كتاب السلم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
- عدد الأجزاء
- 5 [الكتاب مرقم آليا]
القارئ: إذا أقر الراهن أن العبد كان جنى قبل رهنه فكذبه المرتهن وولي الجناية لم يسمع قوله وإن صدقه ولي الجناية وحده قُبِلَ إقراره على نفسه دون المرتهن فيلزمه أرش الجناية لأنه حال بين المجني عليه وبين رقبة الجاني بفعله فأشبه ما لو قتله فإن كان معسراً فمتى أنفك الرهن كان المجني عليه أحق برقبته وعلى المرتهن اليمين أنه لا يعلم ذلك فإن نكل قضي عليه وفيه وجه آخر أنه يقبل إقرار الراهن لأنه غير متهم لأنه يقر بما يخرج الرهن من ملكه وعليه اليمين لأنه
يبطل بإقراره حق المرتهن فيه وإن أقر أنه كان أعتقه عتق لأنه يملك عتقه فملك الإقرار به فيخرج العبد من الرهن ويؤخذ من الراهن قيمته تجعل مكانه ولا يقبل قوله في تقديم عتقه لأنه يسقط به حق المرتهن من عوضه.
فصل القارئ: وإن أقر رجل بالجناية على الرهن فكذبه الراهن والمرتهن فلا شيء لهما وإن صدقه الراهن وحده فله الأرش ولا حق للمرتهن فيه لإقراره بذلك وإن صدقه المرتهن وحده أخذ الأرش فجعل رهناً عنده فإذا خرج من الرهن رجع إلى الجاني ولا حق للراهن فيه والله وسبحانه وتعالى أعلم.
باب الشروط في الرهن
الشيخ: الشروط في الرهن تخالف شروط الرهن تخالفها من وجهين الأول الشروط في الرهن من وضع المتعاقدين وشروط الرهن من وضع الشرع ثانياً شروط الرهن شروطٌ لصحته والشروط في الرهن شروطٌ للزومه لأن من فات غرضه بفوات الشرط فله الخيار وهذه في جميع العقود.
القارئ: يصح شرط جعل الرهن في يد عدل فيقوم قبضه مقام قبض المرتهن لأنه قبض في عقد فجاز التوكيل فيه كقبض الموهوب ومادام العدل حاله فليس لأحدهما ولا للحاكم نقله عن يده لأنهما رضياه ابتداء وإن اتفقا على نقله جاز لأن الحق لهما لا يعدوهما وإن تغيرت حاله بفسق أو ضعف عن الحفظ أو عداوة لهما أو لأحدهما فمن طلب نقله منهما فله ذلك لأنه متهم في حقه ففي بقائه في يده ضرر ثم إن اتفقا على من يضعانه عنده جاز وإن اختلفا وضعه الحاكم في يد عدل وإن اختلفا في تغير حاله بحث الحاكم وعمل بما يظهر له وإن مات العدل لم يكن لوارثه إمساكه إلا بتراضيهما لأنهما ما ائتمناه وإن رده العدل عليهما لزمهما قبوله لأنه متطوع بحفظه فلم يلزمه المقام عليه فإن أمتنع أجبرهما الحاكم فإن تغيبا أو كانا غائبين نصب الحاكم أميناً يقبضه لهما لأن للحاكم ولاية على الغائب الممتنع من الحق وإن دفعه الحاكم إلى أمين من غير امتناعهما ولا غيبتهما ضمن الحاكم والأمين معاً لأنه لا ولاية له على غير الممتنع
والغائب فإن امتنعا أو غابا فلم يجد حاكماً فتركه عند عدل آخر لم يضمن لأنه حال حاجة وإن أودعه مع قدرته على الحاكم ضمن لأنه يقوم مقامهما.
