تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامةصفحات 401-440
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 401-440
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
عدد الأجزاء
5 [الكتاب مرقم آليا]

الشيخ: لأنه في حديث ابن عباس وحديث ابن مسعود أن الرسول علمه التشهد وكان كما مر علينا كان يخفف التشهد الأول حتى كأنه على الرضف يعني على الحجاره المحماة.

فصل القارئ: ويستحب أن يتعوذ من أربع لما روى أبو هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال) متفق عليه ولمسلم (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع) وذكره وما دعا به مما ورد في القرآن والأخبار فلا بأس إلا أن يكون إماماً فلا يستحب له التطويل كي لا يشق على المأمومين إلا أن يؤثروا ذلك وقد روي عن أبي بكر الصديق أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم علمني دعاءً أدعو به في صلاتي قال قل (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كبيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) متفق عليه.
الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله أنه يستحب أن يتعوذ من أربعة وذكرها وقال بعض العلماء إنه يجب أن يتعوذ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يفعل ذلك وأمر به قال (إذا تشهد أحدكم) وفي رواية (التشهد الأخير) كما في صحيح مسلم (فليستعذ بالله من أربع) والأصل في الأمر الوجوب لا سيما وأن هذه الأربع من الأمور التي لو أحاطت بالإنسان لأهلكته فلأجل ما تشتمل عليه من الهلاك وأن الإنسان يستعيذ بربه منها كانت واجبة وقد ذكر عن طاووس رحمه الله أنه أمر ابنه لما لم يستعذ بالله من هذه الأربع أمره أن يعيد الصلاة والقول بالوجوب قوي ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يدعها وأنتم الآن كما شاهدتم دليل وجوبها أقوى من دليل وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

أما حديث أبي بكر رضي الله عنه فإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه دعاء يدعو به في صلاته لكن لم يبين موضعه والظاهر أنه بعد التشهد لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في حديث ابن مسعود (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) لكن المؤلف رحمه الله يقول إذا كان إماماً فإنه لا يستحب له التطويل لأن لا يشق على المأمومين إلا أن يؤثروا ذلك يعني إلا أن يرضوا بذلك ولكن هذا بشرط أن يكونوا محصورين أما إذا كانوا غير محصورين فكيف يمكن أن نعلم أنهم رضوا بهذا.

فصل القارئ: ولا يجوز أن يدعو فيها بالملاذ وشهوة الدنيا وما يشبه كلام الآدميين مثل اللهم ارزقني زوجة حسناء وطعاماً طيبا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) رواه مسلم ولأن هذا يتخاطب بمثله الآدميون أشبه تشميت العاطس ورد السلام.

الشيخ: هذا القول ضعيف جداً وهو أنه لا يجوز أن يدعو فيها بملاذ الدنيا وشهواتها وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وقال (أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء) وقال في حديث ابن مسعود (إذا فرغ أحدكم من التشهد فليدعو بما شاء) وأما استدلاله على أنه لا يجوز بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) فيقال أين كلام الناس في هذا هل الإنسان إذا قال يا ربي ارزقني زوجة حسناء هل هو يقول يا فلان اخطب لي زوجة حسناء أبداً هو يخاطب ربه ويدعو ربه والدعاء عبادة فهذا الاستدلال بهذا الحديث لا شك أنه بعيد من الصواب كذلك أيضاً قوله ولأن هذا يتخاطب بمثله الآدميون فيقال وإذا كان يتخاطبون بمثله فهل أنا أخاطب آدمياً والمراد بقول الرسول عليه الصلاة والسلام (لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) مخاطبة الناس وأما دعاء الله بما يشبه كلام الناس فلا بأس به فالصواب في هذه المسألة أن الإنسان يدعو بما شاء ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً فلا يجوز لأنه من باب الاعتداء في الدعاء.
السائل: ما دليله على ركنية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير؟ الشيخ: ليس هناك دليل واضح.
السائل: لو اقتصر المصلي على التشهد دون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: إذا قلنا بأنها سنة صارت صحيحة وإذا قلنا بالوجوب لا تصلح مع العمد ومع النسيان يكفي فيها سجود السهو وإذا قلنا بأنها ركن لابد أن يأتي بها فيعود إلى صلاته ويأتي بها ويسلم ثم يأتي بالسهو.

فصل

القارئ: ثم يسلم والسلام هو الركن الرابع عشر لقول النبي صلى الله عليه وسلم (مفتاح الصلاة الطُّهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) رواه أبو داود والترمذي ولأنه أحد طرفي الصلاة فكان فيه نطق واجب كالأول ويسلم تسليمتين ويلتفت عن يمينه فيقول السلام عليكم ورحمة الله ويلتفت عن يساره كذلك لما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله وفي لفظ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم حتى يرى بياض خده عن يمينه وعن يساره رواه مسلم ويكون التفاته في الثانية أوفى قال ابن عقيل يبتدئ بقوله السلام عليكم إلى القبلة ثم يلتفت قائلاً ورحمة الله عن يمينه ويساره لقول عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم تلقاء وجهه معناه ابتداء السلام ويستحب أن يجهر بالأولى أكثر من الثانية نص عليه واختاره الخلال وحمل أحمد حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة على أنه يجهر بواحدة ويستحب أن لا يمد السلام لأن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حذف السلام سنة) ورواه الترمذي وقال حديث صحيح قال ابن المبارك معناه لا يمده مدا قال أحمد معناه لا يطول به صوته.
الشيخ: هذا في التسليم يقول السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله عن اليمين والشمال ويلتفت وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يلتفت حتى يرى بياض خده.
وأما ما ذكره ابن عقيل ففيه نظر أنه يقول السلام عليكم تجاه القبلة ثم يقول ورحمة الله بل مقتضى حديث ابن مسعود ومقتضى اللفظ أيضاً الخطاب أنه يلتفت من حين أن يبتدئ بالسلام لأن عليكم خطاب لمن وراءه فلابد أن تكون الكاف بعد التفاتته.

وكذلك أيضاً في كونه يجهر بالأولى أكثر من الثانية هذا يحتاج إلى دليل فإن وجد دليل عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذاك وأما حمل ما ورد أنه يسلم تسليمة واحدة على أنه يجهر بالأولى أكثر من الثانية ففي النفس منه شيء إذ من الممكن أن نقول إن الاقتصار على تسليمة واحدة لبيان الجواز وليس لأنه يخفيها.
السائل: القاعدة (إن ورد لفظ خاص يوافق حكم العام لا يدل على التخصيص) حديث (فليستعذ بالله من أربع) ورد في رواية (إذا تشهد أحدكم) وورد في رواية أخرى (التشهد الأخير) فهل ينطبق هذا على القاعدة؟ الشيخ: يقيد بالتشهد الأخير، وهذا فيه شرط هذا ما ينافي القاعدة.

فصل القارئ: والواجب تسليمة واحدة والثانية سنة لأن عائشة وسهل بن سعد وسلمة بن الأكوع رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فسلم تسليمة واحدة ولأنه إجماع حكاه ابن المنذر وعنه أن الثانية واجبة لأن جابراً قال قال النبي صلى الله عليه وسلم (إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله) رواه مسلم ولأنها عبادة لها تحللان فكان الثاني واجباً كالحج.
الشيخ: الحديث الأول حديث الثلاثة إذا صح فهو دليل واضح لكن بعض العلماء حمله على أنه في صلاة النفل وقال لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه اقتصر على تسليمة واحدة في صلاة الفرض وأما حديث جابر الذي ذكره الأخير فهذا إنما قاله النبي عليه الصلاة والسلام لأنهم إذا سلموا قالوا بأيديهم هكذا كأنها أذناب خيل شمس فقال (إنما كان يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخية من على يمينه وشماله) وهذا بيان لحالهم التي كانوا يفعلون يسلمون عن اليمين وعن الشمال وليس صريحاً بأنه لابد من تسليمتين المعنى يكفي أحدكم بدل أن يقول هكذا.

فصل

القارئ: وإن اقتصر على قوله السلام عليكم فقال القاضي ظاهر كلام أحمد أنه يجزئه نص عليه في صلاة الجنازة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (تحليلها التسليم) وهو حاصل بدون الرحمة وعن علي أنه كان يسلم عن يمينه ويساره السلام عليكم السلام عليكم وقال ابن عقيل الصحيح أنه لا يجزئ لأن من وصف سلام النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة قال فيه ورحمة الله ولأنه سلام ورد فيه ذكر الرحمة فلم يجزئه بدونها كالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد ويأتي بالسلام مرتباً فإن نكسه فقال عليكم السلام أو نكس التشهد لم تصح وذكر القاضي وجهاً في صحته لأن المقصود يحصل وهو بعيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله مرتبا وعلمهم إياه مرتبا ولأنه ذكر يؤتى به في أحدي طرفي الصلاة فاعتبر ترتيبه كالتكبير.

