المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
- عدد الأجزاء
- 5 [الكتاب مرقم آليا]
والقول الخامس قول ابن عباس رضي الله عنه إن نوى إقامة تسعة عشر يوماً قصر وإن نوى أكثر أتم لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة وذكروا أقاويل كثيرة لكن أرجحها ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أنه ما دام الإنسان لا ينوي الإقامة المطلقة في هذا البلد فهو مسافر فإذا أقام ينتظر حاجة متى انتهت عاد إلى بلده فهو مسافر وسيأتي في كلام المؤلف أن هذا هو الحكم بشرط أن لا يحدد الأيام وأنه إذا أقام لحاجة معينة فهو مسافر ولو أقام ألف سنة ما دام لم يحدد أيام والصواب أنه لا فرق بين تحديد الأيام وتحديد العمل فمن نوى إقامة محددة بعمل أو محددة بزمن فإنه مسافر ولا ينقطع سفره والناس يقولون إنه مسافر لو سئل شخص عن ابنه الذي يدرس في أمريكا أو فرنسا أو غيرها قال أين فلان قال مسافر إلى أمريكا إلى فرنسا إلى لندن للدراسة وهو داخل في عموم (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) وقوله تعالى (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ومن المعلوم أن التجار يبقون لشراء سلعهم أو لبيع ما معهم يبقون أياماً أكثر من أربعة أيام بلا شك وينون ذلك ويتحرون المواسم ولنا في ذلك ورقات كتبناها جواباً لسؤال ورد علينا من أمريكا وهو أظن قبل حوالي عشر سنوات أو تسع سنوات وبسطنا فيه القول وبينا أن القول الراجح أن من تقيدت إقامته بزمن أو عمل فإنه يعتبر مسافراً.
السائل: على الذي رجحناه هل له أن يترخص في الجمع وغيره من رخص السفر؟
الشيخ: نعم جميع رخص السفر تثبت له إلا مسألة الصيام ذكرنا أن الأولى أن لا يؤخر الصيام إلى رمضان الثاني لأسباب:
أولاً أن تأكد الإفطار في السفر ليس كتأكد القصر.
والثاني أنه ربما يحصل له عائق إذا تعددت الأشهر عليه فيعجز.
والثالث أنه إذا أخر الصيام حتى يصل إلى بلده فإنه سيبقى سنة أو سنتين أو ثلاثاً لم يصمه فرضاً وأما الصلاة فهو يصلي كل صلاة بوقتها إلا أنها مقصورة فنرى أنه لا يؤخر الصوم إلى ما بعد رمضان الثاني وحينئذٍ تكون فائدة ذلك أي فائدة القول بترخصه بالفطر أنه يفطر في أيام الصيف ويقضي في أيام الشتاء
السائل: بالنسبة للسنة الراتبة؟
الشيخ: السنن الراتبة كما تعلم ليست مشروعة راتبة الظهر والمغرب والعشاء وأما بقية النوافل فهي مشروعة وكذلك أيضاً لو صلى بين يدي صلاة الظهر وخلفها بغير نية الراتبة فلا بأس لأن قول بعضهم من السنة للمسافر أن يدع السنة هذا قول باطل لا يصح على العموم بالاتفاق.
القارئ: وفيه دليل على أن من قصد رستاقاً.
الشيخ: الرستاق عندي يقول القرى المتعددة القريبة من بعضها.
القارئ: وفيه دليل على أن من قصد رستاقاً يتنقل فيه لا ينوي إقامة في موضع واحد فله القصر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قصر بمكة ومنى وعرفة عشرا.
الشيخ: ودليل ذلك أن أنساً رضي الله عنه سئل كم أقمتم في مكة؟ قال أقمنا عشراً فعد منها أربعة أيام قبل الخروج إلى الحج وستة أيام في أيام الحج.
القارئ: ومن كان بمكة مقيما فخرج إلى عرفة عازماً على أنه إذا رجع إلى مكة لا يقيم بها فله القصر من حين خروجه.
الشيخ: وهذا من غرائب الدنيا يقولون إن الحاج إذا خرج إلى منى في اليوم الثامن فهو خارج للسفر السفر إلى ماذا؟ إلى بلده لأنه ورد عليهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قصر في منى وقصر في مزدلفة وقصر في عرفة قالوا لأنه عزم على الرحيل من حين خرج في اليوم الثامن فجعلوا المقصود الذي لم يأتِ الرسول عليه الصلاة والسلام من المدينة إلا له جعلوا البدء بهذا المقصود بدء بالسفر والمغادرة وهذا لا شك أنه بعيد من الصواب وأن الحامل له هو الاعتقاد قبل الاستدلال وهذه آفة نعوذ بالله منها فيقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعزم السفر إلى المدينة من حين خرج اليوم الثامن بل عزم أن يخرج إلى منى ثم إلى عرفة ثم إلى مزدلفة ثم إلى منى هكذا عزم بلا شك وأنس بن مالك أعلم منهم بمراد الرسول صلى الله عليه وسلم قال أقمنا بمكة عشرا فجعل خروجه إلى منى ومزدلفة وعرفة جعله من الإقامة بمكة ولو كان كما قالوا لكان أقام بمكة أربعة أيام.
القارئ: ولو خرج المسافر فذكر حاجة في بلده قصر في رجوعه إليها فإذا وصل البلد فإن كان له به أهل أو مال أتم وإلا قصر فيه أيضا.
الشيخ: قد يقال يمكن تصوير المسألة بأن يكون الرجل نوى الاستيطان في بلد وسافر منه وليس له فيه أهل ولا مال ثم عاد إليه لحاجته هكذا يمكن تصويره أما في الغالب فإنه لا يمكن أن يكون مستوطناً في بلد إلا وفيه أهل أو مال.
القارئ: ومتى مر المسافر ببلد له به أهل أو ماشية أتم لأن ذلك يروى عن عثمان وابن عباس.
الشيخ: يُجْمِع بمعنى يعزم لأن الإجماع في اللغة العزم والاتفاق والمراد به هنا العزم ومنه قوله تعالى (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) أي اعزموه.
فائدة: إعراب الآية يكون كالتالي: الواو حرف عطف وهو من باب عطف الجمل على الجمل فتكون شركاء منصوبة لفعل محذوف تقديره واْجمعوا شركاءكم.
القارئ: ومن لم يجمع على إقامة إحدى وعشرين صلاة قصر وإن أقام دهرا مثل من يقيم لحاجة يرجو إنجازها أو جهاد أو حبس سلطان أو عدو أو مرض سواء غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته.
الشيخ: حتى لو غلب على ظنه أنه لا ينتهي إلا بشهر أو شهرين أو سنة أو سنتين فإنه يقصر لأنه لم يعزم على هذه الإقامة.
القارئ: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يقصر الصلاة رواه البخاري.
الشيخ: أي سفر هذا؟ عام الفتح.
القارئ: وأقام بتبوك عشرين يوماً يقصر رواه الإمام أحمد وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول.
الشيخ: ابن عمر أقام ستة أشهر هل نوى أن يقيم ستة أشهر؟ لا، كم يقيم؟ على حسب ما ينتهي الثلج وهل الثلج يذوب في أربعة أيام؟ لا يذوب لا شك قد يذوب شهر يمكن إذا كان في آخر الشتاء وإن كان في أول الشتاء فإنه لا تزيده الأيام إلا برودة أو ثلجا ولهذا كان حديث ابن عمر مما استدل به شيخ الإسلام رحمه الله وابن القيم على أنه ما دام الإنسان لم يعزم إقامة تامة فإنه يقصر ولو نوى إقامة مقيدة بزمن أو عمل والغريب أن هؤلاء القوم يقولون إنه مسافر غير مسافر يقولون إن الجمعة لا تنعقد به يعني إذا قلنا بأنه لابد من أربعين رجلاً ووجدنا عشرة من الطلاب مقيمين في هذا البلد إلى أربع سنين مثلاً أو خمس يقولون لا يكمل بهم عدد الجمعة وإذا لم يوجد إلا طلاب في هذه المدينة فإنهم لا يقيمون الجمعة ولو أقاموها لم تصح لأنهم غير مقيمين لأنه لابد من الاستيطان وكذلك يقولون لا يصح أن يكون واحد منهم إماماً في الجمعة ولا خطيباً فيها وهذا تبعيض الأحكام بلا دليل.
القارئ: وإن قال إن لقيت فلاناً أقمت وإلا لم أقم لم يبطل حكم سفره لأنه لم يعزم على الإقامة.
فصل القارئ: والملاح الذي أهله معه في السفينة وحاجة بيته ولا بيت له غيرها وليس له نية المقام ببلد لا يقصر نص عليه.
الشيخ: لا يقصر هذا خبر المبتدأ الذي هو الملاح.
القارئ: لأنه غير ظاعن عن بلده ومنزله فأشبه المقيم ببلد قال القاضي والمكاري والفيج.
الشيخ: الفيج عندي هو المسرع في سيره الذي يحمل أخباراً من بلد إلى بلد أشبه رجل البريد.
القارئ: قال القاضي والمكاري والفيج مثله في ذلك والأولى إباحة القصر لهما لدخولهما في النصوص المبيحة وامتناع قياسهما على الملاح لأنه لا يمكنهما استصحاب الأهل ومصالح المنزل في السفر وزيادة المشقة عليه في سفره لحمل أهله معه بخلاف الملاح.
