ترك المراء والجدال والخصومات في الدين
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فهذا مجلس جديد في الجامع في عقائد ورسائل أهل السنة والأثر - الثالث - في قراءة رسالة أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
وقد وصلنا عند الأصل الثالث: وترك المراء والجدال والخصومات في الدين.
الأصلان الماضيان قلنا أنهما خلاصة السلفية: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم، وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة.
ثم ذكر أصلين يليانهما هما السياج الذي يحاط بهذه السلفية، يعني كيف تحافظ على سلفيتك فقد تكون عندك أصول صحيحة، ولكن هناك أهواء تدخل عليك تحملك على البدعة والضلالة، وعلى مخالفة طريق الصحابة الكرام.
«وترك المراء والجدال والخصومات في الدين»
هذا الأصل أولا هل للإمام أحمد كلام فيه؟ نعم، هو كان يرفض المناظرة في أمر القول بخلق القرآن حتى جاءوا به عند السلطان ثم ناظر كأحسن مما يكون.
ثم هذا الأصل هل عليه أدلة من النصوص الشرعية؟
ثم بعد ذلك ما مأخذه النظري؟
ثم ما أهم التشويشات التي يشوش بها عليه؟
أما بالنسبة للنصوص فيستدل بمثل قوله ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِ﴾ [الأنعام: 68] فسرها عدد من المفسرين على أهل الأهواء، أو الخصومات في الدين.
وورد في الحديث ((المراء في القرآن كفر))
وورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على الصحابة الكرام وهم يتدارءون في أمر القدر، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان وقال: - صلوات الله وسلامه عليه - بهذا أمرتم؟! إنما أهلك من كان قبلكم مثل هذا، ثم نهاهم عن قضية المراء والجدل.
طيب ما المقصود بالمراء والجدال والخصومات؟ المقصود هي المغالبات، حين يتحاور الناس في أمر الدين على قلة من العلم أو التقوى ثم يرجو كل واحد منهم أن يغلب صاحبه فيقع المرء فيهم في المحدثات لئلا يظهر مخصوما.
روى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن مسلم بن يسار التابعي الجليل أنه قال: أن ساعة المراء هي الساعة التي يبتغي بها الشيطان زلة العالم.
وقد يكون المرء صالحا في نفسه، ولكنه في ساعة المراء يدخل عليه الشيطان مدخلا فيقع منه ما يقع في شأن أخيه، وسموها خصومات لأنها تؤول إلى لخصام بين الناس كما في حادثة الإفك لما كان سعد بن عبادة رجلا صالحا وقال ذاك الرجل الآخر كلاما شديدا في ساعة مراء.
ومعلوم حديث ((كاد الخيران أن يهلكا)) في أبي بكر وعمر لما حصل بينهما تدارؤ بسيط يعني يقع، فإذا كان هذا في شأن أبي بكر وعمر فما بالك بمن هو دونهم.
من الناس من يشوش على هذا الأصل ويقول..
أول تشويش أن يقول: أن المناظرة واردة في القرآن الكريم، وأن إبراهيم حاج ذاك الرجل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: 258] وأن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب المشركين وأن الأنبياء خاطبوا أقوامهم.
فيقال: أن مثل هذا الضرب، مثل هذا النوع لا أحد ينكره ولا أحد يتحدث عنه، وحتى مناظر ابن عباس للخوارج ومناظرة عدد من العلماء على مر التاريخ، ولكن المناظرة لها شروطها وضوابطها التي سنتحدث عنها والتي إذا ما فقدت كان الأمر مراء وجدالا وخصاما.
فأولاً - ينبغي أن يكون الحوار على علم، وتخاطب إنسان بينك وبينه أصول، أو تتحدث معه في الأصول نفسها، لا أن تأتي إلى إنسان ليس بينك وبينه أصول ثم تناقشه في الفرعيات، ولا تأتي لإنسان جاهل لا مذهب له أصلا.
لهذا الإمام الشافعي رحمه الله يقول: ما ناظرت عالما إلا وخصمته وما ناظرني جاهلا إلا وخصمني.
أقول: وذلك أن العالم تلزمه بأصوله، بأقواله في المسائل الأخرى، أن العالم يتقي أن يرتكب رقاعات يرتكبها الجاهل فالجاهل قد يدخل في أطوار من المماحكة عظيمة فلربما قد يصل به الأمر أنك ممكن تأتيه بحديث صحيح متفق عليه فيقول لك: وما يدريني أنه صحيح؟! مماحك!
ممكن تأتيه بآية في القرآن ويقول لك: وما يدريك أن هذا هو الفهم الصحيح! وهو الفهم الصحيح.