الشيخ: قوله رحمه الله (وإن دفعه الحاكم إلى أمين من غير امتناعهما ولا غيبتهما ضمن الحاكم والأمين معاً) نقول أما ضمان الحاكم فواضح لأنه تصرف تصرفاً لا يملكه لكن الأمين كيف نضمنه والأمين إنسان يغلب على ظنه أن تصرف الحاكم صحيح فكيف نضمنه فهذا حاكم معروف بالعدالة أعطى أمينه هذا الرهن ثم نقول إذا تلف ضمن الحاكم والأمين هذا فيه نظر! نعم لو علم الأمين أن الحاكم تصرف تصرفاً لا يملكه حينئذ نقول يظهر أنه يشارك الحاكم الضمان أما إذا كان لا يعلم فالضمان على الحاكم فقط ويؤيده قولهم في باب الجنايات إن أمر به الحاكم أي بالقتل ظلماً من لا يعرف ظلمه فيه فالضمان على الحاكم.
القارئ: وكذلك لو أودعه من غير امتناعهما ولا غيبتهما ضمن هو والقابض معاً وإن امتنع أحدهما ولم يجد حاكماً لم يكن له دفعه إلى الآخر فإن فعل ضمن لأنه يمسكه لنفسه والعدل يمسكه لهما فإن رده إلى يده زال الضمان.
الشيخ: كل هذا مبني على أن قبض الرهن شرط للزوم أما على القول الذي رجحنا سابقاً أنه يجوز أن يكون الرهن عند الراهن ويبقى لازماً فكل هذه التفريعات تنتهي ويقال إن الحاكم يجعله عند المرتهن أو عند الراهن ولا حرج بل للاثنين جميعاً أن يتفقا على جعله إما عند المرتهن أو عند الراهن وإذا كان هناك عرف مطرد كما هو موجود عندنا الآن بأن الرهن يكون في يد الراهن اتبع العرف لأن الإنسان الآن يرهن سيارته وهو يعمل عليها يعمل ويرهن بيته وهو ساكنه وهذا الذي عليه العمل وهو الصواب.
فصل القارئ: وإن شرط جعله في يد اثنين صح الشرط ولم يكن لأحدهما الانفراد بحفظه لأن المتراهنين لم يرضيا إلا بحفظهما معا فلم يجز لأحدهما الانفراد به كالوصيين فإن سلمه أحدهما إلى صحابه ضمن نصفه لأنه القدر الذي تعدى فيه فإن مات أحدهما أو تغير حاله أقيم مُقَامُهُ عدل.
فصل القارئ: وكل من جاز توكيله جاز جعل الرهن على يديه مسلماً كان أو كافراً عدلاً أو فاسقا ذكراً أو أنثى لأنه جاز توكيله في غير الرهن فجاز فيه كالعدل ولا يجوز أن يكون صبياً أو
مجنوناً لأنه غير جائز التصرف فإن فعلا كان قبضه له وعدمه واحداً وإن كان عبداً فله حفظه بإذن سيده ولا يجوز بغير إذنه لأن منافعه لسيده فلا يجوز تضييعها في الحفظ من غير إذنه وإن كان مكاتباً وكان بغير جعل لم يجز لأنه ليس له التبرع وإن كان بجعل جائز لأنه له الكسب بغير إذن سيده فإن لم يشرط جعله في يد أحد فهو في يد المرتهن لأنه المستوجب للعقد فكان القبض له كالمتهب فإن قبضه ثم تغيرت حاله في الثقة أو الحفظ أو حدث بينهما عداوة فللراهن دفعه إلى الحاكم ليزيل يده ويجعل في يد عدل لأنه لم يرض بحفظه في هذه الحال وإن اختلفا في تغير حاله بحث الحاكم وعمل بما بان له وإن مات المرتهن نقل عن الوارث إلى عدل لأن الراهن لم يرض بحفظه.
فصل
القارئ: إذا شرط أن يبيعه المرتهن أو العدل عند حلول الحق صح شرطه لأن ما صح توكيل غيرهما فيه صح توكيلهما فيه كبيع عين أخرى فإن عزلهما الراهن صح عزله لأن الوكالة عقد جائز فلم يلزم المقام عليها كما لو وكل غيرهما أو وكلهما في بيع غيره ولو مات المرتهن لم يكن لوارثه البيع لأنه لم يؤذن له ويتخرج أنه لا يملك عزلهما لأنه يفتح باب الحيلة فإن عزل المرتهن العدل عن البيع لم يملكه إلا في الحال الذي يملكه الراهن لأنه وكيله خاصة وإن أذنا في بيع الرهن فتلف بجناية وجعلت قيمته مكانه فقال القاضي قياس المذهب أن له بيعها لأنه يجوز له بيع نمائه تبعا فيبع قيمته أولى والصحيح أنه لا يملك بيعها لأنه لم يؤذن له فيه ولا هي تبعاً لما أذن فيه بخلاف النماء.
