تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامةصفحات 81-120
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 81-120
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
عدد الأجزاء
5 [الكتاب مرقم آليا]

الشيخ: يعني على هذه الرواية إن غمسهما على هذه الرواية وهي رواية القول بعدم الوجوب والصحيح أن الماء باق على إطلاقه حتى على الرواية القائلة بوجوب الغسل لأن النهي إنما هو للاحتياط وليس فيه دليل على أن الماء ينجس أو تمتنع الطهارة منه قال (فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) ومعلوم أن الإنسان يدري أين باتت يده فأين باتت حسا؟ على الفراش ما قطعت يدري هذا ويدري أنها قد لفت ويدري أن عليه السراويل لا يمكن أن تتصل بفرجه حتى يقال تلوثت بنجاسة من حيث لا يشعر كل هذا يدري وكل هذا غير مراد للرسول صلى الله عليه وسلم ولكن نقول (لا يدري أين باتت) من أمور الغيب هذا من أمور الغيب ونحن نفعل ما أمرنا به وما لا تدركه عقولنا علينا فيه التسليم وقال شيخ الإسلام رحمه الله لعل المعنى أن الشيطان قد يلعب بيده ويلوثها بنجاسة واستنبط ذلك من قول النبي عليه الصلاة والسلام (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت على خيشومه) ونحن لا نشعر بأن على خياشيمنا شياطين لكن هذا خبر النبي عليه الصلاة والسلام فربما تكون اليد كذلك يعبث بها الشيطان ونحن لا نشعر لأن عبث الشيطان بنا من أمور الغيب التي لا تدرك بالحس وما قاله رحمه الله وجيه لا شك والفقهاء يرون أن هذا من باب التعبد ولهذا قالوا يجب غسلها قبل إدخالها الإناء ثلاثا تعبدا يعني أننا لا نعلم عن علتها.
السائل: أحسن الله إليك الذين قالوا بوجوب التسمية في الوضوء قالوا إن الحديث وإن كان ضعفه بعض أهل العلم فقد حسنه آخرون والتعليل بأن الذين نقلوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا تسميته يقولون نحن لا نقول بأن الجهر واجب وربما أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ولم يجهر بالتسمية ولم يسمع.

الشيخ: عثمان رضي الله عنه دعا بوضوء لما سئل كيف يتوضأ الرسول صلى الله عليه وسلم فتوضأ أمام الناس ولم يسم ومثل هذا كتمان في موضع الحاجة إلى البيان لكن عندنا قاعدة وهي (عدم الذكر ليس ذكراً للعدم) وهذه القاعدة إنما تنفعك إذا ثبت الشيء ثم ذكر مسألة من المسائل ولم يذكر نقول عدم الذكر ليس ذكرا للعدم.
السائل: لكن لو اعتقد أحد صحة الحديث في هذا؟ الشيخ: لو اعتقد أن الحديث صحيح للزمه على مقتضى القواعد أن تكون التسمية شرطاً وليس واجباً فقط ولا تسقط بالنسيان كما هي الرواية الثانية في المسألة.

السائل: ما الراجح في غسل اليدين؟ الشيخ: الظاهر أن الأصل في النهي التحريم والحديث (فلا يغمس يده حتى يغسلها) والأصل في النهي التحريم لا سيما وأن الرسول صلى الله عليه وسلم علل بعلة غير معلومة لنا وإذا كانت غير معلومة فإننا لا نعلم انتفاءها فالذي يظهر لي أنه لا يجوز للإنسان إذا قام من نوم الليل أن يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا لكن لو فعل وغمس فالماء باقٍ على إطلاقه أي على طهوريته.
فصل القارئ: ثم يتمضمض ويستنشق لأن كل من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أنه تمضمض واستنشق وهما واجبان في الطهارتين لقوله تعالى (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (المائدة: من الآية6) وهما داخلان في حد الوجه ظاهران يفطر الصائم بوصول القيء إليهما ولا يفطر بوضع الطعام فيهما ولا يحد بوضع الخمر فيهما ولا يحصل الرضاع بوصول اللبن إليهما ويجب غسلهما من النجاسة فيدخلان في عموم الآية الشيخ: كل هذه تعليلات جيدة تدل على أن الفم في حكم الظاهر.

القارئ: وعنه الاستنشاق وحده واجب لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر) متفق عليه وعنه أنهما واجبان في الكبرى دون الصغرى لأنها طهارة تعم جميع البدن ويجب فيها غسل ما تحت الشعور وتحت الخفين، ويستحب المبالغة فيهما إلا أن يكون صائما لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للقيط بن صبرة (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما) حديث صحيح وصفة المبالغة اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف ولا يجعله سعوطا وفي المضمضة إدارة الماء في أقاصي الفم ولا يجعله وجورا وهو مخير بين أن يمضمض ويستنشق ثلاثا من غرفة أو من ثلاث غرفات لأن في حديث عبد الله بن زيد (أن النبي صلى الله عليه وسلم مضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثا) وفي لفظ (أدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات) متفق عليهما وإن شاء فصل بينهما لأن جد طلحة بن مصرف قال (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق) رواه أبو داود ولا يجب الترتيب بينهما وبين الوجه لأنهما منه لكن تستحب البداءة بهما اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

الشيخ: والصحيح أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين الصغرى والكبرى لعموم الأدلة وللتعليلات التي ذكرها المؤلف رحمه الله وتبين مما قال المؤلف أن فيهما ثلاث صفات: الأولى يتمضمض ثلاثا من كف واحدة ويستنشق ثلاثا من كف واحدة يعني يأخذ كفا واحدا يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات وهذا في الحقيقة فيه صعوبة جدا لأن الماء سوف ينزل قبل أن تكمل ثلاث مرات لكننا نأخذ منه البساطة في استعمال الوَضوء لأن الوضوء بالفتح هوالماء الذي يتوضأ به.
الوجه الثاني أن تتمضمض بثلاث غرفات كل غرفة فيها مضمضة واستنشاق وهذا أقل صعوبة من الأول.

والثالث أن تتمضمض ثلاثا بثلاث غرفات منفصلات وتستنشق ثلاثا بثلاث غرفات منفصلات كل هذا من السنة كما قال المؤلف رحمه الله السائل: في الطهارة من الحدث الأكبر بعض الناس يذهب إلى الحمام ويصب على بدنه الماء دون أن يستنشق ويتمضمض ثم إذا انتهى من غسله يتمضمض ويستنشق؟ الشيخ: لا بأس أن يتمضمض ويستنشق بعد الاغتسال.
فصل القارئ: ثم يغسل وجهه وذلك فرض بالإجماع لقوله تعالى (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (المائدة: من الآية6) وحده من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا ولا اعتبار بالأصلع الذي ينحسر شعره عن ناصيته ولا الأفرع الذي ينزل شعره على جبهته.
الشيخ: هذا حد الوجه من منابت الشعر المعتاد وحده بعضهم بحد أوضح قال من منحنى الجبهة مع الرأس هذا حده ولا اعتبار بالشعر النازل ولا بالشعر المنكمش لأن منحنى الجبهة تزول به المواجهة والذي يواجه هو ما كان دون منحنى الجبهة وهذا الحد أصح أن نقول حده من منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية قال المؤلف لا عبرة بالأصلع ولا بالأفرع فالأفرع الذي ينزل شعره ينبت له شعر في الجبهة والأنزع الذي انحسر شعر رأسه عن ناصيته وهذا قد يكون بسبب الكبر وقد يكون وراثة وقد يكون لمرض المهم أنه يوجد.
مسألة: السعوط ما استنشق من الأنف يعني ما دخل إلى المعدة من الأنف يسمى سعوطا والوجور ما دخل من جانب الفم لأن المريض أحيانا ما يستطيع أن يتلقى الطعام على العادة فيدخلونه من جانب الفم ويسمى هذا وجور.

القارئ: فإن كان في الوجه شعر كثيف يستر البشرة لم يجب غسل ما تحته لأنه باطن أشبه باطن أقصى الأنف ويستحب تخليله لأن النبي صلى الله عليه وسلم خلل لحيته وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال هكذا أمرني ربي عز وجل) رواه أبو داود وإن كان يصف البشرة وجب غسل الشعر والبشرة وإن كان بعضه خفيفا وبعضه كثيفا وجب غسل ظاهر الكثيف وبشرة الخفيف معه وسواء في هذا شعر اللحية والحاجبين والشارب والعنفقة لأنها شعور معتادة في الوجه أشبهت اللحية، وفي المسترسل من اللحية عن حد الوجه روايتان إحداهما لا يجب غسله لأنه شعر نازل عن محل الفرض أشبه الذؤابة في الرأس.
الشيخ: الآن فهمنا أن ما استرسل من اللحية عن حد الوجه يعني ما نزل هل هو من الوجه أو لا يعني هل يجب غسله أو لا؟ فيه روايتان عن أحمد رواية أنه يجب والتعليل ليس كما قال المؤلف أنه شعر نابت في محل الفرض فكان كالحاجب بل يقولون التعليل لأنه تحصل به المواجهة فيكون من الوجه والرواية الثانية لا يجب غسل المسترسل من شعر اللحية لأنه خارج عن حد الوجه بناءً على أن الوجه هو البشرة فقط دون ما استرسل مسألة: تخليل اللحية لايلزم منه إدخال الأصابع.

