المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
- عدد الأجزاء
- 5 [الكتاب مرقم آليا]
وفي هذا دليل على أن الخطبة تسمى ذكراً ونستفيد من هذه الفائدة وجوب حضور الخطبة واستماعها لقول الله تعالى (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) فنقول (إلى ذكر الله) أي إلى الخطبة فيستدل به على وجوب حضور خطبة الجمعة والاستماع إليها.
وفي حديث علقمة مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه دليل على حرص الصحابة على التقدم في الجمعة وعلى تأسفهم إذا وجدوا غيرهم قد سبقهم لقول ابن مسعود (رابع أربعة) كأنه انتقد نفسه وأحب أن يكون هو الأول والمراد تقدم الإنسان في نفسه لا بمنديله ولا بكتابه ولا بكرسي المصاحف كما يفعل بعض الناس اليوم تجده يضع المنديل بعضهم يضع المسواك بعضهم يضع المفاتيح وما أبلغ أمنه إذا وضع المفاتيح لأنه يخشى أن يأتي إنسان يأخذ المفاتيح ويقول الحمد لله مفتاح سيارة ومفتاح باب لكن مع ذلك عندهم قوة أمن فالمراد بالتقدم إلى الجمعة أن يتقدم الإنسان بنفسه ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله في جواز وضع الشيء في المكان ليحجزه لنفسه؟ فمنهم من أجاز ذلك ومنهم من منعه فمن أجازه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أذن ببناء الخيمة في المسجد وهذا نوع من الحجز لأن مكان الخيمة لن يصلي فيه أحد ولن يستقر فيه إلا صاحبه ومنهم من منع ذلك وقال إنه لا يجوز وأن هذا تحجر لمكانٍ غيرُه أحق به منه والراجح التفصيل في هذا أنه إذا وضع هذا الشيء ليحجز به المكان وهو قد خرج من المسجد لعذر وسيعود بعد انتهاء عذره فإن هذا لا بأس به لحاجة الإنسان إلى الخروج وإن كان وضع هذا المكان وخرج إلى بيته وأهله ومتجره فهذا جناية على من سبق لأنه أحق بهذا المكان منه.
السائل: الذي ذكرته في زيادة الساعة الأولى قال محقق الكافي طبعة دار الفكر الشيخ سليم يوسف وهذه الزيادة انفرد بها مالك في الموطأ والحديث منسوب للشيخين وهذه الزيادة ليست عندهما فلم نثبتها في المتن وليست عندنا في الأصل.
الشيخ: لكن إذا قيل كيف نعرف أنها الأولى؟ نقول لأنه لما قال ومن راح في الثانية فيكون قوله من راح يعني في الأولى ومن راح يعني في الثانية فهو وإن لم تكن موجودة لفظاً فبقية الحديث يدل عليها.
القارئ: ويستحب أن يأتيها ماشياً ليكون أعظم للأجر وعليه سكينة ووقار لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تأتوا الصلاة وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار) متفق عليه ويقارب بين خطاه لتكثر حسناته.
الشيخ: أما كون الأفضل أن يأتيها ماشياً فكما قال المؤلف رحمه الله لأجل أن ينال أجر الخطا.
وأما قوله رحمه الله ويقارب بين خطاه ففي هذا نظر لأن المقاربة بين الخطا أمر يقصد ولو كان من الأمور المشروعة لبينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم (لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة ويحط بها عنه خطيئة) فالمراد الخطوة المعتادة وأما أن يقصر خطاه بزيادة الأجر ففي هذا نظر ظاهر.
وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (عليكم السكينة والوقار) الفرق بينهما أن الوقار في الظاهر والسكينة في الباطن قال الله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) فيكون ساكن القلب مطمئناً وقوراً بحيث لا يتحرك حركات تخالف الوقار والمروءة.
فصل
القارئ: ويستحب أن يغتسل ويتطيب ويتنظف بقطع الشعر وقص الظفر وإزالة الرائحة لما روى أبو سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته ثم يخرج) فلا يفرق بين اثنين ثم صلى ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر الله له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) رواه البخاري.
الشيخ: قوله يستحب أن يغتسل سيأتي رواية أخرى عن أحمد أن الغسل واجب وقوله ويتطيب بماذا يتطيب؟ بالطيب البخور أو الدهن والدهن أبقى.
وقوله ويتنظف بيَّن التنظيف بقوله بقطع الشعر وقص الظفر وإزالة الرائحة، قطع الشعر الذي يسن قطعه مثل الشارب والأبط والعانة ولا تترك هذه الأشياء الثلاثة فوق أربعين يوماً لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقتها ولو جعل الإنسان لنفسه موعداً معيناً حتى لا ينسى لكان حسناً مثل أن يتخذ أول جمعة في الشهر أو آخر جمعة أو ثاني جمعة أو ثالث جمعة من كل شهر لا تعبداً لله بهذا التوقيت ولكن لأجل أن لا ينسى لأن الإنسان إذا ترك التوقيت نسي فزاد على أربعين إلا إذا طال الشعر أو الظفر قبل الأربعين فتزال من حيث تطول.
القارئ: وعنه أن الغسل واجب لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (غسل الجمعة واجب على كل محتلم والسواك وأن يمس طيبا) رواه مسلم.
الشيخ: المؤلف رحمه الله أخطأ في هذا الحديث من وجهين الوجه الأول أنه قال لما روي وهذه صيغة تدل على التضعيف.
الثاني أنه قال رواه مسلم مع أن الجملة الأولى منه (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) قال في البلوغ إنه أخرجها السبعة كل أصحاب السنن والصحيح أخرجوها البخاري ومسلم والإمام أحمد كلهم أخرجوا هذا الحديث (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) وهذا هو الصحيح أنه واجب ويدل عليه أمور الأول لفظ (واجب) صريح في الوجوب وقد صدرت من أعلم الخلق بالشرط ومن أعلم الخلق بما يقول ومن أعلم الخلق بمدلولات الألفاظ ومن أفصح الخلق ومن أنصح الخلق فلا يمكن أن يطلق مثل هذا اللفظ وهو يريد من الأمة أن يدعوه إذا شاؤوا فهو صريح في الوجوب ومعلوم أن هذه العبارة لو وجدت في مصنف من المصنفات للفقهاء ما شك القارئ أن المصنف يرى أنه واجب فكيف وقد صدرت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الثاني أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) والأصل في الأمر الوجوب لأن الله هدد المخالف فقال (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) الثالث أن الصحابة فهموا الوجوب فإن عثمان بن عفان رضي الله عنه أتى وعمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة وكأنه عرَّض به فقال والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت فقال والوضوء أيضاً وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) فلامه على ذلك ولا موجب لصرفه عن الوجوب ليس فيه إلا حديث سمرة المرسل الركيك اللفظ وهو قوله (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل) هذا الكلام بمجرد ما تسمعه تكاد تجزم أنه لم يخرج من مشكاة النبوة كلام ركيك وبعيد أن يكون الرسول قد قاله عليه الصلاة والسلام على ما في الخلاف من حديث الحسن عن سمرة ونقول أيضاً إيجاب ذلك على الناس أحوط من عدم الإيجاب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من (من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).
فإن قال قائل هل وجوبه كوجوب الغسل من حدث بحيث لو لم يفعل لم تصح صلاته؟ فالجواب لا لأن الصحابة يكاد يكون إجماعاً بينهم في قصة عمر أنه أي الاغتسال ليس بشرط لصحة الصلاة بل هو واجب للصلاة وليس شرطاً فيها.
فإن قال قائل وهل يجزئ الغسل بعد الصلاة؟ فالجواب لا لأن الغسل للجمعة أي لصلاة الجمعة وإذا انتهت الصلاة فلا فائدة من الغسل لأنه انتهى المقصود.
أما السواك وأن يمس طيباً فهذا ليس بواجب بالاتفاق على أن أحد رواته ونسيت من هو وأظنه أبا سعيد قال أما الغسل فواجب وأما السواك فلا أدري وكأنه توقف لأن السواك لا يحصل به من التنظيف كما يحصل من الاغتسال ويتأكد الاغتسال في أيام الصيف وأيام الحر التي يكثر فيها العرق وتفوح الرائحة ولهذا توسط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال إن غسل الجمعة واجب على من فيه رائحة لا تزول إلا بالاغتسال لكن العموم أولى أعني عموم الوجوب أولى من القول بالتقييد.
السائل: ما إذا كانت الرائحة طبيعية لا يمكن أن تزول بالغسل؟
الشيخ: إذا كانت الرائحة طبيعة فلا يمكن أن تزول بالغسل لكن من الممكن أن يدهن بأطياب قوية تخفف الرائحة لأنه يوجد أطياب لها رائحة قوية تخفف الرائحة.
السائل: بعض العطور التي يضعها الرجل قد تؤذي رجلاً آخر؟
الشيخ: إذا كان يؤذي أكثر الناس فلا يستعمله.
القارئ: والمذهب الأول لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل) قال الترمذي هذا حديث حسن والخبر الأول أريد به تأكيد الاستحباب ولذلك ذكر فيه السواك والطيب وليسا واجبين.
