شرح أصول السنةالإيمان برؤية الله عز وجل
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الإيمان برؤية الله عز وجل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فهذا مجلس جديد في كتاب أصول السنة للإمام أحمد - رحمه الله تعالى - ومن الجامع لعقائد ورسائل أهل السنة والأثر.

يقول المصنف - رحمه الله - الإمام أحمد: «ومثل ما كان مثله في القدر ومثل أحاديث الرؤية كلها وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فأنما عليه الإيمان بها وألا يرد منها حرفا واحدا وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات»

قبل أن ندخل في مبحث الرؤية والذي سيكون اليوم الحديث فيه نوعا من الرد على من زوروا عقيدة الإمام فيما بعد ونسبوه إلى التفويض، ومسيرة العبث بعقيدة الإمام - رحمه الله -

قبل أن ندخل بعض الاستدراكات المتعلقة بمبحث القدرية: فاتنا التعليق على حديث القدرية مجوس الأمة الحديث لا يصح عند ابن أبي العز وغيره، ولكنه مشهور في ألسنة السلف، وهنا لفتة حين يقول أئمة السلف "مجوس الأمة" إذا هم فاهمون ما هي عقيدة المجوس الذين يؤمنون بإلهين: إله للنور، وإله للظلمة إله النور خلق الخير، وإله الظلمة خلق الشر وهذه عقيدة الزرادشتية اليوم حتى أنهم يقسمون المخلوقات يقولون المخلوق الفلاني خلقه إله الشر...

ثم إنهم يتناقضون ويقولون أن إله الظلمة أصلا خلقه إله النور فانتهوا إلى ما أرادوا الهروب منه ألا ينسبوا خلق شر للإله، فهذا هو وجه مشابهتهم للقدرية فالقدرية يقولون نحن الذين نخلق أفعالنا يعني لكي ينزهوا الله عن خلق الشر، في النص ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: 2]

والحديث عن القدرية تقدم في المجلس الماضي لكن الشاهد الله يحفظكم أن السلف كانوا يعرفون عقائد أهل الملل الأخرى بحيث يعرفون تأثيرها على أهل ملتنا وكيف دخلت وخصوصا أنه في زمن العباسيين صار الاتصال بالفرس أقوى كذلك معرفتهم بعقائد اليهود والنصارى ظاهرة وحين تقرأ الكتب القديمة في الملل والنحل..

هذا الباب مفيد جدا في نقد القياس على التجربة الأوروبية لأن الغربيون لم يكونوا يعرفون سوى المسيحية قرونا طويلة، بل عامة أهل أوروبا لم يكونوا يعرفون سوى الكاثوليكية حتى ظهر البروتستانت يعني حتى الأرثوذكسية لا يعرفونها جيدا، ولم يكونوا يقرأون ولم يكونوا مثقفين؛ ولهذا لما بدأوا برحلاتهم الاستعمارية وبدأوا ينظرون في مذاهب الناس الأخرى صارت عندهم نوع من الصدمة الثقافية حتى أظهر ديكارت مذهبه الألوهي أنه كل الأديان زينة اللي إلى الآن يطرح بناء على أيش؟ أنه لم يكن يعرف عقائد الناس ثم فوجئ بعقائد قريبة من عقيدته نوعا ما.

المسلمون ليسوا كذلك المسلمون منذ قرون وهم يعيش بينهم المجوسي، واليهودي، والنصراني، ويسمعون كلامهم ويسمعون شبهاتهم ويردون عليها ويناظرونهم ويأخذون ويعطون معهم أليس كذلك؟

فمسألة أنك اليوم جاي تتقمص دور مارتن لوثر ولا تتقمص دور الإصلاحيين في عصر التنوير اللي كانت إصلاحيتهم مبنية على أنه اكتشفنا أن هناك غيرنا في هذا العالم وأنه مسيحيتنا بدت ضعيفة أمامنا، نحن لسنا كذلك يعني هذه نقطة ينبغي أن تفهم جيدا.

