كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
- عدد الأجزاء
- 5 [الكتاب مرقم آليا]
الشيخ: عندنا في المخطوط بالإفراد (من يرجى إسلامه أو يخاف شره) مراعاة للفظ (من) وعلى الجمع مراعاة لمعناه فهي من حيث اللغة جائز هذا وهذا.
القارئ: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى صفوان بن أمية يوم حنين قبل إسلامه ترغيباً له في الإسلام.
الشيخ: أولاً: المؤلفة قلوبهم المؤلف عرف ذلك بأنهم (السادة) جمع سيد (المطاعون) في عشائرهم وبناء على ذلك لو أننا أعطينا واحداً من الناس من الكفار تأليفاً لقلبه على الإسلام فظاهر كلام المؤلف أن ذلك لا يجزيء لأنه لابد أن يكونوا سادة وأن يكون لهم طاعة في عشائرهم والفرق واضح لأنهم إذا كانوا سادة مطاعين في عشائرهم فإن إسلامهم يحصل به إسلام عشائرهم غالباً وهذه مصلحة كبيرة لا تحصل فيما إذا أعطينا فرداً لنتألفه على الإسلام لكن قد يقال إذا كنا نعطي الفقير من الزكاة لإنقاذه من موت البدن فإعطاؤنا إياه لإنقاذه من موت القلب من باب أولى ولاشك أن الإنسان محتاج إلى الإسلام أكثر من حاجته إلى الطعام والشراب فلو أن الآية عُممت وأُخذت بالتعميم وقيل: (المؤلفة قلوبهم) كل من يؤلف قلبه على الإسلام من سادة أو غير سادة لكان هذا أولى ثم الاستدلال بإعطاء هؤلاء من الغنائم قد ينازع فيه فيقال: الإعطاء من الغنائم أوسع من الإعطاء من الزكاة ولا يصح أن نستدل بالأعم على الأخص لأنه لابد أن يكون الدليل أعم من المدلول وعلى كل حال فنحن لا نحتاج إلى قضية صفوان لأن لدينا آية من كتاب الله لا نحتاج إلى هذا ونقول الدليل على إعطاء المؤلفة قوله تعالى: (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) يبقى النظر هل يختص في السادة المطاعين أو هو عام؟ الصحيح عندي أنه عام فكل من نرجو إسلامه إذا كان يحتاج إلى بذل شيء من الزكاة فإننا نعطيه إنقاذاً له من موت الدين.
القارئ: والمسلمون أربعة أضرب منهم من له شرف يرجى بإعطائه إسلام نظيره فإن أبا بكر الصديق أعطى عدي بن حاتم ثلاثين فريضة من الصدقة وأعطى الزبرقان بن بدر مع ثباتهما وحسن نياتهما.
الشيخ: هذا صحيح يعني يقول: سيد مطاع في عشيرته مسلماً حسن الإسلام نعطيه لأجل أن يسلم نظيره وهذا يقع كثيراً ولنفرض أن مثلاً قبيلة صغيرة أسلم سيدها وحولها قبيلة صغيرة أيضاً لم يسلم فأعطينا سيد القبيلة المسلمة ثم إن سيد القبيلة الأخرى لما نظر إلى أن هذا السيد أُعطي هذا المال أسلم هذا أيضاً يحصل به الخير وهذا تأليف للغير فيجوز.
القارئ: الثاني: ضرب نيتهم ضعيفة في الإسلام فيعطون لتقوى نيتهم فيه فإن أنساً قال حين أفاء الله على رسوله أموال هوازن: طفق رسول لله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل وقال: (إني أعطي رجالاً حدثاء عهد بكفر أتألفهم) متفق عليه.
الشيخ: هذا ليس كالأول هذا لتقوية إيمانه أما الأول فهو الكافر لدخوله في الإسلام والثاني لتقوية إيمانه.
القارئ: الثالث: قوم إذا اعطوا قاتلوا ودفعوا عن المسلمين.
الشيخ: وإذا لم يعطوا لم يقاتلوا ولم يدافعوا هذا أيضاً من التأليف.
القارئ: الرابع: قوم إذا أعطوا جبوا الزكاة ممن لا يعطيها إلا أن يخاف فكل هؤلاء يجوز الدفع إليهم من الزكاة لأنهم داخلون في اسم المؤلفة وقد سمى الله تعالى لهم سهما وروى حنبل عن أحمد رضي الله عنه أن حكمهم انقطع لأن عمر وعثمان رضي الله عنهما لم يعطياهم شيئا والمذهب: الأول فإن سهمهم ثبت بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ولا يثبت النسخ بالاحتمال وترك عمر وعثمان عطيتهم إنما كان لغناهم عنهم والمؤلفة إنما يعطون للحاجة إليهم فإن استغني عنهم فلا شيء لهم.
الشيخ: هذا التعليل الذي ذكره صحيح يعني أن عمر وعثمان لم يعطيا المؤلفة ليس لأنه نسخ الحكم إذ أنه لا نسخ بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن لأن الحاجة إليهم زالت وهم إنما يعطون للحاجة ومن المهم قوله في القسم الأول: كفاراً أعطوا لدفع شرهم يعنى ما نرجو إسلامهم لكن نخشى من شرهم فنعطيهم دفعاً لشرهم وهذا قد يحتاج الناس إليه في الوقت الحاضر يكون المسلمون ليس عندهم قدر في قتال هؤلاء الكفار ويخشون من شرهم فيعطون لدفع الشر ولكن بشرط أن نعرف أن هذا العطاء يوجب دفع الشر أما أن نعطيهم ونحن لا نأمن أن يمكروا بنا وأن يأخذوا ما نعطيهم ليقاتلونا به فهذا لا نعطيهم لكن إذا عرفنا من حالهم ومجريات أعمالهم أنهم إذا أعطوا شيئاً فإنهم يكفون شرهم عنا فلا بأس أن نعطيهم لكف الشر.
السائل: الإعطاء للمؤلفة قلوبهم هل يكون من الغنائم قبل التوزيع أم بعده فالنبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة أعطى المؤلفة قلوبهم ولم يعط أصحابه.
الشيخ: فتح مكة ما فيه غنائم الغنائم في ثقيف بعد أن فتح مكة واستقر الأمر فيها خرج إلى أهل الطائف فهذه الغنائم غنائم أهل الطائف.
السائل: هل يدخل في المؤلفة قلوبهم العصاة الذين يرجى رجوعهم عن المعصية؟
الشيخ: العصاة الذين يرجى رجوعهم عن المعصية وهم من المسلمين هؤلاء يقام عليهم الحد إن كانت معصيتهم لها حد أو التعزير إن كانت معصيتهم ليس لها حد.
القارئ: الصنف الخامس: الرقاب وهم المكاتبون يعطون ما يؤدونه في كتابتهم ولا يقبل قوله: إنه مكاتب إلا ببينة لأن الأصل عدمها فإن صدَّقه (المولى) ففيه وجهان.
الشيخ: عندي في المخطوط (سيده) نسخة وهو أصح لأنه ما صار مولى له بعد.
القارئ: فإن صدقه سيده ففيه وجهان أحدهما: يقبل لأن السيد أقر على نفسه والثاني: لا يقبل لأنه متهم في أن يواطئه ليأخذ الزكاة بسببه.
الشيخ: هذا صحيح فالاحتمال الثاني وارد ولو كان ذلك شهادة لقلنا إنه يجر إلى نفسه نفعاً لكن هو يجر إلى نفسه نفعاً من وجه وضرراً من وجه آخر لأن هذا المكاتب سوف يخرج من ملكه وحينئذٍ نقول إذا قال العبد: إنه مكاتب وصدقه السيد نعطي السيد مال الكتابة ثم نقول للعبد اذهب أنت الآن حر فنسد على السيد باب حيلته.
القارئ: وللسيد دفع زكاته إلى مكاتبه لأنه معه في باب المعاملة كالأجنبي ويجوز أن يردها المكاتب إليه لأنه يأخذها وفاءاً عن دينه فأشبه الغريم.
الشيخ: هذا كاتب عبده على خمسة آلاف نصفها بعد ستة أشهر والنصف الثاني بعد ستة أشهر فأعطى زكاته لهذا العبد والعبد ردها عليه وفاءاً نقول هذا جائز ولا بأس كالغريم يعني كما لو كان لإنسان غريم فقير فأعطاه الطالب الذي هو الدائن أعطاه دراهم فأوفاه بها فلا بأس إذا لم يكن هناك مواطأة فإن كان هناك مواطأة فلا يجوز.
القارئ: ولا يزاد المكاتب على ما يوفي كتابته.
الشيخ: أنا عندي في المخطوط (على ما يؤدي في كتابته) نسخة.
القارئ: ويجوز أن يدفع إليه قبل حلول النجم لئلا يحل وهو معسر فتنفسخ كتابتها.
الشيخ: وهل مثل ذلك المدين؟ يعنى إنسان مدين عليه دين يحل بعد ستة أشهر هل يجوز أن يوفى دينه قبل أن يحل؟ فيه التفصيل إذا كان هذا المدين نعلم أنه لا يستطيع الوفاء إذا حل الدين نوفي عنه ولا حرج وأما إذا علمنا أنه يستطيع بأن يكون صاحب راتب جيد وأنه عند حلول أجل الدين سيوفي فهذا لا نعطيه لأنه ليس بحاجة إلى إلى الوفاء.
القارئ: وهل يجوز الإعتاق من الزكاة؟ فيه روايتان إحداهما: يجوز لأنه من الرقاب فيدخل في الآية فعلى هذا يجوز أن يعين في ثمنها وأن يشتريها كلها من زكاته ويعتقها ولا يجوز أن يشتري ذا رحمه المحرم عليه فإن فعل عتق عليه ولم تسقط الزكاة لأن عتقه حصل بسبب غير الإعتاق من الزكاة.
