التوبة وحكم مرتكب الكبيرة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فهذا مجلس جديد في الجامع في عقائد ورسائل أهل السنة والأثر، أصول السنة للإمام أحمد رواية عبدوس العطار، وقد وصلنا عند الفقرة السابعة والثلاثين واليوم سيكون الحديث عن أصحاب الكبائر.
يقول المصنف رحمه الله: «ومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائبا غير مُصـرٍّ عليه، فإن الله يتوب عليه، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا، فهو كفارته، كما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن لَـقِيـَه مُصِـرّا غير تائب من الذنوب التي استوجب بها العقوبة فأمره إلى الله، إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له، ومن لَـقِـيَـه وهو كافر عذّبه ولم يغفر له»
هذه فيها مسائل مهمة جدا اليوم ونحتاج إلى النظر، الحمد لله الإمام فصل جدا، عندنا عدة حالات الحالة الأولى: إنسان وقع في كبيرة أذنب ذنبا ووقع في كبيرة ذنب يستوجب النار يعني ورد في النصوص أنه مستوجب لدخول النار، ولكنه تاب فهذا الله - عز وجل - يتوب عليه، نحتاج إلى تحرير عدة مفاهيم المفهوم الأول: ما هي الذنوب المقصودة هنا؟ في صنعة التعريف إذا أردنا أن نعرف شيئا أحسن طريقة أنك تعرف قسماءه وسيأتي القسيم.. في ذنوب كفر مخرج من الملة وسيأتي الحديث عليها، وفي صغائر، وفي كبائر، ولا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار كما روي عن ابن عباس، الكبائر المقصودة في كلام الإمام ما حدها؟ يعني ما تعريفها؟ قيل كل ذنب توعد عليه بحد مثل: أمر الخمر والزنا.. أو وعيد بالنار مثل: قضية قتل المسلم ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:93] لأنه قتل المسلم ما فيه حد صريح لا.. في قصاص قد يُعفى، أو لعن مثل: أكل الربا، وكل ما سوى ذلك من الصغائر لكن لا تستهن فالصغائر كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إياكم ومحقرات الذنوب)) فضرب لهم مثلا قال ((فإن مثلها كمثل قوم نزلوا بواد ولم يكن معهم ما ينضج طعامهم فجاء ذا بعود وذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به طعامهم)) فهذه مسألة مهمة لما نقول: صغائر وكبائر، هذا لا يعني الاستهانة بالذنوب ولا التهوين من شأنها، بل بالعكس الكبائر لا تأتي دائما مباشرة وإنما تأتي عن طريق الصغائر، طيب.. عندنا سؤال: ما الدليل على التفريق بينهما؟ الدليل قول الله عز وجل ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32] فدل على أن اللمم معفو عنه إذا كان في حقيقته لمما.. يعني إنسان عاش حياته متحرز من الشرك ومتحرز من الكبائر لكن تصدر منه بعض الصغائر لأنه لا أحد كما يقول ابن مسعود وهو يرتجز في السعي: إن تغفر اللهم تغفر جما وما من عبد إلا وقد ألما، وكما روي عن الإمام الشافعي: ما من عبد إلا أذنب أو ألم إلا يحيى بن زكريا.
لما عرفنا الفارق بين الكبائر والصغائر وأثر الكبائر وأثر الصغائر نأخذ لنا مسألة هكذا على الهامش فيما يتعلق بأنبياء الله تبارك وتعالى، أنبياء الله - تبارك وتعالى - معصومون من الكفر والشرك اتفاقا، هل هم معصومون من الكبائر؟ هذا عليه عامة الناس ويدل عليه الآية ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32] طيب.. والأنبياء وعدهم الله بالجنة إذن هم هذه صفتهم، وقد أجاز بعد المتكلمين عقلا وقوعهم في الكبائر وقال: ليس ثابتا نقلا، مثل الباقلاني، وطبعا هناك بعض الإشكالات فيما يتعلق مثلا بخطيئة آدم - عليه الصلاة والسلام - ومن الناس من يقول: هذا قبل النبوة أو قبل نزوله إلى الأرض وغير ذلك أو أنه وقع منه الأمر على جهة تأول أو أو.. وهل الأنبياء تقع منهم الصغائر؟ هذا الذي عليه عامة أهل السنة خلافا لجمهرة الأشعرية، والإمامية.. ووردت آثار عن السلف: إنما كانت خطيئة داوود النظر، وورد الاستغفار فورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ((اغفر ذنبي كله دقه وجله علانيته وسره)) ولا داعي لحمل النصوص على ما سواها، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية أن مقام التوبة مقام عظيم ولم يرد الله - عز وجل - أن يخلي أنبياءه من هذا المقام، ثم إنهم قدوات فكان ينبغي أن يقتدى بهم في هذا المقام العلي: مقام التوبة، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222] لحكمة هذا الأمر.