القارئ: والثانية يجب لأنه نابت في بشرة الوجه أشبه الحاجب ويدخل في حد الوجه العذار وهو الشعر الذي على العظم الناتئ سمت صماخ الأذن إلى الصدغ والعارض الذي تحت العذار والذقن وهو مجتمع اللحيين ويخرج منه النزعتان وهما ما ينحسر عنهما الشعر في فودي الرأس لأنهما من الرأس لدخولهما فيه والصدغ وهو الذي عليه الشعر في حق الغلام محاذ لطرف الأذن الأعلى لأنه شعر متصل بالرأس ابتداء فكان من الرأس كسائره وقد مسحه النبي صلى الله عليه وسلم مع رأسه في حديث الربيع ويستحب أن يزيد في ماء الوجه لأن فيه غضونا وشعورا ودواخل وخوارج ويمسح مآقيه ويتعاهد المفصل وهو البياض الذي بين اللحية والأذن فيغسله ولا يجب غسل داخل العينين ولا يستحب لأنه لا يؤمن الضرر من غسلهما.
مسألة: الذي يظهر لي أن المسترسل من اللحية من الوجه ويجب غسله.
فصل القارئ: ثم يغسل يديه إلى المرفقين وهو فرض بالإجماع لقوله تعالى (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (المائدة: من الآية6) ويجب غسل المرفقين لأن جابرا رضي الله عنه قال ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أمر الماء على مرفقيه)) رواه الدارقطني وفيه أدار الماء وهذا يصلح بيانا لأن إلى تكون بمعنى مع كقوله تعالى (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) (آل عمران: من الآية52) أي مع الله (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) (النساء: من الآية2) ويجب غسل أظفاره وإن طالت

الشيخ: استشهاده بالآيتين فيه نظر لأن قوله تعالى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) (آل عمران: من الآية52) مضمن يعني من أنصاري مخلصا حتى نصل إلى الله وقوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) (النساء: من الآية2) كذلك مضمن والمعنى لا تضموا أموالهم إلى أموالكم يعني بالأكل وغير الأكل لكن الدليل من السنة أصح مما ذكره عن رواية الدارقطني وهو حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل ذراعيه حتى أشرع في العضد ولا يمكن أن يشرع في العضد إلا إذا غسل المرفقين ولو استدل به المؤلف لكان أجود.
فصل القارئ: ثم يغسل يديه إلى المرفقين وهو فرض بالإجماع لقوله تعالى (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (المائدة: من الآية6) ويجب غسل المرفقين لأن جابرا قال (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أمر الماء على مرفقيه) رواه الدارقطني.
الشيخ: يقول المؤلف وهو فرض بالإجماع وقد انتقد بعض العلماء المتأخرين مثل هذه الصيغة وقال ينبغي أن نقول وهو فرض بالكتاب والسنة والإجماع لأن الكتاب مقدم ثم السنة ثم الإجماع ولكن المؤلف رحمه الله وأمثاله الذين يصنعون مثل هذه الصيغة يريد بها أن يذكر الإجماع من أجل قطع النزاع ثم يذكر مستنده فهنا ذكر الإجماع من أجل أن لا ينازع منازع بخلاف الكتاب والسنة قد يأتي إنسان ينازع ويقول ليس فيه دلالة أو يقول فيه احتمال للتخصيص أوفيه كذا فيه كذا فإذا ذكر الإجماع ثم ذكر مستنده فهذه وجهة نظر والصحيح أنه لا بأس أن تقول هو جائز بالإجماع لقوله تعالى أو لقول النبي صلى الله عليه وسلم أو ماأشبه ذلك فتذكر الإجماع لأجل أن تقطع النزاع ثم تذكر مستنده

القارئ: لأن جابرا قال (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أمر الماء على مرفقيه) رواه الدارقطني وفيه أدار الماء وهذا يصلح بيانا لأن إلى تكون بمعنى مع كقوله تعالى (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) (آل عمران: من الآية52) أي مع الله (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) (النساء: من الآية2) الشيخ: أي مع أموالكم.
القارئ: ويجب غسل أظفاره وإن طالت والإصبع الزائدة والسلعة لأن ذلك من يده وإن كانت له يد زائدة أصلها في محل الفرض وجب غسلها لأنها نابتة في محل الفرض أشبهت الإصبع وإن نبتت في العضد أو المنكب لم يجب غسلها وإن حاذت محل الفرض لأنها في غير محل الفرض فهي كالقصيرة وإن كانت له يدان متساويتان على منكب واحد وجب غسلهما لأن إحداهما ليست أولى من الأخرى.
وإن تقلعت من العضد فتدلت من الذراع وجب غسلها لأنها متدلية من محل الفرض وإن تقلعت من إحداهما فالتحم رأسها بالأخرى وجب غسل ما حاذى محل الفرض منها لأنها كالجلد الذي عليهما فإن كانت متجافية في وسطها غسل ما تحتها من محل الفرض وإن كان أقطع فعليه غسل ما بقي من محل الفرض فإن لم يبق منه شيء سقط الغسل ويستحب أن يمس محل القطع بالماء لئلا يخلو العضو من طهارته الشيخ: هذا فيه نظر إذا كان القطع مثلا من نصف العضد فلا حاجة إلى أن يغسلها لأنه خرج من محل الفرض وقوله (لئلا يخلو العضو من طهارته) يقال هذا خالي من طهارة شرعا لأن الطهارة إلى المرفقين لكن لو قطع من المفصل وجب أن يغسل رأس العضد لأن رأس العضد من المرفق.
القارئ: وتستحب البداءة بغسل اليمنى من يديه ورجليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم ((كان يحب التيمن في ترجله وتنعله وطهوره وفي شأنه كله) متفق عليه.

الشيخ: في ترجله يعني إصلاح شعر الرأس وكان صلى الله عليه وسلم له شعر رأس وفي الحلق لما حلق في الحج بدأ باليمين وأما تنعله فهو لبس النعل ومثله لبس الخف ومثله لبس الثوب تبدأ باليمين وأما طهوره فهو الوضوء والغسل يبدأ باليمين وأما قولها (وفي شأنه كله) فهو يعني في جميع أموره إلا ما ورد الشرع فيه بالبداءة باليسار كدخول الخلاء مثلا والخروج من المسجد وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله قاعدة فقالوا (اليسرى تقدم للأذى واليمنى لما عداه) فيشمل ما فيه الإكرام وما لا إكرام فيه ولا أذى لأن الأمور إما إكرام أو أذى أو لا هذا ولا هذا فتقدم اليمنى إلا في الأذى ولهذا نهي عن الاستنجاء باليمين والاستجمار بها لأن هذا أذى وكذلك إزالة النجاسة إذا أردت أن تفرك نجاسة وأمكنك أن تفركها باليسرى فافركها باليسرى ولا تفركها باليمنى يعني لو تنجس الثوب وأردت أن تغسله فافركه باليسار لأنه أذى، والاستنثار يكون باليسار والتسوك يكون باليسار وقال بعضهم باليمين لأنه سنة وفصل بعضهم فقال إن تسوك تطوعا فباليمين وإن تسوك تنظفا فباليسار لأنه إزالة أذى إن تسوك تطوعا مثل أن يتسوك عند الصلاة وفمه نظيف ما فيه بقايا طعام ولا غيره فهنا يتسوك باليمين وأما إذا تسوك للطعام أو للقيام من النوم أو ما أشبه

ذلك فباليسار وهذا تفصيل حسن مع أن المسألة كلها الأمر فيها واسع لكن من أين يبدأ في الفم من اليمين أو من اليسار؟ من الجانب اليمين السائل: أحسن الله إليكم في غسل اليدين السنة وردت باليمين والمؤلف قال يستحب البداءة باليمين فلماذا لم يقل يجب؟ الشيخ: لعموم الآية (وَأَيْدِيَكُمْ) ولم يذكر الله شيء فيكون فعل الرسول على سبيل الاستحباب القارئ: فإن بدأ باليسرى جاز لأنهما كعضو واحد بدليل قوله سبحانه وأيديكم وأرجلكم فجمع بينهما.
فصل

القارئ: ثم يمسح رأسه وهو فرض بغير خلاف لقوله تعالى (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) (المائدة: من الآية6) وهو ما ينبت عليه الشعر المعتاد في الصبي مع النزعتين ويجب استيعابه لقوله تعالى (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) (المائدة: من الآية6) والباء للإلصاق فكأنه قال امسحوا رؤوسكم وصار كقوله (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (المائدة: من الآية6) قال ابن برهان من زعم أن الباء للتبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه وظاهر قول أحمد أن المرأة يجزئها مسح مقدم رأسها لأن عائشة كانت تمسح مقدم رأسها وعنه في الرجل أنه يجزئه مسح بعض رأسه لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعمامته رواه مسلم.
الشيخ: لكن هذا حديث لا دليل فيه لأن قوله مسح بناصيته وعمامته يدل على أن عليه عمامة وإذا كان عليه عمامة كان المسح الواجب على العمامة وأما الناصية فسنة القارئ: وكيفما مسح الرأس أجزأ بيد واحدة أو بيدين إلا أن المستحب أن يمر بيديه من مقدم رأسه إلى قفاه ثم يعيدهما إلى الموضع الذي بدأ منه لأن عبد الله بن زيد رضي الله عنهما قال في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم (ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة) متفق عليه، ولا يستحب تكرار المسح لأن أكثر من وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه مسح مرة واحدة ولأنه ممسوح في طهارة أشبه التيمم وعنه يستحب تكراره لأن النبي صلى الله عليه وسلم (توضأ ثلاثا ثلاثا وقال هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي) رواه ابن ماجة ولأنه أصل في الطهارة أشبه الغَسل.
الشيخ: قوله ولأنه يعني المسح والصحيح أنه لا يمسح إلا مرة واحدة لأن الشرع كما خفف في كيفية تطهيره خفف في كميته فالأعضاء التي سوى الرأس تطهيرها بالغسل والرأس تطهيره بالمسح فلما خفف الكيفية كان من الحكمة تخفيف الكمية وهي العدد.