الشيخ: معناه لا يجوز أن يشتري عمه من زكاته لأنه يعتق بدون إعتاق هكذا علل المؤلف والصواب أنه يجوز لأنه إذا كان دفع الزكاة إلى القريب الذي من أهلها أفضل فكذلك إعتاق القريب يكون أفضل وأما قوله: بأنه حصل بغير إعتاق نقول: فيه نظر بل هذا حصل بإعتاقه لأنه اشترى هذا الرحم المحرم ولو أنه ما اشتراه لم يعتق فالصواب أنه يجوز أن يشتري ذا رحم محرم منه من الزكاة ويعتق عليه بمجرد الشراء فمن هو ذا الرحم المحرم؟ هو من يحرم عليه بنسب لو قدر أنه امرأة هذا هو ذو الرحم المحرم مثل العم، الخال، الأخ، ابن الأخ، ابن الأخت، وأما ابن العم فلا رحم بينهما ولو قدر أنه امرأة لجاز أن يتزوجها وأبو الزوجة ليس ذا رحم إنما هو صهر فذو الرحم هو الذي يحرم بينهما التناكح من أجل النسب يعنى الرحم.
القارئ: ويجوز أن يفك منها أسيرا مسلماً لأنه فك رقبة من الأسر والرواية الثانية: لا يجوز الإعتاق منها لأن الآية تقتضي الدفع إلى الرقاب لقوله: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) يريد الدفع إلى المجاهدين والعبد لا يدفع إليه.
الشيخ: يقول يجوز أن ينفك منها أسير مسلم هذا صحيح لأنه داخل في الرقاب وهذا ما يعرف في لغة العصر بالرهائن يكون رهائن من المسلمين عند الأعداء ويقول الأعداء: لا نفكهم لكم إلا بشيء من المال فيعطون من الزكاة لفك هذه الرهائن فلا بأس وأما قوله: الرواية الثانية: أنه لا يجوز الإعتاق منها لأن الآية تقتضي الدفع إلى الرقاب لقوله (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) لو قال كقوله (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) لأن قوله (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) ليس تعليلاً للرقاب لكن الأقرب كقوله (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) فيقال أيهما أولى أن نعطي مكاتباً من الزكاة يستعين بها على الكتابة أو أن نشتري عبداً من الزكاة أيهما أقرب إلى الدخول في قوله (وَفِي الرِّقَابِ) الثاني لاشك أنه أقرب.
ثانياً: قوله رحمه الله إن قوله (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) يريد الدفع إلى المجاهدين المقيس عليه الذي جعله أصلاً فيه نظر لأن الآية الكريمة إذا تلوتها عرفت أنها قسمت المستحقين إلى قسمين قسم لابد من تمليكه وقسم لا يشترط تمليكه: (لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) هؤلاء يُملّكون لأنه قال: (لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) القسم الثاني: (وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) فقال: (وَفِي الرِّقَابِ) وهذا يدل على أن المقصود أن تصرف في الرقاب بدون أن يملكها المعطى ولهذا نقول: لو أنه أوفى دين المكاتب دون أن يعطيه لأجزأ لأنه لا يشترط التمليك كذلك أيضاً نقول في سبيل الله القول بأنه يعطى منها المجاهد فقط ضعيف والصواب أنه يعطى المجاهد وتشترى منها الأسلحة وتشترى من الزكاة الأسلحة وإن لم يملِّكها للمقاتل فقوله (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) تشمل شيئين الأول: أن نملك المجاهد ونقول: خذ هذه مثلاً ألف ريال جاهد بها والثاني: أن نشتري أسلحة ونعطيها للمجاهدين كل ذلك جائز وكل ذلك داخل في قوله: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) لأنه جاء التعبير القرآني بغير اللام الدالة على التمليك بل جاء بفي الدالة على الظرفية وكما أنه يجوز للإنسان إذا علم أن فلاناً عليه دين ولا يستطيع وفاءه أن يذهب إلى الدائن ويقول يا فلان أنت تطلب زيداً مائة ريال هذه مائة ريال وإن كان زيدٌ لم يعلم بذلك لأنها داخلة في قوله: (وَالْغَارِمِينَ) وعلى هذا فنقول الآية تدل على أنه يجوز أن يُشترى للمجاهدين سلاح يقاتلون به وأن تقضى الديون عن المدينين وإن لم يعلموا بذلك وأن يُشترى العبد من الزكاة ويعتق وإن لم يعلم بذلك لكن لابد أن يعلم بالعتق كي يتحرر.
القارئ: الصنف السادس: الغارمون وهم ضربان ضرب غرم لإصلاح ذات البين وهو من يحمل دية أو مالاً لتسكين فتنة أو إصلاح بين طائفيتين فيدفع إليه من الصدقة ما يؤدي حمالته وإن كان غنيا لما روى قبيصة بن مخارق قال تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال: يا قبيصة إن الصدقة لا تحل إلا لثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك) رواه مسلم ولأنه يأخذ لمصلحة المسلمين فجاز له الأخذ مع الغنى كالغازي.
الشيخ: الغارمون ذكرهم الله في الآية بفي وذكر العلماء أنهم ضربان الأول: من غرم لمصلحة الغير والثاني: من غرم لمصلحة نفسه فأما من غرم لمصلحة الغير فلابد أن يكون غرمه لأمر مهم جداً كأن يجد قبيلتين بينهما فتنة إما بدية قتيل بينهما أو بغير ذلك فأراد أن يصلح بين هاتين القبيلتين بمال تحمله هو فهذا لاشك أنه أتى معروفاً كبيراً ومصلحة عظيمة فكان من محاسن الإسلام أن يعان على الأمر وأن يساعد عليه وأن يشكر له هذا الفعل فيعطى من الزكاة بقدر ما تحمل أما إذا كانت المسألة فردية فإنه لا يعطى إذا كان غنياً كإنسان تحمل حمالة عن شخص أمسكه غريمه وقال أعطيني حقي وإلا حبستك الآن فجاء رجل محسن وقال حقك علي أنا أتحمل الحق هذا لاشك تحمل حمالة لمصلحة غيره لكنه ليس كالأول هذا لا نعطيه من الزكاة إلا إذا كان فقيراً إذا كان فقيراً تحل له الزكاة أعطيناه لأنه صار من الغارمين لأنفسهم وأما إذا كان غنياً فلا يعطى والفرق بينهما واضح ظاهر إذاً هذا الغارم لإصلاح الغير ولمصلحة الغير بشرط أن تكون مصلحة لها أهميتها.
القارئ: الضرب الثاني من غرم لمصلحة نفسه في مباح فيعطى من الصدقة ما يقضي غرمه ولا يعطى مع الغني لأنه يأخذ لحاجة نفسه فلم يدفع إليه مع الغنى كالفقير وإن غرم في معصية لم يدفع إليه قبل التوبة لأنه لا يؤمن أن يستعين بها في المعصية وفي إعطائه بعد التوبة وجهان أحدهما: يعطى لأنه يأخذ لتفريغ ذمته لا لمعصية فجاز كإعطائه لفقره والثاني: لا يعطى لأنه لا يؤمن عوده إلى المعصية.
الشيخ: الغارم لنفسه لا يعطى إلا إذا كان فقيراً لا يستطيع الوفاء واشترط المؤلف رحمه الله أن يكون غرمه في غير معصية فيشمل ما إذا كان غرمه في واجب أو كان غرمه في مستحب أو كان غرمه في مباح من كان غرمه في واجب كرجل أدى فريضة الحج وهي غير واجبة عليه لكنها هي الفريضة رجل استلف لقضاء نذر عليه هذا غرم في واجب.
الثاني: غرم في مستحب كرجل استدان من شخصٍ مالاً ليؤدي العمرة وليست واجبة عليه هذا غرم في مستحب.
الثالث الغرم في مباح كرجل استدان شيئاً واشترى حاجة هو في غنى عنها وليست واجبة ولا مستحبة لكنه يريد أن يكون كزملائه مثلا هذا مباح ومن ذلك أن يشتري له بيتاً يعني عنده ما يستأجر به لكن قدر أن الرجل اشترى بيتاً فصار عليه غرم فنعطيه ونقضي دينه وهذا من قسم المباح.
والرابع: في مكروه فظاهر كلام المؤلف أنه يعطى إذا غرم في مكروه لأنه ليس بمعصية.
الخامس: إذا غرم في معصية فإنه لا يعطى إلا إذا تاب وعلمنا توبته وأنه صادق فنقضي عنه مثال ذلك رجل ابتلي بشرب الخمر والعياذ بالله واشترى خموراً كثيرة يشربها وغرم بذلك أموالاً كثيرة فهنا هو غارم في الواقع لا شك في هذا فهل نعطيه ونقضي دينه نفك أسره أو لا؟ نقول نعطيه إذا تاب نقول أنت الآن غارم وفي ذمتك مال كثير ونحن مستعدون أن نقضي هذا الدين من الزكاة لكن بشرط أن تتوب فتاب إلى الله فنعطيه أولاً: لأن الرجل حسن منهجه وثانياً: تشجيعاً له على الاستمرار في ترك المعصية أما إذا لم يتب فإننا لا نعطيه مثاله رجل مبتلى بشرب الدخان وأكثر الديون التي عليه بل كل الديون عليه لشرب الدخان جاء وقال: إنه فقير ما عنده ما يوفي قوائم الدين اشترى حرام وقال اقضوا عني لا نقضي عنه إلا أن يتوب وهل بمجرد أن يقول أتوب إلى الله نقضي عنه؟ لا خصوصاً المبتلين بهذه الأشياء التي تلزمهم ويصعب الإنفكاك منها هؤلاء لا نقبل منهم مجرد أن يقولوا تبنا حتى ننتظر وعلمنا أنه صادق فإن القول الراجح أن نقضي دينه وفيه وجه أنه لا يقضى دينه لأنه يحتمل أن يرجع لكن نقول هذا الرجل رجع بعد أن تطهر من ذنوبه ولسنا ملزمين بأن يعصم الناس في المستقبل حتى الذي غرم في مباح يمكن في يوم من الأيام أن يستدين في شيء محرم إذاً يقضى الدين عن المدين إذا كان عاجزاً عنه بشرط أن يكون غارماً في غير معصية فإن غرم في معصية طالبناه أولاً بأن يتوب منها وإذا قدرنا أن هذا الرجل الغارم فقير يعني لا يستطيع أن يجد ما ينفقه على نفسه من طعام وشراب وكسوة وهو يشرب الدخان مثلاً هل نعطيه؟ في هذا تفصيل إن قال: أصرّف ما تعطونني في حاجة مباحة فهذا نعطيه وأما أن نعطيه ونطلق فالمبتلى بشرب الدخان وشبهه أول ما يصرف الدراهم في الدخان ما نعينه.