السائل: في حديث عائشة (كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم تلقاء وجهه) ما الحكم إذا صح هذا الحديث؟ الشيخ: إذا صح لابد أن نقول به كل شيء يصح عن الرسول عليه الصلاة والسلام لابد أن نقول به فنجمع بين حديث عائشة وبين حديث ابن مسعود بأنه لا منافاة لأنه إذا ابتدأه من القبلة وأنهاه عن اليمين أوالشمال حصل المقصود.
السائل: ما معنى حذف السلام؟ الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله أما بعض الناس يقول السلام عليكم ورحمة الله يمد مرة في الثانية السلام عليكم ورحمة الله يمدها كثيراً حتى أن بعض المسبوقين يقوم فهذا خلاف السنة، السنة أن لا يفعل.
القارئ: وينوي بسلامه الخروج من الصلاة فإن لم ينو لم تبطل صلاته نص عليه لأن نية الصلاة قد شملت جميعها والسلام من جملتها ولأنها عبادة فلم تجب النية للخروج منها كسائر العبادات وقال ابن حامد تبطل صلاته لأنه أحد طرفي الصلاة فوجبت فيه النية كالآخر.

الشيخ: والغالب أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينوي الخروج هذا الغالب لكن ربما يعزب عن خاطره نية الخروج فينوي أنها كغيرها من الأذكار فكما أنه لا ينوي التشهد ولا ينوي الركوع ولا ينوي السجود لأنها داخلة في عموم الصلاة فكذلك لا ينوي السلام والصحيح أنه لا يشترط نية السلام وأن الإنسان لو سلم على أنه ركن من أركان الصلاة دون أن يخرج به من الصلاة فلا بأس.
القارئ: وإن نوى بالسلام على الحفظة والمصلين معه فلا بأس نص عليه لحديث جابر الذي قدمناه وفي لفظ (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نرد على الإمام وأن يسلم بعضنا على بعض) رواه أبو داود.

فصل القارئ: ويستحب ذكر الله تعالى بعد انصرافه من الصلاة ودعاؤه واستغفاره قال المغيرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة مكتوبة (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) متفق عليه وقال ثوبان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا إنصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً وقال (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) رواه مسلم، وقال ابن عباس (إنَّ رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته) متفق عليه.

الشيخ: هذا الفصل بين فيه رحمه الله أنه يستحب بعد الصلاة أن يذكر الله سبحانه وتعالى لقوله تعالى (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) وما استدل به من الأحاديث يدل على أنه يجهر به وهو كذلك يجهر به قال ابن عباس كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته والقول بأنه لا يجهر به وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما جهر به للتعليم قول ضعيف أولاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد علمه الناس فإنه قال للفقراء (تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين) ثانياً أن التعليم يحصل بمرة واحدة ولا يداوم عليه كلما صلى ثالثاً أننا لو سلمنا أنه للتعليم فنقول إن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يعلمهم نفس الذكر وكيفية النطق به فيكون التعليم في أصل الذكر وفي كيفية النطق وأنه يكون جهراً ومثل هذه التأويلات التي يسلكها بعض العلماء رحمهم الله وعفا عنا وعنهم إنما يلجؤون إليها بناءً على أنهم اعتقدوا ثم استدلوا فإذا اعتقد الإنسان ثم استدل تجده يلوي أعناق النصوص حتى توافق ما يعتقده والواجب أن الإنسان يستدل أولاً ثم يعتقد ويعمل ثانياً حتى يكون هو التابع للأدلة وليست الأدلة تابعة له فإذا تجردنا من التقليد ونظرنا إلى هذه الأحاديث وجدنا أنها نص صريح في أن الإنسان يجهر بالذكر بعد الصلاة ولكن لو فرضنا أن إلى جانبك رجال يقضون الصلاة أو أن أمامك رجالاً يقضون الصلاة ولو جهرت لشوشت عليهم فإنك لا تجهر إتقاءً للأذية والسنة تأتي بها في وقت آخر والله الموفق.

فصل

القارئ: ويكره للإمام إطالة الجلوس في مكانه مستقبل القبلة لأن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) رواه ابن ماجة فإن أحب قام وإن شاء انحرف عن قبلته لما روى سمرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه رواه البخاري ومسلم.
وينصرف حيث شاء عن يمينه أوشماله لقول ابن مسعود لا يجعل أحدكم للشيطان حظاً من صلاته يرى أن لا ينصرف إلا عن يمينه لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما ينصرف عن يساره متفق عليه.
فإن كان مع الإمام رجال ونساء فالمستحب أن تثب النساء ويثبت هو والرجال بقدر ما ينصرف النساء لقول أم سلمة رضي الله عنها إن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال قال الزهري فَنُرى أن ذلك لكي يبعد من ينصرف من النساء رواه البخاري ولأن الإخلال بذلك يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء ولا يثب المأمومون قبل انصراف الإمام لأن لا يذكر سهواً فيسجد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إني إمامكم فلا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف) رواه مسلم فإن إنحرف عن قبلة أو خالف السنة في إطالة الجلوس مستقبلاً القبلة فلا بأس أن يقوم المأموم ويدعه.
الشيخ: هذا الفصل كما رأيتم فيه عدة مسائل:

المسألة الأولى إطالة الإمام الجلوس في مكانه مستقبل القبلة فإن هذا مكروه أولاً الحديث الذي ذكره المؤلف عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام وثانياً لأنه يحبس المأمومين فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لا تسبقوني بالانصراف) وإذا بقي مطيلاً للجلوس مستقبل القبلة أحرج الناس لأن الذي يريد أن يمتثل النهي (لا تسبقوني بالانصراف) سوف يجد حرجاً إذا تأخر الإمام.
المسألة الثانية أنه إذا انحرف عن القبلة هل ينحرف جهة اليمين أو جهة اليسار نقول ينحرف أحياناً من جهة اليمين وأحياناً من جهة اليسار لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ينحرف من هاهنا ومن ها هنا وليس لازماً أن تنحرف دائماً من جهة اليمين وإذا انحرف هل يجعل المأمومين على يمينه أو على يساره أو يستقبلهم؟ نقول يستقبلهم.
المسألة الثالثة أنه إذا اجتمع رجال ونساء فإن الأفضل أن يتأخر الرجال قليلاً عن الخروج وأن تبادر النساء فيخرجن وذلك من أجل أن لا يختلط الرجال بالنساء وهذا من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
المسألة الرابعة أن المؤلف رحمه الله قال لا يثب المأمومون قبل انصراف الإمام إلا إذا أطال استقبال القبلة جالساً فللمأموم أن ينصرف وإلا فإنه يكره له أن ينصرف قبل انصراف إمامه والعجيب أنه رحمه الله ذكر التعليل قبل الدليل والأولى أن يكون الأمر بالعكس هو قال لأن لا يذكر سهواً فيسجد ثم قال وقد قال النبي فذكر التعليل قبل الدليل والأولى أن يكون بالعكس ثم هذا التعليل الذي ذكره غير مسلم لأن هذا الذي ذكره احتمال والأصل عدمه فالأولى التعويل على الدليل هذا هو الأولى.
السائل: هل الصلاة قبل الإمام مكروه لأنكم قلتم إن الانصراف قبل الإمام مكروه فلماذا لم يقل إنه محرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تبادروني بالركوع) ومعلوم أن سباق الإمام بالركوع محرم؟

الشيخ: المعروف أن دلالة الاقتران لا توجب التساوي في الحكم (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) مع أن الخيل تؤكل فالذي أخرج هذا هو أن الأول في الركوع وفي السجود قد أخرج بنهي صريح وهو قوله (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا ركع فاركعوا ولا ترفعوا حتى يرفع) إلى آخره أما هذا فلم يذكر مع المحرمات.
السائل: في قوله (ولا بالانصراف) فلماذا لم يحمل النهي على التحريم؟ الشيخ: ما في شك أنه نهي ولولا النهي لم يكن مقبولاً وصرف النهي إلى الكراهة لأن الإمام إذا سلم انتهت صلاته فانتهى اتصال المأموم به على وجه اللزوم.
السائل: هل انصراف الإمام عن اليمين أوعن الشمال سنة؟ الشيخ: نعم سنة أحياناً عن اليمين واحياناً عن الشمال لكنه يستقبل المأمومين ولا يبقى يجعلهم على جنب.