الشيخ: غير صحيح قول القاضي رحمه الله ضعيف وقول القاضي ينبني على أصحاب السيارات الكبيرة التي للأجرة الآن هم دائماً في السفر هل نقول إن هؤلاء لا يقصرون ولا يفطرون في رمضان الجواب لا، نقول يقصرون ويفطرون في رمضان وليسوا كالملاح الذي معه أهله في السفينة لأن الملاح الذي معه أهله في السفينة كأنه مقيم هذا بيته وهذا وطنه ولهذا لابد أن لا يكون له وطن أعني الملاح فإن كان له وطن يأوي إليه فإنه مسافر يعني لو فرضنا أن هذا الملاح يحمل معه أهله لانه يسافر إلى مسافات بعيدة إلى قارات أخرى لكن له وطن معروف يأوي إليه فإنه يكون مسافراً أما الملاح الذي ليس له أهل ولا وطن إلا هذا البحر ووطنه البحر وبيته السفينة هذا نقول إنه مقيم.
باب
الجمع بين الصلاتين
الشيخ: أولاً يجب أن نعلم أن الجمع لا يجوز إلا لسبب لأن الله تعالى يقول (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) وبين النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأوقات وفصلها تفصيلاً تاماً فلا يجوز أن نخرج صلاة عن وقتها ولا أن نقدمها على وقتها إلا بدليل من الشرع وليس في الشرع ما يدل على جواز الجمع مطلقا بل لا يجوز الجمع إلا لسبب يقتضيه إما أن يكون في عدمه فوات مصلحة أو شيء من الحرج والمشقة فالجمع لأجل المطر لأنه يلزم من عدمه فوات مصلحة وهي الجماعة إذ يمكن كل واحد أن يصلي في بيته ويسلم من المشقة والجمع للمرض هذا من أجل الحرج والمشقة فله سببان إما فوات مصلحة مقصودة للشرع وإما حصول مشقة أما بدون ذلك فإنه لا يجوز الجمع فمن جمع تقديماً فصلاته باطلة ومن جمع تأخيراً فهو آثم وصلاته باطلة على القول الصحيح لأنه عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله.
القارئ: وأسباب الجمع ثلاثة أحدها السفر المبيح للقصر لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عجل به السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق متفق عليه وهذا لفظ مسلم وخص الخرقي الجمع بهذه الحالة إذا ارتحل قبل دخول وقت الأولى أخرها حتى يجمعها مع الثانية في وقت الثانية وروي نحوه عن أحمد والمذهب جواز الجمع لمن جاز له القصر في نزوله وسيره وله الخيرة بين تقديم الثانية فيصليها مع الأولى وبين تأخير الأولى إلى الثانية لما روى معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جمعيا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار وإذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب قال الترمذي هذا حديث حسن وروى ابن عباس نحوه وروى أنس نحوه أخرجه البخاري ولأنها رخصة من رخص السفر فلم يعتبر فيها وجود السير كسائر الرخص.
الشيخ: هذه المسألة اختلف فيها العلماء هل يجوز الجمع للنازل أو هو خاص بالسائر فاختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجماعة من العلماء إلى أن الجمع للمسافر السائر لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يجمع إذا جد به السير ولأن السائر هو الذي يحتاج إلى الجمع وأما النازل فلا ولكن الصحيح أنه يجوز للنازل والسائر لكنه في حق السائر سنة وفي حق النازل رخصة فهذا هو الفرق بينهما السائر نقول اقتدِ بالرسول عليه الصلاة والسلام إن ارتحلت قبل أن تزيغ الشمس فأخر الظهر وإن ارتحلت بعد أن تزيغ الشمس فعجل العصر وكذلك يقال في المغرب إن ارتحلت قبل الغروب فأخر المغرب وإن ارتحلت بعد الغروب فعجل العشاء هذا هو الصحيح وأما النازل فله أن يجمع ولعل ظاهر حديث أبي جحيفة في نزول النبي صلى الله عليه وسلم في الأبطح بمكة يدل عليه حيث ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من قبة له من أدم وركزت له العنزة فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين فظاهر هذا أنه جمع مع أنه كان نازلاً وكذلك نزوله في تبوك فإنه ذكر أنه يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ولأن هذا أيسر على المسافر بلا شك فكونه يصلي جمعاً أيسر من كونه يصلي كل صلاة في وقتها ركعتين فإذا جاز للإنسان أن يقصر الصلاة فجواز الجمع من باب أولى فالتحقيق في هذه المسألة أن يقال من كان سائراً فالجمع في حقه سنة ومن كان نازلاً فالجمع في حقه رخصة.
القارئ: فإن جمع بينهما في وقت الأولى اعتبر ثلاثة شروط أن ينوي الجمع عند الإحرام بالأولى لأنها نية يفتقر إليها فاعتبرت عند الإحرام كنية القصر وفيه وجه آخر أنه يجزئه أن ينوي قبل الفراغ من الأولى لأنه موضع الجمع بين الصلاتين فإذا لم تتأخر النية عنه جاز وقال أبو بكر لا يحتاج الجمع إلى نية كقوله في القصر وقد مضى الكلام معه.
الشيخ: والصواب قول أبي بكر أنه لا يحتاج الجمع إلى نية وكذلك القصر لا يحتاج إلى نية أما القصر فقد سبق الكلام فيه وبينا أنه هو الأصل في صلاة المسافر وما كان الأصل فإنه لا يحتاج إلى نية وأما الجمع فكذلك لأنه إذا وجد سببه صار الوقت أعني وقت الصلاتين وقتاً واحداً فلا حاجة إلى النية.
السائل: ذكرنا أن القول الراجح في الجمع أنه لا يجوز إلا لسبب فكيف نرد على بعض الناس الذين يحتجون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم جمع من غير عذر ولا مطر في المدينة يقولون إن هذا دليل على أن الجمع جائز مطلقاً فكيف نرد عليهم؟
الشيخ: كيف نرد على من قال من صلى فالويل له لقول الله تعالى (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) نقول كمل الآية نقول كمل حديث ابن عباس يقول ابن عباس أراد أن لا يحرج أمته وهذا واضح أن العلة هو الحرج فإذا انتفى الحرج فالواجب أن تصلى كل صلاة بوقتها ثم نقول تتبع المتشابهات منهج أهل الزيغ (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) فعندنا أدلة كالنهار وضوحاً في وجوب فعل كل صلاة في وقتها فكيف ندع هذه الأدلة الواضحة من أجل دليل مشتبه مع أنه لا دلالة فيه كما عرفت.
القارئ: الشرط الثاني أن لا يفرق بينهما إلا تفريقاً يسيرا لأن معنى الجمع المتابعة والمقارنة ولا يحصل ذلك مع الفرق الطويل والمرجع في طول الفرق وقصره إلى العرف فإن احتاج إلى وضوء خفيف لم تبطل وإن صلى بينهما سنة الصلاة فعلى روايتين.
الشيخ: يعني هل يبطل أو لا والمذهب أنه يبطل إذا صلى راتبة بينهما واختار شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا ليس بشرط وقال إن معنى الجمع هو الضم وليس المراد ضم كل صلاة إلى أخرى وإنما المراد ضم وقت الثانية إلى وقت الأولى فله أن يجمع ولو طال الفصل بين الأولى والثانية لأن الجمع هو الضم وليس المتابعة نعم المقارنة قريبة من معنى الضم ولكنه يرى رحمه الله أن الضم ليس ضم إحدى الصلاتين للأخرى ولكنه ضم وقت إحدى الصلاتين إلى وقت الأخرى فيجوِّز التفريق.
القارئ: الشرط الثالث وجود العذر حال افتتاح الأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية لأن افتتاح الأولى موضع النية وبافتتاح الثانية يحصل الجمع فاعتبر العذر فيهما فإن انقطع العذر في غير هذه المواضع لم يؤثر وإن جمع في وقت الثانية اعتبر أن ينوي التأخير للجمع في وقت الأولى إلى أن يبقى منه قدر فعلها واستمرار العذر إلى وقت الثانية ولا يعتبر وجوده في وقت الثانية لأنها صارت في غير وقتها وقد جوز له التأخير ولا تعتبر المواصلة بينهما في أصح الوجهين لأن الثانية مفعولة في وقتها فهي أداء على كل حال والأولى معها كصلاة فائتة.
