كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
- عدد الأجزاء
- 5 [الكتاب مرقم آليا]
القارئ: البيع حلال لقول الله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) وهو نوعان.
الشيخ: البيع حلال كما قال المؤلف رحمه الله واستدل له بقول الله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) وتحليل البيع من محاسن الشريعة وذلك لأن الإنسان ربما يحتاج إلى دراهم وليس عنده إلا عروض فكيف يحصل الدراهم؟ يحصلها إذا باع ما عنده من العروض من عقارات أو سيارات أو أقمشة أو أطعمة فيحصل الدراهم كذلك أيضاً ربما يكون الإنسان الذي عنده الدراهم محتاجاً إلى شيء معين من الأموال كسيارة أو نحوها بماذا يحصلها؟ يحصلها بالبيع فالبيع من محاسن الشريعة وقد يجب البيع أحياناً وقد يجب الشراء أحياناً فيجب الشراء مثلاً على من وجد ماء يباع وليس معه ماء وهو يريد الصلاة فهنا يجب عليه أن يشتري ويجب البيع على من كان عنده فضل وأحتاج إليه آخر كإنسان عنده ماء يحتاج إليه آخر فيبيعه عليه وجوباً فالمهم أن البيع الأصل فيه الحل لكن قد يجب أحياناً وقد يجب الشراء أحياناً ولم يعرفه المؤلف لأنه ظاهر لكن عرفه غيره من الفقهاء فقالوا هو (مبادلة مال بمال على التأبيد غير ربا وقرض) فقولنا (على التأبيد) خرج به الإجارة لأن الإجارة غير مؤبدة وقولنا (غير ربا) خرج به الربا فليس ببيع ولو صار فيه تبادل مال بمال وقولنا (وقرض) خرج به القرض أيضاً فإن القرض وإن كان مبادلة مال بمال لكنه ليس بيعاً فأنت تعطيني ريال قرضاً وأعطيك بدله ريالاً هذا تبادل ولكن ليس على سبيل المعاوضة بل هو على سبيل الإحسان والإرفاق فلا يكون بيعاً.
القارئ: وهو نوعان أحدهما الإيجاب والقبول فيقول البائع بعتك أو ملكتك أو لفظاً بمعناهما.
الشيخ: قوله وهو نوعان ليس المراد به البيع نوعان وإنما ما ينعقد به البيع نوعان الإيجاب وهو اللفظ الصادر من البائع والقبول وهو اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه.
القارئ: فيقول البائع بعتك أو ملكتك أو لفظاً بمعناهما ثم يقول المشتري ابتعت أو قبلت أو نحوهما.
الشيخ: أفادنا المؤلف رحمه الله أن البيع ليس له صيغة معينة بل كلما دل على البيع أنعقد به والصواب أن هذا ثابت في جميع العقود تنعقد بما دل عليها دون تحديد لفظ معين حتى النكاح لو قال مثلاً لشخص ملكتك بنتي فقال قبلت يصح مع أنه ما ذكر التزويج وكذلك الوقف لو قال هذا على فلان وعياله ليس هناك حاجة أن يقول وقفت لأن هذا معروف على فلان وعياله يعني وقف فالصواب إذاً أن الجميع العقود تنعقد بما دل عليها عرفاً بدون تحديد لفظ.
القارئ: فإن تقدم القبول الإيجاب بلفظ الماضي فقال ابتعت هذا منك بكذا فقال بعتك صح لأن المعنى حاصل فأشبه التعبير بلفظ آخر.
الشيخ: إذا حصل المقصود سواء تقدم الإيجاب أو تأخر مع أن الأصل أن الإيجاب هو المتقدم لكن لو حصل العكس مع فهم المعنى فلا بأس.
القارئ: وإن تقدم بلفظ الطلب فقال بعني فقال بعتك صح لأنه تقدم القبول أشبه لفظ الماضي وعنه لا يصح لأنه لو تأخر عن الإيجاب لم يصح فلم يصح متقدماً كلفظ الاستفهام.
الشيخ: هذه الرواية ضعيفة لأن الرجل إذا قال بعتك كذا فقال بعني ما أحد يقول هذا أي إذا تقدم الإيجاب وقال بعتك كذا ماذا يقول المشتري؟ يقول اشتريت أما قوله بعني ما أحد يقول ذلك وقياس بعني السابقة للإيجاب على بعني التابعة للإيجاب قياس مع الفارق العظيم بعني هذا بمائة فقال نصيبك ولم يقل بعتك ولا بعت عليك بل قال نصيبك فينعقد البيع ومعنى نصيبك يعني هذا نصيبك ولا يكون نصيباً له إلا بعد تمام عقد البيع فالمهم أننا لا ننظر إلى اللفظ بكل لفظ دل عليه سواء كان سابق أو لاحق.
القارئ: وإن أتى بلفظ الاستفهام فقال أبعتني ثوبك فقال بعتك لم يصح متقدماً ولا متأخرا لأنه ليس بقبول ولا استدعاء.
الشيخ: هكذا قال المؤلف رحمه الله لكن هذا في خرم للقاعدة لأنك إذا قلت ابعتني ثوبك بعشرة فقال بعتك ماذا يفهم الناس؟ أنه تم البيع فالصواب أن هذه الصورة لا ينبغي أن تخرج عما سبق فيقال كل ما دل على العقد فهو نافذ لكن على كل حال كلما كان العقد أبين وأضح كان أحسن لئلا يحصل نزاع في المستقبل فيحصل خصومة وملاحاة.
القارئ: الثاني المعاطاة مثل أن يقول أعطني بهذا خبزا فيعطيه ما يرضيه أو يقول خذ هذا الثوب بدينار فيأخذه فيصح لأن الشرع ورد بالبيع وعلق عليه أحكاماً ولم يعين له لفظا فعلم أنه ردهم إلى ما تعارفوه بينهم بيعا والناس في أسواقهم وبيعاتهم على ذلك وحكي عن القاضي أنه يصح في الأشياء اليسيرة دون الكثيرة لأن العرف إنما جرى في اليسير والحكم في الهبة والهدية والصدقة كالحكم في البيع وذلك لاستواء الجميع في المعنى.
الشيخ: المعاطاة ذكر المؤلف لها صورتين الأولى أن يقول أعطني بهذا خبزاً والخبز كم بالريال؟ أربعة فأخذ أربعة خبز وأعطاه إياه فالآن عندنا معاطاة من جانب البائع لأن المشتري قال أعطني الصيغة صيغة قبول أو قال خذ هذا الثوب بدينار فأخذه وهذه تقع كثيراً في المزيادة يقول من يأخذ هذا من يأخذ هذا الثوب بريال من يأخذ بعشرة فيجيء واحد يأخذه ويسلم العشرة فالمعاطاة هنا من المشتري وقد تكون المعاطاة من الجانبين يكون مثلاً سلعة مكتوب عليها الثمن ريال موضوعة على الدكان فيأتي إنسان فيأخذ السلعة ويضع الريال بدون كلام لا من البائع ولا من المشتري فهذا معاطاة من الجانبين البائع ما تكلم والمشتري ما تكلم لكن هذا معروف فهذا الرجل ما وضع هذه السلعة أمام دكانه وكتب على كل سلعة رقم ثمنها إلا وهو يريد أن يَسْلَمَ من أعطني لا تعطني بكم وما أشبه ذلك إذن البيع ينعقد بالمعاطاة وهي كل فعل دل
على العقد كما إن الإيجاب والقبول كل لفظ دل على الإيجاب أو دل على القبول فالمعاطاة كل فعل دل على العقد وأما تقيد القاضي بأنه في الشيء اليسير فهذا في الحقيقة وإن لم يقيد لأن الناس لا يبيعون بالمعاطاة الشيء الكثير فلا يجئ واحد عنده مثلاً عقار يسوى مليون ريال يبيعه بالمعاطاة بل يبيعه بالإيجاب والقبول والكتابة والإشهاد فالناس دون أموالهم وإنما نحن نقول ينعقد بالمعاطاة هذا في الأصل لأنه لم يرد لفظ معين من الشرع حتى نتبعه.
فصل القارئ: ويشترط له الرضا لقول الله تعالى (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) إلا فيما يجب فإن أكره على بيع غير واجب لم يصح لعدم الرضا المشترط وإن أكره على بيع واجب صح لأنه قول حمل عليه بحق فصح كإسلام المرتد ولا يصح من غير عاقل كالطفل والمجنون والسكران والنائم والمبرسم لأنه قول يعتبر له الرضا فلم يصح من غير عاقل كالإقرار.
الشيخ: يقول إلا فيما يجب والذي يجب مر علينا في زاد المستقنع وذلك في المحجور عليه المحجور عليه لفلس يجبر على أن يبيع ماله ويستوفى دينه إذن الرضا لابد منه والرضا شرط في جميع العقود حتى في النكاح على القول الراجح حتى في البكر حتى في أبيها لا يجوز أن تزوج امرأة إلا برضاها بكراً كانت أم ثيبة وسواء كان الولي أباها أم غيره جميع العقود لابد فيها من الرضا قال تعالى (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) فإذا أكره الإنسان على البيع فإنه لا يصح ولا ينعقد ومثله الإجارة وعلى هذا فلو أن الحكومة فرضت على المؤجر سنوات معينة وتمت وقال صاحب الملك للمستأجر أخرج فقال أبداً عندي قانون أني ما أخرج فهل يحل لهذا المستأجر أن يبقى بغير رضا المؤجر؟ لا لأنه يوجد الآن في بلاد أخرى غير بلادنا أنه إذا أستأجر الإنسان العقار مدة معينة لا يخرج فنقول للمستأجر أنت إن بقيت بعد تمام المدة التي قدرها المؤجر فإنك غاصب ولا تصح صلاتك على قول كثير من العلماء في هذا البيت لأن من شرط صحة الصلاة أن لا تكون في بقعة مغصوبة فصلاته غير صحيحة ويُخشى إن مِتَّ فيه ألا يختم لك بحسن الخاتمة لأنك غاصب والغاصب آثم فلا يحل لك أن تبقى فإذا قال هذا القانون القانون في المادة الثالثة والخمسون مثلاً أن من أجر بيتاً فإنه لا يمكن أن يُخرٍج المستأجر إلا برضا المستأجر فماذا نقول؟ نقول هل هذا القانون قانون سماوي؟ لا إذن أضرب به عرض الحائط أو اجعله تحت القدمين أنت الآن لا يمكن أن ينفعك واضع هذا القانون يوم القيامة إذا قيل لك لما سكنت في بيت أخيك بغير حق لا ينفعك فالقانون لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال أبداً إلا ما كان موافقاً للكتاب والسنة قوله ولا يصح من غير عاقل كالطفل والمجنون والسكران إلى أخره المراد بالطفل من لم يصل إلى حد التميز فإن كان مميزاً صح تصرفه فيما جرت به العادة كالبيضة والرمانة والبطيخة وما أشبه ذلك مما جرى به
العرف والمجنون لا يصح بيعه ولا شرائه
مطلقاً لأنه لا عقل له ولا يمكن أن تتأتى منه الإرادة والسكران كذلك لا يصح بيعه ولا شرائه لأن السكران فاقد العقل والنائم كذلك لا يصح بيعه ولا شرائه لأنه لا عبرة بقوله حتى لو سمعنا النائم يقول إني بعت مالي الفلاني على زيد فإنه لا عبرة بهذا الإقرار وكذلك أيضاً المبرسم البِرْاسَم داء يصيب الإنسان في رأسه فيهذي ويكون كلامه غير منضبط هذا أيضاً لا يصح تصرفه بيعه ولا شرائه ولا غيره قال (لأنه قول يعتبره الرضا فلم يصح من غير عاقل).
باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز
القارئ: كل عين مملوكة يباح نفعها واقتناؤها من غير ضرورة يجوز بيعها كالمأكول والمشروب والملبوس والمركوب والعقار والعبيد والإماء لقوله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) وقد أشترى النبي صلى الله عليه وسلم من جابر بعيرا ومن أعرابي فرسه ووكل عروة بن الجعد في شراء شاة وباع مدبراً وحلساً وقدحا وأقر أصحابه على بيع هذه الأعيان وشرائها.
الشيخ: الضابط فيما يجوز بيعه (كل عين مملوكة) احترازاً مما لا يملك كالماء في نقع البئر فالماء في نقع البئر ليس مملوكاً لصاحبه حتى صاحب البئر لا يملكه و (يباح نفعها) احترازاً مما لا يباح نفعها كالكلاب لغير ما سيذكر ويباح أيضاً اقتنائها (من غير ضرورة) احترازاً مما يباح اقتنائه للضرورة ككلب الماشية والصيد والحرث هذه أيضاً لا يجوز بيعها لأنه لا يباح اقتنائها إلا عند الضرورة وقوله (يجوز بيعها) هذا خبر قوله (كل عين) يعني كل عين متصفة بهذه الصفات يجوز بيعها إذن الشروط هي أن تكون العين مملوكة مع إباحة النفع وإباحة الاقتناء من غير ضرورة يعني أو حاجة ثم مثل لذلك ثم ذكر الأدلة على جواز بيع الأعيان المملوكة المتصفة بهذه الصفات.
القارئ: ويجوز بيع دود القز وبزره لأنه منتفع به.
الشيخ: دود القز هي دودة معروفة تنسج الحرير الطبيعي الأصلي فلو نظرنا إلى الدودة ليس لها قيمة لكن لها مصلحة عظيمة وهي الانتفاع بها في المآل كذلك أيضاً بزر هذا الدود وهو معروف عند أهل الصنف فهو حبات تنمى ثم تكون دودة ثم يخرج منها القز الذي هو الحرير وقوله (لأنه منتفع به) يعني في المآل.
القارئ: وبيع النحل في كوارته ومنفرداً عنها إذا رؤيا وعلم قدره وبيع الطير الذي يقصد صوته كالهزار والبلبل والببغة لأنه يشتمل على منفعة مباحة أشبه الأنعام ويجوز بيع الهر
الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله في النحل لابد أن يرى ويعلم قدره وهذا فيه صعوبة لكن يقال العلم هنا بقدر الإمكان إذ أن كوننا نعلم بعدد النحلات بعسيبها وما أشبه ذلك فيه صعوبة لكن يكفي أن يغلب على الظن أن مقداره كذا أو مقداره كذا فيصح للحاجة وكذلك الطير الذي يقصد صوته كالهِزَار والبلبل والببغة.
القارئ: ويجوز بيع الهر وسباع البهائم والطير التي تصلح للصيد.
الشيخ: قوله (يجوز بيع الهر) هذا إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الثانية أنه لا يجوز بيع الهر لأنه ورد فيه حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه (نهى عن بيع السنور) والسنور هو الهر وعلله ابن رجب رحمه الله وغيره من أهل العلم بأن الهر ليس له ثمن في الواقع لأنه من الأشياء الدارجة بين الناس فهو يشبه الحطب ويشبه الماء يبتذل عادة فلا يجوز بيعه نعم لو أن الهر أنفرد بشيء معين واشتُريَ من أجله بأن كان هذا الهر يصيد الفأر لأن بعض الهرر يصيد الفأر وكذلك أيضاً يقتل العقرب ويقتل الوذق ويقتل الصراصر فإذا اتُخذَ لهذا فقد يقال بأنه جائز لأن فيه منفعة مباحة.
القارئ: وسباع البهائم والطير التي تصلح للصيد كالفهد والبازي ونحوهما غير الكلب في إحدى الروايتين وهي اختيار الخرقي والأخرى لا يجوز واختارها أبو بكر وابن أبي موسى فقالا لا يجوز بيعها لنجاستها فأشبهت الكلب والأول أصح لأنه حيوان أبيح نفعه واقتنائه من غير وعيد في جنسه فجاز بعيه كالحمار وبهذا يبطل ما ذكراه.
الشيخ: الصحيح ما ذكره المؤلف ورجحه وهو جواز بيع السباع التي تصلح للصيد لأن فيها منفعة مباحة إلا الكلب واستثني الكلب لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام (أنه نهى عن بيع الكلب) وهو الذي أراد المؤلف إخراجه بقوله (واقتنائه من غير وعيد في جنسه) لأن الكلب فيه الوعيد على ما اقتناه بلا حاجة وهو أنه ينقص من أجره كل يوم قيراط إذن جميع السباع الصالحة للصيد يجوز بيعها إلا الكلب لكن لو أحتاج الإنسان إلى كلب ووجده عند شخص وأبى هذا الشخص أن يبيعه فما الحكم؟ هل يجوز لمن احتاجه أن يشتريه؟ نعم يجوز لكن لا على أنه بيع وشراء ولكن على أنه استنقاذ لهذا الكلب من هذا الرجل فالذي أخذه وأعطى القيمة يجب أن يعتقد بأن هذا ليس بيعاً ولا شراءاً لأنه لو أعتقد أنه بيع وشراء لكان في ذلك معصية للرسول عليه الصلاة والسلام فهذا الذي باعه وأبى أن يبيعه إلا بدراهم هل تحل له هذه الدراهم؟ لا لأننا نقول لهذا الرجل إن لم يكن لك به حاجة فالواجب عليك إرساله لأنه لا يجوز اقتناء الكلب إلا للأمور الثلاثة فإذا لم يكن لك به حاجة فالواجب إرساله وإن كان لك به حاجة فإنه لا يجوز أن تأخذ عن ذلك ثمناً لأن الرسول نهى عنه وإلا فقد يقول أنا لا أخذ ثمن لكن أنا أريد أن أتنازل عن حقي في هذا الكلب لهذا الرجل نقول هذا تحيل وهو في الحقيقة بيع إذن جميع السباع التي يصطاد بها أو يحترز بها الإنسان فإنه يجوز بيعها إلا الكلب فهذه قاعدة مفيدة.
القارئ: ويجوز بيع الجحش الصغير والفهد الصغير وفرخ البازي لأنه يصير إلى حال ينفع فأشبه طفل العبيد وما ينفع من بيض الطير لمصيره فرخاً فهو كفرخه لأن مآله إلى النفع وقال القاضي لا يجوز بيعه لعدم نفعه في الحال قال أحمد أكره بيع القرد قال ابن عقيل هذا محمول على بيعه للإطافة به واللعب فأما بيعه لحفظ المتاع فيجوز لأنه منتفع به وقال أحمد أكره بيع لبن الآدميات فيحتمل التحريم لأنه مائع خرج من آدمية أشبه العرق ويحتمل كراهة التنزيه لأنه طاهر منتفع به أشبه لبن الشاة.
الشيخ: بيع القرد يقول أحمد أكره بيعه بيع القرد ومن مصطلحات أصحاب الإمام أحمد أنه إذا قال أكره فيعني به التحريم وعلى هذا فيكون بيع القرد حرام وما أجدر هذا القول بالصحة وهو أنه يحرم بيعه لأن القرد يشبه الآدمي حتى في الشهوة إذا رأى المرأة الجميلة تحس أنه يحب أن يأتيها وربما فعل ذلك فلهذا القول بتحريم بعيه قول وجيه وفائدة الفرد قليلة المؤلف يقول (يحمي المتاع) لكن لعله يحميه وهو حراميه لأنه قد يأكل المتاع فلا يُأمن عليه أما بيع لبن الآدميات الإمام أحمد يقول أكره بيع لبن الآدميات فيحتمل كما قال المؤلف التحريم ويحتمل الكراهة لكن حتى لو احتمل التحريم فإنه غير مُسلّم لأن لبن الآدميات مائع ينتفع به فأشبه لبن البهائم الأخرى وأما تشبيهه بالعرق فمن أبعد ما يكون من التشبيه لأن العرق له رائحة منتنة ولا يتغذَّى به ولا ينتفع به أما اللبن فإنه شراب طيب ينتفع به ويتغذَّى به بل إن الله تعالى جعل للبن الآدمية ثمناً فقال (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) والمعقود عليه على القول الراجح في باب الإجارة هو اللبن وأما قول بعض العلماء إن المعقود عليه عمل المرضعة من حمل الصبي وإلقامه الثدي وما أشبه ذلك فهذا قول بعيد لأن حمل هذا الطفل وإلقامه الثدي هل هو مقصود لذاته أو لغيره؟ لغيره بلا شك ولهذا إذا لم يكن بها لبن هل يمكن للإنسان أن يعطي طفله لهذه المرأة التي ليست لها لبن من أجل أن تضعه على فخذيها وتلقمه الثدي؟ لا فالصواب أنه يجوز بيع لبن الآدميات لكن كيف يمكن يبيع لبن الآدمي؟ يمكن بأن تحلبه فربما تكون امرأة عندها لبن كثير وليس عندها من يشربه فتحلبه في أواني وتبيعه ويقال هذا لبن الآدمية ويشربه الطفل.