فصل القارئ: ويكره للإمام التطوع في موضع صلاة المكتوبة نص عليه وقال: كذا قال علي بن أبي طالب وللمأموم ان يتطوع في موضع صلاته فعله ابن عمر وروى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يتطوع الإمام في مقامه الذي يصلي به الناس) رواه أبو داود فإن دعت إليه ضرورة لضيق المسجد انحرف قليلاً عن مصلاه ثم صلى.
الشيخ: هذا الفصل يتضمن مسألتين: المسألة الأولى تطوع الإمام في مكان صلاته وذكر أنه مكروه واستدل الإمام أحمد بقول علي.
والمسألة الثانية تطوع المأموم في موضع صلاته فذكر أنه لا بأس به ولكن الأفضل أن ينتقل عن مكانه إلى مكان آخر.

فصل

القارئ: ويرتب الصلاة على ما ذكرنا وهو الركن الخامس عشر فصارت أركان الصلاة خمسة عشر لا يسامح بها في عمد ولا سهو وواجباتها المختلف فيها تسعة التكبير سوى تكبيرة الإحرام والتسبيح في الركوع والسجود مرة مرة وقول: سمع الله لمن حمده وقول: ربنا ولك الحمد وقول: ربِّ اغفر لي بين السجدتين مرة والتشهد الأول والجلوس له والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتسليمة الثانية وقد ذكرنا في وجوب جميعها روايتين.
وما عدا ذلك فسنن تتنوع ثلاثة أنواع النوع الأول سنن الأقوال وهي اثنتا عشرة الاستفتاح، والاستعاذة، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وقول آمين، وقراءة السورة بعد الفاتحة، والجهر والإخفات في موضعهما، وما زاد على التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود، وعلى المرة في سؤال المغفرة، وقول ملء السماء بعد التحميد، والدعاء، والتعوذ في التشهد الأخير، وقنوت الوتر.
الشيخ: هذه سنن قولية لكن في قوله رحمه الله الجهر والإخفات في موضعهما في قوله إنهما من سنن الأقوال نظر لأن الجهر والإخفات صفة القول وليس هو القول فقول الإنسان الحمد لله رب العالمين سراً ليس هو القراءة وقولها جهراً ليس هو القراءة بل الإخفات والجهر صفة للقول ولهذا ذكرهما بعض الفقهاء من سنن الأفعال.
السائل: في موضوع الانصراف عن اليمين أو عن اليسار هل هذه الصفة خاصة بالإمام أو المأموم أيضاً؟ الشيخ: لا المأموم ليس له صفة يقوم كيفما تيسر له.
السائل: لكن قول ابن مسعود رضي الله عنه مع أنه لا يخاطب أئمة وإنما يخاطب مأمومين يقول لا يجعل أحدكم للشيطان حظاً من صلاته.
الشيخ: نعم المأموم بينصرف لكن إذا التزم أن لا ينصرف إلا عن اليمين ما هو صحيح المأموم ينصرف كما يشاء.
السائل: إذا جعل المأموم أكثر انصرافه من جهة اليسار وانصرف أحياناً من جهة اليمين؟ الشيخ: ما في شيء.
السائل: كيف يكون للشيطان حظ؟

الشيخ: الحظ للشيطان يرى أنه لا ينصرف إلا عن اليمين ليس من أجل الفعل ولكن من أجل كونه يعتقد أنه لا ينصرف إلا عن يمينه هذا له حظ حيث اعتقدت أن شيئاً جائزاً ليس بجائز.
القارئ: النوع الثاني سنن الأفعال وهي اثنتان وعشرون: رفع اليدين عند الإحرام والركوع والرفع منه ووضع اليمنى على اليسرى.
الشيخ: بقي عليه الموضع الرابع لم يذكره والصحيح أنه منها القيام من التشهد الأول.
القارئ: ووضع اليمنى على اليسرى ووضعهما تحت السرة.
الشيخ: وسبق لنا أن الراجح أن يجعلهما على صدره.
القارئ: والنظر إلى موضع سجوده.
الشيخ: وسبق أنه يستثنى من ذلك في حال الإشارة فإنه لا يجاوز بصره إشارته وذلك إذا جلس بين السجدتين أو في التشهد فإنه عند الإشارة ينظر إلى أصبعه وسبق أنه يشير عند كل دعاء.
القارئ: والنظر إلى موضع سجوده، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، ومد الظهر والتسوية بين ظهره ورأسه، والتجافي فيه، والبداءة بوضع الركبتين قبل اليدين في السجود، ورفع اليدين قبل الركبتين في النهوض، والتجافي فيه، وفتح أصابع رجليه فيه، وفي الجلوس، ووضع يديه حذو منكبيه مضمومة، مستقبلاً بها القبلة.
الشيخ: فتح أصابع رجليه في حال السجود هذا لا يمكن إلا إذا اتكأ على الأصابع أما إذا وضعها بدون اتكاء فإنها ستبقى ملتئمة اللهم إلا إذا اتكأ على الإبهام كبعض الناس ما يستطيع أنه يتكئ على كل الأصابع يتكئ على الإبهام فحينئذٍ يكون المنفرج ما بين الإبهام والسبابة.
القارئ: والتورك في التشهد الأخير، والافتراش في الأول، وفي سائر الجلوس، ووضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة محلقة والإشارة بالسبابة، ووضع اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة، والالتفات عن يمينه وشماله في التسليم، والسجود على أنفه، وجلسة الاستراحة في إحدى الروايتين فيهما.

الشيخ: وسبق أن الصحيح أن السجود على الأنف ركن لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (أمرت أن أسجد) وفي رواية (أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم على الجبهة) وأشار إلى أنفه.
وقوله جلسة الاستراحة على إحدى الروايتين فيهما وماذا يعني (فيهما)؟ السجود على الأنف وجلسة الاستراحة.
القارئ: والنوع الثالث ما يتعلق بالقلب وهو الخشوع ونية الخروج في سلامه.
الشيخ: الخشوع يعني بذلك حضور القلب وهذا هو لب الصلاة صلاة بلا خشوع كجسد بلا روح وقد اختلف العلماء فيما لو غلب الوسواس يعني الهواجيس على أكثر الصلاة هل تبطل أو لا والصحيح أنها لا تبطل لكنها ناقصة جداً فلذلك لو قيل بوجوب الخشوع لكان له وجه وقد قيل به.
وقوله نية الخروج في سلامه الخروج من ماذا؟ من الصلاة عند السلام.
السائل: ما رأيكم في أكل العلك أمام الناس؟ الشيخ: أمام الناس ما نرى أنه يفعلها الإنسان حتى لو فيها مصلحة أقول ما نرى أنه يأكله أمام الناس وإن كان مباحاً وهو ليس فيه فائدة يمكن بعض الناس أحياناً إذا اضطربت معدته يعني إذا حمى كبده كما يقول العامة يركدها العلك قد يستفيد منها وإذا كان في الطيارة يكون ضغط على أذانه وإذا كنت تعلك يخفف عليك على كل حال أمام الناس ما نرى أن يفعله الإنسان لأنه يتهم.