السائل: أحسن الله إليك هل الغترة مثل العمامة يمسح عليها؟

الشيخ: لا الغترة يمكن إزالتها بكل سهولة.
مسألة: على كل حال نحن ذكرنا فيما سبق أن الذي يوضح أن إلى بمعنى مع هو فعل الرسول عليه الصلاة والسلام فقد ثبت في صحيح مسلم أن أبا هريرة توضأ حتى أشرع في العضد وقال (هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم) وهو في مسلم وحديث ابن ماجه أنه أدار الماء على مرفقيه أوأمرّ الماء على مرفقيه أيضا واضح وأما الآيتان فقد نبهتكم على هذا قلت إن في الآيتين تضميناً (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) (آل عمران: من الآية52) (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) (النساء: من الآية2) قلنا هذا أصلا الفعل ليس معدا بإلى لكن معنى لا تأكلوا أي لا تضموا أموالهم إلى أموالكم والضم يقتضي الجمع ومن أنصاري إلى الله يعني من أنصاري مخلصا إلى الله.
القارئ: والأذنان من الرأس يمسحان معه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الأذنان من الرأس) رواه أبو داود وروت الربيع بنت معوذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (مسح برأسه وصدغيه وأذنيه مسحة واحدة) رواه الترمذي وقال حديث صحيح ويستحب إفرادهما بماء جديد لأنهما كالعضو المنفرد وإنما هما من الرأس على وجه التبع ولا يجزئ مسحهما عنه لذلك.
الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وسلم (الأذنان من الرأس) هذا الحديث إن صح فالظاهر لي أن الأذنان من الرأس يعني في الوضوء فيمسحان معه وأما في الحلق في العمرة والحج ففي وجوب حلقهما نظر لأن الأذنين يكون فيهما شعر فهل نقول إن الإنسان إذا حلق يجب عليه أن يحلق أذنيه لأنهما من الرأس أو نقول إن قوله صلى الله عليه وسلم (الأذنان من الرأس) إن صح الحديث فالمراد في الوضوء هذا هو الأقرب.
وأما قوله يستحب إفرادهما بماء جديد ففيه نظر والصحيح أنه لا يستحب لأنهما من الرأس ولأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأخذ ماءً جديدا لأذنيه فالصواب أن الإنسان يمسح أذنيه بما فضل من رأسه ولا يأخذ ماءً جديداً

القارئ: وظاهر كلام أحمد أنه لا يجب مسحهما لذلك ويستحب أن يدخل سباحتيه في صماخي أذنيه ويجعل إبهاميه لظاهرهما ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر الشيخ: السبابة والسباحة هي ما بين الوسطى والإبهام والصماخ ثقب الأذن والظاهر ظاهر الأذن الذي يلي الرأس.

القارئ: ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، ولا يجزئ مسحه عن الرأس سواء رده فعقده فوق رأسه أو لم يرده لأن الرأس ما ترأس وعلا ولو أدخل يده تحت الشعر فمسح البشرة دون الظاهر لم يجزه لأن الحكم تعلق بالشعر فلم يجزه مسح غيره ولو مسح رأسه ثم حلقه أوغسل عضو ثم قطع جزءا أو جلدة لم يؤثر في طهارته لأنه ليس ببدل عما تحته فلم يلزمه بظهوره طهارة.
الشيخ: احترازا من الخف فالخف يمسحه فإذا أزاله وجب عليه الوضوء على كلام الفقهاء رحمهم الله وهذا لأنه ليس بدلاً عما تحته والخف بدل عما تحته فلزمه بظهوره أي بظهور ما تحته طهارته القارئ: فإن أحدث بعد ذلك غسل ما ظهر لأنه صار ظاهرا فتعلق الحكم به ولو حصل في بعض أعضائه شق أو ثقب لزمه غسله لأنه صار ظاهرا الشيخ: قوله شق أو ثقب يمكن كثيرا في العراقيب فالأعقاب دائما يكون فيها شقوق لا سيما عند بعض الناس الذي ينتفها بعض الناس إذا مسها أو أحس فيها حرشه صار ينتفها لكي بزعمه تكون ملسى تتساوى لكنه يضعف الجلد ثم يتفطر ولهذا ينبغي لك أن تتركها حتى لو كانت فيها حرشه أو كانت تمسك ثيابك إذا قمت اتركها.
فصل القارئ: ثم يغسل رجليه إلى الكعبين وهو فرض لقوله تعالى (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: من الآية6) ويدخل الكعبين في الغسل لما ذكرنا في المرفقين ولا يجزئ مسح الرجلين لما روى عمر ((أن رجلا ترك موضع ظفر من قدمه اليمنى فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال (ارجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى) رواه مسلم وإن كان الرجل أقطع اليدين فقدر على أن يستأجر من يوضئه بأجرة مثله لزمه كما يلزمه شراء الماء

الشيخ: وهذا الذي ذكره المؤلف أن مسح الرجلين لا يجزئ هو الصواب بلا شك وقالت الرافضة إن مسح الرجلين يجزي واعتمدوا على القراءة السبعية (وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم إلى الكعبين) بكسر أرجلكم وتركوا القراءة السبعية الأخرى وهي وأرجلَكم بالنصب عطفا على قوله وجوهكم قال ابن كثير والرافضة خالفت السنة في تطهير الرجل من ثلاثة وجوه: الأول أنهم قالوا إنها تمسح مسحا لا تغسل غسلا.
والثاني أنهم قالوا إن الكعب هو هذا العظم الناتئ في ظهر الرجل دون العظم الناتئ في أسفل الساق فقصّروا.

والثالث أنهم منعوا المسح على الخفين قالوا لا يمكن نمسح على الخفين فخالفوا السنة من هذه الوجوه الثلاثة.
القارئ: ولا يعفى عن شيء من طهارة الحدث وإن كان يسيرا لما ذكرنا من حديث عمر ويستحب أن يخلل أصابعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن.
الشيخ: قوله إنه لا يعفى عن شيء ولو يسيرا واستدل بالحديث أن رجلا ترك موضع ظفر من قدمه وهذا هو المشهور ويدل له قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: من الآية6) وإذا كان هناك مانع يمنع وصول الماء لم يصدق عليه أنه غسل العضو لكن شيخ الإسلام رحمه الله قال إن الشيء اليسير يعفى عنه لا سيما فيمن ابتلي به وهذا ينطبق على العمال الذين يستعملون البوية فإنه كثيرا ما يكون فيه النقطة أو النقطتان إما أن ينسوها أو لا يجدون ما يزيلونها به في الحال فعلى رأي شيخ الإسلام رحمه الله يعفى عن هذا ولكن ينبغي أن نأخذ بالحديث وأنه لا يعفى عن الشيء ولو كان يسيرا فهو إن أمكنه أن يزيله قبل أن يخرج وقت الصلاة أزاله وإلا مسح عليه وصار كالجبيرة فصل

القارئ: ويجب ترتيب الوضوء على ما ذكرنا في ظاهر المذهب الشيخ: قوله على ما ذكرنا وقف يعني يرتب على ما ذكرنا فيبدأ بالوجه ثم اليدين ثم الرأس ثم الرجلين وقوله في ظاهر المذهب متعلق بيجب لا بذكرنا يعني يجب في ظاهر المذهب.
القارئ: وحكي عنه أنه ليس بواجب لأن الله سبحانه وتعالى عطف الأعضاء المغسولة بالواو ولا ترتيب فيها ولنا أن في الآية قرينة تدل على الترتيب لأنه أدخل الممسوح بين المغسولات وقطع النظيرعن نظيره ولا يفعل الفصحاء هذا إلا لفائدة ولا نعلم هنا فائدة سوى الترتيب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه الوضوء إلا مرتبا وهو يفسر كلام الله بقوله مرة وبفعله مرة أخرى الشيخ: بقوله مرة مثل قوله صلى الله عليه وسلم ((ألا إن القوة الرمي)) يفسر قوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (لأنفال: من الآية60) ومثل قوله ((الزيادة هي النظر إلى وجه الله)) يفسر قوله تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (يونس: من الآية26) أما الفعل فمثل هنا وفيه أيضا دليل قولي عام وهو قوله صلى الله عليه وسلم حينما اتجه إلى الصفا بعد الطواف فدنا من الصفا قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (البقرة: من الآية158) (أبدأ بما بدأ الله به) وهذه الرواية

في صحيح مسلم والرواية الثانية في غير مسلم (ابدؤا بما بدأ الله به) فهذا أيضا دليل وعلى هذا فالصحيح وجوب الترتيب ولكن بعض أهل العلم قال إنه يسقط الترتيب بالنسيان وفي النفس من هذا شيء وإن كان هذا ظاهر كلام شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوي أنه يسقط الترتيب بالنسيان وأما بالجهل في قوم الجهل فيهم عام كالبادية فالقول بسقوط الترتيب وجيه يعني لو جاءنا مثلاً بدوي وقال لنا أنا لي خمس سنين أو ست سنين أتوضأ وأغسل وجهي ثم أمسح رأسي ثم أغسل يدي ثم رجلي أظن أن الأعلى هو الذي يبدأ به أولا والرأس والوجه أعلى شيء فهذا ربما نعذره ونقول رجل في بادية ليس عندهم علماء ويظن هذا هو الصواب فيعذر كما عذر النبي عليه الصلاة والسلام عمار بن ياسر حينما تمرغ في الصعيد للتيمم.
القارئ: فإن نكس وضوءه فختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه وإن غسل وجهه ويديه ثم غسل رجليه ثم مسح برأسه صح وضوؤه إلا غسل رجليه فيغسلهما ويتم وضوءه الشيخ: هذه مسائل واضحة فصل القارئ: ويوالي بين غسل الأعضاء وفي وجوب الموالاة روايتان إحداهما تجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم (رأى رجلا يصلي وفي رجله لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة) رواه أبو داود ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسلها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم والى بين الغسل والثانية لا تجب لأن المأمور به الغسل وقد أتى به وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه توضأ وترك مسح خفيه حتى دخل المسجد فدعي لجنازة فمسح عليهما وصلى عليها.

