تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامةصفحات 32-71
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 32-71
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
عدد الأجزاء
5 [الكتاب مرقم آليا]

القارئ: وإن اشترى أرضاً أو نخلاً للتجارة فأثمرت النخل وزرعت الأرض فكذلك في أحد الوجهين وفي الآخر يزكي الثمرة والزرع زكاة العشر ثم يقوم الأرض والنخل فيزكيهما لأن ذلك أحظ للفقراء لكثرة الواجب وزيادة نفعه الشيخ: أكثر لأنه لو زكى الثمرة زكاة تجارة لكان فيها ربع العشر وإذا زكاها زكاة ثمرة صار فيها إما العشر كاملاً وإما نصف العشر فهو أكثر.
فصل القارئ: وتقوم السلع عند الحول بما فيها من نماء وربح لأن الربح من نمائها فكان حوله حولها كسخال السائمة وما نما بعد الحول ضم إليه في الحول الثاني لأنه إنما وجد فيه ويكمل نصاب التجارة بالأثمان.
الشيخ: هذا واضح أن الربح يتبع الأصل فإذا نما وقد بقي على تمام الحول شهر واحد فالنماء تابع للأصل.
القارئ: لأن زكاة التجارة تتعلق بالقيمة فهما جنس واحد وتخرج الزكاة من قيمة العروض لا من أعيانها لأن زكاتها تتعلق بالقيمة لا بالأعيان وما اعتبر النصاب فيه وجبت الزكاة منه كسائر الأموال.
الشيخ: هذا هو المذهب أنه تخرج زكاة العروض من النقدين ولا تخرج من الأموال وهذا القول لاشك أنه أحوط أولاً: لأن زكاة العروض تجب في القيمة ولا تجب في الأعيان لأن الأعيان ليست مرادة للتاجر فالتاجر يشتري هذه السلعة اليوم ويبيعها غداً أو في آخر اليوم ليست مرادة له مراد التاجر في عروض التجارة القيمة فتجب الزكاة في القيمة فيخرج الزكاة من القيمة.
ثانياً: أنه لو قلنا يخرجها من المال فهل هذا المال الذي عند التاجر يكون مرغوباً عند الفقراء قد لا يرغبه الفقير فيذهب ويبيعه بنصف قيمته أو أقل أو يبقيه عنده بالبيت تأكله الأرضة.

ثالثاً: أنه ربما يحابي نفسه فينظر إلى المال الكاسد عنده الذي لم يتيسر له البيع فيخرجه عن الزكاة فيكون ممن تيمم الخبيث لذلك كان القول بإخراج النقود أولى لكن لو فرض أن الأمور اختلفت وكان الأحب إلى الفقراء الإخراج من نفس أعيان المال فحينئذٍ يخرج منه يعني لو أن رجلاً تاجر تمر وعروض التجارة التي عنده تمر وكان الفقراء يحتاجون إلى التمر أكثر من الدراهم فهنا نقول أخرج من التمر لا بأس وأما إذا لم يكن أنفع للفقراء فالإخراج من القيمة ولابد ولو أن شخصاً وجبت عليه الزكاة من النقد وعرف أن هذا الفقير يحتاج إلى ثلاجة مثلاً أو غسالة أو حاجة أخرى فاشتراها له فهل يجوز أو لا؟ الجواب: لا يجوز لأن الواجب أن يعطيه نقوداً وهل له أن يقول إن لك عندي زكاة فهل توكلني أن أشتري لك بها شيئاً فيقول نعم أنا احتاج إلى الشيء الفلاني فاشتره لي من الزكاة التي لي عندك؟ هذا جائز لا بأس به.
القارئ: وقدر زكاته ربع العشر لأنها تتعلق بالقيمة فأشبهت زكاة الأثمان وفيما زاد على النصاب بحسابه لذلك.
الشيخ: (لذلك) لا بأس يصلح لكن نسختي المخطوطة (كذلك).

القارئ: ويخرج عنها ما شاء من عين أو ورق لأنهما جميعاً قيمة.
الشيخ: هذا صحيح يعنى إن شاء من الذهب وإن شاء من الفضة لكن الذي يناسب عامة الناس هو الفضة لأنه إذا كان عنده دينار وهو يحتاج إلى حاجة تساوي درهماً ماذا يعمل؟ يشق عليه أن يصرف ثم يشتري فالغالب أن الأرفق بالفقير أن تخرج الزكاة من الورق أي الفضة.

فصل القارئ: وإذا تم الحول على مال المضاربة فعلى رب المال زكاة رأس المال وحصته من الربح لأن حول الربح حول الأصل وله إخراجها من المال لأنه مؤنته ووجبة لسببه ويحسبها من نصيبه لأنها واجبة عليه فتحسب عليه كدينه ويحتمل أن تحسب من الربح لأنها من مؤنة المال فأشبهت أجرة الكيال.

الشيخ: الصحيح هو الأول أنه إذا أخرجها من المال المضارب فيه فهي من رأس المال وليست من الربح لأن لو قلنا من الربح لخسر المضارب فهذا رجل أعطى شخصاً مائة ألف قال خذ واتجر بها فاتجر بها وربح فعلى رب المال زكاة رأس المال وزكاة نصيبه من الربح فإذا قدرنا أن مائة ألف ربحت عشرين ألفاً صار على رب المال زكاة مئة وعشرة آلاف ويريد أن يخرجها الآن هل يخرجها من الربح أو من رأس المال؟ نقول: يخرجها من رأس المال ولو أخرجها من الربح لنقص عن عشرين ألفاً وصار الضرر على العامل وهذا بخلاف أجرة الكيال لأن أجرة الكيال تتعلق بعين المال.
القارئ: وفي زكاة حصة المضارب وجهان فمن أوجبها لم يجوز إخراجها من المال لأن الربح وقاية رأس المال وليس عليه إخراجها من غيره حتى يقبض فيؤدي لما مضى كالدين ويحتمل جواز إخراجها منه لأنهما دخلا على حكم الإسلام ومن حكمه وجوب الزكاة وإخراجها من المال.
الشيخ: حصة المضارب فيها خلاف هل تجب الزكاة فيها أو لا؟ والصحيح أنه إذا تم الحول وهي لم تقسم أن فيها الزكاة لأنها ربح مال تجب زكاته فيجب عليه أن يزكيه ولأن هذا هو الظاهر من عمل الناس من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى اليوم أنه إذا وجبت الزكاة في المال أخرجت منه ومن ربحه ثم هل تخرج من المال أو تخرج من غيره؟ كلام المؤلف رحمه الله ذكر فيه الخلاف والظاهر أنها تخرج من نفس المال فمثلاً إذا كان أصل المال مائة ألف وربح عشرين ألفاً نقول على القول الصحيح أخرج زكاة مائة

وعشرين أما عشرة فواضح أنها تجب فيها الزكاة لأنها تابعت لرأس المال وأما العشرة الثانية فزكاتها على القول الراجح واجبة أيضاً فنقول هذا المال المضارب فيه كلما حال الحول أخرجنا الزكاة من الموجود.
السائل: المخاطب هل هو المالك يخرج عن مائة وعشرين أم المضارب في المال؟

الشيخ: سواءً قال المالك للمضارب أخرجها أو أخرجها هو المهم أن الزكاة تجب في المائة والعشرين ويقال لكل واحد منهما وكِّل الآخر.
السائل: نحن قلنا إن من شروط الزكاة استقرار المال وحصة المضارب غير مستقرة؟ الشيخ: لا تم الحول الآن صحيح قبل الحول ما ندري لكن تم الآن الحول فوجبت الزكاة وهي مستقرة.
السائل: ما هي الصورة التي لا يزكي بها المضارب حصته؟ الشيخ: المذهب لا يزكي مطلقاً حتى لو تم الحول لكن الصحيح هو ما ما ذكر المؤلف في الوجه الثاني.

فصل القارئ: وإذا أذن كل واحد من الشريكين للآخر في إخراج زكاته.
الشيخ: أنا عندي في المخطوط (في إخراج الزكاة).
القارئ: فأخرجاها معاً ضمن كل واحد منهما نصيب صاحبه لأنه انعزل عن الوكالة بشروع موكله في الإخراج وإن أخرجها أحدهما قبل الآخر ضمن الثاني نصيب الأول علم بإخراجه أو لم يعلم لأن الوكالة زالت بزوال ما وُكِّل فيه فأشبه ما لو وكله في بيع ثوب ثم باعه الموكل ويحتمل أن لا يضمن إذا لم يعلم لأن المالك غره.
الشيخ: وهذا هو الأصح وفي مثل هذه الحال نقول الأفضل والأولى أن لا يوكِّل كل واحد منهما الآخر لأنه إذا وكَّل أحدهما الآخر فالذي يدفع الأول يكون أبرأ ذمة الجميع فإذا أخرج الثاني بعده فقد أخرج ما ليس بواجب فيضمن فنقول من الأصل أحدهما يوكل الآخر فقط.

فصل القارئ: ومن اشترى شقصاً للتجارة بمائتي درهم فحال الحول وقيمته أربعمائة فعليه زكاة أربعمائة ويأخذه الشفيع بمائتي درهم لأن الشفيع يأخذه في الحال بالثمن الأول وزكاته على المشتري لأنه زكاة ماله ولو وجد به عيباً رده بالثمن الأول وزكاته على المشتري.

السائل: إذا كان رب المال مسلماً والمضارب ذميّاً فالزكاة هل هي على المائة وعشرة فقط؟ الشيخ: نعم إذا كان الشريك ليس عليه زكاة فإن الزكاة على صاحبه.
السائل: لو أن الربح لم يبلغ النصاب هل فيه زكاة؟

الشيخ: يضاف إليه لأنه لا يمكن أن يبدأ الحول إلا إذا بلغ النصاب فمثلاً إذا أعطاه أقل من نصاب وبقي ستة أشهر لم يزيد ثم زاد حتى بلغ النصاب بعد مضي ستة أشهر يكون أبتدأ الحول من الستة الأشهر.
السائل: هذا رأس المال والربح بلغا النصاب لكن الربح وحده لا يبلغ النصاب؟ الشيخ: ما يضر يزكي والمضارب تزكى حصته لأن الربح تبع للأصل.
مسألة: الذي يظهر أن المضارب ما دام لم يقبض نصيبه فهو كالتابع حتى ولو تحاسبوا يزكي نصيبه ما دام أنهم لم يقسموه وإذا أخذ قبل تمام الحول فهو يضمه إلى ماله وإذا أخذه ملكه وانفصل عن الآخر.