طيب، الآن نرجع إلى قسمتنا الأصلية.. عندنا إنسان يفعل الصغائر ولا يصر ويترك الكبائر ويترك الشرك.. هذا إنسان ليس محل بحث أهل الملة كلهم متفقين على أنه ناج عند الله - عز وجل - بلا نزاع، عندنا صنف ثان: صنف وقعت منه الكبائر ولكنه تاب أو أصر على الصغائر، ولكنه تاب.. هذا أيضا أهل الملة لا يختلفون في نجاته ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53] كما ورد في الحديث الصحيح إن قوما من أهل الجاهلية جاءوا إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانوا في الجاهلية قد فعلوا أمورا عظيمة، فقالوا له: إنما جئت به حق يا محمد غير أنه هل يغفر لنا ما فعلناه في جاهليتنا؟ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53] هذا الآن ما هو محل خلاف، لكن في مشكلة في هذا البحث ألا وهي توبة القاتل.. وردت آثار عن عبد الله بن عباس واعتمدها الزمخشري في مذهبه في الكشاف وغيرها أن القاتل لا توبة له، وقد ورد أيضا عن ابن عباس ما يخالف هذا في الأدب المفرد للإمام البخاري - رحمه الله - أنه جاءه رجل وقال له: إني خطبت امرأة فما رضيت بي فخطبها رجل آخر فغرت عليها فقتلتها، فقال له عبد الله بن عباس: هل لك أم؟ قال: لا، قال: ألك خالة؟ قال: نعم، قال: فبرها، وهذا دليل أن ابن عباس يرى التوبة، إذن ما الجمع؟ ووردت أخبار ذنبان لا كفارة لهما وذكر منهما القتل، وورد أيضا في الآية ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93] معنى أن القاتل لا توبة له بمعنى أن الذنوب يتعلق بها حقان: حق الله تبارك وتعالى، وحق المخلوق، وكما ورد في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ((من كان له مظلمة عند أحد فليستحله قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم وإنما الحسنات)) المقتول هذا خلاص ذهب فبقي حق الله والتوبة وأما المقتول فلا بد أن يأخذ حقه ((وأول ما يقضى بين الناس في الدماء)) وإلا فالله - عز وجل - قال ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: 178] في قضية القصاص، فهذا استدلوا به على إثبات إسلام القاتل، ولما حث الله - عز وجل - على العفو عنه دل أنه له مجال أن يعفى عنه في الآخرة، وأيضا الله - عز وجل - قال:﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] فسماهم المؤمنين، وجماعة الأخوة الإنسانية لا يمضي معهم هذا الاستدلال راح يقولون لك: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ هذا أخوه في الإنسانية، فسيبقى القاتل عندهم كافرا، لا.. وأيضا مع الجمع ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53] هذا الإشكال اليسير المتعلق بهذه الجزئية.
