تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامةصفحات 233-272
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الإجارة

صفحات 233-272
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
عدد الأجزاء
5 [الكتاب مرقم آليا]

القارئ: وللمكتري استيفاء المنفعة بالمعروف لأن إطلاق العقد يقتضي المتعارف فصار كالمشروط فإذا استأجر داراً للسكنى فله وضع متاعه فيها لأنه متعارف في السكنى ويترك فيها من الطعام ما جرت عادة الساكن به لذلك وليس له جعلها مخزناً للطعام لأنه غير متعارف وفيه ضرر لأن الفأر تنقب الحيطان للوصول إليه ولا يجوز أن يربط فيها الدواب ولا يطرح فيها الرماد والتراب لأنه غير متعارف به وإن اكترى قميصاً ليلبسه لم يكن له أن ينام فيه ليلاً وله ذلك نهاراً لأن العادة الخلع لنوم الليل دون النهار.
الشيخ: كلام المؤلف فيه نظر لأن الله قال (وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ) فكثيرٌ من الناس عند النوم سواء في الليل أو في النهار يخلع الثياب الملبوسة ويلبس الثوب الخاص بالنوم ولهذا القاعدة التي أشار إليها المؤلف أولاً يجب أن تكون هي مناط الحكم وهو العادة.
القارئ: وليس له أن يتزر به لأنه يعتمد عليه أكثر من اللبس.
الشيخ: قوله (ليس له أن يتزر به لأنه يعتمد عليه أكثر من اللبس) نقول هو لا بد أن يجلس عليه لكن هم يقصدون أنه إذا اتزر به صار كل القميص في الأسفل فيعتمد عليه أكثر واعتماده عليه أكثر يوجب أن يتمزق سريعاً.
القارئ: وله أن يرتدي به في أحد الوجهين لأنه أخف والآخر ليس له ذلك لأنه غير المتعارف في لبس القميص.
الشيخ: الارتداء به أخف لأنه لا يجلس عليه فالقميص هو مثل الثوب الآن فإنه إذا ارتداه صار لا يتكئ عليه عند الجلوس فهو أخف لكن يقول المؤلف ليس له ذلك لأنها لم تجر العادة به، ولكن ربما يحتاج إليه الإنسان فمثلاً في الطائرة إذا أراد أن يُحْرِمَ وردائه وإزاره مع العفش في جوف الطائرة وهو يريد أن يحرم فهل يحرم وعليه القميص أو ماذا يصنع؟ نقول يحرم لكن يخلع القميص ويجعله رداء إذا كان معه سراويل وإذا لم يكن معه سراويل جعله إزاراً.

القارئ: وإن اكترى ظهراً في طريق العادة السير فيه زمناً دون زمن لم يسر إلا فيه لأنه المتعارف وإن كانت العادة النزول للرواح وكان رجلاً قوياً ففيه وجهان أحدهما يلزمه ذلك لأنه المتعارف والثاني لا يلزمه لأنه اكترى للركوب في جميع الطريق فلم يلزمه تركه في بعضه.
الشيخ: قوله (للرواح) يعني للمراوحة أي أنه مرة يركب ومرة يمشي، فهل يلزمه أن يمشي أو نقول هو حر إن شاء رَاَوَحَ وإن شاء بقي راكباً دائماً؟ الجواب نقول فيه الوجهان كما قال المؤلف رحمه الله.
القارئ: وإن اكتراه إلى مكة لم يجز أن يحج عليه لأنه زيادة وإن اكتراه ليحج عليه فله الركوب إلى منى ثم إلى عرفة ثم إلى مكة وهل له أن يركبه عائداً إلى منى فيه وجهان أحدهما لا يجوز لأنه قد حل من الحج والثاني له ذلك لأنه من تمام الحج.
الشيخ: لا شك أن الوجه الثاني هو المتعين فلا نقول له إذا نزلت وطفت طواف الإفاضة والسعي، اخرج من مكة إلى منى ماشياً لأن هذا لا يصح.

فصل القارئ: وله ضرب الظهر وكبحه باللجام وركضه برجله للمصلحة لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب جمل جابر حين ساقه ولأنه لا يتوصل إلى استيفاء المنفعة إلا به فملكه كركوبه وإن شرط حمل أرطال من الزاد فله إبدال ما يأكل لأن له غرضاً في أن يشتري الزاد من الطريق ليخفف عليه حمله فملك بدله كالذي يشرب من الماء.

السائل: هل للمكتري أن يضرب الجمل ضرباً شديداً؟ الشيخ: حرام عليه وذلك لوجهين الوجه الأول أنه إيلامٌ للجمل بدون حاجة والثاني أنه تصرفٌ في ملك الغير لم يؤذن له به شرعاً ولا عرفاً.
السائل: إذا كان الجمل له فهل له أن يضربه ضرباً شديداً؟ الشيخ: حتى لو كان له فإنه لا يجوز أن يضربه ضرباً شديداً بدون حاجة.

فصل

القارئ: وله أن يستوفي النفع المعقود عليه ومثله ودونه في الضرر ولا يملك فوقه ولا ما يخالف ضَرَرُهُ ضَرَرَهُ لأنه يأخذ فوق حقه أو غير حقه فإن اكترى ظهراً في طريق فله ركوبه إلى ذلك البلد في مثله ودونه في الخشونة والمسافة والمخافة ولا يركبه في أخشن منه ولا أبعد ولا أخوف وإن اكترى أرضاً للغراس والبناء فله زرعها لأنه أقل ضررا وإن استأجرها لأحدهما لم يملك الآخر لأن ضرر كل واحد منهما يخالف ضرر الآخر وإن استأجرها للزرع لم يغرس ولم يبن لأنهما أضر منه وإن استأجرها لزرع الحنطة فله زرعها وزرع ما ضرره كضررها أو أدنى كالشعير والباقلاء ولا يملك زرع الدخن والذرة والقطن لأن ضررها أكثر.
الشيخ: كيف يكون ضرر الأرض وهي أرض سواء زرعت هذا أو هذا؟ الجواب قالوا لأن الدخن يفسد الأرض ويُذهبُ طعمها فيكون ضرره أكثر من ضرر الحنطة والبر وما أشبه ذلك، ويرجع في مثل هذه الأمور إلى أهل الخبرة.
القارئ: وإن اكترى ظهراً ليحمل عليه قطناً لم يجز أن يحمل عليه حديدا لأنه أضر على الظهر لا جتماعه وثقله وإن اكتراه للحديد لم يحمل عليه قطناً لأنه أضر لتجافيه وهبوب الريح فيه وإن اكتراه ليركبه لم يحمل عليه لأن الراكب يعين الظهر بحركته.
الشيخ: هل يتحرك الراكب على البعير؟ الجواب نعم وهذا أمر مشاهد فهو يُعين الظهر أي المركوب بحركته هذه.
القارئ: واكتراه للحمل لم يملك ركوبه لأن الراكب يعقد في موضع واحد والحمل يتفرق على جنبيه وإن شرط ركوبه عُرْياً لم يركب بسرج لأنه زيادة وإن شرط ركوبه بسرج لم يركبه عُرياً لأنه يضر بظهر الحيوان والعارية كالإجارة في هذا لأنها تمليك للمنفعة فأشبهت الإجارة.
الشيخ: قوله (لأنها تمليك للمنفعة) هذا فيه نظر لأن العارية إذن في الانتفاع فهي أقل من الإجارة ولذلك يجوز للمستأجرأن يؤجر ولا يجوز للمستعير أن يؤجر أو يعير، فالعارية إذن في الانتفاع وليست تمليك للمنفعة.

السائل: لو اكترى دابة فهل له أن يُركِبَ غيره أو أن يُرْدِفَ معه أحد على الدابة؟ الشيخ: أمَّا أن يردف فلا وأمَّا يُرْكِبَ غيره فلا بأس إذا كان لا يلحق الظهر أي المركوب ضرر إما لسوء تصرفه فيها وإما لكونه أثقل من الأول.

فصل القارئ: وله أن يستوفي المنفعة بنفسه وبمثله فإن اكترى داراً فله أن يسكنها مثله ومن هو دونه في الضرر ولا يسكنها من هو أضر منه وإن اكترى ظهراً يركبه فله أن يركبه مثله ومن هو أخف منه لما ذكرنا في الفصل قبله.
الشيخ: قوله (ومن هو أخف منه) هذا ليس على إطلاقه لأنه يجب أن ننظر كيف يعامل البعير لأنه قد يكون ثقيل كبير الجسم لكن لا يؤذي البعير وقد يكون خفيفاً صغيراً لكن يضرب البعير أو الحمار وهذا شيء مشاهد فينبغي أن يُقَيَّد فقوله (ومن هو أخف منه) نقول بشرط أن لا يكون ضرره على الظهر أكثر من ضرر الثقيل.
القارئ: فإن شرط أن لا يستوفي غير المنفعة بنفسها ولا يستوفي مثلها ولا دونها ولا يستوفيها بمثله ولا بدونه صح الشرط لأنه يملكه المنافع فلا يملك إلا ما مَلَّكهُ ويحتمل أن لا يصح لأنه ينافي مقتضى الإجارة ولا يبطل العقد لأن الشرط لا يؤثر في حق المؤجر فلغى وبقي العقد على مقتضاه.
الشيخ: قوله (إن شرط أن لا يستوفي غير المنفعة بنفسها) الشارط هو المؤجر وقوله (ولا يستوفي مثلها ولا دونها ولا يستوفيها بمثله ولا بدونه) ثم قال (صح) أي صح الشرط، لكن هذا القول ضعيف والصواب ما ذكره أخيراً أنه لا يصح الشرط لأننا إذا قلنا إن المستأجر ملك المنفعة فلماذا يُضَيَّقُ عليه ويقال له لا تستوفي المنفعة لا بنفسك ولا بغيرك ولا بمثلك ولا بدونك فلهذا الاحتمال الأخير الذي ذكره المؤلف رحمه الله هو الصحيح.

فصل

القارئ: وله أن يؤجر العين لأن الإجارة كالبيع وبيع المبيع جائز فكذلك إجارة المُستأجَر ويجوز أن يؤجرها للمؤجر وغيره كما يجوز بيع المبيع للبائع وغيره فإن أجرها قبل قبضها لم يجز ذكره القاضي لأنها لم تدخل في ضمانه فلم تجز أجارتها كبيع الطعام قبل قبضه ويحتمل الجواز لأن المنافع لا تصير مقبوضة بقبض العين فلم يؤثر قبض العين فيها ويحتمل أن تجوز إجارتها للمؤجر لأنها في قبضه ولا تجوز من غيره لعدم ذلك.
الشيخ: الصحيح أنه يجوز للمُستأجِر أن يُؤجِرَ العين غيره لكن بشرط أن يكون مثله أو أقل منه ضرراً، أما لو أجرها لمن هو أشد منه على العين المؤجرة فإنه لا يجوز.
القارئ: وتجوز إجارتها بمثل الأجرة وزيادة كالبيع برأس المال وزيادة وعنه إن أحدث في العين زيادة جازت إجارتها بزيادة وإن لم يفعل لم يؤجرها بزيادة لأن (النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن) فإن فعل تصدق بالزيادة وعنه يجوز بإذن المالك ولا يجوز بغير إذنه والمذهب الأول.
الشيخ: الأقوال في المسألة ثلاثة: القول الأول: المذهب وهو أنه يجوز أن يؤجرها بأكثر مما أستأجرها فمثلاً يستأجرها بمائة ويؤجرها بمائتين وهذا القول هو الراجح لأنه ربما يستأجرها في زمن الرخص وتزيد الأجرة فيؤجرها بالزائد وأما حديث (نهى عن ربح ما لم يضمن) فالمراد ما لم يدخل في ضمانه من الأعيان وأما ما دخل في ضمانه فلا بأس على أن الحديث مختلف في صحته وفي معناه.
والقول الثاني: أنه إن أحدث في العين زيادة زادت بها الأجرة فلا بأس مثل أن يكون هذا البيت الذي استأجره جعل فيه مانع من الحر أو من البرد أو جعل على فرجاته كساءً يمنع من الحر أو البرد فلا بأس بالزيادة وإلا فلا.

