المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
- عدد الأجزاء
- 5 [الكتاب مرقم آليا]
الشيخ: قوله ثم يتنحنح يعني إذا انتهى من البول تنحنح وهذا لكي يخرج إن كان فيه شيء ثم يسلت من أصل ذكره فيما بين المخرجين يسلته يعني يضع إبهامه تحته ثم يمر به إلى طرف الذكر وهذا أيضا لأجل أن يخرج ما بقي في القنوات والثالث ثم ينتره والنتر ليس باليد أي نفس الذكر ينتره يعني كأنه يجذب أعصابه حتى يخرج ما فيه ولكن حبر زمانه شيخ الإسلام ابن تيمية أبى هذا أشد الإباء وقال إن التنحنح والنتر والسلت كلها بدعة وأن ذلك أيضا سبب لسلس البول ويقال إن الذكر كالضرع إن تركته قر وإن حلبته در وهذا صحيح ولقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان العجب العجاب عن هؤلاء الموسوسين يقول بعضهم لابد أن تربط حبلا في السقف ثم إذا انتهيت من البول تمسك به وتنهض بنفسك وتنسله لأجل أن ينزل ما بقي وبعضهم يقول لابد أن تركض مسافة حتى ينزل البول وبعضهم يقول تهز نفسك هزا شيء عجيب وسبحان الله العظيم لو كلفنا الله هذا الشيء لكان من أعظم المشقة والإنسان المشروع له إذا انتهى من البول أن يغسل رأس الذكر فقط وينتهي ولا حاجة إلى عصر ولا إلى نتر ولا إلى شيء يؤذيك والمؤلف رحمه الله يقول يتحول عن موضعه والتحول عن الموضع أيضا غير سنة بل يستنجي في موضعه ولا حاجة للتحول وهو إذا تحول فإما أن يمسك ذكره بيده فتتلوث اليد وإما أن يطلقه فتتلوث الثياب والأفخاذ فكونه يستنجي في مكان بوله ويتحرز من النجاسة هذا الأفضل.
السائل: بعض الناس إذا غسل ذكره يخرج منه بعد قليل قطرات من البول؟
الشيخ: هذا مرض وليس بشيء طبيعي فيترك ذكره وإن سلته سلتاً رقيقاً فلا بأس.
فصل
القارئ: والاستنجاء واجب من كل خارج من السبيل معتادا كان أو نادرا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المذي (يغسل ذكره ويتوضأ) وقال (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه) رواه أبو داود عن ابن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأن المعتاد نجاسة لا مشقة في إزالتها فلم تصح الصلاة معها كالكثير والنادر لا يخلو من رطوبة تصحبه غالبا ولا يجب من الريح لأنها ليست نجسة ولا يصحبها نجاسة وقد روي (من استنجى من الريح فليس منا) رواه الطبراني في المعجم الصغير
الشيخ: قوله لا يجب من الريح لأنها ليست نجسة وهو كذلك والفائدة من قولنا أنها ليست بنجسة أنه لو خرجت الريح وعليه ثوب مبلول بماء فإنه لا يتنجس بملاقاتها ولو لاقى نجاسة يابسة وهو مبلول بالماء لتنجس فهذا فائدة قولنا إنها طاهرة ولكن أحيانا يخرج مع الريح شيء فإذا خرج مع الريح شيء فحينئذ يجب الاستنجاء لهذا الخارج.
فصل
القارئ: وإن تعدت النجاسة المخرج بما لم تجر العادة به كالصفحتين ومعظم الحشفة لم يجزه إلا الماء لأن ذلك نادر فلم يجز فيه المسح كيده وإن لم يتجاوز قدر العادة جاز بالماء والحجر نادرا كان أو معتادا لحديث ابن أبي أوفى ولأن النادر خارج يوجب الاستنجاء أشبه المعتاد.
الشيخ: هذه المسألة إذا تعدت النجاسة موضع العادة فالصحيح فيها أنها إذا كانت التعدية يسيرة فلا بأس لأن هذا كثيرا ما يقع خصوصا إذا كان الغائط لينا فإنه قد ينتشر إلى الصفحتين كثيرا فيكون هذا تابعا لا يضر أما لو انتقلت النجاسة مثلا من رأس الذكر إلى الفخذ فإن النجاسة التي انتقلت إلى الفخذ لابد فيها من الغسل بالماء فلا يجزي فيها الاستجمار.
مسألة: الاستنجاء عندهم يطلق على الاستنجاء والاستجمار معا وإذا جمع بينهما يكون الاستجمار خاص بالحجارة والاستنجاء بالماء
السائل: أليست النجاسة عين خبيثة إذا وجدت وجد حكمها وإذا زالت زال حكمها فلو أزيلت النجاسة بالحجارة أو غيرها عن الفخذ مثلا ستزول ويزول حكمها معها.
الشيخ: لا يزول حكمها معها لأن الحجارة لا تزيل ما يزيله الماء فمثلاً الحجارة إذا كانت النجاسة على الثوب أو على البدن لا تزيل ما يزيله الماء ولهذا بعض العلماء يقول إنما جاز الاستجمار في الخارج من السبيلين لمشقة تكرره.
القارئ: والأفضل الجمع بين الماء والحجر يبدأ بالحجر لأن عائشة قالت (مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء من أثر الغائط والبول فإني استحييهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله) حديث صحيح ولأنه أبلغ في الإنقاء وأنظف ولأن الحجر يزيل عين النجاسة فلا تباشرها يده فإن اقتصر على أحدهما جاز والماء أفضل لأن أنسا قال (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء يعني يستنجي به) متفق عليه ولأنه يزيل عين النجاسة وأثرها ويطهر المحل وإن اقتصر على الحجر أجزأ بشرطين أحدهما الإنقاء وهو أن لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء بحيث يخرج الآخِر نقيا والثاني استيفاء ثلاثة أحجار لقول سلمان رضي الله عنه (لقد نهانا يعني النبي صلى الله عليه وسلم أن نستنجي باليمين وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار وأن نستنجي برجيع أو عظم) رواه مسلم وإن كان الحجر كبيرا فمسح بجوانبه ثلاث مسحات أجزأه ذكره الخرقي لأن المقصود عدد المسحات دون عدد الأحجار بدليل أنا لم نقتصر على الأحجار بل عديناه إلى ما في معناه من الخشب والخرق وقال أبو بكر لا يجزئه اتباعا للفظ الحديث وقال لا يجزئه الاستجمار بغير الأحجار لأن الأمر ورد بها على الخصوص ولا يصح لأن في سياقه (وأن نستنجي برجيع أو عظم) فيدل على أنه أراد الحجر وما في معناه ولولا ذلك لم يخص هذين بالنهي وروى طاووس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (فليستطب بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب) رواه
الدارقطني ولأنه نص على الأحجار لمعنى معقول فيتعداها الحكم كنصه على الغضب في منع القضاء.
الشيخ: نفهم من كلام المؤلف أن للاستجمار بغير الماء شرطين:
الشرط الأول الإنقاء والحقيقة أن الإنقاء شرط للاستجمار والاستنجاء حتى الاستنجاء لابد أن يكون فيه إنقاء والإنقاء في الاستنجاء أن يزول أثر النجاسة بحيث تعود خشونة المحل كما كانت لأن المحل المتلوث بنجاسة لا يكون خشناً بل يكون لزجا يتملص فإذا زال هذا اللزج وعاد المحل إلى خشونته فقد حصل الإنقاء أما الإنقاء بالحجر فقالوا إنه يحصل بحيث ألا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء يعني بحيث لا يزيل ما بقي إلا الماء وهذا التعريف فيه غموض ولكن معناه أن يرجع آخر الأحجار غير متلوث بنجاسة يخرج نقيا فإذا خرج آخر الأحجار نقيا علمنا أنه قد طهر المحل.
الشرط الثاني أن يكون بثلاثة أحجار وعبر بعضهم بأن يكون بثلاث مسحات فأكثر فأما الأول فقال إنه لا يجزئ بحجر ذي شعب بل لابد من ثلاثة أحجار يمسح بحجر ثم يضعه ثم يمسح بحجر ثانٍ ويضعه ثم يمسح بالحجر الثالث.
ومنهم من قال يجزئ بحجر ذي ثلاث شعب لأن المقصود المسح وهو حاصل بحجر له ثلاثة وجوه يمسح بالوجه الأول ثم يديره ويمسح بالوجه الثاني ثم يديره ويمسح بالوجه الثالث وهذا لا شك أنه أقرب إلى المعنى خصوصا عند القياسيين والأول أقرب إلى اللفظ خصوصا عند الظاهريين الذين يأخذون بالظاهر والصواب الأخذ بالمعنى وأن الحجر ذا الشعب الثلاث يجزي عن ثلاثة أحجار واستدل المؤلف رحمه الله بهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (فليستطب بثلاثة أحجار أو ثلاث حثيات).
السائل: قلنا إن القول الراجح أن النجاسة تزول بأي مزيل فلماذا إذا جاءت النجاسة على الفخذ لاتزول بالحجارة؟
الشيخ: الفرق لأن البدن ما يحصل الإنقاء بالحجر ولهذا قلنا أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء في باب الاستجمار وهنا لو مسحت بالحجر سيبقى أثر لا يزول إلا بالماء.
مسألة: الأفضل أن تستجمر أولا حتى تنقي ثم تستنجي ثانيا لأن الجمع بينهما أنقى بلا شك.
