تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامةصفحات 342-381
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 342-381
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
عدد الأجزاء
5 [الكتاب مرقم آليا]

القارئ: والأفضل أن لا يحرم قبل الميقات لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا من ذي الحليفة فإن أحرم قبله جاز لأن الصُبيّ بن معبد أحرم قبل الميقات قارنا فذكر ذلك لعمر فقال هديت لسنة نبيك.
الشيخ: قد سبق أن مراد عمر (هديت لسنة نبيك) يعني في القران لا الإحرام من الموضع الذي قبل الميقات لكن عمر أقرّه.
القارئ: ومن بلغ الميقات مريداً للنسك لم يجز له تجاوزه بغير إحرام لما تقدم من حديث ابن عباس.
الشيخ: الواقع أن حديث ابن عمر أوضح في وجوب الإحرام لأن حديث ابن عمر لفظه (يهلّ أهل المدينة .... ) وهو خبرٌ بمعنى الأمر أما حديث ابن عباس فهو يقول (وقَّت) وهذا ليس صريحاً في الوجوب ولهذا لم نقل إن الإنسان يجب عليه أخذ شعره الذي يستحب أخذه قبل أن يتم له أربعون يوماً مع أن الرسول وقَّت في ذلك أربعين يوماً.
القارئ: فإن تجاوزه غير محرمٍ لزمه الرجوع ليحرم منه لأن من قدر على فعل الواجب لزمه فإن رجع فأحرم منه فلا دم عليه لأنه أدى الواجب فأشبه من لم يتجاوزه فإن لم يمكنه الرجوع لخوفٍ أو خشية الفوات فأحرم من موضعه أو أحرم من موضعه لغير عذرٍ فعليه دم لأنه ترك الواجب من مناسك الحج فإن رجع بعد ذلك إلى الميقات لم يسقط الدم لأنه استقر عليه بإحرامه من دونه، فأشبه من لم يرجع.
الشيخ: الخلاصة الآن أن الإنسان إذا تجاوز الميقات وهو مريدٌ للنسك بلا إحرام نقول يجب عليك أن ترجع فتحرم منه فإن لم يمكن خوفاً على نفسه أو خشية فوات الوقوف بعرفة أو ما أشبه ذلك وكلام المؤلف رحمه الله وغيره من العلماء السابقين بناءً على أن السير يكون على الإبل أو الأقدام أو ما أشبه ذلك أما الآن فالأمر سهل يمكن أن يرجع ويحرم منه فإن لم يرجع لعذرٍ أو لغير عذر استقر عليه الدم فإن رجع بعد إحرامه إلى الميقات فإنه لا يسقط عنه الدم لأنه أحرم من دون الميقات فاستقر عليه الدم.

القارئ: فإن أحرم المكي بالحج من الحلّ الذي يلي عرفة فهو كالمحرم من دون الميقات وإن أحرم من الحلّ الذي يلي الجانب الآخر ثم سلك الحرم فهو كالمحرم قبل الميقات وإن أحرم بالعمرة من الحرم انعقد إحرامه كالذي يحرم بعد ميقاته ثم إن خرج قبل الطواف إلى الحل وعاد ففعل أفعالها تمت عمرته وعليه دم وإن لم يخرج وفعل أفعالها ففيه وجهان أحدهما يجزئه ويجبرها بدم كالذي يحرم من دون ميقاته والثاني لا يجزئه لأنه نسكٌ فكان من شرطه الجمع بين الحلّ والحرم كالحج فعلى هذا لا يعتد بأفعاله وهو باقٍ على إحرامه حتى يخرج إلى الحلّ ثم يأتي بها.

الشيخ: إن أحرم المكي بالحج من الحل الذي يلي عرفة فهو كالمحرم من دون الميقات يعني أن عليه دماً بناءً على أن المكي يجب أن يحرم بالحج من مكة وإن أحرم من الحلّ الذي يلي الجانب الآخر ثم سلك الحرم فهو كالمحرم قبل الميقات مثلاً أحرم من جهة جدة ثم مر بمكة عابراً إلى عرفة فهو كالمحرم قبل الميقات لأن ميقاته مكة والصحيح أن المكي يجوز أن يحرم بالحج من مكة وأن يحرم بها من الحلّ كذلك من كان آفاقياً فأتى بالعمرة ثم بقي في مكة وأراد أن يحرم بالحج فله أن يحرم بالحج من مكة أو خارج من مكة من الحلّ وبناء ً على ذلك فالمتمتع إذا أراد أن يحرم بالحج من عرفة يوم عرفة فالإحرام صحيحٌ جائز وكذلك المكي لو خرج كالعامل والشرطي وما أشبه ذلك إلى عرفة وهو يريد الحج ولكنه أخَّر الإحرام إلى يوم عرفة فلا بأس ويحرم من عرفة هذا القول هو الراجح يقول وإن أحرم بالعمرة من الحرم انعقد إحرامه كالذي يحرم بعد الميقات ثم إن خرج قبل الطواف إلى الحلّ وعاد ففعل أفعالها تمت عمرته وعليه دم وإن لم يخرج وفعل أفعالها ففيه وجهان أحدهما يجزئه ويجبرها بدم كالذي يحرم من دون ميقاته والثاني لا يجزئه لأنه نسك فكان من شرطه الجمع بين الحلّ والحرم كالحج فعلى هذا لا يعتد بأفعاله وهو باقٍ على إحرامه حتى يخرج إلى الحلّ ثم يأتي بها، ولكن الصحيح أنه يجزئه وعليه الدم.
السائل: من أنشأ الإحرام من دون الميقات كأهل جدة فهل يحرم من بيته أو من سائر البلد؟ الشيخ: الأفضل من بيته لكن يجزئه من أي مكان من البلد أما خارج البلد فإن كان من ورائه فلا بأس وإن كان من دونه إلى مكة فلا يجوز.

فصلٌ القارئ: وميقات الزمان شوالٌ وذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجة لقول الله تعالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات) معناه وقت الحج لأن الحج أفعالٌ وليس بأشهر فلم يكن بدٌ من التقدير وعن ابن مسعودٍ وجابرٍ وابن الزبير أنهم قالوا: أشهر الحج شوالٌ وذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجة.

الشيخ: قول المؤلف رحمه الله إن أشهر الحج هي شهران وعشرة أيام فيه نظر وقد ذهب مالك رحمه الله إلى أن أشهر الحج ثلاثة شوال وذو القعدة وذو الحجة وهذا القول هو الصواب وذلك لأن الأشهر جمع وأقل الجمع ثلاثة لا اثنان وبعض الثالث ومن المعلوم أن الذين قالوا إن أشهر الحج شهران وعشرة أيام أن في قولهم نظراً وذلك لأن بعض أفعال الحج تقع بعد اليوم العاشر مثل الرمي والمبيت بمنى وكذلك طواف الإفاضة إذا أخره عن يوم العيد والسعي فالقول الراجح أن أشهر الحج ثلاثة وأنه لا يجوز أن يؤخر شيئاً من أفعال الحج عن هذه الثلاثة إلا لعذر وعلى هذا فقول بعض العلماء إن الطواف في الحج لا حد له وأنه يجوز أن يؤخر إلى محرم وصفر وربيع ولكن يبقى عليه بقية المحظورات قولٌ ضعيف والصواب أنه لا يجوز أن يؤخر طواف الإفاضة وسعي الحج عن أشهر الحج إلا لعذر كما لو نفست المرأة قبل أن تطوف وبقيت أربعين يوماً في نفاسها فلا يحل لها الطواف إلا في شهر محرم هذا عذر ولا بأس به أو كان مريضاً لا يستطيع أن يطوف وأخره إلى ما بعد ذي الحجة فلا بأس.
القارئ: والاختيار أن لا يحرم بالحج قبل أشهره لأنه تقديمٌ للعبادة على وقتها فكره كتقديمها على ميقات المكان فإن فعل انعقد إحرامه لأنه أحد الميقاتين فانعقد الإحرام بالحج قبله كالآخر.
الشيخ: هذا كلام الفقهاء رحمهم الله عندنا والقول الثاني أنه لا يصح الإحرام بالحج قبل دخول أشهر الحج وهذا أقرب إلى الصواب لأن الله قال (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات) وإذا كان وقت الحج أشهراً معلومات فلا يقدم عليه كالصلاة لا تقدم على وقتها وعلى هذا القول فإذا أحرم بالحج قبل دخول أشهر الحج انعقد عمرة ونقول طف واسع وتحلل بعد الحلق أو التقصير وهذا القول هو الراجح وأما الاقتصار على الكراهة مع الانعقاد ففيه نظر.

القارئ: فأما العمرة فلا ميقات لها في الزمان ويجوز الإحرام بها في جميع السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (عمرةٌ في رمضان تعدل حجة) متفقٌ عليه (واعتمر في ذي القعدة وفي ذي الحجة مع حجته) رواه أنس وهو حديثٌ صحيح.
الشيخ: العمرة ليس لها وقت تفعل في أي وقت من السنة وظاهر كلام المؤلف وغيره أيضاً أنه يجوز أن يعتمر الإنسان بعد التحلل الأول من الحج يعني يعتمر في أيام التشريق وكره بعض العلماء أن يعتمر قبل انتهاء أعمال الحج فلا عمرة في أيام التشريق ولا في ليالي أيام التشريق ولا قبل الطواف والسعي وهذا على قول من يقول إنه لا يصح إدخال العمرة على الحج واضح والأقرب أن يكره الإتيان بالعمرة وقد بقي عليه شيءٌ من أعمال الحج لأنه لايزال متلبساً بنسك أو بعض متعلقات النسك.
وقوله رحمه الله إن النبي صلى الله عليه وسلم قال (عمرةٌ في رمضان تعدل حجة) ليس المراد بالمعادلة المكافأة فلا تجزئ عمرةٌ في رمضان عن فريضة الحج مثلاً لأنه لا يلزم من المعادلة في الثواب المعادلة في الإجزاء ولهذا من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ولا تجزئ هذه الكلمات عن رقبةٍ واحدة (وقل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن ولو كررها ثلاثاً لم تجزئ عن القرآن بل لا تجزئ ولا عن الفاتحة لو لم يقرأ الفاتحة في الصلاة.