القول الثالث: أنه إذا كان بإذن المالك فلا بأس وأما بغير إذنه فلا يجوز وهذا القول في الحقيقة له وجهة نظر لأنه إذا أجرها بأكثر بدون إذن المالك صار في نفس المالك شيء ولهذا نقول هذا القول قوي جداً لكن إذا وجد سبب الزيادة مثل أن زادت الأجور فإنه لا بأس بذلك لأن المالك في هذه الحال لا يتأثر ولا يندم، وقوله (فإن فعل تصدق بالزيادة) هذا على القول الثاني لكن هل يتصدق بها تخلصاً منها أو تقرباً بها؟ الجواب يتصدق بها تخلصاً منها.

فصل القارئ: فإن استوفى أكثر من المنفعة بزيادة متميزة مثل أن اكترى إلى مكان فجاوزه أو ليحمل قفيزاً فحمل اثنين لزمه المسمى لما عَقَدَ عليه وأجرة المثل للزيادة لأنه استوفى المعقود عليه فاستقر المسمى ولزمته أجرة الزيادة كما لو اشترى قفيزاً فقبض اثنين وإن كانت الزيادة لا تتميز كرجل اكترى أرضاً ليزرع حنطة فزرع دخناً فكذلك قال أحمد رضي الله عنه ينظر ما يدخل على الأرض من النقصان ما بين الحنطة والشعير فيعطى رب الأرض فأوجب المسمى وزيادة لأنه لما عين الحنطة تعلق العقد بما يماثله في الضرر فصار مستوفياً للمعقود عليه وزيادة كالتي قبلها وقال أبو بكر عليه أجرة المثل للجميع لأنه عدل عن المعقود عليه إلى غيره فلزمته أجرة المثل كما لو زرع غير الأرض ولرب الأرض منع المستأجر من زرع الأرض فإن زرع فحكمه في ذلك حكم الغاصب على ما سيأتي.

الشيخ: إذا زاد على ما عقد عليه مثل أن استأجر السيارة من عنيزة إلى الرياض فسار عليها إلى الدمام فله الأجر المسمى الذي اتفقا عليه أولاً من عنيزة إلى الرياض، وأما من الرياض إلى الدمام فله فيه أجرة المثل سواء كانت أكثر مما سمي أو أقل وذلك لأن الأجرة المسماة إنما كانت على شيء معين فالزيادة عليه زيادة بلا عقد وإذا كانت زيادة بلا عقد لزم فيها أجرة المثل أما إذا لم تتميز كرجل أستأجر أرضاً لزراعة حنطة فزرعها دخناً وقد سبق لنا أن الأرض تفسد بزراعة الدخن أكثر من فسادها بزراعة الحنطة فهل نقول إن العقد يبطل بالكلية ويجب أجرة المثل أو نقول يقدر ما بين نقص الأرض بزراعة متفقا عليه ونقصها بما زاد ويعطى الفرق؟ المسألة كما ذكر المؤلف فيها قولان للعلماء والظاهر أنه إذا زرع دخناً بدل الحنطة أنه يلغى العقد الأول ويحكم له بأجرة المثل بشرط أن لا تكون الأجرة التي اتفقا عليها أولاً أكثر من أجرة المثل فإن كانت أكثر أُلْزِمَ بها وذلك مثل أن تكون أجرة الأرض نقصت حسب النظر العام وأنها إذا زرعت دخناً تكون بأقل مما اتفقا عليه بزراعة الحنطة فنقول يجبر المستأجر على دفع ما اتفقا عليه أولاً.
مسألة: إنسان قال لشخص استأجر لي بيتاً بعشرة آلاف فوجد له بيتاً على الوصف الذي يريده الموكِّل بسبعة آلاف فهل يجوز له أن يستأجره هو ثم يؤجره لموكله؟ الجواب لا يجوز، وكذلك إن وكَّله بشراء سلعة فقال اشتر لي السلعة الفلانية بمائة ريال فوجدها بسبعين فهل نقول إنه يجوز له أن يشتريها بسبعين ويأخذ من ذلك الذي وكَّله مائة؟ الجواب لا يجوز لأنه إنما اشتراها لموكِّله وكذلك في الإجارة.

فصل

القارئ: فإن اكترى أرضاً للزرع مدة فليس له زرع مالا يستحصد فيها لأن عليه تسليمها فارغة عند انتهائها وهذا يمنع ذلك وللمالك منعه من زرعه لذلك فإن فعل لم يجبر على قلعه في المدة لأنه مالك لمنفعة الأرض فإذا انقضت ولم يحصد خير المالك بين أخذه ودفع نفقته وبين تركه بالأجرة لأنه تعدى بزرعه فأشبه الغاصب وإن كان بقاؤه بغير تفريط إما لشدة برد أو قلة مطر ونحوه فعلى المؤجر تركه بالأجرة لأنه زرعه بحق فكان عليه المسمى للمدة وأجرة المثل للزائد لا غيره.

فصل القارئ: فإن اكتراها مدة ليزرع فيها زرعاً لا يكمل فيها وشرط قلعه في أخرها صح العقد والشرط لأنه قد يكون له غرض صحيح فيه وإن شرط تبقيته حتى يكمل فسد العقد لجهل المدة ولأن شرط تبقيته تنافي تقدير مدته وللمؤجر منعه من الزرع لأن العقد فاسد فإن زرعه لزم إبقاؤه بشرطه لأنه زرعه بإذن المالك وإن أطلق العقد صح لأن الانتفاع بالأرض في هذه المدة ممكن فإذا انقضت والزرع باق احتمل أن يكون حكمه حكم المفرط لزرعه في مدة الإجارة مالا يكمل فيها واحتمل أن يكون حكمه حكم غير المفرط لتفريط المؤجر بإجارة مدة لا يكمل فيها.

فصل

القارئ: وإن استأجرها للغراس مدة جاز وله الغرس فيها ولا يغرس بعدها لأن العقد يقتضي التصرف في المدة دون ما بعدها فإن غرس فانقضت المدة وكان مشروطاً عليه القلع عند انقضائها أخذ بما شرطه ولم يلزمه تسوية الحفر لأنه لما شرط القلع مع علمه بأنه يحفر الأرض كان راضيا وإن لم يكن شرط القلع لم يجب لأن تفريغ المستأجر على حسب العادة والعادة ترك الغراس حتى ييبس وللمستأجر قلع غرسه لأنه ملكه فإن قلعه لزمه تسوية الحفر لأنه حفرها لتخليص ملكه من ملك غيره بغير إذنه وإن لم يقلعه فللمؤجر دفع قيمته ليملكه لأن الضرر يزول عنهما به أشبه الشفيع في غراس المشتري وإن أراد قلعه وكان لا ينقص بالقلع أو ينقص لكنه يضمن أرش النقص فله ذلك لأن الضرر يزول عنهما به وإن اختار إقراره بأجرة مثله فله ذلك لأن الضرر يزول عنهما به ولصاحب الشجر بيعه للمالك ولغيره فيكون بمنزلته لأن ملكه ثابت عليه فأشبه الشقص المشفوع والبناء كالغراس في جميع ما ذكرنا.

السائل: مر معنا حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن ربح ما لم يضمن) وهناك مسألة حاصلة عند كثير من الناس وهي أن يأتي مثلاً الزبون ويطلب من البائع سلعة معينة بعدد كبير مثلاً ألف كرتون من هذا النوع لكن البائع ما عنده إلا عشرة كراتين فيذهب البائع للمصنع ليحضر الكمية المطلوبة فالمشتري عنده الآن ثلاث حالات إما أن يدفع قيمة البضاعة قبل أن يستلمها أو أن يعطيه مثلاً عربون أو أن البائع يأتي بناءً على ثقة بينهما ثم يشتريها منه فما هو الحكم في هذه الصورة؟ الشيخ: في مثل هذا البائع والمشتري يعقدان على الموجود والباقي يكون عقد على ما في الذمة كالسلم فيعقدان على الموجود بما يتفقان عليه والباقي يكون سلماً فيسلم المشتري للبائع الثمن ويقول هذه مثلاً ألف ريال بألف كرتون تأتي بها بعد شهر أو بعد شهرين بحسب ما يتفقان عليه.

باب

تضمين الأجير واختلاف المتكاريين

القارئ: الأجير على ضربين خاص ومشترك فالخاص هو الذي يؤجر نفسه مدة فلا ضمان عليه فيما يتلف في يده بغير تفريط مثل أن يأمره بالسقي فيكسر الجرة أو بكيل شيء فيكسر الكيل أو بالحرث فيكسر آلته نص عليه أو بالرعي فتهلك الماشية بغير تفريطه.
الشيخ: الأجير الخاص هو الذي استؤجر على مدة معينة، وقوله (فلا ضمان عليه) وذلك أن هذا الأجير الخاص بمنزلة الوكيل فإذا كان بمنزلة الوكيل فالقاعدة أن الوكيل لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط فإذا استأجر الشخص نفسه على عمل ما فهذا أجير خاص فإذا تلف الشيء تحت يده بلا تعدي ولا تفريط فلا ضمان عليه ووجه ذلك أنه بمنزلة الوكيل فهو مؤتمن.
القارئ: والمشترك الذي يؤجر نفسه على عمل فظاهر كلام الخرقي أنه يضمن ما تلف بعمله ونص عليه أحمد رضي الله عنه في حائك دفع إليه غزل فأفسد حياكته يضمن والقصار ضامن لما يتخرق من مده ودقه وعصره وبسطه والطباخ ضامن لما أفسد من طبخه لما روى جلاس بن عمرو أن علياً رضي الله عنه كان يضمن الأجير ولأنه قبض العين لمنفعته من غير استحقاق فكان ضامناً لها كالمستعير وقال القاضي وأصحابه إن كان يعمل في ملك المستأجر كخياط أو خباز أخذه إلى داره ليستعمله فيها فلا ضمان عليه ما لم يتعد فيه مثل أن يسرف في الوقود أو يلزقه قبل وقته أو يتركه بعد وقته فيضمن لأنه أتلفه بعدوانه ومالا فلا ضمان عليه لأنه سلم نفسه إلى صاحب العمل فأشبه الخاص وإن كان العمل في غير ملك المستأجر ضمن ما جنت يده لما ذكرناه ولا ضمان عليه فيما تلف من حرزه لأنها أمانة في يده فأشبه المودع وإن حبسها على أجرتها فتلفت ضمنها لأنه متعد بإمساكها إذ ليست رهناً ولا عوضاً عن الأجرة.