الشيخ: يقول رحمه الله الشرط الثالث وجود العذر في ثلاث مواضع عند افتتاح الأولى وعند الفراغ منها وعند افتتاح الثانية فإذا جمع العشاء إلى المغرب فلابد أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح المغرب وعند السلام منها وعند افتتاح العشاء والتعليل كما ذكر المؤلف أما كونه يشترط عند افتتاح الأولى فلأنه لابد للجمع من النية وإذا لم يكن السبب موجوداً عند افتتاحها فكيف ينوي الجمع وأما افتتاح الثانية فلأنه هو الذي يحصل به الجمع فاعتبرت النية فيه فاعتبر وجود العذر فيه والصحيح أن ذلك ليس بشرط وأنه متى وجد العذر عند افتتاح الثانية جاز الجمع فلو صلى المغرب وليس عنده نية الجمع أو صلى المغرب وليس هناك مطر وبعد سلامه من المغرب أمطرت السماء فنوى الجمع فلا بأس بذلك وقد عمل بهذا شيخنا رحمه الله عبد الرحمن بن سعدي حيث صلى ذات يوم صلاة المغرب ولما خرج الناس رجعوا إليه وقالوا إنها تمطر مطراً شديداً فأمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى العشاء مع أنه لم ينو الجمع عند افتتاح الأولى ولم يوجد العذر أيضاً فالحاصل أن الصحيح أنه متى وجد العذر المبيح للجمع في وقت لا يحصل به التفريق فإنه يجوز أن يجمع بل قال بعض العلماء حتى لو لم يوجد العذر إلا بعد وقت طويل من سلامه من الأولى فله أن يجمع يعني أنه متى وجد العذر قبل خروج الوقت وقت الأولى جاز الجمع وهذا لا شك أنه من أوسع المذاهب ومن أيسرها على الناس لكن النفس لا تطيب بالقول به أي أنه إذا وجد العذر بعد مدة طويلة من الأولى فإنه يجوز لا أستطيع أن أجسر الآن على القول بهذا أما إذا وجد العذر بعد السلام الأولى بمدة قصيرة لا يحصل بها التفريق فلا شك في جواز الجمع.
إن جمع في وقت الثانية يقول لابد أن ينوي التأخير للجمع في وقت الأولى وظاهر كلامه ولو وجد السبب فلابد أن ينوي الجمع في وقت الأولى مثاله إنسان مسافر والسفر يبيح الجمع فهل يشترط أن ينوي الجمع في وقت الأولى؟ يرى المؤلف أنه لابد منه لأنه لو لم ينوه لكان قد أخر الأولى عن وقتها بدون نية الجمع وهذا حرام ولكن الصحيح أنه ما دام العذر موجوداً فإنه لا حاجة إلى أن ينوي جمع التأخير لأن وجود العذر مسوغ للجمع تقديماً أو تأخيراً فإذا كان مسافراً فوقت الأولى والثانية صار وقتاً واحداً فإن شاء صلاهما في وقت الأولى وإن شاء صلاهما في وقت الثانية.
وأما قول المؤلف رحمه الله لأن الثانية مفعولة في وقتها فهي أداء على كل حال والأولى معها كصلاة الفائتة في هذا نظر ظاهر بل الأولى مصلاة في وقتها كالثانية ووجه ذلك أن الوقت صار واحداً للأولى والثانية فمن جمع في وقت الأولى صار كمن قدم الصلاة في أول وقتها ومن جمع في وقت الثانية صار كمن أخر الصلاة إلى آخر وقتها.
فصل القارئ: والسبب الثاني المطر يبيح الجمع بين المغرب والعشاء لأن أبا سلمة قال من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء وكان ابن عمر يجمع إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء ولا يجمع بين الظهر والعصر للمطر قال أحمد ما سمعت بذلك وهذا اختيار أبي بكر وذكر بعض أصحابنا وجهاً في جوازه قياساً على صلاة الليل ولا يصح لأن المشقة في المطر إنما تعظم في الليل لظلمته فلا يقاس عليه غيره.
الشيخ: ولكن الصحيح أن نقول إن الجمع بين الظهر والعصر للمطر ثبت بالسنة لا قياساً على المغرب والعشاء ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال جمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر وهذا يدل على أنه كان يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء للمطر وهذا هو الصحيح وقوله إنه لا مشقة إلا مع الظلمة يقتضي أنه في عصرنا الحالي الآن لا جمع ولا بين المغرب والعشاء لأن الإضاءة موجودة ويقتضي أيضاً أنه في أيام البيض لا يجمع بين المغرب والعشاء لوجود الإضاءة وإن كان ليس كإضاءة الشمس ولكن العلة هي المشقة فإذا وجدت المشقة بين الظهرين أو بين العشائين ثبت الحكم وهو الجمع.
القارئ: والمطر المبيح للجمع هو الذي يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه والثلج مثله في هذا.
الشيخ: وأما الذي لا يبل الثياب مثل النقط الصغيرة قليلة فهذا لا يجوز فيه الجمع والدليل على هذا أن ابن عباس لما حدث بالحديث الذي سمعتم قيل له ما أراد إلى ذلك؟ قال أراد أن لا يحرج أمته أي أن لا يلحقها الحرج وهذا يدل على أنه لابد من أذية بالمطر والمطر النقط اليسيرة لا تبل الثياب لا سيما في أيام الصيف أو مع الهواء فلا بد أن تبل الثياب وقوله تلحقه المشقة في الخروج فيه الظاهر أن هذا يترجح أنه ليس بشرط لأن بلل الثياب سوف يكون فيه مشقة وأذى ولا سيما في أيام الشتاء.
القارئ: فأما الطل والمطر الذي لا يبل الثياب فلا يبيح الجمع لعدم المشقة فيه وهل يجوز الجمع لمن يصلي منفردا أو لمقيم في المسجد أو لمن طريقه إليه في ظلال؟ على وجهين أحدهما لا يجوز لعدم المشقة والثاني يجوز لأن العذر العام لا يعتبر فيه حقيقة المشقة كالسفر.
الشيخ: الصحيح أن من يصلي منفرداً كالذي يعذر بترك الجماعة ويصلي في بيته وكالنساء لا يجوز له الجمع والدليل أن الأصل وجوب فعل الصلاة في وقتها فإذا لم يوجد سبب يبيح إخراجها عن وقتها فإنه لا يجوز العدول عن الأصل فمن صلى في بيته لعذر أو كان ليس من أهل حضور الجماعة فإنه لا يجمع وفي جواز الجمع مع الرخصة في أن يصلي الإنسان في بيته دليل على أهمية الجماعة وأنه يجوز الجمع لتحصيل الجماعة وقلت ذلك ليترتب عليه ما يلي لو كنا جمعاً وسنتفرق قبل دخول وقت الثانية فهل لنا أن نصلي جماعة جمعاً؟ الظاهر نعم لا فرق لأننا نعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما جمع من أجل الجماعة، وأما مجرد المطر والوحل فقد كان يقول (صلوا في رحالكم) فإذا كان الناس لم يجتمعون وهم في بيوتهم قلنا لهم صلوا في رحالكم أما إذا اجتمعوا فنقول اجمعوا والذي أشرت إليه يقع كثيراً يكونوا جماعة الآن مجتمعين وسيصلون إلى منتهى سيرهم أو منتهى اجتماعهم ويتفرقون فيقولون هل نصلي الجماعة ونجمع أو نصلي الجماعة في الصلاة الحضارة والصلاة الباقية نصليها فرادى؟ نقول لكم أن تجمعوا لتحصيل الجماعة.
السائل: كيف يعرف تأخير الجمع في يوم المطر؟
الشيخ: لا في يوم المطر الأرفق التقديم اللهم إلا أن يكون في وقت الأولى مطر شديد لا يستطيع الناس معه الخروج فيؤخرون لعلها تخف لكن هذا ينبغي أن لا يكون وارداً فالجمع للمطر الأرفق بالناس أن يكون تقديماً.
السائل: إذا نزل مطر بعد صلاة الجمعة ولا يمكننا جمع العصر مع الجمعة فهل تسقط الجماعة في العصر؟
الشيخ: نقول من حضر صلينا بهم ومن كان عليه مشقة سقطت عنه الجماعة.
السائل: إذا كان كل الجماعة طريقهم للمسجد ظلال فهل يجوز لهم الجمع؟
الشيخ: الظاهر أنه لا يجوز أن يجمعوا لأن المشقة غير موجودة الآن.
القارئ: والوحل بمجرده مبيح للجمع لأنه يساوي المطر في مشقته وإسقاطه للجمعة والجماعة فهو كالمطر وفيه وجه آخر أنه لا يبيح لاختلافهما في المشقة.
الشيخ: والصحيح أنه يبيح الجمع الوحل يعني الزلق الصحيح أنه يبيح وقد يكون هذا أشد من المطر لأنه ربما يزلق الإنسان ثم يتأثر ينكسر أو ينجرح أو ما أشبه ذلك فالصواب أنه يجوز الجمع للوحل ولكن الآن في الوقت الحاضر عندنا في المدن لا في القرى هل يوجد الوحل؟ لا يوجد الآن الطرقات مزفلته لكن ربما يكون وحل غير الزلق وهو أن بعض الشوارع يكون غير متساوي فتجد مثلاً مناقع كثيرة تؤذي الناس فإذا كان يحصل أذية من هذه المناقع الكثيرة فإنه يجوز الجمع لأنه ليس فيه وحل لكن فيه مشقة بخوض هذه المياه وربما يكون الشارع ممراً للسيارات ثم ما ظنك إذا جاء صاحب السيارة قد أسرع إلى مائة وعشرين مثلاً أين يذهب هذا الماء؟ في الثياب.
القارئ: وفي الريح الشديدة في الليلة المظلمة وجهان.