فإذا كان الرجل غير مستقيم وأنت تعرف أن المستحق غارم أو فقير لكن قلت له: اذهب فتب إلى الله وإذا تبت فأت ونساعدك هل هذا جائز؟ يعني بأن لا نعطيه مما يستحق إلا إذا حملناه على التوبة ربما نقول هذا جائز وربما ليس بجائز نقول ليس بجائز لأن الرجل مستحق (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) هو الآن استحق أن يعطى من الزكاة وكونه مثلاً حالقاً لحيته أو مسبلاً ثوبه أو كثير الغيبة والنميمة هذا إليه ما علينا منه وقد نقول: إنه جائز من باب الإصلاح والتربية إذا علمنا أنه إذا قلنا له هذا الكلام استقام وصار هذا عوناً على ترك المعصية فقد يكون هذا له وجه ولكني أخشى أنك إذا قلت هذا: ذهب ولم يرجع ولأنه مبتلى خصوصاً المبتلى مثلاً بإسبال الثوب أو بالغيبة يعني بعض الناس نسأل الله العافية مبتلى بالغيبة لا يمكن أن يجلس في مجلس إلا وهو يغتاب الناس يقل جداً أن يقلع منها فهذا ربما نقول: أعطه إذا كنت تيئس أو يغلب على ظنك أنه لن يستقيم فهنا أعطه لأنه محق وهو لن يستعين بها على المعصية أما إذا كنت ترجو فلا بأس أن تقول: يا فلان والله أنت مستحق لكن أعينك على نفسك أن تذهب وتتوب إلى الله عز وجل مما صنعت وأن تقلع عنه وعلى العين والرأس هذا طيب.
القارئ: ولا يقبل قوله: إنه غارم إلا ببينه فإن صدقه الغريم فعلى وجهين.
الشيخ: يقول المؤلف: لايقبل قوله: إنه غارم إلا ببينه لأن الغرم لا تتعذر إقامة البينة عليه ولكن الصواب أن من لم يعرف بغنى فإنه يقبل قوله لأنه قد يتعذر إقامة البينة في المكان الذي هو فيه الآن فإن قال قائل: هل الوثائق بينه ولا سيما إذا كانت صورة وثيقة؟ نقول: من نظر إلى حال الناس اليوم قد يتوقف ويقول: ليس ببينة لأن كثيراً من الناس تكتب له الوثيقة في الديون ويحتفظ بها ويوفي كثيراً منه أو أكثره ثم يأتي بوثيقة يستجدي بها الناس فهذا يوجب الإنسان التوقف لكن المؤلف رحمه لله إذا أردنا أن نأخذ بكلامه نقول أى واحد يقول: إنه غارم لابد أن يقيم بينه إن صدقه الغريم هل يقبل أو لا؟ يقول المؤلف: فيه وجهان أى قولان للعلماء قول: إنه يقبل وقول ثان إنه لا يقبل لأن الغريم متهم وسبق نظير هذه فالغريم يتهم يمكن أن يتفق اثنان ويقول أحدهما: ادع أني أطلبك وأنا غريمك وأنا سأصدقك والذي تحصله يكون بيننا يمكن لاسيما في البلاد الفقيرة والذين يتحايلون على الأموال بكل شيء لكن كما قلنا: إذا غالب على ظنك صدق المدعي قُبل بلا بينة ولا حاجة لتصديق الغريم.
القارئ: ويجوز للرجل دفع زكاته إلى غريمه وأخذها منه لما ذكرنا في المكاتب.
الشيخ: لكن بشرط أن لا يتواطآ على ذلك يعنى مثلاً يجوز للرجل أن يدفع الزكاة إلى غريمه ولاسيما إذا كان له غرماء آخرون فإذا أعادها عليه فلا بأس مثال ذلك أنا أطلب رجلاً عشرة آلاف ريال وعندي زكاة عشرة آلاف ريال فأعطيته إياها والرجل حريص على إبراء ذمته وهو لم يذهب ليشتري بها أشياء غير لازمه فأعطاني إياها يجوز لأنني أنا ما قلت له خذ زكاتي وردها علي لاسيما إذا كان له غرماء آخرون مثل أنا أطلبه عشرة آلاف ريال وفلان يطلبه عشرة والثالث يطلبه عشرة فجواز هذه واضح ولا إشكال فيها لكن الذي فيه توقف وتردد إذا كنت أعرف أن الرجل حريص على إبراء ذمته وأنه لا يطلبه أحد إلا أنا ثم أعطيته بقدر دينه عليه فهذه قد يتردد المرء في هذا لأنني أعرف أن هذا الرجل سوف يردها لي فإن قال قائل: إذا كنت تخشى من ذلك فأبرئه من الدين وانوه من الزكاة قلنا: هذا لا يجوز وهذا هو الذي جعلنا نتردد في إعطائه الدين الذي يطلبه صاحب الزكاة لأنه يكون كأنه حيلة على الإبراء.
السائل: بارك الله فيك إذا اقترض الرجل من بنك ربوي قرضاً وظن أنه يقدر على الوفاء لكنه عجز وجاء وقال: أنا الآن تبت وندمت وأعلم سوء البنوك وأريد قضاء هذا الدين ويريد أن يوفى عنه الدين؟
الشيخ: هنا لاشك أننا إذا علمنا أن الرجل تاب لأن كثيراً من الناس لا يعرفون أن البنوك حرام لاسيما في بلاد لا تنتشر فيها وسائل الدعوة إذا علمنا أنه تاب حقيقة فلا شك في جواز قضاء الدين الذي هو رأس المال مثلاً عشرة آلاف جعلها البنك عليه اثني عشر ألفاً لا بأس أن نقضي عنه العشرة لأنه بحق لكن الزائد هل نقضيه عنه؟ هذا مشكل لأن صاحب البنك سوف يطالبه بها غصباً عليه فهل نعطيه أو نقول والله نحن نعطيك الشيء المباح والشيء الحرام لك أن تقول لصاحب البنك إنه لا حق لك علي إلا رأس مالك.
مسألة: لو أن الإنسان ذهب إلى غريم المدين وأعطاه بدون علمه هل يجزيء؟ نعم يجزيء لأن الله قال: (وَالْغَارِمِينَ).
مسألة: لو أن الغارم كان ميتاً وليس له تركه وقُضي دينه من الزكاة يجزيء أو لا؟ لا يجزيء وحكاه ابن عبد البر وأبو عبيد بن سلام إجماعاً وأنه لا يجزيء لكن حقيقة أن فيه وجهاً في مذهب الإمام أحمد: أنه يجزيء والراجح عدم الإجزاء لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت الزكاة عنده وكان الميت يموت ليس له وفاء ولا يوفيه من الزكاة بل يعمد إلى ترك الصلاة عليه ولو انكسرت قلوب أهله ولا يدفع من الزكاة ولو كان دين الميت يجوز دفع الزكاة فيه وأعنى الدين الذي عليه لكان الرسول عليه الصلاة والسلام أرحم الخلق بالخلق يدفع عنه ويصلي عليه ولما فتح الله عليه وكثر المال عنده والمغانم صار يقضي الديون عن الأموات ويصلى عليهم.
مسألة: لو أبرأ الإنسان غريمه بنية الزكاة إنسان مثلاً زكاته عشرة آلاف ريال وله غريم ضعيف مدين بعشرة آلاف ريال وقال: يا فلان إني عفوت عنك ونواها من الزكاة لا يجزيء قال شيخ الإسلام رحمه الله: بلا نزاع ووجه ذلك أن الدين بمنزلة الرديء في إخراج الزكاة عن الطيب لأن المال الذي بيدك تتصرف فيه كما شئت تبرعاً وتصرفاً كل شيء والدين ليس كذلك الدين قد يكون صاحبه لا يرجى أن يوفي ولا في المستقبل البعيد فيكون هذا كالتالف وأيضاً لا يمكن للإنسان أن يتصرف فيه كما يتصرف في المال الذي بيده لو أراد أن يبيعه على أحد ما صح ولو أراد أن يجعله أجرة في سكن ما صح فلذلك لا يجزيء إبراء الغريم الفقير من الزكاة بل نقول: أعطه من زكاتك إن شاء أوفاك وإن شاء أعطى غيرك.
القارئ: الصنف السابع: في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان إذا نشطوا غزوا ويعطون قدر ما يحتاجون إليه لغزوهم من نفقة طريقهم وإقامتهم وثمن السلاح والخيل إن كانوا فرسانا وما يعطون السائس وحمولتهم إن كانوا رجالاً مع الغنى لأنهم يأخذون لمصلحة المسلمين ولا يعطى الراتب في الديوان لأنه يأخذ قدر كفايته من الفيء.