الشيخ: الأجير المشترك هو الذي قُدِّر نفعه بالعمل وعمله عام فكل مَنْ أتاه عَقَدَ معه الأجرة مثل الغسال والخياط والنجار وما أشبه ذلك فإذا أعطيته مالي يعمل فيه ما اتفقت أنا وإياه عليه فإنه ضامن لأنه استؤجر على عمل شيء ولم يتقدم به، ولا فرق بين أن يكون في بيت المستأجر أو في دكانه أو ما أشبه ذلك والصحيح أنه لا ضمان عليه إلا إذا تعدى أو فرط وإذا لم يتعد ولم يفرط فإنه لا ضمان عليه، فإذا قُدِّر أنك أتيتَ إلى خباز وأعطيتَه العجين ليخبزه وفرط وترك النار حتى احترق فعليه الضمان فإن حصل مثلاً حريق ولم يتمكن من ضبطه فإنه لا ضمان عليه، ولكن هل يستحق الأجرة أو لا يستحقها؟ الجواب إن كان قبل العمل فإنه لا يستحقها وإن كان بعد العمل فلا يستحقها أيضاً لأنه لم يسلم ما استؤجر عليه فنقول له لا لك ولا عليك، وأظن أن فيها قول آخر أنه يستحق الأجرة إذا كان قد عمل ما استؤجر عليه لأنه أتى بما يجب عليه ولم يفرط فيه ولم يتعد فلا ضمان عليه فإن كان كما ظننت فهذا القول أقوى، ثم قال رحمه الله (وإن حبسها على أجرتها فتلفت ضمنها) هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله والصواب أنه لا ضمان عليه فإذا كانت الأجرة حالَّة وقال له الخياط لا أعطيك الثوب الذي استأجرتني أخيطه لك حتى تسلم الأجرة، ففي هذه الحال إذا تلف الثوب فلا ضمان عليه لأنه معذور فربما يعطيه الثوب ويذهب ولا يرجع لكي يعطيه الأجرة وهذا يقع فالصواب أنَّ حبس ما استؤجر على أجرته جائز وأنه لو تلف بلا تعد ولا تفريط فلا ضمان عليه.
السائل: بعض المغاسل يكتبون على الفاتورة أنه إذا لم يحضر صاحب الملابس خلال مدة معينة لكي يأخذ ملابسه فإنه يحق لهم التصرف فيها؟

الشيخ: لا بأس به فهم يكتبون على الفاتورة نحن سوف نغسله لك أو نخيطه لك لكن إذا تأخرت عن المدة المقررة نصف شهر أو شهر فإن لنا أن نبيعه ونأخذ أجرتنا فهنا إذا وافق صاحب الملابس على هذا الشرط فلا بأس لأنه هو الذي اختار ذلك إلا إذا ثبت أنه تأخر لعذر لكن ما دام أنهم اتفقوا على ذلك فالمسلمون على شروطهم وهذا شرط فيه مصلحة لأنه لو لم يُقَلْ بجوازه لتكدست الثياب عند الغسال أو عند الخياط ثم ماذا يصنع بها وهو ليس على استعداد أن يذهب بها إلى القاضي في المحكمة ويقول له خذ والقاضي كذلك ربما لا يكون على استعداد لقبولها.
السائل: أحياناً الغسالون يخطئون في التصرف فيعطي الثوب لغير صاحبه ويبقى عنده الثوب الآخر فماذا يجب عليه في هذه الحال؟ الشيخ: إذا أخطأ فعليه الضمان لأن هذا من تصرفه وأما الثوب الثاني الذي أخذ صحابه بدله فإنه يبقى عنده حتى يرجع صاحبه فإن يأس منه ولم يعرفه فإنه يبيعه ويتصدق بقيمته.

فصل

القارئ: ولا ضمان على المستأجر في العين المستأجرة إن تلفت بغير تفريط لأنه قبضها ليستوفي ما ملكه منها فلم يضمنها كالزوجة والنخلة التي اشتراها ليستوفي ثمرتها وإن تلفت بفعله بغير عدوان كضرب الدابة وكبحها لم يضمن لأنها تلفت من فعل مستحق فلم يضمنها كما لو تلفت تحت الحِمْلِ وإن تلفت بعدوان كضربها من غير حاجة أو لإسرافه فيه ضمن لأنه جناية على مال الغير وإن اكترى إلى مكان فتجاوزه فهلك الظهر ضمنه لأنه متعد أشبه الغاصب وإن هلك بعد نزوله عنه وتسليمه إلى صحابه لم يضمنه لأنه برئ بتسليمه إليه إلا أن يكون هلاكه لتعب الحمل فيضمنه لأنه هلك بعدوانه وإن حَمَلَ عليه أكثر مما استأجره فتلف ضمنه لذلك وإن اكترى دابة ليركبها فركب معه آخر بغير إذن فتلفت ضمنها الآخر كلها لأن عدوانه سبب تلفها فضمنها كمن ألقى حجراً في سفينة موقرة فغرقها وإن تلفت الدابة بعد عودها إلى المسافة ضمنها لأن يده صارت ضامنة فلم يسقط عنه ذلك إلا بإذن جديد ولم يوجد.

فصل القارئ: ولو قال لخياط إن كان هذا يكفيني قميصاً فاقطعه فقطعه فلم يكفه ضمنه لأنه إنما أذن له في قطعه بشرط الكفاية ولم يوجد وإن قال هو يكفيك قميصاً فقال اقطعه فقطعه فلم يكفه لم يضمنه لأنه قطعه بإذن مطلق.

فصل القارئ: ومن أجر عيناً فامتنع من تسليمها فلا أجرة له لأنه لم يسلم المعقود عليه فلم يستحق عوضه كالمبيع إذا لم يسلمه وإن سلمه بعض المدة ومنعه بعضاً فقال أصحابنا لا أجرة له لأنه لم يسلم ما تناوله العقد فأشبه الممتنع من تسليم الجميع ويحتمل أن يلزمه عوض ما استوفاه كما لو باعه مكيلاً فسلم إليه بعضه ومنعه من باقيه.

الشيخ: ينبغي أن يقال إن في ذلك تفصيل فإن منعه لعذر استحق ما بقي وإن منعه عدواناً فإنه لا يستحق لكن هل يَسُوغ للمستأجر أن يستعملها فيما بقي وهو يعلم أن صاحبها لا يستحق الأجرة؟ الجواب هذا قد يقال إن فيه نظر إلا إذا كان استأجرها لعمل معين وفوَّته عليه فهنا له أن يستأجرها فيما بقي ولا شيء عليه.
القارئ: وإن أجر نفسه على عمل وامتنع من إتمامه فكذلك وإن أجره عبده فهرب أو دابته فشردت في بعض المدة فله من الأجرة بقدر ما استوفى من المدة لأن الامتناع بغير فعله فأشبه ما لو مات وإن تلف الثوب في يد الصانع بغير تفريطه فلا أجرة له فيما عمل لأنه لم يسلمه إلي المستأجر فلم يستحق عوضه وإن تلف بتفريطه خير المالك بين تضمنيه إياه معمولاً ويدفع إليه أجرته وبين تضمينه إياه غير معمول ولا أجرة له وإن استأجر الأجير المشترك أجيراً خاصاً فأتلف الثوب فلا ضمان على الخاص ويضمنه المشترك.

السائل: إذا أعطى رجل الغسال ثوبه وهو من الصوف وقال اغسله فغسله بالماء فانكمش وكان الواجب عليه أن يغسله بالبخار فحصل هنا تفريط من الجانبين فمن جانب صاحب الثوب أنه لم يخبر الغسال أن يغسله بالبخار ومن جانب الغسال أنه لم يسأل هل هذا الثوب يُغْسَل بالماء العادي أو البخار فما الواجب في هذه الحالة؟ الشيخ: هذا يرجع للعادة فإذا كان من العادة أن الصوف يغسل بالبخار وهذا غسله بالماء فإنه يضمن سواء شُرِطَ عليه غسله بالبخار أو لم يُشْرَط، لكن الذي أعرفه أن الصوف بعضه يُغْسل بالبخار وبعضه بالماء فإذا كان بعضه بالماء وبعضه بالبخار فلا بد أن يشترط صاحب الثوب أن يغسله له بالبخار.

فصل القارئ: وإذا اختلف المتكاريان في قدر الأجرة أو المنفعة تحالفا لأنه عقد معاوضة أشبه البيع ثم الحكم في فسخ الإجارة كالحكم في فسخ البيع لأنها بيع.

الشيخ: المشكل هنا أنه إذا تفاسخا فإن المستأجر قد استوفى المنفعة وأما في البيع فإنه إذا تفاسخا رجعت السلعة إلى البائع وأعطي المشتري الثمن لكن في الإجارة قد استوفى المنفعة، فيقال تفسخ الإجارة ويستحق أجرة المثل لأن المنفعة تلفت تحت يد المستأجر ولم يتفقا على قدر الأجرة بعد فيكون له أي لصاحب العين أجرة المثل.
القارئ: وإن اختلفا في العدوان فالقول قول المستأجر لأن الأصل عدم العدوان والبراءة من الضمان وإن اختلفا في رد العين ففيه وجهان أحدهما القول قول المؤجر لأن الأصل عدم الرد ولأن المستأجر قبض العين لنفسه أشبه المستعير والثاني القول قول الأجير لأنه أمين فأشبه المودع.
الشيخ: في هذه المسألة ينبغي أن ينظر إلى حال الرجلين فمن كان حاله أقرب إلى الاستقامة فالقول قوله ويعرف هذا بحال الشخص، والقاضي لابد أن يكون عنده علم بأحوال الناس حتى يبني الأحكام على ما يعلمه منهم وقوله (ففيه وجهان) نقول ما هو الذي يمشي على القاعدة الوجه الأول أم الوجه الثاني؟ الجواب الوجه الأول لأن كل من قبض العين لحظه فإنه لا يقبل قوله في الرد إلا ببينة.
القارئ: وإن هلكت العين فقال الأجير هلكت بعد العمل فلي الأجرة فأنكره المستأجر فالقول قوله لأن الأصل عدم العمل وإن دفع ثوباً إلى خياط فقطعه قباء وقال بهذا أمرتني فلي الأجرة ولا ضمان علي وقال صاحبه إنما أمرتك بقطعه قميصا فالقول قول الأجير نص عليه لأنه مأذون له في القطع والخلاف في صفته فكان القول قول المأذون له كالمضارب ولأن الأصل عدم وجوب الغرم فكان القول قول من ينفيه ويتخرج أن يقبل قول المالك لأن القول قوله في أصل الإذن فكذلك في صفته ولأن الأصل عدم ما ينفيه فكان القول قوله فيه.