وقوله اعتمر في ذي القعدة ثم قال وفي ذي الحجة الصواب أنه لم يعتمر في ذي الحجة وإنما كانت عمره في ذي القعدة كلها عمرة الحديبية كانت في ذي القعدة وعمرة القضاء في ذي القعدة، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة وعمرته في حجه في ذي القعدة لأنه أحرم في الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة نعم إن أراد المؤلف أن أفعال العمرة من الطواف والسعي لما دخلت في الحج كانت في ذي الحجة فهذا له وجه، إذن اعتمر الرسول صلى الله عليه وسلم أربعة عمر، وقد تردد ابن القيم رحمه الله أيهما أفضل أن يعتمر في أشهر الحج أو في رمضان؟ توقف فيه رحمه الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في ذي القعدة وقال (عمرةٌ في رمضان تعدل حجة) لامرأةٍ تخلَّفت عن حجها معه فيحتمل الخصوصية لها كما قال في ذلك بعض العلماء قال إن قوله (عمرةٌ في رمضان تعدل حجة) يعني هذه المرأة فقط لكن الأصل عدم الخصوصية إلا أن كون الرسول عليه الصلاة والسلام لم يعتمر في رمضان مع تيسره له قد يقول قائل إن العمرة في أشهر الحج أفضل ولكن الذي يظهر لي أن العمرة في أشهر الحج أفضل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان العرب قد تقرر عندهم في عقيدتهم أنه لا اعتمار في أشهر الحج ويرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور فكرر النبي صلى الله عليه وسلم العمرة في أشهر الحج من أجل ترسيخ الجواز في أشهر الحج وإبطال تلك العقيدة وأما كونه لم يعتمر في رمضان فيقال إن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس كسائر الناس لو اعتمر لاعتمر الناس معه وحصل في ذلك مشقة على الناس في أيام الصيام والرحيل والنزول فلهذا تركه عليه الصلاة والسلام.
فإذا قال قائل لماذا لم يعتمر حين فتح مكة وقد بقي فيها تسعة أيام قبل أن يدخل شهر شوال؟

قلنا لأن العمرة من مكة ليست مشروعة فهو عليه الصلاة والسلام لم يخرج إلى الحلّ ليعتمر لأن هذا غير مشروع ولذلك لم يرد الخروج من مكة للإحرام من الحلّ إلا في قضيةٍ معينة وهي قصة عائشة رضي الله عنها ولولا أنها ألحت على الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأذن لها لكن ألحت في أمرٍ ليس حراماً فأذن لها.
مسألة: الحكم فيمن أحرم ونسي لباسه عليه ثم تذكر في أثناء المسير أن يخلع هذه الثياب ويستمر ولو لم يذكر إلا بعد أن تم النسك فليس عليه شيء لأن محظورات الإحرام يسقط إثمها وفديتها في حال النسيان والجهل والإكراه.
السائل: رجل حج مع أمه وما استطاعت الأم أن تطوف طواف الإفاضة وقد طاف طواف الإفاضة ثم رجع بأمه إلى بلده حتى يرجع ليطوف بها الإفاضة وطواف الوداع لنفسه فماذا عليه؟ الشيخ: أما طواف الوداع لنفسه فلا ينفعه لأنه خرج من مكة بغير طواف ووصل إلى بلده لكن عليه دم لترك هذا الطواف يذبح في مكة ويوزع على الفقراء، أما أمه فلا بأس لكن أمه تبقى على إحرامها أي على ما بقي من محظورات الإحرام وهو ما يتعلق بالنساء حتى ترجع وتطوف.
السائل: هناك من العلماء من قال إنه لا يوجد دليل يمنع الرمي قبل الزوال وأن الرسول صلى الله عليه وسلم رمى يوم العيد ضحىً ورمى أيام التشريق بعد الزوال وخاصةً أن كثيراً من أهل العلم سمحوا بالرمي بعد المغرب فقالوا إنه ليس هناك دليل يمنع الرمي قبل الزوال فما قولكم حفظكم الله؟ الشيخ: نقول بارك الله فيك هناك دليل من السنة ومن أقوال الصحابة، أما من السنة فإن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأذن للضعفة أن يرموا قبل الزوال مع حاجتهم إلى ذلك لأن وقت الزوال حر وأذن لهم أن يرموا قبل طلوع الشمس يوم العيد.
ثانياً أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحيَّن زوال الشمس فإذا زالت رمى قبل أن يصلي الظهر فكأنه عليه الصلاة والسلام ينتظر زوال الشمس بفارغ الصبر ولهذا قدَّم الرمي على الصلاة.

ثالثاً أن الدين الإسلامي دين السهولة واليسر ومن المعلوم أن رمي الناس من أول النهار أيسر وأسهل لا من جهة برودة الجو ولا من جهة امتداد الوقت ولو كان هذا جائزاً لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام للأمة بقوله أو فعله.
رابعاً أن الأصل في قول الرسول عليه الصلاة والسلام (خذوا عني مناسككم) اتباعه إلا بدليل ولا دليل من سنته القولية ولا الإقرارية ولا الفعلية على جواز الرمي قبل الزوال.
وأما قوله تعالى (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) فهذا مطلق بيَّنه الرسول عليه الصلاة والسلام بأن المراد بذكره في أيامٍ معدودات في الرمي خاصة ما بعد الزوال.
وأما من قال أنه يمتد إلى الغروب فحجته أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يؤقت آخره فلم يقل لا ترموا بعد الغروب وحجة أخرى قال إن الزحام الشديد الموجود الآن في عصرنا الحاضر يقتضي جواز التأخير لأن هذا ضرورة ولا يتمكن أكثر الناس من مزاحمة الناس كما تعلمون الآن قد تحصل وفيات بسبب هذا الزحام.
السائل: جزاكم الله خير، شيخنا أقرأ عن السلف أن الصحابة كانت تحج منىً بالتكبير أيام التشريق ومن الملاحظ هذه الأيام أننا لا نكاد نسمع تكبير ونلاحظ أن إذا كبرت مجموعة كأنه لا بد أن يتوافق تكبيرهم مع بعض ولاحظنا أنا إذا فعلنا ذلك أنه يشترك الناس ويرتفع التكبير فهل يجوز التكبير الجماعي ليس لذاته ولكن للتشجيع؟

الشيخ: والله يا أخي لا يمكن أن نداوي ترك السنة بفعل البدعة فإذا كان الصحابة مع نبيهم ليسوا يكبرون ولا يلبون جماعياً بل قال أنس (منا المكبر ومنا المهل) فإنا لا نبتدع في الدين من أجل أن لا نترك السنة نقول نبيّن للناس أنه سنة وأن الإنسان ينبغي له أن يجهر بالتكبير كما كان الصحابة يفعلون وأنت الآن ترى أن الناس قد ضيعوا هذه السنة مع الأسف في التلبية أيضاً تمر بك قوافل السيارات الكثيرة لا تسمع ملبياً مع أن الصحابة كانوا يصرخون بالتلبية صراخاً كما قال جابر (كنا نصرخ بها صراخاً) ومع ذلك تمر بك قوافل الحجيج مع الأسف لا تسمع من يقول لبيك لما كان الناس في الأول يأتون على الإبل نجد ما شاء الله العج والثج موجوداً تجدهم شعثاً غبراً على ظهور الإبل يلبون حتى تسمع أصواتهم في الجو كله لكن لما جاءت السيارات المريحات والمكيفات والمقطعات خفت الصوت.
ولا بأس إذا قلت مثلاً الله أكبر لا إله إلا الله وسمعني الآخر وقال الله أكبر لا إله إلا الله فلا بأس وليس تكبيراً جماعياً المعروف عندنا أن التكبير الجماعي أن يكون واحد يكبر والباقون يتبعونه بصوت واحد.

باب الإحرام

القارئ: يستحب الغسل للإحرام لما روى زيد بن ثابت (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرّد لإهلاله واغتسل) حديثٌ حسن وعن جابرٍ قال (أتيتنا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميسٍ محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع.
قال: اغتسلي ثم استثفري بثوبٍ ثم أحرمي) رواه مسلم.
فإن لم يجد ماءاً لم يتيمم لأنه غسلٌ مسنونٌ يراد للتنظيف فلا يسن التيمم عند العجز عنه كغسل الجمعة وقال القاضي: يستحب له التيمم قياساً على غسل الجنابة.
الشيخ: إذن هذه من مستحبات الإحرام أن يغتسل عند إرادة الإحرام لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمره النفساء بذلك يدل على أنه سنة حتى للنفساء والحائض أن تغتسلا عند الإحرام.

