تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامةصفحات 492-31
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 492-31
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
عدد الأجزاء
5 [الكتاب مرقم آليا]

القارئ: وإن تلفت بعد وجوبها وقبل حفظها في بيدرها وجرينها بغير تفريط فلا ضمان عليه سواء خرصت أم لم تخرص لأنها في حكم ما لم تثبت اليد عليه ولو تلفت بجائحة رجع بها المشتري على البائع وإن أتلفها أو فرط فيها ضمن نصيب الفقراء بالخرص أو بمثل نصيبهم وإن أتلفها أجنبي ضمن نصيب الفقراء بالقيمة لأن رب المال عليه تخفيف هذا بخلاف الأجنبي والقول في تلفها وقدرها والتفريط فيها قول رب المال لأنه خالص حق الله تعالى فلا يستحلف فيه كالحد وإن تلفت بعد جعلها في الجرين فحكمها حكم تلف السائمة بعد الحول.
الشيخ: إذاً صارت المسألة لها ثلاث حالات قبل بدو الصلاح إذا تلفت بإتلافه أو بفعل الله عز وجل فليس فيها زكاة ما لم يقصد بإتلافها الفرار من الزكاة فعليه والحال الثانية تلفت بعد بدو الصلاح وقبل وضعها في الجرين فإن كان بتفريط منه أو تعدٍ منه فعليه ضمان الزكاة وإن لم يكن فلا زكاة عليه والثالثة إذا تلفت بعد إيوائها الجرين ووضعها في البيدر فعليه الضمان مطلقا سواء تلفت بتعد منه آو تفريط أو بلا تعد

ولا تفريط والصحيح أن الحال الثالثة كالحال الثانية يعني إذا تلفت بغير تعد ولا تفريط فإنه لا ضمان عليه لأنها بقيت في يده أمانة إلا إذا فرط في تأخير دفعها إلى مستحقها فعليه الضمان.
في الحال الثالثة لايضمن لأن هذا المال الذي بيده وهو ليس بمتعد ولا مفرط فهو كالوديعة.
السائل: إن كان الماء يخرج بدون مؤنة لكن تأخذ عليه الدولة مقابل؟ الشيخ: فيه العشر لأنه إذا ظلم فلا يظلم غيره لا هذا ضريبة الدولة أصلاً ما تأخذ ضريبة على شيء نافع.
السائل: أحسن الله إليك بعض أصحاب المزارع يزعمون أن عليهم مصاريف أخرى غير الماء؟ الشيخ: هذا لايعتبر كلفة لأن السنه إنما جاءت (فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف عشر) نقتصر عليه أما إذا كان عليه نفقات أخرى لغير الماء فلا يمكن أن ينقص حق الفقراء.

فصل

القارئ: ويستحب للإمام أن يبعث من يخرص الثمار عند بدو الصلاح لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد لله بن رواحة إلى يهود فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يوكل منه رواه أبو داود وعن عتاب بن أسيد أنه قال أمرنا رسول الله أن نخرص العنب كما نخرص النخل فيؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ زكاة النخل تمرا رواه أبو داود ويجزيء خارص واحد لحديث عائشة ولأنه يفعل ما يؤديه إليه اجتهاده فجاز أن يكون واحداً كالحاكم ويعتبر أن يكون مسلماً أميناً غير متهم ذا خبرة فإن كانت الثمرة أنواعا خرص كل نوع على حدته لأن الأنواع تختلف (منها) ما يكثر رطبه.
الشيخ: (فمنها) نسخة في المخطوط.
القارئ: ويقل يابسه ومنها خلاف ذلك فإن كانت نوعاً واحداً خير بين خرص كل شجرة منفردة وبين خرص الجميع دفعة واحدة ثم يعرِّف المالك قدر الزكاة ويخيره بين حفظها إلى الجذاذ وبين التصرف فيها وضمان حق الفقراء فإن اختار حفظها فعليه زكاة ما يؤخذ منها قل أو كثر لأن الفقراء شركاؤه فليس عليه أكثر من حقهم منها وإن اختار التصرف ضمن حصة الفقراء بالخرص فإن ادعى غلط الساعي في الخرص دعوى محتملة فالقول قوله بغير يمين وإن ادعى غلطاً كثيراً لا يحتمل مثله لم يلتفت إليه لأنه يعلم كذبه فإن اختار التصرف فلم يتصرف أو تلفت فهو كما لو لم يخير لأن الزكاة أمانة فلا تصير مضمونة بالشرط كالوديعة.
الشيخ: إذا عرَّفه بالزكاة يخيَّر بين حفظها إلى الجذاذ وبين التصرف فيها وضمان حق الفقراء يعني أن يقول إما أن يبقى التمر كما هو إلى الجذاذ وإما أن تبيعه لكن تضمن تمراً بدله يعني ما هو لازم يخرج من عين الرطب والتمر.

فصل القارئ: ويخرص الرطب والعنب لحديث عتاب ولأن الحاجة داعية إلى أكلهما رطبين وخرصهما ممكن لظهور ثمرتهما واجتماعها في أفنانها وعناقيدها ولم يسمع بالخرص في غيرهما ولا هو في معناهما لأن الزيتون ونحوه حبه متفرق في شجره مستتر بورقه.

الشيخ: وعلى هذا فلا يخرص الزرع من باب أولى وعمل الناس اليوم على خرص الثمار والزروع وذلك لأنه وإن كان في الزرع جهالة لكون الحب مستتراً بالقشر لكنه جهالة قريبة ليس جهالة كثيرة ولهذا يجوز بيع الحب في سنبله مع اشتراط العلم في البيع فإذا لم يمنع من ذلك إجماع فإن خرص الزروع كخرص الثمار.

فصل القارئ: وعلى الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع توسعة على رب المال لحاجته إلى الأكل منها والإطعام ولأنه قد يتساقط منها وينتابها الطير والمارة وقد روى سهل بن أبي حثمة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) رواه أبو داود وعن مكحول قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث الخراص قال (خففوا على الناس فإن في المال العرية والواطئة والأكلة) رواه أبوعبيد.
الشيخ: ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الخارص يدع الثلث أو الربع فهل المراد أنه لا يخرص إلا الثلثين أو الثلاثة أرباع؟ أو أن المعني أن يدع الثلث أي ثلث الزكاة أو الربع ربع الزكاة الأقرب هذا وأن الخارص مأمور بأن لا يأخذ الزكاة كلها بل يدع الثلث أو الربع وذلك لأن رب المال قد يكون له أقارب وأصحاب ومعارف يحب أن يعطيهم من الزكاة فإذا أخذت الزكاة كلها منه لن يبق لهؤلاء المعارف والأقارب شيء وهذا الذي ذكرناه يؤيده أن الأحاديث الصحيحة التي أصح من هذا الحديث قدّر فيها النبي عليه الصلاة والسلام العشر أو نصف العشر بدون ذكر حذف شيء منه وعلى هذا نقول فيما يسقى بلا مؤنة العشر كاملاً لكن ينبغي للخارص أن يدع الثلث من أجل أن يؤديه صاحب الزرع أو الثمر وما يسقى بمؤنة فيه نصف العشر كما جاء في الحديث فيجب إخراج العشر أو نصفه ثم يقال للخارص دع الثلث من الزكاة أو الربع لصاحبها.

القارئ: فالعرية نخلات يهب رب المال ثمرتها لإنسان والواطئة: السابلة والأكلة: أرباب الأموال ومن تعلق بهم فإن لم يترك الخارص شيئاً فله الأكل بقدر ذلك ولا يحتسب عليهم وإن لم يخرص عليهم فأخرج رب المال خارصاً فخرص وترك قدر ذلك جاز ولهم أكل الفريك من الزرع ونحوه مما جرت العادة بمثله ولا يحتسب عليهم.
الشيخ: جرت العادة أن أهل الزرع إذا استوى الزرع أخذوا سنبلات وفركوها وأكلوها هذا الفريك فما جرت به العادة فلا بأس أن يأخذوه وإن لم تؤخذ منهم الزكاة وتؤخذ الزكاة مما بقي وذلك لأن ما جرت به العادة فإنه يجرى على العادة ويسامح فيها.

فصل القارئ: فإذا احتيج إلى قطع الثمرة قبل كمالها لخوف العطش أو غيره أو لتحسين بقية الثمرة جاز قطعها لأن العشر وجب مواساة فلا يكلف منه ما يهلك أصل المال ولأن حفظ الأصل أحظ للفقراء من حفظ الثمرة لتكرر حقهم فيها كما هو أحظ للمالك فإن كفى التجفيف لم يجز قطعها وإن لم يكف جاز قطعها كلها.
الشيخ: أنا عندي في المخطوط (فإن كفى التخفيف) نسخة والتخفيف أقرب للصواب.
القارئ: وإن كانت الثمرة عنبا لا يجيء منه زبيب أو زبيبه رديء كالخمري أو رطب لا يجي منه تمر جاز (كالبرنبا) قطعه.
الشيخ: أنا عندي في الخطوط ألف بعد الراء (كالبرابنا)، هذا معروف نوع من التمر وعلى كل حال يوجد رطب ما يمكن أن يكون تمراً إذا يبس ما ينفع ولا يوكل فإذا كان هذا النوع الرطب موجوداً في البستان فهو الذي أراد المؤلف.
القارئ: قال أبو بكر: وعليه قدر الزكاة في جميع ذلك يابسا وذكر أن أحمد نص عليه وقال القاضي: لا يلزمه ذلك لأن الفقراء شركاؤه فلم يلزمه مواساتهم من غير جنس ماله.