الإمام ذكر أحاديث الرؤية بعد أحاديث القدر وذكر أنه ينبغي أن يسلم لها وإن نبت عنها الأسماع واستوحشتها، الكلام على هذا الأصل من عدة أوجه: أول شيء أدلة الرؤية شرعيا، بيان الأدلة التي يظن أنها تدل على عدم الرؤية، تحرير المروي عن بعض السلف في نفي الرؤية، لماذا بعض الفرق فعلا نفت الرؤية وتحرير محل النزاع معهم، دلالة مبحث الرؤية على بطلان مذهب المفوضة وخصوصا في كلمة الإمام الأخيرة "وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات"

أول شيء أمر الرؤية استنبطه استنباطا عدد من العلماء من القرآن من عدد من الآيات من القرآن مثل قول الله عز وجل ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]

قال مالك والشافعي كما روي عن مالك في الحلية: أنه لما حجب الكفار دل على أن المؤمنين يرون الله، على أنه هناك في خلاف هل الكفار يرون الله أم لا بسطه ابن تيمية في رسالته للبحرين لكنه في النهاية سيكون هناك حجب، في رسالة لأهل البحرين لما تنازعوا في هذه المسألة يعني ناس على السنة وكذا فجابوا لهم مسألة من هذه المسائل الفرعية هل الكفار يرون الله؟ وتقاتلوا تقريبا صار بينهم مشكلة فشيخ الإسلام أرسل لهم موعظة ينبههم، يعني أول شيء الشيخ - رحمة الله عليه - أثنى عليهم وقال لهم: أنتم لستم كجيرانكم من الأعراب، طبعا البحرين قديما كانت تشمل الأحساء وكذا آنذاك مو البحرين بس هذه القطر الصغير اليوم اللي صار مملكة، فقال: أنتم لستم كجيرانكم من الأعراب اللي ما يورثون بنات ولا يسوون ولا كذا، طبعا تعرفونهم القوم هؤلاء منهم يعني من وقت شيخ الإسلام وهم مسيرتهم العطرة، وذكرهم أن أول جمعة جمعت في زمن رسول الله - يعني سبحان الله أنا بس أبين سياسة الشيخ في الفتوى - بعد المدينة في البحرين أول جمعة أقيمت ذكرهم بهذا الفضل وكذا ثم بعد ذلك هدأهم وذكر أن هذه مسألة فرعية، وهذه مسألة فيها كلام، وأهل السنة متفقين على أن المؤمنين يرون الله وأن الكفار مآلهم إلى الحجب، وهذه المسألة من فروع الفروع، ولا ينبغي أن يكون فيها اقتتال، ولا ينبغي أن يكون فيها كذا..

فسبحان الذي برى، هذا أول دليل.

ثاني دليل قول الله عز وجل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة . إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]

والنظر إذا تعدى بإلى فإنه يفيد النظر الحقيقي، بعض المعتزلة قال لك: لا.. حسان بن ثابت له بيت يقول فيه "ناظرة إلى" ويريد الانتظار، هذا البيت لا يعرف عن حسان بن ثابت نهائيا هم ألفوه ولا يوجد في ديوانه، وسيأتي الكلام على أنه روي عن مجاهد.

النقطة الثالثة أو الدليل الثالث آيات اللقاء بلقاء ربهم يوم القيامة واللقاء قال ثعلب أن العرب لا تقول لقي إلا برؤية، وبعضهم أشكل على هذا وقال أن الأمر مذكور فيه أيضا الكفار لكن على مذهب من يرى أن الكفار سيرون الله ثم يحجب عنهم هذا الإشكال يسقط.

وأيضا سؤال موسى الرؤية دليل على أصل جوازها وأن الله عز وجل علقها على شيء قال ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ﴾ [الأعراف: 143] فالجبل ما استقر في الدنيا، ولكن في الآخرة الله عز وجل سيتجلى للمخلوقات كلها وستكون مستقرة.

فالشاهد أنه هنا مجموعة من الأدلة القرآنية المشهورة، لكن أقوى شيء وأظهر شيء الأحاديث أنها واضحة جدا ومبسوطة في كتب العقيدة جمعها الدارقطني في جزء من أشهرها قيس ابن أبي حازم عن جرير ((إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته))

حديث أبي موسى الأشعري، حديث جابر ((يتجلى ضاحكا)) حديث صهيب في الزيادة ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] قال: الزيادة النظر إلى ربهم، وأحاديث بلغت التواتر.

والأحاديث حتى تدفع التأويل لأنه ((كما ترون القمر)) رؤية القمر بصرية خلاص ما في مجال للتأويل نهائيا، آمن أهل السنة بهذه الأحاديث وأن الله عز وجل سيرى يوم القيامة.