فإن قال قائل لو أن الإنسان اغتسل قبل أن يسافر خوفاً من أن يكون هناك ضيق أو لا يكن هناك ماء فهل تحصل السنة؟ نقول إذا كان في مدىً قريب فلا بأس تحصل مثل لو كان اغتسل عند ركوبه للسيارة فهذا الزمن قريب.
أما في الطائرة فمن المعلوم أنه لا يتمكن من الاغتسال وحينئذ يغتسل قبل أن يركب الطائرة.
وقول المؤلف رحمه الله: إنه لا يتيمم إذا لم يجد الماء أو تعذر استعماله بمرضٍ أو نحوه أقرب من القول بأنه يتيمم لأن الظاهر من هذا الغسل هو التنظيف ولهذا شرع للحائض والنفساء مع أن الحائض والنفساء لا تطهران فدل هذا على أن المقصود التنظيف.
القارئ: ويتسحب له التنظيف بإزالة الشعر والشعث وقطع الرائحة وتقليم الأظافر لأن الغسل شرع لذلك.
الشيخ: هذا إذا كان يحتاج إلى ذلك يعني إذا كان الشعر وافراً عنده في الشارب أو في الأبط أو في العانة وأما إذا لم يحتج كما لو كان أزال ذلك عن قرب فلا حاجة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بهذا التنظيف.
القارئ: ثم يتجرد من المخيط في إزارٍ ورداءٍ أبيضين نظيفين جديدين أو غسيلين لما روى ابن عمر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وليحرم أحدكم في إزارٍ ورداءٍ ونعلين) ويستحب أن يتطيب في بدنه لما روت عائشة رضي الله عنها قالت (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحلّه قبل أن يطوف بالبيت وقالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم) متفقٌ عليهما ولا يتطيب في ثوبه فإن فعل فله استدامته حتى ينزعه فمتى نزعه ثم لبسه فعليه الفدية لأن الإحرام يمنع ارتداء الطيب دون استدامته.

الشيخ: هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أنه لا يتطيب في ثوبه وهذا النفي يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة ومعلومٌ أنه إن كان بعد عقد الإحرام فهو للتحريم وأما قبل عقد الإحرام فقيل إنه للكراهة وقيل للتحريم والصحيح أنه لا يجوز أن يلبس الإحرام المطيَّب لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فقال (لا يلبس ثوباً مسه الزعفران ولا الورس) فالصواب أنه لا يجوز أن يطيب ثوب الإحرام أما البدن فيطيبه كما ذكر حديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت تطيب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لإحرامه قبل أن يحرم.
القارئ: ولو نقل الطيب عن بدنه من موضعٍ إلى موضع آخر فعليه الفدية وإن سال بالحر وغيره إلى موضعٍ آخر فلا فدية عليه لأنه ليس من جهته.
الشيخ: انتقال الطيب من الموضع الذي تطيب به أولاً له ثلاث حالات: الحال الأولى أن يتعمَّد نقله ليتسع المكان المطيب من البدن.
والحال الثانية أن يسيل الطيب بنفسه.
والحال الثالثة أن لا يتعمد نقله ولكنه يكون من ضروريات عمله المشروع.
أما الأول فلا شك أنه حرامٌ عليه أن يتعمد نقل الطيب من موضع إلى موضع ليتسع مكان الطيب مثل أن يأخذ الطيب من رأسه ويضعه على عضده أو على كفيه أو على صدره فهذا حرام.
والحال الثانية إذا سال الطيب على بدنه فإن ذلك لا شيء عليه لأن هذا كان معروفاً في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا بد منه ولا سيما في أيام الحر.

الحال الثالثة أن ينقله لعملٍ مشروع بدون قصد مثل أن يتوضأ ويمسح رأسه المضمخ بالطيب ومن المعلوم أنه سوف يعلق بيده فهذا ظاهر كلام المؤلف أن عليه فدية والصحيح أنه لا فدية عليه ولا شيء عليه لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ينظر وبيص المسك في رأسه وهو محرم وكان يغتسل وهو محرم ويخلل شعره بيده وهو محرم ولازم ذلك أن يعلق بيده ثم هو أيضاً من الحرج أن نقول إنه إذا مسح الإنسان رأسه وعلق بيده طيب يجب عليه أن يزيله فوراً فيكون عنده صابون كلما أراد أن يتوضأ هذا حرج ومشقة.

فصلٌ القارئ: ويستحب أن يحرم عقب صلاةٍ إما مكتوبةٍ أو نافلة وروى الأثرم قال: سألت أبا عبد الله أيما أحب إليك الإحرام في دبر الصلاة وإذا استوت به ناقته فقال كلٌ قد جاء في دبر الصلاة وإذا علا البيداء وإذا استوت به ناقته فوسّع فيه كله والمذهب الأول لما روى سعيد بن جبير قال ذكرت لابن عباسٍ إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من صلاته ثم خرج فلما ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته واستوت به قائمةً أهل فأدرك ذلك منه قومٌ فقالوا أهل حين استوت به راحلته وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك ثم سار حتى علا البيداء فأهل فأدرك ذلك منه قومٌ فقالوا أهل حين علا البيداء) رواه أبو داود وهذا فيه فضل بيانٍ وزيادة علم فيتعين الأخذ به وتقديمه على ما خالفه.

الشيخ: والصحيح التوسعة في ذلك أن الإنسان إن شاء أحرم عقب الصلاة وإن شاء إذا ركب وإن شاء إذا علت به على البيداء إذا كان من ذي الحليفة لأن ذا الحليفة نازلة ويعلو الإنسان إذا خرج منها وكونه لا يحرم إلا إذا ركب فيه توسعة للإنسان لأن الإنسان ربما يتشاغل بعد صلاته بحوائجه وما أشبه ذلك فيحتاج إلى أن يتطيب مثلاً فإذا قلنا أحرم من حين أن تصلي لم يتمكن من الطيب الذي هو مشروع عند الإحرام وإذا قلنا انتظر حتى تركب تمكن منه فالغالب أن الإنسان يكون معه فسحة والأمر في هذا والحمد لله واسع.

فصلٌ القارئ: وينوي الإحرام بقلبه ولا ينعقد بغير نية لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) ولأنها عبادةٌ محضةٌ فافتقرت إلى النية كالصلاة فإن لبى من غير نية لم يصر محرما وإن نوى الإحرام من غير تلبيةٍ انعقد إحرامه لأنه عبادةٌ لا يجب النطق في آخرها فلم يجب في أولها كالصوم.
الشيخ: غريب مثل هذه الأقيسة الواقع أنه إذا نوى بدون تلبية انعقد النسك لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) وهذا نوى الدخول في النسك فإذا نوى الدخول في النسك فقد دخل، وإن لبى بدون نية من غير قصد الإحرام فلا يكون شيئاً، كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا رأى ما يعجبه في الدنيا قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.
القارئ: وإن نوى إحراماً فسبق لسانه إلى غيره انعقد إحرامه بما نواه دون ما نطق به لأن النية هي الإحرام فاعتبرت دون النطق.

فصلٌ

القارئ: ويستحب أن ينطق بما أحرم به ويعينه ويشترط فيه أن محلي حيث حبستني فيقول اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني وإن حبسني حابسٌ فمحلي حيث حبستني لما روت عائشة رضي الله عنها قالت (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهلَّ بعمرة ومنا من أهلَّ بحجٍ وعمرة ومنا من أهلَّ بحج) وعنها قالت (دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضُباعة بنت الزبير فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية فقال: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) متفقٌ عليهما.
ويفيد هذا الشرط شيئين أحدهما أنه متى عاقه عائقٌ من مرضٍ أو غيره فله التحلل والثاني أنه إذا حلّ لذلك فلا شيء عليه من دمٍ ولا غيره وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يجري مجراه قال ابن مسعود: اللهم إني أريد العمرة إن تيسرت لي وإلا فلا حرج علي لأن المقصود المعنى وإنما اعتبر اللفظ لتأديته له.
الشيخ: الله أكبر هذه قاعدة مفيدة أن العبرة أن المرجع المعنى دون اللفظ بل إن اللفظ إذا خالف ما في قلبه فالعبرة على ما في قلبه كما سبق لو أراد أن يقول لبيك حجة فقال لبيك عمرة فالعبرة بما في قلبه.
هذه القطعة من كلام المؤلف تضمنت مسائل: أولاً يقول: يستحب أن ينطق بما أحرم به ويعينه ويشترط فظاهر كلامه أنه يستحب النطق بالنية ولهذا فسّر هذا المعنى بقوله فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي فهذا فيه نظر والصواب أنه لا ينطق بالنية لأنه لم يرد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال اللهم إني أريد النسك ولا أحد من الصحابة وحينئذٍ يكون الحج كغيره من العبادات لا ينطق فيه بالنية وأما التلبية فهي إظهارٌ لما سبق لا إنشاء وإلا فالإنسان يقول لبيك عمرة لبيك حجة لبيك عمرةٌ وحجة وهذا إخبارٌ عما في ضميره وليس إنشاءً.