فلا يعرف أصولا، لا يعرف فروعا فكيف تلزمه؟ ويماحك وبعضهم قليل تقوى.
إن مثل هذا الحديث معه مضيعة عمر، فيأتون ويقولون بعضهم "قال" بعضهم يحتاج إلى موعظة، لا يحتاج إلى نقاش.
الأمر الثاني: أن تكون بمرجعية واضحة، ويكون هو واضح ما قوله وما مذهبه لا أنه يأتي فقط يحقق معك ويسألك وأنت لا تعرف.
زيادة على ذلك: أن يكون الحوار بعد استفراغ الجهد في طلب العلم لا على جهة الكبر عن التعلم؛ فإن من الناس من هو لم يستفرغ جهده في العلم ثم يذهب ويناقش، ولماذا يناقش؟ ولماذا يناظر؟
منهم من يطلب شهرة كأمر صبيغ لما يسأل عن متشابه القرآن، ومنهم من يستكبر عن العلم والتعلم فيجد السبيل الوحيد لأن يتعلم أن يجادل ويماحك ويظهر للإنسان المخالفة.
وكان في أيام اليونان فيلسوف اسمه سقراط معروف، ناظر رجلا سوفسطائيا هذا السفسطائي يقول له: أنا لا أحتاج أن أتعلم لكي أخصمك في نقاش، مجرد إني ذكي أنا أستطيع أن أدخل معك في نقاش وأطلع أنا الصح من غير لا أتعلم!
بعض الناس مثل هذا السفسطائي، هؤلاء لا تضيع معهم العمر فمن الناس من يوعظ أنك ينبغي أن تتعلم
لهذا عمر لما ضرب صبيغا.. اللي هو على هذا تحمل الآثار لما يقول له: بين السنة ثم امض، يعني على سبيل الوعظ؛ لأن هؤلاء أناس لا يناقشون هؤلاء أناس تبين لهم ثم تمضي؛ لأنهم لم يبذلوا جهدهم في التعلم.
أما المناظرة والمحاورة المثمرة قد تكون بين اثنين، كما كان يحصل بين الفقهاء كل إنسان استفرغ جهده وحياته في التعلم ثم وجدوا أنفسهم يختلفون في مسائل فيجلسون ويتناظرون حتى يصلوا إلى الحق.
أو تأتي إلى إنسان ليس مسلما نهائيا وتبين له الإسلام إذا هو به جاهل تماما راكن إلى ملته التي هو نشأ عليها فتعلمه وتخبره، لا أنه إنسان هو مسلم أصلا مستكبر عن التعلم، مستكبر عن التواضع للحق وأهله.. ثم يتبنى أقوالا على عجلة أو أصلا لا يتبنى، بل يأتي هكذا ويحاور ويجادل.
والمصيبة أن يكون الطرفان هكذا كما يحصل عندنا من كثير من العامة، وهذا من آثار القنوات الإخبارية السلبية وغير ذلك: أن يأتي يقول: قل رأيك، لا.. الدين ليس رأيا، الدين تعلم، الدين علم.
في جزء من الدين فطري يؤمن به الناس ما يحتاج نقاش، وفي جزء علمي يحتاج إلى تعلم وأخذ وعطاء.
الناس الفطري يتشككون فيه، والعلمي يخوضون فيه بأهوائهم يقول لك: نحن أعطينا عقلا، طيب عقلك هذا حين تمرض هل يشفيك أم تذهب إلى طبيب؟ عقلك هكذا هل يمكنك من بناء بيت هكذا؟ عقلك هذا يدلك على أن تذهب إلى من تعلم لكي يعلمك.
استثنى علماء السلف أحوالا مثل: المناظرة عند السلطان كما حصل لأحمد، وكما حصل لابن تيمية، وكما حصل لابن عبد الوهاب في بعض المواطن.
وأحيانا لما حين يكون قول أهل السنة غريبا.
ذكر اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أن من عوامل ظهور البدعة مناظرة أهل البدع، فكثير من البدع تكون مندثرة فيتوسل أصحابها إلى إظهارها من خلال المناظرات.
الحق المألوف ربما الناس لا يسمعونه كثيرا، لكن سبحان الله الشبه الخطافة تتناثر ويبقى كثير منها في القلوب، ومنها ما العالم لا يتسع وقته حتى يبينها.
فإذا كان الأمر معكوسا كانت السنة خفية وأهل البدع ظاهرين ربما ينعكس الأمر، لكن لابد أن يكون الإنسان على قدر من القوة كما شبهه ابن القيم بالمبارز حين يبارز الكفار - في مفتاح دار السعادة -
وكما قال ابن تيمية: من لم يناظر الملاحدة مناظرة تقطع دابرهم فلا يناظر.