الشيخ: أفادنا المؤلف رحمه الله أنه لا يجوز أن نشتري سلاحاً للمجاهدين من الزكاة لكن نعطي المجاهد نقول اشترِ سلاحاً والصواب: أنه يجوز أن نشتري الأسلحة للمجاهدين في سبيل الله ونعطيهم إياها لكن على سبيل التمليك أم على سبيل العارية وإذا انتهوا ردوها إلى بيت المال؟ الأقرب الأول على سبيل التمليك لأن عموم قوله: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) يشمل هذا ويحتمل أن يقال إذا اشتريت لهم الأسلحة فإنهم إذا انتهوا منها يردونها إلى بيت المال لأننا إذا اشتريناها لهم صارت كأنها وقف والوقف لا يملك إذا كان على وجه عام.
القارئ: وفي الحج روايتان إحداهما: هو من سبيل الله فيعطى من الصدقة ما يحج به حجة الإسلام أو يعينه فيها مع الفقر لما روي أن رجلاً جعل ناقة له في سبيل الله فأرادت امرأته الحج
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (اركبيها فإن الحج من سبيل الله) والثانية: لا يجوز ذلك لأن سبيل الله إذا أطلق إنما يتناول الغزو ولأنه لا مصلحة للمسلمين في حج الفقير ولا حاجة به إلى إيجاب الحج عليه فلم يدفع إليه كحج النفل.
الشيخ: الصحيح أنه لا يعطى الفقير لحج فرضه من الزكاة لأننا نقول: إن الفقير إذا لم يكن عنده ما يحج به فليس عليه فرض إذ من شرط الوجوب: الاستطاعة وهذا ليس بمستطيع فحج الفقير الذي لا يقدر على الفريضة كحج النافلة تماماً لأنه حتى الآن لم يجب عليك فإن صح الحديث الذي ساقه المؤلف فإنه لا شك أنه لابد من القول به لكن الحديث لا يتبين لي صحته ولكن إن صح فالقول ما دل عليه الحديث وإن لم يصح فإنه لا يعطى الإنسان الفقير لفرض حجه من الزكاة بل يقال له إنه لا فرض عليك احمد الله على العافية وهذه مسألة صورتها إنسان عنده ما يكفيه لنفسه وعائلته مثلاً عنده راتب ثلاثة آلاف وهو ينفق على نفسه وعلى عائلته كل شهر ثلاثة آلاف وليس بحاجة لكنه لم يؤدِ الفريضة على قول من يقول إنه يعطى نعطيه ما يحج بها الفريضة خمسة آلاف أو عشرة آلاف الذي يكفيه وعلى القول الثاني: لا نعطيه وهذا القول هو الصحيح ما لم يصح الحديث عن رسول صلى الله عليه وسلم فإن صح فلا كلام.
السائل: هل يلحق بالمجاهدين في سبيل الله طلبة العلم؟
الشيخ: نعم ألحقهم بعض العلماء بالمجاهدين وقالوا: إذا تفرغ إنسان قادر على التكسب لطلب العلم فإننا نعطيه من الزكاة وإن كان قوياً جلداً نعطيه من الزكاة من أجل أن نفرغه لطلب العلم لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله إذ أن الدين الإسلامي قام بالعلم والسيف كما قال الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس) فقرن إنزال الحديد بإنزال الكتب يدل على أنهما قرينان في ظهور دين الله عز وجل وعلى هذا فنقول: إنه إذا وجد طلبة علم قادرون على التكسب يستطيع الإنسان أن يعمل ويحصل ما تقوم به حياته لكن يريد أن يتفرغ لطلب العلم فهل نعطيه من الزكاة ليتفرغ لطلب العلم؟ الجواب: نعم نعطيه وهل نشتري من الزكاة كتباً للمكتبة التي يرتادها طلبة العلم؟ على القول بأنه يجوز أن نشتري أسلحة للمجاهدين: نعم يجوز أن نشتري كتباً لطلبة العلم أما إذا قلنا إنه لا يجوز أن نشتري بها أسلحة فلا يجوز أن نشتري بها كتباً.
القارئ: الصنف الثامن ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به وله اليسار في بلده فيعطى من الصدقة ما يبلغه.
الشيخ: سمي ابن سبيل لأنه ملازم للسبيل إلى الآن وهو في طريقه ملازم له فسمي ابن سبيل كما سمي طير الماء ابن الماء دائماً تكون على البحار والماء فيسمونه طير الماء.
القارئ: فأما المنشي للسفر من بلده فليس ابن سبيل لأن السبيل الطريق وابنها الملازم لها الكائن فيها والقاطن في بلده ليس بمسافر ولا له حكم السفر فإن كان هذا فقيراً أعطي لفقره وإلا فلا، ومن كان سفره لمعصية فهل يدفع إليه بعد التوبة ما يرجع به؟ على وجهين كما ذكرنا فيمن غرم لمعصية.
الشيخ: لكن هذا يدفع عنه من باب أولى إنسان مثلاً وجدناها في أثناء الطريق قد سافر والعياذ بالله ليتمتع متعة محرمة في بلد ما فلما علمنا أنه يريد هذا نصحناه أن اتق الله هذا حرام ولا يجوز فقال: والله الآن ما معي شيء أرجع به إلى بلدي الآن تبت إلى الله سأرجع لكن ما عندي مال فهل نعطيه من الزكاة؟ نعم نعطيه هذا أولى من مسألة الرجل إذا تاب من المعصية لأنه واضح أنه يريد أن يرجع عن بلد المعصية.
السائل: أحسن الله إليك هل يجوز دفع الزكاة لمن أراد الزواج؟ وما حكم من أخذها ظناً منه أنه تجوز له؟
الشيخ: إذا كان محتاجاً للزواج فلا بأس وليس عنده مهر هذه من أعظم الحاجات.
فصل
القارئ: ولا يدفع إلى واحد منهم أكثر مما تندفع به حاجته فلا يزاد الفقير والمسكين على ما يغنيهما ولا العامل على أجرته ولا المؤلفة على ما يحصل به التأليف ولا الغارم والمكاتب على ما يقضي دينهما ولا الغازي على ما يحتاج إليه لغزوه ولا ابن السبيل على ما يوصله لبلده لأن الدفع لحاجة فوجب أن يتقيد بها وإن اجتمع في واحد سببان كالغارم الفقير دفع إليه بهما لأن كل واحد منهما سبب للأخذ فوجب أن يثبت حكمه حيث وجد.
الشيخ: ما قاله المؤلف صحيح هؤلاء المستحقون للزكاة لا يدفع إليهم إلا بقدر الحاجة فالفقير مثلاً نعطيه ما يغنيه لكن لم يبين المؤلف رحمه الله حد ما نعطي الفقير وقد بينه الفقهاء وقالوا: يعطى ما يكفيه وعائلته لمدة سنة وخصوها بالسنة لأن الزكاة تجب كل سنة لاسيما إذا كان الناس يعتادون أن يدفعوها في أول محرم كما قال المؤلف فيما مر علينا فيعطى مثلاً ما يكفيه وعائلته إلى سنة ثم نقتصر وقد ذكرت أن أقرب ما يمكن تمثيله في هذه المسألة رجل موظف راتبه ثلاثة آلاف ولكن لا يكفيه وعائلته إلا خمسة آلاف فهنا نعطيه أربعة وعشرين ألفاً أما من كان عنده مال يعني هو غير موظف وليس له مثلاً تجارة يتكسب بها ولا راتب ولا إجارة عقارات فهذا في الحقيقة ما تستطيع أن تقول هذا يكفى لمدة سنة لماذا؟ لأنه قد يعتريه زيادة الأسعار فيكون عنده مثلاً اثناعشر ألفاً وكل شهر له ألف لكن زادت الأسعار وصار يحتاج كل شهر ألفين لهذا نقول: أقرب مثال ما ذكرنا ولا بأس أن نمثل نقول إنسان عنده عشرة آلاف الآن موجودة في صندوقه تكفيه لمدة سنة نقول: هذا ما نعطيه لأن العشرة تكفيه لمدة سنة فإذا قال: ربما يحدث علي مرض أحتاج إلى علاج ربما تزيد السلع قلنا: في هذه الحال إذا جاءت الحاجة أعطيناه وانتهى الإشكال.
فصل
القارئ: وأربعة يأخذون أخذاً مستقراً لا يرجع عليهم بشيء الفقراء والمساكين والعاملون والمؤلفة.
وأربعة يأخذون أخذاً مراعاً الرقاب والغارمون والغزاة وابن السبيل إن صرفوه فيما أخذوا له وإلا استرجع منهم.
الشيخ: هؤلاء الأربعة الذين يأخذون أخذاً مستقراً لو أنه زالت حاجتهم في أثناء السنة فإنهم لا يردون ما أخذوا فلو أننا أعطينا فقيراً عشرة آلاف ريال بناء على أنه فقير وعشرة آلاف ريال تكفيه لمدة سنة ثم إن الله أغناه في أثناء السنة وملك عشرات الآلاف هل يرد ما أعطيناه؟ لايردها لأنه ملكها: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) وأما الغرم فلو أننا أعطينا هذا الرجل ليقضي دينه فلما ذهب بها إلى الدائن قال الدائن: إني قد أبرأتك هل يردها أو لا؟ نعم يردها لأنه أعطيناه لقضاء الدين وقد أبريء منه ولو أنه أعطيناه لقضاء الدين وقال غريمه: إني إبرأتك لكنه محتاج هو نفس الفقير هل يجوز أن يصرف ما أخذه في فقره؟ لا لأنه أخذه على أنه يقضي به الدين فيجب أن يصرفه في هذا لكن لا بأس أن يقول للذي أعطاه الزكاة: إني قد برئت من الدين ولكني محتاج وفقير حينئذٍ له أن يقول: خذه لك لأنه أحياناً الإنسان يقضي الدين عن الفقير ولا يعطيه للفقير لأن الفقير إذا جاءه المال ولا سيما إن كان كثيراً أفسده لكن إذا قضينا دينه أبرأنا ذمته وصار حراً طليقاً من الديون فكثيراً ما يختار الإنسان قضاء الدين عن دفع الحاجة لأنه يعرف أن الفقير إذا أعطي ولاسيما إذا كان مالاً كثيراً لا يحسن التصرف فيه لكن إذا قضينا دينه انتفع به.