السائل: إذا اشترينا لبن امرأة وأرضعناه الطفل فهل تكون أُمّاً له؟
الشيخ: نعم إذا أرضعناه خمس مرات تكون أماً وهذه المسألة في الحقيقة التنبه لها طيب فلابد أن نعرف لبن أيُّ امرأة هو؟ لأنه ربما تكون المرأة قد أرضعت أطفالاً آخرين فيكونوا إخوة للطفل الذي اشتري له هذا اللبن ونحن لا نعلم فلذلك لابد أن نعلم من أين هذا الحليب من فلانة بنت فلان.
السائل: هل العبرة بالطاسة؟
الشيخ: العبرة بالشربة يعني مثلاً إذا أرضعناه الآن ولو قليلاً ثم ترك اللبن ثم بعد ساعتين أو ثلاث أرضعناه فهذه رضعة ثانية ولو كانت طاسة واحدة.
السائل: هل اللبن ملك للمرأة وهل يجوز لها أن تمتنع من الإرضاع؟
الشيخ: هذا معلوم إذا خرج اللبن فهو ملك لها ويجوز للمرأة أن تمتنع من الرضاع إلا لضرورة مثل إذا لم يقبل ثدي غيرها وخيف عليه التلف وجب أن ترضع.
القارئ: فصل ويجوز بيع العبد المرتد لأنه مملوك منتفع به وخشية هلاكه لا يمنع بيعه كالمريض فإن علم المشتري حاله فلا شيء له لأنه رضي بعيبه وإن لم يعلم فله الرد أو الأرش قتل أو أسلم كالمعيب.
الشيخ: واضح هذا مثل إنسان أشترى عبداً مرتداً والمرتد معروف إن لم يعد للإسلام وجب قتله فهل يجوز؟ نقول نعم يجوز إذا قال قائل إذا قتل ما منفعة المشتري؟ نقول منفعته أنه ربما يعتقه وربما يكون له مال فيرثه يعني بالولاء فلابد أن يكون له مصلحة ويقول المؤلف رحمه الله (خشية هلاكه لأنه بائع كالمريض) بقي أن يقال هل للذي أشترى المرتد الخيار خيار العيب؟ فيه تفصيل إن علم بأنه مرتد فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة وإن لم يعلم فله الخيار.
القارئ: ويصح بيع العبد الجاني عمداً أوخطأً على النفس أو ما دونها لأنه حق تعلق برقبته غير متحتم فأشبه القتل بالردة فإن كانت الجناية موجبة للقصاص فهي كالردة وإن كانت موجبة للمال فهو على السيد لأنه رضي بالتزام ما عليه فإن كان معسراً فللمجني عليه رقبة العبد إن شاء فسخ العقد ورجع به وإن شاء رجع على البائع بالأرش.
الشيخ: يعني أرش الجناية.
القارئ: وإن كان قاتلاً في المحاربة فكذلك في قول بعض أصحابنا لأنه ينتفع به إلى قتله ويعتقه فيجر ولاء ولده فصح بيعه كالزَّمِن وحكمه حكم المرتد وقال القاضي لا يصح بيعه لأنه متحتم القتل فلا منفعة فيه فأشبه الميت.
الشيخ: الأول أصح وهو أنه يصح بيعه وهذا إذا وصل إليه الحاكم أما إذا تاب قبل القدرة عليه فقد انتفى عنه القتل.
فصل في رباع مكة
القارئ: وفي بيع رباع مكة وإجارتها روايتان إحداهما يجوز لأن عمر رضي الله عنه أشترى من صفوان بن أمية دار بأربعة آلاف وأشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة ولأنها أرض حية لم ترد عليها صدقة محرمة فجاز بعيها كغيرها والثانية لا يجوز لأنها فتحت عنوة ولم تقسم بين الغانمين فصارت وقفاً على المسلمين فحرم بيعها كسواد العراق والدليل على فتحها عنوة قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنما أحلت لي ساعة من نهار) متفق عليه وقالت أم هاني يا رسول الله أني أجرت حموين لي فزعم ابن أم علي أنه قاتلهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم (قد أجرنا من أجرتي) وقتلت ابن خطل ومِقْيس بن صبابة ولو فتحت صلحاً لم يجوز قتل أهلها.
الشيخ: هذه المسألة من المسائل المهمة لأن الناس واقعون فيها بيع رِباع مكة وإجارتها أولاً مكة تنقسم إلى قسمين:
قسم محل مشعر للمسلمين فهذا لا يجوز بيعه ولا إجارته كعرفة ومزدلفة ومنى لأن هذه مشاعر فلا يجوز بعيها ولا إجارتها كالمساجد إذ أن الناس لابد أن يكونوا فيها فلا يمكن لأي إنسان أن يتملك فيها ويبيع ويشتري أو يؤجر وهذا فيما أظن متفق عليه بين العلماء لم يختلف فيه أحد لأن هذه مشاعر محل عبادة للمسلمين فلا يجوز لأحد أن يتملكها لا ببيع ولا إجارة ولكن إذا كان قد سُلّط عليها من سُلّط وتملكوها وأبو أن يمكنوا المسلمين منها إلا بأجرة فإنه يدفع الأجرة والإثم على الآخذ قلّت الأجرة أو كثرت وسوف يجد حسابه يوم القيامة حين لا يجد ولياً ولا نصيراً لأن هذا في الحقيقة مثل من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه.
قسم آخر من مكة ليس مشعراً إذ أن الإنسان يمكن أن يحج ويعتمر بدونه فهذا أختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول أنها كغيرها من البلاد تملك بيعاً وشراءاً وتأجيراً وهذا هو مذهب الشافعي رحمه الله وعليه عمل الناس اليوم من قديم الزمان أن بيوت مكة تملك ملكاً تاماً تباع وتؤجر كسائر البلدان.
والقول الثاني أنها لا تملك ولا يجوز بيعها ولا إجارتها وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ولكن يقال من استغنى عن بيته فليتركه بدون أجرة ومن احتاجه فهو أحق.
القول الثالث اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول هي تباع وتملك وتوقف ولكن لا تؤجر لأن من استغنى عن منفعتها وجب عليه بذلها لمحتاج إليها وأما الملك فهي تملك ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام (هل ترك لنا عقيل من دور أو رِباع) وهذا يدل على أنها تملك بالإرث وتملك كذلك بالبيع والشراء
لكن منفعتها هي التي نقول لصاحبها إن استغنيت عنها فأبذلها للحجاج فإن قال أنا مستغن عنها ومادمتم تحرمون علي الأجرة سأغلقها لأن الحجاج إذا نزلوا أفسدوها فهل له عذر في ذلك؟ الجواب نعم له عذر لأن بعض الحجاج يدمرون المسكن ويكتبون عليه الحاج فلان بن فلان والمرأة كذلك تكتب اسمها وقد أريت حجاج يكتبون أسمائهم على أبواب الحجر ويدمرون المنزل وقول شيخ الإسلام قول قوي لا شك في ذلك قال شيخ الإسلام وكانت بيوت مكة على عهد عبد الله بن الزبير رضي الله حين كان خليفة على الحجاز مطبقاً للسنة كانت البيوت مفتوحة من استغنى عن حجرة أو غرفة دخلها الحجاج وسكنوا فيها لكن العمل الآن على القول بأنها مملوكة وتباع وتشترى وترهن وتؤجر أما التعليل الذي علل المؤلف به ذلك فهو عليل يعني التعليل بأنها فتحت عنوة عليل جداً وإنما العلة أنها حرم يأوي الناس إليها من كل فج عميق وقد قال الله تعالى (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ) يعني المقيم (وَالْبَادِ) يعني الأفقي ولهذا لو استشارنا أحد وقال ماذا تشيرون علي أنا عندي دراهم أريد أن أشتري به عقاراً أستغله هل تشيرون أن أضعه في مكة أو في المدينة أو بلد آخر؟ نقول لا تضعه في مكة ولا تساهم في شركة تستغل بالتأجير مادمت المسألة ذات خلاف بين العلماء ومن العلماء المحققين كابن تيمية رحمه الله من منع التأجير فأنت في سعة أشتري عقار في المدينة أو في مكان آخر حتى تبرأ ذمتك وفي (حديث أم هانيء) أم هانيء هذه ما صلتها بالرسول أنها بنت عمه لأن أباها أبو طالب وقالت له (زعم ابن أمي) تعني علي فهو أخوها الشقيق لكن قالت (ابن أمي) لأن العرب جرت عادتهم إذا أرادوا الاستعطاف الكامل ينسبون ذلك إلى الأم كقول هارون لموسى (يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي) مع أن موسى وهارون أخوان وفي الحديث دليل على جواز تأمين الواحد من المسلمين
بمعنى أن من أجار كافراً فإنه ينفذ إجارته.
القارئ: فصل ولا يجوز بيع أرض الشام وسواد العراق ونحوهما مما فتح عنوة لأن عمر رضي الله عنه وقفه على المسلمين وأقره في يد أربابه بالخراج الذي ضربه يكون أجرة له في كل عام ولم يُقدّر مدتها لعموم المصلحة فيها وقد أشتهر ذلك في قصص نقلت عنه وعن أحمد أنه كره بيعها لأنه يأخذ ثمن الوقف وأجاز شرائها لأنه كالاستنقاذ لها فجاز كشراء الأسير وتجوز إجارتها لأنها مستأجرة في يد أربابها وإجارة المستأجر جائزة فأما المساكن في المدائن فيجوز بيعها لأن الصحابة رضي الله عنهم اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر رضي الله عنه وبنوها مساكن وتبايعوها من غير نكير فكان إجماعا.
