو تأخر الهلال لزدتكم) كالمنكل لهم يعني جعل تركهم يواصلون حتى يعلموا أن الوصال لا خير فيه فمثلاً لو كان الوصال من أول الشهر وتأخر عشرين يوماً فإنهم ينكلون عن هذا ولن يعودوا إلى الوصال ولما نهاهم عن الوصال أوردوا عليه إشكالاً قالوا إنك تواصل يعني فنحن لا نعصيك أسوة وليس يريدوا أن يقولوا لم تنه عما تفعل؟ أبداً ما أرادوا هذا إطلاقاً يعني لو أرادوا هذا كان فيه توبيخٌ للرسول صلى الله عليه وسلم وهم لم يريدوه بل أرادوا أنهم يواصلون أسوةٌ بالرسول صلى الله عليه وسلم فقال لهم (إني لست كأحدٍ منكم إني أطعم وأسقى) وهنا يقع الإشكال كيف يطعم ويسقى؟ لأنه إذا كان يطعم ويسقى فلا وصال إذ أن الوصال أن لا يأكل الإنسان ولا يشرب ولا يأتي مفطراً بين اليومين فأكثر فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يطعم ويسقى فإنه لم يواصل في الحقيقة؟ أجاب بعضهم عن هذا بأنه يطعم ويسقى من طعام وشراب الجنة وطعام وشراب الجنة لا يقاس بطعام وشراب الدنيا وهذا أيضاً فيه نظر لأن طعام وشراب الجنة إن كان يغذي فهو بمعنى طعام وشراب الدنيا وإن كان لا يغذي فإنه لا يغني شيئاً في الوصال فبطل هذا الجواب وأحسن ما قيل فيه إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لشدة اتصال قلبه بربه ينسى الحاجة إلى الطعام والشراب ومثل هذا اليقين الذي يحصل للرسول عليه الصلاة والسلام لا يحصل لأحدٍ من الخلق ولهذا قال (لست كأحدٍ منكم) فإن قال قائل تلهي الإنسان أو انشغاله بمحبوبه يؤدي إلى نسيان نفسه من الطعام والشراب؟ قلنا نعم وقد قال الشاعر لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد
يعني أنها إذا اشتغلت بأحاديثك نسيت الطعام والشراب وهذا شئٌ مجرب حتى الإنسان مثلاً إذا جلس إلى صديقه الذي هو صديقه حقيقة فإنه يبقى ساعات لا يدري أنه فاتت كل هذه الساعات تروح الساعة كأنها دقيقة واليوم كأنه ساعة ولا يهمه وهذا الجواب هو الجواب الذي لا يرد عليه شئ وخلاصة الأمر أن الوصال مكروهٌ ما لم يتضرر به الإنسان فإن تضرر به الإنسان فإنه محرم ثانياً أن الأصل هو التأسي بالرسول عليه الصلاة والسلام ما لم يدل الدليل على اختصاصه بالحكم بدليل أنه قال (لست كهيأتكم) حتى تتأسوا بي فهم أيضاً من كلام المؤلف الذي استدل له بالحديث الصحيح أن من أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر كأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال إن كان ولا بد فإلى السحر لا بد أن تتسحروا ولكن إذا سألنا سائل أيهما أفضل أن أواصل إلى السحر أو أن أعجل بالفطر؟ الثاني أفضل وهذا مما يؤيد ماكنا قلناه ونقوله إن الشيء قد يُقرُّ وهو عبادة لكن لا يشرع فهنا الوصال أقره الرسول صلى الله عليه وسلم إلى متى؟ إلى السحر لكن لم يشرعه بل قال (إنه لا يزال الناس بخيرٍ ما عجلوا الفطر)
باب صوم التطوع
القارئ: وهو مستحب لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به الصيام جُنة والذي نفس محمدٍ بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه) متفقٌ عليه