القارئ: وإن فضل مع المكاتب شيء بعد أداء كتابته أو مع الغارم بعد قضاء غرمه أو مع الغازي بعد غزوه أو مع ابن السبيل بعد وصوله إلى بلده استرجع منهم فإن استغنوا عن الجميع ردوه وإن عجز المكاتب رجع على سيده بما أخذ لأن الدفع إليهم لمعنى لم يوجد وقال الخرقي إذا عجز المكاتب ورد في الرق وقد كان تصدق عليه بشيء فهو لسيده.
وأربعة يأخذون مع الغنى الغازي والعامل والغارم للإصلاح والمؤلفة لأنهم يأخذون لحاجتنا إليهم والحاجة توجد مع الغنى وسائرهم لا يعطون إلا مع الفقر لأنهم يأخذون لحاجتهم فيعتبر ذلك فيهم إلا أن ابن السبيل تعتبر حاجته في مكانه وإن كان له مال في بلده لأنه غير مقدور عليه فهو كالمعدوم ولا يستحب إعلام الآخذ أنها زكاة إذا كان ظاهره الاستحقاق لأن فيه كسر قلبه قال أحمد: ولم يبلغه بها يعني: لا يعلمه فإن شك في استحقاقه أعلمه كما أعلم النبي صلى الله عليه وسلم الرجلين الجلدين.
الشيخ: هذا صحيح يعني إذا علمت أن الرجل أهل للزكاة لا تخبره لا تقل: هذه زكاة وإن شككت فأخبره تقول هذه زكاة (ولا تحل لغني ولا لقوي مكتسب) فإذا قال: إنه ليس بغني فهل يقبل قوله؟ الجواب نعم يقبل قوله ما لم تعرف أنه غير صادق فإن عرفت أنه غير صادق فلا تقبل وإن لم تعرف فاقبل وإن ترددت فتوقف حتى تتيقن ويكفي غلبة الظن فلو دفعت إليه تظن أنه من أهل الزكاة ثم تبين لك أنه ليس من أهلها أجزأت عنك.
باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه
القارئ: وهم ستة أصناف: الكافر لا يجوز الدفع إليه لغير التألف لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) ولأنها مواساة تجب على المسلم فلا تجب للكافر كالنفقة.
الشيخ: إذاً الكفر مانع من إعطاء الزكاة إلا إذا كان للتأليف.
القارئ: الثاني: المملوك لأن ما يعطاه يكون لسيده ولأن نفقته على سيده فهو غني بغناه.
الثالث: بنو هاشم لا يعطون منها إلا لغزو أو حمالة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الصدقة أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد وآل محمد) وسواء أُعطوا حقهم من الخمس أو منعوه لعموم الخبر ولأن منعهم لشرفهم وشرفهم باقٍ فينبغي المنع.
الشيخ: وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إنهم إذا منعوا الخمس واحتاجوا فإنهم يعطون لأنه لابد من دفع حاجتهم ولكن إذا نظرنا إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إنما هي أوساخ الناس) قلنا: لا فرق بين أن يعطوا من الخمس أو ألا يعطوا وإذا نظرنا إلى أن إعطاءهم ودفع كفايتهم أمر واجب ماذا نفعل إذا كان الناس لا يتبرعون إلا من الزكاة وهؤلاء من آل البيت وليس لهم شيء من بيت المال هل يموتون جوعاً؟ هم إما أن يموتوا جوعاً وإما أن يتكففوا الناس وإما أن يهدي الله أحداً من الناس يعطيهم صدقة على أن صدقة التطوع أيضاً فيه خلاف هل تحل لهم أو لا؟ وما ذكر الشيخ رحمه الله هو الأقرب لأنه كوننا نرى هؤلاء يموتون جوعاً وعطشاً وبرداً وحراً ولا نعطيهم ونقول: أنتم من آل البيت مع أنهم ليس لهم من الخمس شيء هذا فيه نظر أو نقول: خذوا من الصدقة وقد يتصدق عليهم أو لا يتصدق عليهم.
القارئ: الرابع: مواليهم وهو معتقوهم وحكمهم حكمهم لما روى أبو رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع اصحبني كيما نصيب منها فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: (إنا لا تحل لنا الصدقة وإن مولى القوم منهم) وهذا حديث صحيح ولأنهم ممن يرثهم بنو هاشم بالتعصيب فحرمت عليهم الصدقة كبني هاشم.
وفي بني المطلب روايتان إحداهما: تحل لهم لأن المنع اختص بآل محمد وهم بنو هاشم فلا يلحق بهم غيرهم والثاني: يحرم عليهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد) رواه البخاري ولأنهم يستحقون من خمس الخمس فأشبهوا بني هاشم.
الشيخ: والظاهر أنها تحل لهم وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام (إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد) هذا في الخمس لأن بني المطلب ناصروا بني هاشم ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهور
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً ... عقوبة شر عاجلاً غير آجل
أما بنو المطلب فكانوا معهم في النصرة والدفاع فلذلك استحقوا معهم الخمس وصاروا شيئاً واحداً أما الزكاة فلا ولهم أن يأخذوا منها.
السائل: إذا أوصى الرجل أبناءه ألا يأخذوا من الصدقة وليسوا من بني هاشم هل نقول أن هذه وصية تنفذ؟
الشيخ: لا ما تنفذ هذا الرجل مات وليس من آل محمد ولهم أن يأخذوا إذا كانوا من أهل الزكاة ولا يجب عليهم تنفيذ وصيته.
القارئ: الخامس: الغني لا تحل له الزكاة سوى من ذكرنا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) وقوله (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي) وهذا حديث حسن وفي ضابطه روايتان إحداهما: أنه الكفاية على الدوام إما بصناعة أو مكسب أو أجرة أو نحوه اختارها ابن الخطاب وابن شهاب لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث قبيصة: (فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش) مدَّ إباحة المسألة إلى حصول الكفاية ولأن الغنى ضد الحاجة وهي تذهب بالكفاية وتوجد مع عدمها والثانية: أنه الكفاية أو ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب لما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشاً أو خدوشاً أو كدوحاً في وجه فقيل: يا رسول الله ما الغنى؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب) قال الترمذي: هذا حديث حسن.
فعلى هذه الرواية إن كان له عيال فله أن يأخذ لكل واحد من عياله خمسين، نص عليه ولو ملك عروضاً تكثر قيمتها لا تقوم بكفايته جاز الأخذ رواية واحدة وإذا كان للمرأة زوج غني فهي غنية لأن كفايتها واجبة عليه وجوباً متأكدا فأما من تجب نفقته على نسيبه فله الأخذ من الزكاة.
الشيخ: يعني على قريبه فالنسيب هو القريب.
القارئ: لأن استحقاقه للنفقة مشروط بفقره فيلزم من وجوبها له وجود الفقر بخلاف نفقة الزوجة ولأن وجوبها بطريق الصلة والمواساة بخلاف غيرها.
الشيخ: ولأنه أيضاً ربما يقول لمن تلزمه نفقته أعطني ولا يعطيه ويكون في هذا كسر لقلبه وخجل فيعطى من الزكاة ما يغنيه والصواب أنها ليست مقيدة بخمسين درهماً الصواب أنها مقيدة بالكفاية فإذا قال قائل الإنسان إذا كان عنده أموال كثيرة وقلنا: إنها تكفيه لسنة ربما لا تكفيه لسنة ربما يجتاح ماله شيء أو يحتاج إلى إنفاق أو ما أشبه ذلك فيقال كما قال المؤلف رحمه الله: إما صناعة وإما أجرة وإما اكتساب وفي وقتنا
هذا في الغالب الوظيفة فإذا قدرنا أن هذا الرجل وظيفته ألفا ريال ونفقته في الشهر على عياله ثلاثة آلاف ريال فهنا يحتاج اثني عشر ألفاً فيعطى اثناعشر ألفاً فإن قدر أن المؤنة زادت واحتاج أكثر يعطى وإن قدر أن المؤنة رخصت وزاد عنده شيء فهو له لأن الفقير يملك ما يعطى ملكاً مستقرا.
القارئ: السادس من تلزمه مؤنته كزوجته ووالديه وإن علوا وأولاده وإن سفلوا الوارث منهم وغيره ولا يجوز الدفع إليهم لأن في دفعها إليهم إغناءً لهم عن نفسه فكأنه صرفها إلى نفسه وفيمن يرثه غير عمودي نسبه روايتان إحداهما: لا يدفع إليه لأن الله تعالى أوجب نفقته عليه بقوله: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) والثانية: يجوز لأنه ممن تقبل شهادته له فجاز الدفع إليه كالأجانب فإن كان محجوباً عن ميراثه أو من ذو الأرحام جاز الدفع إليه وإن كان شخصان يرث أحدهما صاحبه دون الآخر كالعمة مع ابن أخيها فللموروث دفع زكاته إلى الوارث لأنه لا يرثه وفي دفع الوارث زكاته إلى مورثه الروايتان وهل للمرأة دفع زكاتها إلى زوجها؟ على روايتين إحداهما: يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزينب امرأة ابن مسعود: (زوجك وولدك أحق من تصدقتِ به عليهم) رواه البخاري ولأنه لا تلزمها نفقته فلم تحرم عليه زكاتها كالأجنبي والثانية لا يجوز لأنها تنتفع بدفعها إليه لوجوب نفقتها عليه وتبسطها في ماله عادة فلم يجز دفعها إليه كالولد.