فصل
القارئ: ويجوز الاستجمار بكل جامد طاهر منق غير مطعوم لا حرمة له ولا متصل بحيوان فيدخل فيه الحجر وما قام مقامه من الخشب والخرق والتراب ويخرج منه المائع لأنه يتنجس بإصابة النجاسة فيزيد المحل تنجسا ويخرج النجس لأن النبي صلى الله عليه وسلم (ألقى الروثة وقال إنها ركس) رواه البخاري ولأنه يكسب المحل نجاسة فإن استجمر به والمحل رطب لم يجزه
الاستجمار بعده لأن المحل صار نجسا بنجاسة واردة عليه فلزم غسله كما لو تنجس بذلك في حال طهارته ويخرج ما لا ينقي كالزجاج والفحم الرخو لأن الإنقاء شرط ولا يحصل به ويخرج المطعومات والروث والرمة، وإن كانا طاهرين لما روى ابن مسعود (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن) رواه مسلم علل النهي بكونه زادا للجن فزادنا أولى ويخرج ماله حرمة كالورق المكتوب لأن له حرمة أشبه المطعوم ويخرج منه ما يتصل بحيوان كيده وذنب بهيمة وصوفها المتصل بها لأنه ذو حرمة فأشبه سائر أعضائها وإن استجمر بما نهي عنه لم يصح لأن الاستجمار رخصة فلا تستباح بالمحرم كسائر الرخص.
الشيخ: اشترط المؤلف الاستجمار بكل جامد خرج به المائع والرطب وما أشبه ذلك فإنه لا يصح الاستجمار به لأنه لا يزيد المحل إلا تلويثا، والثاني يقول طاهر بخلاف النجس كروثة الحمار فلا يستجمر بها، والثالث منق بخلاف ما لا ينقي كالزجاج والحجر الأملس جدا فإن هذا لا ينقي، والرابع غير مطعوم فإن كان مطعوما فإنه لا يجزئ الاستجمار به بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن نستنجي بالعظام لأنها زاد إخوانا من الجن فزادنا من باب أولى، والخامس ولا حرمة له احترازاً مما له حرمة ككتب العلم والحديث وما أشبه ذلك فإنه لا يجوز الاستجمار بها لما في ذلك من الإهانة، والسادس ولا متصل بحيوان وظاهره ولو كان في حكم المنفصل كالشعر فلا يجزئ الاستجمار به لأنه متصل بذي حرمة فكان محترما وقال بعض العلماء يجزئ بشعر الحيوان المتصل به لأن الشعر في حكم المنفصل ولأن الإنسان قد يضطر إلى ذلك وإلا مع عدم الضرورة لن يفعله أحد.
السائل: هل التراب يدخل في هذا؟
الشيخ: يدخل في هذا لأنه جامد طاهر منقي لا مطعوم ولا حرمة له ولا متصل بحيوان.
القارئ: ولا يستجمر بيمينه ولا يستعين بها فيه لحديث سلمان وروى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) متفق عليه فيأخذ ذكره بيساره ويمسح بها الحجر أو الأرض فإن كان الحجر صغيرا أمسكه بعقبه أو بإبهامي قدميه فمسح عليه فإن لم يمكنه أخذ الحجر بيمينه والذكر بيساره فمسحه على الحجر، ولا يكره الاستعانة باليمين في الماء لأن الحاجة داعية إليها فإن استجمر بيمينه أجزأه لأن الاستجمار بالحجر لا باليد فلم يقع النهي على ما يستنجى به.
فصل
القارئ: وكيف حصل الإنقاء في الاستجمار أجزأه إلا أن المستحب أن يمر حجرا من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها ثم يمره على صفحته اليسرى حتى يرجع به إلى الموضع الذي بدأ منه ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى كذلك ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أولا يجد أحدكم حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة) رواه الدارقطني وقال إسناده حسن ويبدأ بالقبل لينظفه لئلا تتنجس يده عند الاستجمار في الدبر والمرأة مخيرة في البداءة بأيهما شاءت لعدم ذلك فيها.
الشيخ: إذاً الذكر يبدأ بالقبل لأنه لو بدأ بالدبر لتلوثت يده أما الأنثى فإنها مخيرة ولا سيما إذا كانت ثيبا فإنها تكون مخيرة بين أن تبدأ بالقبل أو الدبر أما إن كانت بكرا فالأفضل أن تبدأ بالقبل
السائل: الاستجمار بشيء نهي عنه هل يصح؟
الشيخ: المذهب إنه لا يصح والصحيح أن الاستجمار بما نهي عنه يصح مع التحريم ولكن قال بعض العلماء إن قول الرسول إنهما لا يطهران يدل على أن النجس لا يطهر لأن الاستنجاء به لا يزيد الأمر إلا شدة بخلاف المغصوب والمسروق فإنه يجزئ مع التحريم.
السائل: والمحترم هل يجزئ؟
الشيخ: المحترم يجزئ مع التحريم بخلاف النجس فالنجس لا يطهر وكذلك المطعوم لكن التحريم يغلظ فيها.
فصل
القارئ: فإن توضأ قبل الاستنجاء ففيه روايتان إحداهما لا يجزئه لأنها طهارة يبطلها الحدث فاشترط تقديم الاستنجاء عليها كالتيمم والثانية يصح لأنها نجاسة فلم يشترط تقديم إزالتها كالتي على ساقه فعلى هذه الرواية إن قدم التيمم على الاستجمار ففيه وجهان أحدهما يصح قياسا على الوضوء والثاني لا يصح لأنه لا يرفع الحدث وإنما تستباح به الصلاة فلا تباح مع قيام المانع وإن تيمم وعلى بدنه نجاسة في غير الفرج ففيه وجهان أحدهما لا يصح قياسا على نجاسة الفرج والثاني يصح لأنها نجاسة لم توجب التيمم فلم تمنع صحته كالتي على ثوبه.
الشيخ: الصحيح أنه يصح الوضوء قبل الاستنجاء وصورتها لما قضى حاجته تنشف على وجه لا يجزئ استجمارا مثلا ثم قام فتوضأ ثم استنجى بعد ذلك فصلى فإذا قلنا بأن الوضوء لا يصح فصلاته باطلة وإذا قلنا أنه يصح فصلاته صحيحة وهذا هو الصحيح لأنه ليس فيه دليل على اشتراط ذلك وهي نجاسة.
باب ما يوجب الغسل
القارئ: والموجب له في حق الرجل ثلاثة أشياء الأول إنزال المني وهو الماء الدافق تشتد الشهوة عند خروجه ويفتر البدن بعده وماء الرجل أبيض ثخين وماء المرأة أصفر رقيق قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر) رواه مسلم فيجب الغسل بخروجه في النوم واليقظة لأن أم سليم قالت (يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم إذا رأت الماء) متفق عليه فإن خرج لمرض من غير شهوة لم يوجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف المني الموجب بأنه غليظ أبيض ولا يخرج في المرض إلا رقيقا فإن احتلم فلم ير بللا فلا غسل عليه لحديث أم سليم وإن رأى منيا ولم يذكر احتلاما فعليه الغسل لما روت عائشة قالت (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما فقال يغتسل وسئل عن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل فقال لا غسل عليه) رواه أبو داود فإن وجد منيا في ثوب ينام فيه هو وغيره فلا غسل عليه لأن الأصل عدم وجوبه فلا يجب بالشك وإن لم يكن ينام فيه غيره وهو ممن يمكن أن يحتلم كابن اثني عشر سنة فعليه الغسل وإعادة الصلاة من أحدث نومة نامها لأن عمر رأى في ثوبه منيا بعد أن صلى فاغتسل وأعاد الصلاة.
الشيخ: الموجب له في الرجل ثلاثة أشياء وقوله في الرجل هذا القيد ليس مرادا لأن خروج المني حتى من المرأة يوجب الغسل والمني هو الماء الدافق لشدة الشهوة وهو ثخين أبيض بالنسبة للرجل ورقيق أصفر للمرأة فيجب إذا خرج بلذة يقظة أو مناما الغسل وإن خرج بدون لذة لم يجب الغسل وكان حكمه حكم البول أي أنه ينقض الوضوء ويجب غسله وإن استيقظ من النوم وهو ممن يمكن أن يحتلم فرأى منيا وجب عليه الغسل وإن لم يذكر احتلاما وإن كان ممن لا يمكن أن يحتلم فلا شيء عليه كابن ست سنين أو سبع سنين مثلا وإن احتلم ولم يجد بللا فإنه لا غسل عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سليم (إذا هي رأت الماء) المسألة الأخيرة إذا وجد منيا في ثوب ينام فيه هو وغيره ولا يدري أمنه أو من صاحبه الذي ينام فيه فلا غسل عليه لأن هذا شك فلا يزول به اليقين وإن رأى منيا ولم يدر هل هو من نوم الليل القريب أو من نوم الليل البعيد فهو من القريب وإن كان نام في النهار فهو من نوم النهار يعني من أحدث نومة نامها لأن ما قبلها مشكوك فيه.
فصل
القارئ: والمذي ماء رقيق يخرج بعد الشهوة متسبسبا لا يحس بخروجه فلا غسل فيه ويجب منه الوضوء لما روى سهل بن حنيف قال كنت ألقى من المذي شدة وعناء فكنت أكثر منه الاغتسال فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وسألته عنه فقال (يجزئك من ذلك الوضوء) حديث صحيح وهل يوجب غسل الذكر والأنثيين على روايتين إحداهما لا يوجب لحديث سهل والثانية يوجب لما روى علي قال (كنت رجلا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني فأمرت المقداد فسأله فقال يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ) رواه أبو داود.
