خلاصة تعظيم العلمالمعقد العشرون: حفظ الوقت في العلم

المعقد العشرون: حفظ الوقت في العلم

إذا كان العلمُ أشرفَ مطلوبٍ، والعمرُ يُطوَى كجليدٍ يذوبُ، فعينُ العقلِ حفظُ الوقتِ فيه، والخوفُ من تقضيه بلا فائدةٍ، والسُّؤال عنه يومَ القيامةِ يحملني وإيَّاكَ على المبالغةِ في رعايته.

قال ابن الجوزي رحمه الله في «صيد خاطره»:

«ينبغي للإنسان أن يعرفَ شرفَ زمانه، وقدر وقته، فلا يُضيِّع منه لحظةً في غير قُربةٍ، ويُقدِّم فيه الأفضلَ فالأفضلَ من القولِ والعملِ».

ومن هنا عظُمت رعاية العلماء للوقت، حتى قال محمد بن عبد الباقي البزَّاز: «ما ضيَّعتُ ساعةً من عمري في لهوٍ أو لعبٍ».

وقال أبو الوفاء ابن عقيل - الذي صنَّف كتاب الفنون في ثمانمائة مجلَّد -: «إني لا يَحِلُّ لي أن أُضيعَ ساعةً من عمري».

وبَلَغَتْ بهمُ الحال أن يُقرأ عليهم حال الأكل؛ فلقد كان أحمد بن سليمان البلقاسي - المتوفى عن ثمانية وعشرين سنة -

١٣٥

يُقرئ القراءاتِ في حال أكله؛ خوفًا من ضياع وقته في غيرها، فكان أصحابه يقرأون عليه وهو يتناول مأكله ومشربه.

بل كان يُقرأ عليهم وهم في دار الخلاء؛ فكان ابن تيمية الجدُّ رَحِمَهُ اللهُ إذا دخل الخلاء لقضاء حاجةٍ قال لبعض من حوله: «اقرأ في هذا الكتاب، وارفع صوتك».

وتجلَّت هذه الرعاية للوقت عند القوم - رحمهم الله - في معالمَ عدَّةٍ، لم تبلغها الحضاراتُ الإنسانيةُ قاطبةً.

منها: كثرة دروسهم؛ فقد كان النَّوويُّ رَحِمَهُ اللهُ يقرأ كلَّ يومٍ اثني عشر درسًا على مشايخه، والشَّوكانيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - صاحب «نيل الأوطار» - تبلغ دروسه في اليوم والليلة ثلاثة عشر درسًا؛ منها ما يأخذه عن مشايخه، ومنها ما يأخذه عنه تلامذته.

وأربى محمود الآلوسيُّ صاحب التَّفسير عليهم جميعًا، فقد كان يُدرِّس في اليوم أربعة وعشرين درسًا، ولمَّا اشتغل بالتَّفسير والإفتاء نقصت إلى ثلاثة عشر درسًا.

ثمَّ رأيتُ في ترجمة محمد بن أبي بكر ابن جماعة أنَّ دروسه تبلغ في اليوم والليلة نحو خمسين درسًا.

ومنها: كثرة مدروساتهم؛ فقد درس ابن التبان «المدونة»

١٣٧

نحو ألفِ مرَّةٍ، وربما وُجد في بعضِ كتبِ عبَّاسِ بنِ الفارسيِّ بخطِّه: دَرسته ألفَ مرَّةٍ.

وكَرَّر غالبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ المعروفُ بابنِ عطيةَ - والدُ صاحبِ التَّفسيرِ المشهورِ - «صحيحَ البخاريِّ» سَبعمائةِ مرَّةٍ.

ومنها: كثرةُ مكتوباتِهم؛ فأحمدُ بنُ عبدِ الدَّائمِ المقدسيُّ - أحدُ شيوخِ العلمِ من الحنابلةِ - كتبَ بيده ألفي مجلَّدٍ، ووقعَ مثله لابنِ الجوزيِّ.

ومنها: كثرةُ مقروءاتِهم؛ فابنُ الجوزيِّ رَحِمَهُ اللهُ طالعَ وهو بعدُ في الطَّلبِ عشرين ألفَ مجلَّدٍ.

ومنها: كثرةُ شيوخِهم؛ فالذين جاوزَ عددُ شيوخِهم الألفَ كثيرٌ في هذهِ الأمَّةِ، وأعجبُ ما ذُكر أنَّ أبا سعدٍ السَّمعانيَّ بلغَ عددُ شيوخه سبعةَ آلافِ شيخٍ، قال ابنُ النَّجارِ في «ذيلِ تاريخِ بغدادَ»: «وهذا شيءٌ لم يبلغه أحدٌ».

ومنها: كثرةُ مسموعاتِهم ومقروءاتِهم على شيوخِهم من التَّصانيفِ المطوَّلةِ والأجزاءِ الصَّغيرةِ؛ فقد تُعَدُّ بالآلافِ المؤلَّفةِ، كما وقعَ لابنِ السَّمعانيِّ المذكورِ وصاحبِهِ ابنِ عساكرَ في جماعةٍ آخرينَ.

ومنها: كثرةُ مصنَّفاتِهم؛ حتى عُدَّت ألفُ مصنَّفٍ لجماعةٍ من

١٣٩

علماء هذه الأُمَّة، منهم عبد الملك بن حبيب عالم الأندلس، وأبو الفرج ابن الجوزيِّ.

فاحفظ أيُّها الطَّالب وقتك؛ فلقد أبلغ الوزيرُ الصَّالح ابن هبيرة في نصحك بقوله:

والوقت أنفس ما عُنِيَت بحفظه ... وأراه أسهل ما عليك يضيعُ

١٤١

جارٍ التحميل