باب زكاة الفطر

القارئ: وهي واجبة على كل مسلم لما روى ابن عمر قال: (فرض النبي صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الذكر والأنثى والحر والمملوك من المسلمين صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير فعدل الناس به نصف صاعٍ من بر على الصغير والكبير وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) متفق عليه.
الشيخ: زكاة الفطر هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه يعنى الزكاة التي سببها الفطر من رمضان وهي واجبة على كل مسلم صغيراً كان أو كبيراً حراً أو عبداً وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) يعني في يوم العيد قبل أن يخرجوا إلى الصلاة فدل ذلك على أنه لا تصرف بعد الصلاة وأنه إذا أخَّرها إلى ما بعد الصلاة بلا عذر فإنها لا تقبل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وأما قول الفقهاء رحمهم الله إنها بعد الصلاة في يوم العيد مكروهة وبعد يوم العيد حرام فهذا قول ضعيف.

ثانياً: إذا قال قائل: إذاً امنعوها قبل يوم العيد قلنا: نعم لو لم يكن عندنا إلا هذا الحديث لمنعناها ولقلنا إنه لا يجزيء إخراجها قبل العيد لكن قد دلت السنة على أنه يجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين وقوله: (صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير) إنما نص على ذلك لأنه غالب قوتهم في ذلك العهد إما التمر وإما الشعير وفي حديث أبي سعيد قال: (كان طعامنا يومئذٍ التمر والشعير والزبيب والإقط) ولم يكن البر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كثيراً شائعاً منتشراً وإن كان موجوداً كما يدل عليه حديث الربا فقد قال: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر) لكنه ليس قوتاً عاماً للناس إنما قوتهم العام هذه الأربعة فقط التمر والزبيب والشعير والإقط فهل المقصود أعيان هذه الأطعمة أو المقصود الجنس؟ المقصود الجنس أى أنه ما كان طعاماً للناس أجزأ فلو فرض أن الناس عدلوا عن الشعير وصاروا لا يقتاتونه ولا يأكلونه وإنما هو للبهائم فإنه لا يجزيء حتى وإن كان مذكوراً في الحديث لأنه إنما ذكر في الحديث بناءاً على أنه طعام الناس أما الآن فلا وكذلك لو أن الناس صاروا يطعمون سوى هذه الأصناف كالرز مثلاً أو الذرة في بعض الأماكن هي طعامهم فإنها تجزيء بل لو فرض أنه في أمة لا يتغذون إلا باللحم فإنه يكون من اللحم.
القارئ: وتجب على المكاتب عن نفسه للخبر ولأنه مسلم تلزمه نفقته فلزمته فطرته كالحر ولا تجب على كافر ولا على أحد بسببه فلو كان للمسلم عبد كافر أو زوجة كافرة لم تجب فطرتهما لقوله (من المسلمين) ولأنها زكاة فلم تلزم الكافر كزكاة المال وتجب على الصغير للخبر والمعنى.
الشيخ: تجب على الصغير لحديث ابن عمر (على الصغير والكبير) وقوله: والمعنى المراد بعض المعنى وليس المعنى كله لأنه في حديث ابن عباس (فرضها النبي صلى الله عليه وسلم طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين) أي المعنيين حصل؟ الثاني هو الذي حصل وهو طعمة المساكين.

القارئ: ويخرج من حيث يخرج نفقته لأنها تابعة لها ولا تجب على جنين كما لا تجب في أجنة السائمة ويستحب إخراجها عنه لأن عثمان رضي الله عنه كان يخرج عن الجنين.
الشيخ: إذا قلنا بإخراجها عن الجنين فكم يخرج صاعاً وأحداً أو صاعين؟ فيه احتمال أنه اثنان وقد قلنا في الفرائض: إذا مات عن حمل فإنه يوقف له الأكثر من إرث ذكرين أو انثين احتياطاً فيقال الفرق أن ذاك حق للمخلوق فلزم فيه الاحتياط أما هذا فهو حق لله والأصل براءة الذمة فلا يخرج إلا عن جنين واحد.
القارئ: فإن ملك الكافر عبداً مسلماً لم تجب فطرته لأن العبد لا مال له والسيد كافر وعنه: على السيد فطرته لأنه من أهل الطهرة فلزم السيد فطرته كما لو كان مسلما.
الشيخ: ولكن هذه المسألة مسألة فرضية لأن الكافر لا يمكن أن يملك المسلم إذ أن بيع المسلم على الكافر لا يصح وإذا أسلم عند الكافر أجبر على إزالة ملكه كما ذكر العلماء في كتاب البيع.

فصل القارئ: ولا تجب إلا بشرطين أحدهما: أن يفضل عن نفقته ونفقة عياله يوم العيد وليلته صاع لأن النفق أهم فتجب البداءة بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ابدأ بنفسك) رواه مسلم وفي لفظ (وابدأ بمن تعول) رواه الترمذي.
فإن فضل صاعاً واحداً أخرجه عن نفسه فإن فضل آخر بدأ بمن تلزمه البداءة بنفقته على ما نذكره في بابه إن شاء الله لأنها تابعة للنفقة فإن فضل بعض صاع ففيه روايتان إحداهما: يلزمه إخراجه لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ولأنه لو ملك بعض العبد لزمته فطرته فكذلك إذا ملك بعض المؤدى لزمه أداؤه والثانية: لا يلزمه لأنه عدم ما يؤدي به الفرض فلم يلزمه كمن عليه كفارة إذا لم يملك إلا بعض الرقبة.
الشيخ: الأقرب الأول وأنه إذا فضل بعض صاع فإنه يخرجه لأن هذا حق لأدمي فوجب أن يخرج منه ما استطاع.

القارئ: فإن فضل صاعاً وعليه دين يطالب به قدم قضاؤه لأنه حق أدمي مضيق وهو أسبق فكان أولى فإن لم يطالب به فعليه الفطرة لأنه حق توجهت المطالبة به فقدم على ما لم يطالب به ولا يمنع الدين وجوبها لتأكدها بوجوبها على الفقير من غير حول.
الشرط الثاني: دخول وقت الوجوب وهو غروب الشمس من ليلة الفطر لقول ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان وذلك يكون بغروب الشمس فمن أسلم أو تزوج أو ولد له ولد أو ملك عبداً أو أيسر بعد الغروب لم تلزمه فطرتهم وإن غربت وهم عنده ثم ماتوا فعليه فطرتهم لأنه تجب في الذمة فلم تسقط بالموت ككفارة الظهار.
الشيخ: قوله فمن أسلم أو تزوج العبرة بالعقد.
السائل: في مسألة العقد قالوا في النفقات إنه لا يجب عليه نفقتها حتى تسلّم نفسها؟ الشيخ: نعم لأن النفقة في مقابل الاستمتاع وأما هذا فلا ولا يشترط هنا الدخول.

فصل القارئ: والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة للخبر ولأن المقصود إغناء الفقراء يوم العيد عن الطلب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم) رواه سعيد بن منصور وفي إخراجها قبل الصلاة إغناء لهم في اليوم كله فإن قدمها قبل ذلك بيومين جاز لأن ابن عمر كان يؤديها قبل ذلك بيوم أو يومين ولأن الظاهر أنها تبقى أو بعضها فيحصل الغنى بها فيه وإن عجلها لأكثر من ذلك لم يجز لأن الظاهر أنه ينفقها فلا يحصل بها الغنى المقصود يوم العيد وإن أخرها عن الصلاة ترك الاختيار لمخالفته الأمر وأجزأت لحصول الغنى بها في اليوم.
الشيخ: هذا ضعيف جداً لأن حديث ابن عباس صريح قال: (فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعدها فهي صدقة من الصدقات) فالصواب أنه يحرم تأخيرها عن صلاة العيد وأنه لو أخرها ثم

أخرجها بعد صلاة العيد فهي صدقة من الصدقات ويكون آثماً حتى يتوب إلى الله فإن قال إنسان: لو لم يعلم بالعيد إلا في وقت متأخر ولم يتمكن من أدائها؟ قلنا: هذا عذر أو كان في البر وما علم بالعيد إلا بعد صلاة العيد فهذا عذر أو كان قد أعدها لإخراجها قبل الصلاة ثم سرقت ولم يتمكن فإذا كان لعذر فلا بأس.
السائل: بارك الله فيكم هنا يقول إنه لا يجوز إذا كان تعجل إخراجها لأكثر من يومين فما قولكم في حديث أبى هريرة من (أن الشيطان كان يأتيه ثلاثة أيام وكان على صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم) قالوا الظاهر أنها كانت صدقة الفطر؟ الشيخ: هذا يجاب عنه والله اعلم بأن الرسول ليس وكيلاً للفقراء إنما وكيل للأغنياء ولا تدفع للفقراء إلا في حينها.
القارئ: وإن أخرها عن اليوم أثم لتأخيره الحق الواجب عن وقته ولزمه القضاء لأنه حق مال وجب فلا يسقط بفوات وقته كالدين.

فصل القارئ: ولا يشترط لوجوبها الغنى بنصاب ولا غيره لما روى أبو داود بإسناده عن ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أدوا صدقة الفطر صاعاً من بر أو قمح عن كل اثنين صغير أو كبير حر أو مملوك غني أو فقير أما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى)، ولأنه حق مالي لا يزيد بزيادة المال فلم يشترط في وجوبه النصاب كالكفارة.

فصل القارئ: ومن لزمته فطرة نفسه لزمته فطرة من تلزمه مؤنته من المسلمين لما روى ابن عمر قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون) فيجب على الرجل فطرة زوجته وعبده وزوجة عبده لأن نفقتهم عليه فإن كان له عبد آبق فعليه فطرته لأنها تجب بحق الملك والملك لم يزله الإباق قال: أحمد ولا يعطي عنه إلا أن

يعلم مكانه وذلك لأنه يحتمل أنه قد مات أو ارتد فلم تجب الفطرة مع الشك فإن علم حياته بعد ذلك لزمه الإخراج لما مضى.

وإن كانت له زوجة ناشز لم تلزمه فطرتها لأنه لا تلزمه نفقتها وقال أبو الخطاب: تلزمه فطرتها كما يلزم السيد فطرة الآبق وإن كان لزوجته خادم تلزمه نفقته لزمته فطرته وإن كان العبد لسادة فعليهم فطرته لأن عليهم نفقته وعلى كل واحد من فطرته بقدر ما يلزمه من نفقته لأنها تابعة لها فتقدرت بقدرها وعنه: على كل سيد فطرة كاملة لأنها طهرة فوجب تكميلها ككفارة القتل.
الشيخ: والصحيح الأول أن على كل واحد منهم قدر ما يملكه.
القارئ: ومن نصفه حر ففطرته عليه وعلى سيده لما ذكرنا ومن نفقته على اثنين من أقاربه أو الآمة التي نفقتها على سيدها وزوجها ففطرته عليهما كذلك، ومن تكفل بمؤنة شخص فمانه شهر رمضان فالمنصوص عن أحمد أن عليه فطرته لدخوله في عموم قوله (ممن تمونون) واختار أبو الخطاب أنه لا تلزمه فطرته كما لا تلزمه نفقته وحمل الخبر على من تلزمه المؤنة بدليل وجوبها على الآبق ومن ملكه عند الغروب ولم يمنهما وسقوطها عمن مات أو أعتق قبل الغروب وقدمانه.