وقد حصلت مناظرة في بداية هذا القرن بين محمد عبده وهو شيخ عنده مشاكل متعلمن، وواحد علماني - نسيت اسمه - المناظرة كان الغالب فيها محمد عبده لكن بعدها انتشرت العلمانية كما يقول مصطفى صبري، وبدأت الشبه.
ويذكر عن الشيخ ابن باز أنه لما جاء أحمد الخليلي وطلب منه المناظرة قال له: أنت مذهبك أصلا مندثر يعني بالكاد في هذا القطر في عمان، فلماذا أنا أظهره بأن أناظرك وأنا رئيس هيئة كبار العلماء!
أحيانا يؤخذ لأهل البدع بعض الأغمار يناظرون، والمطلوب أصلا أن تناظره بين قومه هذا يكون أحسن، وأن تكون المناظرة في موضوع أصلي لا في موضوع أنت قد تخصم فيه وهو لا يخصم.
مثلا يأتيك يقول لك خلينا نتناقش في البخاري.. لا.. مثلا رافضي يقول لك تعال خلينا نتناقش في البخاري، فإن تنزلت وناظرت تقول له: نقارب بين البخاري والكافي، لا تقول: لا البخاري بس، أنت دافعت عن البخاري خلاص هو ما خسر شيئا، هو لم يخسر كبير شيء، ممكن يظهر كذبه في بعض المواطن وكذا لكن في النهاية دينه في صيانة، في حماية.
وهذا الآن كثير يفعلونه النصارى والمنصرين والملاحدة يأتي يطلب من المسلم أن يناقشه بنقاش كأنك في لعبة كرة قدم لك مرمى والطرف الثاني لا مرمى عنده، فأنت ممكن تسجل فيك أهداف وهو لا يمكن أن تسجل فيه أهداف نهائيا.
وكثير من الناس ممن يطلب النقاش ويشوش على هذا الأصل ويضيق صدره به ويتطلب الجدل ويكثر منه إنما تراه ينطلق من فكرة ألا وهي أن الناس إنما يضلون من خلال الشبهات فقط، من خلال بعض المعطيات الفاسدة، ويحسن الظن بالناس يقول الناس تريد الحق لهذا أنا أناظرهم لأنهم يريدون الحق.
وفي الواقع أن الضلال له أسباب فمن ذلك هذا سبب "الشبهات"
وأحيانا موضوع الشبهات يكون نتيجة لأصل: أنه إنسان غير منصف لا ينظر إلى الحق على جهة الإنصاف كما يقول ابن الوزير، بل الاصل في الحق الوضوح خصوصا في المطالب الكبري، أو على الأقل يكون أقل غموضا من الباطل يعني هذه أسوأ صوره.
ومنهم من تحركه الشهوات، ومنهم من تحركه كذا، ومنهم من تحركه كذا.. فالنقاش هذا لا يزيدهم شيئا.
تأمل رجلا قال بقول ما لطلب شهرة، فجئته أنت وقلت: تعال أناقشك، ما رأيك؟ سيفرح لأنه هو فعله أصلا طلبا للشهرة.
ذكر الجاحظ المعتزلي: "ثم إن من عيوب المناظرات غلبة الشخصنة على نفس البحث، وتطلب كل شخص أن ينصر نفسه فيضعف إنصافه وفي ذلك أخبار وأحوال"
لهذا ماذا يقول البربهاري؟ يقول: "المجالسة للمناصحة فتح لباب الفائدة"
يعني لما تخلُ بإنسان تجلس تنصحه، حتى لو صار بينك وبينه حوار تجلس تنصحه، نقاش وكذا "فتح لباب الفائدة" سينقاد لأنه ما في جمهور وما في كذا، الغالب سينقاد إن كان فيه خير.
يقول: "والمجالسة للمناظرة.." يكون في ندية أو يكون في جمهور "غلق لباب الفائدة" ما عاد أحد يستفيد.
في آثار عن ابن عيينة يقول: "دعوا المراء فإن خيره قليل"
وفي أثر عن عمر بن عبد العزيز حذر رجل قال: "احذر المراء فإنه لا تؤمن فتنته ولا تفهم حكمته" فهذا الجدل من عنده تتولد البدع.