الشيخ: من المعلوم أن المسلمين إذا فتحوا البلاد بلاد الكفر فأموالهم غنيمة وذراريهم ونسائهم سبي ورجالهم المقاتلة والمعينون يخير الإمام فيهم بين أمور أربعة (فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) هذا أثنين يعني إما يمن عليهم ويطلقهم وإما أن يفيدهم إما بمال وإما بأسير مسلم وإما أن يقتلهم وإما أن يسترقهم فهذه أربعة أحكام في هؤلاء الرجال المقاتلون أو من يعين على القتال برأي أو نحوه أما الأراضي فالأراضي يخير الإمام
بين قسمها بين الغانمين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر وبين وقفها للمسلمين كما فعل عمر في أرض الشام والعراق إذاً المغنوم يكون على النحو التالي الأموال تكون غنيمة وتقسم أما النساء والذرية فهم سبايا يعني يكونوا أرقاء بمجرد السبي والثالث الرجال المقاتلون أو من يعين على القتال يخير الإمام فيهم بين أمور أربعة القتل أوالمن بدون ثمن أوالفداء إما بمال وإما بأسير مسلم والرابع الاسترقاق وفي الرابع خلاف بين العلماء ماذا يفعل الإمام من هذه الأربعة؟ عندنا قاعدة مهمة كل من خُيّر لمصلحته هو فهو مخير يفعل ما يراه أصلح لنفسه اختيار تشهي وكل من خُيّر لولاية فإنه يجب عليه أن يفعل الأصلح يعني من خُيّر وهو متصرف لغيره فالواجب أن يفعل ما هو أصلح أما الأراضي فقلنا أن الإمام يخير فيها بين أمرين إما أن يقسمها بين الغنامين ويقول مثلاً أنت يا فلان لك القطعة هذه وفلان له القطعة هذه إلى أخره وإما أن يقفها فيجعلها وقفاً ويضرب عليها خراجاً يشبه الأجرة كل عام يُسلّم من انتفع بهذه الأرض كذا وكذا كالأجرة تماماً لكن بقي أن يقال كيف تقول إنها أجرة وهي لم تحدد بمدة؟ أجابنا المؤلف رحمه الله قال للمصلحة فيقال كل من ملك هذه الأرض بشراء أو هبة أو إرث فعليه خراجها وهذه الأراضي الفقهاء يرون أنه لا يجوز بيعها وأما المساكن التي عمرت والمزارع والأشجار فتباع لكن نفس الأرض ما تباع لأنها وقف والوقف لا يجوز بيعه والمسألة أيضاً فيها خلاف ومازال الناس من قديم الزمان يتبايعون هذه الأراضي لأن الخراج الآن لا يُسلّم وإذا لم يُسلّم الخراج فالأنفع البيع حتى يتوسع الناس فيها ويبثون فيها ويعمرونها
السائل: قوله يتبايعوها من غير نكير فكان إجماعاً، ماذا يقصد؟
الشيخ: أي إجماع عملي مادام لا يوجد أحد منكر والعلماء يرونها تباع وتشترى.
السائل: ما الأصل في تحريم بيع الموقوف والخلاف الموجود بين أهل العلم؟
الشيخ: الأدلة موجودة مرصودة في زاد المعاد في هدي خير العباد وأنا ذكرت دليلاً شرعياً (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد) ودليل نظري وهو أن هذا محل الحج والعمرة للمسلمين ولا يمكن للإنسان أن يتحجره لكن ذكرنا أيضاً رأياً آخر أنه يجوز البيع وهذا غير المشاعر المشاعر لا يجوز مطلقاً.
القارئ: فصل قال أحمد لا أعلم في بيع المصحف رخصة ورخص في شرائه وقال هو أهون وذلك لأن ابن عمر وابن عباس وأبا موسى كرهوا بيعه ولأنه يشتمل على كلام الله فيجب صونه عن الابتذال والشراء أسهل لأنه استنقاذ له فلم يكره كشراء الأسير وقال أبو الخطاب يجوز بيعها مع الكراهة وفي شرائها وإبدالها روايتان فإن بيعت لكافر لم يصح رواية واحدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المسافرة بالقرآن إلي أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم فلم يجوز تمليكهم إياه وتمكينهم منه ولأنه يمنع من استدامة ملكه فمنع ابتداء كنكاح المسلمة.
الشيخ: هذه المسألة فيها خلاف هل يجوز بيع المصحف أم لا؟ فمن العلماء من قال لا يجوز بيعه لأنه ابتذال له ولهذه الآثار التي أشار إليها المؤلف رحمه الله والقول الثاني أنه يجوز بيعه وشرائه والصحابة كرهوا ذلك
لسبب وهو وجوب نشر القرآن بين المسلمين والمصاحف في ذلك الوقت قليلة عثمان رضي الله عنه كم كتب من مصحف؟ وبعث إلى الآفاق وقل من يكتب المصحف فإذا قلنا أنه تباع صار الإنسان يحتكرها ولا يبيعها إلا بغالي الثمن وحينئذ يحرموا المسلمين من قراءة القرآن أما في وقتنا والحمد الله فالأمر بالعكس المصاحف كثيرة جداً وإذا أبى أحداً أن ننتفع بمصحفه إلا بشراء وجدنا من يبذله ويبيعه ولهذا كان الصواب أن بيعه وشرائه لا بأس به ومازال المسلمون يعملون بذلك من أزمنة متطاولة وكنا ونحن صغار نسمع الذي ينادي على المصحف لا يقول من يشتري المصحف يقول من يشتري البطاعة والبطاعة الجلاد الذي يكون على المصحف وذلك لورع السابقين الأولين وسلامة قلوبهم ظنوا أنه إذا قال من يشتري البطاعة وبعت عليك البطاعة واشتريت البطاعة يعني أنني لم أبيع المصحف ولكن الصواب الذي لا شك فيه أنه جائز وأنا لم أبيع القرآن ونظير ذلك لو أن إنسان قال يقرأ عليك القرآن بدراهم قلنا هذا حرام ولو قال أعلمكم القرآن بدراهم يجوز والآن حينما نبيع المصحف لسنا نبيع كلام الله كلام الله لو نبيع أنفسنا ما بعناه لكن نبيع الورق الحبر التعب أما القرآن فلا نبيعه ولذلك نرى أنه لا بأس به ولا إشكال فيه.
فصل القارئ: ولا يجوز بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام لما روى جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) متفق عليه.
الشيخ: هذه الأشياء الأربعة الخمر لا يجوز بيعه والخمر كلما أسكر كما ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام والميتة كل ما مات حتف أنفه أو بغير ذكاة شرعية وإن شئت فقل كلما مات بغير ذكاة شرعية فيدخل ما مات بمرض ويدخل ما مات بخنق وما أشبه ذلك والخنزير معروف حيوان خبيث والأصنام كذلك يعني كلما أتخذ صنماً يعبد من دون الله فإنه حرام لأن الأول مخل بالعقل والثاني مخل بالبدن وكذلك الثالث لكن الفرق بين الثاني والثالث أن إضرار الثاني عارض وإضرار الثالث لازم والأصنام مخلة بالدين وممكن أن نأخذ من هذا أن كل ما أخل بالعقل أو بالبدن أو بالدين وإن لم يكن من هذه الأصناف الأربعة فإن بيعه حرام وفي الحديث (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر) بهذا اللفظ وفيه إشكال أولاً أن الجمع بين الرب عز وجل وبين رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالواو والثاني أن الخبر جاء مفرداً مع أن المبتدأ مركب من شيئين فيقتضي أن يكون خبره مثنى أما الأول فيقال ما كان طريقه التشريع فلا بأس أن يُقرن بين الله وبين الرسول صلى الله عليه وسلم بالواو وجه ذلك أن ما أقره الرسول أو حكم به فهو من حكم الله وليس ذلك من باب الند أو الضد لأن حكم الرسول حكم لله قال الله تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وقال تعالى (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) وأما الثاني (حَرَّم) فيقال إن حَرَّم خبر للأول (إن الله حرم) ويكون الثاني من باب عطف الجملة على الجملة تكون رسوله مبتدأ والخبر محذوف أي
ورسوله حرم وهذا أحسن شيء أو يقال لما كان حكم الله ورسوله واحداً صح أن يخبر عنهما بواحد ويستثنى من الميتة ما كان مباحاً فهل يقال إنه مستثنى أو يقال إنه لم يدخل من الأصل؟ إن قلنا بالأول صار من باب العام المخصوص وإن قلنا بالثاني صار من باب العام الذي أريد به الخصوص وهل الحكم يختلف أو لا يختلف؟ الحكم لا يختلف لأن كل منهما إذا ادعاه مدعي قلنا عليك الدليل لو أدعى مدعي أن العام قد خص قلنا هات الدليل ولو أدعى مدعي أن العام يراد به الخصوص قلنا هات دليل والمهم أنه يستثنى من الميتة الميتة المباحة كميتة السمك.
القارئ: ولا يجوز بيع مالا نفع فيه كالحشرات وسباع البهائم والطير التي لا يصاد بها ومالا يؤكل من الطير ولا بيضه لأنه لا نفع فيه فأشبهت الخنزير.
الشيخ: هذا التعليل الذي ذكر المؤلف تعليل واضح أنه غير صحيح تعليل عليل لأن الخنزير حرم لضرره وخبثه هذه الأشياء لا نقول لأنه ليس فيها نفع فأشبهت الخنزير بل نقول لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نهى عن إضاعة المال) وبذل المال فيما لا نفع فيه إضاعة له لا شك فيعلل في منع بيع هذه الأشياء بأنه من باب إضاعة المال وقد نُهي عنه.
القارئ: ولا يجوز بيع الحر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله تعالى (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ذكر منهم رجلاً باع حراً فأكل ثمنه) متفق عليه.
الشيخ: وهذا لا شك أنه حرام بل هو من كبائر الذنوب فإذا قال قائل هؤلاء قوم جياع باعوا أولادهم ليأكلوا وينقذوا أنفسهم من الهلاك فهل يجوز أن أشتري منهم؟ الجواب لا يجوز هذا حرام حتى وإن كانوا لا يحيون إلا بذلك فليموتوا لأنه لا يجوز أن يباع الحر.
القارئ: ولا يجوز بيع مالا ليس بمملوك كالمباحات قبل حيازتها لأنها غير مملوكة أشبهت الحر.
الشيخ: هذا صحيح والمباحات يعني مثلاً الأعشاب والكمأة وغيرها مما يجنيه الإنسان من الأرض فإنه لا يبيعه حتى يملكه فلو جاء رجل إلى بدوي وحوله أرض واسعة وقال له البدوي أشتري مني كلاء هذه الأرض فإنه لا يجوز لماذا؟ لأنه لا يملك الكلاء إلا إذا حشه وحازه وقبل ذلك ليس ملكاً له.