الشيخ: إذاً هنا روايتان عن أحمد في الموالاة هل هي فرض واجب أو لا؟ والصحيح أن الموالاة واجبة لأن الوضوء عبادة واحدة فلا يصح أن يفرق ولأننا لو قلنا بعدم الموالاة لصار الإنسان يغسل وجهه عند طلوع الشمس ويغسل يديه في منتهى الضحى ويمسح رأسه قبل الزوال بنصف ساعة ويغسل رجليه بعد الزوال فهل نقول هذا توضأ؟ صعب أن نقول هذا وضوء صحيح فالصواب أن نقول إن الموالاة فرض ولابد منها والدليل على هذا أولاً أن الله قال (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) (المائدة: من الآية6) والشرط يلي المشروط وهنا الشرط مكون من أعمال متعددة فإذا كان الشرط هنا من أشياء متعددة وقلنا إنه يلي المشروط لزم أن تتوالى هذه الأشياء.
ثانيا أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحفظ عنه أنه توضأ وضوءا متفرقا وقد قال الله تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: من الآية21).
ثالثا أن الوضوء عبادة واحدة فلابد أن ينبني بعضها على بعض بدون تفريق.

القارئ: والتفريق المختلف فيه أن يؤخر غسل عضو حتى يمضي زمن ينشف فيه الذي قبله في الزمن المعتدل فإن أخر غسل عضوٍ لأمر في الطهارة من إزالة الوسخ أو عرك عضو لم يقدح في طهارته الشيخ: المؤلف حد ذلك بأن ينشف العضو السابق قبل أن ينشف العضو اللاحق في زمن معتدل وفي جو معتدل أيضا فلا عبرة بجو يكون ملبدا بالضباب لأن الجو الملبد بالضباب لا ينشف فيه العضو إلا متأخراً ولا عبرة بجو فيه رياح شديدة لأن الريح تنشفه ولا عبرة بجو حار جداً لأن الحرارة تبخر الماء ولا عبرة أيضا ببارد جدا لأن البارد أيضا تتأخر معه نشوفة الماء إذاً إذا كنا في زمن على هذا الوجه أو في جو على هذا الوجه ماذا نصنع نقدر (اقدروا له قدره) فنقول لو كان في زمن معتدل فهل ينشف أولا؟

وقال بعض العلماء إن العبرة بالموالاة العرفية فإذا طال الزمن عرفا فقد سقطت الموالاة فيعيد وإذا لم يطل عرفا فإنه وإن نشف العضو لا يضر وهذا هو الأقرب إلى القياس لأن الموالاة في الصلاة فيما إذا سلم الإنسان ناسيا تعتبر بالعرف وكل الموالاة تعتبر بالعرف إلا في هذا الموضع فهم قالوا العبرة بنشوفة العضو في زمن معتدل ثم ذكر إذا تشاغل بشيء حتى نشف فهذا ينقسم إلى قسمين أن يتشاغل بشيء لا علاقة له بطهارته فهنا يضر إذا انقطعت الموالاة مثل أن ينشغل بغسل نجاسة في ثوبه في أثناء وضوئه حتى تنشف أعضاؤه فهنا يجب عليه أن يعيد الوضوء لسقوط الموالاة أما إذا كان التشاغل لأمر يتعلق بالأعضاء المغسولة فإن ذلك لا يضر لماذا؟ لأنه لمصلحة تتعلق في نفس العبادة ومن ذلك أن يكون في الإنسان بوية وعند الوضوء وجدها على عضو من أعضائه فذهب يأتي بما يزيلها من بنزين أو قاز أو غيره حتى نشف فهذا لا يضر واختلف العلماء فيما إذا فاتت الموالاة بأمر خارج عن الأعضاء كتحصيل ماء فمنهم من قال إن الموالاة تسقط بمعنى أنه إذا نشف العضو فإنه لا يضر لأن هذا التشاغل بتكميل طهارته ومنهم من قال إنها تضر لأن هذا أمر لا يتعلق بالأعضاء فلو مثلا وقف البزبوز ثم ذهب يطلب بزبوزاً آخر حتى نشفت الأعضاء فإن قلنا بسقوط الموالاة هنا لم يضره أن ينشف العضو وإن قلنا بعدم ذلك قلنا أعد الوضوء من جديد فالأقسام إذاً ثلاثة:

  1. ما لا يتعلق بالطهارة أصلا فما الحكم فيه؟ هذا يقطع الموالاة ولا يسقطها.
  2. وما يتعلق بنفس الأعضاء المغسولة فهذا لا يضر وتسقط به الموالاة يعني لا نشترط الموالاة هنا.
  3. ما يتعلق بالطهارة لكن ليس يتعلق بنفس الأعضاء المغسولة فهنا فيه خلاف بين العلماء ولو أعاد الوضوء لكان أحسن إذا انقطعت الموالاة.

فصل

القارئ: والوضوء مرة مرة يجزىء والثلاث أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم ((توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة ثم توضأ مرتين ثم قال هذا وضوء من توضأه أعطاه الله كفلين من الأجر ثم توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي)) أخرجه ابن ماجة الشيخ: ذكر شيخ الإسلام رحمه الله فائدة وهي أن ما انفرد به ابن ماجه فالغالب عليه الضعف هكذا قال رحمه الله وشيخ الإسلام كما تعرفون حافظ من أئمة الحديث.
القارئ: وإن غسل بعض أعضائه أكثر من بعض فلا بأس فقد حكى عبد الله بن زيد وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم (فغسل يديه مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه) متفق عليه.
الشيخ: إذاً غسل الوجه ثلاثا واليدين مرتين والرجلين مرة لأنه لم يذكر التكرار فيجوز على هذا أن الإنسان يتوضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا في جميع الأعضاء ويجوز أن يفاوت بين الأعضاء.
القارئ: ولا يزيد على ثلاث لأن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا ثم قال (هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم) رواه أبو داود.
الشيخ: وهذا الحديث يدل على أن الزيادة على الثلاث محرمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصفها بالإساءة والظلم وكلاهما وصفان يدلان على تحريم الفعل.
القارئ: ويكره الإسراف في الماء لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على سعد وهو يتوضأ فقال (لا تسرف قال يا رسول الله في الماء إسراف قال نعم وإن كنت على نهر جار) رواه ابن ماجه.

فصل

القارئ: ويستحب إسباغ الوضوء ومجاوزة قدر الواجب بالغسل لأن أبا هريرة رضي الله عنه توضأ فغسل يده حتى أشرع في العضد ورجله حتى أشرع في الساق ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله) متفق عليه.
الشيخ: هاتان مسألتان الأولى إسباغ الوضوء ولا شك في استحبابه لقول النبي عليه الصلاة والسلام ألا أخبركم بما يرفع الله به الدرجات ويكفر به الخطايا وذكر إسباغ الوضوء على المكاره وقال للقيط بن صبرة (أسبغ الوضوء) وأما المجاوزة على قدر الواجب فإن كان على وجه لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مثل أننا لا يمكن أن نتأكد أننا غسلنا الكعبين إلا بالإشراع في الساق أو المرفقين إلا بالإشراع في العضد فهذا لا شك أنه سنة إن لم نقل إنه واجب وأما الزيادة على ذلك فالصحيح أنها غير مشروعة لأن جميع الواصفين لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أنه يتجاوز أكثر من هذا وفعل أبي هريرة حينما كان يتوضأ إلى نصف الساق أو إلى قريب المنكب اجتهاد منه.
السائل: أليس قول الرسول صلى الله عليه وسلم (فمن استطاع منكم فليطل غرته) يدل على استحباب الزيادة؟ الشيخ: قال ابن القيم في النونية إن إطالة الغرات ليس بممكن وقال إنما قال هذا أبو هريرة من كيسه وأبو هريرة قال ذا من كيسه ... فغدا يميزه أولو العرفان

فصل

القارئ: ولا بأس بالمعاونة على الوضوء والغسل بتقريب الماء وحمله وصبه فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل له الماء ويصب عليه قال أنس (كان النبي صلى الله عليه وسلم ينطلق لحاجته فآتيه أنا وغلام من الأنصار بأداوة من ماء يستنجي به) وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فمشى حتى توارى عني في سواد الليل ثم جاء فصببت عليه من الإداوة فغسل وجهه وذكر بقية الوضوء) متفق عليهما وعن عائشة رضي الله عنها قالت (كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أواني من الليل مخمرة إناء لطهره وإناء لسواكه وإناء لشرابه) أخرجه ابن ماجه.