من جانب الشخصنة في المناظرات التاريخية لما صار نقاش بين ابن حزم والباجي أبو الوليد، الباجي ماذا كان يقول له؟ يقول له: "على ضوء السلطان أنا كنت أذاكر" يعني الباجي يشير إلى أنه أنا رجل فقير وأنت رجل مترف غني، فيقول له ابن حزم: "بل أنت اعذرني وإنما كنت أذاكر على الشمعدانات" يعني ابن حزم يعطيه إشارة إلى أنه هذه فضيلة لي إني أكون مترف وكذا ثم إني أكون من العلماء.
الباقلاني كان يطيل جدا في النقاشات يجيب كلام ويكثر يكثر.. يتيّه الإنسان اللي قدامه، فمرة سقط بإنسان فاهم، فتكلم تكلم.. فهو قال للباقلاني قال له: شوف إذا أعدت كلامك فأنت صح، لأنه يعلم إن الباقلاني قاعد يرتجل هكذا يقول أي كلام بس يريد يتيّهه.
مرة تناقش رافضي مع رجل مالكي، الرافضي ظهر بالحجة في تلك المسألة وبدأ الرافضي يشتد في الحديث عليه وبتشنيع، فقال له المالكي كُلني! كُلني! - شوف أنت نمط الشخصنة - ذاك رد عليه قال له: لست على مذهبك، هذا طبعا قَطّه؛ لأن ذاك مذهبه جواز أكل الكلب.
كانوا يتناظرون في الهند بين طوائف نصارى ومسلمين.. وكانت المناظرات...
في الغالب العوام ما يفهمون البحث وهذه مسألة مهمة، فمن يغلب في المناظرة؟ من الذي يضحك على الآخر، من الذي يسخف أمر الآخر من الذي كذا.. ممكن تلقى نقاط قوية ما يفهمها الناس من أي طرف.
فالنصراني أراد أن يحرج المسلم وكان من أهل الحديث فقال له: "أنت لا تمثل أهل دينك أصلا وكثير منهم يكفرك" تعرف أنت الصوفية إذا كثروا ببلد يصيرون أقوياء ويتكلمون بالتكفير، إذا قلوا وضعفوا يصيرون يتكلمون بالاعتدال، فقال له ذاك قال له: طيب أنا إذا كافر أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، تبي تشوفني أنا مطهر ولا لا؟ وأظهر له عورته، فضحك وغلب له في المناظرة.
فمثل هذه المناظرات أيش! مثل هذه المناظرات لا تكاد تكون شيئا.
هناك من النقاشات ما يكون مثمرا فعلا يعني ما يكون فيه كلام ويكون الرجل محكما لمادته، مثل لما جاء نصارى لشيخ الإسلام وقالوا له: ما يفعل عندكم عند قبر السيدة نفيسة هو ما نفعله لمريم - لاحظ! - لا فرق وبناء عليه ليش تنكرون علينا!
فهم كانوا يظنون الشيخ تبع القبورية وكذا فالشيخ أنكر عليهم وبين لهم - هذه مناظرته في قاعة المراسيم - فقال لهم: لا.. الأمر مختلف، وهذا التوحيد كذا.. يقول فقال لي هذا الدين ما لكم جميل، قالوا له أن هذا طيب.
مثل مناظرة السويدي مع الروافض لما قال لهم: محمد بن الحنفية من؟ قالوا له: ولد علي، قال: حنفية من؟ حنفية من بني حنيفة، قال: من؟ من بني قوم مسيلمة، قال: في أي صفة؟ قالوا: سبية، قال سبية وين؟ قالوا: في حروب الردة، قال: حروب الردة من اللي قادها؟ أبو بكر الصديق، طيب علي يستحل أنه يسبي ويجيب ولد تحت راية إمام غير حق؟! فألجمهم.
طبعا اليوم الرافضة رقاعة يعني ممكن تقول له هذه الحجة يروح يجيبلك سالفة..
مثل مناظرة الشيخ تقي الدين الهلالي مو مناظرة محاورة كانت موجودة في مجلس مناصحة لما كان تجاني، راح له البيت واحد كان صوفي وترك التصوف، كان أظن تبع الطريقة الكتانية أو كذا، يقول فقال له: يعني ألا يزعم أصحابك أن النبي يحضر عندهم ويأتي ويجلس عندهم، قال: نعم، قال: طيب لما اختلف فاطمة وأبو بكر ما كان أولى أن النبي يظهر ويريح الناس ويتكلم هو شخصيا بعدين يرجع.
ثم الأمر الثاني: لما اختلف الصحابة في صفين هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أولى أن يظهر في هذا السياق، وبدأ يذكر له أمثلة مثل هذه من هذا السياق.