أين يبدأ الخلاف بين المنتسبين للملة؟ يبدأ الخلاف في الصورة التالية وذكرها الإمام ألا وهي: إنسان وقع في كبيرة وما تاب ثم بعد ذلك منهم من أقيم عليه الحد ومنهم من لم يقم عليه الحد، طيب إذا أقيم عليه الحد؟ - من الذنوب الكبائر التي فيها حدود - ورد حديث عبادة بن الصامت أنه من أصاب شيئا من هذه الحدود فأقمنا عليه كتاب الله فذلك كفارة له، وهذا مهم جدا جدا جدا في نقض كثير من الشبهات المتعلقة بالحدود.. كثير من الناس يستشنع الحدود بناء على معنى ألا وهو أنه أصلا يقدس الإنسان ولا يؤمن بالآخرة، فلما كان يقدس الإنسان لمجرد أنه إنسان ولا يؤمن بخالق ولا يؤمن بآخرة فالحدود ستكون عنده فيما يرى شديدة، ولكن هذه الحدود لو كان معناها النجاة في الآخرة من وبال هذا الذنب فهذا أمر هين وإن رآه الناس شديدا؛ لهذا كان لما يأتون للنبي - صلى الله عليه وسلم -في بعض القصص كقصة الغامدية وغيرها تقول له: طهرني، فاعتراضك على الحدود الشرعية مبني على أيش؟ مبنى على أساس كفرك بأصل الدين فلو كنت مؤمنا بأصل الدين ما استشكلت الحدود، فمحاولة طعنك في الدين بناء على كفرك بأصله هذا استدلال دائري، يعني أنت أيش مشكلتك مع الدين؟ أنا مشكلتي مع الدين قيمة معينة هذه القيمة لا يكون اعتراضك ذا بال إلا إذا كان الدين أصلا باطلا.. كأنك تسأله تقول له: ليش الدين باطل؟ يقول لك: لأنه باطل، هي هكذا.. وهذا أهم إشكال دائما يطرحه المعترضين على تحكيم الشريعة في باب الحدود، فباب الكفارة هذا مهم، وأيضا حتى في عموم الأبواب اللي نحن نتحدث عنها اللي فيها شدة وفيها غلظة وفيها وفيها.. فهذه هي الرحمة، ولهذا نحن نرى أن كثيرا من المشاكل والمصائب تحصل بعد أمور شديدة قال الله عز وجل: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216] تعرفون قصة موسى والخضر..
هذا بالنسبة للفرد وإلا الحدود فيها منفعة لعموم الناس، يعني اليوم نحن يوم الجمعة الناس تقرأ قصة موسى والخضر أنه هنا قتلت نفس، وهنا خرق السفينة.. لكن هذا كان فيه منفعة الأكثر ومنفعة الأعظم، طبعا هذا رب العالمين أنه يجعل الخير في باطن الشر والشر في باطن الخير هذا فيه نقض على مذهب المجوس اللي يؤمنون بخالقين منفصلين: خالق النور، وخالق الظلمة، يقول لك: خالق النور هو الذي يخلق الأشياء الطيبة وخالق الظلمة هو اللي يخلق الأشياء الخبيثة.. فأنت إذا وجدت شيئا في باطنه خبيث وشيئا خبيثا في باطنه طيب فتعلم أن الخالق واحد لأنه ما يصير اثنين اشتركوا لأنه إذا اشتركوا في واحد فسيغلب أحدهما الآخر فالثاني لن يكون إله، حتى هذا المتنبي له بيت فيها "وكم لظلام الليل عندي من يد تخبر أن المانوية تكذب" المانوية اللي هم هؤلاء الجماعة المجوس.