الشيخ: ولا معارضة بينه وبين حديث سهل لأن قوله عليه الصلاة والسلام يجزيك منه الوضوء يعني عن الغسل لأنه كان رضي الله عنه يغتسل فقال يجزيك منه أي يجزيك عن الغسل الوضوء وأما غسل الذكر والأنثيين فهو زائد فيؤخذ بالزيادة.
السائل: ماالراجح في غسل الذكر والأنثيين عند خروج المذي؟
الشيخ: الراجح الوجوب وفيه فائدة طبية وهي أن غسل الذكر والأنثيين يقطع المذي.
فصل
القارئ: والودي ماء أبيض يخرج عقب البول فليس فيه إلا الوضوء لأن الشرع لم يرد فيه بزيادة عليه فإن خرج منه شيء ولم يدر أمني هو أو غيره في يقظة فلا غسل فيه لأن المني الموجب للغسل يخرج دافقا بشهوة فلا يشتبه بغيره وإن كان في نوم وكان نومه عقيب شهوة بملاعبة أهله أو تذكر فهو مذي لأن ذلك سبب المذي فالظاهر أنه مذي وإن لم يكن كذلك اغتسل لحديث عائشة في الذي يجد البلل ولأن خروج المني في النوم معتاد وغيره نادر فحمل الأمر على المعتاد.
فصل القارئ: وإن أحس بانتقال المني من ظهره فأمسك ذكره فلم يخرج ففيه روايتان إحداهما لا غسل عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا رأت الماء) والثانية يجب لأنه خرج عن مقره أشبه ما لو ظهر فإن اغتسل فخرج بعد ذلك وجب الغسل على الرواية الأولى لأن الوجوب متعلق بخروجه ولم يجب على الثانية لأنه تعلق بانتقاله وقد اغتسل له وعنه إن خرج قبل البول وجب الغسل لأنا نعلم أنه المني المنتقل فإن خرج بعده لم يجب لأنه يحتمل أنه غيره وهو خارج لغير شهوة وفي فضلة المني الخارجة بعد الغسل الروايات الثلاث.
الشيخ: هذه مسألة تحتاج إلى شرح قال وإن أحس بانتقال المني من ظهره فأمسك ذكره فلم يخرج ففيه روايتان إحداهما لا غسل عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا رأت الماء) وهذا هو الصحيح أنه إذا انتقل المني ولم يخرج فلا غسل عليه لأن ما كان باطنا لا حكم له والحكم للظاهر هذا التعليل أما الدليل الأثري فهو قوله عليه الصلاة والسلام (إذا هي رأت الماء) وهذا لم يرى الماء والثاني يجب لأنه خرج عن مقره فأشبه ما لو ظهر يقال نعم هو خرج وفارق محله لا شك لكنه ليس كالخارج مادام في باطن البدن فإننا غير مكلفين به فهذا التعليل عليل مخالف للأثر فلا يلزمه الغسل ولكن يقول فإن اغتسل فخرج بعد ذلك وجب الغسل على الرواية الأولى ما هي الرواية الأولى؟ أنه لا غسل عليه لأن الوجوب متعلق بخروجه ولم يجب على الثانية لأنه تعلق بانتقاله وقد اغتسل له إذاً إن اغتسل فخرج بعد ذلك يعني بعد أن اغتسل فهو على الرواية الأولى يجب أن يغتسل لأن الغسل الأول ليس بواجب إذ أن الوجوب متعلق بالخروج ولم يخرج فإذا خرج وجب عليه الاغتسال قال ولم يجب على الثانية لأنه تعلق بانتقاله وقد اغتسل يعني انتقل المني ولكنه لم يخرج فيجب على الرواية الثانية أن يغتسل فإذا اغتسل ثم خرج بعد اغتساله لم يجب لأن هذا حدث واحد فلا يوجب غسلين وعنه إن خرج قبل البول وجب الغسل وعنه أي عن الإمام أحمد إن خرج قبل البول وجب له الغسل لأنا نعلم أنه المني المنتقل إذاً إن خرج قبل البول وجب الغسل لأنه المني المنتقل وإن خرج بعده لم يجب لماذا؟ لأنه يحتمل أنه غيره وهو خارج لغير شهوة يعني إذا انتقل وقلنا لا يجب الغسل ثم خرج قبل البول فإنه يجب الغسل لأن هذا المني هو المني المنتقل الذي قلنا إنه لا يجب الغسل بانتقاله وإن خرج بعده فإنه لا يجب الغسل لأنه لو كان المني الأول لدفعه البول وخرج فلما لم يدفعه البول ولم يخرج فإنه يحتمل أنه مني جديد خرج بغير شهوة والمني إذا خرج بغير شهوة
فإنه لا يوجب الغسل وعنه إن خرج قبل البول وجب له الغسل لأننا نعلم أنه المني المنتقل وإن خرج بعده لم يجب لأنه يحتمل أنه غيره وهو خارج لغير شهوة وفي فضلة المني الخارجة بعد الغسل الروايات الثلاث والصحيح أنها لا توجب
الغسل لأنه قد اغتسل له يعني رجل جامع زوجته ثم اغتسل وبعد اغتساله خرج بقية المني السابق فإنه لا يجب الغسل لماذا؟ لأنه حدث واحد فلا يوجب غسلين وقد تطهر له.
مسألة: الخارج من القبل أربعة أشياء المني والمذي وهذان يتعلقان بالشهوة لكن المني يكون عند اشتدادها وذاك عند برودتها والمني يحس به الإنسان والمذي لا يحس به والمني غليظ أبيض والمذي بخلاف ذلك يعني رقيق بقينا في البول والودي فالبول والودي شيئان مختلفان وصفا لا حكما فحكمهما واحد والمذي يختلف عن المني فيما يجب به فلا يجب في المذي إلا غسل الذكر والأنثيين وأما ما أصاب الثوب منه فإنه يكفي فيه النضح ولا يجب فيه الغسل والبول يجب فيه الغسل والمذي يكفي فيه النضح والسبب لأنه خرج عن شهوة فحرارة الشهوة خففت غلظ نجاسته ولهذا كان بين المني وبين البول فالمني يوجب غُسْل البدن كله والمذي لا يوجب إلا غسل الذكر والأنثيين والوضوء وأما البول فلا يوجب غسل الذكر والأنثيين ويجب أن يغسله.
السائل: أليس حبس المني في الجسم مضر؟
الشيخ: الفقهاء يصورون أشياء قد تقع من بعض السفهاء وقد لا تقع ويمكن بعض الناس في الشتاء ينتقل المني منه ويخاف أن يخرج ويجب عليه الغسل فيحبسه أو ربما إنه تبرد شهوته أحيانا يعني ينتقل المني ثم تبرد الشهوة ولا يخرج فهذه صورتها ظاهرة يعني تصوير هذه المسألة إما بما قال المؤلف بأن يمسك ذكره حتى لا يخرج الماء وإما أن تبرد شهوته وإذا بردت ما عاد يستطيع ينزل
فصل
القارئ: التقاء الختانين وهو تغييب الحشفة في الفرج يوجب الغسل وإن عري عن الإنزال.
الشيخ: كثير من الناس يقول كيف التقاء الختانين ونقول هو تغييب الحشفة ووجه ذلك أن منتهى الختان من الرجل بعد الحشفة فإذا التقى ختان الرجل بختان المرأة لزم من ذلك أن تغيب الحشفة فبعض الطلبة يظن أن معنى التقاء الختانين أن يمس رأس الذكر فرج المرأة بدون إيلاج وليس كذلك فلا يمكن التقاء الختانين إلا بتغييب الحشفة لأن الختان كما تعرفون تقطع كل الجلدة التي على الحشفة.
السائل: إذا اغتسل وبعدما اغتسل خرج المني أو بعض المني فهل يجب عليه الوضوء؟
الشيخ: نعم يجب عليه الوضوء.
القارئ: لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان وجب الغسل) رواه مسلم وختان الرجل الجلدة التي تبقى بعد الختان وختان المرأة جلدة كعرف الديك في أعلى الفرج يقطع منها في الختان فإذا غابت الحشفة في الفرج تحاذى ختاناهما فيقال التقيا وإن لم يتماسا ويجب الغسل بالإيلاج في كل فرج قبل أو دبر من آدمي أو بهيمة حي أو ميت لأنه فرج أشبه قبل المرأة فإن أولج في قبل الخنثى المشكل فلا غسل عليهما لأنه لا يتيقن كونه فرجا فلا يجب الغسل بالشك.
الشيخ: ذكر بعض العلماء أنه لا غسل عليه في الإيلاج في بهيمة وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إذا جلس بين شعبها الأربع) والفاعل بالبهيمة لم يجلس بين شعبها الأربع ولأنه قال إذا التقى الختانان والبهيمة ليس لها ختان وكونه يتلذذ ككون الرجل يتلذذ إذا جامع بين فخذيه وهذا الذي يميل إليه شيخنا عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله وهو الصواب ولكن هل معنى ذلك أن نقول إنه يجوز أن يفعل بالبهيمة؟ لا لا يجوز كما لو أنه زنى بامرأة وأولج فيها لقلنا إنه يجب عليه الغسل ويجب عليه الحد والفاعل بالبهيمة أيضا يجب أن تقتل البهيمة فإن كانت له فقد فاتت عليه وإن كانت لغيره فعليه ضمانها ولا تؤكل أما بالنسبة له هو فقد ورد في الحديث (اقتلوه واقتلوا البهيمة) وذهب إليه بعض العلماء وقالوا من أتى بهيمة فإنه يقتل لأن فرجها لا يباح بحال من الأحوال فيشبه فرج الذكر وهو اللواط واللواط حده القتل وقال بعض العلماء بل يعزر تعزيرا وهذا أصح أنه يعزر ولا يقتل أما البهيمة فتقتل.