الشيخ: وقول القاضي أصح يعني مثلاً على قول القاضي يجوز أن يخرج رطباً بدلاً عن التمر في هذا النخل الذي لا يأتي رطبه تمراً وكذلك العنب إذا قلنا بوجوب الزكاة في العنب الذي لا يأتي منه زبيب فإنه يجوز أن يخرج الزكاة عنباً رطباً لأن الزكاة وجبيت مواساةً بين الغني والفقير.
القارئ: ويتخير الساعي بين مقاسمة رب المال الثمرة قبل الجذاذ بالخرص ويأخذ نصيبهم شجرات منفردة وبين مقاسمة الثمرة بعد جذها بالكيل ويقسم الثمرة في الفقراء وبين بيعها للمالك أو لغيره قبل الجذاذ وبعده ويقسم ثمنها في الفقراء فإن أتلفها رب المال فعليه قيمتها لأنه لا يلزمه تجفيفها فأشبه الأجنبي.
الشيخ: هذا إذا كان قبل تعيينها وأما إذا عينها المالك وقال للعامل هذه صدقتي فإنه لا يجوز له أن يشتريها بعد ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن شراء الرجل صدقته) وقال: (إن هذا مثله مثل الكلب يقي ثم يعود في قيئه) لكن لو أن العامل قال لرب النخل: القيمة أنفع للفقراء فلنقدر الثمرة كلها بقيمتها فإذا كانت تساوي عشرة آلاف وهي مما تسقى بمؤنة فالواجب خمسمائة وإذا كان مما لا يسقى بمؤنة فالواجب ألف وهذا طيب لا بأس لأنه أحياناً يكون العامل ليس عنده مكان يجبي فيه التمر وثانياً ربما يكون الفقراء لا يريدون التمر يريدون المال النقد فإذا رأى العامل ذلك فله أن يفعل ومن ذلك ما كان معهوداً عندنا الآن في أن الرجل يبيع ثمرة نخله كله فحينئذ لا يكلف أن يشتري تمراً من السوق ليدفعه للفقراء بل نقول ما دام بعت ثمرة نخلك كله فإنك تخرج من الثمن نصف العشر إن كان يسقى بمؤنة والعشر كاملاً إن كان يسقى بلا مؤنة فصار يخرج القيمة فيما إذا طلبها الساعي ولكن هل للساعي طلبها؟ نقول: نعم إذا رأى أن ذلك أصلح للفقراء فلا بأس وكذلك إذا كان لمصلحة المالك بحيث يكون المالك قد باع بستانه كله ولم يكن عنده إلا ثمن البستان فنقول لا بأس أن يأخذ العامل الزكاة من القيمة.

مسألة: بعض العلماء قال إن الرطب الذي لا يتمر والعنب الذي لا يزبب ليس فيه زكاة لأن هذا يشبه الفاكهة لكن الفقهاء الذين يرون الوجوب يقولون: هذا أصله أنه يتمر في الرطب وأنه يكون زبيباً في العنب والنادر لاحكم له.

السائل: متى يكون الخرص؟ الشيخ: إما قبل أن يتمر إذا بدأ به التمر أو إذا أتمر نهائياً.
السائل: وإذا بدا صلاحه هل يخرص؟ الشيخ: لا ما يصلح إذا بدأ الصلاح لأنه لا يمكن ضبطه.

فصل القارئ: وما عدا ذلك لا يجوز إخراج الواجب من ثمرته إلا يابسا ومن الحبوب إلا مصفى لأنه وقت الكمال وحالة الادخار، فإن كان نوعاً واحداً أخرج عشره منه جيداً كان أو رديئا لأن الفقراء بمنزلة الشركاء فيه وإن كان أنواعاً أخرج لكل نوع حصته لذلك ولا يجوز إخراج الرديء عن الجيد ولا يلزم إخراج الجيد عن الرديء لما ذكرنا ولا مشقة في هذا لأنه لا يحتاج إلى تشقيص وقال أبو الحطاب: إن شق ذلك لكثرة الأنواع واختلافها أخذ من الوسط وإن أخرج رب المال الجيد عن الرديء جاز وله ثواب الفضل لما ذكرنا في السائمة.

الشيخ: أراد المؤلف رحمه الله كيف يخرج زكاة الثمار فقال إنه يخرج من كل نوع بحصته فإذا قدرنا أن هذا البستان فيه برحي وفيه شقراء وفيه أم الحمام فإنه يجب أن يخرج من البرحي وحدها زكاتها ومن الشقراء وحدها زكاتها ومن أم الحمام كذلك حتى لو كانت نخلة واحدة من نوع فإنه يخرج زكاتها منها هذا هو المشهور من المذهب وقال بعض أهل العلم أنه إذا كثرت الأنواع وشق أن يخرج من كل نوع زكاته فإنه يخرج من الوسط فلا يخرج الطيب ولا يلزمه إخراج الطيب ولا يجزئه إخراج الرديء وهذا القول لا شك أنه أقرب إلى الصواب من الأول وأما ما يفعله بعض الناس عندنا تجد البستان ثمانين في المائة من النوع الجيد وعشرين في المائة من النوع الرديء فيخرج الزكاة من النوع الرديء فهذا حرام ولا تجزئه الزكاة لقول الله تعالى: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) والسلامة من هذا كله أن يخرج من القيمة لأنه إذا أخرج من القيمة قدر قيمة كل البستان رديئه وجيده ثم أخرج من القيمة وبذلك تبرأ الذمة.
فصل القارئ: فأما الزيتون فإن لم يكن ذا زيت أخرج عشر حبه وإن كان ذا زيت فأخرج من حبه جاز كسائر الحبوب وإن أخرج زيتاً كان أفضل لأنه يكفي الفقراء مؤنته ويخرجه في حال الكمال والادخار.

فصل القارئ: ويجوز لرب المال بيعه بعد وجوب زكاته لأن الزكاة إن كانت في ذمته لم يمنع التصرف في ماله.
الشيخ: ونسخة في المخطوطة (لم تمنع).
القارئ: كالدين وإن تعلقت بالمال لكنه تعلق ثبت بغير اختياره فلم يمنع التصرف فيه كأرش الجناية فإن باعه فزكاته عليه دون المشتري ويلزمه إخراجها عما تلزمه لو لم يبعه.
الشيخ: يلزمه يعني الإخراج.

فصل

القارئ: ويجتمع العشر والخراج في كل أرض فتحت عنوة، الخراج في رقبتها والعشر في غلتها لأن الخراج مؤنه الأرض فهو كالأجرة في الإجارة ولأنهما حقان يجبان لمستحقين فيجتمعان كالكفارة والقيمة في قتل الصيد المملوك على المحرم.
وقال الخرقي: يؤدي الخراج ثم يزكي ما بقي لأن الخراج دين في مؤنة الأرض فأشبه ما استدانه لينفقه على زرعه وقد ذكرنا فيما استدانه رواية أخرى: أنه لا يحتسب به فكذلك يخرَّج هاهنا.

الشيخ: ولعل هذا مبني على القول بأن الدين يمنع وجوب الزكاة أو لا يمنع؟ وسبق أن في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء، منهم من قال: يمنع ومنهم من قال: لا يمنع ومنهم من فرق بين الأموال الظاهرة والأموال الباطنة، لكن ماهو الخراج؟ إذا فتحت البلاد عنوة فإن الإمام يخير فيها بين أن يقسمها بين الغانمين وبين أن يوقفها على المسلمين ويضرب عليها خراجاً مستمراً تؤخذ ممن هي في يده والثاني فعله عمر رضي الله عنه قال: لأن المسلمين الذين لم يوجدوا الآن لهم حق فيها وعلى هذا فإذا فتحوا أرضاً عنوة يعني بالسيف والقوة غنموا الأراضي لأن الأراضي تكون للمسلمين - هذه المزارع - فتبقى الأرض إذا ضرب عليها الإمام خراجاً بأن قال مثلاً كل كيلو عليه مائة ريال كل سنة هذا هو الخراج فيجتمع في الأرض الخراجية عشر وخراج العشر الذي هو الزكاة والخراج الذي هو حق بيت المال وضرب مثلاً لذلك بالصيد المملوك إذا قتله المحرم فإن عليه الجزاء كما قال الله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) فإذا قتل المسلم غزالاً لشخص فالغزال من الصيد المحرم فيحرم على المحرم أن يقتلها والغزال لشخص مالك لها نقول يجب في هذه الغزال الجزاء حق لله وتجب القيمة أو المثل حقٌ للآدمي فاجتمع فيها ضمانان ولو قتلها خطأً فعليه قيمتها لمالكها وليس عليه جزاء لقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ).

فصل القارئ: ويجوز لأهل الذمة شراء الأرض العشرية ولا عشر عليهم في الخراج منها لأنهم من غير أهل الزكاة فأشبه مالو اشتروا سائمة ويكره بيعها لهم لئلا يفضي إلى إسقاط الزكاة وعنه: يمنعون شراءها لذلك اختارها الخلال وصاحبه فعلى هذا إن اشتروها ضوعف العشر عليهم كما لو اتجروا إلى غير بلدانهم ضوعف عليهم ما يؤخذ من المسلمين.

الشيخ: الظاهر الأول أنه لا عشر عليهم لأن الزكاة يُغلّب فيها جانب العبادة بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن قال (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن هم أجابوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمسة صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة) فدل ذلك على أن الزكاة عبادة فتغلب فهؤلاء أهل الذمة لا نأخذ منهم الزكاة كيف نأخذ منهم الزكاة وهم لم يسلموا فالصواب المذهب في هذه المسألة وأن عليهم الخراج وليس عليهم الزكاة.
فصل القارئ: وفي العسل العشر لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤخذ في زمانه من قِرَب العسل من كل عشر قرب قربةً من أوسطها رواه أبو عبيد، وعن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (في العسل في كل عشر قرب قربة) رواه أبو داود والترمذى وقال الترمذى: في إسناده مقال ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم كبير شيء ومقتضى هذا أن يكون نصابه عشر قرب والقربة مائة رطل كذلك ذكره العلماء في تقرير القرب التي قدروا بها في القلتين وقال أصحابنا: نصابه عشرة أفراق لأن الزهري قال: في عشرة أفراق فرق ثم اختلفوا وقال ابن حامد والقاضي في المجرد: الفَرَق ستون رطلا وحكي عن القاضي أنه قال: الفرق ستة وثلاثون رطلا والمشهور عند أهل العربية الفرق الذي هو ثلاثة آصع وهو ستة عشر رطلا.

الشيخ: هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء هل في العسل زكاة أو لا؟ والآثار المذكورة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها نظر لكن قد صح عن عمر رضي الله عنه أنه أخذ العشر لكن هل أخذه على أنه زكاة أو على أن صاحب العسل أراد عمر أن يأخذ منه هذا بسبب غير الزكاة؟ والاحتياط بلا شك أن يزكى العسل لأنه يشبه الخارج من الثمار والزروع إذ أن الكلفة فيه يسيرة ليس على الإنسان إلا أن يجمع نحلاً ويحصد منه العسل.