فصل القارئ: وعلى الموسرة التي زوجها معسر فطرة نفسها لأنه كالمعدوم وإن كانت أمة ففطرتها على سيدها كذلك، ويحتمل أن لا تجب فطرتهما لأن من تجب عليه النفقة معسر فسقطت كما لو كانت الزوجة والسيد معسرين.
الشيخ: الصواب أنه إذا كان الزوج معسراً فإنه يجب على الزوجة أن تخرج فطرتها بل أن ظاهر السنة أن الزوجة يجب عليها فطرتها ولو كان زوجها موسراً لأن هذه زكاة واجبة على الإنسان نفسه وغيره متحمل عنه وعلى هذا فالمطالب بإخراج زكاة الفطر هو الإنسان نفسه لكن لو تبرع به والده مثلاً أو كان من عادتهم أن قيم البيت يخرج عمن في البيت جميعاً فأخرج عنهم فلا بأس.
القارئ: ومن لزمت فطرته غيره فأخرجها عن نفسه بغير إذنه ففيه وجهان أحدهما: يجزئه لأدائه ما عليه والثاني: لا يجزئه لأنها تجب على غيره فلا يجزيء إخراجها بغير إذن من وجبت عليه كزكاة المال.

الشيخ: والصحيح الأول أنه إذا أخرجها عن نفسه برئت ذمته وسقط عن الآخر لأن المخاطب بها أولاً الإنسان نفسه وغيره يتحمل عنه.
فصل القارئ: والواجب في الفطرة صاعٌ من كل مخرج لحديث ابن عمر ولما روى أبو سعيد قال: ... (كنا نعطيها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من إقط أو صاعاً من زبيب فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال: إن مداً من هذا يعدل مدين قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه) متفق عليه.
الشيخ: الواجب في الفطرة صاع وهل الصاع باعتبار العرف فيختلف باختلاف الأزمان والأماكن أو أن الصاع هو صاع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ المشهور عند العلماء هو صاع النبي صلى الله عليه وسلم وصاع الرسول عليه الصلاة والسلام أقل من الأصواع المعروفة عندنا وهو من البر الرزين يعني الجيد كيلوان وأربعون غراماً ويقاس على ذلك وكيفية هذا أن تتخذ إناءً يسع كيلوين وأربعين غراماً من البر الرزين الجيد فتضعه في هذا الإناء فإذا ملأه فكِلْ به ما سوى البر وحينئذٍ هل تعتبر بالوزن أو لا تعتبر؟ لا تعتبر بالوزن لأن الكيل مداره الحجم لا الثقل يعنى نتخذ إناءً يسع كيلوين وأربعين غراماً من البر الرزين الجيد ونملؤه ثم نجعله المقياس ونملؤه من كل شيء فيكون صاعاً سواء كان أثقل من البر أو أخف من البر وكيفية الكيل ليس على ما يعهد بعض الناس كنا نعهد أن الكيل يملأ المكيال يملأه ويزيد عليه حتى يكون فوق المكيال بقدر ما يتماسك الحب ولكن الكيل الصحيح أن يكون على مسح أي مستوٍ طرف الصاع وأما هذا التسنيم الذي يجعلونه فوق فهذا شيء عرفي وليس هو الأصل.

وقوله: من كل مخرج يعني من البر والتمر والشعير والزبيب والإقط وهنا في كلام حديث أبى سعيد الخدري صاعاً من طعامٍ أو صاعاً من تمر أليس التمر طعاماً؟ كيف أتى بأو؟ الظاهر أنه أتى بأو لوجهين الوجه الأول: أن العلماء قالوا المراد بالطعام هنا البر فيكون المعنى صاعاً من بر أو صاعاً من تمر أو صاعاً شعير أو صاعاً من إقط أو صاعاً من زبيب هذا قول أكثر الذين تكلموا على هذا الحديث وقيل إن الطعام هنا شامل للأربعة التي بعده وأن (أو) هنا للتقسيم أى تقسيم المجمل في كلمة طعام ونظيره قوله في الحديث الصحيح (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) (فأو) هنا لتقسيم المجمل في قوله (سميت به نفسك) لأن ما أنزله الله في كتابه فقد سمى به نفسه وما علمه أحداً من خلقه فقد سمى به نفسه وما استأثر به في علم الغيب عنده فقد سمى به نفسه وعلى هذا فيكون الطعام هو ما ذكر فيما بعد وهو أربعة ويؤيد ذلك أنه ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد بلفظ آخر (كنا نخرجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام وكان طعامنا التمر والشعير والزبيب والإقط) وهذا يفسر هذا المجمل الذي بين بالأربعة وهذا الذي أختاره على أن قوله (أو صاعاً من كذا) بعد قوله (صاعاً من طعام) يراد به التقسيم أو بيان المجمل ويدل لذلك أيضاً أن البر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قليل جداً ما كل أحد يطعمه حتى جاءت الفتوحات وكثر الخير فصار البر طعاماً لأكثر الناس ولهذا لما جاء معاوية رضي الله عنه وتولى الخلاف وجاء المدينة قال: (أرى مداً من هذا يساوي مدين أو يعدل مدين من شعير) مما يدل على أن البر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ليس معروفاً ولا شائعاً وبقي أن يقال في وقتنا الحاضر البر طعام والتمر طعام والشعير ليس طعاماً والزبيب ليس طعاماً والإقط كذلك حتى البادية الآن ما تأكل الإقط على

أنه طعام فهل يقال: العبرة بالمعنى أو العبرة باللفظ؟ إن قلنا: العبرة بالمعنى قلنا: هذه الأصناف التي ليست قوتاً الآن لا تجزيء وإن أخذنا باللفظ قلنا: تجزيء على كل حال ويترتب على هذا أيضاً إذا قلنا: باللفظ قلنا: غيرها لا يجزيء إلا إذا عدمت حتى لو كان أفضل عند الناس وأطيب عند الناس كالرز مثلاً فإنه لا يجزيء إلا إذا عدمت هذه الأصناف فما هو الأرجح؟ فيما نرى أن العبرة بالمعنى ولهذا نص الإمام مالك رحمه الله أن الشعير لا يجزيء إلا لمن كانوا يأكلونه وأما من لا يأكله فلا يجزيئه وكذلك الإمام أحمد رحمه الله عنه روايتان في الإقط إذا كان لا يؤكل هل يجزيء أم لا؟ ثم إن المعروف عند العلماء أن العبرة في الأمور بمعانيها لا بألفاظها ونحن لا نعلم معنى يعلق به الحكم في كونه شعيراً أو تمراً أو زبيباً أو إقطاً أو براً ما له معنى إلا أنها كانت في ذلك الوقت طعاماً لهم فإن قال قائل: يرد عليكم حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير) قلنا: الجواب أن هذا سهل جداً لأن التمر والشعير في ذلك الوقت هما أساس الطعام ولهذا لم يذكر في حديث ابن عمر الزبيب والإقط ما ذكر لأن أهل المدينة في ذلك الوقت طعامهم الرئيس هو التمر والشعير فذكر النبي صلى الله عليه وسلم التمر والشعير على سبيل المثال وليس على سبيل التعين وكما هو معروف عند الفقهاء أن العبرة بالمعاني ولذلك عند ابن حزم رحمه الله لكونه ظاهرياً محظاً يقول لا يجزيء إلا التمر والشعير فقط ولا يجزيء غيرهما لكنه غريب مع أن في حديث أبى سعيد ذكر الزبيب والإقط.

وهل نأخذ بما قال معاوية رضي الله عنه وتبعه الناس على ذلك أو نأخذ بما ذهب إليه أبو سعيد؟ لاشك أن الاحتياط أن نأخذ بما قاله أبو سعيد لأن الظاهر أن التمر والشعير في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام مختلفان في القيمة ولو كان المقصود التقويم لقال: صاعاً من تمر أو ما يعادله من شعير مثلاً فالصواب في هذه المسألة أن ما ذهب إليه أبو سعيد رضي الله عنه وهو وجوب إخراج الصاع أقرب للصواب وأيضاً فيه فائدة عظيمة وهي أن لا يختلف الناس في التقدير ربما يختلف الناس في التقدير فيقول مثلاً: ثلثا صاع من البر يساوي صاعاً من الشعير ويأتي آخر ويقول: لا ربع صاع من البر يساوي صاعاً من الشعير فتختلف الأمة فإذا قلنا: أخرج صاعاً من البر أو التمر أو الشعير أو الزبيب أو الإقط اكتفينا والغريب أن شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله اختار ما ذهب إليه معاوية أنه يجزيء في الفطرة نصف صاع من البر.

القارئ: ومن قدر على هذه الأصناف الأربعة لم يجزه غيرها.
الشيخ: المؤلف ذكر أربعة أو خمسة؟ إذا اعتبرنا أن الطعام جنساً مستقلاً صارت خمسة طعام أو تمر أو شعير أو إقط أو زبيب.
القارئ: لأنها المنصوص عليها وأيها أخرج أجزأه سواء كانت قوته أو لم تكن لظاهر الخبر ويجزيء الدقيق والسويق من الحنطة والشعير لقول أبي سعيد: لم نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من دقيق ثم شك فيه سفيان بعد فقال دقيق أو سلت رواه النسائي ولأنه أجزاء الحب يكال ويدخر فأشبه الحب.
الشيخ: وقيل لا يجزيء الدقيق لأن الحب أصبر من الدقيق يعني يبقى مدة ولا يتغير والدقيق يفسد بسرعة لاسيما إذا لم يكن فيه ملح فإنه لا يبقى إلا أياماً قليلة ثم يفسد وأما الحب فلا يفسد وهذا القول أقرب إلى الصواب أن الدقيق لا يجزيء حتى ولو أن الإنسان احتاط وزاد فيه فإنه لا يجزيء لأن الحب أصبر وأبقى.

القارئ: ويجزيء إخراج صاع من أجناس إذا لم يعدل عن المنصوص لأن كل واحد منهما يجزيء منفرداً فأجزأ بعض من هذا وبعض من هذا كما لو كان العبد لجماعة وقال أبو بكر: يتوجه قول آخر أنه يعطي ما قام مقام هذه الخمسة لظاهر قوله: (صاعاً من طعام) قال: والأول أقيس.
الشيخ: والظاهر أن الثاني هو الأقيس قول أبي بكر جيد أنه يجزيء ماقام مقامه وإن لم يكن منها مع القدرة عليه بقينا في كونه يخرج أجزاء في صاعٍ واحد يعنى خُمُس صاع تمر وخمس صاع بر وخمس زبيب وخمس صاع شعير وخمس صاع إقط يقول المؤلف: إن هذا جائز لكن في القلب من هذا شيء لأن الحديث (صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر) والشارع له نظر في اتحاد الجنس فكيف يعطى الإنسان صاعاً مكون من خمسة أجزاء قد لا ينتفع به الفقير؟ فالظاهر هنا أن الصواب خلاف ما قال المؤلف رحمه الله وأنه لا بد أن يكون الصاع من جنس واحد كما هو ظاهر النص.