الشيخ: لكن إذا جعلت قيمته مكانه فالقياس أن له أن يبيعه لأنه لما أتلف العبد مثلاً أو الشاة أو البعير وضمنت بالقيمة صارت القيمة تحل محل الأصل.
السائل: ما الفرق بين قولنا (المُوجِب) وقولنا (المُوجَب)؟
الشيخ: المُوجِب ما أَوجَبَ الشيء والمُوجَب ما أَوجَبَه غيره فالدليل مُوجِب والحكم مُوجَب مثل قولنا المُقتضِي والمُقتضَى.
السائل: حكم بتضمين الأمين؟
الشيخ: كما قلنا سابقاً تضمين الأمين إن علم فلا بأس أن يُضَمَّن لكن إذا لم يعلم فالأصل أن تصرف الحاكم تصرف جائز.
فصل
القارئ: وإن إذنا له في البيع بنقد لم يكن له خلافهما لأنه وكيلهما وإن أطلقا أو اختلفا باع بنقد البلد لأن الحظ فيه فإن كان فيه نقود باع بأغلبها فإن تساوت باع بما يرى الحظ فيه لأن الغرض تحصيل الحظ.
الشيخ: الذي ينبغي إذا اختلفت النقود أن يبيع بجنس الدين لأنه أخصر وأسلم من الخسارة فمثلاً إذا كان الدين فضة فإنه لا يبيع بذهب وفي الأوراق النقدية إذا كان الدين بالدراهم السعودية فإنه لا يبيع بالدولار وإذا كان بالدولار فإنه لا يبيع بالدراهم السعودي والمهم أنه إذا كان هناك نقود متعددة فإنه يبيع بجنس الدين، وقوله رحمه الله (إن أذنا له) الضمير في (له) يعود على العدل الذي بيده الرهن والفاعل في (أذنا) يعود على الراهن والمرتهن.
القارئ: فإن تساوت باع بجنس الدين لأنه يمكن القضاء منه فإن لم يكن فيها جنس الدين عين له الحاكم ما يبيع به وحكمه حكم الوكيل في وجوب الاحتياط في الثمن على ما سنذكره فإذا باع وقبض الثمن فتلف في يده من غير تعد فلا ضمان عليه لأنه أمين.
الشيخ: قوله (من غير تعد) يجب أن يضيف فيقول ولا تفريط والفرق بين التعدي والتفريط أن التعدي فعل مالا يجوز والتفريط ترك ما يجب إلا أن يقال يمكن أن يحمل كلام المؤلف رحمه الله بقوله (من غير تعد) أي من غير عدوان فيشمل التفريط والتعدي لكن على كل حال المعنى أي من غير تعدٍ ولا تفريطٍ.
القارئ: وهو من ضمان الراهن لأنه ملكه فإن أنكر الراهن تلفه فالقول قول العدل مع يمينه لأنه أمين فهو كالمودع فإن قال ما قبضته من المشتري فالقول قول العدل لذلك ويحتمل أن لا يقبل قوله لأن هذا إبراء للمشتري وإن خرج الرهن مستحقا فالعهدة على الراهن دون العدل لأنه وكيل.
الشيخ: الاحتمال الذي قاله المؤلف ضعيف والصواب أنه يقبل قوله وكونه يستلزم إبراء المشتري يقال هذا مقتضى الأمانة.