فصل

القارئ: ولا يسن القنوت في صلاة فرض لأن أبا مالك الأشجعي قال قلت لأبي يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ها هنا في الكوفة نحواً من خمس سنين أكانوا يقنتون قال أي بني محدث قال الترمذي هذا حديث حسن وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه رواه مسلم فإن نزل بالمسلمين نازلة فللإمام القنوت في صلاة الصبح بعد الركوع اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقنت في صلاة الفجر إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم رواه سعيد في سننه وليس ذلك لآحاد المسلمين ويقول في قنوته نحواً من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول عمر: وكان عمر يقول في القنوت (اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسملين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك) رواه أبو داود.
الشيخ: هذا الفصل تضمن مسائل:

المسألة الأولى القنوت في صلاة الفرض هل هو سنة أو لا؟ الصحيح أنه ليس بسنة إلا لسبب لكن مع ذلك قال الإمام أحمد رحمه الله لو ائتم بإمام يقنت في صلاة الفجر فإنه يتابعه ويؤمن على دعائه وهذا من فقه الإمام رحمه الله لأن عدم متابعته شق للكلمة وكلما كان شق الكلمة كلمة المسلمين أكبر كان أعظم ولهذا كان الخروج عن الإمام أعظم بكثير من مخالفة إمام الصلاة وإمام الصلاة إمامة صغرة فالإمام إمام الصلاة مطاع هل يقول للناس اركعوا إذا ركعت أو قد قاله الرسول عليه الصلاة والسلام؟ قد قاله الرسول فهو إمام يقتدى به فلا ينبغي أن يشق العصا فيخالف ولهذا كان إذا قام عن التشهد الأول مع وجوبه وجب على المأموم أن يتابع وإذا دخل مع الإمام في الركعة الثانية وجب عليه أن يجلس مع أنها في حقه هي الركعة الأولى كل هذا متابعة للإمام ولعدم مخالفته والاختلاف عليه إذا كان كذلك فإنه يوجد في صلاة التراويح بعض الأئمة يرون استحباب الدعاء عند ختم القرآن فإذا ائتم الإنسان بمن يرى هذا فهل يخرج ويقول هذه بدعة وكل بدعة ضلالة؟ لا، يتابع ويؤمن لأن المسألة مسألة اجتهاد فيتابع ويؤمن وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن تكون له على بال وهي عدم المخالفة كلما أمكن التأليف تأليف القلوب فهو أحسن حتى إنه من أكبر مقاصد الشرع في وجوب صلاة الجماعة في المساجد هو تأليف القلوب والاجتماع على الطاعة نعم لو فعل شيئاً محرماً شيء آخر يعني لو كان الإمام لا يطمئن في صلاته فأنا لا أتابعه.

المسالة الثانية هل يقنت في الفرائض إذا وجد سبب؟ الجواب نعم يقنت إذا وجد السبب لكن ما هو السبب هل هو السبب العام أو الخاص يعني لو أن الإمام شاب تعسر عليه أن يتزوج كل من خطب منه ما أجاب فهل يقنت في صلاة الفريضة لأنه الإمام يقول اللهم زوجني الجواب لا، إذا كان أمراً عاماً إذا نزل بالمسلمين نازلة أما الخاص فلا الخاص يدعو الإنسان لنفسه في السجود أو بعد التشهد الأخير أما القنوت فلا يقنت إلا إذا نزل بالمسلمين نازلة.
المسالة الثالثة وإذا وجدت النازلة مثل ما يوجد الآن في البوسنة والهرسك وغيرها من البلاد الإسلامية فهل يقنت كل أحد لا، لا يقنت إلا الإمام فقط الإمام الأعظم ليس الإمام أئمة المساجد الإمام الأعظم يعني مثلاً هنا في المملكة ما يقنت إلا الملك فهد فقط أما غيره فلا يقنت لماذا لأنه لم يحفظ أن أحداً من مساجد المدينة قنت إلا الرسول عليه الصلاة والسلام ولأن المعني بأمور المسلمين هو الإمام بالدرجة الأولى وإلا فكل الناس معنيون بإخوانهم فلهذا قال الفقهاء لا يقنت إلا الإمام الأعظم فقط وقيل يقنت الإمام الأعظم ونوابه كالأمراء وقيل يقنت كل إمام مسجد فقط دون آحاد الناس وقيل يقنت كل مصلي وهذا هو الأصح أنه يسن أن يقنت كل مصلي لكن في المساجد مساجد الجماعة لا ينبغي أن تتفرق الكلمة ينبغي أن يصدروا عن رأي واحد إذا قال المسؤول في البلد عن المساجد اقنتوا قنتوا أما أن يكون هذا يقنت وهذا لا يقنت فهذا يفرق المسلمين ويوجب أن يُطعن في أحد الإمامين إما الذي يقنت أو الذي لا يقنت، الذي يقنت يطعن فيه الناس أنه يعتد بنفسه ويقنت دون غيره والذي لا يقنت يقول هذا رجل لا يهتم بأمر المسلمين ولا يقنت انظر للإمام الفلاني الذي يهتم بأمور المسلمين يقنت لهذا نرى أننا وإن اخترنا القول بأن القنوت عام لا ينبغي لأئمة المساجد إلا أن يصدروا عن رأي واحد لتجتمع الكلمة ولأن لا تلوك ألسن الناس بأئمة المساجد.

المسألة الرابعة هل يستمر القنوت؟ الجواب إذا زال السبب الذي من أجله شرع القنوت فإنه يزول مثلاً نقنت لانتصار قوم يحاربون الكفار نقنت حتى ينتصروا نقنت لأن قوماً من الكفار قتلوا مثلاً قراءنا أو علماءنا نقنت حتى نظفر بهم ونجري عليهم ما يجب إجراؤه.
المسألة الخامسة ما ذكره عن عمر وهو قوله اللهم العن كفرة أهل الكتاب هم اليهود والنصارى لكن كيف قال كفرة أهل الكتاب وهل في أهل الكتاب مؤمن؟ نعم يوجد مؤمن من آمن بالرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن سلام والنجاشي، عبد الله بن سلام من أحبار اليهود وعلمائهم والنجاشي من علماء النصارى وأمرائهم.

لم يذكر عمر جميع الكفرة نقول نعم لأن كفرة أهل الكتاب أحق بالذنب من غيرهم لأن عندهم كتاباً يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم فكفرهم عن عناد ليس عن جهل فكانوا أغلظ فلذلك كان عمر يدعو عليهم رضي الله عنه وهم جديرون بهذا إن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته يقول (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ونحن نسأل الله تعالى أن يتابع عليهم لعائنه إلى يوم القيامة فهم أهل للعن وأهل للسب وأهل للذنب وأهل لأن يقاتلوا حتى يعطوا الجزية وهم صاغرون هذا الذي أمر الله (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) لكن متى يكون ذلك إذا قدرنا على هذا أما والأمة الإسلامية على وضعها الحالي شعوباً وحكاماً فنحن عاجزون في الحقيقة عاجزون عن هذا عاجزون عن تنفيذ هذا الأمر الإلهي ثم نحن إن قاتلناهم على الإسلام هم أو غيرهم لسنا نريد أن نسيء إليهم نريد أن نحسن إليهم في إدخالهم لدين الإسلام الذي ينجون به في الدنيا والآخرة أما إذا بقوا على كفرهم فإن نجو فإنما ينجون في الدنيا أما في الآخرة فلا نجاة لهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن) يعني بما جاء به الرسول (إلا كان من أصحاب النار) إذاً نحن عندما نقاتل الكفار لا نقاتلهم تعصباً ولكن نقاتلهم رحمة بهم من أجل أن يدخلوا في الإسلام وإذا دخلوا في الإسلام فهم إخواننا وإن كانوا أبعد ما يكونون عنا نسباً وبلاداً هذه خمس مسائل في هذا الفصل.
السائل: ماالحكم إذا استمر سبب القنوت طويلاً؟

الشيخ: إذا استمر فالظاهر أننا نقيده بالشهر ثم إذا تجدد أو تطور إلى أكثر نعيد القنوت.
السائل: إذا دعا الإمام في الصلاة لنفسه هل يؤمَّن على دعائه؟ الشيخ: ورد في الحديث أن الإمام إذا خص نفسه في الدعاء فقد خان المأمومين هذه خيانة وهذه والله أعلم هي الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى جعل الفاتحة بصيغة التعظيم أو بصيغة الجمع (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ولم يقل إياك أعبد مع أن القارئ واحد لأن الله تعالى يعلم أن هذه السورة ستقرأ لأناس متعددين ولهذا تقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) بالجمع لكن في الدعاء الآخر الذي يسر به يقول الإنسان أعوذ بالله من عذاب جهنم ولا يقول نعوذ بالله لأن هذا دعاء له وذاك دعاء للجميع.

باب

صلاة التطوع

القارئ: وهي أفضل تطوع البدن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأعلموا أن من خير أعمالكم الصلاة) رواه ابن ماجة ولأن فرضها آكد الفروض وتطوعها آكد التطوع وهي تنقسم أربعة أقسام: أحدها السنن الرواتب وهي ثلاثة أنواع النوع الأول الرواتب مع الفرائض وآكدها عشر ركعات ذكرها ابن عمر قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل الصبح كانت ساعة لا يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها أحد حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين متفق عليه.

