الفصل السابع: في بيان فعلهم في إثبات الصفات في الظاهر وعدولهم إلى التأويل في الباطن
وينبغي أن يتأمل قول الكلابية والأشعرية في الصفات، ليعلم أنهم غير مثبتين (إلهاًَ) 1 في الحقيقة، وأنهم يتخيرون من النصوص ما أرادوه، ويتركون سائرها ويخالفونه.
من ذلك اعترافهم بأن الله سبحانه موصوف بأن له يداً وأن هذه الصفة إنما عرفت من جهة السمع، وأظهروا الرد على المعتزلة في ذلك.
وأهل السنة متفقون على أن لله سبحانه يدين، بذلك ورد النص في الكتاب والأثر، قال الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ 2.
وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "وكلتا يدي الرحمن يمين" 3.
وعند الكلابية أن له يدا واحدة1ومن أثبت له يدي صفة فقد ضل. ثم فسروا اليد وعدلوا في التفسيرعن الظاهر إلى تأويل مخالف له فعادوا إلى المعتزلة. والأشعري أثبت يدين لكنه وافق ابن كلاب في التأويل.2
وكل حديث جاء في الصحيح مما يتعلق في الصفات عدلوا به إلى معنى غير الصفة.
منها حديث ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ 3
فقال1: "يحمل السموات على أصبع والأرضين على أصبع" 2.
ومنها حديثه الثابت عنه عليه السلام: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع إلرحمن" رواه النواس بن سمعان 3 وجماعة من
الصحابة رحمهم الله.1
ومنها (حديث) 2 أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يضحك الله سبحانه وتعالى إلى رجلين" 3
وحديث أبي رزين1في معناه.2
ومن ذلك الغضب، والرضى، وغير ذلك، وقد نطق القرآن بأكثرها.3
وعند أهل الأثر أنها صفات ذاته لا يفسر منها إلا ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي بل نمر هذه الأحاديث على ما جاءت بعد قبولها والإيمان بها والاعتقاد بما فيها بلا كيفية.1
ولأبي بكر بن فورك الأصبهاني1كتابان في تفسيرما ورد في القرآن من الصفات، ومعنى ما جاء في الحديث الصحيح2منها ما يخالف
في... 1 أهل السنة.
ومن أتقن السنة ثم تأمل كتابيه بانَ له خلاف أبي بكر بن فورك وأصحابه للحق.
والمعتزلة مع سوء مذهبهم أقل ضرراً على عوام أهل السنة من هؤلاء، لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تستقف2ولم تموه.
بل قالت: إن الله بذاته في كل مكان3، وإنه غيرمرئي4وإنه لا سمع له ولا بصر،
ولا علم، ولا قدرة ولا قوة، ولا إرادة، ولا كلام، و (لا) 1 صفات مضافة إلى ذاته لازمة لها، بل هذه الأشياء أفعال له محدثة في غيره2وإن القرآن مخلوق3، وإن من مات من غيرتوبة من أصحاب الكبائر خلد في النار مع الكفار4وإن الحوض والشفاعة، والميزان لا أصل لها5، وإن من زنا أو سرق أو ارتكب كبيرة
خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر وسمي فاسقاً.1
وإن الدار إذا (لم) 2 يظهر فيها قولهم دار حرب3، وإن من انتحل مذهب أهل الأثر واعتقد ما في الأحاديث على ظاهرها حشوى4،
وعند التحقيق كافر.
فعرف أكثر المسلمين مذهبهم وتجنبوهم وعدوهم أعداء.
والكلابية والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة، والذب عن السنة وأهلها، وقالوا في القرآن وسائر الصفات ما ذكرنا بعضه، وقولهم في القرآن حيره1يدعون قرآنا ليس بعربي وأنه الصفة الأزلية وأما هذا النظم العربي فمخلوق عندهم.2
ويقولون: الإِيمان: التصديق.3
وعلى أصلهم أن من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهو مؤمن، (لأمرين) 1: أحدهما: أن أصل الإيمان عندهم المعرفة كما قال جهم.2
والثاني: أن الكلام معنى في النفس فهو إذا صدق بقلبه فقد تكلم على أصلهم به. وعند أهل الأثر أن الإِيمان: قول وعمل يزيد وينقص، وعلماء الآفاق المتبعون كلهم على هذا القول.3
ومخالفونا هؤلاء يقولون معنا في الظاهر مثل ذلك، وعندهم أن
التصديق لا مدخل للزيادة والنقصان فيه وهو الإيمان.1
وعند المعتزلة أن الاسم غير المسمى.2
وأن أهل السنة (عندهم) 3 أن الاسم هو المسمى.
وقد نص على ذلك جماعة من الأئمة (كـ) الشافعي4، والأصمعي56.
وعند الأشعري: أن الاسم الذي نختلف فيه ليس هو المسمى ولا هو غير المسمى12.
وعند المعتزلة أن الذي تحويه دفتا المصحف قرآن وكذلك ما وعته الصدور، وكذلك ما يتحرك به لسان القاريء وكل ذلك مخلوق. وعند أهل السنة أن ذلك قرآن غير مخلوق و (عند) 1 الأشعري أنه مخلوق وليس بقرآن وإنما هو عبارة عنه.2
وكذلك كثير من مذهبه، يقول في الظاهر بقول أهل السنة مجملاً، ثم عند التفسير، والتفصيل يرجع إلى قول المعتزلة، فالجاهل يقبله بما يظهره، والعالم يجهره3لما منه يخبره، والضرر بهم أكثر منه بالمعتزلة لإِظهار أولئك ومجاوبتهم4أهل السنة وإخفاء هؤلاء ومخالطتهم أهل الحق.
نسأل الله السلامة من كل برحمته.