الشيخ: هذه المسألة تقع فأحياناً يقول الرجل أعطيتك هذا القماش لتجعله قميصاً لكن الخياط جعله قباء وهنا نسأل ما هو القباء؟ الجواب القباء هو نوع من اللباس صفته أنه يكون واسعاً مفتوحاً من أعلى الجيب إلى أسفله وله أكمام واسعة، هذا هو القباء أحياناً يطرح على الكتفين بدون أن تدخل الأكمام وأحياناً تدخل الأكمام فهنا هذا الخياط جعله قباء ومالك القماش يقول إني أذنت لك أن تجعله قميصاً، فمن يقبل قوله؟ يقول المؤلف رحمه الله إن القول قول الأجير وهو الخياط فالقول قوله ولا ضمان عليه ويستحق الأجرة وعلل ذلك بقوله لأنه مأذون له في القطع والخلاف في صفته فكان القول قول المأذون له كالمضارب ولأن الأصل عدم وجوب الغرم فكان القول قول من ينفيه، لكن المؤلف ذكر أنه يتخرج أن يقبل قول المالك، وهذا بعكس الأمر الأول الذي نص عليه الإمام أحمد لأن الإمام أحمد نص على أن القول قول الأجير والمؤلف يقول يتخرج أن يكون القول قول المالك، لكن بماذا نعامل الأجير إذا قلنا إنَّ القول قول المالك؟ الجواب نعامله بالضمان والثاني عدم الأجرة هذا ما أراد المؤلف رحمه الله لكن ينبغي إذا قلنا إن القول قول المالك أن يباع القباء ويعطى المالك الفرق بين قيمة القميص وقيمة القباء فيزاد على قيمة القباء الفرق بينه وبين قيمة القميص لكي لا نظلم أحداً، ثم إنه في أصل المسألة لا ينبغي أن نقول إن القول قول المالك مطلقاً ولا أن نقول إن القول قول الأجير مطلقاً بل ننظر للقرينة إذا كان صاحب الثوب ممن عادته لبس القباء فالقول قول الأجير وإذا كان من عادته أن يلبس القميص فالقول قول المالك لأن هذه قرينة ويوجد الآن في بعض بلاد العالم يكون له لباس خاص وهو القباء فالقباء هو لباس العلماء عندهم فإذا قال الأجير أنت أمرتني أن أجعله قباء وقال صاحب القماش بل أمرتك أن تجعله قميصاً فالقول قول الأجير، ثم هناك أيضاً دليل آخر وهو القماش فالقماش يختلف لأن قماش القميص

غير قماش القباء فقماش القباء يكون غليظاً وثخيناً والقميص بعكس ذلك، والمهم أن القول الراجح في هذه المسألة أن ننظر للقرائن باعتبار الشخص أو باعتبار الثوب.

باب

الجعالة

القارئ: وهي أن يجعل جعلاً لمن يعمل له عملا من رد آبق أو ضالة أو بناء أو خياطة وسائر ما يستأجر عليه من الأعمال فيجوز ذلك لقول الله تعالى (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) ولما روى أبو سعيد أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا حياً من أحياء العرب فلم يقروهم فبيناهم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا هل فيكم من راق فقالوا لم تقرونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلا.
الشيخ: قوله في الحديث (أو تجعلوا لنا جعلاً) نقول (أو) هنا بمعنى إلا، كقول القائل لأقتلن الكافر أو يُسلمَ والمعنى إلا أن يُسْلِم و (أو) تأتي بمعنى إلا أن، وتأتي بمعنى إلى أن فإذا كانت للغاية فهي بمعنى إلى أن وإذا كانت لغير الغاية فهي بمعنى إلا أن.
القارئ: فجعلوا لهم قطيع شياه فجعل رجل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرئ الرجل فأتوهم بالشياه فقالوا لا نأخذها حتى نسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا فقال (وما أدراك أنها رقية خذوها واضربوا لي منها بسهم) متفق عليه ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها فجاز كالإجارة.

الشيخ: هذا الحديث فيه آية من آيات الله عز وجل، الصحابة رضي الله عنهم نزلوا على هذا الحي ولكن الحي لم يقوموا بالضيافة والضيافة واجبة (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) فتنحوا فسلط الله على سيدهم عقرباً لدغته فتألم منها فأتوا إلى الصحابة فقالوا هل فيكم من راقٍ؟ قالوا نعم، لكنكم لم تقرونا أي تضيفونا فلا نقرأ إلا بجعل فجعلوا لهم جعلاً غنماً، فذهب أحدهم وجعل يقرأ عليه بفاتحة الكتاب فقط فقام هذا اللديغ كأنما نُشِطَ من عقال وسبحان الله هذا من تأثير القرآن لكن لا بد في نفع القراءة على المريض من ثلاثة أمور: أولاً المحل القابل.
ثانياً أهلية الفاعل.
ثالثاً آلية القراءة.

أما قبول المحل أي بمعنى أن يكون المريض قابلاً لهذه القراءة موقناً أنها سوف تنفعه، وأما أهلية الفاعل وذلك بأن يكون عنده توكل على الله عز وجل وقوة وعزيمة واعتقاد بأن ذلك سينفع وأما إن فعل ذلك للتجربة فهذا لا ينفع والثالث الآلية وذلك أن يكون ما يقرأ به مما ورد في الكتاب والسنة أما إذا قرأ بأشياء لا يُعرف معناها كرموز وألغاز فهذا لا ينفع ولا يجوز وإن نفع فهو بواسطة الشيطان وهنا سؤال وهو هل هذا الرجل أعني سيد هؤلاء القوم هل هو قابل لهذه القراءة؟ الجواب قابل بلا شك فهم يطلبون أحداً يقرأ عليه وكذلك الرجل الفاعل أي القارئ هو أهل لذلك لأنه صحابي وقرأ على أساس أن القراءة سوف تنفع والآلية كذلك لا شك فيها لأن ما قرأ به هو القرآن وهي الفاتحة وسبحان الله يعني قد يقول قائل ما العلاقة بين المرض وبين الفاتحة؟ نقول العلاقة لأن الفاتحة أم القرآن فهي جامعة لمعاني القرآن كله فلذلك صارت رقية مع أنك لو قرأت الفاتحة على لديغ قد تقول ما العلاقة بين اللدغة وبين قراءة الفاتحة ولو قرأت مثلاً (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) لكان هذا مناسباً ووجه المناسبة هو ذكر السكون أو ما أشبه ذلك من الآيات التي تتناسب مع المرض، لكن ما مناسبة الفاتحة للرقية؟ الفاتحة هي أم القرآن وهي السبع المثاني ولا نظير لها في الكتب السابقة أبداً فلذلك كانت قرأتها على المرضى شفاء بإذن الله عز وجل، ثم إن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم ما أخذوه من الغنم وقالوا لا نأخذها حتى نسأل الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا من ورعهم فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال (وما يدريك أنها رقية) وهذا الاستفهام للتقرير يعني أنها رقية وأذن لهم بأخذ الجعل وقال أضربوا لي منها بسهم وهذا هو العلم فهل هو بحاجة إلى أن يضرب له منها بسهم؟ الجواب لا، لكنه سألهم لمصلحتهم هم لا لمصلحته هو وذلك لكي تطمئن نفوسهم لأن

التعليل بالفعل أشد تأثيراً من التعليل بالقول وهذا كما أمرنا الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم أن نُصلِّيَ عليه مع أنه ليس بحاجة لنا لكن هذا لأجل مصلحتنا نحن لأننا إذا صلينا عليه وعلى آله وسلم مرة واحدة صلى الله علينا بها عشرة.
وفي هذا حديث أيضاً دليل على جواز أخذ الجعل على القراءة على المريض لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر ذلك فإن قال قائل كيف يجوز الأخذ على قراءة القرآن؟ قلنا ليس هذا الجعل لقراءته القرآن فلم يقل للرجل اقرأ علينا الفاتحة أو أقرأ علينا البقرة ونعطيك عشرة ريال مثلاً كل ذلك لم يُقَلْ، بل هذا الجعل من أجل أنَّ علاجه بقراءة القرآن فشفاه الله عز وجل فَنَفعُ هذه القراءة متعدي كما أنه يجوز أن تأخذ أجراً على تعليم القرآن وأما على قراءة القرآن فلا يجوز فإذا أخذ الإنسان أجراً على قراءة القرآن فهذا حرام ولا ثواب له وإذا أخذ أجراً على تعليم القرآن فهذا جائز ولا بأس به لأن الأجر هنا على عمل متعدي وإذا أخذ عوضاً على قراءة القرآن على مريض فهذا جائز لأن نفع ذلك متعدي فالمؤلف رحمه الله استدل بالحديث واستدل بالنظر وهو التعليل لأن الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها فجاز كالإجارة ورد الضالة هو أن تعلن مثلاً من رد ضالتي فله كذا وكذا فهذا جائز فربما يردها عن قُرْبٍ وربما يردها عن بُعْدٍ فنقول هو وحظه إن وجدها قريبة من البلد فهذا حظه وإن وجدها بعيدة فهذا حظه ولو قُدِّرَ أن هذا الذي سمع بهذا الإعلان ذهب يطلب وتعب وأتعب سيارته وفي النهاية وجدها شخص آخر فهل الأول الذي تعب في البحث يستحق شيئاً؟ الجواب لا، لأنه ما تم المعقود عليه فالرجل قال من رد ضالتي، وهذا لم يردها فيكون الله عز وجل قد قدر الرزق للذي ردها، ثم نقول أيضاً هذا الذي ردها هل يستحق الجعل أو لا يستحق؟ الجواب إن كان الذي ردها عمل العمل لردها بعد علمه بالجعل فله ذلك وإن كان قبل علمه فلا شيء له، لأنه لم يعمل لأجل

العوض فقد تكون وقعت في يده وأخذها أو فعل ذلك تبرعاً ومساعدة لصاحبه فهو لم يأت بها بناءً على العوض.
السائل: قد يأتي إمام إلى أهل حي فيصلي بهم فتجد أثر قراءته ظاهراً على المصلين من خشوع وبكاء وقد يأتي إمام آخر إلى نفس أهل الحي فيصلي بهم لكن لا تجد ذلك التأثر فما السبب في ذلك؟ الشيخ: على كل حال الخشوع له أسباب منها الأداء فبعض الناس أداءه للقرآن الكريم يُخَشِّعُ الغير، ومنها أيضاً أنه إذا خشع الإمام فالغالب أن المأمومين يتأثرون ويخشعون، ومنها استحضار المعنى في آيات توجب رقة القلب فالآيات ليست على حد سواء فإذا قرأت مثلاً سورة ق أو قرأت سورة الواقعة لا شك إنك تتأثر أكثر مما لو قرأت آية الدين مثلاً فهذه لها أسباب، ثم إن قسوة القلوب الآن أكثر من قبل فالآن القلوب قاسية لأنه فتحت علينا الدنيا وانهمكنا بها فصار الإنسان يدخل في صلاته ويفكر ويخرج منها وهو يفكر وهذا لا شك أن له تأثير قوي.
السائل: قد يصاب الإنسان بألم ما فيقرأ على نفسه فيشفى في وقت قصير وقد يصيبه نفس الألم فيقرأ عليه نفس القراءة ومع ذلك قد لا يشفى إلا في وقت طويل فما سر ذلك؟ الشيخ: هذا معلوم لأن الأمر بيد الله عز وجل فما كل سبب يؤثر فالأسباب لا تؤثر بنفسها قد يكون هناك مانع ما وقد يكون الله عز وجل أراد أن يدخر لهذا الداعي ما هو خير وقد يكون الله عز وجل يريد أن يترقى هذا الذي أصابه المرض إلى درجة الصابرين لأن الصبر درجة عالية لا تنال إلا بوجود ما يُصْبَرُ عليه وانظر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ألم يكن يوعك كما يوعك الرجلان مع أنه خير الله عز وجل ولكن هذا لأجل أن ينال درجة الصبر فهو نال عليه الصلاة والسلام درجة الصبر على أقدار الله ونال درجة الصبر على طاعة الله فقد يدعو الناس وهم يؤذونه ويحاربونه ويقتلون أصحابه وهو صابر على هذه الدعوة، ثم الصبر على محارم الله وهو معروف.