فصل القارئ: وفي تنشيف بلل الغسل والوضوء روايتان إحداهما يكره لأن ميمونة رضي الله عنها وصفت غسل النبي صلى الله عليه وسلم ثم قالت (فأتيته بالمنديل فأتيته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيده) متفق عليه والأخرى لا بأس به لأنه إزالة للماء عن بدنه أشبه نفضه بيديه.
الشيخ: الصحيح الرواية الثانية أنه لا بأس به وربما نقول إن حديث ميمونة يدل على ذلك لأن إتيانها بمنديل قرينة على أن هذا من عادة النبي عليه الصلاة والسلام لكنه ردها لعل المنديل فيه شيء من الوسخ أو ما أشبه ذلك أو أراد أن يبين لأمته أنه لا ينبغي للإنسان أن يكون مترفا في كل وقت وأنه ينبغي أحياناً أن يدع التنشف وينفض الماء بيده وفي نفض الماء بيده دليل على أنه ليس من الأمور المقصودة أن يبقى أثر الماء على الإنسان وإذا كان ليس من الأمور المقصودة أن يبقى أثر الماء على الإنسان فسواء أزاله بالمنشفة أو أزاله بيديه فالصحيح أن تنشيف الأعضاء من الوضوء أو من الغسل لا بأس به.
فصل

القارئ: ويستحب أن يقول بعد فراغه من الوضوء أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله لما روى عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتح الله له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) رواه مسلم.
الشيخ: والحكمة ظاهرة في الربط بين هذا الذكر وبين الوضوء لأن الوضوء به طهارة الظاهر والتوحيد به طهارة الباطن فلهذا كان من المناسب إذا فرغ من الوضوء أن يقول هذا الذكر أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وفي رواية الترمذي اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين.
فصل القارئ: والمفروض من ذلك بغير خلاف خمسة.
النية وغسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين.
الشيخ: قوله بغير خلاف يعني في المذهب لا بين العلماء وهذه نقطة ينبغي أن نعرفها فالنووي في المجموع شرح المهذب يقول كثيرا بغير خلاف ومراده بين أصحاب الإمام الشافعي رحمه الله وهذا ابن قدامة هنا يقول بغير خلاف يريد بغير خلاف في المذهب لأن هذا الكتاب إنما ألف لبيان الخلاف في المذهب بخلاف ما لو قال في المغني بغير خلاف فهناك يراد به بغير خلاف بين العلماء لأن المغني يذكر خلاف العلماء من غير الحنابلة هذه نقطة ينبغي للإنسان أن يتفطن لها وإنما قلنا ذلك لأن النية فيها خلاف فأبو حنيفة لا يرى

شرط النية في طهارة الوضوء يقول لأن هذه العبادة وسيلة للصلاة من شروطها كلبس الثوب فكما أن الإنسان لو لبس الثوب يستر به عورته ليصلي لا يشترط أن ينوي للبسه أنه من أجل ستر عورته للصلاة فكذلك في الوضوء لكن قوله رحمه الله ضعيف لأن الوضوء عبادة مقصودة بدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام رتب عليها ثوابا جزيلا ثم إنه قد يكون من المستحب أن يكون دائما على طهر بخلاف الثوب.

القارئ: وخمسة فيها روايتان الترتيب والموالاة والمضمضة والاستنشاق والتسمية والسنن سبعة غسل الكفين والمبالغة في المضمضة والاستنشاق.
الشيخ: الموالاة فيها روايتان الترتيب يقول فيه روايتان وهناك قال حكي عنه أنه ليس بواجب أي الترتيب وحكي عنه هذه صيغة تمريض لكن الآن المؤلف قال فيها روايتان بناءً على صحة الحكاية.
القارئ: وتخليل اللحية وأخذ ماء جديد للأذنين وتخليل الأصابع.
الشيخ: غسل الكفين متى؟ في أول الوضوء أما غسل الكفين بعد الوجه فهو داخل في غسل اليدين وهذه مسألة يجب أن تنبهوا العوام عليها لأن العوام يظنون أن غسل الكفين قبل غسل الوجه كافي ولهذا إذا كان يتوضأ من البزبوز تجده يضع ذراعه تحت البزبوز وربما لا يغسل كفه وهذا غلط لأنه في غسل اليدين بعد الوجه يجب أن يكون من أطراف الأصابع إلى المرفق.
مسألة: مسح الرقبة في الوضوء بدعة.
القارئ: وتخليل الأصابع والبداءة باليمنى والدفعة الثانية والثالثة الشيخ: مراده بالدفعة يعني الغسلة الثانية والثالثة ولو قال الغسلة لكان أحسن لأن الدفعة قد يقول قائل إنه يدخل فيها المسح لكن مسح الرأس مرة واحدة، وكل الممسوح لا يكرر مسحه فالخف مثلا لا يكرر مسحه والجبيرة لا يكرر مسحها ووجه ذلك أنه خفف فيها في التطهير فخفف التكرار والتكرار لا يتناسب مع المسح لأن المسح تطهير مخفف.
السائل: أليس مسح الشعر مرتين؟ الشيخ: الترجيع واحدة لأن الشعر وجوهه مختلفة فإذا قلت مثلا هكذا معناه إنك استقبلت بطون الشعر في الناصية وظهور الشعر في القفا وإذا رجعت بالعكس هذا هو الذي جعل العلماء يجعلون المسح على هذه الصفة مسحة واحدة.

باب المسح على الخفين

القارئ: وهو جائز بغير خلاف لما روى جرير رضي الله عنه أنه قال (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه) متفق عليه قال إبراهيم فكان يعجبهم هذا لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة ولأن الحاجة تدعو إلى لبسه وتلحق المشقة بنزعه فجاز المسح عليه كالجبائر.
الشيخ: استدل المؤلف بحديث وتعليلين حديث مسح النبي صلى الله عليه وسلم على خفيه وتعليلان دعاء الحاجة إلى ذلك والتعليل الثاني المشقة في نزعه ولم يخالف في هذا إلا الرافضة الرافضة خالفوا في ذلك وقالوا إن الخفين لا تمسحان وقد خالفوا في تطهير الرجل في ثلاثة أمور: أولا أنها لا تمسح إذا كان مستورة بالخفين أو الجوارب ثانيا أنهم جعلوا العظم الناتئ في ظهر القدم هو الكعب.
والثالث أنهم جعلوا فرض الرجل المسح فهم جعلوا منتهاه العظم الناتئ في ظهر القدم ومنعوا من المسح على الخفين مع أن من جملة من روى المسح على الخفين علي بن أبي طالب رضي الله عنه القارئ: ويختص جوازه بالوضوء دون الغسل لما روى صفوان بن عسال رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كان مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
الشيخ: سفرا بمعنى مسافرين لأنها اسم جمع مثل رهط اسم جماعة وصح اسم جمع.

باب المسح على الخفين القارئ: وهو جائز بغير خلاف لما روى جرير رضي الله عنه قال (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه) متفق عليه قال إبراهيم فكان يعجبهم هذا لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة ولأن الحاجة تدعو إلى لبسه وتلحق المشقة بنزعه فجاز المسح عليه كالجبائر ويختص جوازه بالوضوء دون الغسل

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم في شرحنا في الفقه ذكرنا أن المسح على الخفين قد دل عليه القرآن والسنة والمعنى وقلنا إن قوله تعالى (وأرجلِكم) على قراءة الكسر تشير إلى المسح على الخفين لأن الله جعل

للرجل فرضين غسلا ومسحا والسنة بينت متى يكون المسح ومتى يكون الغسل وأما السنة فقد تواترت بذلك كما يفيده البيت المنظوم مما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتا واحتسب ورؤية شفاعة والحوض ... ومسح خفين وهذه بعض إذاً الأحاديث متواترة قال الإمام أحمد ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وخالف في ذلك الرافضة قالوا لا يمسح على الخفين ومن عجب أن ممن روى أحاديث المسح على الخفين علي بن أبي طالب الذي يرونه من الأئمة المعصومين فخالفوا أهل السنة في هذا وخالفوا أهل السنة أيضا في عدم غسل الرجل وقالوا لا يجب غسل الرجل وخالفوهم أيضا في منتهى التطهير فعند أهل السنة أن منتهى التطهير الكعبان وهما العظمان الناتئان في أسفل الساق أما عندهم فإن منتهى التطهير العظم الناتئ على ظهر القدم فهم خالفوا أهل السنة في هذه الأمور الثلاثة في فرض تطهير الرجل.
القارئ: لما روى صفوان بن عسال رضي الله عنه قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ولأن الغسل يقل فلا تدعو الحاجة إلى المسح على الخف فيه بخلاف الوضوء.
الشيخ: هذا تعليل إذاً الغسل ليس فيه مسح على الخفين لحديث إلا من جنابة ولأنه يقل بالنسبة للحدث الأصغر ولأن حدثه أغلظ ولهذا ليس فيه شيء ممسوح حتى الرأس الذي يمسح في الحدث الأصغر لا يمسح في غسل الجنابة فحدثه أغلظ من الحدث الأصغر.

القارئ: ولجواز المسح عليه شروط أربعة أحدها أن يكون ساترا لمحل الفرض من القدم كله فإن ظهر منه شيء لم يجز المسح لأن حكم ما استتر المسح وحكم ما ظهر الغسل، ولا سبيل إلى الجمع بينهما فغلب الغسل كما لو ظهرت إحدى الرجلين فإن تخرقت البطانة دون الظهارة أو الظهارة دون البطانة جاز المسح لأن القدم مستور به وإن كان فيه شق مستطيل ينضم ولا يظهر منه القدم جاز المسح عليه لذلك وإن كان الخف رقيقا يصف لم يجز المسح عليه لأنه غير ساتر وإن كان ذا شرج في موضع القدم وكان مشدودا لا يظهر شيء من القدم إذا مشى جاز المسح عليه لأنه كالمخيط.
الشيخ: هذه شروط المسح على الخفين يقول المؤلف رحمه الله إنها أربعة الأول أن يكون ساتراً لمحل الفرض من القدم كله ساتراً بحيث لا يكون فيه شقوق ولا يرى من ورائه القدم وقد اختلف الحنابلة والشافعية في

هذه المسألة فالحنابلة يقولون لابد أن يكون ساتراً بحيث لا يكون فيه شقوق ولا يرى القدم من ورائه وقالت الشافعية بل يجوز أن يمسح على ما يرى القدم من ورائه كالزجاج ونحن نمثل في عصرنا بالنايلون لو أن إنسان دس رجله في ظرف نايلون فهو على ما يختاره الحنابلة لا يصح المسح عليه لصفائه وعند الشافعية يصح لأن الماء لا ينفذ منه وليس المقصود الستر حتى نقول إنه لا يصح المسح على ما يصف الجلد لصفائه كالثوب الذي يستر به المصلي عورته وهناك قول ثالث وراء هذا كله وهو أنه لا يشترط ستر محل الفرض وأنه يجوز المسح على الخف مادام اسمه باقيا وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقبله ابن حزم وحكي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما يجوزان المسح على الجورب الرقيق وهذا هو ظاهر الأدلة لأن الحكمة من جواز المسح على الخفين موجودة فيما يصف البشرة وما لا يصف وهي مشقة النزع ولهذا اختار شيخ الإسلام رحمه الله جواز المسح على النعلين إذا كان خلعهما يحتاج إلى معالجة بناءً على أن العلة هي المشقة وهذا القول الثالث هو الصحيح وأضيق المذاهب في هذا كما عرفتم مذهب الحنابلة حتى قالوا إنه لو ظهر من محل الفرض مقدار الخرز امتنع المسح عليه وتعليلهم عليل كما رأيتم وهو قولهم لأن مااستتر حكمه المسح وما ظهر حكمه الغسل وهذا غير صحيح فما ظهر تابع لما استتر وإذا كان تابعا له صار فرضه المسح لأنه متى ثبت أن هذا خف يطلق عليه اسم الخف أو الجورب فقد جاز المسح عليه وكان ما يظهر من محل الفرض بثقوب أو صفاء أو ما أشبه ذلك تابعا لما استتر فقولهم إن ما ظهر فرضه الغسل ممنوع نقول فرضه الغسل إذا لم يكن خف أما إذا كان خف ففرضه المسح.