فالله المستعان يعني هي مرات الإنسان يقع على لسانه، لكن الجدال والمراء والذي يكون الإنسان مستعد ويريد أن يغالب ويريد أن يصيب ويريد أن يحسن هذا شيء فيه من البلاء ما فيه، ويريد أن يغلب في المغالبات.
يعني الآن مثلا قال لك: الإرجاء ظهر بعد هزيمة ابن الأشعث، الناس بعدما حصل خروج حتى خروج ماهو خارجي، بل خروج قراء، وقع في نفوسهم أنه الدماء وكذا وو.. فغلب بهم الأمر إلى الإرجاء، أخذهم الأمر إلى الإرجاء، وأخذ جماعة منهم وبقي أهل العلم الذين يعتدلون، فإذا كان الظرف السياسي مؤثر في تكوين الرؤيا فالجدل والظرف النفسي!
في ناس.. سيبويه ألم يمت بسبب مناظرة؟ كان تناقش مع الكسائي في مسألة لغوية عند الخليفة، فقالوا: الأعراب عند الباب هم يحكمون بينكم، لأنه لغة فالمرجع الأعراب، الأعراب دول طلع أن الكسائي معروف أنه يعطي، فالأعراب لا ذمة ولا ضمير قالوا: الكسائي هو الحق والحق كان مع سيبويه، سيبويه انجلط ومات وسيبويه لما تقرأ مات صغير، شوف أنت المسألة جدا غلبت عليه.
الشافعي يقول: ناظرت الشيباني... الشيباني لما تقرأ تعرف أنه رجل حليم جدا بغض النظر عن أي شيء، حليم جدا، يقول: ناظرت الشيباني فصارت أزراره تتفتق من الغيظ، بدأ ينتفخ.
فالأمر يحتاج إلى حلم وكذا، وليس كل الناس قادرين على ذلك على إنه مناظرات العلماء يعني.
مثلا ابن عبد الهادي كانوا يذكرون إنه كان حليم، لو يتفل واحد على وجهه يمسح ويقول: "طاهر بإجماع المسلمين.. نرجع إلى البحث" لكن هذا ما يكون في كل الناس.
بدأت تؤلف مؤلفات في آداب الجدل والمناظرة وكذا، لكن اليوم حقيقة هذا الزمان...
ذكرنا من العوامل إحسان الظن المفرط في الناس، وإساءة الظن بالنص.
الأمر الثاني وسائل الحق كثيرة: الكتابة وغير ذلك والبيان والمناصحة وو..
حتى يذكر عن عثمان الخميس - هذا اللي عندنا يعني - إنه قال كلمة قال يعني أنا اكتشفت أن المحاضرات التأصيلية أنفع بكثير من المناظرات.
المناظرات مرات هذا يقفز من موضوع إلى موضوع، لكن المحاضرة التأصيلية تبي تشرح للناس أيش الموضوع بالضبط تفصيليا وبهدوء وبترتيب.
وقد رأينا الكثيرين ممن رجعوا بعد قراءة بعض الكتيبات وبعض الأمور رجعوا للسنة وقرأوا الكتب واستبان، فلا تظن أن الحق واقف على هذه المناظرات.
اليوم مثلا في مواقع التواصل تناقش من لا تعرفه ومن لا تعرف اسمه ومن لا تعرف حقيقة مذهبه ولا يذكر اسمه حقا ولا يذكر وصفه حقا ولا تعرف مكانته العلمية.. طيب والعمر! قيمة الزمن أين يذهب! "اذهب إلى رجل شاك مثلك" قيمة الزمن.
كثير من الناس يناظر لتثبيت الحق في قلبه؛ لأنه يكتشف أنه وجدت أني أستطيع أن أغلب، فالمناظرة كثير من الناس يظنها هي بسبب اليقين.. لا.
ومثل ذاك السفسطائي الذي يريد أن يثبت لنفسه أنه على حق، ولكن ممكن تسفسط أنت وتظن نفسك أنك على حق، تحاول فقط استفزاز الطرف الآخر وكذا..
وقد وقع لي أن كثيرا ما يقع - ورأيت ذلك - أثناء النقاش حجة مسكتة وهذه الحجة تثبت لك بعد ذلك أنها باطلة، حجة هكذا تطرأ عليك ثم بعد ذلك تكتشف أنها حجة باطلة أنت تنقدها شخصيا بعد ذلك، وهذا سبحان الله كثير.
من عرف الحق ببراهينه من الوحي لا يتزعزع؛ لأنه أنت الآن الوحي محصور، أنت الآن مبادئ البراهين العقلية والفطرية هذه قطعية ما فيها نقاش، هذه البراهين القطعية أثبتت لك صحة الوحي، الوحي محصور إذا تريد الحق تطلبه في الوحي صح ولا لا؟ تطلبه في الوحي وكلام الصحابة وكذا، فتبدأ دائما تنظر تنظر..