القارئ: وإن استحق بعد تلف الثمن في يد العدل رجع المشتري على الراهن دون العدل لأنه قبض منه على أنه أمين في قبضه وتسلميه إلى المرتهن وإن كان الثمن باقياً في يد العدل أو المرتهن رجع المشتري فيه لأنه عين ماله قبض بغير حق وإن وجد المشتري بالمبيع عيباً فرده بعد قبض المرتهن ثمنه لم يرجع عليه لأنه قبضه بحق ولا علىلعدل لأنه أمين ويرجع على الراهن إلا أن يكون العدل لم يُعلِم المشتري أنه وكيل فيكون رجوعه عليه ثم يرجع هو على الراهن فإن
تلف المبيع في يد المشتري ثم بان مستحقا فلمالكه تضمين من شاء من الراهن والعدل والمرتهن لأن كل واحد منهم قبض ماله بغير حق ويستقر الضمان على المشتري لأن التلف حصل في يده ويرجع على الراهن بالثمن الذي أخذ منه وإذا باع العدل الرهن بيعاً فاسداً وجب رده فإن تعذر رده فللمرتهن تضمين من شاء من العدل والمشتري أقل الأمرين من قيمة الرهن أو قدر الدين لأنه يقبض ذلك مستوفياً لحقه لا رهنا فلم يكن له أكثر من دينه وما بقي للراهن يرجع به على من شاء منهما وإن وفى الراهن المرتهن رجع بقيمته على من شاء منهما ويستقر الضمان على المشتري لحصول التلف في يده.
فصل القارئ: وإذا ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره ففيه وجهان أحدهما القول قول العدل لأنه أمين فإذا حلف برئ ويرجع المرتهن على الراهن والثاني القول قول المرتهن لأنه منكر والعدل إنما هو أمينه في الحفظ لا في دفع الثمن إليه فإذا حلف رجع على من شاء منهما فإذا رجع على العدل لم يرجع العدل على الراهن لأنه يقر ببراءة ذمته منه ويدعي أن المرتهن ظلمه وغصبه وإن رجع على الراهن رجع الراهن على العدل لتفريقه في القضاء بغير بينة إلا أن يكون قضاؤه بحضرة الراهن أو ببينة فماتت أو غابت فلا يرجع عليه لعدم تفريطه.
الشيخ: الصحيح أنه إذا فرط رجع عليه كما هو المذهب لكن إذا كان الشيء يسيراً لم تجر العادة بالإشهاد عليه فإنه لا يعد مفرطاً لأنه ليس من الممكن إذا أوفى مائة ريال لرجل ذي شرف وسيادة أن يشهد عليه وحينئذ لا يعد مفرطاً.
القارئ: وعنه لا يرجع على العدل بحال لأنه أمين ولو غصب المرتهن الرهن من العدل ثم رده إليه زال الضمان لأنه رده إلى وكيل الراهن في إمساكه فأشبه ما لو أذن له في دفعه إليه ولو كان الرهن في يده فتعدى فيه ثم زال التعدي لم يزل الضمان لأن استئمانه زال بذلك فلم يعد بفعله.
الشيخ: هذه قاعدة في كل شيء حتى في المُودَع لو أنه أخرج الوديعة من حرزها ثم ردها إلى الحرز لم يكن أميناً لأنه تعدى في الأول وكل أمين تعدى فإن ائتمانه يزول وتكون يده يد غاصب.
فصل
القارئ: وإذا رهن أمةً رجلاً وشرط جعلها في يد امرأة أو ذي رحم لها أو ذي زوجة أو أمة جاز لأنه لا يفضي إلى الخلوة بها وإن لم يكن كذلك فسد الرهن لإفضائه إلى خلوة الأجنبي بها.
الشيخ: بهذا نعرف خطورة ما يفعله بعض الناس اليوم في الخدم تجده يأتي بالخادم عنده في البيت وتكون امرأته موظفة في تدريس أو غيره ثم يخلو معها في البيت وهذا خطر فهو في الحقيقة نار وضع فيها ملح لابد أن يكون هناك شر فالواجب الحذر من هذا والتحذير منه أيضاً.
القارئ: ولو اقترض ذمي من مسلم مالاً ثم رهنه خمراً لم يصح لأنها ليست مالا وإن باعها الذمي أو وكيله وأتاه بثمنها فله أخذه فإن امتنع لزمه وقيل له إما أن تقبض أو أن تبرئ لأن أهل الذمة إذا تقابضوا في العقود الفاسدة جرى مجرى الصحيح.