القارئ: الثاني أن يمكن متابعة المشي فيه فإن كان يسقط من القدم لسعته أو ثقله لم يجز المسح لأن الذي تدعو الحاجة إليه هو الذي يمكن متابعة المشي فيه وسواء في ذلك الجلود واللبود والخرق والجوارب لما روى المغيرة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين) أخرجه أبو داود والترمذي وقال الترمذي حديث حسن صحيح، قال الإمام أحمد يذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه ملبوس ساتر للقدم يمكن متابعة المشي فيه أشبه الخف فإن شد على رجليه لفائف لم يجز المسح عليها لأنها لا تثبت بنفسها إنما تثبت بشدها.
الشيخ: هذا ما ذهب إليه المؤلف وهو المذهب أن اللفائف لا يمسح عليها والصحيح أنه يمسح عليها بل هي أولى من الجورب لأن الجورب أسهل منها نزعا وأسهل منها شدا واللفائف أصعب تحتاج إلى معاناة في شدها وكذلك في حلها وكان الصحابة رضي الله عنهم يستعملون هذا فيذكر أن غزوة ذات الرقاع إنما سميت بذلك لأنهم كانوا يتخذون اللفائف على أرجلهم من حر الشمس.
القارئ: الثالث أن يكون مباحا فلا يجوز المسح على المغصوب والحرير لأن لبسه معصية فلا تستباح به الرخصة كسفر المعصية.

الشيخ: هذا أيضا فيه خلاف والصحيح الجواز مع الإثم لأن المقيس عليه وهو سفر المعصية فيه خلاف فمن العلماء من يقول إنه يجوز الترخص برخص السفر في سفر المعصية وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية قال لأن المعصية منفصلة عن الرخصة لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تقصروا الصلاة في سفر المعصية) بل قال لا تسافروا سفر معصية كذلك المغصوب لم يقل النبي عليه الصلاة والسلام (لا تمسحوا على المغصوب) بل قال (لا تلبسوا المغصوب) فانفكت الجهة وهذا أقرب إلى القواعد أن ما كان محرما تحريما عاما فإنه لا يؤثر في العبادة والمغصوب كما تعرفون تحريمه عام.

القارئ: الرابع أن يلبسهما على طهارة كاملة لما روى المغيرة رضي الله عنه قال (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لأنزع خفيه قال دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما) متفق عليه فإن تيمم ثم لبس الخف لم يجز المسح عليه لأن طهارته لا ترفع الحدث وإن لبست المستحاضة ومن به سلس البول خفا على طهارتهما فلهما المسح نص عليه لأن طهارتهما كاملة في حقهما فإن عوفيا لم يجز المسح لأنها صارت ناقصة في حقهما فأشبهت التيمم.

الشيخ: أي يلبسهما على طهارة يقول المؤلف طهارة كاملة وسيتفرع على هذا أنه لو غسل الرجل اليمنى ثم لبس الجورب ثم لبس اليسرى لم يصح المسح لأنه لبس اليمنى قبل كمال الطهارة وفيها خلاف ويقول المؤلف فإن تيمم ثم لبس الخف إذا يحتاج إلى قيد بعد كمال الطهارة بالماء فإن تطهر بالتيمم ثم لبس الخف ثم وجد الماء وتوضأ فإنه لا يجوز أن يمسح على الخف والمؤلف علل هذا رحمه الله بأن التيمم لا يرفع الحدث وهذا التعليل عليل لأن الصحيح أن التيمم يرفع الحدث قال الله تعالى بعد ذكره (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (المائدة: من الآية6) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) وقال (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) فهو وضوء رافع للحدث لا شك لكن العلة الصحيحة في أنه إذا لبس الخف على طهارة التيمم لا يجوز المسح عليه العلة أن طهارة التيمم لا علاقة لها بالقدم لأن محل التيمم عضوان فقط الوجه والكفان فلما لم يكن لها تعلق لم يكن للخف الذي يلبس على هذه الطهارة حكم ما لبس على طهارة الماء الذي تعلق بالقدم هذا هو القياس الصحيح وقول المؤلف أنه إن لبست المستحاضة ومن به سلس البول خفا على طهارتهما فلهما المسح نص عليه لأن طهارتهما كاملة في حقهما فإن عوفيا لم يجز المسح هذا أيضا ضعيف والصحيح أن المستحاضة ومن به سلس البول إذا لبسا خفا ثم عوفيا قبل تمام المدة فلهما المسح لأن طهارتهما كاملة في حقهما.

القارئ: وإن غسل إحدى رجليه فأدخلها الخف ثم غسل الأخرى فأدخلها لم يجز المسح لأنه لبس الأول قبل كمال الطهارة وعنه يجوز لأنه أحدث بعد كمال الطهارة واللبس فأشبه ما لو نزع الأول ثم لبسه بعد غسل الأخرى.

الشيخ: هذا طريق على القول أنه لا يصح أن يغسل الرجل اليمنى ثم يدخلها الخف يقول الطريق إلى هذا أنك إذا لبست اليسرى فاخلع اليمنى ثم البسها ثانية فقط، فالطريق إلى التصحيح أنك بعد أن تلبس اليسرى تخلع اليمنى ثم تلبسها مباشرة فيكون اللبس الآن بعد كمال الطهارة وأنا متوقف في هذا وشيخ الإسلام رحمه الله يرى أنه يجوز إذا غسل الرجل اليمنى أن يلبس الخف ثم يغسل اليسرى وهو رواية عن أحمد لكن أقول الاحتياط أن لا يلبس اليمنى إلا إذا غسل الرجل اليسرى هذا الأحوط القارئ: وإن تطهر ولبس خفيه فأحدث قبل بلوغ الرجل قدم الخف لم يجز المسح لأن الرجل حصلت في مقرها وهو محدث فأشبه من بدأ اللبس محدثا وإن لبس خفا على طهارة ثم لبس فوقه آخر أو جرموقا قبل أن يحدث جاز المسح على الفوقاني سواء كان التحتاني صحيحا أو مخرقا لأنه خف صحيح يمكن متابعة المشي فيه لبسه على طهارة كاملة أشبه المنفرد.
الشيخ: قول المؤلف رحمه الله أو جرموقا الجرموق خف كبير غليظ يشبه ما يسمى عندنا بالبسطار في الجيش بسطار يعني كبير يقول النووي إنه يستعمل في بلاد الشام كثيرا لأنها بلاد باردة ذات ثلوج وهذا الجرموق ينفع من البرودة ومن الثلج.
القارئ: وإن لبس الثاني بعد الحدث لم يجز المسح عليه لأنه لبسه على غير طهارة وإن مسح الأول ثم لبس الثاني لم يجز المسح عليه لأن المسح لم يزل الحدث عن الرجل فلم تكمل الطهارة.

الشيخ: هذه المسالة الأخيرة إن مسح الأول ثم لبس الثاني لم يجز المسح عليه غير صحيحة فهذا القول ضعيف والصواب أنه إذا مسح الأول ثم لبس عليه الثاني وهو على طهارة فإنه يجوز أن يمسح على الثاني مثل إنسان لبس الخف على طهارة ثم أحدث وتوضأ ومسح الخف فالآن تمت الطهارة ثم لبس عليه خفا آخر فهل إذا توضأ مرة ثانية يجوز أن يمسح على الخف الآخر أو لابد أن يخلعه ليمسح على التحتاني؟ فيه خلاف المذهب يقول لابد أن تخلعه ثم تمسح على التحتاني لأنك مسحت بالأول فتعلق الحكم به والقول الثاني لا يلزم فالقول الثاني أنه يجوز أن تلبس الخف الثاني على الطهارة التي مسحت بها على الأول وتمسح عليه ولكن لا تمسح إلا بقية مدة الأول، إذاً القول الثاني إنه يجوز أن تمسح الأعلى إذا لبسته على طهارة الأسفل وهذا هو المختار وهو القول الراجح واختاره النووي رحمه الله وقال إن قولهم لبسه على طهارة ناقصة قول ضعيف فطهارة المسح على الخف طهارة كاملة فلا إشكال فيها.