الشيخ: هذا المانع الأخير ينبغي أن يقال: المدار فيه على منفعة الدافع إذا كان دفعه إلى أقاربه يحفظ ماله بذلك فإنه لا يجزيء وإذا كان لا يحفظ ماله بذلك فإنه يجزيء وعلى هذا فلو أدى الزكاة في غرم لأبيه أو ابنه أو زوجته أو زوجه فلا بأس لأنه لا يلزمه أن يقضي الدين عنهم فإذا كان لا يلزمه وهم محتاجون لقضاء الديون ودفع الزكاة عنهم فلا حرج أما إذا كان هؤلاء يجب الإنفاق عليهم وليس عندهم شيء ثم دفع الزكاة إليهم فهذا يوفر ماله بهذا الدفع فلا يحل فيكون المدار في مسألة الأقارب هل الإنسان في إعطائهم يوفر ماله؟ إن قلنا: نعم قلنا: لا يجزيء وإذا كان لا يوفر ماله بمعني أنه لا يلزمه أن ينفق عليهم أو يقضي دينهم فحينئذٍ له أن يدفع إليهم الزكاة في قضاء الدين أو النفقة ولنفرض مثلاً أن امرأةً عندها حلي تستعمله وتحتاج إليه وفيه زكاة ولها ولد فقير أيجوز أن تعطيه هذه الزكاة؟ نعم لأنه لا يلزمها أن تنفق عليه ليس عندها إلا هذا الحلي الذي تحتاجه لنفسها فنفقته ليست واجبة عليها فلها أن تعطيه من الزكاة فالضابط إذاً إذا كان الإنسان إذا دفعها إلى قريبه يوفر ماله منع وإن كان لا يوفر ماله فلا بأس، فإذا كان قادراً على الإنفاق فلا يجوز أن يعطيهم للنفقة إذا كانت تلزمهم نفقته وقضاء الدين لا بأس به ولا فرق بين الزوج والزوجة حتى الزوجة لها أن تدفع الزكاة إلى زوجها إذا كان فقيراً لأن الزوجة لا يلزمها أن تنفق على زوجها بكل حال وكونها تعطيه ثم يعود إليها مصلحة منه لا يضر لأنها سوف تطالب الزوج أن ينفق عليها.
السائل: أحسن الله إليك كبر الولد واستقل عن أبيه في بيته وافتقر والأب كانت له زكاة فهل يخرجها له أو نقول يجب أن ينفق عليه؟
الشيخ: يجب أن ينفق عليه إذا كان يستطيع أما لو كان الأب عنده عائلة ولا يستطيع أن ينفق على هذا الابن فله أن يعطيه من زكاته ولو استقل لأنه ليس من شرط وجوب الإنفاق أن لا يستقل.
السائل: الآن بعض القبائل تنتسب إلى نسب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهل مثل هؤلاء إذا أخذوا الزكاة على جهل ولم يدروا أنها لا تجوز لهم ثم تبين لهم هل يضمنون ما أخذوا؟
الشيخ: أولاً الآن ليس فيه خمس فإذا كانوا فقراء فالذي نرى أنه تجوز لهم الزكاة فعلى هذا القول لا إشكال فيه أما على القول الثاني الذي لا تحل مطلقاً فيردون ما أخذوا ولو سنين كثيرة لكنه قول ضعيف.
السائل: أحسن الله إليكم هل يلزم للآخذ أن يسأل أهذه من الزكاة أو من الصدقة؟
الشيخ: لا يلزمه إذا كان من أهل الزكاة وإذا لم يكن من أهل الزكاة لكن ظن الدافع أنه من أهل الزكاة فليسأل.
فصل
القارئ: ويجوز لكل واحد من هؤلاء الأخذ من صدقة التطوع لأن محمد بن علي كان يشرب من ساقيات بين مكة والمدينة وقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة.
الشيخ: ويمكن أن يستدل لذلك بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إنما هي أوساخ الناس) لأن الذي فيه التنظيف الصدقة الواجبة كما قال تعالي: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) يعني قد يؤخذ من هذا وكثير من العلماء يقول: إنه لا تحل لهم الصدقة الواجبة ولا المستحبة وهذا الأثر المروي عن محمد بن علي ينظر أولاً في صحته فإن صح فهو رأي كرأي غيره من العلماء وإن لم يصح فالأمر واضح على أن هؤلاء لا يمنعون من الشرب من السقايات ونحوها لأنهم لا يُملِّكونها والمقصود الصدقة التي يُملِّكونها أما هذا فهو يشرب كما يشرب الناس ويمشي فهو لم يختص بها ولم يتملكها يعني حتى لو قلنا: بأن صدقة التطوع محرمة على آل البيت فإن مثل هذا لا يحرم عليهم وذلك لأنهم لا يملكونه.
مسألة: من المهم فيما سبق أننا عرفنا الأصناف الثمانية التي فرض الله لهم الصدقة فأيُّ إنسان يقول عن شخص وهو من الأصناف الثمانية يقول عنه: لا يجزيء دفع الزكاة إليه نقول: عليك الدليل، فمثلاً إذا قال: الوالد لا يجوز دفع الزكاة إليه والوالدة لا يجوز والأخ لا يجوز وهو ممن اتصف بواحد من الأوصاف الثمانية نقول له: عليك الدليل، هذا هو الأصل ومن ثم سبق لنا أنه يجوز للإنسان أن يدفع زكاته إلى والده في قضاء الدين أو إذا كان لا يستطيع أن ينفق عليه لأن ماله قليل لا يستطيع أن ينفق على أبيه لكن عنده زكاة وأبوه فقير يعطى حتى وإن لم يكن في قضاء الدين فالعبرة بما لو وفّر ماله في الزكاة عليهم هذه القاعدة اعرفوها والدليل في هذا واضح: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) فإذا قال: لا تعطي أباك وهو فقير نقول له: هو أدرى هذا فقير مستحق بكتاب الله وهلم جرا.
ويتبين مما سبق أن ما قاله المؤلف هو الظاهر وأن المحرم على آل البيت هي الصدقة المفروضة لقوله صلى الله عليه وسلم (إنما هي أوساخ الناس) وقال الله عز وجل: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) فإذا كانت الصدقة تطهر فمعلوم أن الماء الذي يطهر به سوف يتأثر من الوسخ وعلى هذا فالقول الراجح في هذه المسألة أنه لا يحرم على آل البيت إلا صدقة الفريضة فقط أما النافلة فلا بأس.
القارئ: ويجوز لفقراء ذوي القربى الأخذ من وصايا الفقراء والنذور لأنها صدقة تطوع بها وفي أخذهم من الكفارة وجهان وعنه: منعهم من صدقة التطوع لعموم الخبر والأول أظهر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل معروف صدقة) حديث صحيح ويجوز اصطناع المعروف إليهم وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغازٍ في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل ابتاعها بماله أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين إلى الغني) رواه أبو داود ولو أهدى المسكين مما تصدق به عليه إلى الهاشمي حل له لأن النبي صلى الله عليه وسلم (أكل مما تصدق به على بريرة وقال: إنها قد بلغت محلها).
الشيخ: كل من أخذ مالاً بحق فله أن يدفعه إلى غيره بحق وإن كان هذا الثاني لا يحل أن يأخذه بالسبب الذي أخذه الأول فالنبي صلى الله عليه وسلم لا تحل له الصدقة لا التطوع ولا الواجبة لكنه أكل من الصدقة التي بذلت إلى بريرة لأن بريرة أخذتها بحق ثم أخذها الرسول بحق مع أن الرسول لو أخذها بالسبب الذي أخذته بريرة لم تحل له لكن هذه قاعدة مفيدة أن من أخذ مالاً بحق ثم دفعه إلى آخر بحق حل للثاني وإن كان الثاني لو أخذه بالسبب الأول لم يحل وأما أخذه من الكفارة فيه شيء عندي يعني الوجه الثاني الذي ذكره المؤلف قد يكون أقرب إلى الصواب لأن الكفارة واجبة تشبه الصدقة فهي إلى الزكاة أقرب من الصدقة.
فصل
القارئ: وإذا دفع رب المال الصدقة إلى غني يظنه فقيرا ففيه روايتان إحداهما: لا يجزئه لأنه دفعها إلى غير مستحقها فأشبه دفع الدين إلى غير صاحبه والثانية: يجزئه لأن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفي بالظاهر لقوله للرجلين (إن شئتما أعطيتكما منها ولاحظ فيها لغني) وهذا يدل على أنه يجزيء ولأن الغنى يخفى فاعتبار حقيقته يشق ولهذا قال الله تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) وإن بان كافر أو عبداً أو هاشميا لم تجزئه رواية وحدة لأن حال هؤلاء لا تخفى فلم يعذر الدافع إليهم بخلاف الغني.