الشيخ: والأصح أنه إذا كان فيه مشقة فإنه يجمع وأنه إذا كانت الريح باردة برداً يؤذي الناس فإنه يجمع وإن لم تكن شديدة أحياناً في أيام الشتاء يكون فيه ريح ما هي شديدة عاصفة لكنها تؤذي الناس تصل إلى العظم فمثل هذا لا شك في جواز الجمع من أجله لأن العلة هي المشقة بترك الجمع فمتى وجدت المشقة بترك الجمع جاز الجمع الآن فهمنا أن السبب الثاني لا يجوز فيه الجمع إلا بين المغرب والعشاء فقط ولكن الصحيح أنه يجوز بين المغرب والعشاء وبين الظهر والعصر ولا فرق لأن المشقة موجودة في هذا وهذا ولكن ما رأيكم في عامل يشتغل وقال أنا أريد أن أجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء وأصليها إذا حضرت إلى النوم يجوز أو لا يجوز؟ هذا لا يجوز حتى فيما يظهر لي أنه لا يجوز أن يجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء اللهم إلا إذا لحقه بترك الجمع ضرر كما لو ألزم بعمل إن لم ينجزه في هذا الوقت فإنه يُبطَّل ويفصل ويكون في ذلك ضرر عليه في معاشه فهذا يجوز له الجمع.
السائل: جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين مع أنه لم يكن بينه وبين المسجد إلا الصوت ألا يدل على جواز الجمع؟
الشيخ: العبرة بالجماعة ليس بالإمام العبرة بالجماعة.
السائل: في أيام الشتاء يغلب على الأيام أن تكون باردة؟
الشيخ: لا البرودة بدون ريح لا تجوز لأن البرودة بدون ريح زد ثوباً أو ثوبين وتسلم لكن مع الريح الريح وإن كان عليك ثياب تدخل مع الثياب.
السائل: يقول بعض الناس للإمام إذا نزل مطر خفيف: أحيوا السنة واجمعوا؟
الشيخ: الذي يقول للناس إذا نزل المطر الخفيف أحيوا السنة واجمعوا نقول هذا أخطأ السنة وذلك أن ابن عباس لما سئل ما أراد إلى ذلك لم يقل أراد أن يخير الناس بل قال أراد أن لا يحرج أمته فعلم من هذا أن ابن عباس الذي روى هذا الحديث فهم أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لدفع الحرج فإذا لم يكن حرج فالواجب الرجوع إلى النصوص المحكمة وهي وجوب فعل الصلاة في وقتها وهذه حقيقة من مساوئ طلب العلم الذي لا يتمعن فيه الإنسان ولا يتدبر تجده يأخذ بظاهر اللفظ مع أن في الحديث ما يدل على خلاف مأخذه فيكون كالذي قال (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) نقول اقرأ الحديث اقرأ آخره حتى يتبين لك.
السائل: إذا كان في جماعة مسجد يعرفون أنهم كلهم يستطيعون الإتيان بالسيارات في وقت المطر فهل يجب عليهم الصلاة بدون جمع؟
الشيخ: الظاهر أنه يجوز لهم الجمع لأن الحضور على الراحلة ليس بواجب، والسيارات ليست كالظلال هذه سيخرجون من البيت وهي تمطر والمطر بينه وبين السيارة ثم إذا نزل إلا إذا كانت السيارة تريد أن تدخل إلى المسجد فهذا شيء ثاني.
فصل
القارئ: والسبب الثالث المرض يبيح الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء إذا لحقه بتركه مشقة وضعف لأن ابن عباس قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر متفق عليه وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر فلم يبق إلا المرض ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سهلة بنت سهيل وحمنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين لأجل الاستحاضة وهو نوع مرض ثم هو مخير بين التقديم والتأخير أي ذلك كان أسهل عليه فعله لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم إذا ارتحل بعد دخول الوقت ويؤخر إذا ارتحل قبله طلباً للأسهل فكذلك المريض وإن كان الجميع عنده واحدا فالأفضل التأخير فأما الجمع في المطر فلا تحصل فائدة الجمع فيه إلا بتقديم العشاء إلى المغرب فيكون ذلك الأولى والله سبحانه وتعالى أعلم.
الشيخ: نعم إذا جاز الجمع فالأفضل أن يراعي السهولة ما كان أسهل وأيسر فهو أفضل إما التقديم وإما التأخير إلا أن بعضهم استثنى في مزدلفة التأخير مطلقاً وفي عرفة التقديم مطلقاً ولا وجه لهذا الاستثناء لأن عرفة الأسهل فيها التقديم لا شك إذ أن الناس بعد هذه الصلاة سوف ينصرفون إلى مواقفهم كل على موقفه وكذلك في مزدلفة الأفضل الأيسر التأخير لا شك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما وصل إليها بعد دخول العشاء ولهذا صلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره وحط رحله ثم صلى العشاء لأنه أيسر له وعلى هذا فلا استثناء في القاعدة أن الأفضل إذا جاز الجمع فعل ما هو الأيسر مطلقاً وإذا كان كذلك علم أن المسافر النازل الأفضل أن لا يجمع وإن جمع فلا بأس وأما المسافر السائر فالأفضل أن يجمع حسب ما تيسر له إما جمع تقديم أو جمع تاخير هذا هو القول الصحيح في مسألة الجمع في السفر.
السائل: من به سلس البول هل يحق له الجمع؟
الشيخ: نعم من به سلس البول ويشق عليه الصلاة في كل وقت له أن يجمع كالمستحاضة تماماً ثم إن عندنا قاعدة متى لحق الإنسان مشقة في ترك الجمع جاز الجمع.
السائل: قول المؤلف وإن كان الجمع عنده واحداً فالأفضل التأخير كيف يكون هذا؟
الشيخ: إذا قال أنا والله سواءً جمعت جمع تقديم أو جمع تأخير كله واحد مثلاً إن جمعت جمع تقديم وركبت ومشيت سهل وإن ركبت قبل أن أصلي المغرب والعشاء ثم عند أي محطة نزلت وصليت كله واحد عندي.
باب
صلاة المريض
القارئ: إذا عجز عن الصلاة قائماً صلى قاعداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين (صلِّ قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب) رواه البخاري وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه قاعداً وهو شاكٍ وصفة جلوسه على ما ذكرنا في صلاة التطوع.
الشيخ: كيف يجلس نقول يجلس متربعاً في حال القيام والركوع وفي حال الجلوس وفي حال السجود سيكون مفترشاً.
القارئ: فإن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما ويجعل سجوده أخفض من ركوعه ويقرب وجهه من الأرض في السجود قدر طاقته.
فإن سجد على وسادة بين يديه جاز لأن أم سلمة سجدت على وسادة لرمد بها ولا يجعلها أرفع من مكان يمكنه حط وجهه إليه.
وإن أمكنته الصلاة قائماً وحده ولم تمكنه مع الإمام إلا بالقعود في بعضها فهو مخير فيها لأنه يفعل في كل واحد منهما واجباً ويترك واجبا وإن أمكنه القيام وعجز عن الركوع والسجود صلى قائما فأومأ بالركوع ثم جلس فأومأ بالسجود لأن سقوط فرض لا يسقط فرضا غيره.
الشيخ: كل هذه واضحة إلا قوله إن أمكنه الصلاة قائماً وحده ولم تمكنه مع الإمام إلا بالقعود في بعضها فيقول إنه يخير وهذا أحد أقوال ثلاثة.
القول الثاني يجب عليه أن يصلي في البيت قائماً لأن القيام ركن والصلاة مع الجماعة ليست بركن وإذا تعارض الركن وغيره قدم الركن فيجب عليه أن يصلي في بيته قائما.
القول الثالث تجب عليه الجماعة لأنه مأمور بالسعي إليها فإذا وصل مكان الجماعة فإن قدر على القيام قام وإن عجز صلى قاعداً وهذا القول أقرب الأقوال الثلاثة أنه يجب عليه الحضور ثم إذا حضر فإن قدر على القيام قام وإلا فلا لأن مخاطبته بالحضور إلى الجماعة سابقة على مخاطبته بالصلاة قائماً فيحضر ثم إن قدر صلى قائماً وإلا صلى قاعداً فهذه فالأقوال الآن ثلاثة.
السائل: إن قدر على القيام بالعصا فهل يصلي قاعداً أم قائماً بالعصا؟
الشيخ: يقول المؤلف إذا قدر على القيام سواء على العصا أو على الجدار أو متمسكاً بواحد من الناس فمتى قدر على القيام أو على أي حال وجب عليه حتى قالوا لو قدر على القيام ولو كراكع يعني منحنياً فيجب أن يقوم.
السائل: قول المؤلف (فإن سجد على وسادة جاز) يخالف حديث جابر أن الرسول رأى رجلاً يصلى على وسادة رمى بها.
الشيخ: حديث جابر ضعيف وأثر أم سلمة أيضاً ليس بذاك القوي ولهذا نقول ترك الوسادة أفضل لأن ذلك من باب التنطع فنقول صلِّ ساجداً إن قدرت وإلا فبالإيماء ولا حاجة للوسادة والمؤلف اشترط في الوسادة أن تكون على أدنى ما ينزل إليه رأسه.
القارئ: وإن تقوس ظهره فصار كالراكع رفع حال القيام قدر طاقته ثم انحنى في الركوع قليلاً آخر وإن كان بعينه رمد فقال ثقات من العلماء بالطب إن صليت مستلقياً أمكن مداواتك جاز ذلك لأن أم سلمة تركت السجود لرمد بها ولأنه يخاف منه الضرر أشبه المرض.