السائل: هل يقاس على هذا الجزمة؟ الشيخ: الجزمة تشبه الجرموق لكن إذا نزعته بعد مسحه لازم تنزع كل الذي تحته القارئ: وإن كان التحتاني صحيحا والفوقاني مخرقا فالمنصوص جواز المسح لأن القدم مستوراً بخف صحيح وقال بعض أصحابنا لا يجوز لأن الحكم تعلق بالفوقاني فاعتبرت صحته كالمنفرد وإن لبس المخرق فوق لفافة لم يجز المسح عليه لأن القدم لم يستتر بخف صحيح وإن لبس مخرقا فوق مخرق فاستتر القدم بهما احتمل أن لا يجوز المسح لذلك واحتمل أن يجوز لأن القدم استتر بهما فصارا كالخف الواحد.
الشيخ: هذا القول هوالصحيح بل إن القول الصحيح أنه يجوز أن يمسح على المخرق وحده وإن لم يكونا مخرقين ستر بعضهما الآخر.
فصل

القارئ: ويتوقت المسح بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر لما روى عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم) قال الإمام أحمد هذا أجود حديث في المسح على الخفين لأنه في غزوة تبوك آخر غزاة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخر فعله، وسفر المعصية كالحضر لأن ما زاد يستفاد بالسفر وهو معصية فلم يجز أن يستفاد به الرخصة ويعتبر ابتداء المدة من حين الحدث بعد اللبس في إحدى الروايتين لأنها عبادة مؤقتة فاعتبر أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة والأخرى من حين المسح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح ثلاثة أيام فاقتضى أن تكون الثلاثة كلها يمسح فيها.
الشيخ: وهذا هو الصحيح أن ابتداء المدة من حين المسح بعد الحدث وعلى هذا فلو أن إنسان لبس الخف على طهارة لصلاة الفجر ثم أحدث الساعة العاشرة ولم يتوضأ ثم توضأ لصلاة الظهر الساعة الثانية عشرة ومسح فهل ابتداء المدة من الساعة العاشرة أو من الثانية عشرة؟ على القول الراجح من الثانية عشرة وعلى القول الأول المرجوح من الساعة العاشرة أي من الحدث ويرى بعض العلماء بقول شاذ أن ابتداء المدة من اللبس فالأقوال إذاً ثلاثة:

  1. من اللبس.

  2. من الحدث بعد اللبس.

  3. من المسح بعد الحدث وهذا الأخير هو الصحيح أما لو مسح تجديدا فلم أرى من تكلم به ولكن ظاهر كلامه أن المسح تجديدا لا يعتبر وأنه لا تبتدئ المدة من المسح تجديدا وإنما تعتبر من المسح عن حدث.
    السائل: إذا كان نزع الخف ثم لبسه مرة أخرى قبل أن يحدث فهل له أن يمسح عليه؟ الشيخ: إذا كان لم يمسحه فلا بأس.
    السائل: وإذا كان قد مسح عليه؟

الشيخ: إذا كان قد مسح عليه فلا يعيده إلا بعد الوضوء والقاعدة عندهم أنه متى مسح الخف فإنه إذا أزيل بعد ذلك لا يمسح عليه مرة أخرى لأنه لبسه على طهارة مسح ولو قلنا بهذا القول وهو ما قال به أحد للزم أن لا يكون هناك وقت للمسح على الخفين يعني كل واحد يستطيع أن يقول سأخلع إذا انتهت المدة وألبس الخفين على طهارة وهي طهارة مسح وأبتدئ المدة من جديد.
ونحن قلنا إنه إذا خلع الخف لا تنتقض الطهارة وقاله غيرنا لكن ما أحد من هؤلاء الذين قالوا إن الطهارة لا تنتقض قال إنه يجوز أن يعيده ويمسح عليه ولقد تعبنا ولم نجد أحداً قال بهذا القول وإلا كان وجيهاً.
السائل: حتى ولو كان المسح مسح تجديد؟ الشيخ: لا إذا كان مسح تجديد فمعناه إن الحدث الأول لم ينتقض فيجوز المسح عليه بعد الخلع وكذلك لو فرضنا إن الشخص ما مسح خلع وهو على الطهارة الأولى قبل المسح ثم ردها فلا بأس.
القارئ: وإن أحدث في الحضر ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر لأنه بدأ العبادة في السفر وإن مسح في الحضر ثم سافر أو مسح في السفر ثم أقام أتم مسح مقيم لأنها عبادة يختلف حكمها بالحضر والسفر فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكم الحضر كالصلاة.
الشيخ: هذه المسألة فيها خلاف إذا مسح مقيما ثم سافر فالإمام أحمد رحمه الله كان يرى أنه يتم مسح مقيم ثم رجع عن هذا القول وقال يتم مسح مسافر وهو الصحيح لأن حكم المسح لم ينته بعد فإذا سافر أتم مسح مسافر هذا إذا كان قد مسح في الحضر أما إذا أحدث ثم سافر قبل المسح فيمسح مسح مسافر وكذلك لو لبس الخف ثم سافر قبل أن يحدث وقبل أن يمسح فمسافر إذاً فالمسألة لها ثلاث حالات:

  1. إذا لبس خفا وهو مقيم ثم سافر قبل الحدث أتم مسح مسافر.
  2. أحدث ثم سافر قبل المسح مسح مسْحَ مسافر حتى على المذهب.
  3. أحدث ومسح ثم سافر ففيه خلاف المذهب أنه يتم مسح مقيم والثاني يتم مسح مسافر وهو الصحيح.

مسألة: لو فسدت صلاة السفر يصليها ركعتين هذا هو الصحيح.
السائل: إذا مسح على الأعلى ثم خلعه ثم تطهر ثانية فمسح على الأسفل ثم أراد أن يعيد الأعلى ويمسح عليه فهل له ذلك؟ الشيخ: نقول هذا مسحه على الأسفل غير صحيح لأنه متى خلع الممسوح لا يمكن أن يعاد المسح إلا بعد طهارة بالماء هذا الضابط.
القارئ: وإن مسح المسافر أكثر من يوم وليلة ثم أقام انقضت مدته في الحال وإن شك هل بدأ المسح في الحضر أو في السفر بنى على مسح الحضر لأن الأصل الغسل والمسح رخصة فإذا شككنا في شرطها رجعنا إلى الأصل.
الشيخ: هذا بناءً على أنه إذا مسح قبل السفر يتم مسح مقيم أما إذا قلنا بالقول الراجح يتم مسح مسافر فهذا الشك لا يضر لأنا نقول لو تيقنت أنك مسحت بالحضر فأتم مسح مسافر وهنا مسألة لو أن رجلاً لبس الخف في الحضر وأحدث ومسح وسافر فماذا يتم؟ على كلام المؤلف مسح مقيم وعلى القول الراجح مسح مسافر لكن إذا شك هل مسح قبل أن يسافر أو لم يمسح إلا بعد أن سافر فهل يتم مسح مسافر أو مسح مقيم؟ يقول المؤلف يتم مسح مقيم لكن على قولنا بأنه يتم مسح مسافر لا حاجة لأنه سواء شك أو تيقن فلو تيقن إنه مسح في الحضر فإنه يتم مسح مسافر فكلام المؤلف في المسألة هذه مبني على أنه إذا سافر بعد المسح يتم مسح مقيم.
القارئ: وإن لبس وأحدث وصلى الظهر ثم شك هل مسح قبل الظهر أو بعدها وقلنا ابتداء المدة من حين المسح بنى الأمر في المسح على أنه قبل الظهر وفي الصلاة على أنه مسح بعدها لأن الأصل بقاء الصلاة في ذمته ووجوب غسل الرجل فرددنا كل واحد منهما إلى أصله

الشيخ: يقول إذا لبس وأحدث وصلى الظهر ثم شك هل مسح قبل الظهر أو بعده وقلنا ابتداء المدة من حين المسح بنى الأمر في المسح على أنه قبل الظهر احتياطا لأنه إذا بنى قبل الظهر صار ابتداء المدة أسبق وفي الصلاة على أنه مسح بعدها فيكون قد صلى محدثا فإذا كان المسح بعدها معناه أنه صلى محدثا فيلزمه قضاء صلاة الظهر لأن الأصل بقاؤها في ذمته وتبتدئ مدة المسح من قبل صلاة الظهر احتياطا يعني أننا عملنا بالاحتياط في هذا وهذا والله أعلم.

فصل القارئ: والسنة أن يمسح أعلى الخف دون أسفله وعقبه فيضع يديه مفرجتي الأصابع على قدميه ثم يجرهما إلى ساقيه لما روى المغيرة رضي الله عنه قال (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما) حديث حسن صحيح وعن علي رضي الله عنه قال (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه) رواه أبو داود.
الشيخ: حديث علي حديث حسن وقوله لو كان الدين بالرأي يعني بالرأي البادي بادي الرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه ولكن عندما يتأمل الإنسان يجد أن أعلى الخف أولى بالمسح من أسفله وذلك لأن المسح ما هو إلا ترطيب للخف فقط وليس غسلا بل يرطبه فقط ومعلوم أننا لو رطبنا أسفل الخف لكان يتلوث أكثر بالنجاسة فكان الرأي أن يكون المسح على أعلى الخف كما جاء به الشرع.
القارئ: اقتصر على مسح الأكثر من أعلاه أجزأه وإن اقتصر على مسح أسفله لم يجزه لأنه ليس محلا للمسح أشبه الساق.

الشيخ: ثم هل يبدأ بمسح اليمنى ثم اليسرى أو يمسحهما معا مرة واحدة قال بعض العلماء بالأول وقال بعضهم بالثاني فأما الذين أخذوا بالأول أي يمسحهما مرة واحدة فاستدلوا بحديث المغيرة حين ذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما) ولم يذكر أنه بدأ باليمنى وقاسوه أيضا على مسح الأذنين فإنهما يمسحان معا اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى وأما من قال إنه يبدأ باليمين فقال إن المسح فرع عن الغسل والفرع له حكم أصله واستدلوا بعموم (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) وأجابوا عن حديث المغيرة بأن قوله ومسح عليهما لا ينافي الترتيب فهو لا يقتضيه ولا ينافيه وأن قياسه على مسح الأذنين ليس بصحيح لأن الأذنين عضو واحد لأنهما من الرأس بخلاف الرجلين فإنهما عضوان فكان ينبغي أن يبدأ باليمين قبل اليسار والأمر في هذا واسع والمسألة لا تعدوا أن يكون هل الأفضل كذا أو كذا أما الإجزاء فيجزي سواء مسح جميعا أو رتب.