باب زكاة الذهب والفضة

القارئ: وهي واجبة لقول الله تعالي: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ولما نذكره من النصوص ولأنهما معدَّان للنماء فأشبها السائمة.
الشيخ: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) معنى كنزها فسرته الآية أن لا ينفقها في سبيل الله وأعظم ما ينفق في سبيل الله من الأموال هو الزكاة وقوله: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) اقترنت الفاء بالخبر لأن (الذين) اسم موصول يشبه الشرط في العموم كقول النحويين في مثالهم: الذي يأتيني فله درهم والأصل الذي يأتيني له درهم، لكن لما أشبه الموصول اسم الشرط في عمومه جاز اقتران الخبر بالفاء.
القارئ: ولا زكاة إلا في نصاب ونصاب الوَرِق مائتا درهم ونصاب الذهب عشرون مثقالا لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب ولا أقل من مائتي درهم صدقة) رواه أبو عبيد والاعتبار بدراهم الإسلام التي وَزْنُ كل عشرة منها سبعة مثاقيل بغير خلاف

الشيخ: فتكون مئتا الدرهم بالمثاقيل مائة وأربعين مثقالاً لأن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل أما الدنانير فكل دينار مثقال فإذا كانت عشرون ديناراً فهي عشرون مثقالاً وإذا قلنا إن مائتا درهم مائة وأربعون مثقالاً فهي في الغرامات خمسمائة وخمسة وتسعون غراماً.
القارئ: فإن نقص النصاب كثيرا فلا زكاة فيه للحديث ولقوله صلى الله عليه وسلم (ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة) والأوقية أربعون درهما وإن كان يسيرا كالحبة والحبتين فظاهر كلام الخرقي لا زكاة فيه للخبر وقال غيره من أصحابنا: فيه الزكاة لأن هذا لا يضبط فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين.
الشيخ: والظاهر أن قول الخرقي هو الصواب ما دام الشرع قد قدره فلنرجع إلى تقديره لأن الحبة أو الحبتين قد يكون ثمنهما كثيراً فالصواب أن التقدير تحديد وليس تقريباً.
القارئ: ولا يضم الذهب إلى الفضة في إكمال النصاب لأنهما جنسان اختارها أبو بكر وفرّق بينهما وبين الحبوب لاختلاف نصابهما واتفاق نصاب الحبوب وعن أحمد رضي الله عنه أنه يضم لأن مقاصدهما متفقة فهما كنوعي الجنس.

الشيخ: الصحيح الأول أن الذهب لا يضم إلى الفضة في تكميل النصاب إلا في أموال الصيارفة وذلك لأن أموال الصيارفة يعدونها للتجارة فالذهب والفضة عروض تجارة مثال ذلك رجل ملك مائة درهم وعشرة دنانير هل عليه زكاة؟ إن قلنا بالضم فعليه زكاة لأنه ملك نصف نصاب من الذهب ونصف نصاب من الفضة وإن قلنا بعدم الضم فلا زكاة عليه لأنه لم يملك نصاباً من الفضة ولا نصاباً من الذهب وهذا يأتي في الحلي إذا كان امرأة عندها حلي يبلغ نصف نصاب وعندها دراهم تبلغ نصف نصاب فهل عليها أن تزكي حليها؟ إن قلنا بالضم وجب أن تزكيه لأن مجموعهما نصاب وإن قلنا بعدم الضم فلا زكاة عليها والراجح أنه لا ضم بدليل أن الشعير لا يضم إلى الحنطة مع أن مقاصدهما واحدة كلها طعام وأما أنواع الحنطة وأنواع الشعير فيضم بعضها إلى بعض لأن الجنس واحد إذاً القول الراجح أنه لا يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب لدليلين أثري ونظري أما الأثري فإن الأحاديث كلها تدل على أن الفضة إذا لم تبلغ كذا فلا زكاة فيها والذهب إذا لم يبلغ كذا فلا زكاة فيه (ليس فيما دون خمس أوقٍ صدقة) يعني أوقٍ من الفضة (ليس فيما دون عشرون ديناراً صدقة) والدنانير هي الذهب فإذا أخذنا بهذا العموم فلا فرق أن يكون عنده من الجنس الآخر أو لا، وأما الدليل النظري أن يقال كما لا يضم البر إلى الشعير في تكميل النصاب فكذلك لا يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب.
وأموال الصيارفة مستثناة لأن أموال الصيارف عروض تجارة الصيرفي عنده ذهب وفضة لو سألته لماذا؟ لقال: لأني أريد أن أتجر.

القارئ: ويضم أحدهما إلى الآخر فيحسب كل واحد من نصابه ثم يضم إلى صاحبه لأن الزكاة تتعلق بأعيانها فلا تعتبر قيمتها كسائر الأموال وعنه: تضم بالقيمة إن كان ذلك أحظ للفقراء فيقوّم الأعلى منهما بالآخر فإذا ملك مائة درهم وتسعة دنانير قيمتها مائة درهم وجبت زكاتها مراعاةً للفقراء ويجب في الزائد على النصاب بحسابه لأنه يتجزأ من غير ضرر فأشبه الحبوب.
الشيخ: يعني إذا قلنا بالضم وهو قول مرجوح كما عرفتم فهل يضم بالقيمة أو بالأجزاء الصحيح أنه يضم بالأجزاء لا بالقيمة إلا إذا كانت عروضاً فيضم بالقيمة مثال ذلك عنده نصف نصاب من الفضة وربع نصاب من الذهب لكنه يبلغ نصف نصاب من الفضة بالقيمة فهل عليه زكاة؟ على الخلاف إذا قلنا الضم بالأجزاء فلا زكاة عليه وإن قلنا بالقيمة فعليه الزكاة والصواب أنه بالأجزاء ما لم يكن للتجارة ومن عنده نصف نصاب من الفضة وربع نصاب من الذهب يساوي نصف نصاب من الفضة (نصف نصاب من الفضة مائة درهم) وربع النصاب من الذهب الذي عنده يساوي مائة درهم فهل يكمل النصاب بذلك؟ على الخلاف وإذا قلنا إنه يضم بالأعيان فلا زكاة وإن قلنا يضم بالقيمة فعليه الزكاة فصار عندنا الآن ثلاث مراتب: أولاً: هل يضم الذهب إلى الفضة في تكملة النصاب في ذلك خلاف والراجح لا ضم إلا في أموال الصيارفة لأنها تجارة.
ثانياً: إذا قلنا بالضم فهل يضم باعتبار القيمة أو باعتبار الأعيان ففي هذا خلاف فبعضهم قال يعتبر القيمة وبعضهم قال: يعتبر العين وهذا هو الصواب يعني إذا قلنا بالضم والمثال كما ذكرت لكم رجل عنده مائة درهم هذه نصف نصاب وعنده ربع نصاب من الذهب لكنه يساوي مائة درهم فإن قلنا الضم بالقيمة صار عنده مائتا درهم فيها الزكاة وإذا قلنا بالأعيان فلا زكاة لأنه ليس عنده إلا نصف نصاب وربع نصاب يعني ثلاثة أرباع نصاب فلا تلزمه الزكاة.
السائل: النقود الورقية هل تضم إلى الذهب والفضة؟

الشيخ: النقود الورقية نعتبرها فضة لأنه مكتوب عليها ريال أو خمسة ريالات أو عشرة ريالات أو خمسين ريال أو مائة ريال أو خمسمائة ريال فهي تعتبر ملحقة بالفضة.
فصل القارئ: والواجب فيها ربع العشر لقوله صلى الله عليه وسلم (في الرِقة ربع العشر) رواه البخاري والرقة: الدراهم المضروبة فيجب في المائتين خمسة دراهم وفي العشرين مثقالاً نصف مثقال ويخرج عن كل واحد من الرديء والجيد وعن كل نوع من جنسه إلا أن يشق ذلك لكثرة الأنواع واختلافها فيؤخذ من الوسط كما ذكرنا في الماشية وإن أخرج الجيد عن الرديء كان أفضل فإن أخرج رديئاً عن جيد زاد بقدر ما بينهما من الفضل لأنه لا ربا بين العبد وسيده.
الشيخ: لا ربا بين العبد وسيده يعني بذلك الله فالزكاة حق لله عز وجل فإذا زاد عن الدراهم الرديئة من جنسها فلا حرج.
القارئ: وقال القاضي: هذا في المكسرة عن الصحيحة أما المبهرجة فلا يجزئه بل يلزمه إخراج جيده ولا يرجع فيما أخرجه لله تعالى وفي إخراج أحد النقدين عن الآخر روايتان بناء على ضم أحدهما إلى الآخر.

الشيخ: هذه مثلاً إذا كان عند امرأة حلي من الذهب فعلى كلام المؤلف لا تخرج من الدراهم لأن الدراهم نائبة مناب الفضة وإخراج الفضة عن الذهب لا يجوز إلا إذا قلنا بالضم فإنهما يكونان كنقد واحد لكن الصحيح عدم الضم فيبقى النظر الآن امراة عندها حلي نقول إذا قدرنا أن عندها أربعين سواراً متساوية القيمة والوزن فماذا تخرج؟ تخرج سواراً واحداً ولا تخرج القيمة لكن أحياناً لا يمكنها أن تخرج من الذهب وذلك لأنه ليس عندها شيء منفصل بعضه عن بعض بقدر الزكاة فحينئذ نضطر إلى إخراج القيمة فتقدر الحلي بقيمته من الفضة وتخرج من الفضة وهذا هو الذي عليه العمل الآن.
القارئ: ومن ملك مشغوشاً منهما فلا زكاة فيه حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصابا فإن شك في بلوغه خيّر بين سبكه ليعرف وبين أن يستظهر ويخرج ليسقط الفرض بيقين.

الشيخ: بناءً على ما سبق في عرفهم من أن النقود أو الذهب والفضة قد يغش ويدخل فيه شيء ليس منه أما الآن والحمد لله فالأمور منضبطة ولا فيها غش يعرف الذهب عيار ثمانية عشر وعيار واحد وعشرين كلها معروفة.

فصل القارئ: ولا زكاة في الجواهر واللآليء لأنها معدة للاستعمال فأشبهت ثياب البذلة وعوامل الماشية وأما الفلوس فهي كعروض التجارة تجب فيها زكاة القيمة.

الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله: (ولا تجب الزكاة في الجواهر واللآليء) والألماس وأشباه ذلك هذا الحكم صحيح لكن التعليل غير صحيح وهو قوله: (لأنها معدة للاستعمال فأشبهت ثياب البذلة) بل التعليل الصحيح لأنه لم يرد إيجاب الزكاة فيها والأصل براءة الذمة وأما التعليل الذي ذكره فهو منتقض فها هو الحلي تجب فيه الزكاة مع أنه معد للاستعمال فالصواب أن يقال: لا تجب الزكاة في هذا لأنه لم يرد إيجاب الزكاة فيها والأصل براءة الذمة وأما قوله: (عوامل المواشي) يريد بذلك الإبل العوامل التي يعدها الناس للحمل يحملون الأمتعة عليها أو البقر والإبل التي يعدونها للحرث هذه ما فيها زكاة لأن من شرط وجوب الزكاة السوم والسوم في العوامل والحراثات وما أشبه ذلك غير موجود ولهذا لو قدر أن إنسان عنده ماشية عوامل ولكنها تعيش على الرعي وجبت فيها الزكاة فالعلة في العوامل لا لأنها استعلمت لكنه لأنه فقد شرط من شروط الزكاة وهو السوم والسوم هو الرعي وأما الفلوس فيقول المؤلف: (إنها كعروض التجارة تجب فيها الزكاة في القيمة) الفلوس: يعني القروش يعني النقد المعدني من غير الذهب والفضة هذا كعروض التجارة ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله: إن الفلوس عروضٌ مطلقا وإن كانت نقداً مستعملاً لكنها عروض ما فيها ربا وما فيها زكاة ما لم تعد للتجارة ويشبه الفلوس الأوراق النقدية لأنها ليست ذهباً ولا فضة لكن الناس يتعامل بها كما يتعاملون بالذهب والفضة وهذا محل خلاف بين العلماء رحمهم الله هل الأوراق النقدية تلحق بالنقد أو تلحق بالفلوس وقد ألف بعض المعاصرين كتاباً أسماه (إقناع النفوس بإلحاق أوراق الأناوط بعملة الفلوس) وانتصر لهذا انتصاراً كبيراً وعليه فلا يجري فيها الربا وليست فيها زكاة ما لم تعد للتجارة لكن هذا القول في نظري ضعيف والصواب أن فيها الزكاة وأنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل وهل يجوز أن يخرج الزكاة من عين الفلوس؟ يقول المؤلف تجب فيها

زكاة القيمة فلا يخرج منها كما لا يخرج من العروض فكذلك لا يخرج من الفلوس لكن عمل الناس خلاف ذلك لما كان الناس ليس عندهم من الدنيا ما عندهم اليوم كانوا يعطون الزكاة على قرش وقرشين يعطون الفقير قرشاً وقرشين ويفرح بهذا والآن لو تعطي الفقير ريالاً رده عليك بل البعض يرد عليك الخمسين ريالاً حتى تعطيه مائة أومائتين وإلا ما يقبل، وأنا أدركت أن الناس يعطون القرش الواحد من الزكاة ويقبله الفقير.
مسألة: كل نقد ليس من الذهب والفضة فهو فلوس وموجود الآن ريالات معدنية لهواتف العملة هي نقد بمعنى أن الناس يتعاملون بها كما يتعاملون بالنقدين الذهب والفضة.

فصل القارئ: ومن ملك مصوغاً من الذهب والفضة محرماً كالأواني وما يتخذه الرجل لنفسه من الطوق ونحوه وخاتم الذهب وحلية المصحف والدواة والمحبرة والمقلمة والسرج واللجام وتأزير المسجد ففيه الزكاة لأن هذا فعل محرم فلم يخرج به عن أصله.
فإن كان مباحاً كحلية النساء المعتادة من الذهب والفضة وخاتم الرجل من الفضة وحلية سيفه وحمائله ومنطقته وجوشنه وخوذته وخفه ورانه من الفضة وكان معداً لتجارةٍ أو نفقةٍ أو كراءٍ ففيه الزكاة لأنه معد للنماء فهو كالمضروب.
وإن أعد للبس والعارية فلا زكاة فيه لما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ليس في الحلي زكاة) ولأنه مصروف عن جهة النماء إلى استعمال مباح فلم تجب زكاته كثياب البذلة وحكى ابن أبي موسى عنه: أن فيه الزكاة لعموم الأخبار.
الشيخ: المصوغ من الذهب والفضة ينقسم إلى أقسام: الأول: المحرم ففيه الزكاة على كل حال مثل أن يكون للمرأة سوار على شكل ثعبان هذا محرم لأنه لا يجوز لبس هذا أو يكون عليها قلادة على شكل أسد هذه محرمة وفيها الزكاة أو يكون للرجل خاتم من ذهب هذا محرم ففيه الزكاة إذا بلغ النصاب.

الثاني: أن يكون معداً للنفقة والتجارة والكراء ففيه الزكاة أيضاً فمثلاً امرأة عندها حلي تتجر به تبيعه وتشتري في الحلي هذا فيه الزكاة لأنه عروض تجارة وعروض التجارة لا تختص بمال دون مال كل ما أعد للتجارة ففيه الزكاة أو أعدته للنفقة بمعنى أن عندها حلياً كلما احتاجت باعت منه وأنفقت على نفسها ففيه الزكاة أو أعدته للكراء تكريه الناس كلما احتاجت النساء إلى لبس الحلي لعرس أو غيره أجرَّته إياهن ففيه الزكاة.

الثالث: أن يكون للاستعمال المجرد المباح يعني أن امرأة عندها حلي تستعمله وهو مباح ليس محرماً وليس فيه إسراف ولا خروج عن العادة ولا صور حيوان ولا غير ذلك فلا زكاة فيه لأنه معد للاستعمال فهو كثياب البذلة يعني كما لو لبس الإنسان ثياباً فالثياب مهما بلغت قيمتها فليس عليه فيها زكاة وكفراش البيت وكالسيارة وما أشبه ذلك كل هذه ليست فيها زكاة والحلي مثلها يستعمل للزينة فكما أن الرجل لو كان عنده ثياب للزينة أو كان عنده مشالح للزينة يستعملها فلا زكاة فيها فكذلك حلي المرأة هذا وجه قولنا إنه لا زكاة في الحلي المعد للاستعمال إذا كان حلالاً ليس حراماً لكن قال ابن قدامة في الكافي: حكى ابن أبى موسى عنه أي عن الإمام أحمد: أن فيه الزكاة لعموم الأخبار فالأخبار الواردة في زكاة الذهب والفضة عامة ما فيها تفصيل فإن قال قائل لماذا لم تذكر الحديث الذي استدل به المؤلف بل ركنت إلى التعليل وهو قوله (ليس في الحلي زكاة)؟ فالجواب أننا عدلنا عنه لأن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وما لم يصح فلا يجوز الاستدلال به وهو غير مطرد ولا منعكس إذ أن الحلي قد تجب فيه الزكاة وقد لا تجب فليس على إطلاقه فلا يصح الاستدلال به أما الرواية الثانية عن أحمد ففيه زكاة أي في الحلي والدليل عموم الأخبار مثل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فلابد أن ينفق الذهب والفضة في سبيل الله على حسب ما جاءت به الشريعة فإن لم يفعل فهو كانز لها ومثل قوله صلى الله عليه وسلم (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار وأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد ثم يري سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) وهذا وعيد عظيم شديد ومعلوم أن المرأة التي

عندها حلي صاحبة ذهب أو فضة إن كان حلياً من الذهب فهو ذهب وإن كان حلياً من الفضة فهو فضة فهي صاحبة ذهب وفضة فما الذي أخرجها من العموم؟ ثم إنه قد وردت السنة بخصوص الحلي بأحاديث صحيحة مثل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال لها: أتودين زكاة هذه؟ فقالت: لا.
قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟ فخلعتهما وألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: هما لله ورسوله) وهذا نص في عين المسألة أي في مسألة النزاع والنص في مسألة النزاع حاكم لقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ولا شيء يعارضه وقد قال ابن حجر رحمه الله عن هذا الحديث: إنه أخرجه الثلاثة وإسناده قوي وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: إن إسناده صحيح وله شواهد من حديث أم سلمة وغيرها فعلى هذا يكون القول الراجح في هذه المسألة وجوب زكاة الحلي من الذهب والفضة وليس لنا أن نتجاوز ما دل عليه كتاب الله في ظاهر عمومه ولا ما دلت عليه السنة النبوية في عمومها وخصوصها لأننا مسؤولون عن ذلك وأما القياس الذي ذكره المؤلف فهو قياس باطل: أولاً: أنه قياس في مقابلة النص والقياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار لا يؤخذ به.
ثانياً: أنه قياس غير مطرد بدليل أن الإنسان لو جمع ثياباً كثيرة يعدها للنفقة فإنه لا تجب فيها الزكاة لكن لو أعدت المرأة الحلي للنفقة وجبت فيها الزكاة والمقيس يجب أن يكون موافقاً للمقيس عليه أيضاً ولو كان عند الإنسان ثياب كثيرة يؤجرها أو إبل كثيرة يؤجرها فإنه ليس فيها الزكاة ولو كان عند المرأة حلي من الذهب أوالفضة تؤجره لوجبت فيه الزكاة فإذاً لا قياس.

ثالثاً: أن نقول إن الثياب وما أشبهها الأصل فيها عدم الزكاة الأصل فيها أنها ليست فيها زكاة والذهب والفضة الأصل فيها الزكاة ومادام الأصل فيها الزكاة فإنه لا يمكن أن يخرج عن هذا الأصل إلا بدليل فتبين بهذا أن القياس لا يصح لا طرداً ولا عكساً ولأنه في مقابلة النص فلا يلتفت إليه فالصحيح الذي تبرأ به الذمة ويسلم به الإنسان من العقوبة أن يخرج الزكاة من الحلي والحمد لله الأمر واسع وإنك لتعجب أن تكون امرأة فقيرة عندها حلي لا تلبسه لكنها كلما احتاجت باعت وأكلت لإنقاذ نفسها وامرأة عندها من الحلي الشيء الكثير للتزين به والتزين أمر كمالي نقول: الأولى عليها الزكاة والثانية ليس عليها زكاة أيهما أحق أن تسقط عنها الزكاة؟ الأولى لأن الأولى أعدته للضرورة وهذه إنما أعدته للكمال فلو أردنا أن نسقط الزكاة لأسقطنا عن الأولى دون الثانية ومن قال بعدم الوجوب يسقط عن الثانية دون الأولى وهذا القول أعني وجوب زكاة الحلي كما أنه مقتضى النص فهو قول أكثر العلماء لأن مذهب أبي حنيفه رحمه الله وجوب الزكاة فيه والعالم الإسلامي ولا سيما في القرون الوسطي حين كانت الخلافة لبني عثمان لا شك أن العالم الإسلامي أكثره على مذهب أبي حنيفة لا سيما في شرق أسيا وشمالها فليس القول هذا غريباً ولا شاذاً ولا نادراً.
فصل القارئ: ولا فرق بين كثير الحلي وقليله لعدم ورود الشرع بتحديده وقال ابن حامد: إن بلغ حلي المرأة ألف مثقال فهو محرم وفيه الزكاة لأن جابراً قال: إن ذلك لكثير ولأنه سرف لم تجر العادة به فأشبه ما لو اتخذت حلي الرجال.