الشيخ: الرمد نوع من مرض العين.
فصل
القارئ: وإن عجز عن القعود صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه لحديث عمران وإن صلى على جنبه الأيسر جاز للخبر ولأنه يستقبل القبلة به وإن صلى مستلقياً على ظهره بحيث إذا قعد كان وجهه إليها جاز لأنه نوع استقبال ويحتمل أن لا يجوز لمخالفته الأمر وتركه الاستقبال بوجهه وجملته فإن عجز عن الصلاة على جنبه صلى على ظهره ويومئ بالركوع والسجود برأسه فإن عجز فبطرفه ولا تسقط الصلاة عنه ما دام عقله ثابتا.
الشيخ: يقول رحمه الله الصلاة مضجعاً لها ثلاث حالات:
الأولى أن يكون على جنبه الأيمن وهذا الأفضل.
ثم على الجنب الأيسر وهذا جائز لكنه مفضول.
ثم مستلقياً بحيث يكون وجهه إذا قام إلى القبلة فهذا أيضاً جائز على المذهب والصواب أنه لا يجوز إلا إذا عجز عن الجنب لأن هذا الذي صلى مستلقياً جملته ليست إلى القبلة بخلاف من صلى على جنب فإن وجهه وجملة بدنه إلى القبلة فالصواب أنه لا يجوز أن يصلي مستلقياً ورجله إلى القبلة إلا إذا عجز عن الصلاة على جنبه، فإن عجز فبطرفه بطرفه أي بعينه والصلاة بالعين حديثها ضعيف ولهذا أسقطها كثير من أهل العلم وأما ما اشتهر عند العامة أنه يومئ بأصبعه فهذا لا أصل له لا في السنة ولا في كلام أهل العلم لكن لعل بعض العامة استحسنها لأنه يوقف أصبعه هكذا ثم إذا ركع يحنيه قليلاً ثم إذا سجد يقول هكذا قال هذا الأصبع صار كالرجل الأصبع يركع ويسجد فلتكن الصلاة في الأصبع لكن هذا لا أصل له أبداً وما علمت أحداً من العلماء قال به لكن يومئ بالطرف كيف يومئ بالطرف في حال الركوع يغمض قليلاً في حال السجود يغمض أكثر لكن شيخ الإسلام رحمه الله ينكر هذا ويقول إن ذلك لم يثبت لأن الحديث في هذا ضعيف لكن بقي أن يقال هل إذا عجز عن المراتب الثلاثة التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقلنا إنه لا يصلي بعينه فهل تسقط الصلاة أو لا؟ الصحيح أنها لا تسقط لعموم قول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ومن المعلوم أن الصلاة عمل قلبي وعمل بدني فإذا تعذر العمل البدني بقي العمل القلبي وعليه فيكبر ويقرأ وإذا أراد الركوع نوى بقلبه أنه راكع وسبح تسبيح الركوع ثم نوى بقلبه أنه رفع من الركوع وهكذا بقية الصلاة وهذا القول أصح وإن كان من العلماء من يقول كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا انتهت المراتب الثلاث فلا صلاة فيقال ما الدليل أليس الله يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أوليس الصلاة عمل قلبي وبدني فإذا تعذر البدن وجب القلب.
السائل: قوله وقال ثقات من العلماء هل يدل على عدم قبول خبر الواحد؟
الشيخ: ظاهر كلامه أنه لا يقبل لابد من ثقات والصحيح أنه يقبل قول الطبيب الواحد.
فصل
القارئ: وإن قدر على القيام أو القعود في أثناء الصلاة انتقل إليه وأتم صلاته.
الشيخ: إن قدر على القيام من قعود وعلى القعود من اضطجاع يعني إذا قدر على الحالة الأكمل ينتقل إليها.
القارئ: وإن ابتدأها قائماً أو قاعداً فعجز عن ذلك في أثنائها أتم صلاته على ما أمكنه لأنه يجوز أن يؤدي جميعها قائماً حال القدرة وقاعداً حال العجز فجاز أن يفعل بعضها قائماً مع القدرة وبعضها قاعداً مع العجز.
الشيخ: إذا كان جالساً وقدر على القيام يقوم في أثناء الصلاة لعموم قوله (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) لو قرأ الفاتحة في حال نهوضه هل تصح قراءة الفاتحة يقولون لا تصح لأنه لما قدر على القيام صار الفرض أن يقرأ الفاتحة حال قيامه والصحيح أنه يصح لأن هذا النهوض انتقال من أدنى إلى أعلى حسب قدرته ولا يمكن أن نقول له إذا قدرت على القيام وأنت قاعد فاسكت حتى تتم قائماً لأن مثل هذا سيكون انتقاله إلى القيام ليس سريعاً سيكون بطيئاً في هذه الأثناء ربما يقرأ آيتين أو ثلاثة من الفاتحة فإذا قلنا أنه لا يصح معناه قلنا لابد أن تعيد هذه الركعة والصواب أنه إذا قرأ في أثناء نهوضه بعد القدرة على القيام فإن قراءته في حال النهوض صحيحة.
القارئ: ومن كان في ماء أو طين لا يمكنه السجود إلا بالتلوث والبلل فله الصلاة بالإيماء والصلاة على دابته لأن أنس بن مالك صلى المكتوبة في يوم مطير على دابته وروى يعلى بن أمية عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه انتهى إلى مضيق ومعه أصحابه والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على ظهور دوابهم يومئون يجعلون السجود أخفض من الركوع رواه الأثرم والترمذي فإن كان البلل يسيرا لا أذى فيه لزمه السجود لأن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاته وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين متفق عليه، وهل تجوز الصلاة على الدابة لأجل المرض فيه روايتان إحداهما تجوز اختارها أبو بكر لأن مشقة النزول في المرض أكثر من المشقة بالمطر والثانية لا تجوز لأن ابن عمر كان ينزل مرضاه ولأن الصلاة على الأرض أسكن له وأمكن بخلاف صاحب الطين.
فإن خاف المريض بالنزول ضرراً غير محتمل كالانقطاع عن الرفقة ونحوه فله الصلاة عليها رواية واحدة لأنه خائف على نفسه فأشبه الخائف من عدوه والله أعلم.
الشيخ: كل هذه التفريعات يمكن أن تؤخذ من قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
السائل: لو أن إنساناً صلى قاعداً يستطيع القيام لاعتقاده أنه يسقط عنه القيام جهل أن القيام يجب عليه في هذه الحال فهل يعيد صلاته؟
الشيخ: هذا ينبني على العذر بالجهل نقول إذا كان ذلك في الوقت فليعدها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المسيء في صلاته أن يعيد صلاته الحاضرة وأما إذا كان قد مضى الوقت فإنه لا يعيد.
السائل: في الحديث (وكان يصلي على راحلته إلا المكتوبة) فهل يجوز الآن صلاة الفرض على وسائل النقل إذا استطاع أن يقيم الصلاة؟
الشيخ: إن الصلاة على الدواب الآن غير يعني مثل السيارات الآن يمكن الإنسان يصلي ويأتي بجميع الأركان والشروط فإذا كان يمكن أن يصلي على السيارة ويستقبل القبلة ويقوم في محل القيام ويركع ويسجد فلا بأس كالصلاة في السفينة ولا فرق لأن العلة من الصلاة على الراحلة فيما سبق أن الإنسان لا يتمكن من الوقوف ولا من الركوع ولا من السجود فكان الصلاة عليها صلاة ضرورة وإذا كان لا يستطيع الصلاة على السيارة نقول انتظر حتى تقف ويجب أن يقف حتى يصلي إذا خاف فوت الوقت.
باب صلاة الخوف القارئ: تجوز صلاة الخوف في كل قتال مباح كقتال الكفار والبغاة والمحاربين ولا تجوز في محرم لأنها رخصة فلا تستباح بالمحرم كالقصر.
الشيخ: قوله رحمه الله
باب صلاة الخوف
من باب إضافة الشيء إلى سببه يعني باب الصلاة التي سببها الخوف، الخوف من العدو ثم ذكر أنه لابد أن يكون القتال مباحاً كقتال الكفار ومراده المحاربون فأما الذين بيننا وبينهم عهد أو ذمة فقتالهم حرام إلا إذا نقضوا العهد فإنه يجوز قتالهم وإن خيف نقض العهد فإننا ننبذ إليهم العهد على سواء وقد مر علينا أن المعاهدين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام مستقيمون وخائنون ومن خيف خيانتهم فالمستقيم نستقيم له (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) والخائن قد انتقض عهده والذين تخاف خيانته ننبذ إليه على سواء، البغاة جمع باغي وهم الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ يعني يخرجون على ولي الأمر فيقاتلونه ولهم شبهة وهذا معنى قول الفقهاء بتأويل سائغ فهؤلاء يباح قتالهم حتى يرجعوا إلى الصواب ومن ذلك قوله تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) وهؤلاء طائفتان خرج بعضهما على بعض وصار يقاتل بعضهم بعضاً فمن بغى من الطائفتين وجب علينا قتاله وكذلك من بغى على الإمام وجب علينا قتاله الثالث المحاربون وهم الذين يقطعون الطرق ولا نتمكن منهم إلا بقتال هؤلاء لم يخرجوا على الإمام لكنهم خرجوا على الناس وصاروا يقطعون الطريق ولم نتمكن من القضاء عليهم إلا بالقتال فالمهم أنه لابد أن يكون القتال مباحاً وعلل المؤلف ذلك بقوله لأنه رخصة والرخصة لا تستباح بالمعصية.