الشيخ: هذا غير مسلم ليسا واجبين وإذا سلمنا بإجماع العلماء يعني مثلا بأن العلماء أجمعوا على أن السواك والطيب غير واجبين فنقول خرج هذا بالإجماع أنه ليس بواجب ودلالة الاقتران ضعيفة ولم يقل بها إلا نفر قليل من العلماء ولهذا كان القول الصحيح أن الخيل حلال وإن كانت مقرونة في القرآن بالحمير والبغال.
القارئ: ووقت الغسل بعد الفجر لقوله (يوم الجمعة) والأفضل فعله عند الرواح لأنه أبلغ في المقصود ولا يصح إلا بنية لأنه عبادة.
الشيخ: قوله رحمه الله وقت الغسل بعد الفجر هذا فيه احتمال لا شك لأن اليوم الشرعي يدخل بطلوع الفجر لكن لو أخره إلى ما بعد طلوع الشمس لكان أحسن لأنه إذا أخره حتى طلوع الشمس كان اغتساله في اليوم قطعاً وقبل طلوع الشمس أمر مشكوك فيه.
وقوله ولا يصح إلا بنية لأنه من العبادة وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إنما الأعمال بالنيات).
القارئ: فإن اغتسل للجمعة والجنابة أجزأه وإن اغتسل للجنابة وحدها احتمل أن يجزئه لقوله عليه السلام (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة) ولأن المقصود التنظيف وهو حاصل واحتمل أن لا يجزئه لقوله عليه السلام (وليس للمرء من عمله إلا ما نواه).
الشيخ: الظاهر أنه روى الحديث بالمعنى (ليس للمرء من عمله إلا ما نواه) لأنه قريب من معنى (وإنما لكل امرئ ما نوى) والذي يظهر أنه يجزئ إذا نوى عن الجنابة وغاب عن ذهنه نية الغسل للجمعة فإنه يجزئه.
لكن لو نوى للجمعة دون الجنابة هل يجزئه أو لا؟ لا يجزئه لأن غسل الجنابة عن حدث ولابد من رفعه بالنية وغسل الجمعة تنظيف وليس عن حدث ولا يجزئ الأدنى عن الأعلى.
لو نواهما جميعاً؟ صح كما لو نوى بالراتبة تحية المسجد مع الراتبة وإن اغتسل أولاً عن الجنابة ثم عاد واغتسل للجمعة يجزئ أم لا؟ يجزئ بل قال الفقهاء إنه أكمل أن يغتسل للواجب أولاً ثم للمسنون ثانياً وقال ابن حزم رحمه الله لا يجزئ أحدهما عن الآخر بل لابد أن يغتسل أولاً للجنابة ثم ثانياً للجمعة وبناءً على هذا يكون إعادة الغسل مرتين يكون أحوط من وجه آخر إتقاءً لهذا القول الذي ذهب إليه ابن حزم وإن كنا نرى أنه قول ضعيف لكنه قد قيل.
وأما قول المؤلف لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة) فقد سبق أن معناه كغسل الجنابة.
فصل
القارئ: وإذا أتى المسجد كره له أن يتخطى الناس لقوله عليه السلام (ولم يفرق بين اثنين) إلا أن يكون إماماً ولا يجد طريقا فلا بأس بالتخطي لأنه موضع حاجة ومن لم يجد موضعاً إلا فرجة لا يصل إليها إلا بتخطي الرجل والرجلين فلا بأس فإن تركوا أول المسجد فارغاً وجلسوا دونه فلا بأس بتخطيهم لأنهم ضيعوا حق نفوسهم وإن ازدحم الناس في المسجد وداخله اتساع فلم يجد الداخل لنفسه موضعاً فعلم أنهم إذا قاموا تقدموا جلس حتى يقوموا وإن لم يرجو ذلك فله تخطيهم لأنه موضع حاجة.
الشيخ: قول المؤلف رحمه الله كره أن يتخطى الناس في الاقتصار على الكراهة نظر لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتخطى الناس فقال له (اجلس فقد آذيت) والأمر للوجوب ولا سيما أنه علل ذلك بالأذية وأذية المسلمين محرمة ولا سيما إذا كان ذلك في وقت الخطبة فإنه مع أذيتهم بالتخطي يوجب أن تنشغل قلوبهم عن استماع الخطبة.
أما ما ذكره من الإمام إذا لم يكن له باب من قبلة المسجد فنعم لأن تخطيه لحاجة وأما ما ذكره ممن رأى فرجة تركها من تقدم ففي النفس من هذا شيء لأن ظاهر الحديث في الرجل الذي يتخطى الناس العموم فهي قضية عين تحتمل أن الرجل يتخطى لفرجة ويحتمل أنه يتخطى لعله يجد فرجة لذلك لا نرى أن يتخطى لأجل الفرجة لكن نرى أن من تقدموا فلا ينبغي لهم أن يدعوا فرجاً كما نراه بعض الأحيان تجد في الصفوف الأولى متسعات يعني تكاد تقول كل رجل بينه وبين أخيه ما يسع لرجل آخر وهذا تضييق للمسجد ومنع لغيرهم ممن يأتي ليتخذ مكاناً.
السائل: كيف نجيب على قولهم الذين يقولون إن قوله صلى الله عليه وسلم (واجب) هذا يرد في اللغة العربية كقولهم حافظت علي واجباً ويقولون إن الرسول صلى الله عليه وسلم لسان عربي مبين فهو من أهل اللغة فهو يأتي ما تدل عليه اللغة.
الشيخ: وهل إن كلمة واجب في اللغة لا تأتي إلا للمستحب؟ لا، وما هو الأصل؟ الأصل أنها تأتي للواجب فإذا كان الأصل أن تأتي للواجب فالواجب إجراء النصوص على ظاهرها ثم إن قول حققك علي واجب أولاً من قال إن هذه عبارة موروثة عن العرب قد تكون هذه عبارة عرفية ثم إن حق المسلم على المسلم واجب الأصل فيه الوجوب هذا الأصل ولهذا من استثنى من الحقوق الخمسة التي جمعها الرسول في قوله (حق المسلم على المسلم) خمسة من استثنى واحداً منها بأنه للاستحباب طولب بالدليل.
السائل: من يقول غسل الجمعة لا يرفع الحدث مع أن الغسل واجب وغسل الجنابة واجب وهو يرفع الحدث فكلاهما واجب؟
الشيخ: نعم لكن غسل الجنابة عن حدث فإذا نوى ذلك اختفى، وغسل الجمعة للنظافة ليس عن حدث وأما وجوبه فهو واجب للنظافة فكيف يرفع حدثاً لم ينوه.
القارئ: وليس لأحد أن يقيم غيره ويجلس مكانه لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يقيم الرجل الرجلَ من مقعده ويجلس فيه) متفق عليه وإن قام له رجل من مكانه وأجلسه فيه جاز لأن الحق له لكن إن كان المنتقل ينتقل إلى موضع أبعد من موضعه كره لما فيه من الإثار بالقربى.
ولو قدم رجل غلامه فجلس في موضعه فإذا جاء قام الغلام وجلس مكانه فلا بأس به كان ابن سيرين يفعله وإن فرش له مصلى لم يكن لغيره الجلوس عليه وهل لغيره رفعه والجلوس في موضعه؟ فيه وجهان.
وإن قام الجالس من موضعه لحاجة ثم عاد إليه فهو أحق به لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) رواه مسلم وإن نعس فأمكنه التحول إلى مكان لا يتخطى فيه أحداً استحب له ذلك لما روى ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه فليتحول إلى غيره) من المسند وهو حديث صحيح.
الشيخ: هذه مسائل في هذا القطعة:
المسألة الأولى أنه لا يجوز أن يقيم غيره ويجلس مكانه واستدل لذلك بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لا يقيم الرجل رجلاً من مقعده ويجلس فيه) متفق عليه والنفي هنا بمعنى النهي وإذا جاء النفي بمعنى النهي فهو أبلغ في الزجر عنه لأن التقدير أن هذا أمر معلوم بحيث صار سجية وطبيعة بأن الإنسان لا يقيم غيره وظاهر كلام المؤلف أنه لا يقيم أخاه الصغير ولا ابنه ولا الصبي الصغير لعموم قوله وليس لأحد أن يقيم غيره ويجلس مكانه وهذا حق أنه لا يجوز أن يقيم الإنسان غيره ويجلس مكانه مهما كان هذا الغير.
المسألة الثانية إذا قام له الرجل من مكانه وأجلسه فيه فهل له أن يقبل؟ الجواب نعم له أن يقبل لأن الحق للجالس الأول فإذا أسقطه فلا بأس.
المسألة الثالثة هل للإنسان أن يقدم غيره في المكان الفاضل ويتأخر إلى المكان المفضول؟ يقول المؤلف إن هذا مكروه لما فيه من الإيثار بالقرب وهذا صحيح يعني لا ينبغي للإنسان أن يوثر غيره بالقربى لأنه سيحتاج إليها إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة أكبر مثل أن يؤثر أباه أو أحداً له فضل على الناس بمال أو علم أو ما أشبه هذا ويريد أن يؤثره تشجيعاً له ولغيره فهذا يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل.