القارئ: ولا يجوز بيع الدم ولا السرجين النجس لأنه مجمع على تحريمه ونجاسته أشبه الميتة.
الشيخ: هذا التعليل يدل على أن الدم المباح يجوز بيعه كالكبد والطحال ودم القلب يجوز بيعه لأنه مباح أما بيع الدم لغير أكله ليحقن في المريض كما يوجد الآن إذا احتاج الإنسان إلى دم حقنوا به دماً فهل يجوز أو لا؟ ظاهر الأدلة أنه حرام لا يجوز لكن إذا لم يوجد إلا بعوض فهنا يدفع العوض ويكون الآثم الآخذ وأما الدافع فليس بآثم وأما السرجين النجس يعني ما تدفن به الأرض عند زرعها ويسمى عند الناس السماد فالنجس لا يجوز بيعه مثل سرجين الحمر وسرجين الآدمي عذرة الآدمي مع أن القول الراجح أنه يجوز يعني أن يسمد بها لكن لا يجوز بيعها لأنها نجسة العين وأما السرجين المتنجس فيجوز بيعه لأن تطهيره
ممكن فهو كالثوب المتنجس السرجين المتنجس مثل سماد بال عليه رجل أو بال عليه حمار وأراد إنسان أن يبيعه نقول لا بأس بعه لأنه يمكن تطهيره فهو كالثوب المتجنس وأما قوله رحمه الله (لأنه مجمع على تحريمه) فهذا في الدم صحيح أن الدم حرام بالنص والإجماع وأما السرجين النجس فليس مجمع على تحريمه أكثر العلماء على جواز السماد بالسرجين النجس.
القارئ: ولا يجوز بيع شحم الميتة لأنه منها وفي حديث جابر (قيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه تدهن بها الجلود وتطلى بها السفن ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام) متفق عليه.
الشيخ: الصحابة هل سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن هذه المنافع أو عن بيعها؟ هم سألوا عن بيعها لأنه لما حرم عليه الصلاة والسلام بيع الميتة قالوا هذه الأشياء ينتفع بها أيجوز بيعها أم لا؟ قال (لا هو - أي البيع - حرام) هذا هو الصواب في معنى الحديث وقال بعض أهل العلم (لا) أي لا تنتفعوا بها (هو) أي الانتفاع (حرام) وبناءاً على هذا فإنه لا يجوز دهن الجلود بها ولا طلي السفن ولا الاستصباح بها ودهن الجلود معروف لأن الجلد إذا دهن بالدهن صار ليناً ولم يتكسر وطلي السفن بها أيضاً مفيد لأن الخشب إذا كان قد روي بالدهن لا يدخله الماء والثالث الاستصباح الاستصباح يجعلون الشحوم في إناء وفي الإناء فتيلة ثم يوقدون النار في هذه الفتيلة ومادام الدهن باقياً فإنها تبقى هذه الفتيلة مضيئة بدلاً عن بدلاً عن اللمبات في وقتنا فكانوا يفعلون هذا فقال (لا هو حرام) وعلى تفسيرنا وهو الصحيح فإنه يجوز أن تدهن بها الجلود لكن الجلود غير التي تستعمل في لبس ونحوه لأنك إذا استعملتها في لبس ونحوه والدهن لم يزل صرت مستعملاً لثوب نجس أو ما أشبه ذلك وتطلى بها السفن لا بأس لا بأس أن تطلى بها السفن ولا تفسد على الناس ويستصبح الناس أيضاً لا بأس ولكن منع العلماء رحمهم الله من الاستصباح بها في المساجد لأنه إذا استصبح بها في المساجد وثار الدخان منها وعلق بالجدران تنجست وهذا المنع مبني على أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة أما على قول من يقول إن النجاسة إذا استحالت إلى شيء آخر طهرت فلا بأس بالاستصباح بها إلا إن يخشى أن تتسرب النجاسة إلى المسجد فهنا تمنع من أجل ذلك وهنا يمكن التحرز عنها بأن يوضع في طشت حتى إذا تسرب شيء فإنه يتسرب في هذا الطشت.
القارئ: وما نجس من الأدهان كالزيت فظاهر المذهب تحريم بيعها قياساً على شحم الميتة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) وعنه يباع لكافر ويعلم بحاله لأنه يعتقد حله في جواز الاستصباح بها روايتان إحداهما لا يجوز لأنه دهن نجس فأشبه شحم الميتة والثانية يجوز لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر أشبه الانتفاع بالجلد اليابس.
الشيخ: هذه مسائل أولاً ما تنجس من الادهان كالزيت فظاهر المذهب تحريم بيعها قياساً على شحم الميتة لكن هذا القياس قياس مع الفارق لأن الميتة نجسة بعينها وهذا الدهن أصله طاهر طرأت عليه النجاسة لكن
نقول إن قلنا بأن الأدهان المتنجسة لا يمكن تطهيرها فالقول بمنع بيعها واضح لأنه لا يمكن أن تطهر وإذا قلنا بأنه يمكن أن تطهر فإن بيعها يجوز لأنها تشبه الثوب النجس والثوب النجس يجوز بيعه والصحيح أنه يمكن تطهيرها بأن تلقى النجاسة وما حولها فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن الدهن تموت فيه الفأرة فقال عليه الصلاة والسلام أو السمن فقال صلى الله عليه وسلم (ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم) أيضاً يقول رحمه الله (وفي جواز الاستصباح بها روايتان) والصحيح أن الاستصباح بها جائز من باب أولى لأننا قلنا إن الصحيح جواز الاستصباح بالنجس فالمتنجس من باب أولى طيب قال أبو الخطاب.
السائل: لماذا يجوز بيع الضبع وهو يفترس؟
الشيخ: الضبع حلال ليست لها ناب ولا يفترس إلا عند الضرورة القصوى يعني ليس من طبعه العدوان يقولون ما يفترس إلا عند الضرورة القصوى أو إذا أحد هاجمه ولهذا جعلها النبي عليه الصلاة والسلام من الصيد فأوجب على المحرم إذا قتلها شاة.
القارئ: وفي جواز الاستصباح بها روايتان إحداهما لا يجوز لأنه دهن نجس فأشبه شحم الميتة والثانية يجوز لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر أشبه الانتفاع بالجلد اليابس قال أبو الخطاب ويتخرج على جواز الاستصباح بها جواز بيعها قال القاضي ولا تطهر بالغسل لأنه لا يتأتى فيها العصر ويتخرج أنها تطهر بصبها في ماء كثير ثم تترك حتى تطفوا فتأخذ والعصر إنما يعتبر فيما يتأتى العصر فيه بدليل الحجر والأخشاب اختاره أبو الخطاب فأما غير الأدهان كالخل واللبن فلا تطهر وجهاً واحداً.
الشيخ: هذه مسألة أختلف فيها العلماء رحمهم الله الماء سبق أنه يطهر على المذهب فيطهر الماء بواحد من أمور ثلاثة إما أن يضاف إليه ماء كثير حتى يزول التغير هذه واحدة وإما أن ينزح منه حتى يزول التغير وهذا يكون في الآبار لأن الآبار كلما نزح منها تجدد الماء وإما أن يزول تغير الماء بنفسه لكن غير الماء هل يمكن تطهيره؟ الصحيح أنه يمكن فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأدهان ماذا قال؟ قال في الفأرة تموت في السمن قال (ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم) إذاً يمكن أن تطهر فإذا كان يمكن في الأدهان أن تطهر جاز بيعها لأنها تكون كالثوب المتنجس الذي إذا غسلته صار طاهراً فالصواب أن جميع المائعات يمكن أن تطهر حتى اللبن حتى المرق يمكن أن يطهر لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً فإذا زالت النجاسة طعمها وريحها ولونها ولم يبقى شيء فهو طهور.
القارئ: فصل ولا يجوز بيع الكلب وإن كان معلماً لما رواه أبو مسعود الأنصاري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نهى عن ثمن الكلب وقال ثمن الكلب خبيث) متفق عليه ولا غُرمَ على قاتله لأنه لا قيمة له وقد أساء من قتل كلباً يباح اقتنائه ولا يباح اقتنائه.
الشيخ: إذا بيع الكلب حرام حتى المعلم وأما قول بعض العلماء رحمهم الله إن النهي عن بيع الكلب محمول على الكلب الذي لا يباح اقتنائه فهذا فيه نظر لأن الكلب الذي لا يباح اقتنائه لا يبيعه أحد إنما الذي يمكن أن يقع عليه عقد البيع والكلب الذي يباح اقتنائه المعلم بالصيد أو بالحرث أو بالماشية ولا يمكن أن يحمل الحديث على شيء نادر ويترك ما هو كثير فهذا خطأ في التصرف في الأدلة إذاً نقول الكلب لا يجوز بيعه سواء كان معلماً أم غير معلم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعه وهل يضمنه من قتله يقول المؤلف أنه (لا يضمنه) لأن نهي الشارع عن بيعه يستلزم ألا قيمة له وما ليس له قيمة فليس بمضمون ولكن هل يجوز قتله؟ الجواب لا لا يجوز لأنه عدوان على صاحبه ولأنه ربما يسبب فتنة ولهذا حكم المؤلف بأنه مسيء فقال (وقد أساء من قتل كلباً يباح اقتنائه) وهل يعزر؟ نعم يعزر ولكن بماذا؟ يعزر على القول الراجح بما يكون رادعاً له فإن شاء الحاكم قال يحبس وإن شاء قال يضرب في السوق وإن شاء قال يضمن أكثر من قيمته لو يباع فالمهم أن له أن يعزره بما يردعه وأمثاله عن العدوان على حق الغير.
القارئ: ولا يباح اقتناء كلب إلا لصيد أو حفظ ماشية أو حرث لما روى أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من أتخذ كلباً إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع نقص من أجره كل يوم قيراط) متفق عليه ويجوز تربية الجرو.