الشيخ: هذا صحيح ومن ذلك مسائل الخلاف بين العلماء فمثلاً إذا قبضها الإنسان معتقداً حلها ثم أعطاها أحداً فهي له حلال.
فصل
القارئ: فإن شرط ما ينافي مقتضى الرهن نحو أن يشترط أن لا يسلمه أو لا يباع عند الحلول أو لا يستوفى الدين من ثمنه أو شرط أن يبيعه بما شاء أو لا يبيعه إلا بما يرضيه فسد الشرط لأن المقصود مع الوفاء به مفقود وإن شرط أنه متى حل الحق ولم توفني فالرهن لي بالدين أو بثمن سماه فسد لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا يغلق الرهن) رواه الأثرم ومعناه استحقاق المرتهن له لعجز الراهن عن فكاكه ولأنه علق البيع على شرط مستقبل فلم يصح كما لو علقه على قدوم زيد.
الشيخ: الصحيح في هذه المسألة جواز ذلك وفعله الإمام رحمه الله حيث رهن نعليه عند رجل وقال له إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالنعلان لك وهذا ليس فيه محظور شرعي وهو من مصلحة الطرفين ومن المعلوم أن الراهن لا يمكن أن يقول إن النعلين لك وهو يرى أنهما أكثر من دينه هذا لا يمكن أن يكون وكذلك أيضاً صاحب الدين الذي له الدين لن يقبل هذا إلا وهو يعلم أن هذا الرهن الذي قيل له إن لم يأتِ بالدين صحابه فهو لك إلا وهو يعلم أنه سيكفيه فالصواب أن ذلك جائز ولا محظور فيه إطلاقاً ثم إن قياسه على البيع المعلق أيضاً هو قياس على شيء متنازع فيه وشرط القياس أن يتفق الطرفان على حكم
الأصل وإلا فلا يصح القياس فالصواب في هذا أيضاً وهو البيع المعلق أنه جائز إذا علق بشيء معلوم مضمون.
القارئ: وإن قال أرهنك على أن تزيدني في الأجل لم يصح لأن الدين الحال لا يتأجل وإذا لم يثبت الأجل فسد الرهن لأنه في مقابلته.
الشيخ: الصحيح جواز هذا فإذا حل دينه وقال الدائن أعطني الدين فقال المدين ما عندي شيء لكن أرهنك وتؤجل الدين مرة ثانية فلا بأس وليس في هذا محظور إطلاقاً بل فيه مصلحة للطرفين المدين يُنَفَّسُ له بزيادة الأجل والدائن يكون له توثقة.
القارئ: وإن شرط أن ينتفع المرتهن بالرهن في دين القرض لم يجز وإن كان بدين مستقر في مقابلة تأخيره عن أجله لم يجز لأنه بيع للأجل وإن كان في بيع فعن أحمد جوازه إذا جعل المنفعة معلومة كخدمة شهر ونحوه فيكون بيعاً وإجارة وإن لم تكن معلومة بطل الشرط للجهالة وبطل البيع لجهالة ثمنه وماعدا هذا فهو إباحة لا يلزم الوفاء به، وإن قال رهنتك ثوبي هذا يوما ويوماً لا أو وقته فالرهن فاسد لأنه ينافي مقتضاه وكل شرط يسقط به دين الرهن يفسده ومالا يؤثر في ضرر إحداهما كاشتراط جعل الأمة في يد أجنبي عزب لا يفسده وفي سائر الشروط الفاسدة وجهان أحدهما يفسد بها الرهن والآخر لا يفسد بناءً على الشروط الفاسدة في البيع ويحتمل أن ما ينقص المرتهن يبطله وجهاً واحداً وفي سائرها وجهان أحدهما يبطل الرهن لأنه شرط فاسد فأبطله كالأول والثاني لا يبطله لأنه زائد فإذا بطل بقي العقد بأحكامه.