ثم بعد ذلك جاء المخالفون، هناك بعض الأدلة التي ممكن يتوهم منها الإنسان أنها تمنع من رؤية الله، منها قول الله عز وجل ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103]

ما توجيه هذا الدليل؟ بما أنه جاءتنا أحاديث تقول بأنه سيرى يوم القيامة صح ولا لا؟ واستدلت به أم المؤمنين أن النبي لم ير ربه بعضهم قال جمعا بين النصوص أن الإدراك المقصود به الإحاطة ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61]

ومعناه أن رب العالمين لا نحيط به كما ننظر إلى السماء لبعض المخلوقات ولا نحيط بها وهذا ما روي عن عكرمة وهذه لطيفة لأن عكرمة منسوب للإباضية والإباضية اليوم ينكرون الرؤية.

ومنهم من قال: المسألة عام وخاص، ومال حتى لهذا الشوكاني قال: عام وخاص لا تدركه الأبصار في الدنيا وفي الآخرة سيرى سبحانه وتعالى، ما المشكلة؟! وهذا أحمد في مناظرته بينه أنه ترى العام والخاص كلكم تؤمنون به ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] وجاءت السنة وخصصت قالت ((لا يرث القاتل المقتول)) خصصت صورة معينة وبقيت الصورة على عمومها، أليس كذلك؟ ومثل ((أحلت لنا ميتتان ودمان)) أمثلة العام والخاص المعروفة يأتي نص عام ثم يأتي نص آخر ويخصصه، وعامة المعتزلة وغيرهم ممن ينكر الرؤية هو لما يتكلم بالفقه يتكلم بالعام والخاص فالعام والخاص لا أحد ينكره، يعني مثلا قول الله عز وجل ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] وأقيموا الصلاة يشمل الذكر والأنثى في كل حال طيب عندنا أنه الحائض ما تصلي هذا موجود في السنة وما تقضي الصلاة بعد، هذا وين؟ في السنة، هذا خصصت العموم فهذه واضحة بينة.

يعني حتى مثلا الشبهة اللي تذكر بما أنه ذكرنا الحيض أنه الله عز وجل ذكر أن الحيض أذى ولا تقربوهم فعدم قرب الحائض أثناء الحيض، يقول لك في حديث أنه النبي كان يباشر عائشة القرب المقصود به الجماع لو فرضنا أن القرب مطلق القرب جاءت السنة وخصصت بينت لك ما في مشكلة السنة بيان للقرآن.

﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]

هذا شنو هذا يشمل لو أنك زرعت شتلة بسيطة، صح؟ جاءت السنة وبينت قالت ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))

ومعظم الناس على أنه الخضراوات ما فيها زكاة.

قول الله عز وجل لموسى ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143]

قالوا: لن هنا للتأبيد وكذا هذا بحث معروف، نفس القصة عموم وخصوص يعني لن تراني الآن مثل قول الله عز وجل ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: 95] أي الموت وسوف يتمنونه في نار جهنم ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77]

على فكرة البحث النص هذا كله أنا أراه مع الأسف بحث ثانوي؛ لأن عامة اللي يستدلون أصلا هم لا يعتبرون النصوص شيئا سنبين سبب إنكارهم للرؤية.

المحور الثالث الذي سنتكلم عنه الليلة محور: ما نسب لبعض السلف من إنكار الرؤية، وهذه نقطة ينبغي أن تفهم أنه ممكن أحيانا جماعة من السلف يفسرون آية على إثبات صفة فيأتي أحدهم يرى أن السياق لا يدل على ذلك ليس معناه أنه ينفي الصفة وقد يثبتها في مكان آخر، المروي عن مجاهد في ﴿يومئذ ناظرة﴾ قال: منتظرة، اللطيف أنه مجاهد مثلا ما يقبلون أثره في المقام المحمود ويعتبرون أثره هنا شبهة عكرمة الذي ينسب للإباضية قال: تنظر نظرا، طيب أنت الآن قبلت أثر مجاهد لماذا لا تقبل أثر عبد الرحمن بن ابي ليلى في ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ أثر أبي إسحاق السبيعي في الرؤية.. اللي اختلف في روايته فتارة رواه عن حذيفة وتارة عن أبي بكر الصديق لكن أبو إسحاق السبيعي سبق الجهمية إذا أحاديث الرؤية كانت الناس تتداولها قبل أن تظهر الجهمية فلا مشكلة.

إسحاق بن راهويه قال: منتظرة للثواب، وانتظار الثواب رؤية الله.. عادي جمعا بين القولين، ومجاهد روي عنه في تفسير ابن أبي حاتم أنه فسر ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ بالنظر إلى وجه الله.