القارئ: ويجوز عقد الجعالة لعامل غير معين وعمل مجهول فيقول من رد ضالتي فله كذا للآية ولأن الحاجة داعية إليه مع الجهل فجاز كالمضاربة ولا يجوز إلا بعوض معلوم لأنه عقد معاوضة فاشترط العلم بعوضه كالإجارة.
الشيخ: قوله (فله كذا للآية) ماهي الآية؟ الجواب هي قوله تعالى (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) فهو لم يعين العامل ولم يعين العمل لأنه لا ندري ما يأتي به.
القارئ: فإن شرط مجهولاً فسد وله أجرة المثل لأنه عقد يجب المسمى في صحيحه فوجبت أجرة المثل في فاسده كالإجارة.

فصل القارئ: وهي عقد جائز لأنها تنعقد على مجهول فكانت جائزة كالمضاربة وأيهما فسخ قبل الشروع في العمل فلا شيء للعامل وإن فسخه العامل قبل تمام العمل فلا شيء له لأنه إنما يستحق بعد الفراغ من عمله وقد تركه وإن فسخه الجاعل بعد التلبس به فعليه أجرة ما عمل العامل لأنه إنما عمل بعوض لم يسلم له وإن تم العمل لزم العقد ووجب الجعل لأنه استقر بتمام العمل فأشبه الربح في المضاربة وإن زاد في الجعل أو نقص منه قبل الشروع في العمل جاز لأنه عقد جائز فجازت الزيادة فيه والنقصان قبل العمل كالمضاربة.

فصل القارئ: ولا يستحق الجعل إلا بعد فراغه من العمل لأنه كذا شرط وإن جعل له جعلاً على رد آبق فرده إلى باب الدار فهرب أو مات قبل تسليمه لم يستحق شيئا لأنه لم يأت بما جُعِلَ الجعل فيه وإن قال من رده من مصر فله دينار فرده من نصف طريقها أو قال من رد عَبْدَيَّ فله دينار فرد أحدهما فله نصف الدينار لأنه عمل نصف العمل وإن رده من أبعد من مصر لم يستحق إلا الدينار لأنه لم يضمن لما زاد شيئا وإن رده جماعة اشتركوا في الدينار لأنهم اشتركوا في العمل فإن جعل لواحد في رده ديناراً ولآخر اثنين ولآخر ثلاثة فلكل واحد منهم ثلث جعله.
الشيخ: كم يستحق كل واحد منهم؟ الأول له ثلث دينار والثاني ثلثا دينار والثالث دينار كامل.

القارئ: وإن جعل لواحد منهم ثوباً فله ثلث أجرة المثل لأنه عوض مجهول فاستحق ثلث أجرة المثل وإن جعل لواحد جعلا فأعانه آخر فالجعل كله للمجعول له لأن العمل كله له فإن قال الآخر شاركته لأشاركه في الجعل فللعامل نصف الجعل لأنه عمل نصف العمل ولا شيء للآخر لأنه لم يشرط له شيء.

فصل القارئ: ومن عمل لغيره عملاً بغير جعل فلا شيء له لأنه بذل منفعته بغير عوض فلم يستحقه وإن التقط لقطة قبل الجعل ثم بلغه الجعل لم يستحقه لأنه وجب عليه ردها بالتقاطها فلم يجز له أخذ العوض عن الواجب وإن التقطها بعد الجعل ولم يعلم بذلك لم يستحقه لأنه تطوع بالالتقاط وإن نادى غير صاحب الضالة من ردها فله دينار فردها رجل فالدينار على المنادي لأنه ضمن العوض وإن قال في النداء قال فلان من رد ضالتي فله دينار فردها رجل لم يضمن المنادي لأنه لم يضمن إنما حكى قول غيره.
الشيخ: إذا أنكر صاحب الضالة وقال أنا لم أقل أن من ردَّ ضالتي له دينار وهذا المنادي كذب عليَّ، فهنا يضيع حقه على كلام المؤلف لأنه لم يحتط لنفسه، ولكن نقول الذي يظهر أن هذا المنادي إذا كان موثوقاً فإنه يضمن لأنه موثوق فيقال له أحضر الجعل الذي جعلت وارجع أنت على صاحب الضالة لأن المنادي الذي قال: قال فلان من رد ضالتي فله كذا وثق الناس في قوله وذهبوا يطلبون الضالة لأجل ثقتهم به فإذا أحضروها نقول له عليك الضمان لأنك رجل ثقة والناس ما عملوا إلا بناءً على استحقاقهم لهذا الجعل ثم أنت ارجع على صاحبك وهذا الأمر يكون فيما إذا أنكر صاحب الضالة أما إذا أقر فهنا وجب عليه الجعل _ أي على صاحب الضالة _.

فصل القارئ: وإن اختلفا في الجعل أو في قدره أو في المجعول فيه الجعل فالقول قول المالك لأنه منكر ما يدعى عليه والأصل عدمه.
الشيخ: قوله (الأصل عدمه) وفي نسخة (الأصل معه).

فصل

القارئ: وإن رد آبقاً من غير شرط ففيه روايتان إحداهما لا جعل له فيما ذكرنا والثانية له الجعل لأن ذلك يروى عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل في الآبق إذا جاء به خارجاً من الحرم دينارا ولأن في ذلك حثاً على رد الآبق وصيانة عن الرجوع إلى دار الحرب وردتهم عن دينهم فينبغي أن يكون مشروعا وقدر الجعل دينار أو اثنا عشر درهما لما رُوِّينَا ولأن ذلك يروى عن عمر وعلي رضي الله عنهما وعن أحمد رضي الله عنه أنه إن رده من خارج المصر فله أربعون درهما وإن رده من المصر فله دينار لأنه يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه وسواء كان ذلك كقيمة العبد أو أقل أو أكثر فإن مات السيد استحق الجعل في تركته وما أنفقه على الآبق في قوته رجع به على سيده سواء رده أو هرب منه في بعض الطريق.
الشيخ: الصحيح أن له عوضاً في رده للآبق، لكن تقديره باثني عشر ديناراً أو الاختلاف بين المصر وغيره فيه نظر لأن ما روي عن الصحابة في هذا يمكن أن يكون في ذلك الوقت هو أجرة المثل فقدروه بذلك لأنه أجرة المثل فالصواب أنه يستحق لأن خطر الآبق ليس كغيره وعليه فهو يستحق العوض لكن يرجع في ذلك إلى أجرة المثل وأما التقدير الوارد عن الصحابة فهذا لأنه كان في عهدهم يستحق هذا القدر.
السائل: لوقال رجلٌ من ردَّ ضالتي (فله جائزة) ولم يعين ما هي هذه الجائزة ومن المتعارف عليه عند أهل هذه البلاد مثلاً أن من رد الضالة فله عشر قيمتها فهل إذا وجدها رجل ما وردها يستحق عشر قيمتها أم لا وهل هناك فرق بين أن يقول فله (جائزة) أو فله (الجائزة)؟ الشيخ: نعم لو قال (فله الجائزة) فهنا يأخذ ما كان معروفاً وهو عشر القيمة ولكنه قال (فله جائزة) فيرجع في ذلك إلى أجرة المثل.

باب

المسابقة

القارئ: تجوز المسابقة على الأقدام والدواب وبالسهام والحراب والسفن وغيرها لما روى ابن عمر رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق) متفق عليه وسابق النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عهنا على قدميه وسابق سلمة بن الأكوع رجلاً من الأنصار بين يديه ومر النبي صلى الله عليه وسلم بقوم يَرْبَعُونَ حجراً أي يرفعونه بأيديهم ليعلم الشديد منهم فلم ينكر عليهم.
الشيخ: هذا النوع من المسابقة جائز وإن كان فيه شيء من اللهو لكن فيه مصلحة وتمرين وإلا فلا شك أن المسابقة في هذه الأشياء يلهو بها الإنسان كثيراً لكن فيها مصلحة وتمرين ومن ذلك ما يعرف الآن في لعب الكرة كرة القدم فهذه فيها لهو لكن فيها تمرين وتنشيط للجسم فتكون من قسم المباح إلا أن يقترن بها شيء محرم ككشف العورة والتنابز بالألقاب أو تكون على عوض فتكون حراماً.
القارئ: ولا يجوز بعوض إلا في الخيل والإبل والسهام لما روى أبو هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا سَبَقَ إلا في نصل أو خف أو حافر) رواه أبو داود فتعين حمله على المسابقة بعوض جمعاً بينه وبين ما رُوِّينَا.
الشيخ: قوله (جمعاً بينه وبين ما رُوِّينا) يعني مما سبق في جواز المسابقة فيه.
القارئ: والمراد بالحافر الخيل خاصة وبالخف الإبل وبالنصل السهام لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ليس من اللهو إلا ثلاث تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله) ولأن غير الخيل والإبل لا تصلح للكر والفر والقتال وغير السهام لا يعتاد الرمي بها فلم تجز المسابقة عليها كالبقر والتراس.

السائل: إذا قال الجاعل أي صاحب الضالة من رد علي ضالتي فله كذا ثم إن صاحب الضالة زهد فيها لكن أتاه رجل ورد ضالته فهل تلزمه الأجرة؟

الشيخ: نقول ما ذنب هذا الرَّاد وحتى لو ردها مثلاً وهي على صفة رديئة بحيث يكون لصاحبها حينما جَعَلَ الجُعْل يظن أنها على حالها حين فقدها فردها عليه الرجل وهي بصفة رديئة فليس له أن يقول أنا جعلت الجعل ظاناً أنها على حالها الأول والآن قد هزلت، فنقول له أنت قد جعلت جعلاً على عمل وقد قام به هذا الرجل، وإذا شئت فَقَيِّد وقل من رد ضالتي على حالها فله كذا كما أنك تقيد في المكان فتقول من رد ضالتي من مكان كذا وكما أنك تقيد في الزمان فتقول من رد ضالتي في خلال أربعة أيام فهنا كذلك قيِّد.
السائل: إذا قال من رد ضالتي فله دينار فردها شخص وشاركه آخر في هذا العمل فهل يستحق شيئاً؟ الشيخ: يستحق الطرفان ديناراً واحداً.
السائل: مامعنى (ليس من اللهو إلا ثلاث)؟ الشيخ: يعني ليس من اللهو مالا يكون باطلاً إلا ثلاثاً ويفسره اللفظ الآخر (كل لهو يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثة وذكر هذا) أو يقال إن المعنى ليس من اللهو ما ينفع إلا ثلاث.