موضوع المغفرة موضوع هذا يقول به عموم أهل الملة.. جاءت طائفة اللي هم المعتزلة والخوارج - على اختلاف بين أقوالهم - وقالوا: بأن أصحاب الكبائر يخلدون في نار جهنم إن لم يتوبوا، طيب عندنا في القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] هم ماذا قالوا؟ قالوا: إذا تاب، لا.. ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ التائب في العادة ذنبه مغفور ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53] ثم إن الشرك نفسه إذا تيب منه يغفر أيضا فلا وجه للاستثناء، هم من أين جاءتهم الشبهة؟ على خلاف بينهم وهذا ما تميل إليه الإباضية اليوم أنه صاحب الكبيرة يعامل في الدنيا معاملة المسلم لكنه في الآخرة خالد مخلد في النار إن لم يتب -يعني حتى لو أقيم عليه الحد - فنفهم أنه الأمر السابق يرد عليهم، من أين جاءت الشبهة؟ جاءت الشبهة بالأخبار من فعل كذا فهو في النار من فعل كذا فهو في النار من فعل كذا فهو في النار.. ثم جاءوا إلى الآية ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167] فقالوا من دخل النار ما خرج منها، فهمت؟
ولهذا كان عندهم مشكلة مع أحاديث الشفاعة ورأوها مخالفة للأحاديث الأقوى فيما يرون فمسألتهم يعني كما يرون ترجيح بين الأدلة، وكما شرحنا دائما أن طريقة العلماء الجمع بين الأدلة لا إسقاط بعضها دون بعض، وطريقة الجهمية الزنادقة عدم الاعتداد بالأدلة والتعويل على العقل.. يعني مثلا الرافضة أيش يسووا؟ يرى فضيلة لعلي ويفترض أنه فضيلة علي هذه تقتضي إسقاط كل فضائل الصحابة الآخرين، يعني هو باني عدة بنيات: أنه الصحابة اغتصبوا حق عليا وأنه وأنه.. - هذا وجه البدعة عندهم - أهل السنة لا.. يؤمنون أن علي له فضيلة وأن الصحابة الآخرين لهم فضيلة وأنهم متفاضلون وأنه الصورة اللي في ذهنك هذه كلها غير سليمة.
يعني حتى بعض الناس - وسنتحدث عن حكمهم - يقول لك: ليش الخوارج والمعتزلة ما كفروا بهذا القول؟ - مع أنه المعتزلة كفروا بأقوال أخرى - في فرق بين قول المعتزلة والخوارج؟ في فرق، المعتزلة يرونه منزلة بين المنزلتين لا يصرحون بأنه كافر، الخوارج يقولون: لا، هو كافر، الإباضية يقولون: كافر كفر عملي وفي الآخرة خالد مخلد في النار وفي الدنيا نعامله معاملة مسلم، طيب.. في الآخرة المعتزلة يقولون: لا، شوف في منزلة في النار تبع عصاة المسلمين الكفار تحتهم والمنافقين تحت في الآخر في الدرك الأسفل من النار، الجبائي من المعتزلة توسط بين أهل السنة وبين الخوارج والمعتزلة قال لهم: تعالوا أنا أجيب لكم حل، قال: أنتم غلطانين وأنتم غلطانين أنا سأختار قولا ثالثا، قالوا كيف؟ قال: في موازين يوم القيامة صح؟ في ميزان وفعلا الميزان يدل على أنه مو كبيرة واحدة تحبط كل الأعمال، قال لك: فتوضع الحسنات وتوضع السيئات فاللي تغلب سيئاته خالد مخلد في النار واللي تغلب حسناته تسقط الكبائر، - حتى قول كأنه بعض الإباضية هذه الأيام - طبعا حديث البطاقة وأخبار كثيرة…
ولهذا يزيد الفقير وطلق بن حبيب لما كانا إباضيين خارجيين ذهبا إلى مكة في الحرم وكان هناك جابر بن عبد الله، فحجا وأرادا الخروج بعد الحج فوجدا رجل يحدث بحديث الشفاعة أن أناس يدخلون النار ويخرجون منها بعدما امتحشوا ويوضعون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في السيل، فاعترض يزيد أو طلق - وهما كلاهما صارا من ثقات الحديث الكبار - قال له: يا شيخ، انظر ما تحدث! الله يقول: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167] - ركز! - يقول له: الله يقول: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ، فقال له جابر: ما كَذبت ولا كُذبت أنا جابر صاحب رسول الله - طبعا جابر عمّر - قال له: وقد سمعت هذا الحديث من رسول الله، فلما رأوا جابر ورأوا هيبته ورأوا صدقه ورأوا كذا اتهموا أفهامهم وكانت هذه هدايتهم وأن هذه الآيات أصلا واردة في كفار مو واردة بأصحاب الكبائر - تابا من قول الخوارج وطلق صار مرجئ بعدين - فهذه هي القصة، يمكن لهذا ابن عمر يقول: يأتون إلى آيات نزلت في المشركين وينزلونها على المسلمين، استوعبت الموضوع؟ لكن أمر الكبائر ما هو سهل.. طبعا وحديث ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) ليس في الصحيحين.