فالجواب أنك تقول له: مثل ما روي عن مجاهد هذا روي عن غيره ما يناقضه فإن قبلت هذا اقبل هذا وإن قبلت الأسانيد فاقبل ما روي مرفوعا والذي هو حكم على مجاهد وعلى كل الناس المرفوعات والموقوفات.

المحور الذي يليه: لماذا جماعة من أهل البدع أنكروا الرؤية؟ ما علة إنكارهم للرؤية؟ في الواقع أن إنكار الرؤية مبني على شبهة الجهمية المعروفة في أنهم رأوا أن الرؤية تلزم العلو والعلو يلزم التحيز أو أنه يكون في مكان والتحيز من صفات الحدوث.. يعني شبهات كلامية فيقول لك: هذه أدلة عقلية على نفي الرؤية؛ ولهذا علينا أن نأول الظواهر التي تدل على الرؤية.

انقسم المعطلة إلى قسمين: قسم أنكر الرؤية صراحة مثل الجهمية والمعتزلة، وقسم أثبتها مثل الأشعرية والماتريدية، ثم الأشعرية على قولين: قول منها أثبتها إلى غير جهة وهنا نكت عليهم المعتزلة وأهل السنة لأن هذا يعني شبه جمع بين النقيضين وأن هذا شيء متعذر بل قال لهم أهل السنة: إذا اثبتوا بقية الصفات على وجه فيه تنزيه لله وأنه لا يشبه المخلوقات وانهوا القصة، حتى يصفونها أنها من مشكلات علم الكلام: إثبات رؤية إلى غير جهة، ولهذا الأدلة الشرعية مثلا أنه لا تدركه الأبصار هي لا تدل على مذهبهم هم مذهبهم استحالة رؤية الله هم لا يذهبون أن الله لا يُرى هم يذهبون أن الله يستحيل أن يرى.

ثم هناك صنف من الأشعرية أمثال الجويني والغزالي انتهوا إلى حقيقة مذهب الجهمية وهذا اللي عليه سعيد فودة إنه تأويل الرؤية بزيادة العلم وهذا باطل لأنه إذا كان هكذا فحتى الكفار يزيد علمهم بالله يوم القيامة، وما وجه التشبيه بالقمر!

هذه الشبهات أنه يلزم تحيز يلزم جسمية يلزم يلزم.. هي أساسها قياس الشاهد على الغائب، وهذه الشبهات جعلتهم لا يؤمنون بوجود إله حقيقي ولأنهم لم يؤمنوا بوجود إله حقيقي جعلوه معنى ولهذا أي إثبات وجود حقيقي لله يسمونه تجسيما، أنت لا ترتهب من كلمة تجسيم وإن كنا لا نثبت هذه الكلمة لكن هم يعنون بالتجسيم شيء حقيقي.. شيء مباين.. شيء له وجود حقيقي يُرى.. يُسمع - خصوصا الرؤية - يُرى.. يُمس.. هذه عندهم مصيبة، حتى الرازي استسلم قال: كل شبهاتهم أنا أقبلها، ولكني أميل للحديث (في كتابه الأربعين) وهنا قدم النقل على العقل خلافا لقاعدته، أما ابن حزم فأثبت الرؤية وبدأ يتفجر والشبهات الاعتزالية التي كان يكررها على الصفات صار ينكرها ويشتد ويسب منكري الرؤية وابن حزم أمره عجب والله (في كتابه الفصل) بحثه لطيف في إثبات الرؤية.

ما الجواب على هذه الشبهات؟ نحن نؤمن أن الله عال وليس فوقه شيء فكلمة تحيز هذه تفيد لما يكون محاط بشيء من كل شيء لكن الله عز وجل فوق كل شيء ولا يقاس على مخلوقاته هذه أول نقطة، النقطة الثانية: أصلا لا يوجد شيء له وجود حقيقي إلا ويجوز أن يُرى وهذا الدليل العقلي اللي أورده الأشعري وغيره، أصلا في العادة ما لا يُرى يكون إما معنى من المعاني قائمة في ذات أو معدوم؛ لهذا أيش قالوا؟ المعطل يعبدوا عدما، ففي الأساس هذه شبهات شيطانية لما يستدل بلا تدركه الأبصار ومش عارف أيش أو يروح يحاول يطعن بالأحاديث ويضعفها.. بعضهم راح يطعن بقيس بن أبي حازم مثل ما عمل حسن الثقاف.. كله دجل ولعب، ثم يستدلون لما يأتون إلى أبواب التشيع يستدلون بحديث قيس بن أبي حازم ((أيتكن تنبحها كلاب الحوأب)) يرويه عن عائشة وفي سماعه كلام منها لأنه روى عنها بواسطة في مكان آخر، فهم يتلاعبون.. هو يتلاعب.. والأحاديث كثيرة ستقف على علي ولا تقف على فلان ولا تقف على فلان ومتواترة والأحاديث كثيرة جدا لا تدخل في الحصر، وهذه هي نفس القصة في موضوع الرؤية لهذا أحمد يقول لك "وإن نبت الأسماع".