الشيخ: هذا الفصل معناه إذا دفع الإنسان الزكاة إلى من ظنه أنه من أهلها وتبين أنه ليس من أهلها فإنها لا تجزئه مثل ظن أن هذا ابن سبيل وهو ليس كذلك ظنه حراً فبان عبداً وما أشبه ذلك فإنها لا تجزئه إلا إذا دفعها إلى غني يظنه فقيراً فإنها تجزيء الدليل استدل المؤلف رحمه الله بما لا دلالة فيه استدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجلين الجلدين: (إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) فأعطاهما فهل بان أنهما كانا قويين أو غنيين؟ لا إذاً لا يتم الاستدلال لكن هناك دليل واضح وهي قصة الرجل الذي حدَّث عنه النبي عليه الصلاة والسلام أنه خرج ذات يوم ليتصدق فتصدق فوقعت في يد سارق فأصبح الناس يتحدثون تُصدِّق الليلة على سارق فقال: الحمد لله على سارق ثم خرج الليلة الثانية فوضع صدقته في يد بغي يعني زانية والعياذ بالله فأصبح الناس يتحدثون تُصدِّق الليلة على زانية فقال: الحمد لله على زانية ثم خرج الليلة الثالثة فتصدق فوقعت صدقته في يد غني فأصبح الناس يتحدثون فقال: الحمد لله سارق وزانية وغني وهو يريد أن تقع في يد فقير متعفف فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت ممن تصدقت عليهم أما السارق فلعله يستغني مما تعطيه وكذلك الزانية تتعفف وكذلك الغني يعتبر فيتصدق لأن نيته طيبة فربما تفيد، هذا واضح أنه إذا أعطى زكاته إلى غني يظنه فقراً فإنها تجزيء بقينا إذا أعطاها لغير الغني ممن تحل لهم الزكاة فبان بخلافه يقول المؤلف: إنها لا تجزيء أعطى عبداً وهو فقير يظنه حراً فتبين أنه عبد يقول لا تجزيء ماذا يصنع؟ يأخذها من العبد وإذا العبد أبى فيضمنها للفقراء وهذه تذهب عليه وإذا أعطاها لكافر يظنه مسلماً ثم تبين أنه كافر والكافر لا تحل له الزكاة إلا في حال واحدة وهي التأليف فلو تبين أنه كافر لا تجزئه ماذا يصنع؟ يسترجعها منه ولو أبى فإنه يضمنها للفقراء ويطالب الكافر يوم القيامة وإذا أعطاها شخصاً من سائر الناس وتبين أنه
هاشمي والهاشمي من آل البيت وآل البيت لا تصح دفع الزكاة إليهم فماذا يصنع؟ نقول: إنها لا تجزيء استرجعها منه فإن أبى فعليك الضمان وعلَّل المؤلف رحمه الله بعلة عليلة قال: لأن حال هؤلاء لا تخفى فلم يعذر الدافع إليهم بخلاف الغني هذا في الواقع فيه نظر ما الذي يعلمنا أن هذا الرجل الذي عليه ثياب متقشفة وظاهر عليه البؤس ما أدري هل هو عبد أو حر ما الذي يعلمنا؟ كذلك أيضاً الكافر فالبلد فيه عمالة كثيرة عمال كثيرون كثير منهم كافر فخرجت بزكاتي وأعطيت هذا الرجل لأني تبين لي حسب ظني أنه مسلم ثم تبين أنه كافر ألا تخفي حاله؟ بلى ولذلك يسأل كثير من الناس يقول هل أسلّم على كل من لقيت من هؤلاء العمال وأنا لا أدري أمسلم هو أو كافر؟ فالحال تخفى كذلك أشد من هذا الهاشمي ألا تخفى حاله؟ أين الرجل الذي يعرف أنساب الناس ثم أين الرجل الذي يعرف أن هذا من بني هاشم فإذا أعطيت رجلاً في المسجد على أنه فقير وهو فقير لكنه من بنى هاشم وبنو هاشم لا تحل لهم الصدقة ثم تبين لي أن هذا الرجل من بني هاشم نقول ما تجزيء والصواب أن الزكاة تجزيء إذا دفعها إلى من يظنه أهلاً بعد التحري عند الشك فإذا غلب على ظنه أن هذا من أهلها فأعطاها أجزأت سواء كان المانع من إعطائه الغنى أو غيره هذا هو الصحيح لأن القياس هنا جلي واضح إذ لا فرق بين شخص غني تظنه فقيراً وبين شخص تظنه ليس من أهل البيت فيتبين أنه من آل البيت لا فرق فالقياس هنا جلي فإذا دلت السنة على أنه إذا تصدق على غني يظنه فقيراً فتبين أنه غني فالصدقة مقبولة فكذلك بقية الأصناف.
فصل القارئ: وإذا تولى الرجل إخراج زكاته استحب أن يبدأ بأقاربه الذين يجوز الدفع إليهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة) رواه الترمذي والنسائي ويخص ذوي الحاجة لأنهم أحق ومن مات وعليه دين وزكاة لا تتسع تركته لهما قسمت بينهما بحصصهما لأنهما تساويا في الوجوب فتساويا في القضاء.
الشيخ: المسألة الأولى واضحة أنه إذا كان أقاربه من أهل الزكاة فهم أولى من غيرهم لأن صدقته عليهم صدقة وصله.
المسألة الثانية رجل مات وعليه زكاة ودين عليه مثلاً ألف ريال زكاة وألف ريال دين ولم يخلف إلا ألف ريال فماذا نصنع؟ يقول المؤلف: إنها تقسم بين الزكاة وبين الدين والمثال الذي ذكرنا تقسم نصفين خمسمائة تُعطى للزكاة في أهل الزكاة وخمسمائة تعطى في الدين وهذا الذي ذكره رحمه الله هو الأولى وقال بعض العلماء: يقدم حق الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) وبعضهم قال: يقدم الدين لأنه حق أدمي وحق الآدمي مبني على المشاحة فيقدم ولا أدرى أفيها قول آخر أن السابق منهما يقدم كما لو كان الدين قد حل قبل وجوب الزكاة أو لا؟ إن كان أحد قد قال بذلك: فهذا قول رابع وأقرب الأقوال ما مشى عليه المؤلف رحمه الله أنه يقسم بينهما لأن كلاً منهما دين ثابت في ذمة هذا الميت فتساويا وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) فالمعنى أنه إذا كان يقضى دين الآدمي فدين الله أولى بالقضاء وليس فيه ذكر التزاحم وكلامنا الآن في مسألة التزاحم.
السائل: هل يجوز للغني أن يشتري زكاته من الفقير الذي أعطاه الزكاة؟
الشيخ: لا، لا يجوز فقد حمل عمر بن الخطاب على فرس له فأضاعه الذي أعطاه إياه فأراد عمر أن يشتريه فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال: (لا تأخذه وإن أعطاك بدرهم لا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) والتعليل أن هذا الفقير إذا كانت الشاة التي دفعتها إليه تساوي مائة سوف يبيعها عليه بثمانين كي يعطيه في العام القادم لأنه حاباه بها.
السائل: بارك الله فيك الصدقة على المدين بقدر دينه ألا يدخل في شراء الصدقة وهو لم يشترط عليه قضاء الدين؟
الشيخ: ما في مانع أبرأ ذمته ولا يدخل في باب الشراء لأن ما فيه محاباة هنا صاحب المال أبرأ ذمة هذا الرجل والرجل الذي أخذها يمكن أن يعطيها غيره لأنه ما قال ردها عليّ.
باب صدقة التطوع
القارئ: وهي مستحبة لقول الله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً).
الشيخ: اليهود عليهم لعائن الله إلى يوم القيامة لما نزلت هذه الآية قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: إن ربك افتقر وليس بغريب عليهم بأن يسبوا الله ويسبوا رسوله هم آذوا موسى وسبوه وآذوا الله عز وجل وسبوا الله فيقال: قاتلكم الله أنى تؤفكون هل الدرهم التي أنت تتصدق بها هل تصل إلى الله أو إلى المخلوق؟ تصل إلى المخلوق لكن لكرم الله عز وجل جعل هذا كالقرض الذي يكون لزاماً عليه أن يثيب عليه ومعروف أن الإنسان إذا استقرض من آخر فإن لزاماً عليه أن يوفيه فجعل الله الصدقة التي ابتغى بها وجه الله جعلها كأنها استقراض لأبد من إيفائه وهذا من كرمه والعجب أنه هو الذي منَّ بالمال ثم يمن بالثواب عليه وهو الذي قال: (هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ) إحساننا نحن من الله عز وجل هو الذي منَّ علينا به وأحسن علينا به ومع ذلك يقول: (هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ) وهذا من كمال كرمه سبحانه وتعالى.
القارئ: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل) متفق عليه.
الشيخ: لفظ الحديث (من تصدق بعدل تمرة من طيب) لكن الذين ينقلونها من الأصول يقولون من كسب طيب والأصول فيها من طيب وهو أعم لأن من طيب يشمل ما طاب كسباً وعيناً فهو أعم وقوله
صلى الله عليه وسلم: (ولا يصعد إلى الله إلا الطيب) وجاء في القرآن: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ).
القارئ: وصدقة السر أفضل لقول الله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن صلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفيء غضب الرب) رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
الشيخ: المؤلف رحمه الله يقول: إن صدقة السر أفضل ولا شك أنها أفضل لأن فيها فائدتين عظيمتين لا تحصلان في صدقة الجهر:
الفائدة الأولى: أنها أقرب إلى الإخلاص والفائدة الثانية: أبعد عن كسر قلب المعطى لأنك إذا تصدقت على شخص أمام الناس انكسر قلبه فهاتان الفائدتان لا توجدان في صدقة العلانية وإنما توجدان في صدقة السر ولكن إذا دعي إلى الصدقة على سبيل العموم وتصدق الإنسان مثل أن يقوم شخص يجمع للمجاهدين في سبيل الله أو لفقراء في بلد ما فهل الأفضل أن تكون سراً أو تكون علناً؟ الثاني أفضل وهنا بالنسبة لكسر قلب المعطى لا ينكسر قلبه لأن هذه الصدقة لا تعطى لشخص معين أمام الناس لكن يبقى المصارعة الآن بين إعطائها سراً لأنه أشد إخلاصاً وبين إعطائها جهراً فنقول في هذه الحال إعطاؤها جهراً أفضل وذلك من أجل أن يُقتدى بالإنسان ولهذا لما جاء الأنصاري بِصُرةٍ معه حين دعى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصدقة أتى بصرة كثيرة فأخذها النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) فإذا كان إعطاؤك الصدقة جهراً يحصل به الاقتداء وأن الناس يتسارعون إلى ذلك صارت هنا أفضل من السر حينئذٍ نقول الصدقة سراً أفضل ما لم يكن هناك مصلحة فالعلانية أفضل ولهذا مدح الله الذين ينفقون أموالهم سراً وعلانية ولم يذكر المؤلف رحمه الله ما ثبت في الصحيح من (أن سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) الشاهد في الأخير (أخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) هذا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
القارئ: والأفضل الصدقة على ذي الرحم للخبر.