المسالة الرابعة إذا قدم أحداً يجلس في مكان فاضل حتى يحضر سواء كان غلامه أو ابنه الصغير أو غيرهما فهل له ذلك؟ يقول المؤلف إنه لا بأس واستدل بفعل ابن سيرين وابن سيرين من التابعين وفعله ليس بحجة وقوله ليس بحجة لأن العلماء اختلفوا في قول الصحابي هل يكون حجة أم لا فضلاً عن قول التابعي ولهذا نرى أن في النفس شيئاً وذلك أن هذا الذي قدم فجلس لم يتقدم لنيل الفضل له وإنما تقدم لنيل الفضل لغيره وغيره ليس له حق أن يتقدم في المكان الفاضل ويتأخر من سبقه بالمجيء فهو يشبه التحجر بقطعة المنديل أو بالسجادة أو ما اشبه ذلك.
المسالة الخامسة هل له أن يفرش شيئاً في مكان ليصلي فيه إذا حضر؟ المذهب أن ذلك جائز وليس لغيره أن يجلس فيه لأن هذا المصلى للذي فرشه ولا يجوز أن يصلي عليه فيتصرف في مال غيره لكن هل للغير أن يرفعه؟ يقول المؤلف إن فيه وجهين: الوجه الأول أن له أن يرفعه لأن هذا وضعه بغير حق والوجه الثاني ليس له أن يرفعه والمذهب أنه ليس له أن يرفعه إلا إذا أقيمت الصلاة ولا شك أنه لو رفعه سوف يكون بينه وبين صاحبه خصومة وشجار وعداوة وينظر كل واحد منهما إلى الآخر نظرة غضب ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح لكن ينصح هذا الرجل الذي يضع مصلى أو غيره يحجزه عن الناس الذين هم أحق به منه ينصح ويقال يا أخي لا تفعل هذا لأنك إذا فعلت حرمت غيرك المكان الفاضل وإذا فعلت فإنك تعتمد على أنك قد وضعت مكاناً لك في مقدم المسجد فتتهاون في الحضور والتقدم كما هو الشأن الآن فيما يشاهد الناس أن الذين يحجزون في الأماكن المتقدمة تجدهم لا يأتون إلا في آخر الناس لأنه يرى أنه قد ضمن لنفسه أن يكون في الصف الأول فيتأخر أما إذا قام من مجلسه لعذر ثم رجع فإنه أحق بمكانه وله أن يقيم من جلس فيه لكن ينغي له إذا خرج لعذر أن يضع في مكانه شيئاً يدل على أنه سيرجع لئلا يجلس فيه أحد فيحصل النزاع إذا رجع وقال قم عن مكاني وكلما حصل به درء المشاجرة بين المسلمين فهو خير.
المسألة الأخيرة إذا نعس فالأفضل أن يتحول إلى مكان آخر واستدل له المؤلف بحديث في المسند وقال إنه حديث صحيح وربما يشهد له أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما نام في السفر ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس أمرهم أن يتحولوا إلى مكان آخر فارتحلوا إلى مكان آخر ولكن إذا لزم من هذا أن يتخطى رقاب الناس فنقول له لا تتخطى تبقى في مكانك وتحاول طرد النعاس بالتسوك أو تغيير الجلوس مثلاً أو إذا كان لا يؤثر على من إلى جانبه بالتحدث إليه قليلاً يعني قبل مجيء الإمام المهم أنه يحاول أن يطرد النعاس.
السائل: مجيء الإنسان مبكراً ولكنه متعب ويأتي فيضع مثلاً سجادة أو كتاب في موضعه ثم ينام في غير موضعه لكنه في المسجد؟
الشيخ: ما دام في المسجد فلا بأس.
السائل: إذا قام رجل من مكانه يؤثر رجلاً فهل الأفضل قبول ذلك أم ينصحه أن لا يؤثر غيره؟
الشيخ: يقول إذا آثر غيره فهل الأفضل للمؤثَر أن يقول يا فلان لا تؤثر أحداً في مكانك الفاضل أو أن يقبل تحوله عنه وإيثاره؟ ينظر للمصلحة لأنك لو قلت له إنه لا ينبغي أن تفعل هذا ورددت إيثاره إياك صار في نفسه شيء لأنه ما قام إلا ليكرمك وأنت إذا رددته أهنته فالذي أرى أنك تقبل هذا الإيثار ثم بعد ذلك تنصحه.
فصل القارئ: ويتستحب الدنو من الإمام لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغُ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها) رواه ابن ماجة والنسائي وإن حضر قبل الخطبة اشتغل بالتنفل أو ذكر الله وقراءة القرآن ويكثر من الدعاء لعله يوافق ساعة الإجابة ويكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرأ سورة الكهف لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقي الفتنة).
فصل
القارئ: فإذا جلس الإمام على المنبر انقطع التنفل فإذا أخذ في الخطبة حرم الكلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب أنصت فقد لغوت) متفق عليه، وروى ثعلبة بن مالك أنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر فإذا سكت المؤذن قام عمر ولم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلموا وعنه لا يحرم الكلام لما روى أنس قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال يا رسول الله هلك الكراع هلك الشاء فادعو الله أن يسقينا وذكر الحديث متفق عليه والأول أولى وهذا يحتمل أنه في تكليم الخطيب دون غيره لأنه لا يشتغل بتكليمه عن سماع خطبته.
الشيخ: الصواب المتعين في هذا أن الكلام حال خطبة الجمعة محرم ولا إشكال في هذا وأستغرب أن يكون للإمام أحمد رحمه الله رواية في عدم التحريم لأنه رضي الله عنه ورحمه من المتمسكين بالسنة والسنة في هذا واضحة وما أوردوه استدلالاً فإنه لا دليل فيه لأن هذا الرجل يكلم الخطيب فلا يشتغل بتكليمه عن سماع الخطبة إذ أن الخطيب سوف يكلمه ولا يخطب على تكليمه ويستثنى من ذلك ما إذا دعت الضرورة إلى الكلام كما لو تكلم لإنقاذ معصوم من هلكه فإن ذلك جائز مثل أن يرى شخصاً يخشى أن يسقط في بئر أو نحوه فيتكلم فهنا الكلام جائز بل هو واجب لأنه لإنقاذ معصوم.
وهل يتكلم جواباً لسؤال أو رداً لسلام؟ الجواب لا يرد السلام ولكن إذا انتهت الخطبة يقول للمسلم إنه لا يحل لك أن تسلم ولا يحل لغيرك أن يجيبك على سلامك لأن لا يتهمه بالكبرياء وليفهم الحكم فهو إذا أخبره بهذا استفاد فائدتين الفائدة الأولى له والفائدة الثانية لمن لم يجبه الفائدة لمن لم يجبه أنه يدفع عن نفسه تهمة الكبر والفائدة لمن لم يسلم أنه يعرف الحكم حتى لا يعود مرة ثانية ويسلم وهل يسكت المتكلم نقول أما بالاشارة فنعم وأما بالعبارة فلا لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب أنصت فقد لغوت) واللغو أن لا يدرك أجر الجمعة وعلى هذا فيكون معنى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ومن لغا فلا جمعة له) يعني أنه لا يدرك فضلها وليس المعنى أن صلاته تبطل بل صلاته صحيحة مجزئة ولا أظن في ذلك خلافاً لكن أجر الجمعة الخاص لا يناله لأنه لغا وفي مسند الإمام أحمد (أن الذي يتكلم والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً والذي يقول أنصت لا جمعة له).
السائل: عندما نسمع ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام في الخطبة فإننا نصلي عليه؟
الشيخ: لو صليت عليه هل هذا كلام أو دعاء؟ دعاء ثبت لوجود سببه فأنت تقول اللهم صلِّ وسلم عليه بحيث لا تشوش على من حولك أو تقول آمين لأن تأمينك على صلاة الخطيب بمنزلة دعائك أنت إذ أن المؤمِّن على دعاء يستمع إليه داعٍ ودليل هذا قوله سبحانه وتعالى في قصة موسى وهارون (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) والداعي موسى لكن قالوا إن هارون كان يؤمن فقال الله (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) فأنت إذا سمعت أحداً يصلي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنت تستمع إليه وقلت آمين كفى.
السائل: مما لا شك فيه أن ما وجد سببه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفعله ولا الصحابة ولا السلف الصالح أنه مخالف للسنة هل ثبت عن السلف أنهم كانوا يرفعون أيديهم بين الخطبتين؟
الشيخ: يقولون ما ثبت بطريق العموم ولم ينقل فعدم النقل ليس نقلاً للعدم ومن المعلوم أن هذه الساعة ساعة إجابة وأن من آداب الدعاء رفع اليدين فإذا رفع أحد يديه فإننا لا ننكر عليه لأن هذا الوقت وقت إجابة وهذا هو الذي يتبين به إطلاق أن عدم النقل ليس نقلاً للعدم معناه ما ثبت بعموم أو نحوه فلا يحتاج إلى أن ينقل العمل به لأن الأصل أنهم يعملون به ويقال عدم النقل ليس نقلاً للعدم نعم لو نقل أنهم لا يفعلون حينها نقول لا تفعل ادعو الله بدون رفع اليدين كما تقول ربي اغفر لي في الصلاة وأنت لا ترفع يديك.
السائل: ما حكم رفع اليدين في الخطبة؟
الشيخ: رفع اليدين في الخطبة أنكره الصحابة على بشر بن مروان لكن قد ثبت رفع اليدين في الخطبة في حال الاستسقاء وفي حال الاستصحاء وفي غير ذلك لا تُرفع الأيدي لا الخطيب ولا المستمع.
السائل: ذكر بعض العلماء أنه إذا ورد النص العام فإنه لا يعمل بجزء منه إلا إذا ثبت عن السلف العمل به؟
الشيخ: نعم هذه قاعدة مهدومة لأن الأصل هو العمل والأصل أن العام شامل لجميع أفراده لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر التشهد (وعلى عباد الله الصالحين) قال (إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض).
القارئ: والبعيد والقريب سواء في ذلك وقد روي عن عثمان أنه قال إن للمنصت الذي لا يسمع من الخطبة مثل ما للسامع إلا أن للبعيد أن يذكر الله ويقرأ القرآن سرا وليس له الجهر ولا المذاكرة في الفقه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلق يوم الجمعة والإمام يخطب وروى أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة.
الشيخ: يقول رحمه الله القريب والبعيد في هذا سواء يعني كل من في المسجد لا يجوز لهم الكلام لكن من لم يسمع فله أن يذكر الله عز وجل أو يسبح أو يقرأ القرآن أو يطالع في الفقه بشرط أن لا يشوش على غيره فإن شوش على غيره فإنه يمنع ربما يكون مثلاً إنسان يقلب الكتاب ويسمع له صوت ويشوش على الناس فهذا يمنع ولو كان بعيداً ثم إن المؤلف رحمه الله استدل بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التحلق يوم الجمعة في اللفظ الأول التحلق والإمام يخطب وفي الثاني التحلق قبل الصلاة فيحتمل أنه أراد بما قبل الصلاة وقت الخطبة ويحتمل أنه أراد ما هو أوسع يعني حتى ما قبل ذلك فإن كان الأول فالنهي ظاهر لأن الناس إذا تحلقوا والإمام يخطب غفلوا عما يقول الخطيب وإن كان الثاني فإنه يحمل على ما إذا كان التحلق يضيق على من سبق إلى المسجد لأن يوم الجمعة يتقدم الناس فإذا كان هناك تحلق فإنه يضيق على المصلين الذين قدموا للجمعة من وجه وربما يشوش عليهم بالأصوات من وجه آخر فلهذا نهى عن التحلق أما لو كان هناك حلقة بعد صلاة الفجر يوم الجمعة وتنتهي قبل أن يبدأ حضور الناس فهذه لا نهي فيها.
القارئ: ومن يسمع متكلماً لم ينهه بالقول للخبر ولكن يشير إليه ويضع أصبعه على فيه وإن وجب الكلام مثل تحذير ضرير شيئاً مخوفاً فعليه الكلام لأنه لحق آدمي فكان مقدماً على غيره ومن سأله الإمام عن شيء فعليه إجابته لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الداخل (أصليت) فأجابه وسأل عمر عثمان فأجابه.
الشيخ: إن سأله الإمام يقول فعليه الإجابة وجوباً أو استحباباً؟ إن كان الإمام ممن يصر على ما يتكلم به فإجابته واجبة لأنه لو لم يجبه لأعاد عليهم الطلب مرة ثانية وربما زجره وإن كان الإمام من أهل اليسر والتسهيل فإن الإجابة لا تجب إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة عامة كما لو انقطع تيار الكهرباء مثلاً أو مكبر الصوت وقال يا فلان أصلح هذا فهنا قال يجب أن يجيبه لأن لا تتعطل المصلحة.
قصة عمر مع عثمان ما هي؟ تأخر وقال أيضاً لم أزد على أن توضأت فقال له عمر والوضوء أيضاً وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل).
القارئ: وفي رد السلام وتشميت العاطس روايتان إحداهما يفعله لأنه لحق آدمي فأشبه تحذير الضرير والأخرى لا يفعله لأن المُسلِّم سَلَّم في غير موضعه والتشميت سنة لا يترك لها الإنصات الواجب.
الشيخ: الصحيح أنه لا يجوز لا رد السلام ولا تشميت العاطس ولو حمى وذلك لأن الاستماع إلى الخطبة أهم وإذا كان من نهى عن منكر يلغو فهذا مثله وكما قال المؤلف المسلِّم سلَّم في غير وقت تسليم لأن هذا وقت لا يسلم فيه على أحد.
القارئ: ولا يتصدق على سائل والإمام يخطب وإذا لم يسمع الخطبة فلا بأس أن يشرب الماء.
الشيخ: وإن كان يسمع ظاهر كلام المؤلف أنه لا يشرب لكن يقال إن احتاج وعطش عطشاً يشغله عن استماع الخطبة فلا بأس أن يقوم ويشرب.
فصل
في كلام الخطيب
القارئ: ولا يحرم الكلام على الخاطب لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكلم وعمر سأل عثمان أية ساعة هذه فإذا وصل الخطيب إلى الدعاء ففيه وجهان أحدهما يباح الكلام لأنه فرغ من الخطبة والثاني لا يباح لأنه تابع للخطبة أشبه التطويل في الموعظة.
الشيخ: الوجه الثاني هو الصحيح أنه ما دام الخطيب لم يسكت فإن الواجب الإنصات.
وظاهر كلام المؤلف لا يحرم الكلام مع الخاطب فللخاطب أن يتكلم بما شاء متى شاء وليس كذلك بل لا يتكلم إلا لمصلحة أو حاجة حتى الخطيب لا يتكلم إلا لمصلحة أو حاجة فأما لدون مصلحة أو حاجة فلا يجوز أن يتكلم فلو دخل أحد قد أوصاه الخطيب بشيء فلما دخل قال له اشتريت الذي وصيتك عليه وهو يخطب هذا لا يصح لكن لحاجة أو مصلحة لا بأس.
فصل
القارئ: ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما لما روى جابر قال دخل رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب قال (صليت يا فلان) قال لا قال (فصلِّ ركعتين) متفق عليه زاد مسلم ثم قال (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما).
الشيخ: هذا الحديث استدل به بعض العلماء على وجوب تحية المسجد وعلل ذلك بأن الانشغال في التحية يستلزم الانشغال عن سماع الخطبة وسماع الخطبة واجب ولا ينشغل عن واجب إلا بواجب وفيه أيضاً دليل على تقديم الواجب على السنة والمستحب لقوله (وليتجوز فيهما) لأن الأمر بالتجوز من أجل التفرغ لاستماع الخطبة مع أن تطويل الإنسان في صلاة النفل بكثرة الدعاء والقراءة أفضل لكن لهذا العارض أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتجوز فيؤخذ من هذا القاعدة المعروفة أن الواجب مقدم على النفل إذا كان من جنسه أما إذا كان من غير جنسه فله تفصيلات.
فصل القارئ: ويسن أن يصلي بعد الجمعة أربعا لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصلِّ بعدها أربعا) رواه مسلم وإن شاء صلى ركعتين لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين متفق عليه وإن شاء صلى ستا لأن ابن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله.
الشيخ: هذه ثلاث صفات ركعتان وأربع وست لكن الرواية الثانية عن ابن عمر تحتاج إلى تخريج لأن المعروف أنه كان يصلي ركعتين في بيته فمن العلماء من قال إنه مخير كما مشى عليه المؤلف ومنهم من قال يسن ركعتان فقط ومنهم من قال يسن أربع ركعات ومنهم من قال إن صلاها في المسجد فأربع وإن صلاها في البيت فركعتان قال لأن السنة الفعلية أن الرسول صلى في البيت ركعتين والسنة القولية قال (فليصلِّ بعدها أربعاً) فيحمل هذا على ما إذا كان في المسجد وأما في البيت فلا يزيد على ما صلاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا شك أن الأحوط أن يصلي أربعاً سواءً في البيت أو في المسجد لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم مقدم على فعله وبعض العلماء قال يصلي ستاً لا لهذا الحديث الذي أشار إليه المؤلف حديث ابن عمر ولكن قال نجمع بين القول والفعل فالقول أربع والفعل ركعتان والجميع ست ركعات والأمر في هذا واسع لكن الذي تطمئن إليه النفس أنه يصلي أربعا سواءً في المسجد أو في بيته إلا إذا صح حديث ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي ستاً فالأخذ بالأكثر هو الأفضل.
القارئ: ويستحب أن يفصل بين الجمعة والركوع بكلام أو رجوع إلى منزله لما روى السائب بن يزيد قال قال لي معاوية إذا صليت صلاة الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بذلك رواه مسلم.
الشيخ: نعم فيسن أن يفصل بين الفرض وسنته سواءً الجمعة وغير الجمعة بكلام أو انتقال من مكانه أما الكلام فصريح (حتى تتكلم أو تخرج) وأما الانتقال من المكان فلأنه يحصل به الفصل بين الفرض والسنة إلا إذا كان لا مكان مثل أيام الزحام في المسجد الحرام والمسجد النبوي فلا بأس أن يصلي في مكانه على أن الأفضل أن يصلي الإنسان النوافل في البيت حتى في المسجدين المسجد الحرام والمسجد النبوي لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي النوافل في بيته وقال (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة).
السائل: هل الكلام هنا التسبيح أو كلام الآدميين؟
الشيخ: الظاهر والله أعلم أنه ما يحصل به التمييز سواءً كان تسبيحاً طويلاً أو كلام آدميين يعني يطول التسبيح ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ثم يقوم يصلي.
فصل القارئ: ويستحب أن يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة (الم (1) تَنْزِيلُ) و (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة (الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) و (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) رواه مسلم قال أحمد ولا أحب أن يداوم عليها لأن لا يظن الناس أنها مفضلة بسجدة.
الشيخ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهاتين السورتين كاملتين لأن فيهما مبدأ خلق الإنسان وأحواله ومنتهاه فيذكر الناس يوم الجمعة ببدء الخلق لأن يوم الجمعة بدء فيه خلق آدم وبأحوالهم وبمنتهى أمرهم لأن يوم الجمعة تقوم فيه الساعة لا لأن تنزيل فيها السجدة ولهذا يغلط بعض الأئمة يظن أن فجر يوم الجمعة يسن فيه السجدة بأي سورة وهذا غلط كما أن بعض الأئمة يفصل إحدى السورتين إما سورة السجدة وإما سورة الإنسان وهذا أيضاً غلط كما أن بعضهم يقرأ نصف (الم تنزيل) السجدة ونصف (هل أتى) وهذا أيضاً غلط فيقال إما أن تفعل السنة كما وردت وإما فاقرأ ما تيسر لك أما أن تفصم عرى السنة وتقسم ظهرها فهذا لا يليق بك فإما أن تقرأ السورتين كاملتين وإما أن تدعهما وتقرأ غيرهما وأما قول الإمام أحمد لا أحب أن يداوم ففيه نظر لأنه قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يديم ذلك وخشية ظن الناس أنها مفضلة بسجدة أو أن هذا أمر واجب هذا يزول بما إذا أخلف الإنسان في السنة مرة أو في الشهر مرة أو قال للناس أنه ليس بواجب.
السائل: المسبوق في فجر الجمعة وفاتته ركعة هل يقرأ الإنسان أم السجدة؟
الشيخ: لا يقرأ السجدة لأنها فاتته السجدة إنما شرعت في الركعة الأولى وهذا الداخل فاتته الركعة الأولى إلا على قول من يقول إنما يقضيه أول صلاته فيقرأها وعلى هذا فيقرأ ما تيسير.
فصل القارئ: فإذا اتفق عيد في يوم جمعة فصلوا العيد لم تلزمهم الجمعة ويصلون ظهرا لما روى زيد ابن أرقم قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم فصلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال (من شاء أن يجمِّع فليجمِّع) وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون إن شاء الله) رواهما أبو داود.
وتجب الجمعة على الإمام لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنا مجمعون) ولأن تركه لها منع لمن يريدها من الناس وعنه لا يجب لأن ابن الزبير لم يصلها وكان إماماً ولأن الجمعة إذا سقطت عن المأمومين سقطت عن الإمام كحالة السفر فإن عجل الجمعة في وقت العيد أجزأته عن العيد والظهر في ظاهر كلامه لما روى عطاء قال اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال عيدان قد اجتمعا في يوم واحد فجمعهما وصلاهما ركعتين فلم يزد عليهما حتى صلى العصر وبلغ فعله ابن عباس فقال أصاب السنة.
الشيخ: إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد فتصلى العيد في وقتها والجمعة في وقتها هكذا جاءت السنة كما ثبت في صحيح مسلم من حديث النعمان بن بشير هذا بالنسبة للإمام يصلي العيد والجمعة وأما غير الإمام فمن حضر العيد سقط عنه حضور الجمعة سقوط حضور لا سقوط وجوب بمعنى أنه لو حضر لعد من أهل الجمعة ومن أهل وجوبها وانعقدت به الجمعة ومن لم يحضر وجب عليه حضور الجمعة لئلا يفوته عيد ولكن من حضر صلاة العيد وقلنا لا يجب عليك حضور الجمعة فهل يصلي الظهر أو لا؟ قال بعض العلماء لا يجب عليه صلاة الظهر والصحيح أن الظهر تجب عليه لأن الظهر صلاة أوجبها الله تعالى بالزوال وجعل الجمعة تحل محلها في وقتها فإذا لم يصلها هذا الرجل وجب عليه أن يصلي الظهر لأن سبب فرضها وهو الزوال قائم فوجب عليه أن يصلي فالصواب في هذه المسألة أن نقول الإمام يجب عليه أن يصلي صلاة العيد وصلاة الجمعة ومن حضر معه صلاة العيد فهو بالخيار إن شاء حضر الجمعة وإن شاء لم يحضر ولكن يجب عليه أن يصلي الظهر ولو قدمت الجمعة في وقت صلاة العيد فالمذهب تجزئ لأن وقتها يدخل من ارتفاع الشمس قيد رمح أعني وقت الجمعة فإذا قدمها فلا بأس لكن يلزم من ذلك أن تكون الخطبة قبل الصلاة بخلاف صلاة العيد فإن الخطبة تكون بعدها وهذا المذهب وأما على رأي الجمهور وهو أن الجمعة لا تصح إلا بعد الزوال فإنها لا تتأتى هذه الصورة أي أن يقدم الجمعة في مكان العيد لأن الجمعة لا تصح إلا بعد الزوال والأقرب أن يقال كما أشرنا أولاً تصلى العيد في وقتها والجمعة في وقتها ومن حضر العيد فهو بالخيار بالنسبة للجمعة لكن تجب عليه صلاة الظهر.
السائل: من حضر العيد ولم يحضر الجمعة فكيف تصلى الظهر؟
الشيخ: لا تقام الجماعة في المساجد يصلونه في بيوتهم لأن إقامة الجماعة في المساجد هذه يحصل فيها تضارب وخلاف، وإن شاء الله يحصل بذلك أجر الجماعة ما دام أسقطه الله عنه.
السائل: رجل صلى في فجر الجمعة بالسجدة والإنسان فأنكر عليه رجل وقال لا تقرأ بهما لكي تخفف على الناس فما رأيكم؟
الشيخ: نحن نقول أتمها وقوله من أجل التخفيف على الناس نقول لا أحد أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال أنس بن مالك ما صليت وراء إمامٍ قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكان الصحابة يقرؤون بسورة يوسف وسورة المؤمنين وغيرها من السور الطوال فمن أتى بالسنة فهو مخفف مهما كان والذي يثقل على الناس هو من أتى بما يخالف السنة أما من أتى بالسنة فهي خفيفة.
السائل: أيهما أفضل الخطبة مع التقصير في القراءة أم تقصير الخطبة وتطويل القراءة ما السنة في ذلك؟
الشيخ: قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه) تقصير الخطبة أفضل أولاً دفع المشقة عن الناس والثاني إذا كانت الخطبة قصيرة وعاها الناس وأحاطوا بها وإذا كانت طويلة لا سيما إن كانت المواضيع مختلفة تشتت على الناس أما الصلاة فكلما طال وقوف الإنسان بين يدي الله وطالت مناجاته مع الله فهو أفضل لا شك.
السائل: في بعض الأماكن ربما لا يسمح في المسجد تقام فيه موعظة إلا يوم الجمعة في الخطبة؟
الشيخ: قصر قصر أحسن صحيح بعض الناس يقول الخطيب يقعد ساعة في الخطبة أو ساعة وربع لماذا يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أعوذ بالله هذا خلاف السنة تماماً.
السائل: إذا دعا الإمام في الخطبة فالعوام عموماً يأمنون من وراء الخطيب هل نقول يحرم كلامهم؟
الشيخ: لا هذا ليس كلاماً هذا دعاء لأن معنى آمين اللهم استجب وهذا مما يدل على قوة متابعتهم لخطيبهم ولهذا تجد الذي ينعس ما يقول آمين بقي علينا رفع الصوت الفقهاء يقولون يأمن سراً والآن كما تسمعون بعض الأحيان يرفعون أصواتهم والإنسان يعني يخاف الله إنه يقول لهم لا ترفعون أصواتكم مع أن الحامل لهم على هذا هو قوة الرجاء والإلحاح على الله عز وجل أما لو أنهم رفعوا أصواتاً منكرة بأن كانوا يرفعون أصواتهم رفعاً بيناً فهذا ينكر عليهم لكن رفعاً يعتبر ابتغى إلى ذلك قواماً ما يقدر الإنسان ينهاهم عن هذا الشيء لكن الفقهاء يقولون يسن سراً.
السائل: بعض الإخوة استشكل وضع مصليات خاصة للنساء في بعض المساجد يصلين فيها في رمضان وكان الصفوف بين النساء والرجال غير متصلة فربما كأن النساء في مبنى منفصل في نفس المسجد بعيد بحيث المسجد محيط به؟
الشيخ: ما في بأس.
باب
صلاة العيدين
القارئ: وهي فرض على الكفاية لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا يداومون عليها ولأنها من شعائر الإسلام الظاهرة فكانت فرضاً كالجهاد ولا تجب على الأعيان لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر للأعرابي خمس صلوات فقال هل علي غيرها قال (لا إلا أن تطوع) متفق عليه.
الشيخ: وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال للعلماء القول الأول ما ذكره المؤلف ولم يذكر سواه أنها فرض كفاية.
والقول الثاني أنها سنة واستدل هؤلاء بما استدل به المؤلف على نفي وجوبها على الأعيان وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للأعرابي حين قال هل علي غيرها قال (لا إلا أن تطوع).
والقول الثالث أنها فرض على الأعيان وهذا القول أرجح الأقوال أنها فرض على الأعيان لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها وأمر بها حتى النساء مع أنه لم يأمر النساء بصلاة جماعة قط أمر بها حتى النساء وأن تتجنب الحيض المصلى وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو أقرب الأقوال إلى الصواب أنها فرض عين وأن من تخلف عنها لغير عذر فهو آثم ولما فيها من المصلحة العظيمة وإظاهر الشعيرة وأما حديث هل علي غيرها قال: (لا إلا أن تطوع) فهذا بناءً على أن صلاة العيد لا تجب كل يوم وإنما تجب لسبب وما كان واجباً لسبب فإنه لا ينافي أن يقال إنه لا يجب كما تجب الصلوات الخمس.
القارئ: فإن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام لتركهم شعائر الإسلام الظاهرة فأشبه تركهم الأذان.
الشيخ: نعم صحيح.
القارئ: ويشترط لوجوبها ما يشترط للجمعة لأنها صلاة عيد فأشبهت الجمعة ولا يشترط لصحتها الاستيطان ولا العدد لأن أنساً كان إذا لم يشهد العيد مع الإمام جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فصلى بهم ركعتين يكبر فيهما ولأنهما في حق من انتفت فيه شروط الوجوب تطوع فلم يشترط لها ذلك كسائر التطوع وقال القاضي كلام أحمد رضي الله عنه يقتضي أن في اشتراط الاستيطان والعدد وإذن الإمام روايتين.
الشيخ: والظاهر أنه لابد من ذلك ويدل لهذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يسافر ويصادفه يوم العيد ولا يصلي العيد فلابد من أن يكون الإنسان مستوطناً في قرية أو مدينة لكن إذا أقيمت صلاة العيد ولو كنت مسافراً وجب عليك حضورها ووجب عليك أيضاً أن تصليها.
فصل
القارئ: ووقتها من حين ترتفع الشمس ويزول وقت النهي إلى الزوال.
الشيخ: اشترط المؤلف أن ترتفع الشمس ويزول وقت النهي ومتى يزول؟ إذا كان الارتفاع قيد رمح.
القارئ: فإن لم يعلم بها إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ركباً جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يغدو إلى مصلاهم رواه أبو داود.
الشيخ: وهذ أحد الأقسام في قضاء الصلوات من الصلوات من إذا فاتت تقضي أي وقت مثل الصلوات الخمس ومن الصلوات من إذا فاتت لا تقضى ويقضي بدلها مثل الجمعة وكذلك الوتر على القول الراجح فإنه يشفع بركعة ومن الصلوات من إذا فات وقته قضي بعينه في وقت آخر مساوي لوقته الأول كصلاة العيد ومن الصلوات من إذا فاتت لا تقضى كصلاة الكسوف فإنها إذا انجلت الشمس لا تصلى.
القارئ: ويسن تقديم الأضحى وتأخير الفطر لما روى عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم الأضحى ويؤخر الفطر ولأن السنة إخراج الفطرة قبل الصلاة ففي تأخير الصلاة توسيع لوقتها ولا تجوز التضحية إلا بعد الصلاة ففي تعجيلها مبادرة إلى الأضحية.
الشيخ: وهذه من الحكمة وهي مراعاة العبادات بعضها مع بعض فتأخير صلاة الفطر مراعاة لاتساع وقت إخراج الفطرة وتعجيل صلاة الأضحى مراعاة لاتساع وقت التضحية.
السائل: بعض الناس إذا فاتته الصلاة المكتوبة يصليها على وقتها في اليوم التالي هل لهذا القول مستند؟
الشيخ: هذا غلط وأبداً لا مستند له ولا أعلم قائلاً به الصلاة إذا فاتت لعذر تقضى متى زال العذر (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها).
السائل: في صلاة العيدين قلتم أن صلاة العيد فرض على الرجال فهل هذا مراد أم أن النساء يدخلن في الوجوب؟
الشيخ: مراد فالنساء ليس فرض عين عليهن مع أنه لو قال قائل أنه فرض عليهن لم يبعد لأن الرسول أمر به حتى الحيض وذوات الخدور وأخرجنا النساء من الوجوب لأن الأصل أن المرأة ليست من أهل الجماعة فيكون أمرها هنا على الاستحباب.
السائل: ماهو الوقت الذي يحل فيه الذبح في الأضحية هل ينتظر إلى انتهاء الصلاة أو الوقت الذي يحل فيه الصلاة؟ الشيخ: لا، لابد أن ينتظر الصلاة ومن لا يصلون ينتظرون تقديراً متى ارتفعت الشمس قيد رمح وأنه حضر الإمام وصلى يعني في مقدار ربع ساعة بعد ارتفاعها قيد رمح يكون قد أدى الصلاة.
فصل
القارئ: ويسن أن يأكل في الفطر قبل الصلاة ويمسك في الأضحى حتى يصلي لما روى بريدة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي رواه الترمذي ويفطر على تمرات وتر لما روى أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات رواه البخاري وفي لفظ ويأكلهن وترا.
الشيخ: هذا أيضاً من السنة في عيد الفطر أن يأكل تمرات وترا وفي عيد الأضحى أن لا يأكل حتى يضحي فيأكل من أضحيته.
وفي هذا الحديث دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يستعمل الوتر في أكله وإلا ما احتاج أن ينص على قوله ويأكلهن وترا فأما قول بعض الناس إذا صببت له شاهي أو قهوة مرتين يقول أوتر فهذا لا أصل له نعم الشراب ورد أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتنفس فيه ثلاثاً وأظن ورد فيه الأمر بذلك لكن تقصد الإيتار في الأكل غير صحيح والدليل هذا الحديث يأكلهن وتراً فإن قال قائل لعل هذا من باب التوكيد قلنا نعم التوكيد يحتاج إلى بناءٍ على أصل فهل الأصل أن الرسول يأكل وتراً يعني يأكل لقمات وتراً التمر وتراً وغير ذلك من الأشياء وتراً هذا خلاف الظاهر.
فصل
في مكان إقامة صلاة العيد
القارئ: والسنة أن يصليها في المصلى لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا يفعلونها فيه.
الشيخ: عبارة غير المؤلف والسنة أن يصليها في الصحراء وهذا هو الأصح لأنه في المصلى إذا قال قائل أين المصلى قد يكون مصلى في وسط البلد يضعون لهم شيئاً يصلون فيه فالسنة أن يصليها في الصحراء إظهاراً لهذه الشريعة.
القارئ: ويستحب أن يستخلف على ضعفة الناس من يصلي بهم في الجامع لأن علياً رضي الله عنه استخلف أبا مسعود البدري يصلي بضعفة الناس في المسجد وهل يصلي المستخلف ركعتين أو أربعاً؟ على روايتين بناءً على اختلاف الروايات في فعل أبي مسعود فقد رُوي أنه صلى بهم ركعتين ورُوي أنه صلى بهم أربعاً.
الشيخ: والصواب أنه لا يصلي إلا ركعتين ولا يصح قياسه على الجمعة لأن الجمعة إنما كانت أربعاً إذا فاتت الإنسان لأن هذا الوقت وقت الظهر فإذا فاتت الجمعة صلى الظهر أما هذه فليس لها بدل ولهذا كان القول الراجح أنه إذا فاتت الإنسان فإنه لا يقضيها يعني مثلاً لو جئت والإمام قد انتهى من صلاة العيد فلا تصلِّ.
القارئ: وإن كان عذر من مطر أو نحوه صلى في المسجد لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد رواه أبو داود.
فصل في غسل العيد القارئ: ويسن الاغتسال للعيد والطيب والتنظف والسواك وأن يلبس أحسن ثيابه لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع (إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك) فعلل ذلك بأنه يوم عيد ولأن هذا يوم يشرع فيه الاجتماع للصلاة فأشبه الجمعة وقد رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتم ويلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة رواه ابن عبد البر إلا أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقى عليه أثر العبادة.
الشيخ: هذا الفصل بين فيه المؤلف رحمه الله أن الإنسان ينبغي له أن يغتسل ويتطيب ويتنظف بإزالة ما يؤذي من الروائح ويتسوك ويلبس أحسن ثيابه كالجمعة لأن هذا يوم يجتمع فيه المسلمون فينبغي أن يكون الإنسان على أحسن هيئة قالوا ولأنه إذا سن في يوم الجمعة وهي عيد أسبوع متكرر ففي عيد العام من باب أولى لعدم المشقة فإذا أمكن للإنسان أن يخرج متطيباً متنظفاً لابساً أحسن ثيابه فهذا طيِّب.
أما الاغتسال فلا يجسر الإنسان على القول باستحبابه لعدم وروده صريحاً والعبادات ليس فيها قياس لكن إن توقف التنظف على الاغتسال فهو يكون هنا مسنوناً لغيره وليس مسنوناً لذاته.
وأما قوله إلا أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه فهذا يتناقض مع الأثر الذي رواه ابن عبد البر أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعتم ويلبس بردة لأن الرسول كان يعتكف ومع ذلك يتجمل والصواب أن المعتكف كغيره يخرج متجملاً متنظفاً أولاً لأنه لا دليل على استثنائه وثانياً لأنه أبعد عن الرياء فإن الإنسان قد يغويه الشيطان ويدخل في قلبه الرياء.
السائل: إذا قلنا باستحباب الغسل للعيد فمتى يكون أول وقته؟
الشيخ: إذا أراد أن يخرج بعد صلاة الفجر.
السائل: هل يسوَّر المصلى ويجعل له خطوط باتجاه القبلة؟
الشيخ: إذا خيف أن يمتهن فإنه يسوَّر لأن بعض المصليات صار الناس يمتهنونها يخرجون في أيام الصيف إليها ويجلسون فيها لأنها نظيفة يجلسون فيها يتحدثون باللغو ويشربون الدخان ويلعبون أشياء غير مرضية فلهذا حجَّرها الناس.
فصل في التبكير إلى صلاة العيد
القارئ: ويستحب أن يبكر إليها المأموم ماشياً مظهراً للتكبير لأن علياً رضي الله عنه قال من السنة أن يأتي العيد ماشيا رواه الترمذي وقال حديث حسن ولأنه أعظم للأجر ويتأخر الإمام إلى وقت الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله ولأن الإمام ينتظر ولا ينتظر وإذا غدا من طريق رجع من غيره لأن جابراً قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق رواه البخاري.
الشيخ: هذا أيضاً من الأشياء المستحبة في صلاة العيد أن يخرج إليها مبكراً من حين أن يصلي الفجر حسب ما تيسر له وأن يكون مظهراً للتكبير المطلق: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد هذا في غير الإمام أما الإمام فيسن له أن يتأخر لأن هذا فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكذلك في الجمعة وأما ما يفعله بعض الناس من أئمة الجمع من التقدم إلى المسجد والجلوس حتى يأتي وقت الزوال فهذا خلاف السنة لا شك فبقاء الإمام في بيته أفضل من تقدمه في الجمعة أو في العيد.
وأما مخالفة الطريق فهو سنة واختلف العلماء في علته بعد الاتفاق على أن المؤمن لا يسأل عن علة الحكم الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن كل ما فعله الرسول فهو حكمة لا شك لكن الحكمة والله أعلم إظهار الشعائر في أسواق البلد كلها لأنهم لو كان الناس لا يأتون إلا من الجهة التي يسهل فيها الخروج لامتلأت الأسواق من هذه الجهة وخلت الأسواق من الجهة الأخرى فكان في مخالفة الطريق إظهار للشعائر.
وقيل لأجل أن يشهد له طريقان الأول والثاني.
وقيل من أجل أن يعطي الفقراء الذين يوجدون على الطرقات في هذا وهذا ولكن المعنى الأول أقرب وهو إظهار الشعائر وألحق بعض العلماء في ذلك صلاة الجمعة وقالوا يسن فيها مخالفة الطريق وألحق آخرون صلاة الجماعة وقالوا يسن فيها مخالفة الطريق وألحق في ذلك بعض العلماء كل عبادة حتى لو ذهبت لزيارة قريب أو لعيادة مريض قالوا فيسن أن يخالف الطريق وكل هذه الأقوال ضعيفة وذلك لأن العبادات مبناها على التوقيف وإذا كان الشيء قد وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يفعله علم أن فعله ليس بسنة ومن المعلوم أن الجمعة موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام والجماعة كذلك وعيادة المرضى كذلك ولم يرشد الأمة إلى مخالفة الطريق في هذا فالسنة عدم تقصد مخالفة الطريق إلا في العيدين لكن لو حصل هذا اتفاقاً بدون قصد فإنه لا ينهى عنه.
السائل: قدوم الإمام متأخراً كيف ننزله في حديث (من أتى في الساعة الأولى) الحديث؟
الشيخ: مستثنى بفعل الرسول عليه الصلاة والسلام والظاهر أنه يأخذ أتم الأجر لأنه لم يتخلف إلا للمتابعة ويحتمل أن يقال إنه ينقص من هذا الوجه كما نقصت الحائض مع تركها للصلاة بأمر الله ويقال أنت أيها الإمام لك ما هو أفضل من ذلك وهو قيادة هذا الجمع وتوجيه هذا الجمع وإرشادهم وتعليمهم.
فصل
في خروج النساء إلى العيد
القارئ: قال ابن حامد ويستحب خروج النساء لما روت أم عطية قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور فأما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين متفق عليه قال القاضي وظاهر كلام أحمد أن ذلك جائز غير مستحب ولا يلبسن ثوب شهرة ولا يتطيبن لقول النبي صلى الله عليه وسلم (وليخرجن تفلات).
الشيخ: هذا الفصل فيه بيان حكم خروج النساء إلى صلاة العيد فبين رحمه الله أن ذلك مستحب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بذلك ولكن إذا كانت المرأة حائضاً فإنها تعتزل المصلى كما في الحديث واشترط لذلك أن لا يلبسن ثياب شهرة وأن لا يتطيبن لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (وليخرجن تفلات) أي غير متجملات ولا متطيبات فإن فعلن ذلك كان خروجهن حراماً لما في ذلك من الفتنة.
ويستفاد من هذا الحديث أي حديث أم عطية رضي الله عنها أن المسلمين في صلاة العيد يدعون الله عز وجل لقوله ودعوة المسلمين والظاهر أن هذا في خطبة العيد لأنها هي التي يكون فيها الدعاء عاماً.
ويستفاد منه أن مصلى العيد مسجد لأنه ذكر شيئاً من لوازم ذلك وهو أن الحيض يعتزلن المصلى ولو لم يكن له أحكام المساجد لم يعتزلن المصلى ويتفرع على ذلك لو أن الرجل لو أتى إلى مصلى العيد فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا أتى أحدكم مسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) فإن قال قائل إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى صلاة عيد فصلى ركعتين لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما قلنا نعم لم يصلِّ قبلهما لأنه بادر بصلاة العيد فأغنت عن تحية المسجد وإذا أردتم أن تستدلوا بمثل هذا الاستدلال فنقول لكم أيضاً الجمعة ليس فيها تحية مسجد لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصلي الجمعة ولا يصلي قبلها ولا بعدها فالصواب أن مصلى العيد مسجد وأن له أحكام المساجد في كل شيء فيحرم على الجنب أن يمكث فيه ويحرم فيه البيع والشراء ويحرم على المرأة الحائض أن تجلس فيه.
فصل في الأذان والإقامة لصلاة العيد
القارئ: وليس لها أذان ولا إقامة لما روى عطاء قال أخبرني جابر أن لا أذان للصلاة يوم الفطر ولا إقامة ولا نداء ولا شيء لا نداء يومئذ ولا إقامة متفق عليه وقال جابر بن سمرة صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد غير مرة ولا مرتين بلا أذان ولا إقامة رواه مسلم
الشيخ: هذا أيضاً من أحكام صلاة العيد أنه ليس لها أذان ولا إقامة لأنها ليست كالفرائض المتعينة وقال بعض العلماء إنه ينادى لها الصلاة جامعة قياساً على الكسوف لكن هذا قياس مع الفارق وهو أيضاً صادم للنص أما كونه قياساً مع الفارق فلأن الكسوف يأتي بغتة وربما يكون الناس في غفلة فيحتاجون إلى التنبيه لقولهم الصلاة جامعة وأما العيد فإنه لا يأتي بغفلة يكون معروفاً إن كان عيد الفطر فهو إذا تم رمضان فما بعده العيد وإن كان عيد الأضحى فقد سبق العلم به من قبل وأما النص فلأن صلاة العيد وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم ينقل أنه كان ينادي لها بهذا أي بقوله الصلاة جامعة وعلى هذا فلا يشرع أن ينادي لها الصلاة جامعة لكن لو فرض أن ثبوت العيد لم يكن إلا بعد طلوع الشمس فهل لنا أن نمشي في الأسواق ننبه الناس الجواب نعم لا بأس أما أن نأتي بصيغة استعملت في الكسوف في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونضعها في هذا المكان فلا.
فصل
في فرائض وسنن صلاة العيد
القارئ: وصلاة العيد ركعتان يقرأ في كل ركعة منهما بالحمد لله وسورة ويجهر بالقراءة بلا خلاف قال عمر رضي الله عنه صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى رواه الإمام أحمد في المسند ويسن أن يقرأ فيهما بـ (سَبِّحِ) و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) لحديث النعمان بن بشير ومهما قرأ أجزأه.
الشيخ: أو يقرأ فيهما (ق) و (اقْتَرَبَتِ) لأن هذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قرأ (ق) و (اقْتَرَبَتِ) لكن ينبغي أن يلاحظ حال الناس في هذه الحال إذا كان هناك برد يؤذي الناس فلا يقرأ (ق) و (اقْتَرَبَتِ) لأن ذلك يشق عليهم كذلك إذا كان الحر شديداً كما لو لم يعلم بالعيد إلا بعد أن ارتفعت الشمس فلا يطيل عليهم أيضاً بقراءة ق واقتربت وكذلك أيضاً لو خاف من نزول مطر بأن تكون السماء مغيمة فالمهم أنه من السنة أن يقرأ في ركعتي العيد (ق) و (اقْتَرَبَتِ) ولكن ينبغي له أن يراعي أحوال الناس، في الفطر لو أطال لا بأس لكن في الأضحى إذا أطال فقد يشق على الناس بتأخيرهم عن ذبح ضحاياهم.
القارئ: ويكبر في الأولى سبع تكبيرات منها تكبيرة الإحرام وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة القيام لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (التكبير في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة الركوع) رواه أبو داود واعتدنا بتكبيرة الإحرام لأنها في حال القيام ولم نعتد بتكبيرة القيام لأنها قبله.
الشيخ: أظن هذا واضح، الجملة الأولى فيها تكبيرات سبع أضفنا تكبيرة الإحرام إلى الست الزوائد لأنها أي تكبيرة الإحرام تكون في حال القيام وفي الثانية خمس تكبيرات ولم نضف إليها تكبيرة القيام لأن تكبيرة القيام تكون قبل استتمام القيام فليست من تكبيرات القيام.
القارئ: ويسن أن يرفع يديه مع كل تكبيرة لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة وفي العيد رواه الأثرم.
الشيخ: أما تكبيرة الجنائز فواضح أنه يرفع مع كل تكبيرة لتمييز الانتقال بالفعل كما يميز بالقول فإن كل تكبيرة بعدها ذكر غير التكبيرة الأولى فلابد من تميز الانتقال بالقول وبالفعل ولهذا كان من السنة أن يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة وقد صح ذلك عن ابن عمر موقوفاً وكذلك مرفوعاً كما حققه الشيخ عبد العزيز بن باز في حاشية فتح الباري وأما العيد فكذلك أيضاً يسن رفع اليدين في التكبير لأن هذا تكبير في حال القيام فأشبه تكبيرة الإحرام وهذا من جهة القياس أما السنة فقد وردت في ذلك أيضاً لكنه يحتاج إلى تخريج كما سيكون ذلك إن شاء الله تعالى.
القارئ: ويحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين وإن أحب قال الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد النبي الأمي وآله وسلم تسليما لأنه يجمع بين ما ذكرناه وموضع التكبير بعد الاستفتاح وقبل الاستعاذة والقراءة في الركعتين وعنه أنه قبل الاستفتاح أيضا اختارها الخلال وصاحبه والأول أولى لأن الاستفتاح لافتتاح الصلاة فيكون في أولها والاستعاذة للقراءة فتكون في أولها وعنه أنه يوالي بين القراءتين يجعلها في الأولى بعد التكبير وفي الثانية قبله لما روى علقمة أن عبد الله بن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد يوما فقال لهم إن هذا العيد قد دنى فكيف التكبير فيه فقال عبد الله تبدأ وتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر إلى أن قال وتركع ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وذكر الحديث فقال أبو موسى وحذيفة صدق ووجه الأولى أنه تكبير في إحدى ركعتي العيد فكان قبل القراءة كالأولى.
الشيخ: قوله كالأولى يعني كالركعة الأولى وهذا هو المعمول به الآن أن التكبير في الثانية يكون في أولها ولا يكون في آخرها وأما القول الثاني فيكون التكبير في آخرها من أجل أن تتساوى لها القراءتان وهذا التعليل كما تعلمون عليل لأن توالي القراءتين مستحيل إذ بين القراءة الأولى والثانية ركوع وسجود وقعود وقيام فالصواب أن التكبيرة في الثانية كالتكبيرة في الأولى يكون في الأول.
فصل
في السهو عن بعض التكبيرات
القارئ: وتكبيرات العيد الزوائد والذكر بينها سنة لا يؤثر تركها عمداً وإن والى بين التكبير كان جائزا وإن نسي التكبير حتى شرع في القراءة لم يعد إليه لأنه سنة فلا يعود إليها بعد شروعه في القراءة كالاستفتاح.
الشيخ: إذاً لو والى بين التكبير فقال الله أكبر الله أكبر الله أكبر فلا بأس وإن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه بينها فحسن.
السائل: بعض البلاد يكون مصلى العيد فيها غير ثابت فكل عيد يكون في مكان آخر فهل يأخذ حكم المسجد؟
الشيخ: ظاهر الأحاديث أن المراد بمصلى العيد الذي ثبت لأن مصلى العيد في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ثابت أما المصلى المتنقل فيحتاج إلى تأمل.
السائل: قد يقول قائل أن منع الحيّض لأن لا يلوثوا المصلى لا لأنه مسجد؟
الشيخ: هذا لا يصح ولا يشترط في المصلى أن يكون مسوراً ما دام معد للصلاة فيه فهو مصلى.
السائل: ما ضابط اعتزال الحيَّض عن المصلى؟
الشيخ: ضابطه إن كان مسوراً كما هو الغالب في مصليات العيد الآن فأن لا تدخل من داخل السور وإن كان غير مسور فأن لا تكون في المكان الذي يصلي فيه الناس غالباً.
فصل في خطبتي العيد القارئ: فإذا سلم خطب خطبتين كخطبتي الجمعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ويفارق خطبتي الجمعة في أربعة أشياء أحدها أن محلهما بعد الصلاة لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة متفق عليه.
الثاني أنه يسن أن يستفتح الأولى بتسع تكبيرات متواليات والثانية بسبع ويكثر التكبير في أضعاف الخطبة لما روى سعد مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر بين أضعاف الخطبة يكثر التكبير بين خطبتي العيدين.
الثالث أن يحثهم في الفطر على إخراج الفطرة ويبين لهم ما يخرجونه ووقته وجنسه وفي الأضحى يرغبهم في الأضحية ويبين لهم ما يجزئ فيها ووقت ذبحها ويحثهم على الإطعام منها لأنه وقت هذا النسك فيشرع تبيينه.
الرابع أنهما سنة لا يجب استماعهما ولا الإنصات لهما لما روى عبد الله بن السائب قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد فلما قضى الصلاة قال (إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب) رواه أبو داود ويستحب أن يجلس عقيب صعوده ليستريح وقيل لا يجلس لأن الجلوس في الجمعة لموضع الأذان ولا أذان ههنا.
الشيخ: وهذا هو الصحيح أنه لا يجلس هذا الفصل فيه مسائل بيَّن فيها المؤلف رحمه الله ما تفارق فيه خطبة العيدين خطبتي الجمعة فبيَّن أن محلها بعد الصلاة وهذا أمر متفق عليه ولا إشكال فيه وقد قدمها بعض ولاة بني أمية فأنكر عليه الصحابة وقال لا يصح هذا فتعلل بأن الناس ينفرون عن سماع الخطبة بعد الصلاة ولكن هذه العلة عليلة والصواب أن محلها بعد الصلاة في كل حال والفرق بينها وبين خطبة الجمعة أن خطبة الجمعة شرط لصحة الصلاة والشرط يتقدم المشروط أما هذا فهو تكميل والتكميل يكون بعد الأصل.
الثاني أنه يسن أن يستفتح الأولى بتسع تكبيرات متواليات والثانية بسبع وهذا محل خلاف بين العلماء فمنهم من قال بذلك لكنه روي بحديث في صحته نظر لأنه مرسل وبعض العلماء يقول يبدأ خطبتي العيد بالاستفتاح بالحمد كسائر الخطب لأن هذا هو سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الفرق الثالث أنه يحثهم في الفطر على إخراج زكاة الفطر وفي الأضحى يبين لهم الأضحية أما الأول ففيه نظر لأنه إذا بين أحكام زكاة الفطر في هذا الوقت فقد فات وقتها لأنه لا يجوز تأخير إخراجها إلى ما بعد الصلاة والصواب أن بيان أحكام زكاة الفطر إنما يكون في آخر خطبة من خطب رمضان أما في خطبة صلاة عيد الفطر فلا وجه له أما الأضحية فنعم يبين لهم ما يجب عليهم فيها لأن وقتها لم يفت بعد ولكن قد يقول قائل إن هذا ليس فرقاً بين خطبة الجمعة وخطبة العيد لأن ذكر هذه الأشياء في خطبة العيد من أجل المناسبة خطبة الجمعة أيضاً ينبغي أن تكون مناسبة للوقت ولحال الناس وحينئذٍ فقد اجتمعت خطبة العيد وخطبة الجمعة في المعنى فلا فرق.
الرابع أنهما سنة يعني خطبتي العيدين لا يجب استماعهما ولا الإنصات لهما ثم ذكر الأثر أما كونهما سنة فهذا هو الظاهر لأنهما كما قلنا أولاً من باب التكميل في الصلاة وهما يشبهان من بعض الوجوه خطبة صلاة الكسوف وخطبة صلاة الكسوف سنة وأما كونه لا يجب استماعهما ولا الإنصات لهما ففيه نظر بل هما في الاستماع والإنصات كخطبتي الجمعة لأننا لو قلنا لك أن تتكلم وتخاطب غيرك والناس يستمعون إلى الخطبة لزم من ذلك إيذاء المسلمين ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله هما في تحريم الكلام كخطبتي الجمعة لكن للإنسان أن يقوم وينصرف بخلاف خطبتي الجمعة فإنه يجب على الإنسان أن يحضر ليستمعهما لقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) وبقي عليه فرق أهم من ذلك كله وهو أن خطبة العيد واحدة وخطبتي الجمعة اثنتان وذلك أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب مرتين إلا في حديث ضعيف وأكثر الأدلة تدل على أنه يخطب خطبة واحدة لكن إذا خشي الإنسان من أذىً يلحقه في ذلك وكانت عادة أهل البلد أن يخطبوا خطبتين فليخطب خطبتين لأن هذا قد ورد فيه هذا الحديث وإن كان ضعيفاً ولأنه عادة الناس.
فصل في التنفل القارئ: ولا يتنفل قبل الصلاة ولا بعدها في موضع الصلاة لا في المسجد ولا في المصلى إماماً كان أو مأموما لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصلِّ قبلها ولا بعدها متفق عليه ولا بأس أن يصلي بعد رجوعه لما روى أبو سعيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين رواه ابن ماجه.