الشيخ: الصواب ما بينه الرسول عليه الصلاة والسلام في القاعدة العظيمة (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) وفي كتاب الله أن جميع الشروط جائزة إلا ما دل الدليل على منعه لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وهذا يشمل الوفاء بأصل العقد وبوصفه وهو الشروط ولقوله تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) ولقوله في مدح عباد الله الصالحين (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) فالصواب أن الأصل في الشروط الحل والصحة واللزوم إلا ما دل دليل على منعه وهذه الأمثلة التي ذكرها المؤلف منها ما هو مُسَلَّم ومنها ما هو غير مُسَلَّم وإذا شككنا في الأمر في كل شيء نرجع إلى الأصل.
السائل: الأمين إذا فرط أوتعدى فهل يزول وصفه بالأمانة على الإطلاق أم في هذه الأمانة فقط؟
الشيخ: لا بل في هذه الأمانة فقط فلو فرضنا أن شخصاً أعطاك وديعة صرة من ذهب فحفظتها وصرة من فضة فاستنفقتها فهنا زالت الأمانة في صرة الفضة فقط.
باب خلاف المتراهنين
القارئ: إذا قال رهنتني كذا فأنكر أو اختلفا في قدر الدين أو قدر الرهن فقال رهنتني هذين قال بل هذا وحده أو قال رهنتني هذا بجميع الدين قال بل نصفه أو قال رهنتنيه بالحال قال بل بالمؤجل فالقول قول الراهن لأنه منكر والأصل عدم ما أنكره ولأن القول قوله في أصل العقد فكذلك في صفته.
الشيخ: كلها هذه واضحة المسائل ولا يخفى أن كل مَنْ قلنا القول قوله فلابد من اليمين.
القارئ: فإن قال رهنتني عبدك هذا قال بل ثوبي هذا لم يثبت الرهن في الثوب لرد المرتهن له.
الشيخ: الاختلاف في رد الدين قلنا فيما سبق أنه إذا أدعى أحدهما ما كان بعيداً فلابد من البينة أما مالا يحتمل فهو أصلاً مرفوض لا تسمع الدعوة فيه.
القارئ: فإن قال رهنتني عبدك هذا قال بل ثوبي هذا لم يثبت الرهن في الثوب لرد المرتهن له وحلف الراهن على العبد وخرج بيمينه وإن قال أرسلت وكيلك فرهن عبدك على ألفين قبضها مني فقال ما أذنت له في رهنه إلا بألف سئل الرسول فإن صدق الراهن حلف على أنه ما رهنه إلا بألف ولا قبض غيرها ولا يمين على الراهن لأن الدعوى على غيره وإن صدق المرتهن حلف الراهن وعلى الرسول ألف لأنه أقر بقبضها ويبقى العبد رهناً على ألف واحدة ومن توجهت عليه اليمين فنكل فهو كالمقر سواء.
الشيخ: يقصد أنه يقضى عليه بالنكول كأنه أقر إذ أنه لا يندفع الحق عنه إلا باليمين قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (اليمين على من أنكر).
فصل القارئ: فإن قال رهنتني عبدك هذا بألف فقال بل بعتكه بها أو قال بعتنيه بألف فقال بل رهنتكه بها حلف كل واحد منهما على نفي ما أدعي فسقط ويأخذ السيد عبده وتبقى الألف بغير رهن.
فصل
القارئ: وإن قال الراهن قبضت الرهن بغير إذني فقال بل بإذنك فالقول قول الراهن لأنه منكر وإن قال أذنت لك ثم رجعت قبل القبض فأنكر المرتهن فالقول قوله لأن الأصل عدم الرجوع وإن كان الرهن في يد الراهن فقال المرتهن قبضته ثم غصبتنيه فأنكر الراهن فالقول قوله لأن الأصل معه وإن أقر بتقبيضه ثم قال احلفوه لي أنه قبض بحق ففيه وجهان أحدهما يحلف لأن ما ادعاه محتمل والثاني لا يحلف لأنه مكذب لنفسه وإن رهنه عصيراً ثم وجد خمرا فقال المرتهن إنما اقبضني خمرا فلي فسخ البيع وقال الراهن بل كان عصيرا فقال أحمد رضي الله عنه فالقول قول الراهن لأنه يدعي سلامة العقد وصحة القبض فظاهر حال المسلم استعمال الصحيح فكان القول قول من يدعيه كما لو اختلفا في شرط يفسد المبيع ويحتمل أن القول قول المرتهن بناءً على اختلاف المتبايعين في حدوث العيب.