اليوم من الناس من ينكر الشفاعة مع أنه واردة في القرآن أنه الملائكة يشفعون ويستغفرون للذين آمنوا، أيش معنى الشفاعة؟ طلب من الشافع للمشفوع له عند المشفوع عنده لكن الشفاعة الأخروية فيها إشكال على التوحيد؟ لا.. الشفاعة في الإسلام تؤكد التوحيد خلافا لما يفهم الآخرين.. كيف هذا؟ أول شيء ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44] الشفاعة الله - عز وجل - وضع لها شروط حتى النبي لا يستطيع أن يشفع لمن شاء.. لها شروط.. يعني يسألونه الشفاعة يقول: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) ، ((صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي: كل إمام ظلوم غشوم، وكل خارج مارق غال)) وأيضا ذكر في من يغل من الغنيمة، طيب كونك أنت تنطبق عليك شروط الشفاعة أو لا تنطبق هذا ليس بيد النبي؛ لهذا يوم القيامة النبي لا يشفع لكل الناس والله عز وجل يخرج بقبضته أقواما لم تنالهم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، فأول شيء الشفاعة شيء أعطاه الله - عز وجل - لهؤلاء بشروط وهذه الشروط لابد أن تتوفر في حق المشفوع له والنبي نفسه ليس بيده أن تكون أنت متوفرة فيك الشروط أو لا هو يأتي وينظر ويجدك متوفرة فيك الشروط أم لا هو يأتي وينظر ويجدك متوفرة فيك الشروط؛ لهذا يقول لأولئك ((بعدا بعدا سحقا سحقا)) ما يستطيع يشفع لهم، من أحظى الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ - إذن الصحابة يفهمون أنه لا يشفع لكل الناس - قال: ((من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه)) ثم يظهر أن الله - عز وجل - أرحم بنا من كل من يشفعون.. ولّا صلاة الجنازة أيش معناها؟ ((إلا شفعوا فيه)) صح؟ إذن هو في الأساس استحق شيئا استحق عقوبة ثم هم بدعائهم له غفر له، رأيت؟ فهذا إن شاء عذبه وإن شاء غفر له..
طيب، قلنا اللي يقام عليه الحد هذه كفارة له، طيب إذن أنا لو أصبت حدا أولى لي أن أبرز نفسي لولي الأمر ليقيم علي الحد - يعني إن كان ولي أمر يقيم الحد - أم أستر على نفسي؟ إن كنت ضامنا من نفسك التوبة فاستتر على نفسك أولى مثلما قال النبي لهزال في حق ماعز ((لو سترته بثوبك يا هزال)) ومثلما النبي كان يأتيه يعترف الإنسان بالحد فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يسكت وينتظر.. انتظر ماعز يشهد ثلاث مرات وكره ذلك منه وقال ((استنكهوه)) يعني شنو استنكهوه؟ يعني انظروه شرب خمرا أم لا، يعني نقيم عليه حد الخمر أحسن ما نقيم عليه الرجم.. ولهذا هذه الأحاديث الجميلة هي نفسها أحاديث الرجم، فتجد واحد مثل عدنان إبراهيم يستدل فيها إذا جاء يثبت هذه المعاني الجميلة ويدفعها إذا جاءت تثبت الرجم علما أنه الرجم… وسيأتي الكلام عن الرجم الدرس القادم لكن إشارة بس في موضوع الحدود.. نحن في الدنيا نرى شرا طبيعيا أليس كذلك؟ ونعرف مآله و.. إلخ يعني في أمور مثل البراكين طلع فيها خير، الألم.. وهكذا، صح؟ أيضا نعلم أن الله - عز وجل - لا يخلق الشر المحض، كثير منهم لما يجي يناقش الملاحدة في معضلة الشر يقول لهم: أصلا الشر هذا يولد خير وأن الضد يظهر حسنه الضد وكذا ويذكر حكم، صح ولا لا؟ لما يأتي عند بعض الأحكام الشرعية مثل الحدود أو غيرها أو غيرها تجده لا يرى فيها خيرا ويحاول أن يدفعها من الشريعة، هذا تناقض! يعني واحد مثل عدنان إبراهيم عمل خطبة - طبعا هي فيديو باليوتيوب أخذه وسواه خطبة - شنو الفيديو؟ الفيديو هذا أيش قصته؟ أيش فكرته؟ فكرته أنه دورة الحياة والكائنات الحية أنه هذا يتغذى على هذا وهذا يتغذى على هذا تنفعنا في النهاية نحن معاشر البشر، كيف هذا؟ أنه في مكان معين كان في ذئاب والذئاب هذه كانوا يأكلون بعض الحيوانات الأليفة فالناس رأوا أن يفنوا الذئاب فأفنوها قتلوها، فهذه الحيوانات تكاثرت حتى طغت على الحياة الخضراء وأكلت العشب فشح المطر وصار تصحر وصارت بلاوي سوداء.. فطلعت الذئاب أصلا كانت تنفعنا لما كانت تأكلهم.
لهذا يعني بهذا الشكل معلومة على الهامش كثير مما يحصل في أفريقيا بقضايا المجاعات وكذا وكذا سببه اللي هو جلود النمور وجلود المش عارف أيش فهذه الحيوانات يتم قتلها بشكل جائر ومستمر فيصير اختلال توازن بيئي فتصبح الحيوانات الأليفة كثيرة فتصير تأكل وتبلع الحياة الصحراوية ككل، لهذا مثلا ماو تسي تونغ هذا تبع الصين مات تقريبا من عشرين لأربعين مليون بسبب فكرة غبية مثل هذه، أيش سوى؟ قال: اقطعوا الأشجار وشردوا الطيور- على أساس يريد يخليها حياة صناعية - فقال اقتلوا الطيور.. الطيور ما تأكل المحاصيل ما فيها شيء، الطيور طلعت تأكل الجراد اللي يأكل المحاصيل فجاء الجراد وأكل المحاصيل ومات في الصين ما أدري كم مليون واحد، فأنت الآن تفهم أنه في شيء أنت ممكن بكل سفه تنظر له أنه والله هذا كأنه فيه ضرر لكن يكون فيه منفعة عظيمة لاحقا، فما بالك الحرب على شيء لا أخلاقي مثل الزنا والخيانة.. هذه بس حاجة على الهامش.
أيضا لما قال الإمام أحمد: «مصرا» نقطة الإصرار هذه تحتاج إلى تحرير، الإصرار إصراران: إصرار عملي أنه دائما يفعل، وفي الإصرار اللفظي أنه أعلم أنه حرام ولكن سأفعله، ورد عن الوليد بن عقبة بن أبي معيط أنه قال: "أعلم أن الخمر حرام ولكن سأشربها" - يعني ضعفا - هذا لا يكفر لكن بعضهم يقولها عنادا واستكبارا إن قالها عنادا واستكبارا واحتكارا للشريعة هذا يكفر لكن لا بد أن نفهم مراده، أما من قالها ليبين ضعفه هذا لا يكفر ولكن ينبغي أن يوعظ وأن ينبه وأن يقام عليه الحد إن أمكن ذلك، فعلى الإطلاق المصر لا يكفر لكن مرات الإصرار يقترن به أمر آخر اللي هو احتكار الشريعة.