فصل القارئ: إذا انقضت مدة المسح أو خلع خفيه أو أحدهما بعد المسح بطلت طهارته في أشهر الروايتين ولزمه خلعهما لأن المسح أقيم مقام الغسل وإذا زال بطلت الطهارة في القدمين فتبطل في جميعها لكونها لا تتبعض والثانية يجزئه غسل قدميه لأنه زال بدل غسلهما فأجزأه المبدل كالمتيمم يجد الماء وإن أخرج قدمه.

الشيخ: هذان قولان القول الثالث وهو الراجح الصحيح أنها لا تبطل الطهارة ولا يلزمه غسل القدمين والدليل عدم الدليل وذلك لأنه لما توضأ ومسح خفيه ثبتت طهارته بمقتضى الدليل الشرعي وما ثبت بمقتضى الدليل الشرعي لا يرتفع إلا بدليل شرعي لأننا نقول لمن ادعى أن الوضوء بطل أين الدليل على بطلانه وقد صح بمقتضى الدليل فإذا لم يوجد دليل على البطلان فالأصل بقاء الطهارة وأما قولهم إنه زال الممسوح فيقال الحدث وصف وليس عينا وصف يقوم بالبدن بسبب وجود الناقض للوضوء وهذا الوصف ارتفع أولا؟ ارتفع وصار البدل الآن طاهرا فإذا كان طاهرا فإنه يبقى على طهارته ثم إن أخذنا بالقياس على الرأس إذا مسحه وفيه شعر ثم حلقه فإن طهارته باقية والجواب عن هذا بأن مسح الرأس أصل ومسح الخف بدل جواب غير سديد فإنه لا يؤثر أن يكون الممسوح الذي زال أصلياً أو بدلياً لأن المهم أن ما تعلقت به الطهارة قد زال فسواء كان أصلياً أو بدلياً فهذا الفرق غير مؤثر في الحكم ولهذا نقول إن القول الصحيح أنه إذا خلع الخف لا تنتقض طهارته بل هي باقية والدليل عدم الدليل ووجه ذلك أن طهارته ثبتت بمقتضى الدليل الشرعي فلا تنتقض إلا بدليل شرعي هذا وجه الوجه الثاني قياسا على الرأس وإبطال هذا القياس بأن الرأس أصل والخف بدل لا يؤثر لأن الشيء الذي تعلقت الطهارة به قد زال سواء كان أصلياً أو بدلياً ولكن لا يعني ذلك أنه يجوز أن يعيد الخف ويبتدئ مدة جديدة لأننا لو قلنا بهذا للزم أن يكون المسح مستمرا دائما بل نقول إذا خلع الممسوح فلابد من غسل الرجل هذه قاعدة مطردة متى خلع الممسوح فلابد من غسل الرجل.
مسألة: لو قال أحد من أهل العلم إذا خلع الخف على طهارة مسح ثم أعاده قبل أن ينتقض وضوءه فإنه يجوز أن يمسح لو قال أحد بهذا القول فهو قولي

القارئ: وإن أخرج قدمه إلى ساق الخف بطل المسح لأن استباحة المسح تعلقت باستقرارها فبطلت بزواله كاللبس وإن مسح على الخف الفوقاني ثم نزعه بطل مسحه ولزمه نزع التحتاني لأنه زال الممسوح عليه فأشبه المنفرد.
الشيخ: بناءً على القاعدة التي ذكرنا قبل قليل أنه متى نزع الممسوح فإنه لا يعاد إلا بعد وضوء كامل

فصل القارئ: ويجوز المسح على العمامة لما روى المغيرة رضي الله عنه قال (توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح على الخفين والعمامة) حديث حسن صحيح، وعن عمرو بن أمية رضي الله عنه قال (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته وخفيه) رواه البخاري، وروى الخلال بإسناده عن عمر قال (من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله) ولأن الرأس عضو سقط فرضه في التيمم فجاز المسح على حائله كالقدمين.
الشيخ: هذا يسمونه وصف طردي (عضو سقط فرضه في التيمم فجاز المسح على حائله كالقدمين) هذا ما له أثر بل يقال لأن نزع العمامة يشق فجاز المسح عليها بدلا عن مسح الرأس كجواز مسح الخف بدلا عن غسل الرجل من أجل المشقة غالبا أما قوله (عضو سقط فرضه في التيمم) هذا غريب هذا وصف طردي ما له أثر.
القارئ: ويشترط أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه لأنه جرت العادة بكشفه في العمائم فعفي عنه بخلاف بعض القدمين.
الشيخ: هذا تعليل للمستثنى إلا ما جرت العادة بكشفه ولماذا نقول بأن كشف ما جرت به العادة في الرأس لا يؤثر مع أنه كشف لبعض العضو مع أننا قلنا في الخفين لابد أن تستر جميع القدم بدون استثناء؟ نقول السبب في ذلك لأن العمامة جرت العادة بكشف شيء من الرأس فعفي عنه.

القارئ: ويشترط أن تكون لها ذؤابة أو تكون تحت الحنك لأن ما لا ذؤابة لها ولا حنك تشبه عمائم أهل الذمة وقد نهي عن التشبه بهم فلم تستبح بها الرخصة كالخف المغصوب فإن كانت ذات حنك جاز المسح عليها وإن لم يكن لها ذؤابة لأنها تفارق عمائم أهل الذمة وإن أرخى لها ذؤابة ولم يتحنك ففيه وجهان: أحدهما يجوز المسح عليها لذلك.
والثاني لا يجوز لأنه يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتلحي عن الاقتعاط قال أبو عبيد الاقتعاط أن لا يكون تحت الحنك منها شيء.
الشيخ: اشترط المؤلف رحمه الله أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة والمحنكة يعني التي يدار منها لية تحت الحنك وذات الذؤابة أن يكون لها ذؤابة يعني أحد طرفيها مسدل حتى يكون ذؤابة فإن لم تكن محنكة ولا ذات ذؤابة فإنه لا يصح المسح عليها واختار شيخ الإسلام رحمه الله جواز المسح عليها وإن لم تكن محنكة أو ذات ذؤابة وتسمى عندهم العمامة الصماء وقوله رحمه الله هو الصحيح فالقول الصحيح أنه لا يشترط أن

تكون ذات ذؤابة أو محنكة بل يجوز المسح على العمامة ولو كانت صماء لأن الشرع الذي جاء بذلك مطلق ما فيه اشتراط.
مسألة: يستحب أن يمسح ما يظهر من مقدم الرأس أو جوانبه.
مسألة: والمسح على العمامة أولى من المسح على الخف لأن المسح على العمامة مسح على ما أصل طهارته المسح.
فصل القارئ: وحكمها في التوقيت واشتراط تقديم الطهارة وبطلان الطهارة بخلعها كحكم الخف لأنها أحد الممسوحين على سبيل البدل.

الشيخ: المؤلف ذكر رحمه الله حكمها في التوقيت كحكم الخف يعني للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن وكذلك أيضا في اشتراط تقدم الطهارة يعني أنه يشترط أن يلبسها أي العمامة على طهارة وكذلك بطلان الطهارة بخلعها وقد عرفتم أن الطهارة لا تبطل بخلع الخف فكذلك لا تبطل بخلع العمة وأما التوقيت واشتراط تقدم الطهارة فلا دليل عليه ولهذا نقول الصحيح أن العمامة لا يشترط لبسها على طهارة وليس لها مدة وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يذكر لها مدة ولم يذكر لها اشتراط طهارة والأصل عدم ذلك وأما قياسها على الخف فقياس مع الفارق لأن الخف طهارة بدل عن غسل فاحتيط به أكثر وأما العمامة فطهارتها بدلا عن المسح فكانت أخف ولهذا الصواب أنه لا توقيت فيها ولا اشتراط تقدم طهارة.
السائل: هل الأفضل المسح على العمامة أو الرأس؟ الشيخ: الأفضل إذا كان عليك عمامة أن تمسح على العمامة وإذا لم يكن عليك عمامة أن تمسح على الرأس يعني بمعنى لا تقصد أنك تلبس العمامة لأجل المسح عليها ولا تخلعها وهي عليك لتمسح على الرأس الأفضل أن يكون الإنسان على ما هو عليه لا في هذا ولا في الخف.
السائل: كيف يمسح على العمامة؟ الشيخ: يمسح على دوائرها كلها أما الذؤابة فنازلة فلا تمسح.
القارئ: وفيما يجزئه مسحه منها روايتان إحداهما مسح أكثرها والثانية يلزمه استيعابها لأنها بدل من جنس المبدل فاعتبر كونه مثله كما لو عجز عن قراءة الفاتحة وقدر على قراءة غيرها اعتبر أن يكون بقدرها ولو عجز عن القراءة فأبدلها بالتسبيح لم يعتبر كونه بقدرها وإن خلع العمامة بعد مسحها وقلنا لا يبطل الخلع الطهارة لزمه مسح رأسه وغسل قدميه ليأتي بالترتيب وإن قلنا بوجوب استيعاب مسح الرأس فظهرت ناصيته ففيه وجهان أحدهما يلزمه مسحها معه

فصول الكتاب · 13 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة · 500 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب التفليس
كتاب الصلح
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الوقف
جارٍ التحميل