وآكدها ركعة الفجر قالت عائشة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتي الفجر وقال (ركعتا الفجر أحب إلي من الدنيا وما فيها) رواهما مسلم وقال (صلوهما ولو طردتكم الخيل) رواه أبو داود ويستحب له تخفيفهما لقول عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتي الفجر فيخفف حتى إني لأقول هل قرأ فيهما بفاتحة الكتاب؟! متفق عليه ويقرأ فيهما وفي ركعتي المغرب (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) قال أبو هريرة رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) رواه مسلم وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان يقرأ في الركعتين بعد المغرب (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) رواه ابن ماجه، ويستحب ركوعهن في البيت لحديث ابن عمر ولما روى رافع بن خديج قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عبد الأشهل فصلى المغرب في مسجدنا ثم قال (اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم) رواه ابن ماجة قال أحمد ليس هاهنا شيء آكد من الركعتين بعد المغرب يعني فعلهما في البيت.
الشيخ: هذا الباب فيه مسائل:

المسألة الأولى التطوع بالصلاة والتطوع بالصلاة من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده لأنه لولا أن الله شرع ذلك لكان فعلهما بدعة وضلالة لكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده التطوع في العبادات وما هي الفائدة من هذا التطوع؟ الفائدة التعبد لله عز وجل ثم تكميل الفرائض لأن الفرائض لا تكاد تخلو من نقص لكن النوافل ترقع بها الفرائض تأتي يوم القيامة والفرائض التي أتيتها ناقصة فيكملها الله عز وجل بالتطوع ولهذا لا تجب فريضة من فرائض الإسلام إلا ولها تطوع فالصلاة لها تطوع والزكاة لها تطوع الصدقة والصيام له تطوع والحج له تطوع والجهاد له تطوع كل هذا من أجل أن تكمل الفرائض بهذه النوافل.

المسألة الثانية ما هو أفضل ما يتطوع به من تطوعات البدن؟ المؤلف يقول في حسب نسخكم أن أفضل ما يتطوع به الصلاة وفي نسختي: وهي من أفضل تطوع البدن ومن تدل على التبعيض ونسختي أصح لأن التطوع بالجهاد أفضل من التطوع بالصلاة فهي من أفضل وليست أفضل وأما قياس المؤلف رحمه الله قياس نافلة الصلاة على فريضتها بأن فريضة الصلاة هي أوكد أعمال البدن فكانت نافلتها أوكد ففيه نظر لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في الإسلام (إن ذروة سنامه الجهاد في سييل الله) ثم هناك شيء آخر أفضل من الجهاد في سبيل الله وهو العلم تعلم العلم الشرعي أفضل لمن كان أهلاً للتعلم من الجهاد في سبيل الله لأن حاجة الناس إلى العلم حاجة ملحة كل إنسان يحتاج إلى العلم والأمة الإسلامية محتاجة إلى العلم في داخلها وفي خارجها وفي نفسها ومع الناس فضرورة الناس إلى العلم الشرعي أشد من ضرورتهم إلى الجهاد بل إن المجاهدين يحتاجون إلى العلم الشرعي كيف يسير المجاهد وكيف يعمل إلا على حسب ما تقتضيه الشريعة ولا يمكن أن يصل إلى ما تقتضيه الشريعة إلا بتعلم العلم ولهذا قال الله عز وجل (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) يعني لا يمكن أن ينفروا كافة إلى الجهاد (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) قال الإمام أحمد العلم لا يعدله شيء.

المسألة الثالثة السنن تنقسم كما قال المؤلف إلى أنواع الرواتب مع الفرائض الرواتب مع الفرائض يعني أنها تابعة لها ولا ينبغي الإخلال بها وتقضى كما تقضى الفرائض حتى لو فاتتك الفريضة وخرج وقتها فاقضِ راتبتها معها وذكر المؤلف أنها عشرة والصحيح أنها اثنتا عشرة لحديث عائشة رضي الله عنها قالت (كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يدع أربعاً قبل الظهر) وفي حديث ابن عمر (ركعتان بعدها) ستكون رواتب الظهر ست ركعات والمغرب ركعتان والعشاء ركعتان والفجر ركعتان.
المسألة الرابعة أن الأفضل في هذه الرواتب كلها أن تكون في البيت ويتأكد ذلك في ركعتي المغرب وإنما قلنا أن الأفضل أن تكون في البيت لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) وهذا عام ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصلي الراتبة في بيته فتكون السنة القولية والفعلية دالة على أن الأفضل أن يتطوع الإنسان في بيته اقتداءً بالرسول عليه الصلاة والسلام.
المسألة الخامسة السنة في ركعتي الفجر أن يخففهما ولا يطولهما حتى كانت عائشة أم المؤمنين تقول حتى إني أقول أقرأ بفاتحة الكتاب من شدة التخفيف وعلى هذا فلو قال الإنسان أنا أحب أن أطيل في ركعتي الفجر أي في السنة لأتمكن من الدعاء وزيادة التسبيح قلنا خطأ التخفيف أفضل من التطويل مع أن التطويل عبادة لكن السنة أولى بالاتباع وبهذا نعرف أن حقيقة الاتباع موافقة الأمر لا الزيادة فالعبرة بالكيفية لا بالكمية إلا إذا جاءت السنة بطلب الزيادة فهذا شيء آخر.

المسألة السادسة يقرأ في ركعتي الفجر بـ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وإنما استحب ذلك لافتتاح صلاة النهار بالإخلاص لأن أول صلاة النهار الفجر وراتبتها تابعة لها فيقرأ بها بسورتي الإخلاص (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) الأولى فيها توحيد الطلب والثانية فيها توحيد الخبر أو يقرأ بدلاً عنهما (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) إلى آخر الآية في سورة البقرة وفي الركعة الثانية (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) في سورة آل عمران.
القارئ: ويستحب المحافظة على أربع قبل الظهر وأربع بعدها لما روت أم حبيبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار) وقال الترمذي هذا حديث صحيح وعلى أربع قبل العصر لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رحم الله امرءً صلى قبل العصر أربعا) رواه أبو داود وعلى ست بعد المغرب لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من صلى بعد المغرب ستاً لم يتكلم بينهن بسوء عدلن له عبادة ثنتي عشرة سنة) رواه الترمذي وعلى أربع بعد العشاء لقول عائشة رضي الله عنها ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء قط إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات رواه أبو داود.

الشيخ: هذه الأحاديث في صحتها نظر تحتاج إلى تحرير ثم إن قول المؤلف رحمه الله تستحب المحافظة على أربع قبل الظهر مع أن بعض الأحاديث التي ساقها ليس فيها ذكر المحافظة المحافظة لم ترد إلا في الحديث الأول حديث أم حبيبة أما التي بعدها ففيها مطلق الصلاة (رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً) (من صلى بعد المغرب ستاً)، (ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء قط إلا صلى أربع ركعات) هذا يفهم منه المحافظة فالأول والأخير الأول المحافظة فيه صريح والأخير باللازم ومع ذلك تحتاج إلى تحرير لكن هذه السنن إذا صحت أحاديثها فإنها ليست رواتب الرواتب التي تكون شبه ملازمة للفرائض هي إما عشر على حديث ابن عمر وإما اثنى عشر على حديث عائشة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدع أربعاً قبل الظهر.

فصل القارئ: النوع الثاني الوتر وهو سنة مؤكدة لمداومة النبي صلى الله عليه وسلم في حضره وسفره وروى أبو أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الوتر حق فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل) رواه أبو داود وحكي عن أبي بكر أنه واجب لذلك والصحيح أنه ليس بواجب لأنه يصلى على الراحلة من غير ضرورة ولا يجوز ذلك في واجب.
الشيخ: هذه الفقرة فيها بيان حكم الوتر وأنه سنة مؤكدة لا ينبغي تركه وقد اختلف العلماء في وجوبه على ثلاثة أقوال: القول الأول الوجوب مطلقا.
والثاني عدم الوجوب مطلقا.