السائل: من خاف على المال في بيته من السرقة كيف يصلي؟
الشيخ: يصلي على حسب حاله.
السائل: البغاة لهم تأويل سائغ، وإذا ليس لهم تأويل سائغ؟
الشيخ: يقول العلماء إذا اختل شرط من الشروط فهم خوارج يعاملون معاملة الخوارج.
القارئ: والخوف على ضربين شديد وغيره فغير الشديد يجوز أن يصلي بهم على الصفة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أحمد رضي الله عنه الأحاديث التي جاءت في صلاة الخوف كلها أحاديث جياد صحاح وهي تختلف فأقول إن ذلك كله جائز لمن فعله إلا أن حديث سهل بن أبي خيثمة أنكى في العدو فأنا أختاره وقال ستة أو سبعة تروى فيها كلها جائز فنذكر الوجوه التي بلغنا.
الشيخ: في هذا خطأ نحوي ما هو؟ بلغنا الصواب بلغتنا والتأنيث هنا واجب لأنه ضمير وقد قال ابن مالك:
وإنما تلزمُ فِعلَ مُضْمَرِ ... مُتَّصِلٍ أو مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ
تبين لنا أن صلاة الخوف وردت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على وجوه متنوعة فهل هذه الوجوه تتبع المصلحة أو هي على التخيير مطلقا؟ الجواب تتبع المصلحة لأن بعضها قد لا يكون من المصلحة بل قد يكون متعذراً أن تقام صلاة الخوف على هذا الوجه إلا على وجه الإلقاء بالنفس إلى التهلكة واختياره حديث سهل بن أبي حثمة أولاً أنه أنكى بالعدو كما قال والثاني أنه موافق لظاهر القرآن فإنك إذا قرأت حديث سهل رضي الله عنه وقرأت الآية وجدت أنه أقرب الصفات إلى ما ذكره الله في كتابه.
القارئ: فالوجه الأول منها: ما روى صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صلت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم متفق عليه فهذا حديث سهل الذي اختاره أحمد.
الشيخ: هذا إذا تأملته وجدته مطابقاً للآية قال (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا) يعني أتموا صلاتهم (فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) وهذا من حسن الترتيب ومن كمال العدل لأن الطائفة الأولى أدركت مع النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة والثانية أدركت فضيلة أخرى الأولى أدركت فضيلة تكبيرة الإحرام والثانية أدركت فضيلة التشهد والتسليم ولهذا جعل الله تعالى الثانية هي التي صلت مع الرسول (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) الأولى يعتبر فاتها شيء من الصلاة وهي الركعة والطائفة الثانية لم يفتها شيء في الواقع لأن النبي صلى الله عليه وسلم انتظر الطائفة الثانية حتى قضت الركعة وسلم بهم وفي هذا دليل على سهولة الشريعة الإسلامية لأن صلاة الخوف هذه خالفت غيرها من الصلوات من وجوه:
الوجه الأول أن الطائفة الأولى انفردت عن الإمام وسلمت قبله.
والثاني أن الطائفة الثانية قضت ما فاتها قبل أن يسلم.
ومنها أيضاً أن الإمام في الركعة الثانية يلزمه أن يطيلها أكثر من الركعة الأولى لأنه سينتظر قضاء الطائفة الأولى للركعة ثم ذهابهم ثم مجيء الطائفة الثانية ثم دخولها في الصلاة وقراءتها الفاتحة فهو سوف يطول الركعة الثانية أكثر من الأولى مع أن القاعدة في الصلوات أن الركعة الثانية أقصر من الأولى.
السائل: المؤلف رحمه الله ذكر الإمام أحمد وقال رضي الله عنه فهل الترضي خاص بالصحابة أم عام؟
الشيخ: لا، عام بنص القرآن لكن تخصيص رجل معين جرت عادة العلماء أنهم لا يخصون إلا الصحابي فقط ولكن ليس حراماً أن تقول رضي الله عن فلان.
القارئ: ويشترط أن يكون في المسلمين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين كل طائفة ثلاثة فأكثر ويقرأ الإمام في حال الانتظار ويطيل حتى يدركوه لأن الصلاة ليست محلاً للسكوت وتكون الطائفة الأولى في حكم الائتمام قبل مفارقته إن سها لحقهم حكم سهوه وسجدوا له وإن سهوا لم يلحقهم حكم السهو لأنهم مأمومون فإذا فارقوه صاروا منفردين لا يلحقهم سهوه وإن سهوا سجدوا لأنهم منفردون وأما الطائفة الثانية فيلحقها سهو إمامها في جميع الصلاة ما أدركوه معه وما لم يدركوه كالمسبوق ولا يلحقهم حكم سهوهم في شيء من صلاتهم لأنهم إن فارقوه فعلاً فهم موئتمون به حكماً لأنهم يسلمون بسلامه فإذا قضوا ما عليهم فسجد إمامهم سجدوا معه فإن سجد قبل إتمامه سجدوا معه لأنه إمامهم فلزمهم متابعته ولا يعيدون السجود بعد فراغهم من التشهد لأنهم لم ينفردوا عن الإمام فلا يلزمهم من السجود أكثر مما يلزمه بخلاف المسبوق.
الشيخ: هذا في سجود السهو هل يلحق الطائفة الأولى أو لا؟ فنقول الراجح أنه إن سها فيما أدركوه لحقهم وإن سها بعد أن فارقوه لم يلحقهم أما الطائفة الثانية فتلزمهم متابعته في كل حال سواء أدركوا سهوه أم لم يدركوه.
فصل
القارئ: الوجه الثاني أن يقسمهم طائفتين يصلي بكل طائفة صلاة كاملة كما روى أبو بكرة قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو فصلى ركعتين ثم سلم فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربعاً ولأصحابه ركعتين ركعتين رواه أبو داود.
الشيخ: صلى أربعاً لكن غير متواصلة يعني صلى بطائفة ركعتين وبطائفة ركعتين فيكون صلاته بالطائفة الثانية صلاة متنفل وخلفه مفترض.
فصل
القارئ: الوجه الثالث أن يصلي بهم كالتي قبلها إلا أنه لا يسلم إلا في آخر الأربع كما روى جابر قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا في ذات الرقاع فنودي بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين فكانت لرسول الله صلى كانت لرسول الله أربع ركعات وللقوم ركعتان رواه البخاري.
الشيخ: ما الفرق بين هذا الوجه والذي قبله؟ أن الأول فيه تسليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا لا، إذاً قوله (ما فاتكم فأتموا) يستثنى منه هذه الصفة من صلاة الخوف فإن القوم المتأخرين قد فاتهم ركعتان ومع ذلك لا يؤمرون بقضائهما.
وذات الرقاع هذه غزوة قبل نجد كانت أرجلهم يأكلها الحفا فصاروا يجعلون عليها رقاعاً وقاية.
فصل
القارئ: الوجه الرابع ما روى عبد الله بن عمر قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة متفق عليه فهذا الوجه جوز أحمد رضي الله عنه الصلاة به واختار حديث سهل لأنه أشبه بظاهر الكتاب وأحوط للصلاة وأنكى في العدو أما الكتاب فقوله تعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) وقوله (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) ظاهره أن جميع صلاتها معه وأن الطائفة الأولى قد صلت جميع صلاتها ولا يتحقق هذا في هذا الوجه وأما الاحتياط للحرب فإن كل طائفة تنصرف بعد الفراغ من صلاتها وتتمكن من الضرب والكلام والتحريض وغير ذلك وفي هذا الوجه تنصرف كل طائفة وهي في حكم الصلاة لا تتمكن من ذلك ولا يخلو من أن تمشي أو تركب وذلك عمل كثير يفسدها.
الشيخ: يفسدها يعني في غير هذه الحال يعني لو احتاجوا إلى مشي طويل أو ركوب فإن صلاتهم لا تبطل لوجود الضرورة إلى ذلك.
فصل
القارئ: الوجه الخامس إذا كان العدو في جهة القبلة بحيث لا يخفى بعضهم على المسلمين ولم يخافوا كمينا صلى بهم كما روى جابر قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصففنا خلفه صفين والعدو بيننا وبين القبلة فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود والصف الذي كان يليه مؤخراً في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحور العدو فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجد ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا أخرجه مسلم.
الشيخ: هذه الصورة معروفة الآن العدو قِبَل القبلة صفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صفين فكبر بهم جميعاً وركع بهم جميعاً وسجد ومعه الصف الأول ثم قام فسجد الصف المؤخر وعلى هذا فيكون قيامهم بين الركوع والسجود أعني الصف المؤخر يكون طويلاً أو قصيرا؟ طويلاً لأنهم لم يسجدوا إلا بعد أن سجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورفع فلما قاموا تأخر الصف المقدم وصار في مكان الصف المؤخر وتقدم الصف المؤخر وصار في مكان الصف المقدم أولاً وفعلوا في الركعة الثانية كما فعلوا في الركعة الأولى وفي هذا دليل على جواز العمل وإن كثر في صلاة الخوف للضرورة إليه وفيه كمال العدل بين المصلين لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الصف المقدم مؤخراً والمؤخر مقدماً لئلا يقول الصف المؤخر إن هؤلاء فضلونا في الصف المقدم في الركعتين جميعاً.