نجي إلى أهم باب المحور الأخير كيف يعتبر رد على المفوضة؟ خصوصا من انتسب منهم إلى الإمام أحمد من هذا الكلام في الرؤية، كلام أحمد في إثبات الرؤية كثير - في العادة نحن نجيب كلام أحمد - في الحقيقة الرد من أوجه كثيرة، يعني كيف يكون هذا ردا على المفوضة، أول شيء أنه اللي أنكر الرؤية أنكر ليش؟ بناء على شبهات كلامية، أحمد قال: لا تعتد بالشبهات الكلامية وخليك مع ظاهر الحديث، اللي يفوض واللي يؤول أصلا يفوض ويؤول عشان شبهات كلامية لأنه يرى أن الظاهر شبه مستحيل أو خطير أو تشبيه، ولهذا حتى أحمد قال "رؤية" وما جاب احترازات ما قال: من غير جهة ومن غير كذا.. هي خلاص رؤية رؤية.

الوجه الثاني: أنه كثير من الآثار والأحاديث التي ترد يقول لك: النظر إلى وجه الرحمن "إلى وجه الرحمن" بكل صراحة كما يقول قتادة وغيره "وجه الرحمن".

الوجه الثالث: أنه أحاديث الرؤية الصريحة هنا التي يصرح أنهم يثبتونها ويؤمنون بها يقرنونها بأخبار القدر فإذا هم يثبتون القدر ويثبتون الرؤية صح ولا لا؟ الآثار التي يدعى فيها التفويض تذكر فيها الرؤية مثل أثر... (بلا كيف ولا معنى) الرؤية مذكورة، حديث (أمروها كما جاءت) الوليد بن مسلم أثره: سألتهم عن أحاديث الرؤية والصفات فقال: أمروها كما جاءت، يعني هل يعقل أنهم يثبتون الرؤية ويؤولون الصفات أو يفوضون الصفات! لا.. هي باب واحد، أيضا الأثر الذي رواه الآجري في الشريعة بسند قوي عن الكوسج قال: سألت اسحاق بن راهويه عن حديث النزول والرؤية وحديث لطم موسى للملك وو.. يقول: سألت أحمد تقول بها؟ قال: نعم هي حق، قال إسحاق بن راهويه: ولا يدعها إلا مبتدع أو ضعيف رأي، لأنه واضح أن حكمها واحد النزول مثل الرؤية نفس الشيء.

الوجه الأخير: أنه أحمد أصلا أيش يقول لك؟ يقول لك "وغيرها من المأثورات عن الثقات" لما نقول الرؤية وغيرها ماذا نعني؟ بقية أحاديث الصفات من السياق.
فلهذا مثلا تجدهم دائما هؤلاء المفوضة وغيرهم لما يأت للرؤية يثبت.. لا هو إثبات الرؤية خلاص إثبات لبقية الصفات، أين كلام السلف الذي يقول لك نفوض الرؤية؟ وأنت إذا أثبت الرؤية أثبت وجود حقيقيا لله أثبت شيئا يُرى ساعة إذ أن تثبت يدا.. أن تثبت وجها.. خلاص انتهى الموضوع إلا أن تذهب لسفسطة الأشاعرة التي لا يقول بها أحد من الأئمة، بل لو تذهب لكتاب السنة لعبد الله بن أحمد يقول لك: النظر إلى وجه الرحمن.

ومسألة الرؤية مسألة خبرية والسلف يكفرون منكر الرؤية إذا بلغته الأحاديث وابن تيمية ذكر في الاستقامة أن مسألة العلو أظهر من مسألة الرؤية وهذا يدل أن الأصل في منكر العلو الكفر، تعذر بعض الأفراد ما تعذر بعض الأفراد لكن أنت لابد أن تكفر التكفير العام، وسنتكلم في الدرس القادم إن شاء الله في مسألة التكفير كلاما متوسعا ونبين مشاكل كثير من المعاصرين وخلطهم حتى في تفسير كلام ابن تيمية وجنايتهم على كلامه الذي هو أصلا مناقش.