تريد الحق؟ انظر في مادة الحق، تريد الحق؟ أكثر النظر في مادة الحق، تكتشف أنت بعد ذلك بدون مناظرة مناظرين أخطاء لك وأمور قد تقع فيها.
اليوم الخطة الشيطانية أنه الناس غافلة، مما يدلك أن هناك هوى وأن هناك شهوة مغالبة وهناك شهوة انتصار، شهوة النصر، تجد إنسانا تقول له: اقرأ الكتاب الفلاني.. لا يقرأ! تقول له: تابع المناظرة الفلانية.. يتابع!
ممكن أنا الآن أقرأ كل ما كتبه أهل الإسلام عن النصرانية، أو أعرف الخلافيات بيننا وبينهم من وجهة نظر إسلامية، ثم أقرأ ردود المسلمين عليهم، ثم أنظر في كتبهم التأصيلية التي تشرح عقيدتهم - طبعا هذا الترتيب المنطقي - ثم بعد ذلك انظر بما كتبوه جوابا على اعتراضات أهل الإسلام ولا يزيدني ذلك إلا يقينا، وهذا وقع لكثيرين.
على أنه هناك حق قطعي، يعني الحق القطعي المبني على براهين قطعية، هذا الأخذ والعطاء هذا اللي يريده بعض الناس يكون من باب الشك والظن، مثلا: ما عرف كيف تصحح الأحاديث وتضعف يريد أن يناظر في صحتها وضعفها بعض الناس، لكنه لو عرف الأمر وعرف براهينه وقارنه خلاص، انتهى الموضوع.. هناك قسمة حاصرة.
الشاهد أنه هذا ترك المراء والجدال والخصومات من علامات أهل السنة، ليس معناه أنهم ليسوا حريصين على الناس، الناس اللي تطلب حق تبين لها الحق، وهم من أعظم الناس نشرا للحق.
لكن أنت قد تكون صاحب مذهب مغمور، أنت قد تكون سيئ القصد لست كالشافعي يعني يقول: ما ناظرت أحدا إلا وتمنيت أن يظهر الحق على لساني ولسانه.
أبو حامد الغزالي في كتابه المعيار ذكر فائدة مهمة جدا قال: بحياتي ما رأيت بعد مناظرة الناس تتحول من دين إلى دين، قال في الغالب المناظرات كل طرف يطلع يقول "أنا" لأنه به هوى فلا ينظر للحق على جهة الإنصاف، فممكن تدمغه حجج كثيرة أثناء المناظرة لا يشوفها، تنقية النفس من الهوى! لكن الكتابة، والمناصحة، والبيان، مهمة.
الإسلام كيف كان ينتشر؟ ناس يسمعون به يرونه، يرون حسن المعاملة، الآن سبحان الله! يعني عامة المشتغلين بالمناظرات يقولون هذا الكلام، يقولون: التأصيل الهادئ، حسن المعاملة بالنسبة لغير المسلمين، تحريك الفطرة في داخلهم، لماذا؟ لأنه الحق مرجعه فطري وعقلي، صح؟ تحريك الفطرة، الفطرة تتحرك بطرق غير طرق العقل.
حتى مثلا كثير من المناظرات التي تسمع بعدها "فأسكته".. "فأسكته".. دائما تجد "فأسكته" والثاني ما تراجع، والحجة تصير مستفادة لما تنزل بكتاب.
يعني شوف أنت المناظرة على الواسطية ومناظرات شيخ الإسلام، فظيعة! قوية! يعني قلة، مثل مناظرة ابن عباس مع الخوارج، يعني حتى سبحان الله! حتى الخوارج في ذلك الزمان فيهم نوع من الإنصاف، لأنه زمان فاضل أصلا فحتى الناس المنحرفة فيها نوع من الالتزام بالحق، نوع من التواضع.
لهذا عائشة رضي الله عنها تقول: "إنكم لتغفلون عن أعظم العبادة التواضع"
التواضع الذي يجعلك تقبل الحق من قائله تحت أي ظرف، أبعد الظروف عن التواضع المناظرة تحتاج إلى نوع خاص جدا من التواضع.
فغالب ما يأخذ الناس إلى الباطل الهوى وهذا مع الأسف لا يعالج بالمناظرات في الغالب، لكن المناظرات أحيانا تكون تثبت بعض الضعفاء.. تزيل بعض الإشكالات.. فقط.