الشيخ: وهذه قاعدة مفيدة وهي أنهما إذا اختلفا في صحة العقد أو فساده فالقول قول من يدعي الصحة لأن الأصل في عقود المسلمين السلامة لكن اختلفوا فيما إذا أدعى أحد المتعاقدين أنه عقد وهو صغير لم يبلغ فقال بعضهم إن القول قول من يدعي الصِّغَر لأن الأصل عدم البلوغ وقال بعضهم القول قول من يدعي الصحة لأن الأصل السلامة وهذا فيما إذا كان الصغير حين الإدعاء بالغاً أما إذا كان صغيراً فالأمر ظاهر لا يزال صغيراً لكن لو قال أنا بعتك سيارتي وأنا لم أبلغ فقال بل إنك بالغ فمنهم من يقول القول المشتري لأنه يدعي سلامة العقد وصحته وهذا هو الأصل في عقود المسلمين ومنهم من يقول القول قول البائع الذي يدعي الصِّغَر لأن الأصل عدم البلوغ وهنا الاختلاف في شرط سابق أما لو كان الاختلاف في شرط لاحق مثل أن يقول بعتنيه بعد آذن الجمعة الثاني فلا يصح والثاني قال بل قبله فيصح فالقول قول من يدعي أنه قبله لأن الأصل الصحة والسلامة والراجح عندي في مسألة الصغر أنه ينظر إلى القرائن إذا كانت مدة العقد بعيدة ويمكن أن يكون قد باعه قبل أن يبلغ فالقول قول من يدعيه وأما إذا كانت قريبة والاحتمال قوي فالأصل الصحة.
القارئ: ولو كان الرهن حيواناً فمات واختلفا في حياته وقت الرهن أو القبض فحكمه حكم العصير وإن أنكر المرتهن قبضه فالقول قوله لأن الأصل معه وإن وجده معيباً واختلفا في حدوثه ففيه وجهان مبنيان على الروايتين في البيع.
فصل القارئ: إذا كان لرجل على آخر ألف برهن وألف بغير رهن فقضاه ألفا وقال قضيت دين الرهن فقال هي عن الألف الآخر فالقول قول الراهن سواء اختلفا في لفظه أو نيته لأنها تنتقل منه فكان القول قوله في صفة النقل وهو أعلم بنيته ولو دفعها بغير لفظ ولا نية فله صرفها إلى أيهما شاء كما لو دفع زكاة أحد الألفين فإن أبرأه المرتهن من أحدهما فالقول قول المرتهن لذلك وإن أطلق فله صرفها إلى أيهما شاء ذكره أبو بكر.
الشيخ: من أوضح ما يكون طيب هذا الراهن قضاء ألف وكان عليه ألفان أحدهما برهن والثاني بغير رهن فقال الدائن أنت دفعت الألف الذي بغير رهن ليبقى الألف الثاني برهن ويكون الرهن عند المدفوع إليه عند الدائن وقال الدافع وهو الراهن بل قضيت الألف التي فيها الرهن من أجل أن يفك الرهن ويأخذ رهنه فالقول قول الراهن لأنه هو الغارم ولأنه أعلم بنيته وعكس هذه المسألة إذا كما لو كان للمرتهن دينان أحدهما برهن والرهن في يد المرتهن والثاني بلا رهن فأبرأه من أحد الألفين ثم قال المرتهن بعد ذلك أبرئتك من الألف التي ليس فيها رهن ليبقى الألف الباقي برهن وقال الراهن بل ابرئتني من الألف التي فيها الرهن لأجل أن يفك رهنه فالقول قول المرتهن لأنه هو الذي أبرئه فالقول قوله فإذا قال أنا أريد الدين الذي فيه رهن قلنا القول كقولك ويبقى الدين الثاني في مقابل الرهن.