فصل القارئ: والمسابقة بعوض جعالة فيه لأنه عقد على ما لا يعلم القدرة على تسليمه فأشبه رد الآبق ولكل واحد منهما فسخها قبل الشروع في المسابقة وما لم يظهر فضل أحدهما.
الشيخ: قوله (ومالم يظهر فضل أحدهما) يعني وبعدها ما لم يظهر فضل أحدهما والمعنى أنه قبل أن يشرعا في المسابقة فلكل واحد منهما أن يفسخ فإن شرعا فلكل واحد منهما أن يفسخ إلا إذا ظهر الفضل لأحدهما فإن المفضول لا يفسخ كما يذكر المؤلف

القارئ: فإن ظهر فللفاضل الفسخ والنقصان والزيادة ولا يجوز للمفضول لئلا يفوت غرض المسابقة فإنه متى بان له أنه مسبوق فسخ وذكر القاضي وجهاً آخر أنها عقد لازم لأن من شرطها العلم بالعوضين فكانت لازمة كالإجارة ويجوز بذل العوض من بيت المال ومن السلطان ومن المتسابقين ومن آحاد الرعية لأنه إخراج مال لمصلحة فجاز من الجميع كارتباط الخيل في سبيل الله فإن بذل العوض فيها تحريض على التعلم والاستعداد للجهاد.
الشيخ: وعمل الناس الآن في المسابقات لا بأس به لأن العوض قد يكون من بيت المال وقد يكون من السلطان من جيبه الخاص وقد يكون من أحد التجار أو الشركات أو ما أشبهها فليس بلازم أن يكون من أحد المتسابقين.
القارئ: ومن شرط العوض كونه معلوماً لما ذكرنا في الجعالة.

فصل القارئ: ولا تجوز المسابقة بين جنسين كالخيل والإبل لأن تفاضل الجنسين معلوم فأما النوعان كالعربي والهجين والبُختي والعرابي فقال القاضي تجوز المسابقة بينهما لأن الجنس يشملهما فأشبها النوع الواحد وقال أبو الخطاب لا تصح لأنهما يختلفان في الجري عادة فأشبها الجنسين وكذا الخلاف في المنضالة بنوعين من القسي كالعربي والفارسي وقوس الجرح وقوس النبل لذلك.
الشيخ: قوله (قوس الجرح) في النسخة التي معي قال (الجرخ) بالخاء وذكر في الحاشية في النسخة التي معي قال العلامة البهوتي جرخ وهو الذي يرمي به الروم وفي الألفاظ الفارسية المعربة الجروخ من أدوات الحرب، مشتقة من الجيم المنقوطة بثلاث ومعناها الفلك وتطلق على جميع الآلات التي تدور 1. السائل: العوض إذا كان من المتسابقين ألا يكون قماراً؟

الشيخ: العوض من المتسابقين يكون قماراً مباحاً وهذا وجه الاستثناء وأما اشتراط المحلل فسيأتي ذكر الخلا ف فيه والصواب أنه لا يشترط.
السائل: ما حكم بذل العوض من غير أحد المتسابقين في المسابقات التي لا يشترط فيها منفعة شرعية؟ الشيخ: الظاهر أنه لا بأس لأن الإنسان له أن يبذل ماله فيما يتفرج عليه وهذا سوف يتفرج على المتسابقين ويعطيهم جائزة.

فصل القارئ: ويشترط تعيين المركوبين لأن القصد جوهرهما وتعيين الراميين لأن القصد معرفة حذقها ولا يعتبر تعيين الراكبين ولا القوسين لأنهما آلة للمقصود فلم يعتبر تعيينها كسرج الدابة.
الشيخ: ما ذكره المؤلف قول ضعيف والصواب أنه يعتبر تعيين الراكبين لأن الراكبين يختلف الجري باختلافهما فبعوض الناس يركب على البهيمة ويزجرها لتسرع في المشي ولكنها نائمة لا يهمهما بل ويضربها ولا يهمها وبعض الناس يركب فيزجرها ويحرك نفسه على ظهرها فتمشي وتهملج وهذا شيء شاهدناه لمَّا كان الناس يركبون الإبل بل والحمير أيضاً نجد بعض الناس يركب ويزجر وينهر والدابة نائمة لا تتحرك بل وإذا ضربها قد تصعب عليه ولا تمشي وبعض الناس إذا ركب لا يحتاج إلى ذلك كله بل إذا أرادها أن تسرع حرك نفسه فكيف نقول مع وجود هذا الفرق العظيم أنه لا يشترط تعيين الراكبين بل الصواب المقطوع به أنه لابد من تعيين الراكبين، أما مسألة القوسين فهذا إذا كانا يختلفان فلابد من تعيينهما وإن كانا لا يختلفان فلا بأس أن يقع العقد على قوس مجهول ثم عند الرمي كل يرمي بقوسه.
القارئ: ويعتبر تحديد المسافة لحديث ابن عمر ولأنهما إذا أجريا إلى غير غاية لم يؤمن ألا يسبق أحدهما حتى يعطبا أو أحدهما.
الشيخ: هذا صحيح فلا بد من تحديد غاية فلو أن رجلان تسابقا على فرسين ولم يذكرا غاية وأشارا إلى جهة مكة ولم يعينا غاية فمتى يكون المنتهى قد يكون مكة أو من وراء مكة فلهذا يقول المؤلف رحمه الله (لم يؤمن ألا يسبق أحدهما حتى يعطبا أو أحدهما).

القارئ: ولا يجوز إجراؤهما إلا بتدبير الراكبين لأنهما إذا جريا لأنفسهما، تنافرا ولم يمضيا إلى الغاية.
الشيخ: المعنى أنه لابد أن يكون لهما أمين يأذن لهما في الانطلاق ويمنعهما عند انتهاء الغاية.
القارئ: ولا يجوز أن يستبقا على أن من سبق صاحبه بخمسة أقدام فهو السابق لأن هذا لا ينضبط فإن الفرسين لا يقفان عند الغاية لِيُقَدَّرَ ما بينهما.
الشيخ: هذا صحيح لأنه مع الاندفاع قد يصل الإنسان إلى الغاية ولكنه يتعدَّاها وانظر أنت إلى نفسك في المسعى عندما تسعى شديداً بين العلمين فإنك إذا أردت أن تجعل الغاية هي حد العلم الأخضر الثاني فلا بد أن تنطلق بسرعة زائدة أو تخفض من قبل أن تصل إلى الحد.

فصل القارئ: وإذا كان الجعل من غيرهم فقال من سبق منكم فله عشرة صح فإن سبق واحد فهي له لأنه سبق وإن سبق اثنان أو أكثر اشتركوا في السبق وإن جاء الكل معاً فلا شيء لهم لأنهم لا سابق فيهم.
الشيخ: إذا جاءوا جميعاً فلا يستحقون شيئاً لأن صاحب الجعل قال هو لمن سبق منكم، وإذا أتوا جميعاً فلا سابق بينهم وعليه فلا يستحقون الجعل ولو قالوا له اعطنا الجعُل لنجعله أنصاف بيننا فهل يلزمه؟ الجواب لا يلزمه لأنه يقول إنما أردت التشجيع.
القارئ: وإن جعل السبق للمصلي وحده أو فضله عن السابق لم يصح لأن كل واحد منهم يجتهد أن لا يسبق فيفوت الغرض وكذلك إن جعل للسابق عشرة وللثالث أربعة ولم يجعل للمصلي شيئاً لم يصح لأن من عدا السابق يجتهد أن لا يسبق صاحبه وإن سوى بين السابق والمصلي ولا ثالث معهما لم يصح لفوات الغرض به وإن كان معهما ثالث نقص عنهما صح.
الشيخ: قوله (السابق والمصلي) المصلي هو الذي يأتي بعد الأول والسابق هو الأول فإذا جعل الجعل للمصلي فمعناه أن كل واحد يحب أن يتأخر.

القارئ: لأن كل واحد منهم يجتهد في أن لا يكون الثالث وإن جعل للمجلي وهو الأول مائة وللمصلي وهو الثاني تسعين وللتالي وهو الثالث ثمانين وللبارع وهو الرابع سبعين وللمرتاح وهو الخامس ستين وللحظي وهو السادس خمسين وللعاطف وهو السابع أربعين وللمؤمل وهو الثامن ثلاثين وللطيم وهو التاسع عشرين وللسكيت وهو العاشر عشرة وللفسكل وهو الأخير خمسة صح لأن الغرض حاصل وكل واحد يجتهد في سبق الآخر لينال أعلى من رتبته.
الشيخ: هذه ألقاب معروفة عندهم في السباق وهي ليست مسائل شرعية لكنها عرفية على هذا الترتيب الذي ذكره المؤلف.
القارئ: وإن جعل جعل كل رتبة يشترك فيه جميع من بلغها احتمل أن يصح لذلك واحتمل أن لا يصح لأنه قد يشترك في السبق جماعة وينفرد المصلي فيفضلهم بكثرة ما جعل له فيفوت الغرض وإن قال من بلغ الغاية فله عشرة لم يكن ذلك مسابقة لأن مقصود المسابقة التحريض على السبق وتَعَلُّمُ الفروسية وهذا يفوت بالتسوية ولكنه جعالة محضة لأنه بذل العوض في أمر فيه غرض صحيح وكذلك إن قال ارم عشرة أسهم فإن كانت إصابتك أكثر من خطئك فلك كذا أو قال إن أصبت بهذا السهم فلك كذا صح ولم يكن مناضلة لذلك.

فصل القارئ: وإن أخرج الجعل أحد المتسابقين جاز لأن فيهما من يأخذ ولا يعطي فلا يكون قماراً فإن سبق من أخرج أحرز سبقه ولم يأخذ من صاحبه شيئاً.
الشيخ: قوله (يأخذ ولا يعطي) المعنى أنه إذا سبق أخذ جعله ولا يعطي الآخر شيئاً.
القارئ: وإن سبق الآخر أحرز الجعل لأنه سابق وإن جاءا معاً فالجعل لصاحبه لأنه لا سابق فيهما وإن أخرجا معاً لم يجز لأنه يكون قمارا لأنه ليس فيهما إلا من يأخذ إذا سبق ويعطي إذا سبق إلا أن يدخلا معهما ثالثاً يساوي فرسه فرسيهما لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فليس بقمار ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار) رواه أو داود.