في نقطة استحلال الكبائر المجمع عليها.. كبائر مجمع عليه فيجي واحد يقول: هذه حلال، يعني شنو حلال؟ يعني يبيع ويشتري فيها؟ لا.. مو استحلال هذا، يعني يسمح فيها؟ لا، مو استحلال مجرد السماح.. مرات بعض الدول الإسلامية يسمحون بالكنائس يعني يصالح الكنيسة على أن تبقى الكنائس على ما هي عليه مثلا هذا مو استحلال، الاستحلال أن يقول: هذا حلال، أو أن يقول: هذا عدل أو هذا حق.. نقطة مهمة! لهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: متى حلل الحرام المجمع عليه، طيب ما الدليل على التكفير لمن يستحل الحرام المجمع عليه القطعي؟ لأنه ممكن إنسان يستحل حراما بتأويل، دليله الرجل الذي تزوج امرأة أبيه والحديث صحيح يعني لمن يحاول أن يضعفه هذا حديث ثابت، أنه كان من عادة الجاهليين إذا مات الرجل وله زوجة فيأتي ابنه من غيرها ويأخذها عادي ويتزوجها ويعتبرها جزء من الميراث يلقي عليها ثوبه، فواحد من الجاهليين فعل هذا وهو هذا فعله في الإسلام فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قتله وجعل ماله فيئا للمسلمين يعني اعتبره مرتدا، اللي يقول لك: هل النبي ما قتل ولا مرتد؟ يجاب له هذا الحديث.
حتى الصحابة لما هؤلاء أنكروا وجوب الزكاة قاتلوهم وقالوا عنهم مرتدين لكن اليوم ضابط الاستحلال عند كثير من الناس مشوش فعند بعضهم الاستحلال مجرد السماح، الاستحلال التعامل بالموضوع، الاستحلال.. في أحيانا تتردد مثل من يسمي المكوس: حق الإمام، اختلف العلماء هل يكفر أم لا يكفر، لكن اللي يجي يقول لك: هذه حضارة وهذا تقدم وهذا كذا ومثل هذه العبارات اللي يطلقها عدد من العلمانيين في عدد من الأحكام المخالفة للشريعة بشكل قطعي هذا في الواقع كفر، غير الإنسان المسلم اللي يجي يقول لك: والله أنا مذنب لكن الله يهديني، أو أنا مذنب وما لك علاقة بي.. بيني وبين ربي.. عسى أن يغفر لي ربي.. غير اللي يجي يثني على هذه الأمور بثناءات تدل على أن فعلها خير من تركها دنيا وآخرة أو على الأقل يعني يقول لك: هذا الأصلح والأنجح والأفلح، ممكن لو جاء بعضهم يقول لك: "اضطرار" هنا بحث آخر، لو جاءك وقال لك: أنا مضطر للشيء الفلاني.. يعني مثلما حصل من يحيى بن معين رأى نفسه مضطر للإجابة في المحنة تأويله كان باطلا لكن أحمد ما كفره لكن أحمد هجره وشرح له الأمر.
وهذه مسائل يعني عميقة واليوم عامة الناس يبحث فيها بانفعال اللي مع أو ضد، ولما نقول أن الشيء الفلاني ليس كفرا ليس معناه أنه والله افعلوه أو هذا أمر طيب أو هذا أمر كذا.. لا، وهذا أصلا يعني من اعتدال أهل السنة أنهم ما هم مثل الجماعة الإنسانويين أو المنحلين.
طيب والمرجئة أيش قالوا؟ المرجئة قالوا: يقام الحد وفي الآخرة تحت المشيئة، المرجئة مثلنا بكل شيء بس أيش مشكلتنا معاهم؟ المرجئة قالوا: فاعل الكبيرة هذا مؤمن كامل الإيمان، بس.. السلف اعتبروا هذا أكبر إجرام في وقتهم قبل أن يظهر إرجاء الأشعرية، هذا عند السلف قالوا: تركوا الدين أرق من ثوب سابري، قال إبراهيم النخعي أنهم أشد من الأزارقة، طيب ليش؟ لأن وصفك له بأنه فاسق هذا من حكم الله ومن التعزير اللفظي والتعزير اللفظي هذا له أثر عظيم على النفوس، واليوم هذا الإرجاء المعاصر بحجة أدب الخلاف يعامل الفاجر مثل كلام المرجئة الأولى.. كل الناس فضلاء، كل الناس علماء، كل الناس زينين، كل الناس أحترم رأيه.. هذا باطل! هذا إرجاء أخبث من الإرجاء القديم.