المسألة الثانية يقول (يشترط فيه أن محلي حيث حبستني) وهذا أيضاً فيه نظر وقد اختلف العلماء رحمهم الله في اشتراط من أراد الإحرام هل هو سنة مطلقاً أو منكرٌ مطلقاً أو فيه تفصيل: فمنهم من قال يسن لكل من أراد الإحرام بعمرة أو حج أن يشترط.
ومنهم من قال إنه لا يشترط وأنكر ذلك كابن عمر رضي الله عنه.
ومنهم من قال بالتفصيل فقال إن كان هناك سبب يقتضي ذلك فليفعل وإلا فلا، السبب مثل أن يكون الإنسان فيه أثر مرض ويخشى أن يعجز أو امرأة تخشى أن يأتيها الحيض فتشترط أو ما أشبه ذلك فهذا يسن في حقه أن يشترط لئلا يشق على نفسه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لضُباعة بنت الزبير قال (حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) وأما من لا يخشى من عائق فلا يشترط لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يشترط هو عند إحرامه فتمام الاقتداء به أن لا يشترط من لا يخاف العائق وأن يشترط من يخاف العائق الأول اقتدى بفعله والثاني اقتدى بقوله وهذا هو الذي تجتمع فيه الأدلة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله بقي أن يقال الحوادث في هذا الزمان كثيرة وعلى هذا فنقول كل من أراد أن يحرم فليشترط فيقال هذا غير صحيح بل الحوادث في هذا الزمان قليلة لأنك لو أحصيت السيارات وما فيها من ركاب لوجدت العدد الهائل ولنقل إن الحجاج مليون حاج قد يموت مائة حاج من الحوادث فنسبة مائة لمليون ليست بشيء ثم إن الحوادث موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام فها هو الرجل الذي وقصته ناقته في عرفة وعلى هذا فنقول الأفضل أن لا تشترط ولكن لو اشترطت وقلنا بأن الاشتراط ليس بسنة فالظاهر أنه لا ينفعه ما دمنا قلنا إن الاشتراط ليس بسنة إلا لمن خاف من عائق فإنه إذا اشترط فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردوداً غير مؤثر ويحتمل أن ينفعه لكن الاحتمال الأول أقرب أنه لا ينفعه.

الثالث في هذه القطعة هل الاشتراط في العبادات في كل شيء بحيث أنه مثلاً لو أراد أن يدخل في الصلاة وقد توقع أن يزوره إنسانٌ كبير فنوى بقلبه أنه إن استأذن هذا الإنسان الكبير يقطع الصلاة؟ الظاهر لا لأنه لا قياس في مثل هذا إذ أن الحج مدته تطول ومشقته أعظم والصلاة ونحوها مدتها يسيرة ويمكن أن يخفف ويحصل المقصود.
الرابع ماذا يستفيد إذا اشترط سواءٌ قلنا إنه يشترط مطلقاً أو لسبب يستفيد فائدتين: الفائدة الأولى أنه يتحلل من إحرامه ويقال البس ثيابك وامش إلى أهلك.
الثانية أنه ليس عليه دم إحصار لأنه استثنى على ربه وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (إن لك على ربك ما استثنيت).
الخامس وهو من أهم ما في هذه القطعة أن العبرة في الألفاظ بمعانيها وما دلت عليه وهذه القاعدة يجب أن تطرد في كل شيء في العبادات والمعاملات في الأنكحة والبيوع والأوقاف وغيرها وبناءً على ذلك نقول لو زوَّج ابنته بقوله ملَّكتك بنتي فقال قبلت فإن القول الراجح أن النكاح ينعقد لأن هذا هو المعنى ولو قال خليت امرأتي فهو طلاقٌ صريحٌ لأن هذا هو العرف وقد يكون قول القائل خليت امرأتي أبلغ من قوله طلقت عند العامة فالحاصل أن الألفاظ قوالب للمعاني والعبرة بالمعاني في كل شيء.
السائل: هل يجوز للمشترط أن يتحلل إذا خشي المرض ورأى علاماته؟ الشيخ: لا يجوز أن يتحلل من إحرامه إلا إذا تحقق المرض الذي لا يتمكن معه من إتمام النسك.

فصلٌ

القارئ: ويجوز الإحرام بنسكٍ مطلق وله صرفه إلى أيها شاء وإن أحرم بمثل ما أحرم به فلان صح لما روى أبو موسى قال (قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال لي: بم أهللت قال: قلت لبيك بإهلالٍ كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أحسنت فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني أن أحل) متفقٌ عليه ثم إن تبين له ما أحرم به فلان فإحرامه مثله وإن تبين أن فلاناً لم يحرم فله صرفه إلى ما شاء كالمطلق لأنه عقد الإحرام وعلَّق عين النسك على إحرام فلان فلما لم يحرم فلانٌ بطل التعيين وبقي المطلق وإن علم أن فلاناً أحرم ولم يعلم بما أحرم أو شك هل أحرم أم لا؟ فهو كالناسي لإحرامه وللناسي لما أحرم به صرفه إلى أي نسكٍ شاء لأنه إن صادف ما أحرم به فقد أصاب وإن صرفه إلى عمرة وكان إحرامه بغيرها فإن فسخه إليها جائزٌ مع العلم فمع الجهل أولى، وإن صرفه إلى قرانٍ وكان إحرامه بعمرة فقد أدخل عليها الحج وهو جائز وإن كان مفرداً فقد أدخل العمرة على الحج وهو لغوٌ لا يفيد ولا يقدح في حجه كما لو فعله مع العلم وإن صرفه إلى الإفراد وكان معتمراً فقد أدخل الحج على العمرة فصار قارناً ولا تبطل العمرة بترك نيتها فإن كان قارناً فهو على حاله لذلك والمنصوص عن أحمد رضي الله عنه أنه يجعل المنسي عمرة قال القاضي: هذا على سبيل الاستحباب لأن ذلك مستحبٌ مع العلم فمع عدمه أولى فعلى هذا إن صرفه إلى عمرة فهو متمتعٌ حكمه حكم من فسخ الحج إلى العمرة وإن صرفه إلى القران لم يجزئه عن العمرة إذ من المحتمل أن يكون مفرداً فلم يصح إدخاله العمرة على حجه ولا يلزمه دم القران لأنه شاكٌ فيما يوجبه ويصح له الحج هاهنا وفيما صرفه إلى الإفراد فإن كان شكه بعد الطواف لم يكن له صرفه إلا إلى العمرة لأن إدخال الحج على العمرة بعد الطواف غير جائز فإن صرفه إلى إفرادٍ أو قران تحلل بأفعال الحج ولم يجزئه عن واحدٍ من النسكين لأنه شاكٌ في

صحته ولا دم عليه للشك فيما يوجبه إلا أن يكون معه هديٌ فيجزئه عن الحج لأن إدخال الحج على العمرة في حقه جائزٌ بعد الطواف.
الشيخ: هذا الفصل فيه مسألة مهمة وهي هل يجوز للإنسان أن يحرم بمثل ما أحرم به فلان وهو لا يدري؟ الجواب نعم لأن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه أحرم بما أحرم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكذلك علي بن أبي طالب أحرم بما أحرم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى هذا فإذا كان شخصٌ واثقاً برجلٍ في علمه ودينه وأحرم بمثل ما أحرم به فلا حرج لأن هذا عملٌ أجازه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن أبا موسى أمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يحل متمتعاً وأما علي فقال له إن معي الهدي فلا تحل فأشركه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هديه ولم يحل لأن من ساق الهدي لا يمكن أن يحل قبل أن يبلغ الهدي محله.
فإن جهل ما أحرم به فلان بمعنى أنه لم يتفق بفلان حتى وصل إلى مكة ولم يدر فماذا يجعله؟ نقول الأفضل أن تجعله عمرة لأنه على تقدير أنه أحرم بالحج فإن فسخ الحج إلى العمرة جائز هذا هو الأحسن لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة.

فصلٌ القارئ: وإن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد إحرامه بإحداهما ولا يلزمه للأخرى قضاءٌ ولا غيره لأنهما عبادتان لا يلزم المضي فيهما فلم يصح الإحرام بهما كالصلاتين ولو فسد نسكه ثم أحرم بغيره من جنسه لم يلزمه للثاني شيء ولم يصح لذلك.

فصلٌ

القارئ: وهو مخيرٌ إن شاء أحرم متمتعاً أو مفرداً أو قارنا لحديث عائشة والتمتع هو الإحرام بعمرةٍ من الميقات فإن فرغ منها أحرم بالحج من مكة في عامه والإفراد الإحرام بالحج مفرداً والقران الإحرام بهما معاً أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الإحرام بالحج قبل الطواف لما روت عائشة رضي الله عنها قالت (أهللنا بعمرةٍ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هديٌ فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً) متفق عليه فإن أحرم بحجٍ ثم أدخل عليه عمرةً لم يصح ولم يصر قارناً لأنه لم يرد بذلك أثر ولا هو في معنى ما جاء به الأثر لأن إحرامه بها لا يزيده عملاً على ما لزمه بإحرام الحج ولا يغير ترتيبه بخلاف إدخال الحج على العمرة ومن طاف للعمرة ثم أحرم بالحج معها لم يصح لأنه قد أتى بمقصودها وشرع في التحلل منها إلا أن يكون معه هديٌ فله ذلك لأن من ساق هدياً لا يجوز له التحلل حتى ينحر هديه لقول الله تعالى (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) فلا يتحلل بطوافه ويتعين عليه إدخال الحج على العمرة ويصير قارنا بخلاف غيره.
الشيخ: هذا الفصل يتضمن أموراً الأمر الأول أن الإنسان إذا أراد الإحرام فإنه مخيَّر بين ثلاثة أنساك التمتع والإفراد والقران لحديث عائشة قالت (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهلَّ بعمرة ومنا من أهلَّ بحج ومنا من أهلَّ بعمرة وحج وأهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج) وهذا التخيير تخيير إباحة والأفضل كما سيأتي في الفصل الذي بعده الأفضل التمتع وقيل إن الإنسان لا يخيّر بين هذه الأنساك وأنه يجب عليه التمتع إلا أن يكون قد ساق الهدي لكن هذا القول ضعيف لأن الخلفاء الراشدين أجمعوا كلهم على أن التمتع ليس بواجب حتى من ليس معه هدي.

والعلماء مختلفون في أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للصحابة الذي غضب من أجل عدم فعلهم لما أمرهم به فقيل إنه للوجوب وقيل إنه للاستحباب وعلى القول بالوجوب هل هو لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة أو لهم فقط.
جمهور العلماء على أنه للاستحباب وأعني بجمهور العلماء من يجوزون فسخ الحج إلى العمرة للتمتع لأن بعض العلماء يقول لا يجوز فسخ الحج إلى العمرة ليصير متمتعاً لكن هذا القول ضعيف إذاً هل يجب على الإنسان أن يخلع نية الحج القارن والمفرد إلى تمتع أو لا يجب؟ نقول الصحيح أنه لا يجب.
ومن العلماء من قال هو واجب ومنهم من قال هو واجب على الصحابة فقط وهذا القول اختاره شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله وهو أصوب من غيره وإنما قلت فيما سبق الصحيح أنه لا يجب أعني لا يجب على الأمة وإنما يجب على الصحابة فقط لأن النبي صلى الله عليه وسلم واجههم به ولأنهم لو تمنعوا من ذلك في ذلك الوقت لبطلت مشروعيته لأنهم هم مقدَّم الأمة ولأن أبا ذر سئل عن هذه المسألة هل هي لهم خاصة أو للناس عامة؟ قال بل هي لنا خاصة فيُحمل قوله رضي الله عنه على أن المراد بذلك الوجوب وهذا أعدل الأقوال وأحسن الأقوال وعلى هذا فيكون التمتع ليس بواجب.
كذلك أيضاً في هذا الفصل تبين معنى التمتع والإفراد والقران فالتمتع أن يحرم بالعمرة من الميقات في أشهر الحج ويحج من عامه هذه قيود: الأول أن يكون إحرامه بالعمرة من الميقات.
والثاني أن يكون في أشهر الحج فالأول الميقات المكاني والثاني الميقات الزمني وعلى هذا لو أحرم بالعمرة في آخر يوم من رمضان وأداها ليلة العيد لم يكن متمتعاً لأنه أحرم بالعمرة قبل دخول أشهر الحج ولو أنه أحرم بالعمرة ولم يحج من عامه وحج في العام الآخر فليس بمتمتع لأنه لم يحرم بالحج في عامه.
فإن نوى التمتع وأحرم بالعمرة وحل منها ثم بدا له أن لا يحج فهل له ذلك؟ نعم له ذلك لأنه لم يحرم بالحج والنية بدون عمل لا تلزم.

أما الإفراد أن يحرم بالحج مفرداً.
والقران ذكر المؤلف له صورتين: الصورة الأولى أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً.
والصورة الثانية أن يحرم بالعمرة أولاً ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، أما دليل الصورة الأولى فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أتاه آتٍ وقال صلِّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة وحجة وفي لفظٍ عمرةٌ في حجة) هذا قران أحرم بهما معاً وأما دليل الصورة الثانية فهو حديث عائشة (أنها أحرمت بالعمرة ثم حاضت في أثناء الطريق قبل أن تطوف فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحج) وظاهر الحال أن هذه الصورة لا تصح إلا عند الضرورة إذا تعذر على الحاج أن يطوف لكن العلماء أجمعوا أنه جائز سواءٌ كان ذلك لعذر أو لغير عذر.
بقي صورةٌ ثالثة ذكر المؤلف أنها لا تصح وهو أن يُدخل العمرة على الحج يعني أن يحرم أولاً بالحج ثم يدخل العمرة على الحج فهل يكون قارنا؟ ً في هذا للعلماء قولان القول الأول ما مشى عليه المؤلف وهو أنه لا يكون بذلك قارناً بل هو باقٍ على إفراده ولم يذكر دليلاً وإنما ذكر تعليلاً.

والثاني أنه يصح إدخال العمرة على الحج ويكون بذلك قارناً واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم أولاً بالحج ثم جاءه آتٍ فقال قل عمرة وحجة فأدخل العمرة على الحج وهذا يحتاج إلى تقديم مسلَّمات ربما يذكرها لكنه قولٌ ليس ببعيد إذ أن تعليل المؤلف لا يكفي في المنع فتعليله أنه يقول إدخال العمرة على الحج لا يستفيد به الحاج عملاً زائداً ووجه ذلك أن عمل المفرد وعمل القارن واحد فإذا أدخل العمرة على الحج فإنه لا يستفيد بهذا الإدخال شيئاً يعني لا يستفيد زيادة عمل لكن لو أحرم بالعمرة ثم أدخل الحج عليها وهي الصورة الثانية للقران فإنه يستفيد زيادة الأعمال لأنه لو اقتصر على العمرة لكان يكفيه أن يطوف ويسعى ويقصّر أما لما أدخل الحج عليها صار لا بد أن يقف بعرفة وبمزدلفة ويرمي الجمرات ويبيت بمنى فاستفاد بإدخال الحج على العمرة زيادة العمل لكن هذا قد يقال إنه فرق غير مؤثر وأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى) وهو إذا طاف بعد إدخال العمرة على الحج سينوي الطواف عنهما وإذا سعى سينوي السعي عنهما وبناءً على ذلك يتبين لي أنه لا بأس من إدخال العمرة على الحج ويصير بذلك قارناً فيكون للقران ثلاث صور: الأولى أن يحرم بهما معاً.
الثانية أن يحرم بالعمرة أولاً ثم يُدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها.
الثالثة أن يحرم بالحج أولاً ثم يدخل العمرة عليها.

اشترط المؤلف رحمه الله في الصورة الثانية أن يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها وقال بعض أهل العلم بل ولو بعد الشروع في طوافها واختاره كثيرٌ من العلماء أنه يصح إدخال الحج على العمرة ولو بعد الشروع بعد طوافها بل ولو بعد السعي ما دام لم يتحلل وهذه مسألة خطيرة أضرب لكم مثلاً يتبين بها خطورتها أنه لو طاف للعمرة أولاً طوافاً صحيحاً ثم سعى للعمرة وقصَّر وتحلل وتبين أن السعي غير صحيح إما لنقص الشوط أو لغير ذلك من الأشياء المبطلة ثم أحرم بالحج واستمر وانتهى منه فعلى ما ذهب إليه المؤلف يكون حجه غير صحيح لأنه أدخل الحج على العمرة بعد الطواف وإدخال الحج على العمرة بعد الطواف لا يصح إلا من كان معه هدي كما سنذكر إن شاء الله وعلى القول الثاني يكون حجه صحيحاً ويكون قارناً وعلى هذا فلا يلزمه إلا طواف الإفاضة والسعي لأن السعي الأول غير صحيح فيلزمه السعي ولا شك أن هذا فرقٌ عظيم بين القولين والقول الثاني قد يتعين القول به أحياناً فيما لو أتى إنسان جاهل وأدخل الحج على العمرة وهو لا يعلم أن العمرة فاسدة ثم يمضي مثلاً إلى بلده ويتكلف ويشق عليه إذا قلنا حجك غير صحيح معناه أن فريضة الإسلام لم تسقط عنه إذا كان فريضة.
ولا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف إلا في حالٍ واحدة وهي إذا ساق الهدي فإذا ساق الهدي فإنه يطوف للعمرة ويسعى ثم يحرم بالحج قبل أن يحلق أو يقصّر لأن الحلق أو التقصير مع سوق الهدي قبل بلوغ الهدي محله لا يجوز وفي هذه الصورة يحرم بالحج قبل الفراغ من العمرة وبعد الطواف والسعي ويكون بذلك كما قال المؤلف قارناً وهذا تسليمٌ من المؤلف رحمه الله بجواز الإحرام بالحج بعد طواف العمرة لتعذر التحلل.

فصلٌ

القارئ: وأفضل الأنساك التمتع لما روى جابر أنه حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أهلوا بالحج مفرداً فقال لهم (حلوا من إحرامكم بطوافٍ بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة فقالوا: كيف نجعلها متعةً وقد سمينا الحج قال: افعلوا ما أمرتكم فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل ما أمرتكم به ولكن لا يحل مني حرامٌ حتى يبلغ الهدي محله قال: ففعلوا) متفقٌ عليه.
وعنه إن ساق الهدي فالقران أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل إذ كان معه الهدي، وقد روى أنسٌ (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة) متفقٌ عليه والأول أصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت) فيدل هذا على فضيلة المتعة وقد روى عمرٌ وعليٌ وسعدٌ وابن عمر وحفصة وعائشة وعمران بن حصين رضوان الله عليهم (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعاً وإنما منعه الحلّ سوق الهدي) ومعنى حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل الحج على العمرة حين امتنع عليه الحلّ منها ثم بعد التمتع الإفراد لأنه يأتي بنسكين كاملين والقارن يقتصر على عمل الحج ثم القران بعدهما.

الشيخ: ذكر المؤلف رحمه الله أن الأفضل التمتع مطلقاً حتى وإن ساق الهدي فالتمتع أفضل لكن ماذا يصنع إذا كان قد ساق الهدي ثم أتى بالطواف والسعي وهو متمتع؟ نقول له أحرم بالحج وتكون متمتعاً وهذا القول يناقض قوله في الفصل الذي قبله إنه يكون قارنا ودائماً الأقوال الضعيفة تتناقض فنقول كيف يصح أن يسميه متمتعاً وهو لم يتمتع بما أحل الله طرفة عين.
لأننا قلنا له من حين أن تطوف وتسعى فتلبَّس بإحرام الحج قبل أن تحل فأين التمتع.
ولذلك الرواية الثانية عن الإمام أحمد هي المتعيّنة وهي التي يدل عليها الدليل أنه إن ساق الهدي فالقران أفضل لتعذر التمتع في حقه إذ لا يمكن أن يحل بعد الطواف والسعي فالصواب أنه إذا ساق الهدي فالقران أفضل بل لو قيل إنه متعين في هذا الحال لكان له وجه لتعذر التمتع لأن التمتع غير ممكن مع سوق الهدي.