والثالث الوجوب لمن كان له ورد من الليل لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاطب أهل القرآن فقال (يا أهل القرآن أوتروا) وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال وهو بعض قول من يوجبه مطلقا والأظهر أنه لا يجب مطلقاً ويدل لذلك حديث الأعرابي الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله هل علي غيرها يعني الصلوات الخمس قال (لا إلا أن تطوع) ويدل لذلك أيضاً ما ذكره المؤلف رحمه الله أنه يصلى على الراحلة بدون ضرورة ولو كان واجباً لم يصل على الراحلة إلا لضرورة ولأن الصحابة رضي الله عنهم حكوا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يوتر على راحلته وقالوا غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة فإذا أخذنا بعموم المكتوبة ولم نقل إن أل للعهد الذهني صار دليلاً واضحاً على أنه ليس من المكتوبات على كل حال القول الراجح أنه ليس بواجب لا على أهل القرآن ولا على غيرهم لكنه سنة مؤكدة.
السائل: هل السنن الرواتب تصلى في السفر؟ الشيخ: راتبة الظهر والمغرب والعشاء لا تصلى وما عدا ذلك من النوافل يصلي ما دام مسافراً إذا حكمنا بأنه مسافر لكن لا يُحرم من صلاة التطوع المطلق.
السائل: هل هذا القول صحيح (أن السنة ترك السنة في سفر)؟ الشيخ: لا ليس صحيحاً، الصحيح من السنة أن لا يصلي الراتبة في الظهر والمغرب والعشاء.
القارئ: والكلام فيه في ثلاثة أشياء وقته وعدده وقنوته.
أما وقته فمن صلاة العشاء إلى الصبح لما روى أبو بصرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح الوتر) رواه الإمام أحمد وقال النبي صلى الله عليه وسلم (فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة) متفق عليه.

والأفضل فعله سحراً لقول عائشة رضي الله عنها من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهى وتره إلى السحر متفق عليه فمن كان له تهجد جعل الوتر بعده ومن خشي أن لا يقوم أوتر قبل أن ينام لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله ومن طمع أن يقوم من آخره فليوتر من آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل) رواه مسلم.
فمن أوتر قبل النوم ثم قام إلى التهجد لم ينقض وتره وصلى شفعاً حتى يصبح لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا وتران في ليلة) وهذا حديث حسن ومن أحب تأخير الوتر فصلى مع الإمام التراويح والوتر قام إذا سلم الإمام فضم إلى الوتر ركعة أخرى لتكون شفعا ومن فاته الوتر حتى يصبح صلاه قبل الفجر لما ذكرنا متقدما.
الشيخ: نعم هذا وقته من صلاة العشاء ولو مجموعة إلى المغرب جمع تقديم إلى صلاة الصبح لقوله عليه الصلاة والسلام (إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح) وظاهر كلام المؤلف أنه يصح الوتر بعد أذان الفجر إلى صلاة الفجر لأنه قال إلى صلاة الصبح ولكن الصحيح أنه ينتهي بطلوع الفجر لقول النبي صلى الله عليه وسلم (اجعلوا آخر صلاتكم في الليل وترا) فجعله من صلاة الليل ولقوله (إذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت ما صلى) فيحمل الحديث وهو قوله (ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح) أي إلى وقت صلاة الصبح وعلى هذا فالمسألة التي فرعها المؤلف على هذا وهو قوله من فاته الوتر حتى يصبح صلاه قبل الفجر لما ذكرناه متقدماً يكون ضعيفاً ولكن إذا طلع الفجر وأنت لم توتر تقضيه في النهار ثنتي عشرة ركعة إن كنت توتر بإحدى عشرة وأربع ركعات إن كنت توتر بثلاث وركعتين إن كنت توتر بواحدة لحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.

أي الوقت أفضل آخر الوقت أو أوله؟ آخره لمن طمع أن يقوم من آخر الليل فإن خاف أن لا يقوم أوتر في أوله فإذا أوتر في أوله ثم قُدِّر له فقام فإنه لا ينقض وتره وكيفية نقض الوتر أن يتبدئ صلاة آخر الليل بركعة واحدة تبنى على ما سبق في أول الليل ويكون هذا نقضاً للوتر السابق ثم يصلي ركعتين ركعتين ويختم بواحدة وهذا القول ضعيف جداً لأن الصلاة لابد أن تكون متوالية وهنا فُرِّق بين الركعة الأولى والركعة الثانية بزمان ونوم ونقض وضوء وربما جنابة فكيف تبنى هذه الركعة على ركعة سابقة وعلى هذا القول لو أخذنا بكلام المؤلف لأوتر في الليلة ثلاث مرات وإذا كان لا وتران في ليلة فكيف بالثلاث فالصواب أنه لا ينقض وتره كما قال المؤلف رحمه الله وأنه يصلي ركعتين ركعتين حتى يطلع الفجر وفيه أيضاً يقول من صلى مع الإمام التراويح والوتر وهو يريد التهجد قام إذا سلم الإمام وأتى بركعة ليكون شفعاً ثم صلى من آخر الليل ركعتين ركعتين وأوتر بواحدة ولكن هل نقول إن هذا أفضل أو الأفضل أن يقتصر على ما اقتصر عليه الإمام ولا يقوم في آخر الليل هذا محل نظر لأنا إن نظرنا إلى أن قيامه في آخر الليل عمل صالح فليفعله وإذا نظرنا إلى أن الصحابة رضي الله عنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفلهم بقية الليل فقال لهم (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) وهذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يقتصروا على ما كان عليه الإمام وأن لا يكلفوا أنفسهم لأنه لو شاء لقال من أراد أن يتهجد فليتهجد وأرشدهم إلى ما ذكره المؤلف هذه عندي فيها توقف فإن نظرنا إلى ظاهر الحديث قلنا الأفضل أن تقتصر على ما قام به الإمام وأنت سيحصل لك قيام ليلة وأنت نائم ولو كان من الخير أن تتهجد بعد هذا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وإذا نظرنا إلى أن قيام الليل من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله عز وجل وربما يكون فيها صلاح قوي لقلبه إذا قام في آخر الليل يتهجد وحده

بعيداً عن الرياء رجحنا هذا فإن قال قائل كيف تجيزون لهذا الإنسان أن يأتي بعد إمامه بركعة وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به) قلنا نجيز ذلك لأن هذا المأموم لم ينو الوتر وإنما نوى الشفع فلم يخالف إمامَه، إمامُه نوى الوتر وهو نوى الشفع ونظير ذلك المقيم يصلي خلف المسافر فيصلي المسافر ركعتين فإذا سلم قام المقيم فأتم أربعا فهذا يدل على أنه لا بأس إذا زادت صلاة المأموم على صلاة الإمام وهذا الذي دخل مع إمامه ناوياً الشفع صلاته زائدة على صلاة الإمام.
السائل: قرأت أن ابن تيمية أنه قال من ترك النوافل كلها فإنه فاسق مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي (أفلح إن صدق) وهو ذكر الفرائض فقط؟ الشيخ: فيها نظر، الإمام أحمد رحمه الله قال من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة وهذا لا يقتضي أن يكون فاسقاً لكن يقتضي أن تهاونه بهذا الوتر الذي هو ركعة يدل على عدم مبالاته وأنه رجل لا يستحق أن يكون شاهداً.
القارئ: وأما عدده فأقله ركعة لحديث أبي أيوب وأكثره إحدى عشرة يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة لما روت عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ما بين صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة متفق عليه وأدنى الكمال ثلاث بتسليمتين لما روى ابن عمر أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوتر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (افصل بين الواحدة والثنتين بالتسليم) رواه الأثرم.
فإن أوتر خلف الإمام تابعه فيما يفعله لئلا يخالفه قال أحمد يعجبني أن يسلم في الركعتين وإن أوتر بثلاث لم يضيق عليه عندي.
الشيخ: لا يضيق عليه لأنه سبق أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (من أحب أن يوتر بثلاث فليفعل) ولا يكون إيتار بثلاث إلا إذا لم يكن بينهن تسليم أما إذا سلم من ركعتين صار موتراً بواحدة.