القارئ: وفي الإقط روايتان إحداهما: يجزيء إخراجه مع وجود غيره لأنه في الخبر والثانية: لا يجزيء إلا عند عدم الأصناف قال الخرقي: إن أعطى أهل البادية الإقط أجزأ إذا كان قوتهم وذلك لأنه لا يجزيء في الكفارة ولا تجب الزكاة فيه.
الشيخ: هذا قيد جيد للخرقي أن الإقط يجزيء لأهل البادية بشرط أن يكون قوتهم وهذا نظر إلى المعنى.
القارئ: فإن عدم الخمسة أخرج ما قام مقامها من كل مقتات من الحب والتمر وقال ابن حامد: يخرجون من قوتهم أي شيء كان كالذرة والدخن ولحوم الحيتان والأنعام.

الشيخ: عمم ابن حامد رحمه الله حتى في اللحم والمؤلف يقول في الأول: من كل مقتات من الحب والثمر يعني دون اللحم والصواب ما قاله ابن حامد: إنه إذا كان مثلاً في مكان يقتاتون لحوم الحيتان يجزيء اللحم لكن كيف يكيلون اللحم وهو موزون نقول أما إذا كان اللحم جافاً فكيله سهل وأما إذا كان موزون فإنه يزاد في الوزن لأن اللحم إذا طري يكون ثقيلاً فلا بد أن يزيد فإذا كان الصاع كيلوين وأربعين غراماً فليجعل أربعة كيلوات لأن الموزون مادام المقصود الكيل يحتاج إلى زيادةٍ في الوزن.

فصل القارئ: والأفضل عند أبي عبد الله إخراج التمر لما روى مجاهد قال: قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع والبر أفضل من التمر قال: إن أصحابي قد سلكوا طريقاً وأنا احب أن أسلكه فآثر الاقتداء بهم على غيره وكذلك أحمد ثم بعد التمر البر لأنه أكثر نفعاً وأجود.
الشيخ: يعنى ثم الباقي على السواء والأفضل إخراج ما كان أنفع للفقراء هذا هو الصحيح لأن المقصود بها نفع الفقراء ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين) وما كان أنفع لهم فهو أولى لكن ابن عمر رضى الله عنه من قاعدته التحري التام للسنة حتى إنه سلك مسلكاً غريباً في الإقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام وهو أنه يقتدي به صلى الله عليه وسلم حتى في الأمور التي وقعت اتفاقاً بدون قصد حتى كان في السفر يتحين المكان الذي بال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام فينزل ويبول فيه من شدة تحريه لكن هذا الأصل يقول شيخ الإسلام خالفه عليه جمهور الصحابة.

فصل القارئ: ولا يجزيء الخبزُ لأنه خارج عن الكيل والادخار ولا حب معيب ولا مسوس ولا قديم تغير طعمه لقول الله تعالى: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) ولا تجزيء القيمة لأنه عدول عن المنصوص.

الشيخ: هذا خلافاً لمن قال: إن القيمة تجزيء لكنه قول ضعيف ويدل لهذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم عيَّنها من أصناف مختلفة القيمة بلا شك فالتمر والشعير والبر والزبيب والإقط تختلف قيمها ومع ذلك فقدرها شرعاً غير مختلف وهو صاع فلما لم يختلف علمنا أن القيمة لا أثر لها ثم إنه لو قلنا بإخراج القيمة لم تكن من الشعائر لأنها حينئذٍ تكون خفية ولا يعلم بها ثم لو قيل بالقيمة أيضاً فمن يقدر القيمة ربما يحابي الإنسان نفسه فيقدر الصاع بدرهم وهو يساوي درهمين مثلاً لذلك لا ينبغي العدول عما جاءت به الشريعة وهو الصاع مما يطعم.

فصل القارئ: والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي وهو بالرطل الذي وزنه ستمائة درهم رطلٌ وأوقية وخمسة أسباع أوقية قال أحمد: الصاع خمسة أرطال وثلث حنطه فإن أعطى خمسة أرطال وثلثاً تمراً فقد أوفى قيل له إن الصيحاني ثقيل قال: لا أدري؟ وهذا يدل على أنه يجب أن يحتاط في الثقيل بزيادة شيء على خمسة أرطال وثلث ليسقط الفرض بيقين.
الشيخ: نحن قدرناها على حسب كلام الفقهاء رحمهم الله ووجدنا أنها كيلوان وأربعون جراماً بالبر الرزين يعني بالبر الجيد كيلوان وأربعون جراماً لكن من احتاط وأخرج ثلاث كيلوات عن الصاع فلا بأس ولا يعد هذا إسرافاً إن شاء الله وإن كان مالك رحمه الله كره أن يزيد على الصاع النبوي وقال: إن هذا مقدر شرعاً فلا تنبغي الزيادة عليه لكنه يقال: نحن نزيد لا على أنها واجبة لكن على أنها نفل.
القارئ: ومصرفها مصرف زكاة المال لأنها زكاة.
الشيخ: هكذا قال المؤلف رحمه الله وقيل لا يعطى منها إلا من تدفع حاجته في ذلك اليوم لحديث ابن عباس (طعمة للمساكين) فلا تصرف إلا للفقراء والمساكين فقط لا تصرف للمدين في قضاء دينه ولا تصرف في الرقاب ولا تصرف في ابن السبيل إلا أن يكون فقيراً وهذا القول أبرأ للذمة أن لا تعطى إلا من يأخذ الزكاة لحاجته لا للحاجة إليه.

القارئ: ويجوز إعطاء الواحد ما يلزم الجماعة كما يجوز دفع زكاة مالهم إليه وإعطاء الجماعة ما يلزم الواحد كما يجوز تفرقة ماله عليهم.
الشيخ: أما الأول فواضح أن الواحد يعطى فطر جماعة يعني هذا فقير له عائلة اجتمع أهل البيت وعندهم عشرة فطر وأعطوه إياها فلا بأس حتى وإن لم يكن له عائلة أما العكس بأن يفرق الصاع الواحد على عدة ففي النفس من هذا شيء لأن الرسول صلى الله عليه وسلم (فرضها صاعاً من طعام) وقال ابن عباس أنها طعمة للمساكين وما دون الصاع قد لا يكفي نعم لو قيل: يجوز تفريق الصاع على الجماعة بشرط أن لا ينقص عن إطعامهم ذلك اليوم لكان لا بأس به وبهذه المناسبة يجب أن نعلم أن ما يطعم للفقراء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: قدر فيه المعطى دون المدفوع وذلك في كفارة الظهار وكفارة اليمين وكفارة الجماع في نهار رمضان إطعام ستين مسكيناً ولم يذكر كم نطعمهم؟ وفي كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين ولم يذكر كم نطعهم؟ الثاني: ما قدر فيه المدفوع دون المعطى كالفطرة قدر فيها المدفوع وهو صاع لكن لم يقدر المعطى ما قيل لعشرة ولا لعشرين أو لواحد.
القسم الثالث: ما قدر فيه المدفوع والمعطى وذلك في فدية الأذى فإن الرسول صلي الله عليه وسلم قال في الصدقة: (إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع) فقدر المعطى وقدر المدفوع فلنمشِ على ما جاءت به السنة نقول أما الفطرة فتدفع صاعاً لواحد أو اثنين على حسب ما سبق من التفصيل وأما كفارة اليمين والظهار والجماع في نهار رمضان فيطعم المساكين سوءاً أعطاهم مداً من البر أو من الرز أو صنع لهم طعاماً من غداء أو عشاء وأطعمهم فلا بأس لأن الله قال: (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) وأما ما قدر فيه المدفوع والمعطى فيجب التزامه فنقول: تطعم في فدية الأذى ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع.

السائل: أحسن الله إليك ذكرنا بأن دفعها للفقير الذي يحتاج إليها في يوم العيد أبرأ لكن إذا أعطيناه عشرة فطر فمن المعلوم أنه لن يحتاج تلك العشرة وإنما يحتاج جزءاً من واحدة فتبقى العشرة ليس في حاجة لها؟ الشيخ: يعطى إلى نهاية السنة فالفقير يعطى من الزكاة ما يدفع حاجته كل السنة.
السائل: ما رواه البيهقي وابن عدي (أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم) كيف يجاب عنه؟ الشيخ: نعم نحن أغنيناهم في هذا اليوم وزيادة هذا يدل على أن أقل ما يعطون ما يدفع السؤال في هذا اليوم.

السائل: شيخ بارك الله فيك قلنا إن الأفضل إعطاء الفقير الأنفع وكثير من القائلين بجواز دفع القيمة يقولون إن القيمة أنفع له؟ الشيخ: لكن هل الدراهم مما نُص عليه هل هو طعام؟ الحديث طعام وهذا من حكمة الشرع أن يعطى طعام لأنه ربما يأتي في يوم من الأيام الطعام أحب إلى الفقير من الدراهم وربما نعطي الفقير دراهم ويذهب ويشتري بها أشياء غير مفيدة.

باب إخراج الزكاة والنية فيه

القارئ: لا يجوز إخراج الزكاة إلا بنيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) ولأنها عبادة محضة فافتقرت إلى النية كالصلاة ويجوز تقديمها على الدفع بالزمن اليسير كما في سائر العبادات ولأنه يجوز التوكيل فيها بنية غير مقارنة لأداء الوكيل ويجب أن ينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة أو صدقة المال أو الفطر فإن نوى صدقة مطلقة لم تجزه لأن الصدقة تكون نفلاً فلا تنصرف إلى الفرض إلا بتعيين ولو تصدق بجميع ماله تطوعاً لم يجزه لأنه لم ينوِ الفرض.
الشيخ: يعني لم يجزِ عن الزكاة لأنه لم ينوِ الفرض.
القارئ: ولا يجب تعين المال المزكى عنه فإن كان له نصابان فأخرج الفرض عن أحدهما بعينه أجزأه لأن التعيين (لا يضر).
الشيخ: في نسخة المخطوطة (لايضره) هذا عنده نصابان فأخرج الفرض من أحدهما بعينه يعني لا من الآخر فلا بأس لأنه لا يشترط أن تكون من نفس المال.

القارئ: وإن أطلق عن أحدهما أجزأه لأنه لو أطلق لكان عن أحدهما فلا يضر التقييد به وإن نوى أنه إن كان الغائب سالماً فهو زكاته وإلا فهو عن الحاضر صح وكان على ما نوى وإن نوى أنه زكاة أو تطوع لم يصح لأنه لم يخلص النية للفرض وإن نوى أنه زكاة مالي وإن لم يكن سالما فهو تطوع صح لأنه هكذا يقع فلا يضر التقييد به ولو نوى إن كان أبي قد مات فصار ماله لي فهذا زكاته لم يصح لأنه لم يبن على أصل، وإن نوى عن ماله الغائب فبان تالفا لم يكن له صرفه إلى الحاضر لأنه عينه عن الغائب فأشبه ما لو أعتق عبداً عن كفارة لم يملك صرفه إلى أخرى.

الشيخ: وهذا إذا نواه عن الغائب ودفعه أما لو عزل الزكاة في مكان وقال: هذه عن الغائب ثم تبين تالفاً فله أن يخرجها عن الحاضر لأن المال ما دام لم يستلمه الفقير فهو ملك لصاحبه يتصرف فيه كما يشاء ولهذا لو أنه عزل شيئاً من ماله يريد أن يتصدق به ثم بدا له أن لا يتصدق به فلا حرج لأنه لم يخرجه عن ملكه.

فصل القارئ: وإذا وكل في إخراج الزكاة ونوى عند الدفع إلى الوكيل ونوى الوكيل عند الأداء جاز وإن نوى الوكيل ولم ينوِ الموكل لم يجزه لأنها فرض عليه فلم يجزه من غير نية وإن نوى الموكل عند الدفع إلى الوكيل ولم ينوِ الوكيل عند الدفع فقال أبو الخطاب: يجزيء لأن الذي عليه الفرض قد نوى ويحتمل أنه إن نوى بعد الأداء من الدفع لم يجزه لأن الأداء حصل من غير نية قريبة ولا مقارنة.

الشيخ: هذه التفاصيل في الوقع في النفس منها شيء لأن المؤلف يرى الآن أنه لابد من نيتين نية الموكل ونية الوكيل وأن الموكل ينوي عند دفعها للوكيل والوكيل ينوي عند دفعها لمستحقيها ولكن لو قيل: بأن الرجل لو قال لشخص: أخرج زكاة مالي فأتى إلى المال وأخرج منه بدون أن ينوي ذاك لو قيل: بأن هذا مجزيء لكان حقاً وهذا يقع كثيراً يكون المال مثلاً عند المضارب ويقول له صاحب المال: إني قد وكلت في إخراج زكاة المال ويخرجها المضارب وذاك لم يعلم متى أخرجها ولا كيف أخرجها؟ فهل نقول لا يجزيء؟ الصواب أنه يجزيء وأهم شيء هو أن الوكيل ينوي عند أدائها إلى مستحقيها هذا أهم شيء ثم يقال أيضاً أن الوكيل ليس بيده مال ووكل في إخراج زكاة ثم أخرجها وليس عنده مال لكن غاب عند إخراجه إياها غاب عن ذهنه أنها لفلان فهنا ينبغي أن يقال بالإجزاء لأن عنده نية سابقة وهي أن جميع ما في هذا المكان هو زكاة لفلان المهم أن التشديد في النية لهذا الحد في النفس منه شيء ويقال الأصل أن الوكيل إذا أخذ المال من الموكل يدفعه زكاةً فالأصل أنه نواه من حين أخذه وأنه إذا سلمه لمستحقه فقد نواه عن صاحبه.
مسألة: الظاهر أن الجهات الموكلة أنها نائبة عن الفقراء وأن الإنسان إذا سلمها لهم بريء منها.
مسألة: إذا اجتمع عند الإنسان زكوات متعددة وخلطها جميعاً فهل نقول لابد أن تعين عند الدفع أن فلاناً له عشرة من عشرين أو عشرة من خمس عشر أو ما أشبه ذلك أو يقال إنه لا بأس؟ فنقول أما إذا كان وكيلاً عن الفقراء مثل الجمعيات الخيرية الآن فلا بأس أن تخرج الزكاة من المجوع عن الجميع وأما إذا كان وكيلاً لشخص معين فلا شك أنه قد يكون هناك حرج في أن يقدر زكاة كل شخص بعينه ويضطر هنا إلى أن يجمعها جميعاً ويخرج والله سبحانه وتعالى يعلم نصيب كل واحد منهم.

السائل: ما معنى كلام المؤلف (أنها افتقرت إلى النية كالصلاة)؟

الشيخ: يعني أنها ليست من الأمور العادية لأنها عبادة محضة فلابد فيها من نية (إنما الأعمال بالنيات).
القارئ: وإن دفعها للإمام بريء منها بكل حال لأن يد الإمام كيد الفقراء.
الشيخ: وأيضاً نائب الإمام مثل الإمام يعني الجمعيات الخيرية المفسوح لها حكمها حكم الإمام فلو أن الناس أدوا زكاتهم لهذه الجمعيات ثم احترقت أو سرقت فإنه لا ضمان يعني لا يجب على أهل الزكوات أن يضمنوها لأنها وصلت إلى محلها ولو أن إنساناً أعطى زكاته لشخص أن يفرقها ثم سرقت من هذا الشخص فعلى صاحبها أن يؤدي الزكاة ثم هل يضمن الوكيل أو لا؟ ينبني على التفريط وعدم التفريط فلو أعطيتك ألف ريال وقلت: هذه زكاة فرقها ثم إن هذه الزكاة سرقت فهل يجب على الذي أعطاها أن يخرج بدلاً عنها؟ نعم يجب أن يخرج بدلاً عنها لأن الوكيل هنا ليس وكيلاً للفقراء بل هو وكيل لصاحبها وهل يضمن هذا الذي سُرقت منه؟ نقول: إن كان قد تعدى أو فرط ضمن وإلا فلا ضمان.
القارئ: وإن أخذها الإمام قهراً أجزأت من غير نية رب المال لأنها تؤخذ من الممتنع فلو لم تجزِ ما أخذت وهذا ظاهر كلام الخرقي ويحتمل أن لا تجزئه فيما بينه وبين الله تعالى إلا بنيتها لأنها عبادة محضة فلم تجزِ بغير نية كالمصلي كرها وهذا اختيار أبي الخطاب وابن عقيل وقال القاضي: تجزيء نية الإمام في الكره والطوع لأن أخذ الإمام كالقسم بين الشركاء والأولى أولى.
الشيخ: الصواب أنها لا تجزيء فيما بينه وبين الله لأن هذا لم تطب بها نفسه والإمام أخذها منه كرهاً أما ظاهراً فتجزيء فلو أن الإمام عاد إلى صاحب الزكاة وقال أدِ الزكاة طوعاً فقال أديتها إليك.
قال: هذا كرهاً، أخذتها منك كرهاً عليك، فإن الإمام لا يملك هذا وكذلك لا يطالب بها لكن فيما بينه وبين الله كيف نقول أنها تجزيء؟ وهو لم ينو التقرب بها إلى الله بل هو ممتنع منها غاية الامتناع ما أخذت منها إلا والسيف فوق رأسه.

السائل: المكره على دفع زكاته إذا تاب فهل يخرجها مرة أخرى؟ الشيخ: نعم يجب أن يدفع زكاة أخرى لأن هذه ما أجزأت لأنها أخذت منه كرهاً.

فصل القارئ: ولا يجوز تعجيل الزكاة قبل كمال النصاب لأنه سببها فلا يجوز تقديمها عليه كالتكفير قبل الحلف ويجوز تعجيلها بعده لما روي عن علي رضي الله عنه: (أن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له في أن يعجل الصدقة قبل أن تحل فرخص له) رواه أبو داود، ولأنه حق مال أجل للرفق فجاز تعجيله قبل أجله كالدين ودية الخطأ وفي تعجيلها لأكثر من عام روايتان إحداهما: يجوز لأنه عجلها بعد سببها.
والثانية: لا يجوز لأنه عجلها قبل انعقاد حولها فأشبه ما لو عجلها قبل انعقاد وقت نصابها.
الشيخ: في نسخة المخطوطة (قبل نصابها) يعني قبل تمام نصابها وكماله فالخلاصة الآن أنه يجوز تعجيل الزكاة بعد تمام النصاب وإن لم يتم الحول واستدل المؤلف بحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقته) ولأن هذا دين عجله صاحبه قبل حلوله فلا بأس به وأما أن يعجل قبل تمام النصاب فإنه لا يجزيء لأنها لم تجب حتى الآن فإخراجها إخراج لها قبل وجود السبب كما لو كفر قبل أن أن يحلف والقاعدة أن تقديم الشيء قبل سببه لاغٍ وبعد سببه وقبل الشرط جائز لكن هل الأفضل التقديم أو لا؟ يقال: ينظر قد يكون الأفضل التقديم كما لو حدث في الناس مجاعة أو أن أحداً من الناس احتاج حاجة خاصة فإن هنا الأفضل التعجيل أما إن لم يكن هناك سبب فتأخيرها حتى تجب أولى ليكون الإنسان على يقين من وجوبها.
السائل: إذا عجل لسنة وزاد المال خلالها؟ الشيخ: إذا زاد المال يخرج زكاة ما زاد.
السائل: بارك الله فيك إذا عجَّل زكاته لمدة سنتين مثلاً في السنة الأولى ثم نقص المال عن النصاب هل يرجع في الزكاة التي أخرجها؟ الشيخ: ما يرجع فيها وتكون تطوعاً.

القارئ: فإن ملك نصاباً فعجّل زكاة نصابين عنه وعما يستفيده في الحول الآخر أجزأه عن النصاب دون الزيادة لأنه عجل زكاة الزيادة قبل وجودها ولو ملك خمساً من الإبل فعجل شاتين عنها وعن نتاجها فحال الحول وقد نُتجت خمساً فكذلك لما ذكرناه وإن ملك أربعين شاة فعجل عنها شاة ثم ماتت الأمهات وبقيت سخالها أجزأت عنها لأنها تجزيء عنها وعن أمهاتها لو كانت باقية فعنها وحدها أولى.
الشيخ: لأنها إذا كانت هي وأمهاتها باقية زكاتها شاة لأنها ثمانون والثمانون زكاتها شاة كالأربعين.

القارئ: بخلاف التي قبلها ولو ملك عرضاً قيمته ألف فعجل زكاة ألفين فحال الحول وقيمته ألفان أجزأه عن ألف واحد لما ذكرناها.
الشيخ: ذكر رحمه الله القاعدة أن من عجل عن شيء معدوم لم يجزيء لأنه يشترط لتعجيل الزكاة أن يكون المعجل عنه موجوداً خذ هذه القاعدة والبقية تفريع عليه.

فصل

القارئ: وإذا عجل الزكاة ولم تتغير الحال وقعت موقعها وإن ملك نصاباً فعجل زكاته وحال الحول وهو ناقص مقدار ما عجلها أجزأت عنه وإن ملك مائة وعشرين فعجل شاة ثم نُتجت أخرى قبل كمال الحول لزمه شاة ثانية لأن المعجل كالباقي على ملكه في إجزائه من الزكاة عند الحول فكذلك في إيجاب الزكاة وإن تغيرت الحال بموت الآخذ قبل الحول أو غناه أو ردته فإن الزكاة تجزيء عن ربها وليس له ارتجاعها لأنه أداها إلى مستحقها فبريء منها كما لو تلفت عند آخذها أو استغنى بها فإما إن تغيرت حال رب المال بموته أو ردته أو تلف النصاب أو بعضه أو بيعه أو حالهما معاً فقال أبو بكر والقاضي: الحكم كذلك لأنه دفعها إلى مستحقيها فلم يملك الرجوع بها كما لو لم يعلمه وقال ابن حامد: إن لم يعلمه رب المال أنها زكاة معجلة لم يكن له الرجوع عليه لأن الظاهر أنها عطية تلزم بالقبض فلم يكن له الرجوع بها وإن كان الدافع الساعي أو رب المال لكنه أعلن الآخذ أنها زكاة معجلة رجع عليه لأنه دفعها عن ما يستحقه القابض في الثاني فإذا طرأ ما يمنع الاستحقاق وجب رده كالأجرة إذا انهدمت الدار قبل السكنى ثم إن وجدها بعينها أو زائدة زيادة متصلة رجع بها لأن هذه الزيادة تدفع في الفسوخ فتبعت هاهنا وإن زادت زيادة منفصلة فهي (للفقراء).
الشيخ: عندي في المخطوط (للفقير) ولعلها نسخة.
القارئ: لأنها انفصلت في ملكه وإن نقصت لزم الفقير نقصها لأنه ملكها بقبضها فكان نقصها عليه كالمعيب وإن تلفت فعليه قيمتها يوم قبضها لأن ما زاد بعد ذلك أو نقص إنما هو في ملك الفقير فإن قال المالك: أعلمته الحال فأنكر الفقير فالقول قوله مع يمينه لأنه منكر.
الشيخ: هذا التفصيل كله لقول ابن حامد رحمه الله وهذا مما يدل على آفة التعجيل أنه لو تغيرت الحال فماذا يصنع؟ إنسان عجل الزكاة ثم افتقر هل يرجع إلى الفقير أو لا يرجع؟ فيها الخلاف الذي سبق

ولذلك كان الأفضل أن لا يخرج الإنسان زكاته إلا إذا تم الحول ووجبت الزكاة لكن قد تدعو الحاجة أو المصلحة إلى التقديم فحينئذٍ نقول لا بأس به إلا أنه بشرط تمام النصاب لابد أن يكون تمام النصاب ولابد أن يكون في الحولين فأقل فلو عجل عن ثلاثة أحوال فإنه لا يصح إلا عن حولين فقط.

فصل القارئ: ولو عجلها إلى غني فافتقر عند وجوبها لم يجزه لأنه لم يعطها لمستحقها.
الشيخ: مع أنه حين الوجوب كان مستحقاً لها لكن عند التعجيل هو غير مستحق أي غني.
القارئ: وإن عجلها ودفعها إلى مستحقها ثم مات المالك فحسبها الوارث عن زكاته لم يجزه لأنها عجلت قبل ملكه فأشبه ما لو عجلها هو وإن تسلف الإمام الزكاة فهلكت في يديه لم يضمنها وكانت من ضمان الفقراء سواء سأله ربه المال أو الفقراء أو لم يسأله الجميع لأن يده كأيديهم وله ولاية عليهم بدليل أن له أخذ الزكاة بغير إذنهم فإذا تلفت من غير تفريطه لم يضمن كولي اليتيم.
الشيخ: أما لو فرَّط فعليه ضمان بأن عجل زكاة ماشية وألقاها في البرد الشديد أو الحر الشديد فعليه الضمان.
السائل: مامعنى سأله رب المال أو الفقراء؟ الشيخ: يعني سأله رب المال التعجيل يعني قال للإمام: أنا أحب أن أعجل زكاتي أو سأله الفقراء قالوا له: عجل لنا الزكاة.

فصل القارئ: وظاهر كلام القاضي أنه لا يجوز تعجيل العشر لأنه يجب بسبب واحد وهو بدو الصلاح في الثمرة والحب فتعجيله تقديم له على سببه وقال أبو الخطاب: يجوز تعجيله إذا ظهرت الثمرة وطلع الزرع ولا يجوز قبله لأن وجود ذلك كملك النصاب وبدو الصلاح كتمام الحول وأما المعدن والركاز فلا يجوز تقديم صدقتهما قولاً واحدا لأن سبب وجوبها يلازم وجوبها ولا يجوز تقديمها قبل سببها.
الشيخ: الظاهر أن الصواب كلام القاضي أنه لا يجوز أن تقدم الزكاة حتى يبدو الصلاح.

باب قسم الصدقات

القارئ: يجوز لرب المال تفريق زكاته بنفسه لأن عثمان رضي الله عنه قال: (هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه ثم ليزكِ بقية ماله) رواه سعيد بن منصور بنحوه وأمر علي واجد الركاز أن يتصدق بخُمُسه.
وله دفعها للإمام عدلاً كان أو غيره لما روي سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت: عندي مال وأريد إخراج زكاته وهؤلاء القوم على ما ترى فقال: ادفعها إليهم فأتيت ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد فقالوا: مثل ذلك ولأنه نائب عن مستحقها فجاز الدفع إليه كولي اليتيم قال أحمد: أعجب إلي أن يخرجها وذلك لأنه على ثقة من نفسه ولا يأمن من السلطان أن يصرفها.
الشيخ: عندي في المخطوط (ولا يأمن السلطان) نسخة.
القارئ: في غير مصرفها وعنه: ما يدل على أنه يستحب دفع زكاة الأموال الظاهرة إلى السلطان دون الباطنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه رضي الله عنهم (كانوا يبعثون سعاتهم لقبض زكاة الأموال الظاهرة دون الباطنة) وقال ابن أبي موسى وأبو الخطاب: دفعها إلى الإمام العادل أفضل لأنه أعرف بالمصارف والدفع إليه أبعد من التهمة ويبرأ به ظاهرا وباطنا ودفعها إلى أهلها يحتمل أن يصادف غير مستحقها فلا يبرأ به باطنا.

الشيخ: هذا الخلاف في الحقيقة ينبغي أن يقال: إنه يرجع إلى المصلحة فإذا كان السلطان معروفاً بالعدالة وكان صاحب المال لا يعرف الناس ولا يعرف المستحق ولا الأحق فهنا ينبغي أن يدفعها إلى الإمام وإذا كان الأمر بالعكس فالأفضل ألا يدفعها ولعل هذا التفصيل تجتمع فيه الأقوال لأن المقصود هو إبراء الذمة بيقين فمثلاً إذا كان هناك مجاهدون أو غارمون أو فقراء في أطراف البلاد لا ندركهم ولا نعرفهم والسلطان عادل ويعرفهم فهنا لا شك أن الدفع إليه أفضل من كونك لا تعرف إلا من حولك وربما يتخمون من المال وأنت لا تدري أما إذا كان غير عادل فإن الأفضل أن يؤدي الإنسان زكاته بنفسه لا سيما إذا كان يعلم أن هناك مستحقين من أقاربه فتكون صدقة وصلة.
السائل: بعض الناس أعتاد أن يدفع الزكاة إلى أناس معينين واستمر على هذا الحال سنين حتى ولوكان الذين يأخذون الزكاة وقد اغتنوا ثم يستمر ويقول إنهم اعتادوا علينا ويأتون كل سنة ونستحي من ردهم أفلا يقال إن دفعها إلى الإمام وإن كان غير عادل أولى من إعطائها إلى هؤلاء؟

الشيخ: لا بل يقال: يعطيها لمستحقها ولا يدفعها إلى الإمام ولا يعطي هؤلاء وما ذكرت يقع كثيراً تجد هذا الرجل فقيراً وتعطيه ثم يغتني مثلاً جاءه ميراث أو جاءه ربح من أرض اشتراها أو ما أشبه ذلك ثم يجيء ويطلب العادة نقول ما نعطيه ونعظه نقول له: اتق الله ولا نعطيه غضب أو ما غضب لكن إذا كان قريباً وخيف أن يكون في ذلك قطيعة رحم فأعطيه من مالك من باب الصلة ويخلف الله عليك.
السائل: بارك الله فيكم من المعلوم أن الزوجة ليس عليها أن تنفق على زوجها إن كان فقيراً فهل لها أن تؤدي زكاتها إلى زوجها؟

الشيخ: ابن حزم على ظاهريته يقول: إذا كانت الزوجة غنية والزوج فقير يجب عليها أن تنفق عليه والصحيح أنه لا يجب عليها لكن إذا كان عندها زكاة تعطيه من زكاتها هذا هو القول الراجح ولهذا لما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالصدقة أتته امرأة عبد الله بن مسعود وقالت: يا رسول الله إن عبد الله بن مسعود زعم أنه هو وولده أحق من تصدقت عليه؟ قال: (نعم زوجك وولدك أحق من تصدقتي عليه)، وأيضاً لدينا شيء مهم أقرا آية الزكاة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) إلى آخره ولا يمكن أن نخرج شيئاً منها إلا بدليل فمثلاً إذا كان الزوج فقيراً وزوجته غنية وعندها زكاة أليس داخلاً في اسم الفقراء؟ وهل يجب عليها أن تنفق عليه حتى نقول إنها تعطيه الزكاة لتوفر مالها؟ لا لكن لو أنها فقيرة والزوج غني وهي فقيرة تحتاج إلى طعام وكسوة وقال أعطيها من زكاتي؟ لا يجوز لأنه يجب عليه أن ينفق عليها فإذا أعطاها من زكاته وفر ماله ولذلك لو كان على الزوجة غرم كدين جاز أن يقضيه من زكاته وهي زوجته أو أن إنساناً له أب عليه دين والابن غني ينفق على أبيه ولم يجد الأب نقصاً في الإنفاق لكن على الأب دين سابق مثلاً وأراد الابن أن يقضي دين أبيه من زكاته يجوز لأنه لا يجب عليه أن يقضي دين والده فإذا قضاه فإنه لم يوفر ماله فأنت خذ الآية العامة: (إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ) وأي فرد من أفراد العموم يخرج لابد عليه من دليل فآل البيت فيه دليل يخرجهم وهو قوله صلى الله عليه وسلم (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) وهو خارج من العموم.
(يوجد سقط صفحتين من المتن).
القارئ: فإن كان متفرقاً زكى كل مال حيث هو فإن كان نصاباً من السائمة ففيه وجهان أحدهما: يلزمه في كل بلد من الفرض بقدر ما فيه من المال لئلا تنقل زكاته إلى غير بلده والثاني: يجزئه الإخراج في بعضها لئلا يفضي إلى تشقيص زكاة الحيوان.

الشيخ: وهذه المسألة الأخيرة ينبغي أن يقال: إنها ترجع إلى رأي الساعي القابض للزكاة فإذا رأى أنها تؤخذ من أحد المالين في أحد البلدين فلا بأس وإذا رأى على القول الراجح أن يأخذ القيمة فلا بأس أيضاً فتبقى المسألة غير مشكلة على القول الراجح.

القارئ: وإن كان ماله تجارة يسافر بها قال أحمد رضي الله عنه: يزكيه في الموضع الذي أكثر مقامه فيه وعنه: يعطي بعضه في هذا البلد وبعضه في هذا وقال القاضي: يعطي زكاته حيث حال حوله لأن المنع منها يفضي إلى تأخير الزكاة وإن كان ماله في بادية فرق زكاته في أقرب البلاد إليها.
الشيخ: قول القاضي جيد أنه يخرجه في المكان الذي تجب عليه الزكاة فيه ما دامت عنده فإذا وجبت عليه الزكاة وهو في المدينة وهو من أهل مكة مثلاً وعنده مال في مكة ومال في المدينة يخرجه في المدينة ولا بأس حتى لا يتضرر بالتأخير ونقل الزكاة.
فصل القارئ: إذا احتاج الساعي إلى نقل الصدقة استحب أن يسم الماشية لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمها ولأن الحاجة تدعوا إلى ذلك لتميزها عن (غنم الجزية) والضوال.
الشيخ: في نسخة المخطوطة (نعم الجزية).
القارئ: ولترد إلى مواضعها إذا شردت ويسم الإبل والبقر في أصول أفخاذها لأنه موضع صلب يَقِلُّ ألم الوسم فيه وهو قليل الشعر فتظهر السمة ويسم الغنم في آذانها فيكتب عليها: (لله) أو زكاة.

الشيخ: الوسم معناه أن الإنسان يحمي حديدة على النار ثم يكوي بها المكان الذي يريد أن يسم فيه وهو وإن كان فيه إيلام لكن فيه حفظ للأموال فدل ذلك على أن إيلام الحيوان من أجل حفظه لا بأس به ومنه ما يفعل بعض الناس الذين يشترون الحمام لابد أن ينتفوا قوادمها من الأجنحة حتى لا تطير لأنها إذا اشتراها الإنسان سوف تطير إلى المكان الذي كانت تألفه من قبل فيقصون القوادم وينتفونها حتى تألف البيت لأنها لا تطير طيراناً فتألف البيت ثم بعد ذلك تخرج وتنبت من جديد لكن لو قصوها ما نبتت بقيت مقصوصة ولا تستطيع الطيران فالمهم أن مثل هذا التعذيب إذا كان للمصلحة فلا بأس به وإذا كان يجوز لنا أن نجرّ السكين على أوداجها ونزهق روحها لمصلحتنا فهذا مثله لكن نتحرى الأسهل فالأسهل ولكن الوسم يكتب عليها لله كيف نكتب عليها لله؟ يعني نضع ميسم مكتوب بشكل (لله) بدون همزة الوصل فإذا وضع على فخذ البعير ظهر (لله) لكن فيها مشكلة (لله) قد تكون من إبل الفيء لأن (لله) تصلح للزكاة والفيء فالذي يخصص ويعين هو كلمة (زكاة) الحروف في كلمة (لله) ثلاثة وفي كلمة (زكاة) أربعة لايوجد فرق بيّن أما الوسم الموجود الآن فالناس لا يَسِمُون بهذا يكون مثلاً لإبل الصدقة وسم معين

إما دائرة وإما خطان مترادفان أو متقاطعان أو ما أشبه ذلك المهم أنه ليس على ما قاله الفقهاء رحمهم الله فيما نعلم إلا إذا كان في بعض البلاد وما ندري والمقصود الوسم الذي يعينها ولهذا هو مأخوذ من السمة وهي العلامة.
القارئ: وإن وقف من الماشية شيء في الطريق أو خاف هلاكه جاز بيعه لأنه موضع ضرورة وإن باع لغير ذلك فقال القاضي: البيع باطل وعليه الضمان لأنه متصرف (في الإذن) ولم يؤذن له في ذلك.
الشيخ: عندي في المخطوط (بالإذن) في نسخة والباء أصح من (في) لأنه حقيقة ما تصرف في الإذن إنما تصرف بالإذن فالباء للسببية.

القارئ: ويحتمل الجواز لأن قيس بن أبي حازم روى (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء فسأل عنها فقال المصدق: إني ارتجعتها بإبل فسكت) رواه سعيد بن منصور ومعنى الارتجاع أن يبيعها ويشتري بثمنها غيرها.
الشيخ: وقد يقال إن هذا لا دليل فيه لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أجاز التصرف فيكون موقوفاً على إجازة ولي الأمر إن أجاز التصرف فلا بأس وإن قال: أنا لا أرضى وأريد أن تضمنها فله ذلك.
السائل: ماالضابط في المكان الذي لا تنقل إليه الزكاة؟ الشيخ: مسافة القصر.
السائل: إذا كان يمكن الوسم بشيء غير النار؟ الشيخ: إذا وجدنا شيئاً نستغني به عن النار فهو أحسن.

باب ذكر الأصناف الذين تدفع الزكاة لهم

القارئ: وهم ثمانية ذكرهم الله تعالى في قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
الشيخ: بعد أن ذكر الله الأصناف قال (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) فما موقفنا من هذه الكلمة؟ أن نقول: سمعاً وطاعةً ثم أعقبها بقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) فقطع إي حكمة يتفلسف بها أحد من الناس ما فيه فلسفة فالله تعالى قطع فلسفة الناس بقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
القارئ: ولا يجوز صرفها إلى غيرهم من بناء مساجد أو إصلاح طريق أو كفن ميت لأن الله تعالي خصهم بها بقوله (إنما) وهي للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه.

الشيخ: هذا صحيح هذا استلال جيد ولا حجة لمن قال إن قوله: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) يشمل كل أعمال الخير لأن سبيل الله هو الطريق الموصل إليه نقول: هذا خطأ أولاً لأن الله ذكرها في باطن أشياء معينة يعني لو كانت في الآخر لقلنا: تعميم بعد تخصيص أو في الأول لقلنا: تخصيص بعد تعميم أما أن يذكرها في جوف المستحقين ويقول: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) فهذا يدل على أن المراد (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) شيء خاص وهو الجهاد في سبيل الله وأيضاً لو قلنا: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) عام لكل خير لكان ذكر الحصر لغواً لا فائدة منه فالصواب ما ذكره المؤلف رحمه الله وكما قلنا قبل قليل لا عبرة في فلسفة متفلسف بعد قول الله عز وجل: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ثم إن في هذا القول تضييق على الفقراء وتضييق لسُبُل الخير الأخرى لأن كثيراً من الناس قد يغلبه الشح ويقول أبني مسجداً بزكاتي وأستريح فيكون في هذا تضييق لطرق الخير وتضييق على الفقراء لأن بناء المسجد سهل ولكن صرفها إلى الفقراء يحتاج إلى تعب أولاً: البحث عن حال الإنسان هل هو فقير أو غير فقير؟ ثم من يتولى الصرف ومن يتولى الحساب لهذا مع كونه مخالف للآية هو أيضاً فيه ضرر على مستحقيه أعني القول بأن كلمة (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) عامة.

القارئ: ولا يجب تعميمهم بها وعنه: يجب تعميمهم والتسوية بينهم وأن يدفع من كل صنف إلى ثلاثة فصاعدا لأنه أقل الجمع إلا العامل لأن ما يأخذه أجرة فجاز أن يكون واحدا وإن تولى الرجل إخراجها بنفسه سقط العامل وهذا اختيار أبي بكر لأن الله تعالي جعلها لهم بلام التمليك وشرّك بينهم بواو التشريك فكانت بينهم على السواء كأهل الخمس والأول المذهب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: (أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) أمر بردها في صنف واحد وقال لقبيصة لما سأله في حمالة: (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) وهو صنف واحد وأمر بني بياضة بإعطاء صدقاتهم سلمة بن صخر وهو واحد فتبين بهذا أن مراد الآية بيان مواضع الصرف دون التعميم ولذلك لا يجب تعميم كل صنف ولا التعميم بصدقة واحد إذا أخذها الساعي بخلاف الخمس.
الشيخ: والقول الثاني لا شك أنه خطأ وهو القول بوجوب التعميم لأن المراد بالآية ذكر الأجناس ليس ذكر الأشخاص فهو كأنه قال: هذه هي الأجناس وإذا صرفها في جنس واحد فلا بأس ثم السنة واضحة ظاهرة في أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد.

فصل القارئ: إذا تولى الإمام القسمة بدأ بالساعي فأعطاه عمالته لأنه يأخذ عوضا فكان حقه آكد ممن يأخذ مواساة وللإمام أن يعين أجرة الساعي قبل بعثه من غير شرط لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر رضي الله عنه ساعيا ولم يجعل له أجرة فلما جاء أعطاه فإن عين له أجرة دفعها إليه وإلا دفع إليه أجرة مثله.
الشيخ: وعلى هذا يعطيه ولو غنياً لأنه هنا أعطاه لمصلحة الزكاة لا لنفسه فهو معطى للحاجة إليه لا لحاجته ولهذا يعطى مقدار أجرته ولو كان غنياً.
القارئ: ويدفع منها أجرة الحاسب والكاتب والعداد والسائق والراعي والحافظ والحمال والكيال ونحو ذلك لأنه من مؤنتها فقدم على غيره.

الشيخ: هذا ما لم يكن هناك شيء من بيت المال يعطى العامل ويعطى هؤلاء الذين يعملون لمصلحة الزكاة فإن كان هناك شيء فإنهم لا يعطون من الزكاة يعني مثلاً لو كان لهم راتب شهري أو راتب عمل مقدر بالعمل من قبل الدولة من بيت المال فإنهم لا يعطون زكاة لئلا يضيقوا على أهلها أما إذا لم يكن لهم راتب شهري أو عملي فإنهم يعطون من الزكاة بقدر أجرتهم كما قال المؤلف.
السائل: ما هو أقل من يدفع لهم من الزكاة على القول الثاني؟ الشيخ: في التعميم مثلاً الأصناف ثمانية كل صنف لابد أن يكون منه ثلاثة ويكون ثلاثة في ثمانية بأربعة وعشرين فإذا كانت زكاتك أربعة وعشرين ريال فاعطِ الفقير واحد والمسكين واحد والعاملين عليها واحد والمؤلفة قلوبهم واحد والغارمين واحد وفي سبيل الله واحد وابن السبيل واحد وهذا لا شك أنه غير صحيح أولاً: لأن السنة متظافرة في ذلك والثاني: في هذا مشقة عظيمة على الناس.
السائل: هل للإمام أن يعطي العامل بالنسبة لما يجبي؟ الشيخ: إذا كان هذا أجرة مثل لا بأس فللإمام أن يقول للساعي: لك عشرة في المائة أو خمسة في المائة بشرط أن يكون هذا أجرة مثله.
السائل: لو كان العامل يقوم بعملين كحاسب وسائق؟ الشيخ: يعطى على قدر عمله ما في مانع بشرط أن لا يخل بالعمل الآخر لو كان حاسباً وأخل بمسألة القبض والحفظ وما أشبه ذلك فلا يجوز.
السائل: أحدهم عرض شقة للبيع فهل عليه زكاتها؟ الشيخ: الشقة التي يعرضها للبيع ما فيها زكاة يعني الإنسان ساكن في شقة وطابت نفسه منها.
السائل: وإذا كان مشتريها للتجارة؟ الشيخ: إذا كان شراؤه لها للتجارة لازم من الزكاة.
السائل: وإذا لم يكن عنده مال يعطيه الفقراء زكاة للشقة فماذا يفعل؟ الشيخ: ينتظر حتى يبيعها يقدر القيمة الآن ويقيدها وإذا باعها أخرجها.
القارئ: والفقراء والمساكين صنفان وكلاهما يأخذ لحاجته إلى مؤنة نفسه والفقراء أشد حاجة لأن الله تعالى بدأ بهم والعرب إنما تبدأ بالأهم فالأهم.

الشيخ: حقيقة المؤلف رحمه الله أحياناً يقول: لأن الله بدأ بها والصواب أن يقال وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أبدأ بما بدأ الله به) هذه رواية مسلم رواية النسائي (ابدأوا بما بدأ الله به) أحسن من قول المؤلف إن العرب تقول كذا لأن لدينا حقيقة شرعية غير اللغوية والحقيقة الشرعية مقدمة.
القارئ: ولأن الله تعالي قال: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) فأخبر أن لهم سفينة يعملون بها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من الفقر وقال (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين) رواه الترمذي.
الشيخ: الله المستعان هذا ضعيف بل أقرب شيء أنه موضوع لأن الحقيقة أن المساكين يحشرون في زمرته كيف هو يحشر هو في زمرتهم وعلى كل حال هو حديث موضوع لا عبرة به إنما التعليل أن يقال أن الله بدأ بهم فنبدأ بهم كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام (أبدأ بما بدأ الله به) ثانياً: أن الاشتقاق يدل على ذلك فالفقر معناه الخلو ومنه القفر المكان الخالي وهذا موافقة في الاشتقاق الأصغر وأما المساكين فهو من قولهم: أسكنتهم الفاقة والسكون لا يدل على الخلو فالإنسان ربما يسكن إذا كان متوسط الحال عند رجل غني فلذلك كانت مادة الفقر ومادة المسكنة تدل على أن الفقير أشد حاجة.
القارئ: فدل على أن الفقراء أشد فالفقير من ليس له ما يقع موقعاً من كفايته من مكسب ولا غيره والمسكين الذي له ذلك فيعطى كل واحد منه ما تتم به كفايته.

الشيخ: الفقير والمسكين تبين لنا الآن أن بينهما فرقاً لكن إذا ذكر أحدهما وحده صار لا فرق بينهما فقوله تعالى: (إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) (المائدة: من الآية89) يشمل الفقراء وقوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) (الحشر: من الآية8) يشمل المساكين فالفقير والمسكين كلمتان إذا اجتمعتا افترقتا وإن افترقتا اجتمعتا ولها نظائر ليس هذا موضع ذكرها بقي أن يقال ماذا يعطى المسكين والفقير؟ يعطى ما يكفيهما والكفاية إذا عرفنا أن هذا الفقير مثلاً له راتب وراتبه ألفا ريال لكنه ينفق ثلاثة آلاف ريال هل عنده كفاية؟ لا ما عنده كفاية نعطيه ما يكفي نعطيه في السنة اثني عشر ألفاً وعلى هذا فقس وكذلك لو كان له صنعة لكن لا تكفيه نعطيه ما يكفيه هو وعائلته وإذا أعطيناه أعني الفقير والمسكين ثم أغناهما الله عز وجل بإرث أو كسب فهل نسترجع ما أعطيناهما؟ لا لأنهما ملكاه ملكاً تاماً.
القارئ: وإذا ادعى الفقر من لم يعرف بغنى قبل قوله بغير يمين لأن الأصل عدم المال وإن ادعاه من عرف غناه لم يقبل إلا ببينه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل أصابته فاقة حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش) رواه مسلم.

الشيخ: هذه البينة لابد فيها من ثلاثة يشهدون بأن فلاناً الذي كان غنياً أصابته فاقة فلو شهد اثنان لم يقبل والحكمة والله أعلم أن هذه الشهادة تتضمن شيئين استحقاق هذا الرجل ومضايقة الآخرين فاحتيج إلى اثنين بالنسبة إلى استحقاقه وإلى واحد بالنسبة إلى مضايقة الآخرين لأن هذا الرجل الذي قدرنا أن نعطيه عشرة آلاف سيحرم بقية الفقراء من هذه العشرة فلذلك صار لابد من ثلاثة والله أعلم بحكمة شرعه لكن هذا الذي يظهر لنا وعلى كل حال هذه البينة لابد فيها من ثلاثة رجال ما يقبل فيها النساء ومثلها أيضاً لابد من أربعة رجال الشهادة على الزنا أما بقية الأموال فيكفي فيها رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين مدعي.
وقوله (من ذوي الحجى) الحجى العقل يعني الذين عندهم عقل وإدراك ليس ذوي العواطف الذي يعطف على هذا لأنه ابن أخيه أو لأنه عمه أو ما أشبه ذلك بل رجل عاقل لا يشهد لأحد إلا وهو يستحق.
القارئ: وإن رآه جلداً وذكر أنه لا كسب له أعطاه من غير يمين لما روى عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أتيا رسول الله وهو يقسم الصدقة فسألاه شيئا فصّعد بصره فيهما وصوابه.
الشيخ: صعد يعني رفع وصوبه نزل.
القارئ: وقال لهما: (إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) رواه أبو داود.
الشيخ: وهذا طبعاً إذا وثق منهما أما إذا لم يثق منهما ورأى عليهما علامة الكذب فإنه لا يلزمه أن يأخذ بقولهما لأنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إذا قال للرجل: (لاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) أيظن أحد من الناس أنهم سوف يقولون ليسوا أغنياء هذا بعيد من الصحابة لكن في وقتنا الحاضر قد يؤول ويقول: لا حظ فيها لغني ويريد أن يكون غنياً له ملايين الدراهم لهذا لابد من القرائن.
القارئ: وإن ادعى أن له عيالا فقال القاضي وأبو الخطاب: يقلد في ذلك (كما قلد) في حاجة نفسه.

الشيخ: عندي (كما يقلد) نسخة.

القارئ: وقال ابن عقيل: لا يقبل إلا ببينه لأن الأصل عدم العيال فلا تتعذر إقامة البينة عليهم.
الشيخ: قول ابن عقيل جيد يعني لو قال أنا بنفسي ما عليّ قاصر لكن عندي عشرة أبناء فهذا لابد من البينة إلا إذا كان يتعذر إقامة البينة لكونه رجلاً غريباً لا نعلم عنه فهذا نصدقه لكن إذا كان في البلد وقال عندي عشرة أبناء أو عشرون ولداً نقول لابد من البينة.
القارئ: وإن كان لرجل دار يسكنها أو دابة يحتاج إلى ركوبها أو خادم يحتاج إلى خدمته أو بضاعة يتجر بها أو ضيعة يستغلها أو سائمة يقتنيها ولا تقوم بكفايته فله أخذ ما تتم به الكفاية ولا يلزمه بيع شيء من ذلك قل أو كثر.

الشيخ: (إذا كان لرجل دار يسكنها) تساوي مثلاً مائتي ألف هو ليس عنده شيء من المال وله الدار التي يسكنها هل نقول بعها واشترِ داراً بمائة ألف واستغن بالمائة الأخرى؟ لا، لأن الإنسان قد تتغير حاله وحياته إذا اختلف منزله الذي كان يألفه كذلك (دابة يحتاج إلى ركوبها) عنده دابة يستطيع لو باعها أن ينفق على نفسه من ثمنها كالسيارة مثلاً هل نقول بع السيارة واستغن بها عن الزكاة؟ لا لا يبيعها وكذلك إذا كان له (خادم يحتاج إلى خدمته) إنسان مثلاً مريض وليس له من يخدمه فاستأجر خادماً محتاجاً إليه وقال: أنا بنفسي ما عليّ قاصر لكن الخادم يحتاج إلى نفقة فإننا نعطيه أو (بضاعة يتجر بها) عنده مثلاً بضاعة تساوى مائة ألف يتجر بها هذه البضاعة تدر عليه بالكسب كل شهر أقل من كفايته يعطى من الزكاة ولا نقول له استهلك هذه البضاعة وإذا انتهت يرزقك الله لا يلزمه لأن الرجل يقول: عليّ ضرر بهذا أنا أتجر بهذه البضاعة ومع أنها تساوي المائة ألف وتكفيني ثلاث سنوات لكن درها الذي يأتيني منها ما يكفيني فلا يلزمه أن يبيعها كذلك (ضيعة يستغلها) ضيعة يعنى بستان يستغله يساوي مالاً كثيراً لكنه يستغله لينفق على أهله ومغله لا يكفي لنفقته يعطى من الزكاة ولا نقول بع هذه الضيعة وكذلك لو كان عنده دار (عمارة) يؤجرها تساوي مالاً كثيراً لكن غلتها ما تكفي له ولعيالها لا نلزمه بالبيع وكذلك أيضاً نقول: (سائمة يقتنيها) رجل عنده أربعون شاة يقتنيها لدرها ونسلها يبيع اللبن ويبيع أولادها إذا جاءوا ويأكل هو وعياله من نتاجها لا نقول بعها أو بع بعضها واستغن به عن الزكاة لأن هذا يضره كل هذا فيه والحمد لله سعة للناس إذا أخذنا بهذا القول والظاهر أنه قول صواب إن شاء الله.
القارئ: الصنف الرابع: المؤلفة وهم السادة المطاعون في عشائرهم وهم ضربان: كفار ومسلمون فالكفار من يرجى إسلامهم أو يخاف شرهم.

فصول الكتاب · 13 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة · 500 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب التفليس
كتاب الصلح
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الوقف
جارٍ التحميل