فأنت الآن مثلا قال لك حديث الصادق المصدوق اللي في القدر مثله في الرؤية فواضح أنه يثبتها كلها يقول لك: وغيرها من المأثورات عن الثقات، وأيش قال؟ قال: عن الثقات، ومثل بحديث الصادق المصدوق إذا أخبار الآحاد عنده تؤخذ بها عقيدة بدون تفريق، وهذه أيضا مسألة مهمة في مخالفة المذاهب الفاسدة.

الجعد بن درهم لما قتل بشنو قتلوه؟ قال لك: لم يتخذ إبراهيم خليلا ولا كلم موسى، الخلة صفة المحبة عامتهم ينكرونها المفوضة والمؤولة حتى كلام ابن عقيل واضح في نفيها أي المحبة وسينفي الخلة من باب أولى اللي هي أساس ما كفر بها الجعد.. ثم ينتسب لأحمد بن حنبل! هذه كارثة، لهذا مثلا لما عبد الله بن أحمد لما أورد حديث ((لا شخص أغير من الله)) في المسند عن أبيه أورد على القواريري قال: هذا أشد حديث على الجهمية، ليش؟ لأنه شخص يعني له وجود حقيقي يعني يُرى، شخص من الذي شخص أي ظهر شو نسمي؟ نقول: شاخص ظاهر، هم عندهم الله معدوم، ماذا يقول؟ ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28] يعني شنو يريدون وجهه؟ يعني يريدون ثوابه أن يروه يوم القيامة.

ومما استدلوا به على الرؤية من أعظم الاستدلالات اللي استدلوا بها على الرؤية

شغف النفوس لهذا الذي دائما يستدل به الصوفية وهو مذكور عن الحسن البصري، هي تقريبا تشبه حجة ديكارت على الله يقول لك: النفوس لما تعطش دليل على وجود ماء.. شيء فطرت عليه، أنت لما تؤمن بكمال مطلق في عالم كله ناقص إذا في شيء مفطور داخلك أنه في كمال مطلق ولا أصلا من أين عرفت أصلا أنه في كمال مطلق؟ صح ولا لا؟ يعني مثلا افرض أننا مجتمع كلنا عميان ولدنا كلنا عميانا هل في يوم من الأيام ممكن يجينا واحد مبصر يقول لنا ألوان؟ هذه الفكرة لن نفهمها لأن كلنا عميان لن نفهم الألوان نهائيا صح ولا لا؟ هي نفس الفكرة فكرة الكمال المطلق الموجود المطلق اللي هو الله عز وجل كمال مطلق هذه مجرد أنه فكر فيها بشر بيوم من الأيام إذا هذه فطرة يعني لو كلنا مادة وداخل هذا العالم يعني بطبيعة الحال لن يفكر بها لأنه سيفكر بمحيطه مثل الأعمى الذي لا يرى ألوانا، نفس القصة بالمعجزات خوارق العادة من أين جاءت فكرة خوارق العادة أصلا؟ - هذه يعني باللي يحاورون الملاحدة والخرابيط هؤلاء - هي الفكرة من أين جاءت؟ مادام أن الكون ماشي على قوانين ثابتة من أين جاءت فكرة خوارق العادة؟ من أين يفكر البشر أصلا بوجود شيء اسمه خوارق عادة؟ يدعون أنهم رأوها إذا لا شك أنها فعلت أو شيء غرس في فطرتهم يعني أصلها موجود، طيب يقول لك: يا أخي في ناس تؤمن بخرافات وكذا هذا عاد تجيبها شياطين وهذه الخرافات في العادة تكون عقائد حقيقية تم تحريفها، الآن ما دخل هذا بمبحث الرؤية؟ استدلال بالفطرة: شوق الناس لرؤية الله، ما جاء الشوق هذا إلا لشيء فطروا عليه لما قال موسى ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] موسى إنسان سليم فطرة ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ ما جاء هذا الشوق إلا من أيش؟ شيء فطر عليه، هل يريد العابدون إلا ما أراد موسى؟! وهذه الحاجة حتى في العلو، وأصلا هو أعظم نعيم في الجنة أنت أصلا لو تأملت نعيم الجنة ستجد أنه هناك المنكوح وهناك المشروب وهناك الكذا وهناك الكذا.. وكل واحد في لذة تقابله في الدنيا، لذة العلم يعني اليوم مثلا البشر يحبون أنهم يعلمون يحبون أنهم يتعلمون ويقدرون العالم اللي يعلم شيء عن هذا الكون يقدرونه يحبونه جدا.. يوم القيامة العابدون العالمون ستكون أعظم لذة عندهم التي هي تضاهي علمهم في الدنيا رؤية الله اللي هو الاتصال مع الكمال المطلق وهذه اللذة التي تتصاغر أمامها بقية اللذات: الاتصال بالكمال المطلق، لهذا أساس المحبة والمودة عندنا في هذه الدنيا: الشعور بالافتقار إلى الشيء، أو استعظامه لرؤية كمال فيه وهذه كلها في الله أعظم ما يكون فلهذا النظر لله عز وجل هو أعظم اللذات وهو منى عموم العلماء أسأل الله عز وجل ألا يحرمنا.