القارئ: ويستحب أن يقرأ في الأولى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وفي الثانية (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الثالثة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لما روى أبي بن كعب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد رواه أبو داود وإن أوتر بخمس سردهن فلم يجلس إلا في آخرهن لأن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرهن متفق عليه وإن أوتر بتسع لم يجلس إلا بعد الثامنة ولم يسلم ثم جلس بعد التاسعة فتشهد وسلم وكذلك يفعل في السبع لما روى سعد بن هشام قال قلت لعائشة أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه فيتسوك ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد ويحمد الله ويذكره ويدعوه ثم يسلم تسليماً يسمعنا ثم يصلي ركعتين بعدما يصلي وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول رواه مسلم وأبو داود وفي حديثه أوتر بسبع ركعات لم يجلس فيهن إلا في السادسة ولم يسلم إلا في السابعة.
الشيخ: صار عندنا الآن العدد واحدة وثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة الواحدة معروفة لا يسلم إلا مرة واحدة الثلاث له أن يسلم مرتين وله أن يسلم مرة واحدة الخمس السنة أن لا يسلم إلا مرة واحدة ولا يتشهد إلا مرة واحدة السبع قيل إنه يجعلها كالخمس وقيل إنه يجعلها كالتسع والأمر في هذا واسع والتسع يسلم فيها واحدة لكن يتشهد مرتين بعد الثامنة وبعد التاسعة.
السائل: التشهد الأول ليس فيه حمد مع أن عائشة قالت فيذكر الله ويحمده ويدعوه؟

الشيخ: يمكن أنه يكمل التشهد كله في الثامنة يكمل التشهد وإذا كملنا التشهد صار فيه حمد إنك حميد مجيد صار فيه دعاء ويدل لهذا أنها قالت في التشهد بعد التاسعة ثم يقعد فيحمد الله ويذكره ويدعوه كالأول تماماً الظاهر أنه يصلي يعني على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو ولا يقاس عليها الفريضة لأن العبادات ليس فيها قياس.
السائل: ورد حديث وهو صحيح أن صلاة الليل مثنى مثنى وهو قاعدة في صلاة الليل وظاهره أنه يسلم من كل ركعتين مع أن حديث عائشة على خلاف هذا.
الشيخ: يكون الوتر مستثنى لأنه يجوز أن يخصص من العموم.
السائل: لو أذن الفجر وهو في أثناء الوتر؟ الشيخ: لو أذن الفجر وهو في أثناء الوتر يكمل ما فيه بأس.
القارئ: وأما القنوت فيه فمسنون في جميع السنة وعنه لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان لأن أبياً كان يفعل ذلك حين يصلي التراويح وعن أحمد ما يدل على رجوعه قال في رواية المروذي قد كنت أذهب إلى أنه في النصف الأخير من رمضان ثم إني قنت هو دعاء وخير.
الشيخ: قَنَتُّ يعني فعلت القنوت ثم علل ذلك بقوله هو دعاء وخير.
القارئ: ولأن ما شرع في الوتر من رمضان شرع في غيره كعدده ويقنت بعد الركوع لما روى أبو هريرة وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع رواه مسلم.

الشيخ: قوله قنت بعد الركوع رواه مسلم الذي يقرأ كلام المؤلف يقول إن هذا في قنوت الوتر وليس كذلك بل هذا في قنوته في الفرائض لما كان يدعو على قوم وأما قنوت الوتر فليس في الصحيحين ولا أحدهما ما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الوتر يعني من فعله فهذا ابن عباس صلى معه في الليل ولم يذكر أنه قنت وحذيفة بن اليمان وابن مسعود لم يذكروا أنه قنت ولهذا كان قنوت الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الفرائض عند النوازل أصح مما يذكر عنه أنه قنت في الوتر وأما الذين قالوا بأنه يوتر في النصف الأخير من رمضان فاستدلوا بفعل الصحابة رضي الله عنهم والأولى أن الإنسان يقنت أحياناً ويدع أحياناً أما القنوت فلأنه دعاء ولأن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في قنوت الوتر فعلمه (اللهم اهدني فيمن هديت) وإذا ترك أحياناً بناءً على ظاهر السنة في حديث ابن عباس وغيره فخير أيضاً فيفعل أحياناً ويترك أحياناً أما في رمضان فلو قيل بالمداومة عليه لكان خيراً وذلك لأنه في حضور الناس واجتماع الكلمة واجتماعهم على إمام فلا ينبغي أن يفوت هذه الفرصة إلا بدعاء إلا إذا تركه يعني أحياناً لأن لا يظن العامة أنه واجب كما هو الواقع، الواقع أن العامة يظنون أنه لا وتر بدون القنوت حتى أن الإمام إذا لم يقنت خرجوا يتحدثون والله اليوم إمامنا ما أوتر إمامنا ما أوتر بناءً على أن القنوت هو الوتر فينبغي أحياناً أن يدع القنوت حتى يتبين الناس أنه ليس بشرط.

القارئ: ويقول في قنوته ما روى الحسن بن علي قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر (اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت) رواه الترمذي وقال لا نعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت شيئاً أحسن من هذا.
الشيخ: هذا الحديث علمه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الحسن بن علي، الحسن بن علي ابن بنت الرسول وقد قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين) وهو أفضل من أخيه الحسين لأن الرسول وصفه بأنه سيد وقال في الحسن والحسين (هما سيدا شباب أهل الجنة جميعا) ثم إن الرسول أثنى عليه بأن الله سيصلح به بين فئتين والأمر كذلك فإنه تنازل عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه فحقنت بذلك دماء عظيمة كثيرة علمه هذا الدعاء (اللهم اهدني فيمن هديت) قوله (فيمن هديت) هذه الجملة يراد بها التوسل إلى الله أي في جملة من هديت فكأن السائل يقول إنك هديت أناساً فاهدني معهم والمراد بالهداية هنا هداية العلم وهداية التوفيق.
(وعافني فيمن عافيت) المراد بذلك عافية البدن وعافية القلب وقال بعض العلماء المعافاة أن يعافيك الله من الناس ويعافي الناس منك لأن الإنسان ما بين أن يعتدى عليه ومعتدٍ هو على غيره فإذا عافاه الله من أكل لحوم الناس وعافى الناس من أكل لحمه فهذه معافاة عظيمة.
(وتولني فيمن توليت) أي الولايتين العامة أو الخاصة؟ الخاصة لأن الولاية العامة لكل أحد حتى الكفار الله وليهم كما قال تعالى (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق).
(وبارك لي فيما أعطيت) فيما أعطيت من المال أو من المال والعلم؟ منهما جميعاً بارك لي فيما أعطيت من المال وما أعطيت من العلم.

(وقني شر ما قضيتَ) قضيتَ بالفتح وما هنا اسم موصول ولا تصح أن تكون مصدرية لأنك لو قدرتها مصدرية لكان المعنى شر قضائك وحينئذٍ يحتاج إلى تأويل أما إذا جعلناها اسماً موصولاً صار المعنى وقني شر الذي قضيته فيكون الشر في المقضي وليس في القضاء ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (والشر ليس إليه) فالشر في المقضي وليس في قضاء الله أما قضاء الله الذي هو قضاؤه الذي هو فعله وتقديره فهو خير والشر الموجود في مقضياته شر نسبي تجده شراً في حال وخيراً في حال أخرى أو تجده شراً على أناس وخيراً على آخرين أليس كذلك المطر خير ورجل يبني وقد صب سقف بنائه الآن فجاءت الأمطار الغزيرة فصار هذا المطر على صاحب البيت شراً لكنه على غيره خير ثم هو بالنسبة لهذا الذي قضي عليه بذلك ليس شراً محضاً لأنه سيكون تكفيراً لسيئات عظيمة قال الله تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) فليس كل ما قضى الله على الإنسان من مصيبة تكون شراً قد تكون خيراً كثيراً يتبين فيما بعد (إنك تقضي ولا يقضى عليك) صدق تقضي ولا يقضى عليك أي تحكم ولا يحكم عليك ولهذا قال العلماء ليس للناس على الله حق واجب إلا ما أوجبه على نفسه وبذلك يقول ابن القيم رحمه الله: ما للعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشان كلا ولا عمل لديه ضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله والفضل للمنان

(إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت) من كان الله وليه فهو العزيز ولا يمكن أن يذل أبداً قال عبد الله ابن أبي (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) يريد بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال الله تعالى مسلماً ذلك أن يخرج الأعز الأذل لكن من هو الأعز اقرأ التي بعدها مباشرة (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) ولم يقل ورسول الله الأعز قال (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) وأنت يا ابن أبي ليس لك عزة لو قال والأعز رسول الله والمؤمنون لفهم أن لابن أبي عزة وليس كذلك المهم أن من والاه الله فلا ذل له (ولا يعز من عاديت) صحيح من عاداه الله فلا عز له ولا يرد على هذا ما يحصل أحياناً من انتصار الكفار على المسلمين لأن هذا استدراج وانتصار مؤقت وله سبب من المؤمنين ليكون مصيبة لهم ليطهرهم كالذي حصل في غزوة أحد ولهذا قال أبو سفيان يوم بيوم بدر والحرب سجال لم يظن أن ما وراء ذلك من حكمة الله ما يخفى عليه وعلى أمثاله فالحاصل أن من عاداه الله فلا عز له وما يحصل أحياناً من انتصار الكفار على المسلمين فهو استدراج وامتحان وتطهير للمؤمنين وحكم عظيمة له كما ذكر الله تعالى ذلك في سورة آل عمران.
(تباركت ربنا وتعاليت) تباركت أي عظمت بركاتك وكثرت خيراتك وتعاليت أي ترفعت عن كل نقص وعن كل سوء ومن ذلك أيضاً علوه بذاته سبحانه وتعالى والله أعلم.
السائل: قوله أوتر بسبع لما أخذه اللحم وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول كيف هذا؟ الشيخ: يعني صلى بعد الوتر ركعتين يعني لما صلى سبع صلى ركعتين لوحدهما.
القارئ: وعن علي رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في آخر الوتر (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك) رواه الطيالسي.