الشيخ: كيف أخذ المؤلف أنه لا يباح؟ لأن العقوبة قد تكون بحصول مكروه وقد تكون بفوات محبوب وهنا من النوع الثاني فوات المحبوب فكونه ينقص كل يوم من أجره قيراط فهذا لا شك أنه فوات محبوب فيكون هذا دليلاً على أنه حرام ولا يجوز والعجب أن الكفار سبحان الله العظيم يقتنون الكلاب ويعتنون بها ويغسلونها كل يوم بالمنظف والصابون والشامبو ويطيبونها يضعون فيها الطيب وعلى كل حال سبحان الله الخبيثات للخبيثين لما كان هؤلاء خبثاء أنجاس صارت نفوسهم تألف النجس الخبيث لكن هل إذا غسلوه وطيبوه ونظفوه هل يطهر؟ لا لأن نجاسته عينية فلا يمكن أن يطهر أبداً إلا في مسألة واحدة على خلاف بين العلماء وهي لو سقط في مملحة وصار ملحاً فهذا الكلب سقط في مملحة والمملحة إذا سقط فيها شيء يكون ملحاً حتى الحديد لو تضع فيها حديدة تأتيها بعد مدة تجدها قطعة ملح فهذا الكلب سقط في مملحة وصار ملحاً فهل يبقى نجساً أو طاهراً؟ على الخلاف بعض العلماء يقول إن النجاسة إذا استحالت طهرت لأن هذا ما يقال له كلب بل يقال هذا ملح وبعضهم يقول لا مادام أصله نجساً فهو نجس وعلى كل حال فإنه لا يباح اقتناء الكلب مع أنه يوجد من اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار من يقتني الكلاب وهذا ليس بغريب لأن الخبيثات للخبيثين لكن المشكل أن فينا نحن المسلمين من صار يقتني الكلاب بدون حاجة وصار يفعل بها ما يفعل هؤلاء النصارى حتى قيل لي أنه يوجد في سيارات بعض الناس كلب وراء المرتبة وهذا حرام ولا يحل لأنه تشبه بهؤلاء الكفرة وقوع فيما حذر منه الرسول عليه
الصلاة والسلام لكن لو قال قائل أنا في قصر نائي بعيد عن البلد وأحتاج إلى كلب يحرسني ويحرس أهلي أيجوز اقتنائه؟ نقول نعم يجوز اقتنائه لأنه إذا جاز اقتناء الكلب لحراسة الماشية والزرع فالإنسان من باب أولى ولا إشكال في هذا.
القارئ: ويجوز تربية الجرو الصغير لذلك لأنه قصد به ما يباح فيأخذ حكمه كالجحش الصغير.
الشيخ: التشبيه بالجحش الصغير غريب لأن الجحش الصغير يباع حتى أبوه وأمه فهذا قياس مع الفارق لكن نعم التعليل الأول صحيح أنه إنما رُبِّيَ من أجل مصلحة مباحة.
القارئ: ولأنه لو لم يقتني غير المعلم لم يمكن تعليمه فتعذر اقتناء المعلم وفيه وجه آخر أنه لا يجوز اقتناء لأنه ليس من الثلاثة.
الشيخ: لماذا ليس من الثلاثة؟ لأنه صغير لا يحرس الماشية ولا الحرث ولا يصيد.
القارئ: فإن اقتنى كلب الصيد من لا صيد به جاز للحديث وفيه وجه آخر أنه لا يجوز لأن اقتنائه لغير حاجة أشبه من اقتنائه للماشية ولا ماشية له.
الشيخ: وهذا الوجه أقرب للمعنى لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إلا كلب صيد) ليس معناه إلا كلب صيد لمن لا يصيد وكلب ماشية أيضاً ليس معناه كلب ماشية لمن لا ماشية عنده فالصواب أن من لا يحتاجه لا يجوز له أن يقتنيه حتى وإن كان من كلاب الصيد المعروفة وإن كان من كلاب الماشية أو كلاب الحرث.
السائل: لو أن الحاكم ضمَّنَ قاتل الكلب هل نقول يأخذ صاحبه أم يوضع في بيت المال؟
الشيخ: لا إذا ضمن الحاكم القاتل الكلب فيكون في بيت المال إلا إذا خاف الفتنة وأن صاحبه بدوي ما يعرف يقول هذا الذي قتل كلبي لابد أقتله هو وهذه قد تقع من بعض البادية فهنا لا بأس أن يعطي صاحبه ما يرضى به.
السائل: حديث جواز اتخاذ (كلب الصيد والماشية والزرع) كيف يتخذ الكلب إذا لم يشترى؟
الشيخ: يتخذ الكلب بأن يكون هو أخذ من الصحراء كلباً فعلمه.
السائل: إذا لم يتيسر ذلك؟
الشيخ: وربما يتيسر فإذا وجدت كلباً عند شخص وقلت أعطني قال أنا أصيد به فهو معذور لكن إذا كان لا يصيد به فيجب عليه أن يبذله لك فإن لم يفعل فلك أن تعطيه شيئاً ويكون هو الآثم.
السائل: كيف نعزر من قتل الكلب مع أن الشرع أمر بقتل الكلب؟ الشيخ: أمر الرسول بقتل الكلاب ثم نهى عنه إلا الكلب الأسود.
فصل
القارئ: ولا يجوز بيع المعدوم لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع الغرر) رواه مسلم وبيع المعدوم بيع غرر ولأن تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها تنبيه على تحريم بيعها قبل وجودها فلا يجوز بيع الثمرة قبل خلقها ولا بيع الماء العد الذي له مادة كماء العيون والآبار لأنه بيع لما يتجدد وهو في الحال معدوم.
الشيخ: ماء العد يعني ماء الآبار فالآبار يسمى ماءها ماء عد والبرك ليس ماءها ماء عد لأنها يحقن فيها الماء وقوله (بيع لما يتجدد وهو معدوم) مثل أنت عندك بئر تِبِش بالماء وتريد أن تبيع الماء وهو لم يوجد بعد في البئر فهذا لا يجوز لأنه بيع معدوم لأنك بعت ما يتجدد كما لو قلت أبيع عليك ما تحمله هذه الشجرة من الثمر فهذا بيع بما يتجدد وهو غير معلوم بل هو معدوم وسيأتينا إن شاء الله أن بيع نقع البئر لا يصح لأن الناس شركاء فيه.
والمهم أن حديث أبي هريرة يعتبر قاعدة في البيوع (نهى عن بيع الغرر) فمثلاً اللبن في الضرع لا يجوز لأنه غرر والحمل في البطن لا يجوز لأنه غرر والسمك في الماء لا يجوز لأنه غرر وهلم جرا.
فصل القارئ: ولا يجوز بيع مالا يقدر على تسلميه كالطير في الهواء والسمك في الماء والعبد الآبق والجمل الشارد الفرس العائر والمغصوب في يد الغاصب لحديث أبي هريرة.
الشيخ: هنا أحال على حديث أبي هريرة لأنه بيع غرر يقول المؤلف (لا يجوز بيع مالا يقدر على تسلميه كالطير في الهواء) مثاله إنسان عنده حمام في الهواء قال سأبيع عليك الحمام نقول ما يجوز وهو في الهواء وقال بعض العلماء إن ألفت الرجوع جاز ثم إن رجعت فهو على بيعه وإن لم ترجع فله الفسخ وهذا القول أقرب للصواب لأن الآن ما فيه ضرر فكثير من الطيور الأليفة إذا صار في الصباح ذهبت تطلب الرزق ثم رجعت في آخر النهار فإذا كانت معلومة بأن كان المشتري قد راءها بالأمس وليست مشكلة عليه ولكنها الآن غير موجودة في عُشها وقال أبيعها عليك ليس في ذلك مانع ثم إن رجعت فالبيع بحاله وإن لم ترجع فللمشتري الخيار وأما السمك في الماء أيضاً فإنه لا يجوز أن يبيع السمك في الماء إلا إذا كان الماء محصوراً
كَبِرْكَة وكان الماء صافياً بحيث يشاهد السمك فلا بأس لأن هذا معلوم مقدور على تسليمه لكنه فيه نوع من التعب أما إذا كان يريد أن يبيع عليه سمكة تتصل بالمحيط الأطلسي فهذا لا يجوز لأنها تهرب في البحر لكن إذا كان في شيء محصور والماء صافي وهي مشاهدة يشاهدها المشتري والبائع فلا بأس لأن العلة هو ما جاء في الحديث هي الغرر وهنا لا غرر لكن صحيح أن فيه نوع مشقة في إمساكه وهذا لا يضر.
فصل القارئ: ولا يجوز بيع مالا يقدر على تسلميه كالطير في الهواء والسمك في الماء والعبد الآبق والجمل الشارد والفرس العائر والمغصوب في يد الغاصب لحديث أبي هريرة.
الشيخ: حديث أبي هريرة هو (نهى عن بيع الغرر) لكن المغصوب يجوز أن يباع على الغاصب نفسه لكنه إذا منعه إلا في ببيعه صار حراماً في حق الغاصب ومباحاً في حق المالك كذلك أيضاً إذا بيع المغصوب على قادر على أخذه من الغاصب كأن يبيع المغصوب على الأمير مثلاً فالأمير يستطيع أن يأتي بالغاصب ويأخذ المغصوب منه فهنا قد زال الغرر فيجوز فيكون بيع المغصوب لا يصح إلا إذا بيع على غاصبه أو على قادر على أخذه وكذلك أيضاً الطير في الهواء سبق لنا أنه إذا ألف الرجوع على القول الراجح صح البيع ثم إن رجع فالبيع بحاله وإن لم يرجع فللمشتري الفسخ وكذلك أيضاً السمك في الماء قلنا إذا كان في محيط معلوم يرى من صفاء الماء فإنه لا بأس ببيعه لعدم الغرر.
القارئ: وقال ابن مسعود لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر ولأن القصد بالبيع تمليك التصرف ولا يمكن ذلك فيما لا يُقدر على تسليمه فإن باع طيراً له في برج مغلق الباب أو سمكاً في بركة معدة للصيد وكان معروفاً بالرؤية مقدوراً على تناوله بلا تعب جاز بيعه لعدم الغرر فيه فإن أختل بعض ذلك لم يجز وإن باع الآبق لقادر عليه أو المغصوب لغاصبه أو لقادر على أخذه منه جاز لذلك وإلا فلا.