السائل: في الوجه الثالث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات بدون سلام هل يحمل على أنه سلم بعد ركعتين حمل المطلق على المقيد؟
الشيخ: لا، لأنه صريح كانت أربع ركعات ولقومه ركعتان.
السائل: هل يفعل الوجه الخامس لو لم يكن العدو تجاه القبلة؟
الشيخ: لا ما يصح وليس هناك فائدة منها إلا إذا كان العدو تجاه القبلة.
القارئ: فهذه الأوجه الخمسة جائزة لمن فعلها ولا نعرف وجهاً سادساً غير ما روى ابن عباس قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد صلاة الخوف والمشركون بينه وبين القبلة فصف صفاً خلفه وصفاً موازي العدو فصلى بهم ركعة ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ورجع هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فصلى بهم ركعة ثم سلم فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ولهم ركعة ركعة رواه الأثرم وكلام أحمد يقتضي كون هذا من الوجوه الجائزة إلا أن أصحابه قالوا لا تأثير للخوف في عدد الركعات فيدل على أن هذا ليس بمذهب له.
الشيخ: والصواب ما دلَّ عليه عموم كلام الإمام أحمد أن كل وجه صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم في صفة صلاة الخوف فإن الصلاة به جائزة ولكن لاحظوا أننا ذكرنا فيما سبق أولاً أنه ليست المسألة على سبيل التخيير ولكنها على سبيل المصلحة فقد يجوز هذا الوجه في حال ولا يجوز في حال أخرى فحديث جابر الذي مرنا قريباً لا يجوز إذا كان العدو خلف ظهورنا أي فائدة أن نصطف صفين ويصلي بنا الإمام ثم يبقى الصف الأول قائماً لا فائدة من هذا.
- (هنا يوجد سقط في قراءة المتن والشرح من قوله: (فصل) فإن صلى المغرب على حديث سهل ... ) إلى قوله: (ثم تكبر الطائفة وتدخل معه) القارئ: فإذا جلس للتشهد الآخر نهضت لقاء ما فاتها ولم تتشهد معه لأنه ليس بموضع تشهدها ويحتمل أن تتشهد معه إذا قلنا إنها تقضي ركعتين متواليتين لئلا يفضي إلى وقوع جميع الصلاة بتشهد واحد.
الشيخ: والصحيح في هذا أن الطائفة الأولى تصلي ركعتين معه وأنه يقوم بعد التشهد ويثبت قائماً حتى تعود الثانية فإذا صلت معه الركعة وجلس للتشهد قامت فقضت ركعتين تقرأ في الأولى بسورة مع الفاتحة ثم تتشهد لأن الصحيح أن ما يقضيه هو آخر صلاته ثم تقوم وتأتي بالركعة الثالثة بفاتحة الكتاب فقط ثم تجلس ويسلم الإمام بها فتكون الطائفة الأولى امتازت بإدراك ركعتين والثانية امتازت بإدراك جميع الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) والأولى أدركت ركعتين لكن انصرافها قبل سلام الإمام انصراف بأمر الله فتثاب عليه.
السائل: ما الفرق بين ما رجحناه وبين كلام المؤلف رحمه الله؟
الشيخ: المؤلف يقول إن الطائفة الثانية إذا قامت تصلي ركعتين متواليتين على أحد الوجهين وعلى الوجه الثاني تصلي ركعتين بتشهدين لكن تقرأ في كلتا الركعتين سورة مع الفاتحة ونحن نقول تصلي ركعتين بتشهدين وتقرأ في الركعة الثالثة وهي الثانية المقضية بالفاتحة فقط.
فصل
القارئ: ويجوز صلاة الخوف للمقيمين لعموم قوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) ولأنها حالة خوف فأشبهت حالة السفر ويصلي بكل طائفة ركعتين وتتم الطائفة الأولى بالحمد لله في كل ركعة والطائفة الأخرى بالحمد لله وسورة وفي موضع مفارقة الطائفة الأولى له وجهان على ما ذكرنا في المغرب.
الشيخ: يعني هل تفارقه وهو في التشهد الأول أو تفارقه متى؟ إذا قام إلى الثالثة فيه وجهان كما سبق.
القارئ: وإن صلى بطائفة ثلاث ركعات وبالأخرى ركعة أو صلى المغرب بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين جاز لأنه لم يزد على انتظارين ورد الشرع بهما.
الشيخ: لكن ينبغي أن يقيد هذا بما إذا لم يخالف الجيش فإن خالف وقال نريد أن تصلي بنا كما ورد فإنه يلزمه أن يصلي كما ورد لأن كونه يصلي بالأولى ركعة واحدة هذا بخس لها في الواقع فيقيد هذا الكلام بما إذا لم يحصل معارض فإن حصل معارض وقال نريد أن تطبق السنة ولا نسمح بحقنا إن كان لنا حق فإنه يتبع هذا المعارض.
القارئ: وإن فرقهم أربع فرق وصلى بكل طائفة ركعة أو ثلاث فرق في المغرب صحت صلاة الأولى والثانية لأنهما فارقتاه لعذر وبطلت صلاة الإمام لزيادته انتظاراً لم يرد الشرع بمثله وصلاة الثالثة والرابعة لاقتدائهما بمن صلاته باطلة وقال ابن حامد إن لم يعلما ببطلان صلاته صحت صلاتهما للعذر فأشبه من صلى وراء محدث يجهل هو والإمام حدثه.
الشيخ: أولاً هذا الكلام عليه مؤاخذتان:
المؤاخذة الأولى ظاهر كلامه أنه يجوز أن يفرقهم أربع فرق مطلقا وليس كذلك بل يقيد هذا بما إذا لم يكن هناك ضرر فإن كان هناك ضرر إذا فرقهم أربع فرق بحيث تقل الفرقة وتكون صغيرة بالنسبة لمقابلة العدو فإن هذا يمنع وإن كان هي في الواقع لم تكن صغيرة إلى ذاك الحد لأنها ستجتمع مع إحدى الفرق الثلاث.
المؤاخذة الثانية قوله إن صلاة الإمام تبطل لأنه انتظار لم يرد به الشرع فيقال وهذا الانتظار الذي لم يرد به الشرع زيادة تطويل الركن وزيادة تطويل الركن جائز حتى وإن لم يكن في صلاة الخوف فلو أطال الإنسان القيام في الركعة الثانية أكثر من الأولى لكان هذا غير مبطل للصلاة وإن كان الأفضل أن تكون الأولى أطول فالصحيح أن ينظر للمصلحة إذا كان من المصلحة أن يفرقهم أربع فرق فليفعل وتصح صلاته مع الطوائف الأربع كلها.
السائل: إذا كان في صلاة الخوف إمام ومأموم واحد كأن يحاصرهما العدو؟
الشيخ: إمام ومأموم إذا كان لابد أن ينتظر المأموم نقول كبر مع الإمام واركع مع الإمام وارفع مع الإمام وعند السجود تبقى تنتظر لا يأتي العدو ثم إذا قام الإمام اسجد ثم قم معه في الثانية وهذه مسألة فرضية.
السائل: مصلحة تفريقهم أربع فرق ليست واضحة لأن المصلحة في جعلهم فرقتين؟
الشيخ: وهذه بارك الله فيك قد تحدث أحياناً قد يكون في تفريقهم أربع فرق مصلحة إذا كان العدد كبيراً وتفريقهم أربع فرق قد تتغير به الوجوه عند العدو مثل ما فعل القعقاع بن عمرو في غزوه للفرس صار يرحل يعني الجيش يقابل العدو وبعضهم يذهب من بعيد يأتي كأنه مدد جديد فيهابه العدو المهم أن المصلحة ما يمكن الآن يتصورها الإنسان حتى تقع فعلاً.
فصل
القارئ: فإن صلى صلاة الخوف من غير خوف لم تصح لأنها لا تنفك من مفارق إمامه أو تارك متابعته أو قاصر مع إتمام إمامه أو قائم للقضاء قبل سلامه وكل ذلك مبطل إلا مع العذر إلا أن يصلي بكل طائفة صلاة تامة على حديث أبي بكرة.
الشيخ: وهذا يرد إذا كان يصلي صلاة تامة على حديث أبي بكرة يبقى فيه مشكلة على المذهب أن الطائفة الثانية سوف تأتم بمتنفل وهي مفترضة وعلى القول الصحيح أنه يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل هذا يمكن ويرد أيضاً على هذا القول أنه سيفرق القوم إلى جماعتين وهذا بدعة لأن الواجب اجتماع القوم على إمام واحد بصلاة واحدة إلا لعذر فعلى كل تقدير نقول إنه لا ينبغي حتى لو قلنا بصحة صلاة المفترض خلف المتنفل فإنه سيرد علينا محذور آخر وهو تفريق الجماعة الواحدة.
فصل القارئ: قال أصحابنا لا يجب حمل السلاح في صلاة الخوف لأنه لو وجب لكان شرطاً كالسترة.