الشيخ: قوله (إلا أن يدخلا معهما ثالثاً) هذا يسمونه المحلل والصحيح أنه ليس بشرط وأنه يجوز للمتسابقين فيما يجوز فيه السبق أن يتسابقا وإن لم يكن محلل لأن هذا هو الفرق فالصواب أن المحلل ليس بشرط.
القارئ: ولأنه مع وجود المحلل المكافئ فيهم من يأخذ ولا يعطي فيخالف القمار فإن كان لا يكافئهما فوجوده كعدمه لأنه معلوم أنه لا يأخذ شيئا وسواء كان المحلل واحداً أو أكثر والمسابقة بين اثنين أو حزبين لأن الغرض الخروج من القمار وقد حصل على أي صفة كان فإذا تسابقوا فجاءوا معاً أو جاء المستبقان معاً قبل المحلل أحرز كل واحد منهما سبقه ولا شيء للمحلل لأنه لم يسبق ولم يسبق أحدهما صحابه وإن سبقهما المحلل أخذ سبقيهما لأنه سبقهما وإن سبق أحد المستبقين وحده أحرز السبقين لسبقه ولم يأخذ من المحلل شيئا وإن سبق أحدهما مع المحلل أحرز المستبق سبق نفسه لأنه غير مسبوق وكان سبق الآخر بينه وبين المحلل نصفين لاشتراكهما في سبقه.

فصل القارئ: وترسل الفرسان معاً من أول المسافة في حال واحدة ولا يجوز لأحدهما أن يجنب مع فرسه فرساً يحرضه على العدو ولا يصيح به في وقت سباقه ولا يجلب عليه لما روى عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا جلب ولا جنب في الرهان) رواه أبو داود وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا) فإن استوى الفرسان في طول العنق فسبق أحدهما برأسه فهو سابق وإن اختلفا في طول العنق أو كانا بعيرين اعتبر السبق بالكتف فمن سبق به أو ببعضه فهو سابق ولا عبرة بالعنق وإن عثر أحدهما أو ساخت قوائمه في الأرض أو وقف لعلة فسبقه الآخر لم يحكم له بالسبق لأن سبقه إياه للعارض لا لفضل جريه

فصل

القارئ: وإن مات أحد المركوبين بطلت المسابقة لأن العقد تعلق بعينه فأشبه تلف المعقود عليه في الإجارة وإن مات الراكب لم تبطل لأنه غير المعقود عليه وللوارث أن يقوم مقامه وله أن لا يفعل لأن العقد جائز ومن جعله لازماً ألزمه أن يقوم مقامه كالإجارة.
الشيخ: قوله (وإن مات الراكب لم تبطل لأنه غير المعقود عليه) هذا فيه نظر ظاهر، فالمعقود عليه صحيح أنه هو الفرس مثلاً لكن لا شك أن للراكب تأثيراً في عدوه وسبقه، فالذي يظهر أنه إذا مات الراكب بطلت المسابقة وأنه ليس للوارث أن يقوم مقامه لأن الثاني قد يرضى أن يسابق الميت ولا يرضى أن يسابق الوارث لكونه مثلاً أشد منه.

باب

المناضلة

القارئ: وهي المسابقة بالرمي وتجوز بين اثنين وحزبين لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج على أصحاب له يتناضلون فقال (ارموا وأنا مع بني فلان فأمسك الآخرون فقال مالكم فقالوا يا رسول الله كيف نرمي وأنت معهم فقال ارموا وأنا معكم كلكم) رواه البخاري ولأنه إذا جاز على اثنين جاز على ثلاثة كسباق الخيل.
الشيخ: في هذا دليل على ما ذكره المؤلف وهو جواز أن تكون المسابقة بين جماعة وجماعة، وفيه أيضاً دليل على حسن خلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه لمَّا احتج عليه الفريق الثاني قال (أنا معكم كلكم) ولم يقل إذن أخرج عنكم فيحرِمُ الجميع وإنما كان معهم كلهم حتى يكون مع الجميع ولو قال إذن أخرج عنكم لرضي الآخرون لكنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يريد أن يحرم الأولين الذين قال لهم (أنا معكم) وهذا لا شك أنه من حسن خلقه صلوات الله وسلامه عليه.

فصل

القارئ: ويشترط لصحتها شروط ثمانية أحدها تعيين الرماة لأن الغرض معرفة الحذق في الرمي فلا يتحقق مع عدم التعيين كسباق الخيل فإن عقد اثنان نضالاً على أن يكون مع كل واحد منهما ثلاثة لم يصح لذلك وإن عقد جماعة نضالاً ليتناضلوا حزبين احتمل أن لا يصح لأن التعيين لا يتحقق قبل التفاصل وقال القاضي يصح ويجعل لكل حزب رئيس فيختار أحدهما واحداً ويختار الآخر آخراً كذلك حتى يتناضلوا فإن اختلفا في المبتدئ منهما بالخيار أقرع بينهما ولا يجوز أن يقتسموا بالقرعة لأنها ربما وقعت على الحذاق في أحد الحزبين ولا يجوز أن يجعل زعيم الحزبين واحداً لأنه قد يميل إلى أحدهما فتلحقه التهمة ولا يجوز أن يجعل الخيرة في تمييز الحزبين إلى واحد لذلك ولا يجوز أن يجعل إلى واحد والسبق عليه لأنه يختار الحذاق فيبطل معنى النضال.
الشيخ: هذا الفصل المدار فيه على التهمة.

فصل القارئ: الشرط الثاني تعيين نوع القسي لأن الأغراض تختلف باختلافها فقد يكون الرامي أحذق بنوع منه بالنوع الآخر وإن لم يكن في البلد إلا نوع واحد لم يحتج إلى التعيين لأن الإطلاق ينصرف إليه كالنقد.
الشيخ: قوله (كنقد) أي أنه لو تبايعوا بدرهم والبلد فيه دراهم متنوعة لكنها متساوية في الرَّواج فالعقد صحيح ويعطى واحد منهما، أما لو كانت مختلفة الرَّواج فلابد من التعيين.
القارئ: فإن عقدا على نوع فأراد أحدهما أن ينتقلا إلى غيره أو أن ينتقل أحدهما لم يجز لما ذكرناه وإن عقدا على قوس بعينه فانتقل أحدهما إلى غيره من نوعه جاز لأن الأغراض لا تختلف باختلاف الأعيان وإن شرط عليه أن لا ينتقل خرج على الوجهين فيما إذا شرط في الإجارة أن لا يستوفي المنفعة بمثله.

فصل

القارئ: الشرط الثالث أن يرميا غرضا وهو ما يقع فيه السهم المصيب من جلد أو ورق أو نحوه وإن قالا السبق لأبعدنا رميا لم يصح لأن القصد بالرمي الإصابة لا الإبعاد فلم يجز أخذ العوض عن غير المقصود والسنة أن يكون لهما غرضان في هدفين متقابلين يرميان من أحدهما الآخر ثم يرميان من الآخر الأول فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كذلك كانوا يرمون فروي عن حذيفة وابن عمر أنهما كانا يشتدان بين الغرضين إذا أصاب أحدهما خصلة قال أنا بها في قميص رواه سعيد ويروى أن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة والهدف اسم لما ينصب الغرض فيه.
الشيخ: الهدف هو شيء قائم كخشبة أو نحوها يجعل فيها ما يرمى إليه وأما الغرض فهو الذي تقع فيه الرمية.

فصل القارئ: الشرط الرابع أن يكون قدر الغرض معلوماً طوله وعرضه وانخفاضه وارتفاعه لأن الإصابة تختلف باختلافه فوجب علمه كتعيين النوع.

فصل

القارئ: فإن أطلقا العقد حمل على إصابته أي موضع كان من الغرض من أطرافه وعراه وغيرها وإن أصاب علاقته لم يحسب له لأن العلاقة ما يعلق به والغرض هو المعلق وإن شرطا إصابة موضع من الغرض كالدارة التي في وسطه أو الخاتم الذي في الدارة لم يحتسب بإصابة غيره ويستحب أن يصفا الإصابة فيقولا خواصل وهو اسم للإصابة كيفما كانت أو خوارق وهو ما ثقب الغرض أو خواسق وهو ما ثقبه وثبت فيه أو موارق وهو ما ثقبه ونفذ منه أو خوارم وهو ما قطع طرفه فإن أطلقا الإصابة حمل على الخواصل والقرع كالخصل فإن أصاب سهماً في الغرض قد غرق إلى فوقه حسب له لأنه لولاه لوقع السهم في الغرض وإن كان السهم معلقاً بنصله وباقيه خارج من الغرض لم يحسب له ولا عليه لأن بينه وبين الغرض طول السهم فلا يدري أكان يصيبه أم لا فإن أطارت الريح الغرض فأصاب السهم موضعه حسب له وإن وقع في الغرض في الموضع الذي انتقل إليه حسب عليه في الخطأ لأنه أخطأ في الرمي وإنما أصاب بفعل الريح وإن عرضت ريح شديدة لم يحسب له السهم في إصابة ولا خطأ لأن ذلك من أجل الريح وإن كانت لينة حسب في الإصابة والخطأ لأنها لا تمنع وإن وقع السهم دون الغرض ثم ازدلف فأصابه حسب خاطئا لأن هذا لسوء رميه وإن عرض عارض من كسر قوس أو انقطاع وتر أو ريح في يده فأصاب حسب له لأن إصابته مع اختلال الآلة أدل على حذقه وإن أخطأ لم يحسب عليه لأنه للعارض وقال القاضي لا يحسب له لأنه لا يحسب عليه في الخطأ فلا يحسب له في الإصابة كما في الريح الشديدة وإن انكسر السهم فوقع دون الغرض لم يحسب عليه لأنه لعارض وإن أصاب بنصله حسب له لما ذكرناه وإن أصاب بغيره لم يحسب له وإن أغرق الرامي في النزع حتى أخرج السهم من الجانب الآخر احتسب له وعليه لأنه لسوء رميه أخطأ ولحذقه أصاب ولأن ما حسب عليه في الخطأ حسب له في الإصابة كغيره وإن مرت بهيمة بين يديه وتشوش رميه لم يحسب عليه في الخطأ لأنه لذلك العارض وإن خرقه وأصاب