السائل: ما الدليل على نجاسة المني الذي يخرج من غير شهوة؟
الشيخ: الدليل أن الأصل فيما خرج من السبيلين أنه نجس.
السائل: لكن الأصل الطهارة في المني؟
الشيخ: هذا المني الذي يوجب الغسل أما المني الذي يخرج من غير شهوة فلا يجب عليه الغسل لأن المادة تختلف ولهذا لا يكون له رائحة المني الذي خرج بشهوة ولا غلظ المني.
السائل: ما العلة من قتل البهيمة؟
الشيخ: العلة من قتل البهيمة لئلا يعير بها تمر من عند ناس ويقال هذه زوجة فلان فيعير بها.
ثانيا ربما تحمل وإن كان هذا بعيدا من الناحية الطبية لكن قد يجعل الله هذه آية فتكون فضحية.
ثالثا أنه ربما يحن إليها لأن الذي يأتي البهيمة والعياذ بالله لم يأتها إلا عن شهوة شديدة ولا يكون عنده ما يتمتع به سواها فإذا لم تقتل يحن إليها ثم يذهب إليها مرة ثانية.
فصل
القارئ: والثالث إسلام الكافر وفيه روايتان إحداهما يوجب الغسل اختارها الخرقي لأن النبي صلى الله عليه وسلم (أمر ثمامة بن أثال وقيس بن عاصم أن يغتسلا حين أسلما) رواه أبو داود والنسائي قال الترمذي حديث حسن ولأن الكافر لا يسلم من حدث لا يرتفع حكمه باغتساله فقامت مظنة ذلك مقامه ولا يلزمه أن يغتسل للجنابة لأن الحكم تعلق بالمظنة فسقط حكم المظنة كالمشقة مع السفر والثانية لا غسل عليه اختارها أبو بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ (إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات) متفق عليه ولم يأمرهم بالغسل ولو كان أول الفروض لأمر به ولأنه أسلم العدد الكثير والجم الغفير فلو أمر بالغسل لنقل نقلا متواترا فإن أجنب في حال كفره احتمل أن لا يجب الغسل عليه لما ذكرناه واحتمل أن يجب وهو قول أبي بكر لأن حكم الحدث باق.
الشيخ: هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء إسلام الكافر هل يوجب الغسل أو لا؟ فالمشهور من المذهب أنه يوجب الغسل ودليله أثر ونظر أما الأثر فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ثمامة بن أثال وقيس بن عاصم أن يغتسلا حين أسلما لكن الأمر هل هو للوجوب أو للاستحباب فمن العلماء من يقول إن الأمر هنا للوجوب لأنه الأصل في الأوامر ومنهم من قال إنه للاستحباب لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به كل من أسلم، أما الدليل النظري في هذه المسألة هو أن الكافر لا يسلم من حدث موجب للغسل لا سيما إذا كان كبيرا بالغا ولو اغتسل في حال كفره لم يرتفع الحدث لأن من شرط ارتفاع الحدث النية والإسلام وهذا ليس بمسلم فلو اغتسل لم يرتفع فقامت المظنة مقام اليقين والرواية الثانية عن أحمد أنه لا يجب الغسل لإسلام الكافر لأنه أسلم الجم الغفير والعدد الكثير في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم بالغسل ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذا إلى اليمن قال أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات ولو كان الغسل واجبا لكان مقدما على الأمر بالصلاة لأن الصلاة لا تصح إلا به وهذا استدلال قوي وأما ما قيل إن الكافر قد يكون محدثا فنقول إن الأصل عدم الحدث وباب الطهارة الشك فيه ملغى مطرح فلا عبرة به وهذه الرواية أقوى من الرواية التي هي القول بوجوب اغتسال الكافر ولكن لو فرض أنه أجنب في حال كفره ثم أسلم وهو لم يغتسل في حال الكفر فهل يجب عليه الغسل أولا؟ فيه قولان منهم من قال يجب عليه الغسل لأن الحدث باق لم يرتفع ومنهم من قال لا يجب لعموم عدم أمر النبي صلى الله عليه وسلم لمن أسلم أن يغتسل ولقوله تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية38) ولكن في هذه المسألة الاحتياط أن يغتسل وإن قلنا بأن الكافر لا غسل عليه إذا أسلم لأن الحدث قد وجد والأصل بقاؤه حتى يرتفع بدليل شرعي.
السائل: لو أسلم وهو على جنابة وصلى هل صلاته صحيحة؟
الشيخ: ينبني على الخلاف والاحتياط أن يغتسل وإذا قلنا إن الاحتياط إنه يغتسل معناه إذا صلى فالاحتياط أن يعيد والاحتياط دون الوجوب يعني مثلا إذا قال لك العالم الاحتياط فالمعنى أنه دون الوجوب لكنه كالملزم به.
السائل: لماذا قلنا بقتل البهيمة دون الفاعل فيها والحديث واحد؟
الشيخ: هذا سؤال وجيه يقول لماذا أخذتم ببعض الحديث دون بعض قالوا أخذنا بذلك لأن الحديث فيه مقال واستحلال دم المسلم أو الرجل أشد من استحلال البهيمة لأن البهيمة مال ويجوز أن يعزر بإتلاف المال وأما الآدمي فهو نفس ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث.
فصل
القارئ: فأما المرأة فيجب في حقها الأغسال المذكورة وتزيد بالغسل من الحيض والنفاس ونذكره في بابه ولا يجب الغسل بالولادة العارية عن دم لأن الإيجاب بالشرع ولم يوجب بها ولا هي في معنى المنصوص عليه وعنه يجب بها لأنها لا تكاد تعرى من نفاس موجب فكانت مظنة له فأقيمت مقامه كالتقاء الختانين مع الإنزال
فصل
القارئ: ولا يجب الغسل بغير ذلك من غسل ميت أو إفاقة مجنون أو مغمى عليه لما ذكرناه
فصل
القارئ: ومن لزمه الغسل حرم عليه ما يحرم على المحدث ويحرم عليه قراءة آية فصاعدا لقول علي رضي الله عنه (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم ولم يكن يحجبه أو قال يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة) رواه أبو داود.
الشيخ: قوله ليس الجنابة هذه ليس بمعنى إلا فهي أداة استثناء.
القارئ: وفي بعض آية روايتان إحداهما يحرم قراءته لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن) رواه أبو داود والأخرى يجوز لأن الجنب لا يمنع من قول بسم الله والحمد لله وذلك بعض آية
فصل
القارئ: ويحرم عليه اللبث في المسجد لقول الله تعالى (وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (النساء: من الآية43) يعني مواضع الصلاة وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) رواه أبو داود ولا يحرم العبور في المسجد لقوله تعالى (إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) (النساء: من الآية43) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة (ناوليني الخمرة من المسجد قالت إني حائض قال إن حيضتك ليست في يدك) رواه معاذ قال بعض أصحابنا إذا توضأ الجنب حل له اللبث في المسجد لأن الصحابة رضي الله عنهم كان أحدهم إذا أراد أن يتحدث في المسجد وهو جنب توضأ ثم دخل فجلس فيه ولأن الوضوء يخفف بعض حدثه فيزول بعض ما منعه
الشيخ: وهذا هو الصحيح أن الجنب إذا توضأ فله المكث في المسجد ولو أحدث لأنه بوضوئه خف عنه أثر الجنابة.
فصل
القارئ: ويستحب للجنب إذا أراد أن ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة لما روى ابن عمر أن عمر قال (يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب قال نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد) متفق عليه.
الشيخ: قوله فليرقد اللام هنا للإباحة لأن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل يرقد أو لا قال نعم إذا توضأ فليرقد واختلف العلماء رحمهم الله هل يجوز للجنب أن ينام من غير وضوء فمنهم من قال لا يجوز لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعمر إذا توضأ فليرقد ومنهم من قال يكره أن ينام على غير وضوء ومنهم من قال يباح لأن مسلما روى في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماءً والأحوط للإنسان ألا ينام إلا على إحدى الطهارتين لأن الله يقول (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) (الزمر: من الآية42) فسمى الله الموت وفاة ولا ينبغي للإنسان أن ينام إلا على أقل الطهرين ولكن إذا توضأ ثم انتقض وضوؤه فهل يكره أن ينام نقول في هذا ما قلنا في اللبث في المسجد.
القارئ: ويستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يعود للجماع ويغسل فرجه فأما الحائض فلا يستحب لها ذلك لأن الوضوء لا يؤثر في حدثها ولا يصح منها.
الشيخ: إذا أراد أن يأكل وعليه جنابة فليتوضأ لأن هذا أفضل وأحسن وكذلك إذا أراد أن يعود إلى الجماع مرة أخرى فالأفضل أن يغسل ذكره ويتوضأ لأن ذلك أنشط له ولكن لو لم يفعل فلا
حرج فإن النبي كان يطوف على نسائه بغسل واحد وأما الحائض فلا يستحب لها الوضوء لأنها لو توضأت فحدثها باق بخلاف الجنب.
باب الغسل من الجنابة القارئ: وهي على ضربين كامل ومجزئ فالكامل يأتي فيه بتسعة أشياء النية وهو أن ينوي الغسل للجنابة أو استباحة ما لا يستباح إلا بالغسل كقراءة القرآن واللبث في المسجد ثم يسمي ثم يغسل يديه ثلاثا قبل إدخالهما الإناء ثم يغسل ما به أذى ويغسل فرجه الشيخ: قوله رحمه الله كقراءة القرآن ظاهر لأن قراءة القرآن لا تستباح إلا بالغسل وأما قوله اللبث في المسجد فالصحيح أن اللبث في المسجد يستباح بالوضوء.
القارئ: ويغسل فرجه وما يليه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات يروي بهن أصول شعره ويخلله بيده ثم يفيض الماء على سائر بدنه ثم يدلك بدنه بيده وإن توضأ إلا غسل رجليه ثم غسل قدميه آخرا فحسن قال أحمد الغسل من الجنابة على حديث عائشة يعني قولها (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم يخلل شعره بيده حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده) وقالت ميمونة (وضع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثم أفاض على رأسه ثم غسل جسده فأتيته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيده) متفق عليهما، الضرب الثاني المجزئ وهو أن ينوي ويعم شعره وبدنه بالغسل والتسمية هاهنا كالتسمية في الوضوء فيما ذكرنا ويجب إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر وإن كان كثيفا لحديث عائشة ولا يجب نقضه إن كان مضفورا لما روت أم سلمة قالت (قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة قال لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء عليك فتطهرين) رواه مسلم ولا يجب ترتيب الغسل لأن الله تعالى قال (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (المائدة: من الآية6) ولم يقدم بعض البدن على بعض لكن يستحب البداءة بما ذكرناه.
الشيخ: ما هو البداءة بما ذكرناه يعني بالوضوء أولا ثم بالإفاضة على الرأس ثلاثا ثم بغسل سائر الجسد ويبدأ بميامنه.
القارئ: والبداءة بغسل الشق الأيمن لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في طهوره ولا موالاة فيه لأنه طهارة لا ترتيب فيها فلم يكن فيها موالاة كغسل النجاسة.
الشيخ: ما معنى الموالاة؟ التتابع ولكن هذا القياس الذي قاله رحمه الله فيه نظر يقول إنها طهارة لا ترتيب فيها فلم يكن فيها موالاة كغسل النجاسة هذا القياس معارض بأنها عبادة واحدة فالتفريق بينها يمنع بناء بعضها على بعض وعلى هذا فالموالاة واجبة كيف نقول لرجل اغتسل نصف جسده في الصباح ونصف جسده عند الظهر أين الغسل؟ نعم لو كانت الجنابة نجاسة لقلنا لا بأس أن تغسل جانب الثوب النجس في الصباح وتغسل بقيته في المساء لكن هذه طهارة عن حدث فاشترطت فيها الموالاة كالوضوء هذا القياس الصحيح وأما سقوط الترتيب فيها فلأن البدن في الجنابة عضو واحد فلم يكن فيه الترتيب إذاً فقياس المؤلف رحمه الله معارض بقياسين أصح منه الأول أنها عبادة واحدة فاشترط فيها الموالاة كالصلاة وغيرها.
الثاني ولأنها طهارة عن حدث فاشترط فيها الموالاة كالوضوء هذا هو الصحيح.
السائل: بالنسبة لغسل القدمين؟
الشيخ: القدمين إما أن يؤخر غسلهما كما في حديث ميمونة وإما أن يغسلا مع الوضوء كما في حديث عائشة لأن عائشة تقول توضأ وضوءه للصلاة وميمونة ذكرت أنه أخر وعندي والعلم عند الله أن السبب في تأخير الرسول صلى الله عليه وسلم غسل رجليه في حديث ميمونة أن الماء كان قليلاً والأرض ليست مزفلته كما في أراضينا وإنما هي طين فمن أجل قلة الماء أخر غسل قدميه إلى آخر شيء ويدل لذلك أنه في حديث ميمونة لما غسل فرجه عليه الصلاة والسلام ضرب بيديه الأرض مرتين أو ثلاثا لأن ذلك أسرع في الإنقاء ولم يفعل ذلك في حديث عائشة فكأن الماء قليل والله أعلم فأخر غسل رجليه هذا الظاهر.
السائل: دخول الصحابة المسجد وهم جنب متوضئون ألا يكون صارفاً لحديث إيجاب تحية المسجد؟
الشيخ: أصلا إذا دخل الإنسان المسجد وهو على غير وضوء ما يمكن يصلي ولايلزمه أن يصلي وإنما تلزم تحية المسجد من دخل على وضوء.
فصل
فأما غسل الحيض فهو كغسل الجنابة سواء إلا أنه يستحب لها أن تأخذ شيئا من المسك أو طيب أو غيره فتتبع به أثر الدم ليزيل فورته لما روت عائشة رضي الله عنها (أن امرأة جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تسأله عن الغسل من الحيض فقال خذي فرصة من مسك فتطهري بها فقالت كيف أتطهر بها فقالت عائشة قلت تتبعي أثر الدم) رواه مسلم، فإن لم تجد مسكا فغيره من الطيب فإن لم تجد فالماء كاف وهل عليها نقض شعرها للغسل منه فيه روايتان إحداهما لا يجب لأنه غسل واجب أشبه غسل الجنابة والثانية يجب ليتيقن وصول الماء إلى ما تحته وإنما عفي عنه في الجنابة لأنه يتكرر فيشق النقض فيه بخلاف الحيض.
فصل
القارئ: والأفضل تقديم الوضوء على الغسل للخبر الوارد فإن اقتصر على الغسل ونواهما أجزأه عنهما لقوله الله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (المائدة: من الآية6) ولم يأمر بالوضوء معه ولأنهما عبادتان من جنس صغرى وكبرى فدخلت الصغرى في الكبرى في الأفعال دون النية كالحج والعمرة وعنه لا يجزئه عن الحدث الأصغر حتى يتوضأ لأنهما نوعان يجبان بسببين فلم يدخل أحدهما في الآخر كالحدود وإن نوى إحداهما دون الأخرى فليس له غيرها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (وإنما لكل امرئ ما نوى).
الشيخ: قوله إن نوى إحداهما يعني نوى الوضوء وتوضأ أو نوى الغسل واغتسل وهذه النية كما رأيتم تقتضي أن تكون الأحوال ثلاثة:
الحال الأول أن ينويهما جميعا فيحصلان له جميعا لحديث (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).
والثانية أن ينوي الحدث الأكبر الجنابة فقط فظاهر كلام المؤلف أنه لا يجزئه عن الوضوء لأنه قال إن نوى أحدهما حصل له والصحيح أنه يجزئه عن الوضوء لقول الله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (المائدة: من الآية6) ولم يذكر الوضوء ولأن الحدث حدث أكبر فإذا اغتسل له رفعه فعندنا الآن إن توضأ واغتسل وجعل لكل واحد منهما نية أجزأ وإن اغتسل فقط ونواهما أجزأ وإن اغتسل فقط ونوى الأكبر المذهب لا يجزئ والصحيح أنه يجزي وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو ظاهر الآية لقول الله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (المائدة: من الآية6).
السائل: ما الصحيح في نقض الشعر؟
الشيخ: الصحيح عدم وجوب النقض في الحيض لأنه متى وصل الماء إلى أصول الشعر كفى.
السائل: أحسن الله إليكم الآثار عن الصحابة في مسألة اللبث في المسجد للجنب إذا توضأ ضعفها بعض أهل العلم؟
الشيخ: إذا ثبت الضعف فليس فيها حجة لأن الجنب وإن توضأ فهو باق على جنابته لكن من المعلوم أن الوضوء يخفف الجنابة ولهذا ينام الإنسان إذا توضأ وهو جنب ولا ينام إذا لم يتوضأ على خلافٍ في ذلك.
فصل
القارئ: ويجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا ويتوضآ من إناء واحد لأن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يغتسل هو وزوجته من إناء واحد يغرفان منه جميعا) متفق عليه وقال ابن عمر (كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد) رواه أبو داود ويجوز للمرأة التطهر بفضل طهور الرجل وفضل طهور المرأة وللرجل التطهر بفضل طهور الرجل وفضل طهور المرأة ما لم تخل به فإن خلت به ففيه روايتان إحداهما يجوز أيضا لما روت ميمونة قالت (أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليغتسل منه فقلت إني اغتسلت منه فقال إن الماء ليس عليه جنابة) رواه أبو داود ولأنه ماء لم ينجس ولم يزل عن إطلاقه فأشبه فضلة الرجل والثانية لا يجوز للرجل التطهر به لما روى الحكم بن عمرو قال (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) حديث حسن قال أحمد رحمه الله: جماعة من الصحابة كرهوه وذكر منهم ابن عمر وعبد الله بن سرجس وخص ما خلت به لقول عبد الله بن سرجس توضأ أنت هاهنا، وهي هاهنا فأما إذا خلت فلا تقربنه ومعنى الخلوة أن لا يشاهدها إنسان تخرج بحضوره عن الخلوة في النكاح وذكر القاضي أنها لا تخرج عن الخلوة ما لم يشاهدها رجل وإنما تؤثر خلوتها في الماء اليسير لأن النجاسة لا تؤثر في الكثير فهذا أولى ولا يخرج الماء الذي خلت به المرأة عن إطلاقه بل يجوز للنساء التطهر به من الحدث والنجاسة وللرجل إزالة النجاسة به لأن منع الرجل من الوضوء به تعبد فوجب قصره على مورده وذكر القاضي أنه لا يزيل النجاسة لأن ما لا يرفع الحدث لا يزيل النجس كالخل وهذا لا يمكن القول بموجبه فإن هذا يرفع حدث المرأة بخلاف الخل.
الشيخ: القول الصحيح في هذه المسألة أنه يجوز للرجل أن يتوضأ ويغتسل بما خلت به المرأة لحديث ميمونة أن الرسول عليه الصلاة والسلام اغتسل بفضلها وقالت إني كنت جنبا فقال (إن الماء لا يجنب) وهذا هو الصحيح والعجب من أصحابنا رحمهم الله أن الحديث (نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أن يتوضأ بفضل طهور المرأة أو المرأة بفضل طهور الرجل) وأجازوا للمرأة أن تتوضأ بفضل طهور الرجل ولم يجيزوا للرجل أن يتوضأ بفضل طهور المرأة فأخذوا ببعض الحديث وتركوا بعضه مع أن الذي أخذوا به هو الذي جاءت السنة بجوازه فسبحان الله فالصواب الذي لا شك فيه أنه يجوز للرجل أن يتطهر بفضل طهور المرأة التي خلت به والعكس بالعكس.
السائل: كيف نوجه النهي في الحديث؟
الشيخ: هذا على سبيل الأولوية فقط وليس حراماً وكأن النبي عليه الصلاة والسلام والله أعلم أراد أن يغتسل الرجل مع زوجته كما كان هو يفعل لأن ذلك أدعى للمحبة والألفة وأقل تكلفا لأن الإناء يكون واحدا هذا والعلم عند الله.
باب التيمم
القارئ: التيمم طهارة بالتراب يقوم مقام الطهارة بالماء عند العجز عن استعماله لعدم أو مرض لقول الله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) (المائدة: من الآية6) إلى قوله (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (المائدة: من الآية6) وروى عمار قال (أجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه) متفق عليه والسنة في التيمم أن يضرب بيديه على الأرض ضربة واحدة ثم يمسح بهما وجهه ويديه إلى الكوعين للخبر ولأن الله تعالى أمر بمسح اليدين واليد عند الإطلاق في الشرع تتناول اليد إلى الكوع بدليل قوله تعالى ... (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (المائدة: من الآية38) وإن مسح يديه إلى المرفقين فلا بأس لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الصواب أنه وإن كان ذهب بعض العلماء إلى أن التيمم إلى المرفقين فإن هذا ضعيف لأن حديث عمار بن ياسر صريح بأن الرسول عليه الصلاة والسلام مسح الكفين فقط وكذلك قوله تعالى (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (المائدة: من الآية6) واليد عند الإطلاق للكف بدليل قوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (المائدة: من الآية38).
القارئ: وسواء فعل ذلك بضربتين أو أكثر ويستحب تفريق أصابعه عند الضرب ليدخل الغبار فيما بينهما وإن كان التراب ناعما فوضع اليدين عليه وضعا أجزأه ويمسح جميع ما يجب غسله من الوجه مما لا يشق مثل باطن الفم والأنف وما تحت الشعور الخفيفة لقوله تعالى (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) وكيفما مسح بعد أن يستوعب الوجه والكفين إلى الكوعين جاز إلا أن المستحب في الضربة الواحدة أن يمسح وجهه بباطن أصابع يديه وظاهر كفيه بباطن راحتيه وإن مسح بضربتين مسح بأولاهما وجهه وبالثانية يديه فإن مسح إلى المرفقين وضع بطون أصابع اليسرى على ظهور أصابع اليمين ثم يمرهما إلى مرفقيه ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمره عليه ويرفع إبهامه فإذا بلغ الكوع أمر إبهام يده اليسرى على إبهام يده اليمنى ثم مسح بيده اليمنى يده اليسرى كذلك ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى ويخلل بين أصابعه.
الشيخ: الله المستعان هذا تكلف والصحيح خلاف ما قال المؤلف الصحيح أنه إذا ضرب ضربة واحدة مسح بالوجه ثم مسح الكفين وكذلك لو ضرب بضربتين مسح بالأولى الوجه والثانية مسح الكفين بعضهما ببعض وأما التكلف الذي ذكره المؤلف رحمه الله فهذا مثل ما ذكر فيما سبق أنه يتنحنح إذا انتهى من البول وبعضهم قال إنه يركض وبعضهم قال يتعلق بالحبل ويشيل وينزل.
مسألة: بعض العلماء قال كما قال المؤلف يمسح بباطن الأصابع الوجه والكفين بالراحة بناءً على أنه لو مسح الوجه والكفين بالراحة لمسح بتراب مستعمل والتراب المستعمل عندهم يكون طاهرا غير مطهر والصواب أنه طهور والصحيح ما رجحناه سابقاً.
القارئ: وإن يممه غيره جاز كما يجوز أن يوضئه وإن أطارت الريح عليه ترابا فمسح وجهه بما على يديه جاز وإن مسح وجهه بما عليه لم يجز لأن الله تعالى أمر بقصد الصعيد والمسح به ويحتمل أن يجزئه إذا صمد للريح لأنه بمنزلة مسح غيره له.
الشيخ: الظاهر أنه لابد من المسح.
فصل
القارئ: وفرائض التيمم النية لما ذكرنا في الوضوء ومسح الوجه والكفين للأمر به وترتيب اليدين على الوجه قياساً على الوضوء وفي التسمية والموالاة روايتان كالوضوء فأما النية فهو أن ينوي استباحة ما لا يباح إلا به فإن نوى صلاة مكتوبة أبيح له سائر الأشياء لأنه تابع لها فيدخل في نية المتبوع وإن نوى نفلا أو صلاة مطلقة لم يبح له الفرض لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما تستباح به الصلاة فلا يستبيح به الفرض حتى ينويه وله قراءة القرآن لأن النافلة تتضمن القرآن وليس له صلاة الجنازة المتعينة لأنها فرض وإن كانت نفلا فله فعلها وإن نوى قراءة القرآن لم يكن له التنفل لأنه أعلى فإن نوى رفع الحدث لم يجزئه.
الشيخ: كلام المؤلف رحمه الله في النية لا ينوي رفع الحدث لأن الحدث لا يرتفع وإنما ينوي استباحة ما لا يباح إلا بالطهارة يعني ينوي أنه يستبيح الصلاة بهذا التيمم لأن الأصل منع الصلاة من المحدث فالأصل أن المحدث ممنوع من الصلاة فيتيمم لأجل أن يستبيح الصلاة فهو ينوي الاستباحة ولا ينوي رفع الحدث لأنه لا يرتفع الحدث وإذا كانت النية نية استباحة فإنه إذا نوى استباحة الأدنى لا يباح له الأعلى وإن نوى استباحة الأعلى أبيح له الأدنى هذه القاعدة (إذا نوى استباحة الأدنى لم يبح له الأعلى وإذا نوى استباحة الأعلى أبيح له الأدنى) والفرض أعلى من النفل فإذا تيمم لصلاة الفريضة أبيحت له صلاة النافلة وإذا تيمم لصلاة النافلة فلا تباح له الفريضة هذه القاعدة ولهذا يقول رحمه الله فأما النية فهو أن ينوي استباحة ما لا يباح إلا به فإن نوى صلاة مكتوبة أبيح له سائر الأشياء لأنه تابع لها فتدخل في نية المتبوع وإن نوى نفلا أو صلاة مطلقة لم يبح له الفرض لأن الفرض أعلى من النفل لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما تستباح به الصلاة فلا يبيح فرض حتى ينويه وله قراءة القرآن لماذا؟ لأن النافلة تتضمن القرآن وليس له صلاة الجنازة المتعينة لأنها فرض وهو إنما تيمم للنفل وإن كانت نفلا فله فعلها وإن نوى قراءة القرآن لم يكن له التنفل لأنه أعلى يعني إذا تيمم لقراءة القرآن فإنه لا يصلي به النافلة لأن الطهارة للنافلة أوكد من الطهارة لقراءة القرآن والخلاصة والضابط ما ذكرت لكم إذا نوى الأعلى استباح الأدنى وإن نوى استباحة الأدنى لم يستبح الأعلى.
السائل: ماحكم الموالاة في التيمم؟
الشيخ: سبق لنا أن الراجح الترتيب والموالاة في التيمم وفي غير التيمم لأن الله ذكره مرتبا وهو عبادة واحدة لا يمكن أن تتفرق.
القارئ: فإن نوى قراءة القرآن لم يكن له التنفل لأنه أعلى فإن نوى رفع الحدث لم يجزئه لأن التيمم لا يرفع الحدث وعنه ما يدل على أنه يرفع الحدث فيكون حكمه حكم الوضوء في نيته ولا بد له من تعيين ما يتيمم له من الحدث الموجب للغسل.
الشيخ: هذه الرواية عن أحمد هي الصحيحة بلا شك أن التيمم يرفع الحدث ودليل ذلك قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (المائدة: من الآية6) وهذا نص صريح ولا تطهير إلا برفع الحدث وقال النبي عليه الصلاة والسلام (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) وهذا صريح في أنه يطهر فيرفع الحدث ولكن رفعه للحدث رفع مؤقت مادام عادما للماء أو عاجزا عن استعماله يعني مادام العذر قائما وبناء على هذا القول الراجح إذا تيمم للنافلة جازت الفريضة وإذا تيمم لصلاة الفجر وبقي على طهارته إلى الظهر لم يحتج إلى إعادة التيمم وإذا تيمم للصلاة وخرج وقتها لم يبطل التيمم يعني أن حكمه حكم الماء إلا إذا زال العذر فإنه لابد من استعمال الماء ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) هذا دليل والدليل الثاني ما ثبت في البخاري في قصة الرجل الذي كان معتزلا لم يصلِّ في القوم فقال (ما منعك قال أصابتني جنابة ولا ماء قال عليك بالصعيد فإنه يكفيك) ثم جاء الماء فأعطاه فضلة وقال خذ هذا فأفرغه على نفسك فهذا يدل على أنه إذا وجد الماء بطل التيمم وقد حكى بعض العلماء الإجماع على هذه المسألة أنه متى وجد الماء بطل التيمم وإن قلنا برفع الحدث بالتيمم وذكر بعض أهل العلم طردا للقاعدة أنه لا يبطل تيممه بوجود الماء لأنه يقول في تعليله
إذا ثبت ارتفاع الحدث فإنه لا يعود إلا بدليل فنقول له الجواب على هذا سهل ماذا نقول؟ وجد الدليل على أن من وجد الماء وقد تيمم لعدمه فعليه أن يتطهر بالماء ومن برأ من مرضه وقد تيمم من أجل المرض فإنه يجب عليه أن يتطهر بالماء.