الشيخ: هذا من التعوذ بالصفة من ضدها بالرضا من السخط وبالمعافاة من العقوبة فكأنه يقول احلل بدل السخط رضاً وبدل العقوبة معافاة وأما (بك منك) فمعناه أني أستعيذ بك منك لأن الله تعالى هو الذي إليه المرجع فيستعيذ بالله من الله لأن الله إذا أراد بقوم سوءاً فلا مردَّ له فهو سبحانه وتعالى هو الذي منه المبتدأ وإليه المنتهى ولهذا صح أن يقال أعوذ بك منك.
القارئ: وعن عمر أنه قنت فقال (بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعين بك ونستهديك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله ونشكرك ولا نكفرك بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك) وهاتان سورتان في مصحف أبي، قال ابن قتيبة نحفد نبادر وأصل الحفد مداركة الخطو والإسراع والجِد بكسر الجيم أي الحق لا اللعب وملحق بكسر الحاء لاحق.
الشيخ: لاحق يعني ملحق بمعنى لاحق.
القارئ: وإن فتحها جاز.
الشيخ: ملحَق يعني يجوز.
القارئ: وإذا قنت الإمام أمن من خلفه فإن لم يسمع قنوت الإمام دعا هو نص عليه.
ويرفع يديه في القنوت إلى صدره لأن ابن مسعود فعله وإذا فرغ أمرَّ يديه على وجهه وعنه لا يفعل والأول أولى لأن السائب بن يزيد قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا رفع يديه ومسح وجهه بيديه رواه أبو داود.
الشيخ: الكلام في هذه القطعة أولاً ما يذكر في القنوت وما يقال فيه وهو معروف.
ثانياً هل يبدأ بقوله اللهم اهدني فيمن هاديت أو يبدأ بقوله اللهم إنا نستعين بك ونستهديك في هذا قولان في مذهب الإمام أحمد والمرجح عند الأصحاب أنه يبدأ باللهم إنا نستعين بك ونستهديك وذلك لأنه ثناء على الله عز وجل والثناء ينبغي أن يكون سابقاً للدعاء لا بعده.

ثالثاً هل يرفع يديه في القنوت في قنوت الوتر أو لا؟ فيه أيضاً قولان في مذهب الإمام أحمد والصحيح أنه يرفع لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رفع يديه في قنوت الفريضة فكذلك هنا.
رابعاً المسح إمرار اليدين على الوجه بعد الدعاء المؤلف رحمه الله ذكر روايتين عن الإمام أحمد وقال إن الأولى أن يمر يده واستدل بحديث السائب ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول إن مسح الوجه بعد الدعاء باليدين بدعة وليس بسنة هو قال إن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة أو موضوعة وابن حجر رحمه الله في بلوغ المرام يقول إن مجموعها يقضي بأنه حديث حسن لما ذكر الحديث قال إن له طرقاً ومجموعها يقضي بأنه حديث حسن والراجح أنه لا يسن مسح الوجه باليدين ولكن لو مسح بناءً على طرق هذا الحديث فنرجو أن لا يكون في ذلك بأس.
السائل: ما حكم مسح الصدر مع الوجه؟ الشيخ: أشد بدعة لم يرد فيه حديث إلا عند النوم في قراءة المعوذات.
السائل: ومسح الوجه في غير القنوت؟ الشيخ: مطلقاً كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا رفع يديه ومسح بهما وجهه مطلقاً.
السائل: كيف شيخ الإسلام يحكم بأن المسح بدعة مع أن الإمام أحمد يرى جوازه؟ الشيخ: نعم يحكم بأنه بدعة ولو يرى جوازه الإمام أحمد إذا لم يصح الحديث فالتعبد به بدعة.
السائل: هل يجوز الزيادة على هذا الدعاء؟ الشيخ: الصحيح أنه يجوز وأنه لا بأس ما لم يشق على الناس فإن شق عليهم فقد غضب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لفعل معاذ رضي الله عنه.

فصل القارئ: النوع الثالث صلاة الضحى وهي مستحبة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال أوصاني خليلي بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام متفق عليه.
وأقلها ركعتان لحديث أبي هريرة.

وأكثرها ثمان ركعات لما روت أم هاني أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فصلى ثمان ركعات فلم أرى قط صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود متفق عليه.
ووقتها إذا علت الشمس واشتد حرها لقوله عليه الصلاة والسلام (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) رواه مسلم قال أبو الخطاب يستحب المداومة عليها لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ولقوله عليه الصلاة والسلام (من حافظ على شفعة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر) أخرجه الترمذي ولأن أحب العمل إلى الله أدومه وقال غيره لا يستحب ذلك لقول عائشة رضي الله عنها ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى قط متفق عليه ولأن فيها تشبيهاً بالفرائض.
الشيخ: هذا الفصل فيه ثلاثة مباحث: الأول صلاة الضحى هل هي سنة أو لا؟ وفيها للعلماء ثلاثة أقوال القول الأول أنها ليست بسنة مطلقة واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها لأنها قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم ما رأيته يصلي الضحى قط وهي من أخص الناس به ولكن من المعلوم أن مثل هذا لا يصح أن يكون نافياً لما ثبت لأنه إذا قالت ما رأيت فيقال وغيرها رأى أو جاءت أحاديث قولية غير فعلية تدل على استحبابها.
القول الثاني أنها سنة دائماً عكس القول الأول فيسن للإنسان أن يصلي ركعتي الضحى دائماً واستدل هؤلاء بحديث أبي هريرة وبحديث (يصبح على كل سلامى من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس) قال (ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) قالوا فلو لم يكن منهما إلا هذه الفائدة لكفى في مشروعيتهما كل يوم.

والقول الثالث أن من كان له تهجد من آخر الليل فلا يسن له المداومة عليها ومن لم يكن له تهجد سن له أن يداوم عليها وحملوا حديث أبي هريرة على ذلك وقالوا إن أبا هريرة رضي الله عنه ليس له تهجد في آخر الليل لأنه كان يسهر أول الليل لتحفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمره أن يوتر قبل أن ينام ولو كان من عادته أن يتهجد لأمر أن يوتر في آخر الليل وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فتكون مستحبة دائماً لمن لم يكن له تهجد ولا يستحب مداومته عليها لمن كان له تهجد وقال إن هذا يجمع بين الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قوله وفعله.
البحث الثاني ما أقلها وما أكثرها؟ أقلها ركعتان وأكثرها ثمان أما كون أقلها ركعتين فظاهر لحديث أبي هريرة (وركعتي الضحى) وأما كون أكثرها ثمان فلحديث أم هانئ ولكن الصحيح أنه لا حد لأكثرها وأن الإنسان يصلي ما شاء وأما حديث أم هانئ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام صلى ثمان ركعات ولم يقل لا تزيدوا عليها وأيضاً فقد نازع بعض العلماء في هذه الصلاة التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة فقال بعضهم إنها صلاة فتح وليست صلاة ضحى واستحبوا لكل من فتح بلداً أن يصلي ثمانيَ ركعات فيكون الخلاف هنا في أصل المسألة.
البحث الثالث ظاهر كلام المؤلف أن وقت صلاة الضحى لا يكون إلا بعد ارتفاع الشمس وعلوها والصحيح أنه يكون من حين زوال النهي وذلك بأن ترتفع الشمس قيد رمح لكن آخر الوقت أفضل من أوله ويمتد وقتها إلى قبيل الزوال أي إلى أن يدخل وقت النهي عند زوال الشمس.
السائل: بعض الناس يرفع يديه في الدعاء لكن يضعهما على فخذيه وهو جالس على هيئة التشهد؟ الشيخ: رفع اليدين في الصلاة في غير القنوت بدعة وإذا كان في غير الصلاة فإن اليدين ترفع إلى الصدر وعند الابتهال يرفع أكثر.

فصول الكتاب · 13 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة · 500 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب التفليس
كتاب الصلح
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الوقف
جارٍ التحميل