ولهذا سبحان الله حتى بعض الجهمية من ضمن ما سمعناه أنه... تعرفون في الحديث ((اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقاءك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة))

مرة قال أحد أهل السنة - هذا في عمان كان - فكان يسأل يقول: اللهم نسألك لذة النظر إلى وجهك وألا يراه الإباضية معنا، فقام إباضي وغضب غلبته فطرته يعني غضب أنه لن يرى الله وهي عقيدته أنه لن يرى الله، لهذا سبحان الله هذه من أقبح الأقوال ومن أشنعها ومن أفظعها أن الله ليس له كلام يسمع ولا يرى ولا يتجه إليه يعني والله أعظم جريمة هذه يعني والله هذه العقائد من أبشع ما يكون يعني والله حتى أنا أتعجب ممن يستهون الخلاف مع هؤلاء الناس من هؤلاء الطواغيت حقا الطواغيت الذي يقول لك: اترك هذه الخلافيات من أجل دنيا نصيبها، يا أخي أناس ضيعوا الله ضيعوا الأمر الذي من أجله نعيش يعني نحن نعيش من أجل هذا الأمر أصلا، أنت بهيمة تعيش من أجل الأكل والشرب هذا أنت والله يعني حتى البهائم أظنها ترجو شيئا من هذا أما نحن لهذا نعيش نعيش لله، ثم يأتون هؤلاء ويحجرون القلوب ثم بعد ذلك انظر كيف انتشرت بينهم الوثنية، لماذا؟ لأن فطرتهم تدعوهم إلى أن يجدوا شيئا يتصلون به فذهبوا إلى الأولياء وعبدوهم من دون الله لأنهم يريدون إلها يسمع ويبصر ويتكلم ويرونه ويمنون أنفسهم أن يروه فلما استقر التجهم في قلوبهم وأعدموا الإله اتجهت قلوبهم إلى هذه المعبودات.

هذه تقريبا أخطر عقائد ممكن يعتقدها إنسان منتسب لملة الإسلام هذا أخطر بحث لهذا أئمة السلف يهتمون به جدا، لهذا شوف أبو الحسن الأشعري اللي قضى عمره معتزلي أربعين سنة هذا ثابت عنه بسند صحيح وهو قاعد يحتضر كان يقول: لعن الله المعتزلة موهوا ومخرقوا.. خلاص طاشت كل هذه الوسوسات واقترب من لقاء الله فبدا له عظم زيف الأمر وكيف أن من يقرأ كلامهم يقسو قلبه ولا يجد قلبه في أشد ما يحتاج إليه أنه لا يرغب الله ولا يرهبه؛ لهذا سبحان الله الزهاد فيهم قلة.

لهذا تذكرون لما أقول لكم أن المرجئة فيهم عباد كثير حتى القدرية حتى غيرهم أما الجهمية في العادة العباد فيهم قليل.. عبادهم الذين يتصوفون والذين إذا تصوفوا انعزلوا عن حقيقة مذهبهم الجهمي كما يقول الغزالي لنا عقائد: عقيدة مع العامة، وعقيدة تدرس، وعقيدة بينك وبين الله، شنو اللي بينك وبين الله؟ سر، حتى من شدة ما عطشت عندهم القلوب من شدة ما عطشت فجأة جاشت وهامت ووصلت إلى مرحلة أنه أنا الله وكل شيء هو الله، يعني طاشت العقول بعد شدة التعطيل ذهبت وطاشت مرة أخرى إلى شيء عظيم وبدأوا يتكلمون عن الله - عز وجل - بألفاظ العشق وو.. هذا من شدة ما يعطش في الدرس الكلامي من شدة ما يجد جفافا ثم فجأة يفقد عقله ويبدأ يصير يتلو القصائد التي تقال في الغزليات ويقولها عن الله وينسى عقيدته الكلامية تماما كما ترى الصوفية الآن ترى الصوفية ماذا يقولون؟ وهتف هاتف وسمع شخصا يقول له عبدي فلان، طيب هذا معناته أن الله يتكلم بصوت، خلاص وينسى ويتجه إلى السماء ويتجه.. هذا الذي يدرسه في الكلام ينساه خلاص يعني يريد أن يتجه.