السائل: إذا قال وعنه فهل يدل على أن الرواية الثانية ضعيفة؟
الشيخ: إذا قال أصحاب المذهب وعن الإمام أحمد كذا فمعناه أن المقدم عندهم خلافه فيكون المقدم عند المؤلف خلاف هذا الشيء أما إذا قال ففيه روايتان فهما مطلقتان أو إذا قال فعنه كذا وعنه كذا كما يوجد في كتاب الفروع مثلا إن فعل كذا فعن الإمام أحمد كذا وعنه كذا فيكون هذا أيضا رواية مطلقة.
القارئ: ولابد له من تعيين ما يتيمم له من الحدث الموجب للغسل أو الوضوء أو النجاسة.
الشيخ: لابد من تعيين ما يتيمم له وعندنا الآن متيمم عنه ومتيمم له ما هو المتيمم عنه؟ الحدث البول الغائط الجنابة ومتيمم له وهو ما يستبيحه بالتيمم كالصلاة وقراءة القرآن وما أشبه ذلك يقول لابد من تعيين ما يتيمم له من الحدث الموجب للغسل أو الوضوء يعني معناه لابد أن تنوي أن هذا التيمم عن جنابة أو هذا عن وضوء لابد أن تنوي
إذاً فعندنا نيتان النية الأولى نية ما يتيمم له والثانية ما يتيمم عنه بخلاف الوضوء فالوضوء لو نويت الصلاة بقطع النظر عن الحدث ارتفع الحدث ولو نويت رفع الحدث بقطع النظر عن الصلاة أو قراءة القرآن ارتفع.
القارئ: فإن تيمم للحدث ونسي الجنابة أو الجنابة ونسي الحدث لم يجزئه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (وإنما لكل امرئ ما نوى) ولأن ذلك لا يجزئ في الماء وهو الأصل ففي البدل أولى.
الشيخ: وقول المؤلف هنا الموجب للغسل أو الوضوء أو النجاسة الصحيح أنه لا تيمم للنجاسة فالنجاسة إن قدرت على إزالتها فأزلها وإن لم تقدر فلا تتيمم لأن الله إنما ذكر التيمم في الحدث ولأن النجاسة المطلوب زوالها والتيمم لا يزيلها.
السائل: متى تكون صلاة الجنازة سنة؟
الشيخ: إذا صلي عليها أول مرة فما بعدها سنة.
فصل
القارئ: ويجوز التيمم عن جميع الأحداث لظاهر الآية وحديث عمار وروى عمران بن حصين (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم فقال يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم قال أصابتني جنابة ولا ماء عندي قال عليك بالصعيد فإنه يكفيك) متفق عليه.
الشيخ: وهذا نص على أنه يجوز التيمم عن حدث الأصغر وحديث عمار أيضا صريح وقد أنكر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب التيمم للجنابة وقال التيمم للحدث الأصغر فقط وناظره عمار بن ياسر في ذلك وقال ألا تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسلني وإياك في حاجة وحصل علي كذا وكذا فقال لا أذكر فقال له عمار إن شئت يا أمير المؤمنين أن لا أحدث بهذا الحديث لما جعل الله لك علي من الطاعة فعلت قال لا لا أمنعك ونوليك ما توليت وانظر فقه الصحابة قال إن شئت أن لا أحدث به مع أنه حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام ويترتب عليه حكم شرعي من أعظم الأحكام وهو الصلاة ومع ذلك قال إذا رأيت ألا أحدث به فعلت فقال لا نوليك ما توليت لكننا نقول إن عمار بن ياسر يعلم علم اليقين أن عمر لن يمنعه بشيء سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكون حجة لبعض الناس الذي يقول إذا قال لك ولي الأمر لا تحدث ولا تعلم الناس وجب عليك أن تمتنع على سبيل الإطلاق نقول لا لكن نعم يجب عليك أن لا تنابذ ولي الأمر لما يحصل من منابذته الضرر عليك وعلى غيرك ولكن اترك هذا ثم حاول إقناع ولاة الأمور أحسن من المنابذة لأن منابذة ولاة الأمور فيها شر كثير ربما يتسلطون عليك أكثر من ذي قبل وربما يتسلطون على غيرك أيضا وربما يأخذون من هذا التصرف فكرة سيئة عن أهل الدعوة وأهل الخير وأنهم معاندون وما أشبه ذلك.
القارئ: ويجوز التيمم للنجاسة على البدن لأنها طهارة على البدن مشترطة للصلاة فناب فيها التيمم كطهارة الحدث واختار أبو الخطاب أنه يلزمه الإعادة إذا تيمم لها عند عدم الماء وقيل في وجوب الإعادة روايتان إحداهما لا تجب لقوله عليه السلام (التراب كافيك ما لم تجد الماء) وقياسا على التيمم للحدث والأخرى تجب الإعادة لأنه صلى بالنجاسة فلزمته الإعادة كما لو لم يتيمم ولا يجوز التيمم عن النجاسة في غير البدن لأنها طهارة في البدن فلا تؤثر في غيره كالوضوء الشيخ: إذاً عندنا ثلاثة أشياء:
- الحدث والتيمم عنه ثابت بالنص والإجماع.
- طهارة نجاسة الثوب فلا تيمم عنها قولا واحدا يعني مثل إنسان في ثوبه نجاسة وليس عنده ما يغسلها به وليس عنده ثوب غيره فلا يتيمم ويصلي بالثوب النجس ولكن ماذا يصنع؟ يصلي بالثوب النجس ويعيد على المذهب والصحيح أنه يصلي بالثوب النجس ولا يعيد لماذا؟ لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية16) وأنا ليس عندي إلا هذا الثوب هل أصلي عريانا وأضع الثوب على الأرض أو أصلي في الثوب وأقول هذه قدرتي؟ نقول صلِّ في الثوب وقل هذه قدرتي لكن على المذهب يلزمه أن يصلي في الثوب ثم إذا وجد ثوبا آخر أو غسله وجب عليه إعادة الصلاة فإذا بقي في الثوب شهرا صلى صلاة الشهر مائة وخمسين صلاة وإذا وجد ما يغسل به الثوب أعادها مائة وخمسين صلاة بأي دليل وهل أوجب الله على العبد أن يصلي صلاتين؟ أبداً (فاتقوا الله ما استطعتم).
- النجاسة على البدن وفيها خلاف هل يتيمم لها أو لا؟ والصحيح أنه لا يتيمم لها فإن صلى وهو نجس سواء قلنا بالتيمم أو بعدمه فالمذهب أنه إذا تيمم لا إعادة عليه والقول الثاني الذي اختاره أبو الخطاب أنه يعيد والصواب أنه لا يتيمم ولا يعيد لأن التيمم إنما يكون في طهارة الأحداث فقط لأنه هو الذي جاء به النص ولأن النجاسة لا تزول بالتيمم فلا فائدة فإذا قال قائل والحدث هل يزول بالتيمم نقول نعم لأن الحدث وصف ومعنى ليس شيئا محسوسا يزال وإذا تعبد الإنسان لربه سبحانه وتعالى بأن عفر وجهه بالتراب فهذا أكمل من الطهارة هذا طهارة قلبية إذاً ما هو القول الراجح وخلاصة الفصل؟ القول الراجح أن التيمم رافع للحدث لكنه رفع مؤقت.
ثانيا القول الراجح أنه لا يتيمم عن النجاسة لا في ثوبه ولا في بدنه ولا في بقعته وأنه يصلي ولا إعادة عليه سواء كانت النجاسة في البدن أو كانت في الثوب أو كان في البقعة بأن حبس في محل نجس كله سواء ليس عليه إعادة.
السائل: إذا كانت النجاسة في طرف الثوب ويستطيع قطع الثوب فهل يلزمه؟ الشيخ: لا يلزمه هذا لأن فيه إتلاف للمال وإفساد له والإنسان منهي عنه ثم هذا فيه أيضا تشبه باليهود.
فصل
القارئ: ولجواز التيمم ثلاثة شروط أحدها العجز عن استعمال الماء وهو نوعان أحدهما عدم الماء لقول الله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) (المائدة: من الآية6) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك) رواه أبو داود.
النوع الثاني الخوف على نفسه باستعمال الماء لمرض أو قرح يخاف باستعمال الماء تلفا أو زيادة مرض أو تباطؤ البرء أو شينا فاحشا في جسمه لقول الله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) (النساء: من الآية43) وقوله (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (المائدة: من الآية6) وإن وجد ماء يحتاج إلى شربه للعطش أو شرب رفيقه أو بهائمه أو بينه وبينه سبع أو عدو يخافه على نفسه أو ماله أو خاف على ماله إن تركه وذهب إلى الماء فله التيمم لأنه خائف الضرر باستعماله فهو كالمريض وإن خاف لشدة البرد تيمم وصلى لما روى عمرو بن العاص قال (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت وصليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت جنب فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال ثم قلت سمعت الله يقول (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (النساء: من الآية29) فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا) رواه أبو داود ولأنه خائف على نفسه أشبه المريض ولا إعادة عليه إن كان مسافرا لما ذكرنا وإن كان حاضرا ففيه روايتان إحداهما لا يلزمه الإعادة لذلك والثانية يلزمه لأنه ليس بمريض ولا مسافر ولا يدخل في عموم الآية ولأن الحضر مظنة إمكان إسخان الماء فالعجز عنه عذر غير متصل وإن قدر على إسخان الماء لزمه كما يلزمه شراء الماء ومن كان واجدا للماء فخاف فوت الوقت لتشاغله بتحصيله أو استسقائه لم يبح له التيمم لأن الله تعالى قال (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً) (النساء: من الآية43) وهذا واجد.
الشيخ: والصحيح أنه يتيمم يعني مثلا إنسان ضاق عليه الوقت وخاف إن اشتغل بتحصيل الماء أن يخرج الوقت فهل يشتغل بتحصيل الماء حتى ولو خرج الوقت أو يتيمم ويصلي في الوقت؟ نقول يتيمم ويصلي في الوقت لأن أصل مشروعية التيمم من أجل الصلاة في الوقت وإلا لقيل للإنسان انتظر حتى تجد الماء ولو بقيت يوما أو يومين فإذا كان كذا فلا فرق أن يجده عن قرب أو عن بعد فله أن يتيمم ولعموم قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (المائدة: من الآية6) ثم قال (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) (المائدة: من الآية6).
مسألة: إذا كان يجد الماء بالشراء ومعه مال فنقول له اشتر الماء.
القارئ: وإن خاف فوت الجنازة فليس له التيمم لذلك وعنه يجوز لأنه لا يمكن استدراكها.
الشيخ: مسألة التيمم لفوت الجنازة وجيه وكذلك التيمم لخوف فوت الجمعة وكذلك التيمم لخوف فوات صلاة العيد كل هذا جائز فلو أن إنسان في صلاة الجمعة أحدث في أثناء الخطبة وقال إن ذهبت أتوضأ فاتتني الصلاة وإن تيممت أدركت الصلاة نقول تيمم وصل لماذا؟ لأنه لو ذهب فاتته الصلاة ولا يمكنه تداركها فإن كان ذلك في صلاة الظهر مثلا أحدث عند إقامة الصلاة وقال إن ذهبت أتوضأ فاتتني الصلاة وإن تيممت أدركت الصلاة فهل يذهب يتوضأ أو يتيمم؟ يتوضأ والفرق بين هذا والجمعة أن صلاة الظهر إذا فاتته أمكنه أن يتداركها بخلاف الجمعة قد يقول قائل صلاة الجنازة أيضا إذا فاتته أمكنه أن يصلي على
القبر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فنقول نعم هذا صحيح لكن لا سواء بين الصلاة على الميت وهو بين يديك وبين الصلاة على القبر ليس بينهما مساواة.
مسألة: في المساجد الآن يخرج ويتيمم من قريب لآن المساجد الآن مفروشة.
فصل
القارئ: والثاني طلب الماء شرط في الرواية المشهورة لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) (النساء: من الآية43) ولا يقال لم يجد إلا لمن طلب ولأنه بدل فلم يجز العدول إليه قبل طلب المبدل كالصيام في الظهار وعنه ليس بشرط لأنه ليس بواجد قبل الطلب فيدخل في الآية وصفة الطلب أن ينظر يمينه وشماله وأمامه ووراءه وإن كان قريبا من حائل من ربوة أو حائط علاه فنظر حوله وإن رأى خضرة أو سواها استبرأها فإن كان معه رفيق سأله الماء فإن بذله له لزمه قبوله لأن المنة لا تكثر في قبوله وإن وجد ماء يباع بثمن المثل أو بزيادة غير مجحفة بماله وهو واجد للثمن غير محتاج إليه لزمه شراؤه كما يلزمه شراء الرقبة في الكفارة فإن لم يبذله له صاحبه لم يكن له أخذه قهرا وإن استغنى عنه صاحبه لأن له بدلا وإن علم بماء قريب لزمه قصده ما لم يخف على نفسه أو ماله أو فوت الرفقة أو الوقت وإن تيمم ثم رأى ركبا أو خضرة أو شيئا يدل على الماء أو سرابا ظنه ماء قبل الصلاة لزمه الطلب لأنه وجد دليل الماء ويبطل تيممه لأنه وجب عليه الطلب فبطل تيممه كما لو رأى ماء وإن رأى الركب ونحوه في الصلاة لم تبطل لأنه شرع فيها بطهارة متيقنة فلا يبطله بالشك.
الشيخ: إذا رأى الركب في الصلاة فليستمر في صلاته ولا يبطل تيممه ولا صلاته لماذا؟ لأن وجود الماء مع هؤلاء الركب قد يكون متوفرا وقد لا يكون واليقين لا يزول بالشك.
القارئ: الثالث دخول الوقت شرط لأنه قبل الوقت مستغن عن التيمم فلم يصح تيممه كما لو تيمم وهو واجد للماء وإن كان التيمم لنافلة لم يجز في وقت النهي عن فعلها لأنه قبل وقتها وإن تيمم لفائتة أو نافلة قبل وقت الصلاة ثم دخل الوقت بطل تيممه وإن تيمم لمكتوبة في وقتها فله أن يصليها وما شاء من النوافل قبلها وبعدها ويقضي فوائت ويجمع بين الصلاتين لأنها طهارة أباحت فرضا فأباحت سائر ما ذكرناه كالوضوء.
الشيخ: أحيانا يقيس على الوضوء وأحيانا لا يقيس الله المستعان.
القارئ: ومتى خرج الوقت بطل التيمم في ظاهر المذهب لأنها طهارة عذر وضرورة فتقدرت بالوقت كطهارة المستحاضة وعنه يصلي بالتيمم حتى يحدث قياسا على طهارة الماء
الشيخ: أيهما أصح؟ الرواية الثانية أصح أنه يبقى على طهارته حتى يحدث.
السائل: إنسان نام عن الصلاة وقام بعد خروج الوقت فإن طلب الماء ذهب عليه وقت طويل هل يطلب الماء ويصلي أو يتيمم؟
الشيخ: لا بأس أن يطلب الماء إذا كان قريب.
فصل
القارئ: والأفضل تأخير التيمم إلى آخر الوقت إن رجا وجود الماء لقول علي رضي الله عنه في الجنب يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت ولأن الطهارة بالماء فريضة وأول الوقت فضيلة وانتظار الفريضة أولى وإن يئس من الماء استحب تقديمه لئلا يترك فضيلة متيقنة لأمر غير مرجو ومتى تيمم وصلى صحت صلاته ولا إعادة عليه وإن وجد الماء في الوقت لما روى عطاء بن يسار قال (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر ثم أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد أجزأتك صلاتك وقال للذي أعاد لك الأجر مرتين) رواه أبو داود وقال قد روي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحيح أنه مرسل ولأنه أدى فرضه بطهارة صحيحة فأشبه ما لو أداها بطهارة الماء.
الشيخ: إذا كان الإنسان يرجو أن يجد الماء فالأفضل أن يؤخر الصلاة حتى يصلي بالماء وإن علم وجود الماء فقيل كذلك الأفضل أن يؤخر وقيل بل يجب أن يؤخر لأنه بعلمه وجود الماء يكون فرضه أن يستعمل الماء فإن لم يرجو وجود الماء أو علم أنه لن يجد الماء فالأفضل أن يقدم الصلاة في أول وقتها فإذا صلى ثم وجد الماء بأن جاء به رجل مر به في الطريق وأعطاه ماءً أو أمطرت السماء فوجد الماء فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه وذكر قصة الرجلين الذين خرجا في حاجة فتيمما ثم وجدا الماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي لم يعد أصبت السنة وقال للآخر لك الأجر مرتين وإنما جعل له الأجر مرتين لأنه أدى عبادة يظنها واجبة عليه فصار مأجورا على عمله لكن بعد أن يعلم الإنسان أن السنة عدم الإعادة فلوأعاد فإنه ليس له أجر لأنه خالف السنة.
القارئ: فإن علم أن في رحله ماءً نسيه فعليه الإعادة لأنها طهارة واجبة فلم تسقط بالنسيان كما لو نسي عضوا لم يغسله وإن ضل عن رحله أو ضل عنه غلامه الذي معه الماء فلا إعادة عليه لأنه غير مفرط وإن وجد بقربه بئرا أو غديرا علامته ظاهرة أعاد لأنه مفرط في الطلب وإن كانت أعلامه خفية لم يعد لعدم تفريطه.
فصل القارئ: فإن وجد ماء لا يكفيه لزمه استعماله وتيمم للباقي إن كان جنبا لقول الله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) (النساء: من الآية43) وهذا واجد وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) رواه البخاري وقال إذا وجدت الماء فأمسه جلدك ولأنه مسح أبيح للضرورة فلم يبح في غير موضعها كمسح الجبيرة وإن كان محدثا ففيه روايتان إحداهما يلزمه استعماله لذلك والآخر لا يلزمه لأن الموالاة شرط يفوت بترك غسل الباقي فبطلت طهارته بخلاف غسل الجنابة الشيخ: والصحيح أنهما سواء فالصحيح أنه يستعمل ما وجد ويتيمم عن الباقي لعموم قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية16).