فصل القارئ: وإن كان عليه ألفان لرجلين فأدعى كل واحد منهما أنه رهنه عبده بدينه فأنكرهما حلف لهما وإن صدق أحدهما أو قال هو السابق سلمه إليه وحلف للآخر وإن نكل والعبد في يد أحدهما فعليه للآخر قيمته تجعل رهنا لأنه فوته على الثاني بإقراره للأول أو بتسليمه إليه وقال القاضي هل يرجح صاحب اليد أو المقر له يحتمل وجهين فإن قال لا أعلم المرتهن منهما أو السابق حلف على ذلك والقول قول من هو في يده منهما مع يمينه وإن كان في أيديهما أو يد غيرهما فالحكم في ذلك كالحكم فيما إذا ادعيا ملكه.
فصل القارئ: فإن ادعى على رجلين أنهما رهناه عبدهما بدينه فأنكراه فالقول قولهما وإن شهد كل واحد منهما على الآخر قبلت شهادته لأنه لا يجلب بهذه الشهادة نفعاً ولا يدفع بها ضرراً وإن أقر أحدهما وحده لزم في نصيبه وتسمع شهادته على صاحبه لما ذكرناه.
فصل
القارئ: وإن ادعى المرتهن هلاك الرهن بغير تفريط فالقول قوله لأنه أمين فأشبه المودع وإن ادعى الرد ففيه وجهان أحدهما يقبل قوله لذلك والثاني لا يقبل لأنه قبضه لنفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر.
الشيخ: هذا فيه إشارة لمن يقبل قوله في الرد والذي يقبل قوله في الرد إن كانت العين عنده لمصلحة مالكها المحضة فالقول قوله في الرد كالوديعة وإذا كانت لمصلحة القابض المحضة فلا يقبل قوله كالعارية فالعارية بيد المستعير لمصلحة المستعير فإذا أدعى الرد لم يقبل قوله والثالث أن تكون لمصلحتهما جميعاً كالعين المستأجرة فالعين المستأجرة فيها مصلحة للمؤجر وهو مالك العين وفيها مصلحة للمستأجر وهو مالك المنفعة فهل يقبل قوله في الرد؟ فيه قولان في المذهب منهم من رجح بأن القول قول من هي بيده ومنهم من قال بالعكس ومثل هذا ينبغي أن يقال إنه ينظر إلى القرائن ولو ضعفت فمن شهدت له قرينة بالصدق قبل قوله فالأحوال ثلاثة.
القارئ: وإن أعتق الراهن الجارية أو وطئها فأدعى أنه بإذن المرتهن فأنكره فالقول قول المرتهن لأن الأصل معه فإن نكل قضي عليه وإن صدقه فأتت بولد فأنكر المرتهن مدة الحمل فالقول قوله لأن الأصل عدمها وإن وطئها المرتهن بإذن الراهن وادعى الجهالة وكان مثله يجهل ذلك فلا حد عليه لأن الحد يدرأ بالشبهات ولا مهر لأنه حق للسيد فسقط بإذنه والولد حر يلحقه بنسبه لأنه من وطء شبهة ولا تصير أم ولد لأنه لا ملك له فيها وإن لم تكن له شبهة فعليه الحد والمهر وولده رقيق.
السائل: إذا اتفقت القرائن فكيف نرجح بين أقوال المدعين؟
الشيخ: لا يمكن أن تتفق القرائن أبداً فلابد أن أحدهما يكون أقوى أمناً وإيماناً من الآخر واتفاقها نادر جداً.
السائل: لو تلفت العارية واتفقا في سبب التلف لكن اختلفا هل حدث ذلك بتفريط أو لا فما هو الحكم؟
الشيخ: المذهب في العارية أنه ضامن بكل حال سواء فرط أم لم يفرط والصحيح أن العارية كغيرها من الأمانات إن تعد أو فرط ضمن وإلا فلا ضمان عليه.
السائل: فإن اختلفا في السبب هل يعد تفريطاً أو لا فإلى ماذا نرجع؟
الشيخ: إذا اختلفا في كون هذا الشيء تفريطاً أم لا واتفقا على ما حصل لكن أدعى الذي عنده أنه ليس تفريط وأدعى المالك أنه تفريط فإننا نرجع إلى العرف.