بالنسبة لموضوع الأغاني - يعني جاء سؤال عن موضوع الأغاني - في أمور عليها إجماعات قديمة لكن أدلتها ما هي واضحة لها صور… مثلا العياض في الشفاء ذكر أن مستحل الأغاني كافر عندهم، وأناس استغربوا قالوا: طيب هي في خلاف وفي ناس استحلت طيب قربهم للبدعة.. الشافعي نفسه مسألة إتيان المرأة في الدبر وكذا قال: هذه أنا ما أكفر فيها، الغناء.. لكن بعض الناس استحلها بشبهات ضعيفة، أنا تخريجي لمثل هذا الكلام أنه مثلا الغناء اللي نراه اليوم أنه والله مطربة متعرية وواقفة تغني بكلام الغرام.. هذا مستحله كافر.. هو خلاص شيء واضح، أما اللي يكلمك عن الغناء حتى لو رجل يغني حتى لو بمعازف لو كذا هذا اللي تأول فيه بعض الناس.. ففي صورة حقيقة ما في إنسان يعني عنده أدنى ذوق في معرفة الشريعة ممكن يستبيحها، يعني حتى ابن حزم قال: التلذذ بنغمة الأجنبية حرام، الله - عز وجل - قال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: 32] هو حتى ابن حزم اللي يبيح قال هذا الموضوع، فاللي يقول لي: والله أنا أسمع ست الحبايب يا حبيبة تحث على بر الوالدين! لا ويقول لك اللي يحث على صلة الرحم: زروني كل سنة مرة بلاش تنسوني... يقول لك: الغناء الهادف.
طيب، ما هي كفارات الذنوب بالمرة؟ لما تكلمنا على الكبائر وعلى الصغائر وعلى كذا.. طيب الإنسان اللي عنده كبائر وما تاب ولا أقيم عليه الحد ممكن يغفر له؟ ممكن، اللي هو بعذاب القبر.. بدعاء الناس له.. والله - عز وجل - يقول: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: 51] ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ ۚ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ [الأنبياء: 45] الله - عز وجل - لما أنزل علينا القرآن ما قال لنا اتركوا القرآن وروحوا اسمعوا أغاني أو روحوا سووا كذا وكذا، ولهذا أنا أسخر من هذا الرجل المنتسب للعلم لأنه إنسان كما قال أبو زرعة الرازي: من لم يكن كتاب الله واعظه فلا اتعظ، لهذا شيخ الإسلام ابن تيمية عرضوا عليه قصة رجل كان يأتي إلى قطاع طريق، قطاع طريق مسوين كل البلاوي، فتوبهم بالتغبير - التغبير تبع الصوفية هذا الغناء والرقص تبعهم وكذا - فشيخ الإسلام قال: هذا رجل جاهل، وله فتوى جميلة جدا في هذا الموضوع وتكلم على أنه الوعظ ينبغي أن يكون كما أمر الله ورسوله وكما بين الله ورسوله، ولهذا قيل: الفقيه من لم يقنت الناس من رحمة الله ولم يجرؤهم على معاصي الله ولم يترك كتاب الله إلى ما سواه، كتاب الله.. سير الصالحين.. إلخ هذا هو المأذون به في الوعظ، أما مثل هذه الأمور: يحث، يحث.. يعني حقيقة خصوصا موضوع الغناء أكثر من يتأثر به من؟ الأطفال والدواب والنساء، فالله يبارك فيك أنه أحيانا في هذا نوع من الميل للهو ونوع من خفة العقل؛ ولهذا لازم ما نعود الشباب أنه يصير ما يتأثر إلا بهذا الزخم على أذنه وهذا الإفراط العاطفي، يعني وفي القرآن يُتلى القرآن وهو يرتل، يرتل ويحسن ما في مشكلة، ولكن في الوقت نفسه لا بد أن تتدبر، هم دائما يتأثرون بالنغمة لا يتأثر بأمر التدبر.
عموما هذه هي الخلاصة في الباب وإن شاء الله نكون أحطنا قدر المستطاع بالمحاور، هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.