لهذا لما ذاك قال: حيرني الهمداني، الهمداني هذا مشهور من العباد قال له: الضرورة التي نجدها في نفوسنا ونتجه إلى السماء، لهذا كثير منهم اتجه إلى التصوف لكي يوازن يعني هذه العقيدة فضيحة، ولهذا المعتزلة انقرضت والأشعرية التي استطاعت أن توازن تأتي بالتصوف ليعضدها استطاعت أن تستمر بين الناس وقتا طويلا.

لكن حقيقة هي السنية التي يكون فيها الإنسان متزنا بين ما يؤصل في العقيدة وبين أنه يتجه وبين أنه إذا يسجد يقول: سبحان ربي الأعلى وهو مطمئن، وهو يقرأ الفاتحة يعني أن الله يرد عليه ويقول: حمدني عبدي ويقول كذا ويقول كذا.. وينصب وجهه إلى وجهه، في الحديث يقول لك: ((ينصب وجهه إلى وجهه)) هذا الوجه الذي يعني يطمع أن يرى يوم القيامة، خلاص كل جمال في هذا الكون من آثار جمال الله تبارك وتعالى لما نقول: كل رحمة من آثار رحمته، أليس كذلك؟ يعني ترى كل شيء ممكن يبهرك في هذه الدنيا يعني تنظر إليه الرؤية لله عز وجل... ولا متناهي كمال لا متناهي يعني باختصار لذة لا متناهية فتشغلهم عما هم فيه، العلم اللامتناهي.. الكمال اللامتناهي.. الجمال اللامتناهي.. وفي الجنة حيث الرحمة اللامتناهية يعني شيء لا يوصف بالكلام يعني حتى أنصح بقراءة ما كتبه ابن القيم في هذا الأمر.

النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يبشر جابر بن عبد الله ماذا قال له؟ قال له: أبوه كلمه الله كفاحا، بس هو يعني يسمع صوت الله، كلمه الله كفاحا مباشرة هكذا هكذا تطمئن النفس وتستقر وتستريح، حتى صلاة الله وسلامه عليه لما يقول: بل الرفيق الأعلى.. بل الرفيق الأعلى.. هذا شوق جاش خلاص، نسأل الله عز وجل من فضله، هذا وصل اللهم على محمد.

فصول الكتاب · 28 فصل
فصول شرح أصول السنة
التمسك بما كان عليه الصحابة والاقتداء بهمترك البدع وكل بدعة ضلالةترك المراء والجدال والخصومات في الدينترك الجلوس مع أهل الأهواءليس في السنة قياس إنما هو الاتباع وترك الهوىالإيمان بالقدر خيره وشرهالإيمان برؤية الله عز وجلالقرآن كلام الله وليس بمخلوقالتحذير من القول باللفظ والوقفرؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربهالإيمان بالميزانالإيمان بالحوض وبعذاب القبرالإيمان بالشفاعةالإيمان أن المسيح الدجال خارجالإيمان قول وعمل يزيد وينقصمن ترك الصلاة فقد كفرخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمانثم عثمانفضل أصحاب الشورى الخمسة وأهل بدر وبقية الصحابةالسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر وانعقاد الخلافةأصول التعامل مع الولاة والجهاد مع البر والفاجرحكم الخروج على الأئمة وقتال اللصوص والخوارجعدم الشهادة على أحد من أهل القبلة بجنة ولا نارالتوبة وحكم مرتكب الكبيرةإثبات حد الرجم من السنة النبوية وعمل الأئمة الراشدينحكم انتقاص الصحابة ووجوب سلامة القلب لهمحقيقة النفاق ومنهج السلف في أحاديث الوعيدإثبات خلق الجنة والنار والاستغفار لمن مات من الموحدين
جارٍ التحميل