فصل القارئ: ولا يجوز بيع ما تجهل صفته كالحمل في البطن واللبن في الضرع والبيض في الدجاج والنواة التمر لحديث أبي هريرة وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع المجر) والمجر شراء ما في الأرحام وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع المضامين والملاقيح) قال أبو عبيد الملاقيح ما في البطون وهي الأجنة والمضامين ما في أصلاب الفحول وما سواه يقاس عليه.
الشيخ: الأجنة يتصور بيعها لكن ما في ظهور الذكور كيف يكون؟ بأن يقول أبيع عليك أول ضِرَاب يقوم به الجمل فلا يصح لأنه إذا لم يصح بيع الحمل فهذا من باب أولى لأنه قد يُلقح وقد لا يُلقح.
القارئ: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى أن يباع صوف على ظهر أو لبن في ضرع) رواه ابن ماجه وعنه في بيع الصوف على الظهر روايتان إحداهما لا يجوز للخبر ولأنه متصل بالحيوان فلم يجوز إفراده بالبيع كأعضائه والثانية يجوز بشرط جزه في الحال لأنه معلوم ممكن تسليمه فجاز بيعه كالزرع في الأرض.
الشيخ: وهذه الرواية أصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع الغرر) وهذا ليس بغرر إذا كان الصوف معلوماً مشاهداً فلا غرر فيه ولكنه يقول المؤلف أنه (يجزّ في الحال) لئلا ينمو بعد عقد البيع فيؤدي إلى جهالة النامي وإذا أدى إلى جهالة النامي صار المعقود عليه مجهولاً.
السائل: في بعض البلاد بعض الناس عندهم خيول ذكور وخيولهم جيدة ويأتينا الناس من بلاد أخرى لنزو الفرس وصاحب الفرس يضطر أن يدفع لصاحب الخيل مبلغاً ثم ينزوها له؟
الشيخ: هذا سيأتينا وسوف يذكره المؤلف وهو عسف الفحل وعسف الفحل نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام لأنه مجهول حتى لو نزى عليها هل نحن نضمن أن يلقحها؟ لكن لو فُرض أن الخيل أبى إلا ببيع والآخر مضطر له فيكون من جنس الأشياء التي يحرم بيعها وإذا أمتنع الإنسان فللشخص أن يبذل عوضاً لأنه كالاستنقاذ.
السائل: ما معنى الغرر؟
الشيخ: (الغرر) المعنى الجهالة.
القارئ: فصل ولا يجوز بيع الأعيان من غير رؤية أو صفة يحصل بها معرفة المبيع في ظاهر المذهب لحديث أبي هريرة ولأنه مجهول عند العاقد فلم يصح بيعه كالنوى في التمر فعلى هذا يشترط رؤية ما هو مقصود بالبيع كداخل الثوب وشعر الجارية وعنه يجوز لأنه عقد معاوضة فأشبه النكاح فعلى هذا هل يثبت له خيار الرؤية على روايتين أحدهما لا خيار له لأنه عقد معاوضة صح مع الغيبة فأشبه النكاح والثانية يثبت له الخيار عند الرؤية في الفسخ والإمضاء لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من اشترى ما لم ير فهو بالخيار إذا رأى) ويكون خياره على الفور للحديث وقيل يتقيد بالمجلس لأنه خيار ثابت بمقتضى العقد فتقيد بالمجلس كخيار المجلس فإن أختار إمضاء العقد قبل الرؤية لم يلزم لأنه تعلق بالرؤية ولأنه يؤدي إلى الزام العقد في مجهول الصفة وإن اختار الفسخ أنفسخ لأن الفسخ يصح في مجهول الصفة ويعتبر لصحة العقد الرؤية من التعاقدين.
الشيخ: هذه المسألة لابد أن يكون المبيع معلوماً من ثمن أو مثمن إما برؤية بأن يراه أمامه والرؤية إما مقارنة للعقد وإما سابقة للعقد في زمن لا يتغير فيه المبيع أو صفة فيما يمكن انضباطه بالصفة لابد فإن باع ما لم يراه وما لم يوصف له فالبيع غير صحيح لحديث أبي هريرة (نهى عن بيع الغرر) ولأنه يؤدي إلى النزاع والخصومة فوجب أن يكون باقياً والقول الثاني أنه يجوز أن يبيع أو أن يشتري ما لم يره وما لم يوصف له وله الخيار إذا راءه وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولكن القول الأول أصح أنه لا يمكن صحة البيع إلا إذا كان معلوماً برؤية أو صفة وعلى القول بالصحة إذا راءه ولم يعجبه وفسخ البيع فهل نقول إن النماء الحاصل فيما بين عقد البيع والرؤية يكون للمشتري كبيع الخيار أو نقول إنه لم ينعقد البيع لأن انعقاد البيع مربوط بالرؤية والعلم؟ الظاهر الثاني لهذه العلة ولأننا لو قلنا إن النماء يكون للمشتري بالصفة لكان في ذلك حلية على أن الإنسان يشتري أشياء لم يراها ولم توصف له وصفاً مطابقاً ثم إذا مضى مدة وراءه قال أنا فسخت البيع ويأخذ النماء لأنه قد يكون النماء كثيراً في مدة وجيزة وعلى كل حال القول الذي تطمئن إليه النفس أنه لابد من العلم إما برؤية والرؤية إما مقارنة وإما سابقة على العقد في زمن لا يتغير فيه وإما بوصف ينضبط فإذا قال بعت عليك سيارتي التي في موقف السيارات ماذا يكون؟ على الخلاف إذا قلنا إن البيع يصح بدون رؤية أو صفة قلنا البيع صحيح ثم له الخيار إذا راءها وإذا قلنا أنه لا يصح فإنه لا يصح نقول إما أن تصف السيارة وصفاً منضبطاً وإما أن يراها المشتري ثم يشتريها.
القارئ: ويعتبر لصحة العقد الرؤية من المتعاقدين جميعا لأن الرضا معتبر منهما فتعتبر الرؤية التي هي مظنة له منهما جمعيا.
الشيخ: يعني فلو كان المشتري راءه والبائع لم يره لم يصح ويتصور هذا في رجل له سيارة في بلد آخر ولم يرى هذه السيارة ثم باعها على إنسان راءها فإنه لا يصح لأن البائع الذي باع ما لم يره ربما لو راءها ما باعها بهذه القيمة أو ربما لا يبيعها أبداً إذاً فلابد من الرؤية من البائع والمشتري فإذا قال قائل إذا كان البائع في بلد والمال المبيع في بلد آخر وقد راءه المشتري وأنتم تقولون لا يصح لأن البائع ما راءه فما الطريق؟ قلنا الطريق أن يوكل أحداً في البلد الذي فيه المبيع فيبيع والوكيل يقوم مقام الموكل.
القارئ: فصل فإن رأيا المبيع ثم عقدا بعد ذلك بزمن لا تتغير العين فيه صح في صحيح المذهب وعنه لا يصح لأن ما كان شرطاً أعتبر وجوده حال العقد كالشهادة في النكاح ولنا أنه معلوم عندهما.
الشيخ: قوله (لنا) يعني دليلنا.
القارئ: ولنا أنه معلوم عندهما أشبه ما لو شاهدا حال العقد أو أشترى منه داراً كبيرة وهو في طرفها والشرط العلم وهو مقارن للعقد ثم إن وجد المبيع لم يتغير لزم وإن وجده ناقصاً فله الخيار لأن ذلك كالعين وإن اختلفا في التغير فالقول قول المشتري لأن الثمن يلزمه فلا يلزمه إلا ما اعترف به وإن عقد بعد الرؤية بزمن يفسد فيه ظاهرا لم يصح لأنه غير معلوم وإن أحتمل الأمرين ولم يظهر التغير فالعقد الصحيح لأن الأصل سلامته.
السائل: في بعض البلاد تكون بعض البيوت مغصوبة ملكتها الحكومة للناس ولا يمكن عودتها لأصحابها هل يجوز للناس أن يتبايعونها فيما بينهم؟
الشيخ: هذا سؤال مهم يعني بيع المغصوب الذي لا يمكن رده لصاحبه هل يجوز شرائه؟ الجواب أما إذا كان بناءاً على نظام نظمته الدولة مثل أن تقول لا أحد يملك بالإحياء إلا بعد إذن الدولة وهذا تملك بدون إذن فلا بأس أو كذلك أُخذ منه ماله عقوبةً له كالذي يؤخذ في مخالفة المرور أو ما أشبه ذلك من السيارات التي عند المرور فهذه يجوز شرائها لأنها لن تعود إلى أصحابها ولأنها أخذت بحق أما ما كان غصباً محضاً فالظهار أنه لا يجوز وإن كان ليس عائداً إلى أصحابه لكن يشتريه من يتحمل وزره ولأنه لو اشتريناه في هذه الحال لكان في ذلك إغراء للدولة الظالمة أن تغصب أموال الناس وتبيعها.
فصلٌ
القارئ: ويصح البيع بالصفة في صحيح المذهب إذا ذكر أوصاف السَّلم لأنه لما عدمت المشاهدة للمبيع وجب استقصاء صفاته كالسلم وإذا وجده على الصفة لزم العقد وإن وجده على خلافها فله الفسخ فإن اختلفا في التغير فالقول قول المشتري لما ذكرناه وعنه لا يصح البيع بالصفة لأنه لا يمكن استقصائها والمذهب الأول لأنه مبيع معلوم بالصفة فصح بيعه كالمُسلم فيه وبيع الأعمى وشراؤه بالصفة كبيع المصير بها فإن عدمت الصفة وأمكنه معرفة المبيع بذوق أو شم صح بيعه وإلا لم يصح لأنه مجهول في حقه.
الشيخ: معرفته بذوق مثل العسل طيب ومعرفته بالشم مثل الطيب.
فصلٌ القارئ: ولا يجوز بيع عبد من عبيد ولا شاة من قطيع ولا ثوب من أثواب ولا أحد هذين العبدين لأنه غرر فيدخل في الخبر ولأنه يختلف فيفضي إلى التنازع.