وعندك ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [عبس: 1] النبي لما كان يكلم كفار قريش جاءه ابن أم مكتوم، يستفاد من هذه بفائدة: أنه أحيانا لا تترك المسلم المحتاج الذي يريد أن يتعلم لأجل أناس فيهم عناد وتجلس تناظرهم، بل كثير ممن يشار إليهم بالبنان يكون لا يريد الحق لمنصب أو رياسة أو كذا، ويكون كثير من الأتباع ممكن لو تأتي وتكلمه يكون فيه رجعة.
شيخ الإسلام ابن تيمية من المرات النادرة اللي ذكر فيها أنه كلم أشعري وتراجع كانت جلسة بينهما لا قضية مناظرة، ناظرهم دمرهم، لكن جلسة بينهما لما ذاك رفع رأسه إلى السماء فقال له الشيخ يعني: لماذا ترفع رأسك إلى السماء؟ الشيخ بعدين أخذ وأعطى معه إلى أن يقول ابن تيمية: إلى أن عاد إلى عقيدة المسلمين.
كثير من الناس ممن يقرأ الحجج ويستبينها ويراجع نفسه... الرجوع للحق ليس سهلا.
طبعا الآن بعض الشباب يُطرأ عليه وجود كثير من المناظرات الموجودة في الفيسبوك اللي تنتهي بإسلام فلان، هذا نادر.. هذا موجود أنا رأيته لكن نادر، وكثير منهم أصلا جاء وهو يريد أن يرجع، هو مقبل لكن يريد أن تزيل عنه بعض الإشكالات التي تلجنت عنده في فترة التيه والعناد.
على هذا الأصل طبعا الأصل الذي يليه اللي هو ترك الجلوس مع أهل الأهواء.
الإمام أحمد له تفصيل، قال صالح في مسائله:
كتب رجل إلى أبي يسأله عن مناظرة أهل الكلام والجلوس معهم وغيرهم فأملى علي جوابه:
أحسن الله عاقبتك، ودفع عنك كل مكروه ومحذور.
الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا من أهل العلم: أنهم كانوا يكرهون الكلام والخوض مع أهل الزيغ.
وإنما الأمر في التسليم والانتهاء إلى ما في كتاب الله عز وجل لا يعد ذلك.
ولم يزل الناس يكرهون كل محدث من وضع كتاب، أو جلوس مع مبتدع ليورد عليه بعض ما يلبس عليه في دينه.
فالسلامة إن شاء الله في ترك مجالستهم، والخوض معهم في بدعتهم وضلالتهم.
فليتق الله رجل، وليصبر إلى ما يعود عليه نفعه غدا من عمل صالح يقدمه لنفسه.
ولا يكون ممن يحدث أمرا فإذا خرج منه أراد الحجة له فيحمل نفسه على المحك فيه، وطلب الحجة لما خرج منه بحق أو بباطل؛ ليزين به بدعته وما أحدث.
وأشد ذلك أن يكون قد وضعه في كتاب فأخذ عنه، فهو يريد أن يزين ذلك بالحق والباطل، وإن وُضح له الحقُّ في غيره.
ونسأل الله التوفيق لنا ولك ولجميع المسلمين.
تأمل قول الإمام لما يقول أنه يريد أن يخرج من هذا الذي قاله سواء كان بحق أو بباطل، "أو وضعه في كتاب" فما دام وضعه في كتاب فالكتاب لابد أن يكون حقا، فيبدأ يطلب من هاهنا وهاهنا.
سبحان الله هذه تقارنها مع طريقتهم الثانية، أنا ما أجي إلا وأستدل بأئمة قبلي وآثار وكذا.
لابد فهذا الإنصاف، أما مسألة أنك تأتي برأي من رأسك وتدبج المحاضرات وغير ذلك.
الأمر الاتباع، المناظرات هذه باب الإحداث.
الجهم لما ناظر السمنية وخرج بقوله من هذه المناظرة، صح؟
الآن صار عند أهل العصر شغف بالجدل والمناظرة أنه ممكن يناظرك بأي شيء.
القنوات السياسية ماذا تفعل الآن؟ إنه تأتي بأناس من خلفيات فكرية مختلفة وتعالوا وتناظروا في تحليل حدث ما، طبعا في تحليل حدث ما بطبيعة الحال لن نتفق؛ لأنه أنا عندي خلفية فكرية مختلفة عن خلفيتك الفكرية.
فيصير جدلا بيزنطيا كما يقولون شيء لا نهاية له، هم يفرحون، حتى تتم الحلقة الساعة هذه، وهذا يرفع صوته على هذا، وهذا يرفع صوته على هذا، والناس تحب هذه مصارعة الديكة، والتحريش بين البهائم.
لكن إن صار نقاشا منهجيا تقول: تعال أنت أيش أصلك؟ أنت أصلك ديموقراطي مثلا، أنت أصلك إسلامي.. تعال خلينا نتناقش بهذا الأصل والفروع حطها على جنب، خلينا نتناقش الآن في الأصل، في نبوة في وحي في كذا.. إلخ
ولن يسعوا إلى هذا لأن هذا سينهي شيئا كثيرا، فهذه الطريقة المنهجية لن يهتموا بها.
اليوم كثير من الناس هذه طريقتهم في النقاش، وحتى أنهم يتمارون في أمور ليست من الدين ولا من أي شيء بمحل، يتناقشون على سيارات.. على لاعبي كرة قدم.. تمتلئ قلوبهم غيظا وحنقا.
يظلوا ساعتين هذه الكرة أوف سايد ولا لا وهذا مدرب زين ولا مو زين، أعمار وأوقات تضيع في هذا.
شيبان الآن من قبل كان شباب، تشوف كبار سن يعني المفروض قدوات، تعرف واحد شايب ستيني يتكلم بهذه الطريقة، ما أنذرك الشيب!
من ضمن الواقع في قضية المناظرات...
الآن حتى انتهى الأمر إلى مباهلات وإلى كذا وإلى كذا.. ما دامت الأهواء مترسبة والناس لا يريدون أن يرجعوا إلى الأصل فإن الأمر ابتدأ ولا ينتهي حتى يغرق الناس في هذا الجدل.
"وقل رأيك" "واحترمه" يتكلم بالكفر واحد رافضي ولا غيره ثم مع ذلك يتكلم بالكفر البواح ثم نحترم رأيك، مثل ما أعطيتك مجال تتكلم أعطني مجال لهذا.
ولا واحد يقول: أنا ما أحترم رأيه من ناحية أنه يعني أنا أحترم الباطل.. لا.. أنا احترم رأيه من ناحية أنه بحث ونظر، وأنت من قال لك أنه بحث؟ ما في أي دليل، ممكن هوى، هي المسألة ممكن هوى.
لكن حقيقة هذه المناظرات أنها تلهينا عن العلم والتعلم، وهذه الجدالات والخصومات التي أكلت مواقع التواصل الاجتماعي أنها تلهي عن العلم والتعلم والتعلم المنهجي.
والآن انظر إلى كثير ممن يشتغل بمناظرة الملاحدة أو النصارى أو الرافضة تجده يعرف من دين الملاحدة - وهو دين - ودين النصارى ودين الرافضة أكثر مما يعرف عن دينه؛ لأنه المادة التي يحتاجها في المناظرة، أما ما يقيم به يومه وليلته وأما ما يقيم به عقيدته، ينكر أمور بعضهم، حتى يصل إلى هذا، يدخله الشيطان في هذا، ينكر أمورا صحيحة مناكفة للرافضة وللنصارى، وهذا يحصل من الطوائف الأخرى بشكل أكبر، ولكن هذا أيضا من مشاكل الجدل والخصومات التي ينكرها العلماء، تراهم بشكل واضح سبحان الله! ما أكثر هؤلاء! عامتهم تجده يسخر من أمور عند النصارى وهي عندنا.
بعضهم كتب مثلا عن صفات الإله في الكتاب المقدس ذكر مثلا: أنهم يثبتون لله رأسا وكذا، طيب هذا نحن لا نثبته ولا ننفيه لكنه لو ثبت في نص مقدس فنحن عندنا إثبات الوجه، بعضهم نفى الجلوس والنور، الجلوس مثل الرضواني حتى منقذ السقار وقع في هذا ومنقذ أنا ما أعرف أيش عقيدته.
الآن مثلا مثل اللي صار من القفاري وعلي السالوس، إن رواية عن عمر الرافضة وضعوها عن علي فراحوا أنكروها هؤلاء، اللي هي امرأة كانت مضطرة فجاءها رجل راودها عن نفسها فزنا بها حتى يعطيها، هذه علي السالوس وناصر القفاري قالوا لك: شوف دين الرافضة! ينسب لعلي إسقاط الحد! وعلي وعمر عادي، وهي أصلا هذه هي امرأة مضطرة ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]
رواية عندنا ثابتة عن عمر، فهذه هي الإشكالية.
يعني مع أن هؤلاء الأسماء اللي ذكرناها عامتهم متخصصين أصلا، أكاديميين، يعني هو أصلا يفترض أنه يكون طالب علم شرعي.
هذا وصل اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.