الشيخ: قال المؤلف رحمه الله قال أصحابنا وهذا من باب الورع أن ينسب القول إلى قائله ويفهم من هذا التعبير أن المؤلف رحمه الله لا يرى هذا الرأي وهو الصحيح أي أن الصحيح أنه يجب حمل السلاح يجب وليس شرطاً لصحة الصلاة لأنه لا علاقة له بها إذ أن المقصود منه المدافعة عن النفس فلا علاقة له بالصلاة ولا يمكن أن يكون كالسترة السترة تجب لأنه لو تجرد الإنسان منها لكان عرياناً وهذا ينافي الخشوع والخضوع لله أن يصلي وهو عاري يقف بين يدي الله عز وجل وعورته مكشوفة لكن السلاح لا يكون كذلك فالصواب أن حمل السلاح في صلاة الخوف واجب لأن الله تعالى قال (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) وقال في الطائفة الثانية (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) فالصواب الوجوب وهو دليل على وجوب حماية النفس مما يعرض لها من الأضرار.
القارئ: ويستحب أن يحمل ما يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين ويكره ما يثقله كالجوشن وما يمنع كمال السجود كالمغفر وما يؤذي به غيره كالرمح متوسطا فإن كان في حاشية لم يكره.
الشيخ: قوله أن يحمل من السلاح ما يدفع به عن نفسه بشرط أن لا يؤذي غيره وأن لا يخل بصلاته وأن لا يشق عليه لكن إذا قدر أنه في ضرورة إلى حمل الثقيل فهل يحمله نقول نعم يحمله ويتصبر على المشقة وكذلك من إلى جانبه يتصبر على الأذى لأن المقام مقام دفاع فإذا كان القوم معهم رشاشات ونحن معنا رشاشات لكن قلنا لا تحمله وأنت تصلي احمل السيف والسكين وما أشبه ذلك صار في هذا خطر على المسلمين فالصواب أنه يحمل من السلاح ما يدفع به عن نفسه بحسب الحاجة والضرورة.
القارئ: ولا يجوز حمل نجس ولا ما يخل بركن الصلاة إلا أن يخاف وقوع السهام والحجارة ونحوها به فيجوز للضرورة ويحتمل وجوب حمل السلاح للأمر به لقوله تعالى (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) وقوله تعالى (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ) فيدل على الجناح عند عدم ذلك.
الشيخ: صار ما ظنناه هو الواقع بالنسبة للمؤلف أنه يرى وجوب حمل السلاح وهذا هو الصحيح وأما حمل السلاح النجس فيجوز عند الضرورة، ومع عدم الضرورة لا يجوز لأنه لا يجوز للمصلي أن يحمل شيئاً نجساً وهو يصلي فإن قال قائل كيف تقولون هذا وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة بنت ابنته زينب وأبوها أبو العاص بن الربيع مع أنه ليس هناك ضرورة قلنا إن النجاسة في معدتها طاهرة فالبول والعذرة في البطن طاهرة ولا يكون نجساً حتى ينفصل.
السائل: قول المؤلف (ويكره ما يبطله كالجوشن وما يمنع كمال السجود كالمغفر) هل الحكم على العقال مثله؟
الشيخ: العقال لا يمنع كمال السجود هل أحد يرى أهل العقل ما يسجدون إلا الذي ينزله حدر هذا ما يمنع كمال السجود إلا أنه يستلزم أن يحول بينه وبين الأرض ما كان متصلاً به وهو مكروه عند العلماء.
فصل
القارئ: الضرب الثاني الخوف الشديد مثل التحام الحرب والقتال ومصيرهم إلى المطاردة فلهم أن يصلوا كيفما أمكنهم رجالاً وركباناً يومئون بالركوع والسجود على قدر الطاقة ويتقدمون ويتأخرون ويضربون ويطعنون ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها وصلاتهم صحيحة وإن هرب هرباً مباحاً من عدو أو سيل أو سبع أو نار لا يمكنه التخلص إلا بالهرب أو كان أسيراً يخاف الكفار إن صلى أو مختفياً في موضع يخاف أن يُظهر عليه صلى كيفما أمكنه قائماً أو قاعداً أو مستلقياً إلى القبلة وغيرها بالإيماء بالسفر والحضر فإن أمن في صلاته أتمها صلاة آمن وإن ابتدأها آمناً فعرض له الخوف أتمها صلاة خائف لأنه يبني على صلاة صحيحة فجاز كبناء صلاة المرض على صلاة الصحة.
الشيخ: هذا الضرب الثاني من صلاة الخوف إذا كان الخوف شديداً لا يمكن معه الصلاة على الوجوه السابقة فإنه على حالين:
الحال الأولى أن تكون العقول ذاهبة ولا يتمكن الإنسان أن يستحضر شيئاً من صلاته لا قليلة ولا كثيرة ففي هذه الحال إن كانت الصلاة تجمع إلى ما بعدها ويزول هذا الخوف قبل خروج وقت الثانية فإنها تجمع لما بعدها وجوباً وإن كانت لا تجمع لما بعدها فلهم أن يؤخروها عن وقتها وعلى هذا يحمل ما ورد عن بعض الصحابة بعض القواد أنهم أخروا صلاة الفجر حتى طلعت الشمس وذلك لأن الإنسان في هذه الحال لا يستحضر قراءة ولا ركوعاً ولا سجوداً لأن قلبه طائر قلبه هواء فيؤخر حتى تنتهي هذه الأزمة.
الحالة الثانية: إذا كان يمكن أن يستحضر لكن لا يمكن أن يركع ويسجد ويقف للصلاة فهذا يصلي كما قال المؤلف على حسب حاله كاراً وفاراً مستقبلاً القبلة أو مستدبراً القبلة على حسب حاله لقول الله تبارك وتعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) ومعلوم أن الراجل الخائف سوف يقوم بما يؤمنه على أي حال كان ثم ذكر المؤلف رحمه الله أنه إن حصل هذا الخوف في أثناء الصلاة انتقل إليه وإن زال هذا الخوف في أثناء الصلاة انتقل إلى صلاة آمن كما قلنا في المريض إذا قدر على القيام في أثناء الصلاة أتمها قائماً وإذا عجز عن القيام في أثناء الصلاة أتمها قاعداً لعموم قول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
السائل: إذا استطاع الإنسان في الحرب أن يصلي مع حضور القلب لكنه لا يستطيع الوضوء؟
الشيخ: إن أمكن تيمم وإن لم يمكن صلى بغير طهارة ولا يؤخرها عن وقتها إلا ما كانت مجموعة فالأولى أن يؤخر إذا كان المقصود الطهارة أما إذا كان لا يستطيع أن يأتي بالركوع والسجود وغير ذلك فكما قلت لكم إذا كانت تجمع لما بعدها يجب أن يجمع.
القارئ: وإن رأى سواداً فظنه عدوا فصلى صلاة الخوف ثم بان أنه غير عدو أو بينه وبينه ما يمنع العبور أعاد لأنه لم يوجد المبيح فأشبه من ظن أنه متطهر فصلى ثم علم بحدثه قال أصحابنا ويجوز أن يصلوا في شدة الخوف جماعة رجالاً وركبانا ويعفى عن تقدمهم الإمام لأجل الحاجة كما عفي عن العمل الكثير وترك الاستقبال.
الشيخ: واضح وصحيح ولا يوجد إشكال والقياس صحيح لأن هذا أخل بأركان الصلاة وشروطها.
السائل: لو سمع غوثاً أن احتراقاً أو غرقاً هل نقول ينقذه وهو يصلي أم يقطع الصلاة؟
الشيخ: يقطع الصلاة لأن هذه لمصلحة الغير.
باب
صلاة الجمعة
القارئ: وهي واجبة بالإجماع وروى ابن ماجه عن جابر قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا من تركها في حياتي أو بعد موتي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في أمره).
الشيخ: لو استدل بالآية لكان أحسن لأن الله تعالى قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ).
القارئ: ولا تجب إلا على من اجتمعت فيه شرائط ثمانية الإسلام والبلوغ والعقل لأنها من شرائط التكليف بالفروع والذكورية والحرية والاستيطان لما روى طارق بن شهاب قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو مرأة أو صبي أو مريض) رواه أبو داود، ولأن المرأة ليست من أهل الجماعات وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة يوم جمعة فلم يصلِّ جمعة وفي العبد رواية أخرى أنها تجب عليه لأنها فرض عين من الصلوات فوجبت عليه كالظهر والأولى أولى للخبر ولأن العبد مملوك المنفعة محبوس على سيده أشبه المحبوس بدين.
الشيخ: ننظر إلى الشروط الإسلام والبلوغ والعقل لا إشكال فيها والذكورية أيضاً لا إشكال فيها لأن المرأة ليست من ذوات الجماعة.
الحرية يقول الذي أسقطها عن العبد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (إلا أربعة عبد مملوك) وذهب بعض أهل العلم وهي رواية عن أحمد أنها تجب عليه لأنها فرض عين فهي مقدمة على حق السيد وفصَّل بعضهم في هذا وقال إنما أسقطت عن المملوك من أجل انشغاله بحق سيده فإذا أذن له في ذلك وجبت عليه لأنه من المؤمنين وقد قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ).