المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
- عدد الأجزاء
- 5 [الكتاب مرقم آليا]
القاريء: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين قال الشيخ العالم العلامة الأوحد الصدر الكامل شيخ الإسلام قدوة الأنام موفق الدين أبو عبد الله أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله:-
الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار عالم خفيات الأسرار غافر الخطيئات والأوزار الذي امتنع عن تمثيل الأفكار وارتفع عن الوصف بالحد والمقدار.
الشيخ: الأولى أن لا يقال الذي امتنع والعبارة الصحيحة أن يقال الذي تنزه عن التمثيل أما امتنع عن التمثيل فمعناه إنه عولج وطلب منه أن يُمثّل ولكنه امتنع.
القاريء: وأحاط علمه بما في لجج البحار وله ما سكن في الليل والنهار أنعم علينا بالنعم الغزار.
الشيخ: ارتفع عن الوصف بالحد والمقدار يعني إن الله لا يحد بحد يحصره أو يقدره بل هو أكبر من كل شيء عز وجل وقد اختلف العلماء هل يضاف الحد إلى الله أو لا يضاف؟ والصحيح أنه من جنس الجسم فهو من الألفاظ المبتدعة الحديثة فالأولى أن لا نتكلم بهذا إطلاقا لكن إذا بلينا فإننا نستفصل ونقول ماذا تريد بالحد إن أردت الله سبحانه وتعالى محدود بشيء فهذا لا يجوز وحرام لأنه يقتضي أن يكون شيء من مخلوقاته محيطا به وإن أردت أنه بحد يعني أنه بائن من الخلق ليس مختلطا فيهم فهذا صحيح.
القاريء: ومن علينا بالنبي المختار محمد سيد الأبرار المبعوث من أطهر بيت في مضر بن نزار صلى الله عليه وعلى آله الأطهار وصحابته المصطفين الأخيار صلاة تجوز حد الإكثار دائمة بدوام الليل والنهار هذا كتاب استخرت الله تعالى في تأليفه على مذهب إمام الأئمة ورباني الأمة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رضي الله عنه في الفقه توسطت فيه بين الإطالة والاختصار وأومأت إلى أدلة مسائله مع الاقتصار وعزوت أحاديثه إلى كتب أئمة الأمصار ليكون الكتاب كافيا في فنه عما سواه مقنعا لقارئه بما حواه وافيا بالغرض من غير تطويل جامعاً بين بيان الحكم والدليل وبالله أستعين وعليه أعتمد وإياه أسأل أن يعصمنا من الزلل ويوفقنا لصالح القول والنية والعمل ويجعل سعينا مقربا إليه ونافعا لديه وينفعنا والمسلمين بما جمعنا ويبارك لنا فيما صنعنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.
﴿كتاب الطهارة﴾
باب حكم الماء الطاهر
القاريء: يجوز التطهر من الحدث والنجاسة بكل ماء نزل من السماء من المطر وذوب الثلج والبرد لقول الله تعالى (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) (لأنفال: من الآية11) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)) متفق عليه
الشيخ: قوله تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً) (الفرقان: من الآية48) والطهور هو الطاهر بذاته المطهر لغيره وإن شئت فقل الطهور ما يتطهر به.
القاريء: وبكل ماء نبع من الأرض من العيون والبحار والآبار لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء أفنتوضأ بماء البحر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ من بئر بضاعة رواه النسائي
الشيخ: إذاً نأخذ من هذا الفصل قاعدة (كل ماء نزل من السماء أو نبع من الأرض فهو طهور مطهر من الأحداث والأنجاس)
فصل
القاريء: فإن سخن بالشمس أو بطاهر لم تكره الطهارة به لأنها صفة خلق عليها الماء فأشبه ما لو برده وإن سخن بنجاسة يحتمل وصولها إليه
الشيخ: قوله لأنها صفة خلق عليها الماء هذا فيه نظر لأن الماء لم يخلق عليها لو خلق عليها ما احتاج إلى تسخين فيقال إنه لم يخلق عليها لأنه سخن أما قوله وبطاهر فمثل الحطب وروث الإبل أما روث الحمير فنجس.
القاريء: وإن سخن بنجاسة يحتمل وصولها إليه ولم يتحقق فهو طاهر لأن الأصل طهارته فلا تزول بالشك ويكره استعماله لاحتمال النجاسة وذكر أبو الخطاب رواية أخرى أنه لا يكره لأن الأصل عدم الكراهة.
الشيخ: نعم الراجح أنه لا يكره التطهر به يعني لا يكره استعماله كما قال أبو الخطاب لأن الأصل عدم الكراهة والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل.
القاريء: وإن كانت النجاسة لا تصل إليه غالبا ففيه وجهان أحدهما يكره لأنه يحتمل النجاسة فكره كالتي قبلها والثاني لا يكره لأن احتمال النجاسة بعيد فأشبه غير المسخن
الشيخ: إذاً المسخن بالشمس أو بطاهر لا كراهة فيه والمسخن بنجس إن كان يحتمل وصولها إليه فهو مكروه وإن كان لا يحتمل ففيه وجهان مع أن المسألة الأولى أيضا فيها خلاف فأبو الخطاب رحمه الله يرى أنه لا يكره والصحيح أنه لا يكره إذاً الفصل هذا فيه مسألتان المسألة الأولى إذا سخن بطاهر أو بالشمس فهذا طهور غير مكروه قولا واحدا وإذا سخن بنجس ففيه الخلاف سواء احتمل وصول النجاسة أم لم يحتمل والصحيح أنه لا يكره.
فصل
القاريء: وإن خالط الماء طاهر لم يغيره لم يمنع الطهارة به لأن النبي صلى الله عليه وسلم ((اغتسل هو وزوجته من قصعة واحدة فيها أثر العجين)) رواه النسائي وابن ماجه والأثرم ولأن الماء باقٍ على إطلاقه فإن كان معه ماء يكفيه لطهارته فزاده مائعا لم يغيره ثم تطهر به صح لما ذكرنا وإن كان الماء لا يكفيه لطهارته فكذلك لأن المائع استهلك في الماء فهو كالتي قبلها وفيه وجه آخر لا تجوز الطهارة به لأنه أكملها بغير الماء فأشبه ما لو غسل به بعض أعضائه
الشيخ: إذا خالط الماء طاهر لم يغيره فلا شيء فيه يعني مثلا خالطه عجين أو خالطه تمر أو خالطه حلوى لكنها لم تغيره فهذا لا يضر لأن الماء باقِ على إطلاقه كما قال المؤلف وإن كان معه ماء يكفيه لطهارته فزاده مائعا ولكنه لم يغيره أيضا لا يضر كيف هذا يعني إنسان معه ماء قليل لا يكفي لطهارته ومعه شاهي الشاهي يسمى مائع فصب من الشاهي على الماء من أجل أن يزيده فيكمّل طهارته فهذا لا بأس به على القول الراجح وفيه وجه آخر إنها لا تجوز لكن الصحيح أنه يجوز أن يتطهر به لأن هذا المائع استهلك الماء فزال حكمه.
القاريء: وإن غير الطاهر صفة الماء لم يخل من أوجه أربعة أحدها ما يوافق الماء في الطهورية كالتراب وما أصله الماء كالملح المنعقد من الماء فلا يمنع الطهارة به لأنه يوافق الماء في صفتيه أشبه الثلج
الشيخ: يعني أنه أصله الماء ولم يتغير.
القاريء: والثاني ما لا يختلط بالماء كالدهن والكافور والعود فلا يمنع لأنه متغير عن مجاورة فأشبه ما لو تغير الماء بجيفة بقربه
الشيخ: يعني لو صب في الماء دهن فالدهن ما يمكن يختلط بالماء فلو تغير الماء من هذا الدهن لم يضر لأنه تغير عن مجاورة لا عن اختلاط كذلك الكافور والكافور طيب يجعل للأموات فلو وضعنا في الماء كافور فالكافور ما يمكن يمتزج بالماء ولا يموع في الماء فإذا تغير الماء منه فإنه لا يضر لأن التغير هنا عن مجاورة لا عن ممازجة وقول المؤلف أشبه تغير الماء بجيفة بقربه هذه المسألة صورتها أن يكون هناك ماء ولنقل إنه غدير والغدير مجتمع السيول إلى جانبه جيفة فصارت الرياح تنقل رائحة الجيفة إلى هذا الماء فإذا أخذت الماء وشممته أدركت أنه متغير برائحة الجيفة فهذا لا ينجس وقد حكاه بعض العلماء إجماعا مع أنه متغير بالنجاسة وهذا لأن النجاسة هنا لم تختلط به بل هو عن مجاورة أشبه ما لو كان لك ثوب حوله رائحة خبيثة وهو رطب فحمل من هذه الرائحة الخبيثة النجسة فهل تصلي فيه أو لا؟ تصلي فيه لماذا لأن النجاسة لم تصبه فإن صح الإجماع على أن هذا الماء المجاور الذي تغير بالنجاسة المجاورة يبقى على طهوريته فلا عدول لنا عن إجماع المسلمين وإن لم يصح الإجماع فإن القياس يقتضي أن يكون نجساً لأنه متغير بالنجاسة ولولا أن النجاسة أثرت فيه ودخلت فيه ما كان له رائحة وكأن المؤلف رحمه الله يرى انعقاد الإجماع لأنه قاسه ومن شرط قياس حكم على حكم أن يكون الأصل المقيس عليه متفقا عليه ولو بين الخصمين على الأقل يعني ما يمكن تقيس فرع على أصل وأنا خصمك أنازع في الأصل لماذا؟ لأني أقول لك لا أسلم الأصل حتى أسلم الفرع ولهذا من شرط القياس أن يكون الأصل متفقا عليه إما بين المسلمين عموما أو على الأقل بين الخصمين فيقول الخصم لخصمه ألست تقول كذا وكذا في هذا الحكم قال نعم فيقول إذاً نقيس عليه هذه المسألة.
سائل: هل يعارض هذا الإجماع على أنه إذا تغير الماء برائحة فهو نجس؟
الشيخ: هم يقولون ما تغير طعمه أو لونه أو رائحته بنجاسة تحدث فيه كما هو لفظ الحديث الذي ذكره ابن حجر في بلوغ المرام (بنجاسة تحدث فيه) وقالوا هذه النجاسة ما حدثت فيه هذه النجاسة بقربه فالمهم إن كان الإجماع فلا عدول لنا عنه ولا يسوغ لنا أن نخرج عن إجماع المسلمين وإن كان ليس هناك إجماع فالقول قول من يقول إنه ينجس لأن هذا الماء خبيث.
سائل: إذا حكمنا بنجاسته هل يعدل عنه إلى التيمم؟
الشيخ: إذا حكمنا بنجاسته ولم يمكن تطهيره فإن أمكن تطهيره بأن يحمل ويبعد عن المكان هذا وتزول رائحته.
القاريء: والثاني ما لا يختلط بالماء كالدهن والكافور والعود فلا يمنع لأنه تغير عن مجاورة فأشبه ما لو تغير الماء بجيفة بقربه.
الثالث ما لا يمكن التحرز منه كالطحلب وسائر ما ينبت في الماء وما يجري عليه الماء من الكبريت والقار وغيرهما وورق الشجر على السواقي والبرك وما تلقيه الريح والسيول في الماء من الحشيش والتبن ونحوهما فلا يمنع لأنه لا يمكن صون الماء عنه.
الرابع ما سوى هذه الأنواع كالزعفران والإشنان والملح المعدني وما لا ينجس بالموت كالخنافس والزنابير وما عفي عنه لمشقة التحرز إذا ألقي في الماء قصدا فهذا إن غلب على أجزاء الماء مثل أن جعله صبغا أو حبرا أو طبخ فيه سلبه الطهورية بغير خلاف لأنه زال اسم الماء فأشبه الخلق وإن غير إحدى صفاته طعمه أو لونه أو ريحه ولم يطبخ فيه فأكثر الروايات عن أحمد أنه لا يمنع لقول الله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) (المائدة: من الآية6) ولأنه خالطه طاهر لم يسلبه اسمه ولا رقته ولا جريانه أشبه سائر الأنواع وعنه لا يجوز الطهارة به لأنه سلب إطلاق اسم الماء أشبه ماء الباقلاء المغلي وهذا اختيار الخرقي وأكثر الأصحاب.
الشيخ: هذا الفصل ذكر فيه المؤلف أنه إذا خلط الماء بطاهر لم يغيره لم يمنعه الطهارة يعني بأن سقط فيه أوراق شجر أو قطع خرق أو خشب أو غيرها ثم لم يغيره لا غير طعمه ولا لونه ولا ريحه فهذا طهور لا يمنع الطهارة به.
الثاني ما لا يختلط به الماء يعني ما لا يمازج الماء مثل الكافور والدهن والزيت والقاز والبنزين وما أشبهه فهذا أيضا لا يؤثر حتى لو تغير الماء به وذلك لأنه لا يمتزج به فأشبه المتغير برائحة جيفة إلى جانبه.
الثالث ما لا يمكن التحرز منه مثل الطحلب والطحلب هو الذي يكون على ظهر الماء أخضر أو يكون أيضا في الأرض كالنبات أو كذلك بعض البرك يخرج فيها شيء يسمى السعد نوع من النبات أو التراب الذي تحمله الريح أو أوراق الشجر المهم كل شيء لا يمكن التحرز منه هذا أيضا لا يضر حتى لو تغير طعم الماء ولونه وريحه.
الرابع ما يتغير به الماء ولا يشق صون الماء عنه ويمتزج بالماء فهذا إذا غير الماء فيه روايتان عن أحمد:
الأولى أنه طاهر غير مطهر.
والثاني أنه طهور والصحيح أنه طهور وهذا ظاهر كلام الموفق رحمه الله لأنه قدمه قال وإن غير إحدى صفاته لم يمنع الطهارة به وعنه لا تجوز الطهارة به إذا ذكر المؤلف في هذا روايتين وقدم عدم سلبه الطهورية وأنه يجوز الطهارة به وهذا هو الصحيح أما إذا طبخ فيه فإنه ينتقل اسمه عن اسم الماء إلى اسم
هذا المطبوخ فيه مثل المرق وشبهه أو الشاهي فهذا يسلبه الطهورية لأنه انتقل فالحاصل الآن أن الماء إذا خالطه طاهر فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام:
الأول ما لا يتغير به والثاني ما لا يمتزج به والثالث ما يشق صون الماء عنه والرابع ما عدا ذلك الأقسام الثلاثة الأولى ما حكمها؟ لا يسلبها الطهورية ولا يمنع الطهارة به والرابع فيه روايتان عن الإمام أحمد إحداهما أنه لا يسلبه الطهورية وهو الذي قدمه الموفق في هذا الكتاب وهو الصحيح والرواية الثانية يسلبه الطهورية وهذا هو المذهب عند المتأخرين أنه إذا تغير:
- بطاهر.
- ممازج.
- لا يشق صون الماء عنه.
فإنه يكون طاهراً غير مطهر هذه القيود الثلاثة من أجل أن تخرج الأقسام الثلاثة الأولى.
فصل القاريء: فإن استعمل في رفع الحدث فهو طاهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم ((صب على جابر من وضوئه)) رواه البخاري ولأنه لم يصبه نجاسة فكان طاهرا كالذي تبرد به وهل تزول طهوريته فيه روايتان أشهرهما زوالها لأنه زال عنه إطلاق اسم الماء أشبه المتغير بالزعفران والثانية لا تزول لأنه استعمال لم يغير الماء أشبه التبرد به وإن استعمل في طهارة مستحبة كالتجديد وغسل الجمعة والغسله الثانية والثالثة فهو باقٍ على إطلاقه لأنه لم يرفع حدثا ولم يزل نجسا وعنه أنه غير مطهر لأنه مستعمل في طهارة شرعية أشبه المستعمل في رفع الحدث
الشيخ: انتقل المؤلف رحمه الله من الماء المتغير إلى الماء المستعمل فإن استعمل في طهارة واجبة مثل الوضوء إنسان يتوضأ ويتناثر من أعضائه ماء هذا المتناثر يسمى مستعملا ذكر المؤلف أنه طاهر لأنه لم تصبه نجاسة لكن هل هو طهور يعني هل هو مطهر أو لا؟ ذكر في ذلك روايتان الأشهر من الروايتين أنه لا يطهر والثانية أنه طهور يطهر والصحيح أنه طهور يطهر وقد علل كونه طاهرا غير مطهر بما ذكر المؤلف زال عنه إطلاق اسم الماء وهذا غير مسلم هل ما تناثر من أعضاء الوضوء أو من البدن بعد غسل الجنابة هل زال عنه اسم الماء؟ أبداً هو ماء لكن علله بعض العلماء بعلة أخرى قال لأن هذا استعمل في طهارة واجبة فلا يعاد مرة أخرى كالعبد إذا أعتق فإنه لا يعتق مرة ثانية وهذا القياس فيه نظر لأن العبد إذا أعتق صار حراً ولا يمكن أن يسترق بعد ذلك نعم لو فرض أنه ذهب إلى الكفار ثم قاتلنا الكفار ثم سبيناه مرة ثانية فحينئذ يرجع رقيقا وهذا الماء أيضا لما استعمل في الطهارة الواجبة نقول لم يزل اسم الماء عنه بخلاف العبد فإنه عتق وصار حراً فالقياس إذاً ليس بصحيح وعلى هذا فيكون القول الراجح في هذه المسألة أنه استعمل في طهارة واجبة فإنه طهور مطهر.
الثاني ما استعمل في طهارة مستحبة فقدم المؤلف أنه باق على طهارته أي أنه طهور مثال الطهارة المستحبة كتجديد الوضوء والطهارة لقراءة القرآن هذه مستحبة وغسل الجمعة على القول بأنه مستحب فيكون الماء طهورا مطهرا والرواية الثانية أنه غير مطهر لأنه مستعمل في طهارة شرعية فأشبه المستعمل في طهارة واجبة هذان نوعان من الاستعمال الأول ما استعمل في طهارة واجبة والثاني ما استعمل في طهارة مستحبة والثالث سيأتينا ما استعمل في غسل نجاسة في الفصل الذي سيأتي والراجح أنه طهور في المسائل السابقة كلها.
فصل
القاريء: وإن استعمل في غسل نجاسة فانفصل متغيرا بها أو قبل زوالها فهو نجس لأنه متغير بنجاسة أو ملاق لنجاسة لم يطهرها فكان نجسا كما لو وردت عليه وما انفصل من الغسلة التي طهرت المحل غير متغير فهو طاهر إن كان المحل أرضاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم ((أمر أن يصب على بول الأعرابي ذنوبا من ماء)) متفق عليه فلو كان المنفصل نجسا لكان تكثيرا للنجاسة وإن كان غير الأرض ففيه وجهان أظهرهما طهارته كالمنفصل عن الأرض ولأن البلل الباقي في المحل طاهر والمنفصل بعض المتصل فكان حكمه حكمه والثاني نجس لأنه ماء يسير لاقى نجاسة فتنجس بها كما لو وردت عليه فإن قلنا بطهارته فهل يكون مطهرا على وجهين بناءً على الروايتين في المستعمل في رفع الحدث وقد مضى توجيههما
الشيخ: هذا المستعمل في النجاسة فالمستعمل في إزالة النجاسة إما أن ينفصل والنجاسة موجودة فهذا نجس مثال ذلك رجل أراد أن يغسل ثوبا أصابه دم فجعل يغسله فأول غسلة ستكون متغيرة بالنجاسة أو ملاقية لها فيكون نجسا سواء تغير أم لم يتغير لأنه لاقى النجاسة وكذلك إذا انفصل قبل السابعة إذا قلنا بوجوب غسل النجاسات سبعا يكون أيضا نجسا لأنه انفصل عن محل نجس وإن كانت النجاسة قد زالت لأن المحل لا يطهر إلا بسبع غسلات فما انفصل قبل السابعة فهو نجس.
الثاني أن ينفصل في السابعة فهذا إن انفصل متغيرا فظاهر أنه نجس وإن انفصل غير متغير فهو طاهر لكن هل يكون مطهراً؟ على قولين:
القول الأول أنه ليس بمطهر لأنه ماء حصل به التطهير إذ أن السابعة هي آخر الغسلات فصار كالمستعمل في رفع الحدث
والثاني أنه طهور مطهر وهذا القول هو الراجح.
فالخلاصة الآن إذا استعمل في إزالة نجاسة فما انفصل والنجاسة موجودة فهو نجس وما انفصل قبل السابعة فهو نجس أيضا أما الأول فهو نجس لأنه لاقى النجاسة وأما الثاني فهو نجس لأنه انفصل عن محل نجس لم يطهر وإن انفصل في السابعة بعد زوال النجاسة يعني النجاسة زالت مثلا في أول غسله أو في ثاني غسله أو خامس غسله ففيه ثلاثة أقوال أنه نجس والثاني أنه طاهر غير مطهر والثالث أنه طهور وهذا الأخير هو الصحيح هذا إذا كان غير أرضٍ أما إذا كان أرضا فهو طاهر قولا واحداً لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بصب الماء على بول الأعرابي ولم يصب مرة ثانية هذا خلاصة هذا الفصل فصار الماء المستعمل إما أن يكون في رفع حدث أو في طهارة مشروعة مستحبة أو في إزالة نجاسة والصحيح في جميع هذه الاستعمالات أنه طهور ما لم يتغير فيما إذا استعمل في إزالة النجاسة فإن كان متغيرا فهو نجس
فصل
القاريء: وإذا انغمس المحدث في ماء يسير ينوي به رفع الحدث صار مستعملا لأنه استعمل في رفع الحدث ولم يرتفع حدثه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه)) رواه مسلم والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ولأنه بأول جزء انفصل منه صار مستعملا فلم يرتفع الحدث عن سائرها.
الشيخ: هذا الاستعمال للماء في رفع الحدث لكن على صفة غير الأولى فالأولى يصب الماء عليه ثم ينفصل الثاني وهذا انغمس شخص محدث في ماء يسير ونوى رفع الحدث فيقول المؤلف يكون الماء مستعملا في رفع الحدث ولا يرتفع حدثه وهذا من الغرائب أن يقال إنه استعمل في رفع الحدث والحدث لم يرتفع فإذا كان لم يرتفع فأين الاستعمال في رفع الحدث يقول المؤلف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه)) رواه مسلم ويغتسل فيها ثلاث روايات يغتسلْ بالسكون عطفا على النهي ويغتسلُ بالضم على الاستئناف ويغتسلَ بالفتح على أنها مثل واو المعية فعلى:
الوجه الأول ثم يغتسل فيه يكون النهي عن البول والاغتسال.
وعلى الثاني الرفع يكون النهي عن البول فقط وتكون جملة استئنافية.
وعلى النصب يكون النهي عن الجمع بينهما وعلى كل حال فالحديث ينازَعُ المؤلف رحمه الله في كونه يدل على فساد هذا الاغتسال فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الاغتسال بعد البول لأن هذا فيه تنافي كيف تغتسل بماء بلت فيه هذا منافي حتى للمروءة هو ماء قليل دون القلتين تبول فيه ثم تغتسل لا شك أن هذا ينافي المروءة إذ أن البول معروف أنه نجس وأنه ينجس ما لاقاه إما مطلقا أو إذا تغير فكيف تغتسل فيه لكن مع ذلك نقول الصواب في هذه المسألة التي ذكرها المؤلف أن الإنسان إذا نوى وانغمس في ماء يسير ونوى رفع الحدث فإن حدثه يرتفع والماء حتى إن قلنا إنه يكون مستعملا فقد سبق لنا قبل قليل أن الماء
المستعمل طهور على إننا قد نمنع أن نقول إن هذا الماء مستعمل لأن المستعمل منه ما باشر الأعضاء هذا المستعمل أما ما انفصل فهو بعيد عن الجسم فالماء الذي في البركة ما لم يمس الجلد فلا يقال إنه مستعمل في الطهارة وعلى كل حال الصحيح في هذه المسألة أنه طهور مطهر ثم نقول إن استدلال المؤلف بالحديث لهذه المسألة لا يطابق فهذا رجل استعمل الماء في طهارة حدث والحديث نهى عن البول ثم الاغتسال فهل الدليل الذي استدل به المؤلف مطابق للمسألة التي ذكرها؟ الجواب لا لأن الدليل في البول ومعلوم أن البول يتأثر به الماء إلى خبث إما في اللون وإما في الرائحة وإما في الطعم فاستدلال المؤلف لحكم المسألة التي ذكرها بهذا الحديث استدلال في غير محله.
فصل
القاريء: وما سوى الماء من المائعات كالخل والمري والنبيذ وماء الورد والمعتصر من الشجر لا يرفع حدثا ولا يزيل نجسا لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) (المائدة: من الآية6) فأوجب التيمم على من لم يجد ماءً وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب ((تحتيه ثم تقرصيه ثم تنضحيه بالماء ثم تصلي فيه)) متفق عليه فدل على أنه لا يجوز بغيره والله أعلم.
الشيخ: أما قوله لا يرفع حدثا فالأمر مسلم أن غير الماء لا يرفع حدثا وأما قوله ولا يزيل نجسا ففيه نظر والصواب أن غير الماء إذا زالت به النجاسة فإنه مطهر والفرق بين الحدث والنجاسة أن الحدث عبادة مطلوب إيجادها والنجاسة قدر مطلوب إعدامه وإزالته وإعدامه وإزالته تحصل بأي مزيل ولهذا جاءت السنة بالاستجمار بدلا عن الاستنجاء والاستجمار إزالة للنجاسة بالحجارة وكذلك جاءت السنة بتطهير النعل بالحك وجاءت السنة بتطهير ذيل ثوب المرأة الذي ينسحب من ورائها بما يمر عليه من الطاهر بعد النجس ولهذا لو أن النجاسة زالت بنفسها فإن المحل يكون طاهرا ولو أمطرت السماء على ثوب نجس فطهر فإنه يكون طاهرا ففرق بين رفع الحدث وبين إزالة النجاسة فالصحيح أن النجاسة إذا زالت بأي مزيل كان فإن المحل يكون طاهرا أما رفع الحدث فلا يكون إلا بالماء والآية فيه صريحة كما قال المؤلف لأن الله قال (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) (النساء: من الآية43).
باب الماء النجس
القاريء: إذا وقع في الماء نجاسة فغيرته نجس بغير خلاف لأن تغيره لظهور أجزاء النجاسة فيه وإن لم تغيره لم يخل من حالين أحدهما أن يكون قلتين فصاعدا فهو طاهر لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع فقال ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)) رواه الأئمة وقال الترمذي هذا حديث حسن وفي لفظ ((لم ينجسه شيء)) وروى أبو سعيد رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله أيتوضأ أحدنا من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) قال أحمد حديث بئر بضاعة صحيح قال أبو داود قدرت بئر بضاعة بردائي فوجدتها ستة أذرع أو سبعة ولأن الماء الكثير لا يمكن حفظه في الأوعية فعفي عنه كالذي لا يمكن مسحه.
الثاني ما دون القلتين ففيه روايتان.
أظهرهما نجاسته لأن قوله (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء) يدل على أن ما لم يبلغهما نجس ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)) متفق عليه فدل على نجاسته من غير تغيير ولأن الماء اليسير يمكن حفظه في الأوعية فلم يعف عنه وجعلت القلتان حدا بين القليل والكثير.
والثانية هو طاهر لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((الماء طهور لا ينجسه إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه)) رواه ابن ماجه ولأنه لم يتغير بالنجاسة أشبه الكثير.
الشيخ: المؤلف رحمه الله تعالى لما أنهى الكلام على الماء المستعمل وذكرنا أنه مستعمل في ثلاثة أشياء طهارة واجبة من حدث وطهارة مستحبة والثالث إزالة نجاسة فالطهارة الواجبة من الحدث قلنا الراجح فيها أنه يكون طهورا وكذلك المستعمل في طهارة مستحبة وأما المستعمل في إزالة النجاسة فقلنا إن له ثلاث حالات:
الأولى أن ينفصل قبل زوال النجاسة أو قبل السابعة فهو نجس بكل حال.
الثانية أن ينفصل في السابعة فهو طاهر وقيل إنه طهور وقيل إنه نجس إذا كان غير الأرض.
الثالثة أن ينفصل بعد السابعة فهو طهور بالاتفاق إلا إذا كانت النجاسة لم تزل مثل أن تكون النجاسة يابسة ولم تزل في سبع غسلات فإنه يكون كالمنفصل قبل زوال النجاسة وقد ذكرنا أنه نجس ثم ذكر المؤلف رحمه الله أن ما سوى الماء لا يرفع
الحدث ولا يزيل النجاسة وقلنا إن كونه لا يرفع الحدث مسلم وأما كونه لا يزيل النجس ففيه نظر والصواب أن النجاسة إذا زالت بأي مزيل فإن المكان يكون طاهراً.
ذكر في باب الماء النجس الماء إذا وقعت فيه نجاسة فهذا لا يخلو من ثلاثة أحوال:
الحال الأولى: أن يتغير بالنجاسة طعمه أو ريحه أو لونه فهنا يكون نجسا بلا خلاف الثاني: أن يكون أقل من القلتين فهذا يكون نجسا أيضا فإذا كان أقل من القلتين يكون نجسا سواء تغير بالنجاسة أم لم يتغير إذاً هذا مقابل الأول.
فالأول ما تغير بنجاسة فهو نجس قليلا كان أو كثيرا.
الثاني: إذا لاقته النجاسة وهو دون القلتين فهو نجس هذا هو المشهور من المذهب وهو الذي قال المؤلف إنه الأظهر والصحيح أنه ليس بنجس وهو الرواية الثانية وحجة القائلين بأنه نجس قول النبي عليه الصلاة والسلام ((إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء)) مفهومه إذا لم يبلغ فإنه ينجس وهذا الحديث مضطرب سندا ومتنا وقد ذكر ابن القيم في تهذيب السنن ستة عشر وجها تدل على أنه لا يصح أن يحتج به وهذا الحديث لو أخذنا بظاهره إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء لكان ظاهره أنه إذا بلغ قلتين لم ينجسه شيء سواء غيره أم لم يغيره وهذا لا يقول به أحد لأنه إذا تغير بنجاسة فهو نجس بلا خلاف.
الثاني أن نقول إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء مفهومه دون القلتين ينجس لكنه مطلق وحديث (إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه) مقيد فيكون مقيدا به ولهذا كان القول الصحيح في هذه المسألة أنه لا ينجس إلا بالتغير ولو كان دون القلتين.
الثالث ما كان فوق القلتين فهذا لا ينجس ولو لاقته نجاسة إلا بالتغير والخلاصة إذا وقع في الماء نجاسة فلا يخلو من ثلاث حالات الأولى أن يتغير فهذا نجس الثاني أن يكون فوق القلتين فهذا ليس بنجس ما لم يتغير الثالث إذا كان دون القلتين ففيه روايتان عن أحمد المشهور من المذهب أنه نجس والصحيح أنه ليس بنجس لكن هل يحتاج أن نقول ما لم يتغير؟
لا يحتاج لأنا قلنا بالأول إن المتغير نجس بكل حال وكلامنا الآن فيما إذا لم يتغير واستدل المؤلف بقول النبي عليه الصلاة والسلام ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)) متفق عليه وهذا ليس فيه دليل لأن نجاسة الكلب ليست كغيره وهنا قد يكون الأمر بالغسل ليس من أجل أنه نجس ولكن من أجل ما يخشى من الضرر ولهذا قال (إحداها بالتراب) ولا يوجد نظير لهذه النجاسة من النجاسات وعلى كل حال الاستدلال بهذا الحديث فيه منازعة بمعنى أنه غير مسلم.
فصل
القاريء: وفي قدر القلتين روايتان إحداهما أنهما أربعمائة رطل بالعراقي لأنه روي عن ابن جريج ويحي بن عقيل أن القلة تأخذ قربتين وقرب الحجاز كبار تسع كل قربة مائتا رطل فصار القلتان بهذه المقدمات أربعمائة رطل، والثانية هما خمسمائة رطل لأنه يروى عن ابن جريج أنه قال رأيت قلال هجر فرأيت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئا فالاحتياط أن يجعل الشيء نصفا فيكونان خمس قرب وهل ذلك تحديد أو تقريب فيه وجهان أظهرهما أنه تقريب فلو نقص رطل أو رطلان لم يؤثر لأن القربة إنما جعلت مائة رطل تقريبا والشيء إنما جعل نصفا احتياطا والغالب أنه يستعمل فيما دون النصف وهذا لا تحديد فيه والثاني أنه تحديد فلو نقص شيئا يسيرا تنجس بالنجاسة لأنا جعلنا ذلك احتياطا وما وجب الاحتياط به صار فرضا كغسل جزء من الرأس مع الوجه الشيخ: على كل حال هذه المسألة تحديد أو تقريب وهل هي أربعمائة رطل أو خمسمائة رطل كله مبني على صحة حديث القلتين فإذا لم يصحح وقلنا إن مدار نجاسة الماء على تغيره بالنجاسة فإننا نستريح من هذا الخلاف.
فصل القاريء: وجميع النجاسات في هذا الباب سواء إلا بول الآدميين وعذرتهم المائعة فإن أكثر الروايات عن أحمد أنها تنجس الماء الكثير لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه)) متفق عليه إلا أن يبلغ حدا لا يمكن نزحه كالغدران والمصانع التي بطريق مكة فذلك الذي لا ينجسه شيء لأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الدائم ينصرف إلى ما كان بأرضه على عهده من آبار المدينة ونحوها وعنه أنه كسائر النجاسات لعموم الأحاديث التي ذكرناها ولأن البول كغيره من النجاسات في سائر الأحكام فكذلك في تنجيس الماء وحديث البول لابد من تخصيصه فنخصه بخبر القلتين.
الشيخ: نحن ذكرنا في الماء إذا وقعت فيه النجاسة ثلاث حالات فهل جميع النجاسات سواء؟ يقول المؤلف إن فيه خلاف فمن العلماء من أصحاب الإمام أحمد من قال إن بول الآدمي وعذرته المائعة تختلف عن بقية النجاسات وأنها إذا وقعت في الماء نجسته إلا إذا كان الماء يشق نزحه كمصانع طريق مكة ومصانع طريق مكة يقال إن التي بنتها زبيدة امرأة هارون الرشيد وهي عبارة عن أحواض كبيرة لا يزال آثارها موجودة الآن تأتي فيها السيول وتتجمع فيها ويكون فيها مياه كثيرة إذا مر الحجاج من العراق إلى مكة يمرون بها وكذلك أيضا الغدران التي تتجمع في السيول فهذه إذا أصابها بول الآدمي أو عذرته المائعة فإنها لا تنجس إلا بالتغير وعلى هذا القول فإننا نقدر بدل القلتين بما يشق نزحه فمثلاً عندنا ماءٌ قلتان أصابته نجاسة ولنقل إنها دم ولم تغيره فماذا يكون؟ طهوراً ولو أصابه بول كلب ولم يغيره فهو طهور ولو أصابه بول إنسان ففيه روايتان رواية تقول إنه نجس والكلام الآن فيما لم يتغير ورواية أخرى تقول إنه طهور فالرواية التي تقول إنه نجس تقول إن بول الآدمي وعذرته المائعة يقيدان بدلا من القلتين بما يشق نزحه ومعلوم أن القلتين فقط لا يشق نزحهما لكن الغدران الكبيرة يشق نزحها فلو قلنا لإنسان فرغ لنا هذا الغدير فإنه سيتعب تعبا شديدا إذاً ما يشق نزحه هو المقدار في بول الآدمي وعذرته والدليل قوله عليه الصلاة والسلام ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه)) فنقول هذا الدليل لا دليل فيه إطلاقا هل قال الرسول عليه الصلاة والسلام إن الماء ينجس؟ لا لم يقل بل نهى عن الاغتسال فيه وهذا يدل على أن لنا الانتفاع به في جميع وجوه الانتفاعات إلا الاغتسال وعليه فلا دليل في الحديث إلى ما ذهب إليه هؤلاء وأيضا لو قلنا بهذا القول لكانت نجاسة الآدمي أغلظ من نجاسة الكلب وهذا خلاف الواقع.
والخلاصة الآن أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فله ثلاث حالات:
الحال الأولى أن تغيره فما حكمه؟ نجس
الحال الثانية أن يكون دون القلتين ولم تغيره ففيه روايتان والصحيح أنه طهور.
الحال الثالثة أن يكون فوق القلتين ولم يتغير فهو طهور قولا واحدا إلا إذا كانت النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة فإننا نقدر بدل القلتين بما يشق نزحه وأما إذا كان لا يشق نزحه ولو كان أربع قلال فأصابته نجاسة آدمي فإنه ينجس والصحيح أن نجاسة الآدمي كغيرها من النجاسات لا ينجس الماء بها إلا بالتغير على القول الراجح ولا فرق بين نجاسة الآدمي وغيره.
السائل: هل يشترط تغير الطعم واللون والريح جميعاً أو يكفي أحدهما؟
الشيخ: إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه يكفي فلو فرضنا أن هذا الماء ما تغير طعمه ولا لونه لكن تغيرت رائحته بنجاسة وقعت فيه فإنه يكون نجسا.
سائل: هل حديث (إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على طمعه أو لونه أو ريحه) صحيح؟
الشيخ: هو ضعيف لكن الإجماع منعقد على ذلك الضعيف هي الزيادة إلا أن يتغير لكن هذه الزيادة مجمع عليها فإذا تغير مجمع على أنه نجس.
السائل: الدليل الإجماع؟
الشيخ: الدليل الإجماع يعضد هذا الحديث الضعيف
السائل: فهمنا من كلام المؤلف أن الماء ثلاثة أقسام فهل هذا صحيح؟
الشيخ: هذا سؤال وجيه جداً يقول فهمنا من كلام المؤلف أن المياه تنقسم إلى ثلاثة أقسام طهور ونجس وطاهر غير مطهر فهل هذا التقسيم له دليل؟ والجواب لا دليل عليه ولهذا كان القول الراجح أن الماء ينقسم إلى قسمين فقط طهور ونجس وليس في القرآن ولا في السنة أن هناك شيئا يسمى طاهرا غير مطهر إلا ما كان غير ماء كالمرق واللبن وما أشبه ذلك فهذا طاهر غير مطهر لا شك.
السائل: إذا كان البول في الماء الدائم لاينجسه فلماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه؟
الشيخ: كما قلنا لكم إن هذا خلاف المروءة وأيضا إذا بال زيد ثم جاء عمرو فبال فسينجس مع كثرة البول فيه
السائل: كيف نقدر القلتين؟
الشيخ: يقول الفقهاء إنها ذراع وربع الذراع طولا وعرضا وعمقاً والذراع معروف وأظنه إما سبعين أو خمس وسبعين من المتر.
السائل: الماء إذا وقع فيه طاهر وغيَّره وأخرجه عن مسماه يحصل اختلاف بين الناس فيه هل خرج عن مسماه أو لا؟
الشيخ: أرى أن يستعمله الإنسان في الطهارة وإن احتاط وتيمم فهو طيب مع أن ابن القيم رحمه وشيخ الإسلام وأظنه مذهب أبي حنيفة يرون جواز الطهارة بالخل وشبهه وبناءً على هذا إذا تغير بشيء مثل الخل ونحوه من الطاهر فإنه يجوز الطهارة به لكن الذي يظهر لي أنا أنه إذا خرج عن اسم الماء فإنه لا يتطهر به طهارة حدث
السائل: هل دم الآدمي نجس؟
الشيخ: أكثر العلماء على أنه نجس وذهب بعض العلماء إلى أنه طاهر إلا ما خرج من السبيلين فما خرج من السبيلين فهو نجس وأما ما سوى ذلك فإنه طاهر مثل الرعاف ودم الجرح وشبهه
السائل: وإذا أصاب الثوب دم كثير؟
الشيخ: هو نجس لكن يعفى عن يسيره على قول الجمهور ولكن في النفس من هذا شيء لأنه لايوجد دليل على نجاسته وأما قول الرسول (اغسلي عنك الدم) فهي إنما سألته عن دم الحيض وأل هنا للعهد ثم إن الصحابة تصيبهم الجراحات في ثيابهم وأبدانهم ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يتحرزون من هذا وأما حديث فاطمة أنها كانت تغسل الدم من وجه النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد فهذا لا يدل على أنه نجس وإنما يدل على أنه تنبغي إزالته من باب التنظف وإزالة ما يشوه الوجه
السائل: وهل هو ناقض للوضوء
الشيخ: لا غير ناقض للوضوء والخلاف في كونه غير ناقض مشهور معروف لكن الخلاف في كونه نجسا ما هو معروف حتى إن بعضهم حكى الإجماع على النجاسة.
السائل: ما معنى قوله بغير خلاف هل يقصد في المذهب أم في جميع المذاهب
الشيخ: الظاهر إن قصده في المذهب مثل ما يفعل النووي في المجموع يقول بغير خلاف ويريد بغير خلاف في المذهب
السائل: أحسن الله إليكم التفريق بين الأرض وغيره ما هو دليله
الشيخ: أما الأرض فعرفت الدليل ولكن الصحيح أنه لا فرق لأنه مثل الأرض لكن الذي ينفصل مثلا من الثوب المتلوث بالدم لابد أن يكون متغير بأول غسله أو ثاني غسله أو ثالث غسله وهذا المتلوث بنجاسة لا شك إنه نجس متغير
السائل: ماذا ينبني على القول الصحيح إذا انفصل قبل السابعة؟
الشيخ: ينبني عليه أنه إذا انفصل غير متغير ولو في أول مرة أنه يكون طاهراً
السائل: ما الفرق بين دم الحيض والاستحاضة؟
الشيخ: الفرق إن الحيض لا تصلي ولا تصوم ولا يأتيها زوجها ودم الاستحاضة تصلي وتصوم فالرسول فرق بين دم الحيض وبين دم العروق والدم الذي يخرج من الإنسان ما هو منتن ولا فيه رائحة كريهة
السائل: هل إنتانه بسبب مخرجه؟
الشيخ: لا إنتانه بطبيعته ولهذا دم الاستحاضة ما فيه رائحة.
السائل: ذكر المؤلف قاعدة قال (وما وجب الاحتياط به صار فرضا) فهل هذه القاعدة صحيحة؟
الشيخ: القاعدة ليست بصحيحة وكل شيء على سبيل الاحتياط فهو ليس بفرض.
فصل
القاريء: وإذا وقعت النجاسة في ماء فغيرت بعضه فالمتغير نجس وما لم يتغير إن بلغ قلتين فهو طاهر لعموم الأخبار فيه ولأنه ماء كثير لم يتغير بالنجاسة فكان طاهرا كما لو لم يتغير منه شيء وإن نقص عنهما فهو نجس لأنه ماء يسير لاقى ماءً نجسا فنجس به وإذا كان بين الغديرين ساقية فيها ماء يتصل به ماء فهما ماء واحد
الشيخ: على كل حال هذا كله مبني على أن القليل ينجس بمجرد الملاقاة وقد سبق لنا أن الصحيح أن الماء لا ينجس إلا بالتغير لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما فإذا وجدت النجاسة صار الماء نجسا وإذا لم توجد صار الماء طهورا وسبق لنا أيضا أنه ليس هناك قسم يسمى طاهرا لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فلو وقعت نجاسة في قدر وصار ما حولها متغيرا وما بعد عنها لم يتغير فممكن نغرف من الذي لم يتغير ونتطهر به لأنه طهور واضح كما لو كان الماء كثيراً وهوما بلغ القلتين فإن الماء المتغير بالنجاسة يكون نجسا وما وراءه طهور فإذا قلنا بأن القليل لا ينجس بالملاقاة نقول ما تغير بالنجاسة من هذا الماء القليل فهو نجس وما لم يتغير فهو طهور.
فصل القاريء: فأما الماء الجاري إذا تغير بعض جريانه بالنجاسة فالجرية المتغيرة نجسة وما أمامها طاهر لأنها لم تصل إليه وما وراءها طاهر لأنه لم يصل إليها وإن لم يتغير منه شيء واحتمل أن لا ينجس لأنه ماء كثير يتصل بعضه ببعض فيدخل في عموم الأخبار السابقة أولاً فلم ينجس كالراكد ولو كان ماء الساقية راكدا لم ينجس إلا بالتغير فالجاري أولى لأنه أحسن حالا وجعل أصحابنا المتأخرون كل جرية كالماء المنفرد فإذا كانت النجاسة في جرية تبلغ قلتين فهي طاهرة ما لم تتغير وإن كانت دون القلتين فهي نجسة وإن كانت النجاسة واقفة فكل جرية تمر عليها إن بلغت قلتين فهي طاهرة وإلا فهي نجسة وإذا اجتمعت الجريات فكان في الماء قلتان طاهرتان متصلة لاحقة أو سابقة فالمجتمع كله طاهر إلا أن يتغير بالنجاسة لأن القلتين تدفعان النجاسة عن نفسهما وتطهران ما اجتمع معهما وإن لم يكن فالجميع نجس والجرية ما يحيط بالنجاسة من فوقها وتحتها ويمينها وشمالها وما قرب منها مع ما يحاذي ذلك فيما بين طرفي النهر
الشيخ: هذه الرواية من الغرائب يقولون على هذه الرواية أن كل جرية كماء منفرد لو وضعت شعرة من شعر الحمار في هذا النهر فالذي يحيط بها من الماء قليل ولذلك ينجس لأن الماء القليل ينجس بمجرد الملاقاة والماء الذي بجنبه ينجس لأن كل جرية تعتبر منفردة فكل ما جاء من عند هذه الشعرة صار نجساً لكن لو وضعت جملا ميتا في هذا الذي يعبر معه الماء ومر من عنده الماء ولم يتغير فإنه لا ينجس مع أنه ميت لأن الذي يحيط بالجمل ماء كثير يبلغ قلتين والماء الكثير الذي يبلغ قلتين لا ينجس بالملاقاة ولهذا قالوا إن هذه الرواية تعتبر شاذة ومن غرائب العلم لأنه يفضي إلى أن ينجس النهر الكثير بشعرة خنزير ولا ينجس ببعير.
السائل: ما معنى الجرية؟
الشيخ: الجرية هي المباشرة ضع عوداً فكل ما يصدم بالعود فهو جرية فكل ما يباشر الشعرة هذه قليل راح على أنه نجس والثاني جاء وراح على أنه نجس والثالث جاء وراح على أنه نجس فيفضي هذا إلى تنجيس النهر كله وإذا صارت النجاسة كبيرة ما الذي يلاقيها؟ الجرية ستصير واسعة يعني قلتين فأكثر والقلتان لا تنجسان بالملاقاة فتمر كل جرية وتسلم من النجاسة لأنها تباشرها وهي كثيرة وهذا مما يدلنا يا إخواني على أن القول الصحيح تطمئن إليه النفس ويكون مطردا ما يتناقض وأنت إذا وضعت هذا الضابط (ما تغير بنجاسة فهو نجس وما لم يتغير فهو طهور) استرحت سواء كان جاريا أم راكدا.
السائل: هل هذه المسائل واقعية؟
الشيخ: كل هذه المسائل البعيدة الوقوع تكون فرضيات
فصل
القاريء: في تطهير الماء النجس وهو ثلاثة أقسام:
الأول ما دون القلتين فتطهيره بالمكاثرة بقلتين طاهرتين إما أن ينبع فيه أو يصب عليه وسواء كان متغيرا فزال تغيره أو غير متغير فبقي بحاله.
الثاني قدر القلتين فتطهيره بالمكاثرة المذكورة أو بزوال تغيره بمكثه.
الثالث الزائد عن القلتين فتطهيره بهذين الأمرين أو بنزح يزيل تغيره ويبقى بعده قلتان
الشيخ: إذا كان عندنا ماء نجس فكيف نطهره نقول إما أن يكون دون القلتين أو أكثر أو قلتين فإن كان دون القلتين فلا سبيل إلى تطهيره إلا بإضافة ماء كثير إليه ولاحظ أننا إذا قلنا ماء كثير أو ماء قليل فالمعتبر القلتان فالكثير ما بلغ القلتين والقليل ما دون هذا فما دون القلتين لا يمكن أن يطهر إلا إذا أضيف إليه ماء كثير مثال ذلك عندي قدر فيه ماء نجس لا يمكن أن أطهره إلا إذا أضفت إليه قلتين فأكثر لأنني لو أضفت دون القلتين تنجست لأنها تلاقي النجس فتتنجس وإذا كان الماء المتنجس قلتين فلنا في تطهيره طريقان: الطريق الأول أن نضيف إليه ماءً كثيرا يعني يبلغ القلتين فأكثر.
الثاني أن يزول تغيره بنفسه الأول الذي دون القلتين لو زال تغيره بنفسه لم يطهر على المذهب لأنهم يقولون ما دون القلتين لا يدفع النجاسة عن نفسه أما القلتين فيدفع النجاسة عن نفسه ولهذا إذا زال تغيره بنفسه طهر وأما ما كان فوق القلتين فتطهيره بواحد من أمور ثلاثة إما أن نضيف إليه طهورا كثيرا وإما أن يزول تغيره بنفسه وإما أن ينزح ومعنى ينزح أن يغرف منه ماء فيبقى بعده كثير غير متغير لنفرض أن هذا الماء خمس قلال نزحنا منه قلة فزال تغيره فإنه يطهر ولو نزحنا منه قلتين فإنه يطهر ولونزحنا ثلاثاً فإنه يطهر ولو نزحنا أربعا فإنه لايطهرلأن الباقي قليل ولابد أن يكون الباقي كثيرا هذه طرق تطهير الماء النجس والصحيح في هذه المسألة أنه إذا زال تغيره بنفسه أو بنزح أو بإضافة فإنه يطهر سواء كان قليلا أو كثيرا هذا هو الصحيح ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الفأرة تقع في السمن (ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم) فإذا نزحنا منه زالت النجاسة ولو كان قليلا لكن المؤلف مفرِّع على المذهب.
القاريء: ولا يعتبر صب الماء دفعة واحدة لأن ذلك يشق لكن يصبه على حسب ما أمكنه من المتابعة إما أن يجريه من ساقيه أو يصبه دلوا فدلوا وإن كوثر بماء دون القلتين أو طرح فيه تراب أو غير الماء لم يطهره لأن ذلك لا يدفع النجاسة عن نفسه فلم يطهره الماء كما لو طرح فيه مسك ويتخرج أن يطهره لأنه زال تغير الماء فأشبه ما لو زال بنفسه ولأن علة التنجيس في الماء الكثير التغير فإذا زال حكمها كما لو زال تغير المتغير بالطاهرات فأما ما دون القلتين فلا يطهر بزوال التغير لأن العلة فيه المخالطة لا التغير الشيخ: والصحيح أن العلة هي التغير وأن الحكم يدور مع علته متى زال تغير الماء بالنجاسة فإنه يطهر بأي وسيلة وقد سبق لنا أيضا أن تطهير النجاسات يكون بغير الماء بخلاف الأحداث فلا يكون إلا بالماء.
فصل القاريء: فإن اجتمع نجس إلى نجس فالكل نجس وإن كثر لأن اجتماع النجس إلى النجس لا يتولد بينهما طاهر كالمتولد بين الكلب والخنزير ويتخرج أن يطهرا إذا زال التغير وبلغ القلتين لما ذكرناه الشيخ: إذا أضيف ماء نجس إلى نجس وهو قليل ولكن بالإضافة صار كثيرا فزال التغير بنفسه فيقول المؤلف المذهب إنهما لايطهران ويتخرج أن يطهرا إذا زال التغير وبلغ القلتين لما ذكرنا وهذا التخريج أقرب لكن ما معنى التخريج التخريج هو ما نسميه بالقياس السائل: وإن اجتمع مستعمل إلى مثله فهو باق على المنع فإن اجتمع المستعمل إلى طهور يبلغ قلتين فالكل طهور لأن القلتين تزيل حكم النجاسة فالاستعمال أولى فإن اجتمع مستعمل إلى طهور دون القلتين وكان المستعمل يسيرا عفي عنه لأنه لو كان مائعا غير الماء عفي عنه فالمستعمل أولى الشيخ: قولنا لو كان مائعا يعني لو كان الذي خالط هذا الماء اليسير المستعمل لو كان الذي خالطه مائعا ويعنون بالمائع ما سوى الماء مثل اللبن والخل وما أشبه ذلك كل هذا يسمى مائعا عفي عنه فالمستعمل من باب أولى
القاريء: وإن كثر بحيث لو كان مائعا غلب على أجزاء الماء منع كغيره من الطاهرات.
السائل: في مدينة ساحلية المجاري تصب في البحرهل نحكم بنجاسة ما قرب منه.
الشيخ: ما قرب منه فهو نجس لأنه متغير أما البعيد الذي لم يتغير فإنه طهور
السائل: أحيانا تتغير الرائحة فقط لكن اللون أو الطعم لايتغير.
الشيخ: إذا كان قريباً فسوف يتغير وأما ما كان عند المصب فالمصب تعرف أنه يندفع بشدة وبقوة يتمايز الماء الأول الذي وقع فيه ويبقى هذا كأنه عمود وهذا ذكرنا بمسألة لو أن هذا الماء النجس أضيف إليه مواد كيماوية وأزالت النجاسة فهل يكون طهورا؟ المذهب لا لأنه لا يطهَّر إلا بالماء وعلى القول الذي ذكرناه يكون طهوراً مادام زال الطعم واللون والريح فإنه طهور.
باب الشك في الماء
القاريء: إذا شك في نجاسته لم يمنع الطهارة به سواء وجده متغيرا أو غير متغير لأن الأصل الطهارة والتغير يحتمل أن يكون بمكثه أو بما لا يمنع فلا يزول بالشك.
الشيخ: لاحظ إذا شك في نجاسته لم يمنع الطهارة وهذا إذا لم يكن فيه تغير واضح لكن إذا وجده متغيرا وشك هل هذا التغير من نجاسة أو لا نقول الأصل الطهارة يعني لو وجد فيه روثا وقد تغير بهذا الروث وشك هل الروث روث بعير أو روث حمار ماذا نقول؟ الأصل أنه روث بعير وإذا لم يجد فيه شيئا لكن وجده متغيرا نقول الأصل الطهارة لأنه ربما يتغير بمكثه أي بطول بقائه.
مسألة: الشك في الماء أو في انتقاض الوضوء لا يرجع فيه إلى غلبة الظن لابد من اليقين لقول النبي عليه الصلاة والسلام (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) ففي الحديث توجد قرينة على نقض الوضوء وهي قول الصحابة (فوجد في بطنه شيئا) ومع ذلك ألغاها الرسول عليه الصلاة والسلام لأنها ليست بيقين.
باب الشك في الماء
القارئ: إذا شك في نجاسته لم يمنع الطهارة به سواء وجده متغيرا أو غير متغير لأن الأصل الطهارة والتغير يحتمل أن يكون بمكثه أو بما لا يمنع فلا يزول بالشك وإن تيقن نجاسته ثم شك في طهارته فهو نجس لأن الأصل نجاسته وإن علم وقوع النجاسة فيه ثم وجده متغيرا تغيرا يجوز أن يكون منها فهو نجس لأن الظاهر تغيره بها
الشيخ: هذه المسائل سبق الكلام عليها وبينا أن لدينا قاعدة مهمة وهي (أن الأصل بقاء ما كان على ما كان) فما كان طاهراً وشككنا في نجاسته فهو طاهر وما كان نجسا وشككنا هل طهر فهو نجس لأن (الأصل بقاء ما كان على ما كان) وهذه القاعدة مستمدة من قول النبي صلوات الله وسلامه عليه حين شكي إليه الرجل يجد في صلاته فلا يدري أخرج منه أم لا فقال (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) وهذه القاعدة تنفعك هنا وفي كل مكان لو شككت في الصلاة هل أنت قلت سبحان ربي الأعلى أم لم تقل فالأصل عدم القول والأصل بقاء ما كان على ما كان فلو أن رجلا علق طلاق امرأته على شرط وشك هل وجد هذا الشرط أم لم يوجد لم تطلق لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان المهم أن هذه قاعدة تنفعك في جميع أبواب العلم لو ثبت على رجل دين وقال إنه قضاه فالأصل بقاء الدين فلا يقبل إلا ببينة وهلم جرا فإذاً المسألتان واضحتان أما المسألة الثالثة فهو أنه إذا سقط في الماء نجاسة ووجده متغيرا ولكن لا يدري هل هو من النجاسة أو من غيرها فإننا نعمل بالظاهر وما هو الظاهر أنه من النجاسة فنقول إن الماء نجس فلو قال قائل أليس الأصل بقاء الطهارة قلنا لكن هذا الأصل عورض بظاهر أقوى منه فإذا عورض بظاهر أقوى منه فالحكم بالظاهر ولهذا نظائر فمثلا لو أن رجلا أصلع ليس عليه غترة وآخر عليه غترة وبيده غترة والذي عليه الغترة وبيده غترة هارب وذاك طالب يركض وراءه يا فلان أعطني غترتي فنحكم بها لمن؟ للطالب مع أن الهارب يقول الغترة بيدي والأصل أن ما بيد الإنسان له لكن نقول هنا ظاهر أقوى من الأصل ما هو الظاهر؟ الحال الواقعة الآن كيف واحد معه غترة وعليه غترة ويقول هذه لي والثاني يركض وراءه يقول أعطني غترتي أليس كذلك مع أن فيه احتمال إن الطالب هذا ألقى غترته في أي مكان وصلع وجاء يركض أليس هذا احتمالا؟ لكنه خلاف الظاهر المهم إذاً أن الأصل معمول به ما لم يعارضه ظاهر أقوى منه فيغلب
الظاهر.
القاريء: وإن أخبره ثقة بنجاسة الماء لم يقبل حتى يعين سببها لاحتمال اعتقاده نجاسته بما لا ينجسه كموت ذبابة فيه وإن عين سببها لزمه القبول رجلا كان أو امرأة بصيرا أو أعمى لأنه خبر ديني فلزمه قبوله كرواية الحديث ولأن للأعمى طريقا إلى العلم بالحس والخبر ولا يقبل خبر كافر ولا صبي ولا مجنون ولا فاسق لأن روايتهم غير مقبولة.
الشيخ: إذا قال لك شخص هذا الماء نجس فإنه لا يلزمك قبول خبره حتى تسأل وما سبب النجاسة لماذا لأنه ربما يظن أنه أصابته نجاسة وليست كذلك كذبابة وقعت فيه فالذبابة لو وقعت في الماء لا تنجسه لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال (إذا وقعت الذبابة في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه) والغالب إنه إذا كان الماء حاراً فسوف يموت ومع ذلك ليس بنجس إذاً إذا أخبرني شخص قال يا فلان ترى هذا الماء الذي تستعمله نجس فهل أقبل؟ لا وأسأله ما السبب إذا قال السبب لأنه سقط فيه خشبة فهو ليس نجس وإذا قال سقط فيه بعرة بعير فهوليس بنجس إذاً لابد أن يبين السبب ولابد أن يكون ثقة وهو المسلم البالغ العاقل فإن أخبره كافر لم يقبل أو صبي لم يقبل أو مجنون لم يقبل أو فاسق لم يقبل.
القاريء: وإن أخبره رجل أن كلبا ولغ في هذا الإناء دون هذا وقال آخر إنما ولغ في هذا الإناء دون ذاك حكم بنجاستهما لأنه يمكن صدقهما لكونهما في وقتين أو كانا كلبين وإن عينا كلبا ووقتا لا يمكن شربه فيه منهما تعارضا وسقط قولهما لأنه لا يمكن صدقهما ولم يترجح أحدهما
الشيخ: هذا واضح هناك إناءان أخبره رجل بأنه رأى كلبا يشرب من هذا الإناء رقم واحد وأخبره الثاني بأن كلبا شرب من الإناء رقم اثنين فهل نقبل خبرهما؟ نقبل خبرهما لأنه يمكن أن يكونا كلبين في وقت واحد أو أن يكون كلبا واحدا في وقتين فتكون الإناءان كلاهما نجسة لكن لو أخبراه بأنهما لقيا كلبا أحمراً وهو واحد ولغ الساعة الثانية عشرة فهنا لا نقبل قولهما لماذا لأنهما تعارضا لا يمكن أن كلبا واحدا يشرب من إناءين في آن واحد إذا تعارضت أقوالهما فسقط فيكون الإناءان طاهرين.
فصل القاريء: وإن اشتبه الماء النجس بالطاهر تيمم ولم يجز له استعمال أحدهما سواء كثر عدد الطاهر أم لم يكثر وحكي عن أبي علي النجاد أنه إذا كثر عدد الطاهر فله أن يتحرى ويتوضأ بالطاهر عنده لأن احتمال إصابة الطاهر أكثر والأول المذهب لأنه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة فلم يجز التحري كما لو كان النجس بولا أو كثر عدد النجس أو اشتبهت أخته بأجنبيات ولأنه لو توضأ بأحدهما ثم تغير اجتهاده في الوضوء الثاني فتوضأ بالأول لتوضأ بماء يعتقد نجاسته وإن توضأ بالثاني من غير غسل أثر الأول تنجس يقينا وإن غسل أثر الأول نقض اجتهاده باجتهاده وفيه حرج ينتفي بقوله سبحانه (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: من الآية78) فتركهما أولى وهل يشترط لصحة التيمم إراقتهما أو خلطهما؟ فيه روايتان إحداهما يشترط ليتحقق عدم الطاهر وفي الثانية لا يشترط لأن الوصول إلى الطاهر متعذر واستعماله ممنوع منه فلم يشترط عدمه كماء الغير.
الشيخ: إن اشتبه الماء النجس بالطاهر يقول تيمم ولم يجز استعمال أحدهما ومراده بالطاهر هنا الطهور اشتبه نجس بطهور ولم يعرف أيهما الطهور فهنا يقول يجب أن يتيمم ولا يتحرى ولا يتوضأ من هذا غرفة ومن هذا غرفة لماذا؟ لأنه الآن غير قادر على استعمال الطهور وليس عنده علامات ولا قرائن يرجح بها أن هذا هو الطهور وأن هذا هو النجس فهو عاجز عن استعماله شرعا إذاً يعدل إلى التيمم لدخوله في قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) (النساء: من الآية43) وفيه رواية أخرى يقول المؤلف ولم يجز له استعمال أحدهما سواء كثر على الطاهر أو لم يكثر وظاهر كلام المؤلف أنه لا يتحرى يعني لا يطلب أيهما يغلب على ظنه أنه طهور.
والقول الثاني أنه يتحرى إذا كثر عدد الطاهر إعمالا للأكثر فإذا كان عنده مثلا خمسة أواني ثلاثة منها طاهرة واثنان منها نجسان وشك أيهم الطاهر وأيهم النجس فعلى الرأي الثاني أنه يتحرى وإذا غلب على ظنه أن هذا الإناء هو الطاهر توضأ منه أما على المذهب فيقولون إنه لا يتحرى حتى لو كان الطاهر عشرة والنجس واحدة والتعليل عندهم (لأنه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة فلم يجز التحري) هذه قاعدة وإذا اشتبه المباح بالمحظور على وجه لا تبيحه الضرورة فإنه لا يجوز التحري لأنه ليس هناك ضرورة يتحرى أما لو اشتبه المباح بالمحظور على وجه تبيحه الضرورة فهنا يتحرى مثاله اشتبهت ميتة بمذكاة وهو الآن مضطر يريد أن يأكل وما عنده شيء يأكله فهنا نقول تحر لأن كونك تتحرى وتأكل ما يغلب على ظنك أنه حلال خير من كونك لا تتحرى وتأكل هكذا فهذا الضابط (لأنه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة فلم يجز التحري مثال آخر رجل أراد أن يتزوج واشتبهت أخته بأجنبيات أخته معها نساء وهو يريد أن يتزوج واشتبه هل أخته هذه أو هذه أو هذه ماذا نقول؟ يجب التجنب لأنه اشتبه المباح بالمحظور على وجه لا تبيحه الضرورة لأن الجماع لا يباح عند الضرورة بخلاف الأكل فإنه يباح عند الضرورة إذاً هذه قاعدة مفيدة أما التعليل الأخير فهو ليس ظاهر جدا يقول المؤلف ولو أنه توضأ بأحدهما ثم تغير اجتهاده في الوضوء الثاني فتوضأ بالأول لتوضأ بما يعتقد نجاسته ومعلوم إذا تحرى وغلب على ظنه أن رقم واحد هو الطاهر وتوضأ به ثم عند الوضوء الثاني تحرى وغلب على ظنه أن النجس رقم واحد وأن الطاهر رقم اثنين فمعناه أن وضوءه الأول كان بما يعتقد أنه نجس فإذا كان يعتقد نجاسته فماذا يلزمه؟ يلزمه غسل أثر الماء الأول لأنه إذا كان يعتقد أنه نجس فقد تلوث به فيجب عليه غسل الأثر يقول المؤلف فإذا توضأ بالثاني من غير غسل أثر الأول تنجس يقينا وهذا صحيح ولو لم يغسل أثر الأول
وتوضأ بالثاني يقول فإنه يتنجس يقينا لأن الثاني يلاقي النجاسة فيكون نجسا وحينئذ لا يصح له وضوء لا بهذا ولا بهذا وإن غسل أثر الأول نقض اجتهاده باجتهاده وفيه حرج ينتفي بقوله تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: من الآية78) فتركهما أولى وعلى كل حال الصحيح في هذه المسألة أنه متى أمكن التحري فإنه يتحرى ولدينا قاعدة معروفة عند أهل العلم وهي (إذا تعذر اليقين عملنا بغلبة الظن) والتحري لا شك أنه ُيِّغلب الظن ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال وكان الحق ذكرالحديث قبل القاعدة ((إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب ثم ليبن عليه)) فنحن نقول إن القول الراجح في هذه المسألة إذا اشتبه طهور بنجس أنه متى أمكن التحري بأي علامة تكون وجب عليه أن يتحرى ويتوضأ بما يغلب على ظنه أنه طهور وإذا تحريت فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها حتى لو تبين أنه نجس فيما بعد فليس عليك شيء.
القاريء: وإن اشتبه مطلق بمستعمل توضأ من كل إناء وضوءا لتحصل له الطهارة بيقين وصلى صلاة واحدة
الشيخ: إن اشتبه مطلق بمستعمل فما معنى مطلق؟ يعني لم يستعمل ونعرف أن المطلق هو غير المستعمل لما قال بمستعمل لأن الشيء يعرف بضده الماء المستعمل سبق لنا أن ما استعمل في طهارة واجبة فإنه يكون طاهرا غير مطهر فعنده إناءان أحدهما مستعمل في طهارة واجبة والثاني غير مستعمل الأول لا يرفع الحدث على المذهب والثاني يرفع الحدث اشتبه أيهما طاهر المطلق من المستعمل ... يقول توضأ من كل إناء وضوءا وكلام المؤلف فيه شيء من الإجمال فظاهر كلامه أنه لو توضأ من الأول وضوءا كاملا ثم من الثاني وضوءا كاملا صح الوضوء ولكن الأمر ليس كذلك يتوضأ منهما وضوءا واحدا من هذا غُرفه ومن هذا غرفه فالإناءان طاهر ومطلق يعني مستعمل ومطلق كما قال المؤلف نقول توضأ منهما وضوءا واحداً خذ من هذا غرفة اغسل كفيك ثم من الثاني غرفة اغسل كفيك ثم عد خذ من الأول غرفة للمضمضة والاستنشاق والثاني كذلك ثم خذ غرفة من الأول لغسل الوجه والثاني كذلك ثم لليد اليمنى من الأول والثاني كذلك وهكذا لماذا؟ لأنك لو توضأت من أحدهما وضوءا كاملا ثم توضأت من الثاني لاختل الترتيب لأنك إذا توضأت من الأول يحتمل أنه هو المطلق ويحتمل أنه المستعمل وفي كل غرفة سوف يرد هذا الاحتمال فإذا غسلت وجهك من الأول الغسلة الأولى يحتمل أنه هو الطاهر أو المطلق أليس كذلك فإذاً لم يرتفع الحدث ولنفرض أنه الطاهر غير المستعمل لنفرض أنه المطلق غير المستعمل ثم غسلت اليدين يرد احتمال أنه مطلق أو المستعمل وحينئذ يختلف الترتيب بالنسبة للوضوء الثاني ولذلك الفقهاء المتأخرون قيدوا وقالوا لابد أن يتوضأ منهما وضوءا واحدا لأجل أن لا يتجاوز عضوا إلا وقد تيقن أنه طاهر أليس كذلك أنا إذا غسلت وجهي من هذا ثم من هذا تيقنت الآن إني توضات بماء طهور.
القاريء: وإن اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة وأمكنه الصلاة في عدد النجس وزيادة صلاة لزمه ذلك لأنه أمكنه تأدية فرضه يقينا من غير مشقة فلزمه كما لو اشتبه المطلق بالمستعمل وإن كثر عدد النجس فذكر ابن عقيل أنه يصلي في أحدها بالتحري لأن اعتبار اليقين يشق فاكتفي بالظاهر كما لو اشتبهت القبلة.
الشيخ: إذا اشتبهت ثياب طاهرة نجسة وهذا يمكن يقع أحد الثياب عندك قد أصابه بول وهو معلق ولا تدري عينه ماذا تعمل نقول صل بعدد النجس وزد صلاة قال عدد النجس خمسون ثوبا هذا رجل غني عنده خمسون ثوبا كلها نجسة والحادي والخمسون طاهر كم يصلي في كل فرض واحداً وخمسين صلاة لكن محل ذلك إذا لم يمكن تطهير أحد الثياب ولو كان عنده ماء يمكنه أن يطهر أحد الثياب وجب عليه لأنه إذا كان يمكنه تطهير أحد الثياب وطهره صلى صلاة واحدة يتيقن أنها صحيحة لكان لو صلى بعدد النجس وزاد صلاة فكل صلاة من هذه الصلوات يحتمل أنها الصحيحة أو أنها غير الصحيحة وصحيح أنه إذا زادت صلاة فأحد هذه الصلوات الخمسين مثلا صحيح لكنها كل صلاة واحدة باعتبار عينها مشكوك فيها أعيد مرة ثانية رجل عنده ثلاثة ثياب نجسة والثوب الرابع طاهر فاشتبه عليه الطاهر من الثياب بالنجس نقول يجب عليك أن تصلي أربع صلوات عدد النجس ثلاث والطاهر واحدة ما لم يمكن تطهير أحد الثياب فإن أمكن وجب لماذا نقول يجب لأنك إذا طهرته وصليت الصلاة تيقنت أنها هي الصحيحة بعينها لكن لو صليت أربع صلوات هل تتيقن أن هذه الصلاة بعينها هي الصحيحة لا لكن بمجموعها أتيقن أن فيها صحيحة لكن ما أدري هي التي بالثوب الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع إذا يحتاج إلى قيد أو لا؟ نعم وهو إذا لم يمكن تطهير أحد الثياب فإن أمكن وجب تطهيره ليؤدي الصلاة بيقين بعينها المشهور من المذهب يقولون يصلي بعدد النجس ولو كثر ولو كان لا ينتهي من الصلاة إلا إذا دخل وقت الصلاة الثانية فلو قدرنا أنها مائة ثوب يصلي مائة صلاة واحدة إذا صلى صلاة الظهر يمكن يأتي العصر وما قضت وصلاة العصر يمكن يأتي المغرب ما خلصت.
القول الثاني لابن عقيل وكأن المؤلف رحمه الله يميل إليه لأن تعليله يدل عليه ولم يذكر سوى هذا القول قال يقينا من غير مشقة من ثم ذكر قول ابن عقيل وهذا يدل على أنه يميل إليه.
فصل
القاريء: في سؤر الحيوان وهو ثلاثة أقسام طاهر وهو ثلاثة أنواع أحدها الآدمي متطهرا كان أو محدثا لما روى أبو هريرة.
الشيخ: أولا هل تعرفون سؤر الحيوان يعني بقية طعامه وشرابه
السائل: لما روى أبو هريرة قال ((لقيني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جنب فانخنست منه فاغتسلت ثم جئت فقال أين كنت يا أبا هريرة قلت يا رسول الله كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة فقال سبحان الله إن المؤمن لا ينجس)) متفق عليه.
وعن عائشة ((أنها كانت تشرب من الإناء وهي حائض فيأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيها فيشرب)) رواه مسلم.
الشيخ: في هذا تواضع النبي عليه الصلاة والسلام حيث يشرب من الإناء الذي قد شرب منه وكثير من الناس اليوم لا يشربون من الإناء الذي شرب منه وفيه دليل على محبته لعائشة رضي الله عنها ولهذا يشرب من موضع فمها وفيه أيضا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان مع أهله ومع زوجته خاصة أن يفعل كل شيء يقوي الصلة بينهما والمحبة ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم (خيركم خيركم لأهله).
القاريء: النوع الثاني لحمه فهو طاهر بلا خلاف.
الثالث ما لا يمكن التحرز منه وهو السنور وما دونها في الخلقة لما روت كبشة بنت كعب بن مالك قالت ((دخل علي أبو قتادة فسكبت له وضوءا فجاءت هرة فأصغى لها الإناء حتى شربت فرآني أنظر إليه فقال أتعلمني يا ابنة أخي قلت نعم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات)) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح دل بمنطوقه على طهارة الهرة وبتعليله على طهارة ما دونها لكونه مما يطوف علينا ولا يمكن التحرز عنه كالفأرة ونحوها فهذا سؤره وعرقه وغيرهما طاهر.
الشيخ: النوع الأول الآدمي فسؤره لا شك في طهارته لأن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا وكذلك الكافر ونجاسة الكافر نجاسة معنوية.
الثاني ما يؤكل لحمه فهو طاهر بلا خلاف مثل البعير والدجاجة فسؤرها طاهر بلا خلاف.
الثالث ما لا يمكن التحرز منه وهو السنور وهذا صحيح ولكن انظر للقيد الذي ذكره المؤلف قال وهو السنور وما دونها في الخلقة ولو اقتصر على ما سبق وهو قوله ما لا يمكن التحرز منه لكان أوفق في الحديث لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل في الهرة (أنها من الطوافين) ولم يقل أنها صغيرة لو قال أنها صغيرة لكنا نقول إنه دليل على أن ما كان مثلها أو دونها في الخلقة فهو طاهر لكن قال من الطوافين لأن الطواف علينا الذي يكثر تردده ويشق علينا أن نتحرز منه ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أن العبرة بمشقة التحرز كما قال المؤلف رحمه الله في أول الأمر وأنه لا عبرة بالجسم وبناءً على ذلك يكون سؤر الحمار والبغل طاهرا لأن البغل والحمار مما يشق التحرز عنه فهما من الطوافين علينا وكذلك غيرهما إلا شيئا واحدا دلت السنة على نجاسة سؤره وهو الكلب فهذا وإن كان من الطوافين علينا ككلب الصيد والحرث والماشية فإنه يجب غسل ما ولغ فيه سبع مرات إحداها بالتراب وعلى كل حال على كلام المؤلف الأمر معلق بماذا؟ بالهرة فما دونها مع مشقة التحرز يعني أن المؤلف اشترط شرطين:
- مشقة التحرز.
- وأن يكون من الهرة فما دونها.
والصحيح أن العلة ما علل به النبي صلى الله عليه وسلم وهي (أنها من الطوافين علينا) فيشق علينا أن نتحرز منه.
السائل: الاستدلال في حديث أبي قتادة أنه مما لا يمكن التحرز منه مع أن أبي قتادة يستطيع أن لا يصغي لها الإناء فيتحرز منها الشيخ: لأنه لما حكم الرسول بأنها طاهرة صار لا فرق بين أن نختار أن تشرب من إناءِنا أم لم تشرب وإلا في هذه الحال لا شك أنه يمكن التحرز لكن الحكم على الأغلب والنادر يقول العلماء لا حكم له
القارئ: القسم الثاني نجس وهو الكلب والخنزير وما تولد منهما فسؤره نجس وجميع أجزائه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعا)) متفق عليه، ولولا نجاسته ما وجب غسله والخنزير شر منه لأنه منصوص على تحريمه ولا يباح اقتناؤه بحال وكذلك ما تولد من النجاسات كدود الكنيف وصراصره لأنه متولد من نجاسة فكان نجسا كولد الكلب.
الشيخ: القسم الثاني نجس وهو الكلب والخنزير ولا شك في نجاسة الكلب والخنزير لقول الله تعالى (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) (الأنعام: من الآية145) ولكن ليس كلامنا الآن على نفس الخنزير والكلب وإنما كلامنا على سؤر الكلب وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يغسله سبع مرات إحداها بالتراب والخنزير يقولون إنه شر منه ولكن هذا قياس فاسد الاعتبار لأن الخنزير موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ومع ذلك لم يأمر بالغسل سبع مرات من سؤره فالصحيح أن الخنزير حكمه حكم بقية النجاسات.
القارئ: قال الإمام الموفق أبو محمد رحمه الله القسم الثالث ..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم قبل أن نبدأ الدرس الجديد ذكر المؤلف فيما سبق أنه إذا اشتبه طهور بنجس فالواجب اجتنابه وأن يتيمم حتى يتبين له الأمر وذكرنا أن في المسألة قولا آخر وهو أن يتحرى إذا كثر عدد الطاهر ولكن هنا بحث هل المراد بالكثرة هنا الكثرة الكاثرة أو الزيادة ولو واحدا الصحيح من المذهب على القول بالتحري أن المراد بالزيادة ولو واحدة يعني لو كان الأواني الطاهرة خمسة والأواني النجسة أربعة فهنا يتحرى والقول الثالث في المسألة أنه يتحرى مطلقا إذا أمكن التحري بالعلامة يعني معناه أنه ينظر ويفكر فإذا وجد علامة تشير أو تؤشر إلى أن هذا هو النجس عمل بها وهذا القول هو الصحيح من مذهب الشافعية رحمهم الله وهو الصحيح عندنا وفيه قول آخر رابع أنه يتحرى وإن لم يكن هناك علامة فإذا غلب على ظنه أو ركنت نفسه إلى أحد الإناءين فإنه يستعمله ويكون هو الطهور وهذا القول يعني قد يكون له وجه لكنه ضعيف في الحقيقة لأنه إذا لم يكن له علامة فمجرد ميل النفس لغير سبب لا يؤثر بل لابد أن يكون هناك علامة يهتدي بها إلى الطهور ثم إنه لو فرض أنه تحرى وغلب على ظنه أن هذا هو الطهور وصلى ثم تبين أنه النجس فهل يعيد الصلاة؟ لا، لا يعيد الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر) انظر كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا الحديث ليس خاصا في الحكم بين الناس حكم القضاة بل هو عام في كل شيء فالإنسان إذا اجتهد فقد فعل ما أمر به فإذا بان الأمر على خلافه فليس عليه شيء وينبغي أن نعلم أن القول بالتحري مقيد بما إذا لم يمكن تطهير أحدهما بالآخر فإن أمكن تطهير أحدهما بالآخر وجب وكيف يمكن؟ مثل إذا كان الإناءان كل واحد منهما قلتان فيمكن أن يطهر أحدهما بالآخر وفي غير هذه الصورة لو كان أحدهما أقل من القلتين فلا يمكن تطهيره أو إذا كان عنده طهور بيقين فإنه لا يجوز التحري لأن التحري إنما