لكن يبقى النظر هل الأفضل أن يسوق الهدي ولا يتمتع أو أن يترك الهدي ويتمتع؟ الرسول عليه الصلاة والسلام ساق الهدي ولم يتمتع ولم يترك الهدي حتى يتمتع ثم إن في سوق الهدي من إظهار الشعائر ولا سيما فيما سبق لما كانوا يسيرون على الجمال وعلى الأرجل من إظهار الشعائر ما لم يكن فيما لو ساقه ثم فيه أيضاً من نفع الفقراء ما لا يوجد إذا لم يسقه فالواقع أن المسألة فيها احتمال أن نقول له سق الهدي واقرن أو نقول لا تسق الهدي وتمتع والغريب أن المؤلف رحمه الله استدل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم على أن التمتع أفضل ولو ساق الهدي فاستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل وزعم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان متمتعاً لكن منعه من الحلّ سوق الهدي ولكن القول المتعين بالنسبة لحج النبي عليه الصلاة والسلام ما قاله الإمام أحمد قال: لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً والمتعة أحب إليَّ هذا كلام الإمام أحمد فإن قال قائل ما تقولون فيما ذكره المؤلف عن عمر وعلي وسعد وابن عمر وحفصة وعائشة وعمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت متمتعاً؟ قلنا معنى تمتعه أنه تمتع بترك إحدى السفرتين لأنه حصل له عمرة وحج في سفرٍ واحد ولو فرقهما لكان يأتي لكل واحد بسفر فهو في الواقع متمتع كما أن المتمتع الذي يأتي بالعمرة ويبقى إلى الحج متمتع أيضاً، فالصواب المتعين ما ذهب إليه الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً ويجاب عن تسميته متمتعاً في بعض ألفاظ الصحابة بأحد أمرين إما أن يقال إنه تمتع بسقوط إحدى السفرتين وإما أن التمتع في لسان الصحابة ليس هو التمتع المعروف في لسان الفقهاء وأن التمتع في لسان الصحابة هو الجمع بين نسكين في سفرٍ واحد مطلقاً.

يقول المؤلف يليه الإفراد وعلل ذلك بأنه يأتي بالنسكين كاملين ويعني هذا أن المفرد إذا حج اعتمر بعد الحج وهذا فيه نظر لأن العمرة بعد الحج لم تكن معروفةً عند السلف ولم تقع إلا في قضيةٍ واحدة معينة ومن المعلوم أن الصحابة منهم المفرد ومنهم القارن ومنهم المتمتع فهل الذين أفردوا خرجوا إلى الحلّ وأتوا بالعمرة بعد الحج؟ لا ولهذا يكون تعليل المؤلف رحمه الله بأنه يأتي بنسكين كاملين يكون تعليلاً عليلاً ونقابله بأن القارن يمتاز عن المفرد بحصول نسكين اقتدى فيهما بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبأن القارن يحصل منه هدي لأن القارن عليه هدي كالمتمتع وهذا زيادة على المفرد فالصواب أن الأفضل التمتع ثم القران وإن لم يسق الهدي ثم الإفراد هذا هو الصواب في هذه المسألة.

فصلٌ القارئ: ويستحب للقارن والمفرد إذا لم يكن معهما هديٌ أن يفسخا نيتهما بالحج وينويا عمرةً مفردة ويحلا من إحرامهما بطوافٍ وسعيٍ وتقصير ليصيرا متمتعين لحديث جابر ويروى عن إبراهيم الحربي أنه قال: قال سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله كل شيءٍ منك حسنٌ جميل إلا خُلةً واحدة تقول بفسخ الحج فقال أحمد قد كنت أرى أن لك عقلاً عندي ثمانية عشرة حديثاً صحاحاً جياداً كلها في فسخ الحج أتركها لقولك فأما من ساق الهدي فليس له ذلك للحديث ولقول الله تعالى (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ).

الشيخ: في هذا الفصل بيّن المؤلف رحمه الله أنه يستحب للقارن والمفرد إذا لم يكن معهما هدي أن يحوّل الإحرام إلى عمرة ليصيرا متمتعين فأما إن كان معهما هدي فقد علمتم أنه لا يمكن ذلك لأن من معه الهدي لا يمكن أن يتحلل حتى يبلغ الهدي محله وفي قوله رحمه الله ليصيرا متمتعين دليلٌ على أنه لو فسخ الحج مفرد أو قارنٌ ليتخلص من ذلك ويذهب إلى أهله فإنه لا يحل له هذا يعني مثلاً إنسان ذهب إلى مكة وأحرم بالحج مفرداً لكن لما رأى الزحام والمشقة قال أحوّل هذا الحج إلى عمرة ثم أطوف وأسعى وأقصّر وأرجع إلى أهلي فلا يحل ذلك وإنما يحل لمن أراد أن يحج ليصير متمتعاً ووجه الحلّ في هذه المسألة أولاً أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك.
وثانياً أنه ينتقل من مفضولٍ إلى أفضل أي من إقران أو إفراد إلى تمتع وأما من فسخ نية الحج أو القران ليهرب فهذا لم يتحوّل من مفضولٍ إلى أفضل بل تهرب مما يلزمه من إتمام الحج أو العمرة حيث قال الله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ).
فإن كان معهما هدي فلا يحل أن يفسخا الإفراد والقران إلى عمرة لتعذر التحلل في حقهما لسوق الهدي.

فصلٌ القارئ: ويجب على المتمتع دم لقول الله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) والدم الواجب شاةٌ أو سبع بدنة للآية قال أبو حمزة سألت ابن عباسٍ عن المتعة فأمرني بها وسألته عن الدم فقال فيها جزورٌ أو بقرةٌ أو شاة أو شرْكٌ في دم) متفقٌ عليه.
الشيخ: جزور يعني ناقة كاملة بقرة كاملة شاة كاملة شركٌ في الدم يعني سُبع بدنة أو سُبع بقرة.
القارئ: ولا يجب الدم إلا بشروطٍ خمسة أحدها أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام لقول الله تعالى (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وحاضر المسجد أهل الحرم ومن بينه وبينه دون مسافة القصر لأن الحاضر القريب والقريب دون مسافة القصر.

الثاني أن يعتمر في أشهر الحج لأن المعتمر في غير أشهره لم يجمع بين النسكين فلم يجب عليه دمٌ كالمفرد ولو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وحلَّ منها في أشهره لم يكن متمتعاً لأن الإحرام نسكٌ لا تتم العمرة إلا به ولأنه أتى به في غير أشهر الحج فلم يصر متمتعاً كالطواف.
الثالث أن يحج من عامه فإن أخَّر الحج إلى عامٍ آخر لم يكن متمتعاً لأن المتمتع بالعمرة إلى الحج يقتضي الموالاة بينهما ولم يوال فأشبه المعتمر في غير أشهر الحج.
الرابع أن لا يسافر بينهما سفراً يقصر فيه لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال (إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع فإن خرج ثم رجع فليس بمتمتع) ولأنه إذا سافر لزمه الإحرام من الميقات أو من حيث انتهى إليه فلا يترفه بأحد السفرين فأشبه المفرد.
الشيخ: في هذا الفصل البحث في مسائل:

أولاً يجب على المتمتع دم والدليل قول الله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) لكن بشروط الأول ألا يكون من حاضري المسجد الحرام لقول الله تعالى (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام) يقول المؤلف هم أهل الحرم ومن بينه وبين الحرم مسافة قصر يعني من حدود الحرم إلى ثمانين كيلو أو واحد وثمانين كيلو وقيل حاضروا المسجد الحرام هم أهل الحرم فقط لأن من كان خارجه ليس فيه والآية تقول (حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وبناءً على ذلك نقول من كانوا في عرفة فليسوا من حاضري المسجد الحرام ومن كانوا في التنعيم فليسوا من حاضري المسجد الحرام وإن كانوا في مكة ويحتمل أن يقال حاضروا المسجد الحرام من كانوا داخل حدود الحرم أو حدود مكة لأنه من البعيد أن نقول إن الذين في التنعيم وقد اتصل بنيان مكة إليهم ليسوا من حاضري المسجد الحرام بل هم من أهل مكة لا شك فيقال حاضروا المسجد الحرام هم من كانوا داخل حدود الحرم أو في مكة حتى لو فرضنا أن مكة اتسعت وخرجت إلى ما وراء الحدود فيعتبر هذا من حاضر المسجد الحرام لأن مكة ولو اتسعت فإن أهلها يعتبرون أهلاً لها وحاضرون وإلا لقلنا إن من خرج إلى أطراف مكة التي خارج الحرم لقلنا إن هذا مسافر يحل له أن يقصر وليس كذلك فالأقرب أن حاضري المسجد الحرام هم من كان داخل حدود الحرم أو داخل حدود مكة.

الشرط الثاني أن يعتمر في أشهر الحج يعني أن يجمع بين العمرة والحج في أشهر الحج فإن اعتمر قبل دخول أشهر الحج وأتى بحجٍ فقط فليس بمتمتع لقوله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) وهذا يدل على أنه لولا هذه العمرة لم يحصل له تمتع بل كان باقياً على إحرامه ولا يمكن أن يبقى على إحرام الحج إلا إذا أحرم بالحج في أشهر الحج على القول الراجح وبهذا نعرف أنه لا بد أن تكون العمرة في أشهر الحج.
الشرط الثالث أن يحج من عامه لقوله (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) وهذا يدل على أن الحج لولا هذا التمتع لبقي محرماً ولا يمكن أن يحرم هذا العام ولا يؤدي الحج إلا في العام الثاني لأن الحج أشهرٌ معلومات وهذا يدل على أنه لا بد أن يحج في عامه فإن أحرم بالعمرة في أشهر الحج ولكن لم يحج في عامه فليس بمتمتع.
الشرط الرابع ألا يسافر بينهما سفر قصر وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال القول الأول ما ذهب إليه المؤلف ألا يسافر بينهما مسافة قصر سواءٌ إلى بلده أو غير بلده وعلى هذا فإذا حج رجلٌ من أهل المدينة متمتعاً وخرج من مكة إلى الطائف ثم عاد من الطائف محرماً بالحج فليس بمتمتع وذلك لأنه سافر بينهما مسافة قصر وإذا لم يكن متمتعاً فليس عليه دم.
القول الثاني أنه إن سافر إلى بلده ثم عاد محرماً بالحج فليس بمتمتع وإن سافر إلى غير بلده فهو متمتع فمثلاً إذا حج الإنسان من أهل المدينة ثم خرج إلى الطائف بعد العمرة ورجع من الطائف محرماً بالحج فهو على هذا القول متمتع لأنه لم يسافر إلى بلده وإن رجع إلى المدينة ثم أحرم بالحج في رجوعه من المدينة إلى مكة صار غير متمتع وإذا كان من أهل الرياض فأتى بالعمرة في أشهر الحج ثم ذهب بعد العمرة إلى المدينة ورجع منها محرماً بالحج فهو متمتع على هذا القول الثاني وعلى القول الأول ليس بمتمتع.

أما القول الثالث فيقول إنه متمتع بكل حال حتى وإن رجع إلى بلده وأحرم بالحج من ميقاته والصواب القول الوسط أنه إذا رجع إلى بلده ثم عاد من بلده محرماً بالحج فليس بمتمتع ووجه ذلك أنه أنشأ للحج سفراً مستقلاً عن الأول فلا يصح بناء الحج على العمرة وهذا هو الثابت عن عمر رضي الله عنه وابنه أنه إذا رجع إلى دويرة أهله فليس بمتمتع وإلا فهو متمتع.
السائل: هل يجوز أن ننسخ من الأشرطة التي كتب عليها أن حقوق الطبع محفوظة وهل يتغير الحكم إذا كان النسخ للتوزيع أي للدعوة وليس للتجارة؟ الشيخ: الظاهر لي أنه إذا كان النسخ يعني على وجهٍ خاص شخصي أنه لا بأس وأما إذا كان للاتجار مثل أن ينسخ محل تسجيل هذه الأشرطة فإنه لا يجوز لما في ذلك من الاعتداء على حق أخيه أما طالب يريد أن ينسخ من طالب فلا بأس.
السائل: إذا كان حفظكم الله للتوزيع على عامة الناس؟ الشيخ: الظاهر لا يجوز أيضاً لأن التوزيع هذا يؤثر على تجارة الموزع الأول لكن مثل هذا يستأذن فلعل الأول يأذن له إذا كان في الأمر خير.
القارئ: الخامس أن يحل من عمرته فإن أدخل عليها الحج لم يجب دم المتعة لما روت عائشة رضي الله عنها قالت (أهللنا بعمرةٍ فقدمنا مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة قالت: ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكرٍ إلى التنعيم فاعتمرت معه فقال: هذه مكان عمرتك فقضى الله حجها وعمرتها ولم يكن في شيءٍ من ذلك هديٌ ولا صومٌ ولا صدقة) متفقٌ عليه ولأنه يصير قارناً أشبه ما لو أحرم بهما.

الشيخ: هذا الشرط الخامس أن يحل من عمرته فإن لم يحل من عمرته فإنه ليس بمتمتع ولهذا قال: لم يجب عليه دم المتعة ثم هل يجب عليه دم القران؟ نقول إن كان أدخل الحج على العمرة قبل الشروع في طوافها فصحيح وعليه دم القران وإن كان بعد الشروع في طوافها فإحرامه بالحج لا يصح على المذهب وإذا لم يصح صار معتمراً فقط إلا إذا كان معه الهدي فإنه يصح أن يدخل الحج على العمرة ولو بعد الطواف ويصير قارناً.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها تقول أهللنا بعمرة فقدمنا مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة كان حيضها في موضعٍ يقال له سرف بين مكة والمدينة فلم تطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، أما عدم طوافها بالبيت فلأنها حائض والحائض لا يمكن أن تمكث في المسجد والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر النساء أن يخرجن يوم العيد وأمر الحُيَّض أن يعتزلن المصلى فدل ذلك على أن الحائض لا يمكن أن تمكث في المسجد وطوافها بالبيت نوعٌ من المكث وأما السعي فهي لم تسع لأنها لم تطف والسعي بعد الطواف في العمرة ولا يصح أن يقدَّم السعي على الطواف في العمرة وإنما رُخّص في الحج على خلافٍ في ذلك فالحج يجوز أن تقدم السعي على الطواف (لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل قال: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف قال: لا حرج) وأما العمرة فلا يصح تقديم السعي فيها على الطواف ومن قاسها على الحج فقد أبعد النجعة لظهور الفرق التام بين الحج والعمرة أولاً أنه لا قياس في العبادات يعني في هيئاتها وصفاتها لا يمكن أن يجري القياس لأنها تعبدية توقيفية.
ثانياً أنه لو قدّم السعي على الطواف في العمرة لاختلت لأنه ليس فيها إلا ركنان فقط وهما الطواف والسعي والإحرام فإذا قدّم السعي على الطواف صار هذا انقلاباً مغيّراً تغيراّ كاملاً بخلاف الحج.

ثالثاً أن الأنساك يوم العيد في الحج كثيرة فكان من يسر هذا الدين أن يرخّص للناس في التقديم والتأخير لأن النسك يوم العيد خمسة أنساك الرمي والنحر والحلق والطواف والسعي فلو ألزم الناس بالترتيب بينها لكان في ذلك نوعٌ من الحرج والمشقة لكن رخّص لهم في أن يقدموا بعضها على بعض فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما سُئل يوم العيد عن شيءٍ قُدّم أو أُخّر إلا قال (افعل ولا حرج) لذلك لا يصح قياس العمرة على الحج لهذه الوجوه وإن كان روي عن بعض السلف جواز تقديم السعي على الطواف في العمرة إذا كان ناسياً ولكن الذي يظهر لي من الأدلة أنه لا يصح تقديم السعي على الطواف في العمرة ولو كان ناسياً.
القارئ: وذكر القاضي أنه يشترط أن ينوي في ابتداء العمرة أو أثنائها أنه متمتع لأنه جمع بين عبادتين فافتقر إلى النية كالجمع بين الصلاتين وظاهر الآية يدل على عدم اشتراط هذا ولأنه يوجد التمتع بدونه والترفه بترك أحد السفرين فلزمه دمٌ كما لو نوى.

الشيخ: وما ذهب إليه القاضي هو الصواب أنه لا بد من نية التمتع وليس ظاهر الآية كما قال المؤلف رحمه الله كما سنبين إن شاء الله، لكن ما الفرق بين قول القاضي وبين ما ذهب إليه المؤلف؟ الفرق هو أنه لو أن رجلاً أتى بعمرةٍ في أشهر الحج وليس من نيته أن يحج وبقي في مكة حتى جاء الحج فحج فعلى كلام المؤلف يكون متمتعاً يلزمه الهدي وعلى قول القاضي لا يكون متمتعاً فلا يلزمه الهدي لأنه نوى عمرةً مفردة لا ينوي التمتع بها إلى الحج فلا يكون متمتعاً وما قاله القاضي رحمه الله هو ظاهر الآية الكريمة لأن الله قال (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) وكلمة تمتع إلى الحج يدل على أن هناك قصداً ونية أنه لما كان قدم مكة في أشهر الحج وكان المتوقع أن يحج لأن هذه أشهر الحج لكنه أتى بالعمرة ليحل منها فيتمتع بها إلى الحج فظاهر الآية مع القاضي رحمه الله وهو الصواب.

فصلٌ القارئ: وفي وقت وجوبه روايتان إحداهما إذا أحرم بالحج لقول الله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) وبإحرام الحج يفعل ذلك فيجب الدم والثانية إذا وقف بعرفة لأن الحج لا يحصل إلا به وهو معرضٌ للفوات قبله فلا يحصل التمتع.
الشيخ: الفائدة من هذا أننا إذا قلنا وقته كذا أُعتبر كونه قادراً أو غير قادر في ذلك الوقت فإذا قلنا إن المعتبر الإحرام بالحج وأحرم بالحج يوم الثامن وكان غنياً معه مال ثم سُرق منه المال قبل يوم عرفة فلما كان يوم عرفة لم يكن معه مال فعلى القول بأن المعتبر الإحرام بالحج يلزمه الهدي وعلى القول بأن وقت الوجوب عرفة لا يلزمه وفيه قولٌ ثالث أن المعتبر فجر يوم النحر لأنه هو اليوم الذي يكون به النحر فعلى كل حال على اختلاف الأقوال يعتبر قدرته على الهدي أو عدم قدرته بحسب هذا الاختلاف.

القارئ: فأما وقت ذبحه فقال أحمد: إن قدم مكة قبل العشر ومعه هديٌ نحره عن عمرته لئلا يضيع أو يموت أو يسرق فإن قدم في العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قدموا في العشر فلم ينحروا حتى نحروا بمنى فجوَّز النحر قبل إحرامه بالحج لأنه حق مالٍ يتعلق بسببين فجاز تقديمه على أحد سببيه كالزكاة.
الشيخ: والصحيح خلاف قول الإمام رحمه الله في هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل عدم تحلله بكونه ساق الهدي فلا يحل حتى ينحر والحكم المعلق بسبب لا يزاد عليه سببٌ آخر أما على رأي المؤلف فالسبب أنه ساق الهدي وأنه قدم بعد دخول العشر وعلى كلام الإمام أحمد إذا ساق الهدي يريد به الحج وقدم قبل العشر فله أن ينحره خوفاً من هذا التعليل الذي ذكره أن يسرق أو يضيع أو ما أشبه ذلك لكنه مما يستغرب عن الإمام أحمد رحمه الله لأن ظاهر الحديث هو تعليق الحكم بسوق الهدي سواءٌ قدم بعد دخول العشر أو قبله وكون الصحابة قدموا بعد دخول العشر هذا أمرٌ اتفاقي ليس أمراً قصدياً حتى يعلق به الحكم لكن لو قال أنا لا أريد التمتع أنا أريد العمرة فقط وسقت الهدي للعمرة فهل له أن يذبحه؟ نعم لأنه ما ساقه في الحج.

فصلٌ القارئ: فإن لم يجد الهدي فعليه صوم ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع لقول الله تعالى (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم) وتعتبر القدرة في موضعه لأنه مؤقت له بدل فاعتبرت قدرته في وقته كالوضوء ووقت صيام الثلاثة قبل يوم النحر لقول الله تعالى (فِي الْحَجِّ) والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة ليحصل صومها أو بعضه بعد إحرام وإن قدًَّمها على ذلك بعد إحرام العمرة جاز لأنه وقتٌ جاز فيه نحر الهدي فجاز فيه الصيام كبعد إحرام الحج ومعنى قوله (فِي الْحَجِّ) أي في وقته.

الشيخ: إذا لم يجد الهدي ولا ثمنه لأن قول الله تعالى (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِد) أي لم يجد هدياً ولا ثمنه (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) قوله (فِي الْحَجِّ) يفسره حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي) وعلى هذا فالاختيار أن يكون صومها في أيام التشريق لأن أيام التشريق أيام حج أما ما ذهب إليه المؤلف بأنه يصوم قبل الحج ويكون آخرها يوم عرفة فهذا خلاف الحديث الصحيح الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يصم بعرفة وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة لكن الفقهاء رحمهم الله لما قالوا الأفضل أن يكون يوم عرفة اضطروا إلى أمرٍ آخر وهو أن يقدّم الإحرام بالحج بدلاً من أن يكون اليوم الثامن يجعله في اليوم السابع وهذا أيضاً فيه مخالفه للسنة لأن السنة أن يكون الإحرام بالحج في اليوم الثامن وعلى هذا فنرى أن أفضل أوقاتها هي الأيام الثلاثة أيام التشريق.

وقوله إن قدمها على الإحرام بالحج وبعد الإحرام بالعمرة فلا بأس هذا حق لأن قوله (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم (دخلت العمرة في الحج) يدل على أنه لا بأس أن يصوم هذه الأيام الثلاثة من بعد إحرامه بالعمرة لكن الغريب من كلام المؤلف رحمه الله أنه قال: فإن قدّمه بعد ذلك على إحرام العمرة جاز لأنه وقتٌ جاز فيه نحر الهدي فجاز فيه الصيام كبعد الإحرام بالحج هذا غريب لأن هذا التعليل لا ينطبق على المذهب إذ أن المذهب أن وقت ذبح هدي التمتع من بعد صلاة العيد أو قدرها يعني يوم النحر ولا يجوز أن يقدَّم على يوم النحر لكن فيه خلاف بين العلماء إنما كون المؤلف رحمه الله على مذهب الحنابلة الذين يرون أنه لا يجوز أن يقدَّم ذبح هدي التمتع على يوم العيد ثم يجعله علة لجواز تقديم الصيام هذا من الغرائب اللهم إلا أن يكون للمؤلف رأيٌ يوافق مذهب الشافعي وغيره من أهل العلم بأنه يجوز أن يذبح هدي التمتع من حين الإحرام بالعمرة كالصيام والراجح أنه لا يجوز أن يقدم الهدي على يوم العيد لأنه لو كان تقديم الهدي على يوم العيد جائزاً لفعله النبي عليه الصلاة والسلام ليطيب قلوب أصحابه يعني لنحَر وحَل.
القارئ: ولا يجوز تقديم النحر ولا الصوم قبل إحرام العمرة لأنه تقديمٌ له على سببه فأشبه تقديم الزكاة على النصاب.
الشيخ: تقديم الزكاة على النصاب يعني لو أن الإنسان يتوقع أنه سيملك نصاباً وليس بيده الآن إلا نصف نصاب فأخرج الزكاة فإنه لا يجزئه لأن هذا تقديمٌ للشيء على سببه ومثله أيضاً لو قدَّم كفارة اليمين على اليمين فإنه لا يجزئه أما لو قدَّم الزكاة قبل الحول فإنه يجزئه لأنه تقديمٌ للشيء على شرطه دون سببه وكذلك لو قدَّم كفارة اليمين على الحنث بعد اليمين أجزأ أيضاً لأنه تقديمٌ للشيء على شرطه بعد سببه وقد أشرنا إلى هذا في منظومة قواعد الفقه.

القارئ: ويصوم السبعة إذا رجع إلى أهله للآية ولما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةً إذا رجع إلى أهله) متفقٌ عليه فإن صامها بعد حجه بمكة أو في طريقه جاز لأنه صومٌ واجبٌ جاز تأخيره في حق من يصح منه الصوم فجاز تقديمه كرمضان في حق المسافر.
الشيخ: يعني كما يجوز للمسافر أن يصوم في رمضان ولا يؤخره للقضاء فهذا يجوز لكن أيضاً القياس فيه نظر لأن صوم المسافر في رمضان صومٌ في وقته الأصلي وتقديم صوم المتعة تقديمٌ في غير وقته الأصلي لأن وقته الأصلي إذا رجع إلى أهله فلذلك لا يصح القياس وهذا القياس وأشباهه مما يرد علينا كثيراً في كلام المؤلف يسمى قياس الشبه وهو ضعيف جداً في الأقيسة لأنه ليس قياس علة ولا قياس دلالة فهو ضعيف لكن إذا قيل ما هي العلة في جواز التقديم.
يقال العلة في جواز التقديم والله أعلم أن الله تعالى إنما أوجب السبعة عند الرجوع لأنه في السفر قد يحتاج إلى الفطر كما رخص له في الفطر في رمضان فإذا قدمه فلا حرج لأن تأخيره إلى الرجوع إلى أهله رخصة وإلا فالأصل أن يبادر لأن الكفارة واجبة في الذمة فالأصل المبادرة.
على أن بعض العلماء قال (إِذَا رَجَعْتُمْ) أي من الحج لقوله (صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) أي من الحج ولكن الصحابة أعلم منا بمراد الله حيث فسروه بأن المعنى إذا رجعتم إذا رجع إلى أهله.

القارئ: ولا يجب التتابع في شيءٍ من صوم المتعة لأن الأمر به مطلق فلم يجب التتابع فيه كقضاء رمضان فإن لم يصم الثلاثة قبل يوم النحر صام أيام منى في إحدى الروايتين لقول ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم (لم يرخص في صوم أيام التشريق إلا للمتمتع إذا لم يجد الهدي) والثانية لا يصومها لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق ويصوم بعد ذلك عشرة أيام وهل يلزمه لتأخيره دم؟ فيه روايتان إحداهما يلزمه لأنه أخر الواجب من المناسك عن وقته فلزمه دمٌ كتأخير الجمار والثانية لا يلزمه دم لأنه صومٌ واجبٌ يجب القضاء بفواته فلم يجب عليه بفواته كفارةٌ كصوم رمضان وقال القاضي: إن أخره لغير عذرٍ لتفريطه لزمه وإن أخره لعذرٍ لم يلزمه.
الشيخ: إذاً الأقوال ثلاثة أنه يلزمه دم مطلقاً، والثاني لا يلزمه مطلقاً، والثالث التفصيل إن كان أخره لعذر لم يلزمه شيء وإلا لزمه ولكن قد يقول قائل الرجل إنما صام لأنه لا يجد الهدي فكيف تلزمونه بدم؟ الجواب أنه يبقى في ذمته أو يقال على ما سيأتي أن من لم يجد الدم الواجب لترك واجب فعليه صيام عشرة أيام فعلى هذا التقدير يلزمه أن يصوم عشرين يوماً والصحيح أنه إذا أخرها لعذر فلا شيء عليه كما لو أخر رمضان عن وقته وإذا أخرها لغير عذرٍ فهو آثم.
القارئ: وإن أخر الهدي الواجب لعذرٍ من ضياع نفقةٍ ونحوها فليس عليه إلا قضاؤه كسائر الهدي الواجب وإن أخره لغير عذرٍ ففيه روايتان إحداهما لا يلزمه إلا قضاؤه لذلك، والثانية عليه هديٌ آخر لما روي عن ابن عباسٍ أنه قال (من تمتع فلم يهد إلى قابل يهدي هديين) ولأنه من نسكٍ مؤقتٍ فوجب بتأخيره دمٌ كالرمي.

فصلٌ

فصول الكتاب · 13 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة · 500 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب التفليس
كتاب الصلح
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الوقف
جارٍ التحميل