حسب له لأن هذا لقوة نزعه وسداد رميه وإن شرطا الخسق فأصاب الغرض وثبت فيه حسب له فإن سقط بعد لم يؤثر كما لو نزعه إنسان وإن ثقب ولم يثبت ففيه وجهان أحدهما لا يحتسب له لأن الخاسق ما ثبت ولم يوجد والثاني يحسب له لأنه ثقب ما يصلح له فالظاهر أنه لم يثبت لعارض من سعة الثقب أو غلظ لقيه وإن مرق منه حسب له لأنه لقوة رميه وإن خدشه ولم يثبت فيه لمناع من حجر أو غلظ الأرض فعلى الوجهين لكن إن لم يحسب له لم يحسب عليه لأن العارض منعه وإن لم يكن مانع حسب عليه فإن اختلفا في العارض وعلى موضع السهم وفيه مانع فالقول قول صاحب السهم وإلا فالقول قول رسيله ولا يمين لأن الحال تشهد بصدق المدعي وإن لم يعلم موضع السهم ولم يوجد وراء الغرض مانع فالقول قول رسيله لذلك وإن كان وراءه مانع فقال الرسيل لم يثقب موضع المانع أو أنكر الثقب فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم ما يدعيه صاحبه لكنه محتمل فأحلفناه لذلك وإن كان في الغرض خرق أو موضع بال فوقع السهم فيه وثبت في الهدف وكان صلابته كصلابة الغرض حسب له لأنه لولا الخرق لثبت في الغرض وإن لم يكن كذلك لم يحسب له ولا عليه لأننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض أو لا؟ وإن ثبت في الهدف فوجد في نصله قطعة من الغرض فقال الرامي هذا الجلد قطعه سهمي لقوته وقال رسيله بل هذه جلدة كانت منقطعة من قبل فالقول قول الرسيل لأن الأصل عدم الخسق والله أعلم.
الشيخ: قوله (لأن الأصل عدم الخسق) نقول الأصل السلامة فهذه القطعة لم تنقطع إلا بالإصابة.
السائل: إذا كانت المسابقة في شيء مما يستعان به على الجهاد لكن لم يقصد المتسابقان إطلاقاً التمرن والتدرب على الجهاد بل لمجرد التروح فقط فهل تجوز وهل السَّبَقُ فيها جائز؟ الشيخ: لا بأس بذلك والسَّبَقُ فيها جائز لأن هذه الثلاثة لا بد أن تعينه فلو حصل الجهاد أعانته.
السائل: بعض الناس يتاجرون بالمسابقة فهل هذا جائز؟

الشيخ: النصوص عامة لأن فوائد هذه على كل حال حاصلة سواء نوى بها التجارة أو نوى بها الاستعانة على الجهاد أو نوى بها التمرن مطلقاً أو أنهاهواية فالنصوص عامة والفائدة حاصلة بكل حال.
السائل: حتى لو كان في هذه المسابقة خسارة مال كما لو كان سباق في الرمي فهنا سيخسر الرصاص الذي يطلق؟ الشيخ: هذا لا يضر فلا بد أن المتسابقين كل واحد منهما سيأتي بالعدة كاملة ويخسر ما ينطلق من الرصاص وغيره.

فصل القارئ: الشرط الخامس أن يكون مدى الغرض معلوماً مقدراً بما يصيب مثلهما في مثله عادة لأن الإصابة تختلف بالقرب والبعد فاشترط العلم به كالنوع وإن جعلاه قدراً لا يصيبان في مثله أو لا يصيبان إلا نادرا كالزائد على ثلاثمائة ذراع لم يجز لأن الإصابة تندر في مثل هذا فيفوت الغرض.
الشيخ: قوله (لأن الإصابة تندر في مثل هذا) هذا من قبل أما الآن فيصيب بأكثر من ثلاثمائة ذراع مضاعفاً لكن فيما سبق كان يعتمد على قوة الرامي والرامي لا يبلغ سهمه إلى هذا إلا نادراً لكن في الوقت الحاضر يستطيع الرمي إلى ثلاثة كيلو مثلاً مادام أنه يمكنه رؤيته.

فصل القارئ: الشرط السادس أن يكون الرشق معلوما والرشق بكسر الراء عدد الرمي لأن الحذق في الرمي لا يعلم إلا بذلك.
الشيخ: هذا الفصل لو يرجع فيه إلى كتاب الفروسية لابن القيم رحمه الله يستفيد منه الطالب.
فصل القارئ: الشرط السابع أن يكون عدد الإصابة معلوما كخمسة من عشرين ونحوها ويعتبر أن يكون إصابة لا يندر مثلها فإن شرطا إصابة الجميع أو تسعة من عشرة لم يصح لأن هذا يندر فيفوت الغرض.

الشيخ: هذا الشرط يقودنا إلى مسألة يستعملها الناس الآن في مقاولات البناء فمثلاً يقول صالحب المال للمقاول تبني لي هذه العمارة أو هذه الفيلا خلال أربعة أشهر وما زاد على ذلك يخصم عليك كل يوم كذا وكذا فَلِطَمَعِ بعض المقاولين يوافق على هذا الشرط، والعادة أن مثل هذه المدة لا يمكن أن تتم فيها عِمارةُ هذه الشقة أو الفيلا فهذا الشرط لا يصح، أما لو جعل المدة مدةً معلومة أو مدةً يمكن فيها أن ينتهي البناء فهذا لا بأس به أن يقول المدة ستة أشهر وما زاد خصم عليك، وفي المسألة التي ذكرها المؤلف نقول إذا قدروا إصابة يندر مثلها فإنه لا يصح فَمَنْ الذي يستطيع أن يصيب مثلاً ثمانية من عشرة؟ هذا نادر.
القارئ: ويستحب أن يبينا حكم الإصابة هل في مبادرة أو مُحَاطَّة والمبادرة أن يقولا: من سبق إلى إصابتين أو نحوهما فهو السابق فأيهما سبق إليهما مع تساويهما في الرمي فهو السابق فإذا رمى كل واحد عشرة فأصاب أحدهما إصابتين دون الآخر فهو السابق ولا يلزم إتمام الرمي لأن المقصود قد حصل وإن أصاب كل واحد منهما من العشرة إصابتين فلا سابق فيهما وبطل النضال لأن الزيادة على عدد الإصابة غير معتد بها فإن رميا العشرين فلم يصب واحد منهما إصابتين أو أصاباها معاً فلا سابق فيهما وأما المُحَاطَّة فهي إن يشترطا حط ما تساويا فيه من الإصابة ثم من فضل صاحبه بإصابة معلومة فقد سبق.
الشيخ: الفرق بين المحاطة والمبادرة، المبادرة معناها أن من سبق ولو في نصف العدد فهو السابق والمحاطة أن يقول نكمل العدد لأنك حتى وإن سبقتني وزدت عليَّ فربما فيما بقي أكون أغلبك أو أكون أكثر منك أو أساويك فيبطل النضال، فهذا هو الفرق بينهما، لكن إذا وصلا إلى حد لا يمكن للثاني أن يسبق فيه فهنا تستوي المُحَاطَّة والمبادرة.

القارئ: فإن شرطا فضل ثلاث إصابات فرميا خمسة عشر أصابها أحدهما كلها وأخطأها الآخر فالمصيب سابق ولا يجب إتمام الرمي لعدم الفائدة فيه لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب المخطئ الخمسة الباقية ويخطئها الأول ولا يخرج الثاني بذلك عن كونه مسبوقا وإن كان في إتمامه فائدة مثل أن يكون الثاني أصاب من الخمسة عشر تسعة فإذا أصاب الخمسة الباقية وأخطأها الأول لم يكن مسبوقا وجب إتمام الرمي فإن أطلقا العقد انصرف إلى المبادرة لأن العقد على المسابقة والمبادر سابق ذكر هذا القاضي وقال أبو الخطاب يشترط بيان ذلك في المسابقة لأن الغرض يختلف به فمن الناس من تكثر إصابته في الأول دون الثاني فوجب اشتراطه كقدر مدى الغرض.

فصل القارئ: الشرط الثامن التسوية بين المتناضلين في عدد الرشق والإصابة وصفتها وسائر أحوال الرمي فإن تفاضلا في شيء منه أو شرطا أن يكون في يد أحدهما من السهام أكثر أو أن يرمي أحدهما والشمس في وجهه أو يحسب له خاصل بخاسق أو لا يحسب عليه سهم خاطئ لم يصح لأن القصد معرفة حذقهما ولا يعرف مع الاختلاف لأنه ربما فضله بشرطه لا بحذقه وإن شرطا أن يحسب خاسق كل واحد منهما بخاصلين أو يسقط القريب من إصابة إحداهما ما هو أبعد منها من رمي الآخر فمن فضل بعد ثلاث إصابات فهو السابق صح لأنه لا فضل لأحدهما في عدد ولا صفة وهذه نوع محاطة فصحت كاشتراط حط ما تساويا فيه.

فصل القارئ: وإن كان الرماة حزبين اشترط كون الرشق يمكن قسمته عليهم إن كان كل حزب ثلاثة وجب أن يكون له ثلث صحيح لأنه يجب التسوية بينهما في عدد الرمي ولا يمكن إلا بذلك فوجب وإذا نضل أحد الحزبين صاحبه فالجعل بين الناضلين سواء من أصاب ومن لم يصب ويحتمل أن يكون بينهم على قدر إصاباتهم لأنهم بها يستحقون والجعل على المنضولين بالسوية وجهاً واحدا لأنه لزمهم بالتزامهم لا بإصابتهم بخلاف الناضلين.

السائل: إذا تبرع شخص ما للمصارعة والمسابقة بالأقدام فهل هذا جائز؟

الشيخ: لا بأس إذا كان هذا مما يباح فلو أن اثنين تسابقا على الأقدام وقال غيرهما من سبق منكما فله كذا فلا بأس وكذلك في المصارعة لأن المصارعة لا بأس بها، أما الملاكمة فلا، لأن الملاكمة فيها خطورة.
السائل: لو أن أحد المتسابقين قال _ من باب التحدي _ أعطيك خمسة إصابات متقدمة أو قال أنا أرمي ووجهي للشمس وأنت وجهك لغير الشمس فهل هذا جائز؟ الشيخ: هذا لا يصح لأن المسابقة لابد فيها من التساوي وهذا ظلم ومغامرة.
السائل: حتى وإن كان المتسابق الأول راضي بذلك؟ الشيخ: حتى ولو رضي بذلك لا يصح وإذا كان راضي بهذا فنقول يعطيه الجعل وينتهي الأمر ولا يتسابقون.

فصل القارئ: فإن كان في أحد الحزبين من لا يحسن الرمي بطل العقد فيه لأنها لا تنعقد على من لا يحسن الرمي ويخرج من الحزب الآخر بإزائه كما إذا بطل البيع في بعض المبيع بطل في ثمنه وهل يبطل العقد في الباقين على وجهين بناءً على تفريق الصفقة فإن قلنا لا يبطل فلهم الخيار في الفسخ والإمضاء لأن الصفقة تفرقت عليهم فإن اختاروا إمضاءه ورضوا بمن يخرج بازائه وإلا انفسخ العقد.

فصل القارئ: ويرمي واحداً بعد الآخر لأن رميهما معاً يفضي إلى التنازع والجهل بالمصيب فإن اتفقا على المبتدئ منهما جاز وإن كان بينهما شرط عمل به وإن اختلفا ولا شرط بينهما قدم المخرج فإن كان المخرج غيرهما اختار منهما فإن لم يختر أقرع بينهما وإذا بدأ أحدهما في وجه بدأ الآخر في الثاني تعديلاً بينهما فإن شرطا البداية لأحدهما في كل الوجوه لم يصح لأنه تفضيل وإن فعلاه بغير شرط جاز لأنه لا أثر له في إصابة ولا تجويد رمي ويرميان مراسلةً سهماً وسهما أو سهمين وسهمين وإن اتفقا على غير هذا جاز لعدم تأثيره في مقصود المناضلة.

فصل

فصول الكتاب · 13 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة · 500 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب التفليس
كتاب الصلح
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الوقف
جارٍ التحميل