فصل القارئ: فإن انكسر الحلي كسراً لا يمنع اللبس فهو كالصحيح إلا أن ينوي ترك لبسه وإن كان كسراً يمنع الاستعمال ففيه الزكاة لأنه صار كالنقرة.
ولو نوى بحلي اللبس التجارة أو الكراء انعقد عليه حول الزكاة من حين نوى لأن الوجوب الأصل فانصرف إليه بمجرد النية كما لو نوى بمال التجارة القنية.

الشيخ: سبحان الله ولو كان عنده ثياب كثيرة أعدها للبس ثم نواها للتجارة هل تكون للتجارة؟ لا تكون للتجارة على المذهب وهذا أيضاً يدل على تناقض القياس الذي قاس منه.
السائل: ما معنى النقرة؟ الشيخ: النقرة القطعة من الذهب.
مسألة: قول الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) هذا ليس مراداً به العموم بالاتفاق لأنه عام أريد به الخاص ولهذا لا تجب الزكاة في الثياب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) وهذا بالإجماع.
السائل: بارك الله فيك إذا أعد الحلي للكراء هل تخرج الزكاة من نفس الحلي أو ما جلبه من مال؟ الشيخ: على قول من يقول: إن الزكاة تجب في عين المال يعني يجب إخراجها من عين المال تجب من الحلي أو من الذهب إن كان من غير الحلي ولكن القول الراجح أنه يكفي الإخراج من القيمة.

فصل القارئ: ويعتبر النصاب في المصوغ بالوزن لعموم الخبر فإن كانت قيمته أكثر من وزنه لصناعة محرمة فلا عبرة بزيادة القيمة لأنها معدومة شرعا وإن كانت مباحة كحلي التجارة فعليه قدر ربع عشره في زنته وقيمته لأن زيادة القيمة هاهنا لغير محرم فأشبه زيادة قيمته لنفاسة جوهره فإن أخرج ربع عشره مشاعاً جاز وإن دفع قدر ربع عشره وزاد في الوزن بحيث يستويان في القيمة جاز لأن الربا لا يجري ها هنا وإن أراد كسره ودفع ربع عشره مكسوراً لم يجز لأنه ينقص قيمته وإن كان في الحلي جواهر ولآليء وكان للتجارة قوم جميعه وإن كان لغيرها فلا زكاة فيها لأنها لا زكاة فيها منفردة فكذلك مع غيرها.

الشيخ: يعتبر النصاب في المصوغ بالوزن لا بالقيمة فمثلاً إذا كان هذا الذهب يزن عشرين ديناراً فهو نصاب لكن هذه العشرون دينارا لا تساوي مائتي درهم هل تجب فيه الزكاة؟ نعم تجب فيه الزكاة وذلك لأن المعتبر الوزن لا القيمة ولو كان عنده ما وزنه عشرون ديناراً وقيمته أربعمائة درهم يعني أكثر من النصاب بالضعف فهل يخرج عن أربعمائة درهم أو عن عشرين ديناراً الجواب الأول إلا إذا كان للتجارة فإنه إذا كان للتجارة يقوم لأن مال التجارة العبرة بقيمته.
السائل: ما معني قوله (فإن كان في الحلي جواهر ولآلي)؟ الشيخ: معنى (إذا كان الحلي فيه جواهر) يعني خواتم فيها فصوص أو أسورة فيها أيضاً فصوص فإن كان للتجارة قوم بما يساوي ومن جملته قيمة هذه الفصوص لأن الفصوص للتجارة وإن كان لغير التجارة فلا زكاة في هذه الفصوص لأنها مما لا زكاة في أصله فلا زكاة فيه إذا كان تبعاً لغيره.
فإذا قال قائل: المؤلف يرى أنه لا زكاة في الحلي قلنا: نعم لكن المؤلف يرى أن الحلي المعد للكراء فيه الزكاة ويرى أن الحلي المحرم فيه الزكاة ويرى أن الحلي المعد للنفقة فيه الزكاة.

باب زكاة المعدن

القارئ: وهو ما استخرج من الأرض مما خلق فيها من غير جنسها كالذهب والفضة والحديد والنحاس والزبرجد والبلور والعقيق والكحل والمغرة وأشباهها والقار والنفط والكبريت ونحوها فتجب فيها الزكاة لقول الله تعالى: (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْض) وروى الجوزجاني بإسناده عن بلال بن الحارث المزني (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من معادن القبلية الصدقة) وقدرها ربع العشر لأنها زكاة في الأثمان فأشبهت زكاة سائر الأثمان أو تتعلق بالقيمة أشبهت زكاة التجارة.

الشيخ: ما ذكره المؤلف رحمه الله من المعادن وأن فيه الزكاة مطلقا فيه نظر والصواب أن المعادن إن كانت مما فيه الزكاة ففيها الزكاة كمعادن الذهب والفضة وإذا كانت مما لا زكاة فيه كالنحاس والحديد والنفط وغيرها فإنه لا زكاة فيها ما لم يعدها للتجارة فإن أعدها للتجارة وجبت فيها الزكاة على أنها عروض تجارة.
القارئ: ولا يعتبر لها حول لأنه يراد لتكامل النماء وبالوجود يصل إلى النماء فلن يعتبر له حول كالعشر ويشترط لها النصاب وهو مائتا درهم من الورق أو عشرون مثقالاً من الذهب أو ما قيمته ذلك من غيرهما لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمس أوقٍ صدقة) ولأنها زكاة تتعلق بالأثمان أو بالقيمة فاعتبر لها النصاب كالأثمان أو العروض.
ويعتبر إخراج النصاب متواليا فإن ترك العمل ليلاً أو نهاراً للراحة أو لإصلاح الأداة أو لمرض أو إباق عبد فهو كالمتصل لأن ذلك العادة.
وإن خرج بين النيليين تراب لا شيء فيه فاشتغل به فهو مستديم للعمل وإن تركه ترك إهمال فلكل دفعة حكم نفسها.
الشيخ: يعني هذا الذي يستخرج المعدن إذا كان العمل متوالياً رد آخره إلى أوله في تكميل النصاب وإن كان متفرقاً بأن كان يأتي يوم ويستخرج ويبيع ثم يجيء اليوم الثاني ويستخرج ويبيع وما يستخرجه أقل من النصاب فهذا لا زكاة فيه وإن كانت بمجوعه يبلغ النصاب لأن لكل عمل حكماً مستقلاً.
القارئ: قال القاضي: ويعتبر النصاب في كل جنس منفردا والأولى ضم الأجناس من المعدن الواحد في تكميل النصاب لأنها تتعلق بالقيمة فيضم وإن اختلفت الأنواع كالعروض ولا يحتسب بما أنفق على المعدن في إخراجه وتصفيته لأنه كمؤن الحصاد والزراعة ولا تجب على

من ليس من أهل الزكاة لأنه زكاة ويمنع الدين وجوبه كما يمنع في الأثمان وتجب في الزائد على النصاب بحسابه لأنه مما يتجزأ ويخرج زكاته من قيمته كما يخرج قيمة العروض.

الشيخ: هذا الكلام على المعدن فيما كان معروفاً فيما سبق أن كل إنسان يملك أرضاً وفيها معدن فإن المعدن له ويتصرف فيه كما يشاء لكن أصبحت الآن الدول لا تعتبر بهذا وتمشي على أن الإنسان إذا وجد معدناً في أرض فإنه للدولة وبناءً على ذلك تنتفي جميع الأحكام التي ذكرها لا في وجوب الزكاة ولا في غيرها لأن مال الدولة يذهب إلى بيت المال فليس له مالك معين وحينئذ لا زكاة فيه والعمل على هذا الآن.
فصل القارئ: فأما الخارج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر ففيه روايتان إحداهما: لا شيء فيه لأن ابن عباس قال: لا شيء في العنبر إنما هو شيء ألقاه البحر ولأنه قد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه فلم يسبق فيه سنة والثانية: فيه الزكاة لأنه معدن أشبه معدن البر.
الشيخ: الصواب أنه لا زكاة فيها لأن الأصل عدم وجوب الزكاة فهو كاللباس ونحوه لا زكاة فيه لكنه لو أعده للتجارة انعقد الحول من إخراجه من البحر فإذا أتم الحول زكاه.
القارئ: ولا شيء في السمك لأنه صيد فهو كصيد البر وعنه: فيه الزكاة قياساً على العنبر.
الشيخ: والصواب أنه لا زكاة فيه على ما قدمه المؤلف رحمه الله والعنبر يطلق على شيئين على نوع من الطيب ويطلق على نوع من السمك كبير الذي يسمى العنبر سمك كبير جداً وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فنفذ الطعام في أيديهم حتى كان الواحد يأخذ التمرة يمصها بالصباح والمساء وهم على سيف البحر وإذا على سيف البحر شيء كالتل أو كالجبل فلما دنو منه وجدوه سمكة قد أخرجها الله لهم ووجدوا فيها شيئاً كثيراً وكبراً عظيماً حتى إنه يجلس في قحف عينها ثلاثة عشر رجلاً _ سبحان الله _ يعني قرية كبيرة وحتى أنهم أخذوا ضلعاً من أضلاعها ونصبوه ورحَّلوا أكبر جمل عندهم ودخل من تحتها وبقوا عليها وأكلوا وأتوا بشي منها إلى المدينة.

فصل القارئ: ويجوز بيع تراب معادن الأثمان بغير جنسه ولا يجوز بجنسه لإفضائه إلى الربا.

الشيخ: هذا إذا كان المعدن فيه الربا فإنه لا يجوز أن يباع ترابه بثمن من جنسه لأنه يكون ربا يعني لو قدرنا أنه ذهب ومعلوم أن تخليص الذهب من الأحجار المختلطة به لابد أن يكون هناك شيء من الرذاذ من الذهب فأراد الإنسان أن يبع هذا التراب بذهب فإن ذلك لا يجوز لأن الربوي إذا بيع بجنسه فلابد من التساوي وإذا أراد أن يبعه بفضة جاز ولابد من القبض وإذا باعه بماشية جاز ولو بلا قبض.
القارئ: وزكاته على البائع لأن رجلاً باع معدنا ثم أتى علياً رضي الله عنه فأخبره فأخذ زكاته منه ولأنه باع ما وجبت عليه زكاته فكانت عليه كبائع الحب بعد صلاحه وتتعلق الزكاة بالمعدن بظهوره كتعلقها بالثمرة بصلاحها ولا يخرج منه إلا بعد السبك والتصفية كالحب والثمرة.

باب حكم الركاز

القارئ: وهو مال الكفار المدفون في الأرض وفيه الخمس لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وفي الركاز الخمس) متفق عليه ولأنه مال كافر مظهور عليه بالإسلام فوجب فيه الخمس كالغنيمة ويجب الخمس في قليله وكثيره من أي نوع كان من غير حول لذلك ويجب على كل واجد له من أهل الزكاة وغيرهم لذلك.
ومصرفه مصرف الفيء لذلك ولأنه روي عن عمر أنه رد بعض خمس الركاز على واجده ولا يجوز ذلك في الزكاة وعنه: أنه زكاة مصرفه مصرفها اختارها الخرقي لأن علياً أمر واجد الركاز أن يتصدق به على المساكين ولأنه حق تعلق بمستفاد من الأرض فأشبه صدقة المعدن والعشر وفي جواز رده على واجده وجهان لما ذكرنا من الروايتين ويجوز لواجده أن يفرق الخمس بنفسه نص عليه واحتج بحديث علي ولأنه أوصل الحق إلى مستحقه فبريء منه كما لو فرق الزكاة.

الشيخ: الدليل قوله عليه الصلاة والسلام: (في الركاز الخمس) وقد اختلف العلماء في قوله: (الخمس) هل هو للعهد أو لبيان المقدار؟ فإن قلنا للعهد (في الركاز الخمس) صار مصرفه مصرف الفيء لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جعله خمساً وإن جعلنا الخمس لبيان المقدار بقي أن ينظر إلى أين يصرف هل يصرف مصرف الزكاة أو فيما هو أعم؟ يحتمل هذا وهذا لكن على رأي من يرى أن (أل) هنا لبيان حقيقة المقدار يقول إنه يصرف مصرف الزكاة وجوباً فيكون في الفقراء والمساكين والعاملين عليها إلى آخره.
السائل: القول الراجح في الركاز كونه يأخذه واجده أو يرجع إلى بيت المال؟ الشيخ: يأخذه واجده هذا هو الراجح.
السائل: ألا يشبه هذا ما يجده الواجد من المعادن فيكون له؟ الشيخ: لا لأن هذا الركاز قد ملك أولاً والمعادن لم تملك هذا الفرق بينهما.
السائل: في زكاة الحلي قلنا إنه إذا كان لا يستطيع أن يخرج من الذهب فله أن يخرج من القيمة فعلى أي شيء يحسب هل على ثمن الذهب أم ماذا؟ الشيخ: أولاً يحسب بالنسبة للنصاب يحسب على وزن الذهب فإذا قدرنا أن هذا الذهب لا يصل إلى نصاب وهو عشرون ديناراً أي عشرون مثقالاً لكن قيمته أكثر من النصاب بالنسبة إلى الفضة فهنا لا زكاة فيه مع أنه بلغ النصاب فيقدر قيمته ذهباً بغير تصنيع لأن هذه الصناعة حلال وليس فيها زكاة.
السائل: هل يشمل أيضاً الركاز ما إذا وجد سفينة غارقة في البحر؟ الشيخ: لا لأنه سيأتينا إن شاء الله في الركاز أنه لابد أن يكون عليه علامات الجاهلية أي ما قبل الإسلام فإذا وجت علامة على هذا فهو ركاز.
السائل: كم غراماً نصاب الذهب؟ الشيخ: الغرامات خمسة وثمانين غراماً وهذا أحوط بلا شك.
السائل: بارك الله فيك عمل الناس اليوم على إخراج الزكاة لا يستطيعون أن يحسبوا الصناعة؟

الشيخ: هذا من باب التسامح وقد يكون الذهب الذي لم يصنع أغلى من المصنع لكن لو أردنا أن ندقق قلنا يجب عليهم الزكاة في الذهب فقط وذلك لأن التصنيع هذا منفعته مباحة.

فصل القارئ: والركاز ما دفنه أهل الجاهلية ويعتبر ذلك برؤية (علامتهم) عليه.
الشيخ: في المخطوط (علاماتهم) نسخة، لأنه ما يختلف المعنى كثيراً.
القارئ: كأسماء ملكوهم وصورهم وصلبهم لأن الأصل أنه لهم فأما ما عليه علامات المسلمين كأسمائهم أو قرآنٍ ونحوه فهو لقطة لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه وكذلك إن كان على بعضه علامة الإسلام وعلى بعضه علامة الكفار لأن الظاهر أنه صار لمسلم فدفنه وما لا علامة عليه فهو لقطة تغليباً لحكم الإسلام.
الشيخ: في الواقع أسماء الملوك والصور والصلب هذه تكون حتى في النقود التي بأيدي المسلمين لكن قد يقال إن هناك أشياء يختص بها الكفار يعني نقوداً خاصة معينة تكون لهم لا يخرجونها إلى خارج بلادهم فحينئذٍ يحكم بأنها ركاز.

فصلٌ القارئ: ولا يخلو الركاز من أحوال أربعة.
الشيخ: الصواب من حيث اللغة أن يقال من أحوال أربع لأن الحال مذكر لفظاً مؤنث معناً.
القارئ: أحدها: أن يجده في موات فهو لواجده.
الثاني: وجده في ملك آدمي معصوم ففيه روايتان إحداهما: يملكه واجده لأنه لا يملك بملك الأرض إذ ليس هو من أجزائها وإنما هو مودع فيها فجرى مجرى الصيد والكلأ يملكه من ظفر به كالمباحات كلها وإن ادعاه صاحب الأرض فهو له مع يمينه لثبوت يده على محله والثانية: هو لصاحب الأرض إن اعترف به فإن لم يتعرف به فهو لأول مالك لأنه في ملكه فكان له كحيطانه فإن كان الملك موروثاً فهو للورثة إلا أن يعترفوا أنه لم يكن لمورثهم فيكون لمن قبله فإن اعترف به بعضهم دون بعض فللمعترف به نصيبه وباقيه لمن قبله.

الشيخ: الظاهر في هذه المسألة أن يكون لمن وجده إلا من استؤجر لحفره فإن استؤجر لحفره فهو لمن استأجره وإلا فهو لمن وجده وذلك لأنه منفصل عن الأرض فلا يدخل في ملكها فيكون ملكاً لواجده كما لو وجد فيها كمأة أو شيئاً يخرج من الأرض فهو لواجده فالصواب أنه لواجده إلا إذا استؤجر لحفره فهو لمن أستأجره.
القارئ: الثالث: وجده في ملك انتقل إليه فهو له بالظهور عليه وإن قلنا: لا يملك به فهو للمالك قبله إن اعترف به وإلا فهو لأول مالك.
الرابع: وجده في أرض الحرب وقدر عليه بنفسه فهو له لأن مالك الأرض لا حرمة له فأشبه الموات وإن لم يقدر عليه إلا بجماعة المسلمين فهو غنيمة لأن قوتهم أوصلته إليه.
الشيخ: وإذا كان غنيمة يقسم قسمة الغنيمة فهذا ركاز في أرض العدو في أرض الحرب لم يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين لهم شوكة فهذا يكون كأموال الكفار التي أخذناها بالقتال.
القارئ: وإن وجد في ملك انتقل إليه ما عليه علامة الإسلام فادعاه من انتقل عنه ففيه روايتان: إحداهما: يدفع إليه من غير تعريف ولا صفة لأنه كان تحت يده فالظاهر أنه ملكه كما لو لم ينتقل عنه.
والثانية: لا يدفع إليه إلا بصفة لأن الظاهر أن لو كان له لعرفه ولو اكترى داراً فظهر فيها دفين فادعى كل واحد من المالك والمكتري أنه دفنه ففيه وجهان: أحدهما: القول قول المالك لأن الدفين تابع للأرض والثاني: القول قول المكتري لأنه مودع في الأرض وليس منها فكان القول قول من يده عليه كالقماش.
الشيخ: وهذا أقرب أنه للمستأجر إلا إذا وجد علامة أو قرينة تدل على أنه للمالك مثل أن يكون مدفوناً في مكان محكم يبعد أن المستأجر يقوم به فيكون بالقرينة لمالك الأرض.
فصل

القارئ: وإذا أستأجر أجيراً ليحفر له طلباً لكنز فوجد كنزاً فهو للمستأجر لأنه استأجره لذلك فأشبه ما لو استأجره ليحتش له وإن استأجره لغير ذلك فوجد كنزا فهو للأجير لأنه غير مقصود بالإجارة فكان للظاهر عليه كما لو استأجره ليحمل له فوجد صيدا.

باب زكاة التجارة

القارئ: وهي واجبة لما روى سمرة بن جندب قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع) رواه أبو داود ولأنه مال نامٍ فتعلقت به الزكاة كالسائمة ولا تجب إلا بشروط أربعة أحدها: نية التجارة لقوله: (مما نعده للبيع) ولأن العروض مخلوقة في الأصل للاستعمال فلا تصير للتجارة إلا بنيتها كما أن ما خلق للتجارة وهي الأثمان لا يصير للقنيه إلا بنيتها ويعتبر وجودها في جميع الحول لأنها شرط أمكن اعتباره في جميع الحول فاعتبر فيه كالنصاب.
الشيخ: عروض التجارة هو ما أعده الإنسان للتكسب فكل مال أعده الإنسان للتكسب فهو عروض تجارة سواء كان من المواشي أو الثمار أو من الحبوب أو من السيارات أو من المكائن أو من أي شيء كل ما أعده الإنسان للتكسب فهو عروض تجارة لأن الإنسان يعرضه للبيع ولأنه يعرض ويزول ولا يبقي فتجد التاجر يعرض السلعة ويبيعها في المساء لأنه ليس له غرض بذاتها إنما الغرض الربح فكل ما أعد للتكسب فهو عروض تجارة وقد اختلف العلماء في وجوب الزكاة فيه والصواب المقطوع به أن فيه الزكاة لهذا الحديث الذي ذكره المؤلف حديث سمرة ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) وهذا الرجل إنما نوى بعروض التجارة التكسب بالقيمة همه قيمته لا تهمه أعيانها ولذلك لو كسَّبته بطرفة عين لباعها ولأن غالب أموال التجار هي العروض ولو أسقطنا الزكاة فيها لأسقطنا زكاة أموال كثيرة ولأنه عموم قوله صلى الله عليه وسلم (تؤخذ من أغنيائهم) تشمل من كان غنياً بعروض التجارة لكن لابد من شروط.
السائل: ولو نوى بالخارج من الأرض للتجارة؟

الشيخ: صار عروض تجارة الذي عنده غلة ويريد أن يبيعها إذا صار مثلاً عنده بستان فيه عشرة أطنان (بُنّ) ليأكله سوف يبيعه وحتى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان الناس يسلمون في الثمار السنة والسنتين ولذلك أوجب عليهم الرسول العشر فيما سقي بلا مؤنة ونصفه بما سقي بمؤنة هو اتخذه للنماء لكن سيبيعه يقول هذا يزكيه زكاة ثمار ثم بعد ذلك إذا صار يبيع ويشتري فيه يزكيه زكاة تجارة.
القارئ: الثاني: أن يملك العروض بفعله كالشراء ونحوه بنية التجارة وعنه: تصير للتجارة بمجرد النية اختارها أبو بكر وابن عقيل للخبر ولأنه يصير للقنيه بمجرد النيه فلأن يصير للتجارة أولى وظاهر المذهب الأول لأن ما لا تتعلق به الزكاة من أصله لا يصير لها بمجرد النية كالمعلوفة إذا نوى بها الإسامة.
الشيخ: الشرط الثاني: يقول رحمه الله: أن يملكها بفعله بنية التجارة فخرج بقولنا: بفعله ما لو ملكها بإرث فإن الإرث ليس بفعل الإنسان فإذا ملكها بإرث فإنها لا تكون للتجارة بالنية ما بقيت عنده فليس فيها زكاة فلو أن رجلاً ورّث سيارات كثيرة في معرض ولمَّا مات انتقلت السيارات التي في المعرض للورثة وليكن الوارث واحداً فهذا ليس عليه زكاة في السيارات ولو نوى للتجارة لأنه ملكها بغير فعله إذ أن الملك بالميراث ملك قهري ليس اختيارياً لو أراد الوارث أن يقول أنا لا أريد الإرث يلزمه ودخل في ملكه قهراً.

الثاني: أن يملكها بفعله بنية التجارة فلو ملكها بفعله بشراء مثلاً أو قبول هبة بنية الاقتناء ثم بدا له بعد ذلك أن يجعلها رأس مال ويتجر بها فإنها لا تكون للتجارة حتى يبيعها ثم يملك ثمنها بنية التجارة إذاً لا يمكن أن تنتقل للتجارة ما دام ملكها بغير نية التجارة حتى يبيعها ثم يملك ثمنها بنية التجارة لكن في المسألة قول آخر يقول رحمه الله: وعنه: تصير التجارة بالنية وعنه (عن الإمام أحمد رحمه الله) رواية أنه إذا نوى التجارة صارت للتجارة ولو كان بعد ملكه إياه بغير نية التجارة لعموم الحديث (فيما نعده للبيع) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات) ومثال ذلك إنسان ملك السيارة بنية الاقتناء ثم بدأ له أن يجعلها رأس مال التجارة فينعقد الحول من نيته ويزكيها متى ما تم الحول وعلى ما مشى عليه المؤلف الذي هو ظاهر المذهب لا تكون للتجارة فإذا قدرنا إنه نواها للتجارة في شهر محرم ولم يبعها إلا في شهر جمادى الأولى ونوى بها التجارة ينعقد الحول في جمادى الأولى على رأي المؤلف وعلى القول الثاني في محرم وهذا هو الصحيح ولاحظوا أننا قلنا: إذا نوى يعني إذا نواه رأس مال تجارة فإن نوى بيعه لغير التجارة لكنه هو لا يريده يعني هو عنده سيارة قديمة واشترى سيارة جديدة ووضع السيارة القديمة في المعرض للبيع لأنه طابت نفسه منها لا لأجل التجارة بها فهذا لا زكاة عليه ومثل ذلك لو كان عنده أراضي اشتراها لا للتجارة ثم إنه طابت نفسه وقال إني سأعمر بيتاً في غير هذا المكان وعرضها للبيع هل فيها زكاة؟ لا لأنها ليست للتجارة لكنه طابت نفسه منها وأراد أن يبيعها ومثل ذلك لو أُقطع أرضاً يعني أعطته الحكومة أرضاً وبقيت عنده مدة ومن حين أن ملكها من الدولة يريد أن يبيعها لأنه لايحتاجها فهل تكون للتجارة؟ لا تكون للتجارة لأن هذا ما نوى التجارة إنما نوى أنه لما كان غير محتاج للأرض يريد أن يبيعها فهذا ليست عليه زكاة لأنها

ليست للتجارة ليس فيها زكاة لأنه لم ينو بيعها تكسباً إنما نوى بيعها تخلصاً وأما المال فتجب الزكاة في عينه لأن المال نقود تجب الزكاة في عينه حتى ولولم ينو التجارة به حتى ولو نواه ليتزوج به أو ليشتري به بيتاً ليسكنه والنقود فيها الزكاة في عينها.
السائل: أحسن الله إليكم ما الراجح قول المذهب أو قول الإمام أحمد في المسألة السابقة؟ الشيخ: الراجح أنها تكون للتجارة بنيته لكن لاحظ أنه يريد نية التجارة لا نية التخلص منها بأن تكون طابت نفسه ويريد أن يبيعها هذا ليست عليه زكاة.
القارئ: وفارق نية القنية لأنها الأصل وكفى فيها مجرد النية كالإقامة مع السفر فعلى هذا إن لم ينو عند التملك ونوى بعده لم تجب الزكاة فيه لأنه نية مجردة ولو نوى بتملكه أنه للتجارة ثم نواه للقنية صار للقنية لأنها الأصل وإن نواه بعده للتجارة لم يصر لها حتى يبيعه.

الشيخ: هذه لها ثلاث حالات ذكر إنساناً اشترى أرضاً للتجارة ثم بدا له أن يبقيها ليعمر عليها سكناً لها انقطعت نية التجارة وصارت ليس فيها زكاة ثم بعد ذلك رجع ونواها للتجارة على نيته الأولى ليس فيها زكاة على ما مشى عليه المؤلف والصحيح أن فيها الزكاة هذا إذا كانت النية الأخيرة للتجارة أما لو نوى التخلص فلا زكاة عليه، نزيد أيضاً مثالاً آخر رجل اشترى أرضاً من مخطط أراضي للتجارة ففيها زكاة وفي أثناء الحول أشار عليه بعض أصحابه قالوا اعمر الأرض وابن فيها قال إذاً نويتها لأعمر عليها بيتاً انقطعت النية فليس فيها زكاة، وبعد مضي ثمانية أشهر قيل له: هذه الأرض ما لها مستقبل لا تعمر فيها للسُكنى اعمر في مكان آخر قال إذاً لن أعمر فيها بيتاً هل تكون للتجارة أو لا؟ أما على كلام المؤلف فلا تكون لأنها بَطَلت نية التجارة من الأول فلا تعود وأما على الرأي الثاني الذي روي عن أحمد فنقول: إن نوى التجارة يعنى نوى أن تكون هذه الأرض رأس مال له يتجر فيها ففيها زكاة وإن نوى التخلص منها يريد أن يبيعها فليس فيها زكاة وانتبهوا لهذه النقطة لأنها مهمة جداً الفرق بين أن ينوي ما كان للاقتناء للتجارة أو للتخلص إذا نوى التجارة على القول الراجح ففيها زكاة وإذا نوى التخلص فليس فيها زكاة والله أعلم.
القارئ: الشرط الثالث: أن يبلغ قيمته نصاباً من أقل الثمنين قيمة فإذا بلغ بأحدهما نصاباً دون الآخر قوّمه به ولا يعتبر ما اشتراه به لأن تقويمه لحظ الفقراء فيعتبر ما لهم الحظ فيه ولو كان أثماناً قوّمه كالسلع لأنه وُجد فيه معنيان يقتضيان الإيجاب فيعتبر ما يتعلق به الإيجاب كالسوم والتجارة فإن بلغ نصاباً من كل واحد منهما قوّمه بما هو أحظ للفقراء فإن استويا قوّمه بما شاء منهما.

الشيخ: هذا أحد الشروط في عروض التجارة أن تبلغ قيمته نصاباً من أحد الثمنين الذهب والفضة فقد يبلغ نصاباً من الذهب ولا يبلغ نصاباً من الفضة وقد يبلغ نصاباً من الفضة ولا يبلغ نصاباً من الذهب مثال ذلك رجل عنده سلع تبلغ تسعة عشر ديناراً ومائتي درهم إن قومناها بالذهب لم تبلغ النصاب لأن

نصاب الذهب عشرون ديناراً وإن قومناها بالفضة بلغت نصاباً لأن نصاب الفضة مائتا درهم فهل نقومها بالفضة لأنها غالب نقود الناس وهي الغالب في أيديهم أو نقومها بالذهب؟ يقول المؤلف نقومها بالأحظ فإذا بلغ بأحدهما نصاباً دون الآخر قوَّمه به يعني لا بالآخر وهل المعتبر ما اشتراها به أو المعتبر القيمة وقت الزكاة؟ يقول المعتبر القيمة وقت وجوب الزكاة فلو قدرنا أن رجلاً اشترى سلعة للتجارة بعشرة آلاف ريال وعند تمام الحول صارت تساوي خمسة آلاف ريال يزكي خمسة آلاف ريال ولو كان بالعكس اشتراها بخمسة آلاف ريال وصارت تساوي عشرة آلاف ريال يزكي عشرة آلاف ريال لأن المعتبر القيمة وقت وجوب الزكاة ولا يعتبر ما اشتريت به وإذا كانت التجارة أثماناً كأموال الصيارف حيث أن الصيارف أموالهم ذهب وفضة فهل نعتبر بالذهب أو بالفضة؟ نقول: إذا بلغت النصاب بأحد الثمنين وجبت الزكاة فهذا رجل صيرفي عنده خمسة دنانير لكنها تساوي مائتي درهم فيها الزكاة ولو كان لا يريد التجارة في هذا الخمسة الدنانير لم تجب فيها الزكاة لأنها لم تبلغ النصاب فصار ما أعد للتكسب يعتبر عروض تجارة فيه الزكاة وتعتبر قيمته بقطع النظر عن عينه وجوهره.
القارئ: الشرط الرابع: الحول لقوله صلى الله عليه وسلم (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) ويعتبر وجود النصاب في جميع الحول لأن ما اعتبر له الحول والنصاب في جميع الحول اعتبر وجوده في جميعه كالأثمان.

الشيخ: لكن هل يعتبر حول الحول عليه بعينه؟ الجواب لا، لأن هذا تاجر يمكن يشتري آخر سلعة قبل تمام الحول بشهر فهل نقول هذه السلعة التي اشتراها ليس فيها زكاة؟ لا لأن عروض التجارة الإنسان يبدل بعضها ببعض دائماً فإذا قدر أن الرجل كان عنده أرض للتجارة اشتراها بعشرة آلاف ريال وقبل تمام الحول بشهر باعها بأرض أخرى فهل نقول إن الحول انقطع أو لا زال مستمراً؟ لا زال مستمراً وكذلك لو باعها بدراهم ثم اشترى بالدراهم سيارات للتجارة فإن المعتبر حول الأرض لا حول ملك السيارات وإنسان عنده أرض اشتراها للتجارة فباعها قبل تمام الحول بمائة ألف ريال ثم اشترى بالمائة ألف ريال سيارات للتجارة هل نقول لابد أن يحول الحول على هذه السيارات أو نقول إذا مضى شهر يتم بها حول الأرض وجبت عليه الزكاة؟ الثاني وذلك لأن عروض التجارة لا تقصد أعيانها وإنما المقصود القيمة وإذا كان المقصود هو القيمة فلا فرق بين سلعة وأخرى.
القارئ: ولو اشترى للتجارة عرضاً لا يبلغ نصابا ثم بلغه انعقد الحول عليه من حين صار نصابا الشيخ: اشترى عرضاً بقيمة لا تبلغ النصاب مثل أن يشتري عرضاً بمائة وخمسين درهماً ثم زادت السلعة فصارت تساوي مائتي درهم فإننا نعتبر النصاب من حين صار يساوي مائتي درهماً فإذا ملكه في شعبان وهو يساوي مائة وخمسين درهماً وفي ذي القعدة صار يساوى مائتي درهم فيبتديء الحول من ذي القعدة لأنه هو الذي تم به النصاب هذا ما لم يكن عنده مال آخر يتم به النصاب فإنه يعتبر من حول النصاب الذي كان عنده سابقاً لأن هذه عروض تجارة.
القارئ: وإن ملك نصاباً فنقص انقطع الحول فإن عاد فنما فبلغ النصاب استأنف الحول على ما ذكرنا في السائمة والأثمان وإن ملك (نصاباً) في أوقات فلكل نصاب حول.
الشيخ: عندي في المخطوط (نُصُباً) جمع.

القارئ: ولا يضم نصاب إلى نصاب لأن المستفاد يعتبر له حول أصله على ما أسلفناه وإن لم يكمل الأول إلا بالثاني فحولهما منذ ملك الثاني وإن لم يكمل إلا بالثالث فحول الجميع من حين كمل النصاب.
الشيخ: هذا رجل ملك أنصبة في أوقات فلكل نصيب حول يعني ملك النصاب الأول في محرم والثاني في ربيع والثالث في رجب كل واحد له حوله وهذا يظهر كثيراً في مسألة الرواتب فالرواتب الإنسان لا يملكها دفعة واحدة كل شهر له راتب فهنا نقول: كلما ملك نصاباً انعقد حوله من ملكه وهذا بخلاف ربح التجارة فإن ربح التجارة يكون تبعاً للأصل فإذا قدر أنه ملك نصاباً في محرم وصار يبيع ويشتري به ولما قارب الحول زاد هذا النصاب وصار يساوي أكثر من نصاب فهل يزكي هذا الزائد وإن لم يتم حوله؟ الجواب: نعم يزكيه وإن لم يتم حوله لأن ربح التجارة تابع لأصله.
مسألة: نفرض أن رجلاً ورث ميراثاً أو وهب له هذا النصاب فهل نقول هذا الذي وهب له يبني حوله على ما سبق أو يبتديء له حولاً؟ يبتديء حولاً وهنا فرق بين تكميل النصاب وبين الحول فالغنم مثلاً لو أن الإنسان عنده مثلاً أربعين شاة سائمة ثم في أثناء الحول اشترى سائمة أخرى فإنها تضم إليها في النصاب فقط لكن في مسألة الحول لا فلكلٍ حولٌ جديد إلا ربح التجارة ونتاج السائمة هذه القاعدة.
السائل: الموظف في الدولة ألا يعتبر كالأجير فيكون انعقاد الحول من حين عقد الإجارة؟ الشيخ: لا الموظف لا يستحق راتبه إلا إذا تم الشهر فقط ولهذا جائز أن ينفصل أو يقال أو ما أشبه ذلك ولا يعطى إلا بالشهر لا يومياً وإن كان توزيع الراتب على الأيام فلا يضر.
فصل

القارئ: ولا يشترط أن يملك العرض بعوض ذكره ابن عقيل وأبو الخطاب وقال القاضي: يشترط أن يملكه بعوض كالبيع والخلع والنكاح فإن ملكه بهبة أو احتشاشٍ أو غنيمة لم يصر للتجارة لأنه ملكه بغير عوض أشبه الموروث ولنا أنه ملكها بفعله أشبه المملوك بالبيع وفارق الإرث لأنه بغير فعله فجرى مجرى الاستدامة.
الشيخ: إذاً يتلخص لنا أن في المسألة ثلاثة أقول: القول الأول: أنه لا يكون للتجارة إلا إذا ملكه بعوض فإن ملكه بغير عوض لم يصر للتجارة وهذا هو الذي أشار إليه المؤلف وهو قول القاضي رحمه الله فهو يشترط أن يملكه بعوض فإن ملكه بهبة فعلى رأي القاضي لا يكون للتجارة حتى يبيعه ويشتري بثمنه عرضاً آخر.
القول الثاني: أنه يشترط أن يملكه بفعله سواء كان بعوض أو بغير عوض وعلى هذا الرأي إذا وهب له عرض من عروض التجارة ثم نواه للتجارة يكون للتجارة.
القول الثالث: أنه لا يشترط أن يملكه بعوض ولا أن يملكه باختيار وأنه متى ملكه ثم نواه للتجارة صار للتجارة وهذا الذي رجحناه أولاً وأخيراً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) ولحديث سمرة (أنهم يخرجون الزكاة عما يعدونه للبيع).

فصل القارئ: وإذا اشترى نصاباً للتجارة بآخر لم ينقطع الحول لأن الزكاة تتعلق بالقيمة والقيمة فيهما واحدة انتقلت من سلعة إلى سلعة فهي كدراهم نقلت من بيت إلى بيت وإن اشتراه بأثمان لم ينقطع الحول لأن القيمة في الأثمان كانت ظاهرة فاستترت في السلعة وكذلك لو باع نصاب التجارة بنصاب الأثمان لم ينقطع الحول لذلك.

الشيخ: يعني تبادل السلع في عروض التجارة لا يقطع الحول فلو كان عنده أراضي للتجارة وفي نصف الحول باعها بسيارات للتجارة هل ينقطع الحول؟ لا ومتى يزكي السيارات؟ إذا تم حول الأرض ولو كان عنده سلع من نوع وفي أثناء الحول حولها إلى نوع آخر فإنه لا ينقطع الحول لأن الزكاة في القيمة والقيمة لم تختلف بتغيير أعيان التجارة ولو باعها بأثمان ليس بعرض تجارة فهل ينقطع الحول؟ لا كرجل عنده أراضي للتجارة وفي أثناء الحول باعها بدراهم قال أريد أن يكون عندي دراهم فهل ينقطع حولها؟ الجواب لا وعلى هذا فتبديل العروض بعضها ببعض لا يقطع الحول وتبديلها بأثمان كذلك لا ينقطع الحول والعلة أن الزكاة إنما تجب في عروض التجارة بالقيمة.
السائل: فيما إذا استبدل العرض بالأثمان والعروض مكثت عنده ستة أشهر متى يزكي؟ الشيخ: إذا مضى للعروض سنة وجبت الزكاة مع أنه لم يمض على الدراهم إلا ستة أشهر كما لو أبدلها بعروض أخرى.
السائل: إذا باع السلعة تخلصاً لا تجارة متى يبتديء حول الأثمان؟ الشيخ: يبتدأ حول الأثمان من البيع إنسان عنده أرض منحت له من قبل الدولة وصار يعرضها للناس وبقيت ستة أشهر ما بيعت ثم بيعت بعد ستة أشهر يبتدأ الحول من البيع يعني ما قبل ذلك ليست للتجارة.

فصل القارئ: وإذا ملك للتجارة سائمة فحال الحول والسوم ونية التجارة موجودان فبلغ المال نصاب أحدهما دون الآخر كخمس من الإبل لا تبلغ قيمتها مائتي درهم أو أربعٍ تبلغ ذلك وجب زكاة ما وجد نصابه لوجود سببها خالياً عن معارض لها، وإن وجد نصابهما كخمس قيمتها مائتا درهم وجبت زكاة التجارة وحدها لأنها أحظ للفقراء لزيادتها بزيادة القيمة من غير وقص وسواء تم حولهما جميعاً أو تقدم أحدهما صاحبه لذلك.
الشيخ: الخَمْس قيمتها مائتا درهم زكاتها ربع العشر أي خمسة دراهم وخمسة دراهم على كلام المؤلف أكثر من الشاة ولكن هذا في زمنه والآن الشاة أكثر لاشك فيؤخذ بالأحظ.

فصول الكتاب · 13 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة · 500 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب التفليس
كتاب الصلح
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الوقف
جارٍ التحميل