الشيخ: اعتاد الناس اليوم أن يقول البائع لقطيع الغنم للمشتري خذ ما شئت بمائة ريال أو بمائتين ريال فظاهر كلام المؤلف أن ذلك لا يجوز والصحيح أنه جائز وذلك لأن البائع أعلى سعر عنده هو مائة ريال وإذا كان أعلى سعر مائة ريال في أطيب شاة عنده فإنه لا غرر والمشتري له الخيار يأخذ مثلاُ أردأ شيء أو أعلى شيء فإن أخذ أردأ شيء فإنه قد رضي بذلك وإن أخذ أعلى شيء فإن البائع قد رضي بذلك والصواب أن مثل هذا جائز أن يقول هذا القطيع أمامك خذ منه ما شئت بمائة ريال مثلاً وهو يعرف أن أعلى سعراً لهذا القطيع مائة ريال.
القارئ: ويجوز بيع قفيز من صُبرة ورطل زيت من دن أو رَكوَة لأن أجزائه لا تختلف فلا يفضي إلى التنازع فإن باع جريباً من ضيعة يعلمان جربانها صح وكان المبيع مشاعاً منها فإن كانت عشرة أجربة فالمبيع عشرها وإن لم يعلما جربانها لم يصح لأنه لا يُعلم قدره منها فيكون مجهولا.
الشيخ: الصحيح أنه يصح إذا قال بعتك جَريباً من هذه الأرض فإنه يصح وإن لم يعلم مقدار جربانه لكن هم يعللون ذلك يقول لأن الجريب معلوم من مجهول فيؤدي إلى جهالة الباقي فيقال وأي شيء يضر أنا اشتريت منك مثلاً مائة متر من هذه الأرض أي فليس هناك مانع فلا غرر ولا ظلم ولا جهالة لكن لابد أن نُحدد مكان القطعة التي يريدها وذلك لأن أمكنة القطع تختلف فالقريب من الشارع ليس كالبعيد والذي له جهتان ليس كالذي ليس له إلا جهة فإذا كانا حددنا فقلنا مثلاً مائة متر من الجهة الفلانية على الشارع الفلاني فلا بأس وكذلك سبق أن ذكرنا صورة يستعملها الناس اليوم وهي إذا كان عنده قطيع من غنم وجاءه مشتري وقال له خذ ما تريد من هذا القطيع بمائة ريال المذهب لا يجوز لأنها لم تتعين الشاة التي يريد أن يأخذها والصحيح أنها جائزة لأن البائع مطمئن أنه لا يمكن أن يكون في هذا القطيع ما يزيد على مائة والمشتري له الخيار فلا ضرر لا على المشتري ولا على البائع ونحن لدينا قاعدة من الشرع (نهى عن بيع الغرر) وكما ذكرنا فيما سبق أن مدار المعاملات المحرمة في ثلاثة أشياء وهي الغرر والظلم والربا فإذا انتفت هذه فالصور لا حصر لها وكنونا نضيق على عباد الله بدون دليل من عند الله ورسوله هو جناية على الخلق ثم إذا حرمنا ما تدعو الضرورة إليه من معاملات الناس بدون دليل معناه أننا سلَّطناهم على ارتكاب المحرم مع التهاون لأنهم سيفعلون فإذا قلت هذا حرام ولكن يجد نفسه مضطراً إليه سوف يفعل ولو كان حراماً لكن إذا التمست ما يكون به الحل فهذا لا شك أنه خير للناس وأحسن.
فصلٌ القارئ: ومالا تختلف أجزائه كصبر الطعام وزق الزيت يكتفى برؤية بعضه لأنها تزيل الجهالة لتساوي أجزائه ولأنه تتعذر رؤية جميعه فاكتفي ببعضه كأساسات الحيطان.
الشيخ: لا شك أن مالا تختلف أجزائه يجوز رؤية أعلاه ودليل ذلك من السنة حديث صاحب الطعام الذي مر به النبي صلى الله عليه وسلم في السوق وكان صاحب طعام يعرض طعامه فأدخل النبي صلى الله عليه وسلم يده فيه فإذا أسفله مبلول فقال (ما هذا؟ قال أصابته السماء يا رسول الله قال هلا جعلته فوق) فهذا يدل على أن مثل ذلك لا بأس به ولا يمكن أن تنظر كل تمرة من إناء يسعه عشرين كيلو مثلاً فجاز لأن أجزائه لا تختلف للدليل والتعليل الذي ذكره المؤلف رحمه الله.
القارئ: وما تشق رؤيته كالذي مأكوله في جوفه يكتفى برؤية ظاهره لذلك.
الشيخ: ما مأكوله في جوفه مثل الرومان وكذلك أيضاً البرتقال والموز مأكوله في جوفه.
القارئ: ومالا تخلف أجزائه كصبر الطعام وزق الزيت.
الشيخ: صبر الطعام يعني الكومة.
القارئ: يكتفى برؤية بعضه لأنها تزيل الجهالة لتساوي أجزائه ولأنه تتعذر رؤية جميعه فأكتفي ببعضه كأساسات الحيطان وما تشق رؤيته كالذي مأكوله في جوفه يكتفى برؤية ظاهره لذلك، وكذلك أساسات الحيطان وطي الآبار وشبهها ويجوز بيع الباقلاء والجوز واللوز في قشرته والحب المشتد في سنبله لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد فمفهومه جواز بيع المشتد ولأنه مستور بما خلق فيه فجاز بيعه كالذي مأكوله في جوفه ولأن قشره الأعلى من مصلحته لأنه يحفظ رطوبته وادخار الحب في سنبله أبقى له فجاز بيعه فيه كسلت وأرز ومالا تشق رؤية جميعه يشترط رؤية جميعه على ما أسلفناه.
السائل: قوله (ويجوز بيع قفيز من صبرة) ما معناه؟ الشيخ: القفيز نوع من المكيال والصبرة الكومة من الطعام مثاله إنسان عنده صبرة من الطعام وقال أبيع عليك عشرة كيلو من هذه الصبرة ووزن الصبرة مائة كيلو فالبيع جائز جائز وهذا معنى قفيز من صبر فإذا كان لا يُدرى كم مقدارها هل هي مائة كيلو أو أكثر أو أقل فباع عليك عشرة كيلو منها فالمؤلف يرى أن ذلك لا يجوز والصحيح أنه يجوز.
السائل: ما معنى قوله (فإن باع جريباً من ضيعة)؟
الشيخ: الضيعة البستان الضيعة البستان والجريب مسافة مساحة معلومة من الأرض.
السائل: إذا وقع العقد على ما لم يره ثم رأه وصلح له فهل يمضي البيع أم لا؟
الشيخ: المذهب لا يجوز والصحيح أنه يجوز وله الخيار إذا رأه.
فصل
القارئ: إذا قال بعتك هذه الصبرة صح وإن لم يعرف قدرها لأن ابن عمر قال (كنا نبتاع الطعام من الركبان جزافاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) متفق عليه ولأن غرر ذلك منتفي بالمشاهدة فأكتفي بها وإن باعه نصفها أو ثلثها أو جزءاً منها مشاعاً صح لأن من عرف شيئاً عرف جزئه وإن قال بعتكها كل قفيز بدرهم صح لأن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم لإشارته إلى ما يعلم مبلغه بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين وهو كيل الصبرة فجاز كما لو باعه مرابحة لكل عشرة درهم ولو قال بعتك بعض هذه الصبرة لم يصح لأن البعض مجهول ولو قال بعتك منها كل قفيز بدرهم لم يصح لأنه باعه بعضها.
الشيخ: كلام المؤلف في هذه المسألة ضعيف فإذا قال البائع بعتك منها كل قفيز بكذا فلا بأس ويأخذ المشتري ما أراد من القفزان والثمن مقدر بالقفزان أما إذا قال بعتكها كل قفيز بكذا فلا يصح لأن البيع وقع على كل الصبرة فإذا قال البائع بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فالمؤلف يقول أنه لا يصح لأنه لا يدري ماذا يأخذ المشتري قد يأخذ عشرة أقفزة وقد يأخذ مائة قفيز وقد لا يأخذ إلا واحدة فهو مجهول وهذه المسألة نظير ما قلنا فيما إذا قال البائع للمشتري خذ من هذا القطيع ما شئت بمائة ريال وقلنا إن الصواب جواز ذلك وكذلك إذا قال البائع للمشتري بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فلا بأس لأن البائع معتمد على أنه لو يأخذها كلها لكان أحب إليه.
القارئ: ولو قال بعتكها على أن أزيد قفيزاً لم يصح لأن الزائد مجهول فإن قال على أن أزيدك قفيزاً من هذه الأخرى صح لأن معناه بعتكها وقفيزاً من هذه وإن قال على أن أزيدك قفيزاً من هذه أو أنقصك قفيزاً لم يصح لأنه لا يدري أيزيده أم ينقصه وإن قال بعتكها كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزاً من هذه الأخرى وهما يعلمان قدر قفزانها صح لأنهما إذا علماها عشرة فمعناه بعتك كل قفيز وعشرٍ بدرهم وإن لم يعلما قدرها لم يصح لجهالة الثمن لأنه يصير قفيزاً
وشيئاً لا يعلمان قدره بدرهم لجهلهما بكمية قفزانها وكذلك إن قال على أنقصك قفيزا وإن جعلا للقفيز الزائد ثمناً مفردا صح في الحالين.
فصل
القارئ: ويكتفى بالرؤية فيما لا تتساوى أجزائه كالأرض والثوب والقطيع من الغنم لما ذكرناه في الصبرة وفيه نحو من مسائلها.
الشيخ: قوله رحمه الله (ويكتفى بالرؤية) لو قال ولابد من الرؤية لكان أصح لأن القول ويكتفى بالرؤية معناه وبغيرها أيضاً وأن الرؤية كافية عما سواها وليس كذلك بل المراد أنه لابد من الرؤية فيما لا تستوي أجزائه حتى يكون الإنسان على علم فالأرض لا تتساوى أجزائها لأن فيها السهل والحزم والوادي والجبل وفيها أيضاً ما كان على الطريق القائم وما كان على غير طريق فتختلف أجزائها وكذلك الثياب تختلف ففيها الطويل والقصير والأبيض والأحمر وما أشبه ذلك والأحمر إذا كان خالصاً فإما أن يحرم لبسه أو يكره والغنم كذلك فيها اختلاف كثير.
القارئ: ولو قال بعتك من الدار من هاهنا إلى هاهنا جاز لأنه معلوم وإن قال عشرة أذرع ابتدئها من هاهنا لم يصح لأنه لا يدري إلى أين ينتهي.