الشيخ: الخبر هو (أن صلة الرحم تزيد في العمر) وهذا الحديث وأشباهه مما أشكل على بعض أهل العلم وقال كيف تزيد الصلة في العمر والعمر محدد (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ) فكيف تزيد فيه فيقال: هذا لا إشكال فيه والحمد لله هذا جاء في القرآن وجاء في السنة قال نوح لقومه: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) فجعل ذلك من أسباب تأخيرهم إلى أجل مسمى وقال: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ) ولا تناقض بين هذا وما قبله يعنى أن أجل الله إذا جاء بالعذاب لا يؤخر لكن إذا رجعتم إلى الله واستغفرتم الله قبل ذلك أخركم إلى أجل مسمى وكذلك (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) نقول لا تناقض والحمد لله لأن هذا الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام من باب الحث على صلة الرحم وإذا كان الله قد قدر للإنسان أجلاً مسمى مبنياً على صلة الرحم فسوف تكون صلة الرحم وسوف يكون تأخير الأجل لأن القدر سر مكتوم لا نعلمه فمثلاً إذا وفق الإنسان وقبل هذا الحديث ووصل رحمه علمنا أن الله تعالى جعل له سبباً يكون به سعة الرزق وطول العمر وإذا لم يوفق علمنا أن الله تعالى قد أنقص عمره لأنه لم يوفق لذلك فهو قد كتب لا الذي وصل وزاد ولا الذي قطع ونقص عمره (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَاب) فعندي أن المسألة ما فيها إشكال حتى أننا نقول: من أراد أن يكون له أولاد فليتزوج ممكن نقول هكذا ولا لا؟ نعم نقول هذا وإذا قدر أن يتزوج علمنا أن الله قدر له أولاد لأنه سبب وجد فلا إشكال في قوله (صلة الرحم تزيد في العمر) وأما محاولة بعض العلماء أن يقول المراد بالزيادة هنا البركة فلاشك أن البركة فيها زيادة لكن ليست هي المرادة في الحديث.
القارئ: ولقول الله تعالى: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ) والصدقة في أوقات الحاجة أكثر ثوابا للآية.
الشيخ: (فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) معنى المسغبة: المجاعة (يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ) جمع وصفين اليتم والقرابة كأولاد الأخ مثلاً فأولاد الأخ إذا مات أبوهم وهم صغار فهم أيتام وذوو مقربة.
القارئ: وكذلك على من اشتدت حاجته ولقول الله تعالى: (أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ).
الشيخ: إذا اجتمع فضيلة الوقت وحاجة الفقير يقدم حاجة الفقير فمثلاً إذا كان عند الإنسان زكاة وقدر أن الناس أصيبوا بمسبغة قبل حلول أجلها وكان أجل الزكاة عنده في رمضان وهو وقت فاضل ومحل للصدقة لكن اشتدت حاجة الفقراء قبل رمضان فالأفضل أن نبادر وأن ندفع حاجة الفقراء ولدينا قاعدة تشير إلى هذا إذا اجتمع في العبادة فضيلة تتعلق بمكانها أو زمانها أو في نفس العبادة فأولى بالمراعاة ما يتعلق بنفس العبادة ولهذا أمثلة قال العلماء الرمل في طواف القدوم أولى من الدنو من الكعبة وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) فلو تعارض عند الإنسان أن يصلي الصلاة في أول وقتها لكن مع مدافعة الأخبثين أو أن يؤخرها وتزول المدافعة قلنا أخر.
القارئ: والصدقة في الأوقات الشريفة كرمضان وفي الأماكن الشريفة تضاعف كما يضاعف غيرها من الحسنات والنفقة في سبيل الله تضاعف سبعمائة ضعف لقول الله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ).
الشيخ: الصواب أن التضعيف إلى سبعمائة عام في كل الطاعات كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن عمل حسنة فإنه يكتب له عشرة حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ولكن لا شك أن الإنفاق في سبيل الله أفضل من الإنفاق في غيره والصدقة في رمضان أفضل من الصدقة في غيره والصدقة في الأماكن الفاضلة كمكة والمدينة أفضل ولهذا عند الفقهاء قاعدة تضاعف الحسنات والسيئات في زمان أو مكان فاضل وتضاعف السيئات بالكيفية ما هو بالعدد فالسيئة ما يمكن أن تُجزى بأكثر من سيئة لكن الفرق بالكيفية كلنا يعلم الفرق بين الضرب الشديد والضرب الخفيف.
فصل
القارئ: ومن عليه دين لا يجوز أن يتصدق صدقة تمنع قضاءه لأنه واجب (فلم يجز) تركه.
الشيخ: عندي في المخطوط (فلا يجوز) نسخة، وهذا واضح يعني إنسان مثلاً عليه دين والدين هذا حال وتصدق نقول: لا تتصدق اقض الدين قال: أنا سأتصدق بعشرة ريالات وأنا علي عشرة آلاف وسأتصدق بعشرة ريالات فقط ماذا نقول له؟ العشرة ريالات هذه اعطها الدائن ويبقى عليك عشرة آلاف إلا عشرة ريالات والمرة الثانية كذلك وكما قال العوام: قطرة مع قطرة تأتي غديراً أو وداياً ففي هذا الشهر عندك عشرة تتصدق بها والشهر الثاني عشرة تتصدق بها أما إذا كان الدين مؤجلاً وإذا حل وعندك ما يوفيه فتصدق ولا حرج لأنك قادر وكذلك نفقة العيال فهي مقدمة على الصدقة ومن نعمة الله سبحانه وتعالى أن إنفاقك على أولادك صدقة بل إنفاقك على نفسك صدقة كما ثبت عن النبي صلي عليه الصلاة والسلام وهذه من سعة رحمة الله فالإنسان يقضي شيئاً واجباً عليه ومع ذلك يثاب ثواب الصدقة الواجبة لأن إنفاقك على نفسك وأولادك واجب.
القارئ: ولا يجوز تقديمها على نفقة العيال لأنها واجبة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت) رواه أبو داود وروى أبو هريرة قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي دينار قال: (تصدق به على نفسك قال: عندي آخر قال: تصدق به على ولدك قال: عندي آخر قال: تصدق به على زوجك قال: عندي آخر قال: تصدق به على خادمك قال: عندي آخر قال: أنت أبصر) رواه أبو داود.
الشيخ: وهذا واضح أن الواجب البداءة بالواجب وأول ما واجب عليك نفسك ابدا بنفسك ثم بمن تعول ولكن قد تكون هناك أحوال تطرأ يكون تقديم غير أهلك أمراً مؤكداً كدفع ضرورة جائع سيموت مثلاً.
إذا أنقذته بطعام وأهلك لا يموتون لو لم تطعهم الآن هنا نقدم الجائع ندفع ضرورته.
القارئ: فإن وافقه عياله على الإيثار فهو أفضل لقول الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).
الشيخ: هذا وصف الأنصار رضي الله عنهم: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) يعني لا يجدون في صدورهم حاجة على المهاجرين مما آتاهم الله من فضل الهجرة والنصرة لأنه ما عندهم حسد: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)
القارئ: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة جهد من مقل إلى فقير في السر) رواه أبو داود ومن أراد الصدقة بكل ماله وكان يعلم من نفسه حسن التوكل وقوة اليقين والصبر عن المسألة أو كان له مكسب يقوم به وذلك أفضل له وأولى به لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه تصدق بكل ماله فروي عن عمر أنه قال: أمرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق مالاً عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: أبقيت لهم مثله فأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ فقال: الله ورسوله فقلت لا أسابقك إلى شيء ابداً) وإن لم يثق من نفسه بهذا كره له لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غني) وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: (إنك أن تدع أهلك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) متفق عليه ويكره لمن لا صبر له على الإضاقة أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة.
الشيخ: كل هذا صحيح لأن البداءة بالنفس أولى ثم بمن توجب مؤنتهم ثم بالأجانب.
السائل: بعض الناس أحياناً يكون عليه دين ويكون لقريب أو صديق ولو تأخر عنه لما لامه ثم يقول إنه يحرج في بعض المواقف إلى أن يتصدق؟
الشيخ: ليست المسألة أن صاحب الدين يرضى أو يوافق لأن المسألة ذمتك وإلا كثير من الناس يستسلف من أخيه أو صديقه أو ما أشبه ذلك ويعلم أنه لا يهمه لو مكث عشرة سنين لكن العلة هي براءة الذمة لكن قد يقال: إنه إذا صار موقف حرج مثل ما قلت فربما يقال: إنه لا بأس به لأسيما إذا صار قريباً.
السائل: توفي شخص عن دين وتعهد آخر بسداده لصاحبه هل تبرأ ذمة الميت بذلك؟
الشيخ: هذه فيها خلاف وقصة أبي قتادة رضي الله عنه لما تحمل الدينارين تقدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصلى على الميت قالوا: وصلاته عليه يدل على أنه برئت ذمته لكن في بعض روايات الحديث كان الرسول يسأل أبا قتادة حتى قال: (أديتهما قال: الآن بردت عليه جلدته) فهذا يدل على أنه لا يبرأ الميت منها براءة تامة حتى تقضى وذلك لأن الضامن قد يماطل وربما يعسر والأصل أن وجوب الدين على الميت ولو تعهد خطياً أو بشهود أو برضاء صاحب الدين.