الْمَعْقِدُ التَّاسِعُ: الصَّبْرُ فِي الْعِلْمِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً
إِذْ كُلُّ جَلِيلٍ مِنَ الْأُمُورِ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالصَّبْرِ، وَأَعْظَمُ شَيْءٍ تَتَحَمَّلُ بِهِ النَّفْسُ طَلَبَ الْمَعَالِي؛ تَصْبِيرُهَا عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الصَّبْرُ وَالْمُصَابَرَةُ مَأْمُورًا بِهِمَا لِتَحْصِيلِ أَصْلِ الْإِيمَانِ تَارَةً، وَلِتَحْصِيلِ كَمَالِهِ تَارَةً أُخْرَى؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةَ ٢٠٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الْكَهْفِ: الْآيَةَ ٢٨].
قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: «هِيَ مَجَالِسُ الْفِقْهِ».
وَلَنْ يُحَصِّلَ أَحَدٌ الْعِلْمَ إِلَّا بِالصَّبْرِ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَيْضًا: «لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ».
فَبِالصَّبْرِ يُخْرَجُ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَهْلِ.
٦٩
قال الأصمعيُّ: «مَن لم يحتمل ذُلَّ التَّعليم ساعةً، بقي في ذلِّ الجهل أبدًا».
وبه تُدرك لذَّة العلم.
قال بعض السَّلف: «مَن لم يحتمل ألم التَّعليم لم يَذُق لذَّة العلم».
ولا بُدَّ دون الشَّهد من سُمِّ لَسْعَةٍ.
وكان يُقال: «مَن لم يركبِ المصاعب لم يَنَلِ الرَّغائب».
وصبر العلم نوعان:
أحدهما: صبرٌ في تحمُّله وأخذه؛ فالحفظ يحتاج إلى صبرٍ، والفهم يحتاج إلى صبرٍ، وحضور مجالس العلم يحتاج إلى صبرٍ، ورعاية حقِّ الشَّيخ تحتاج إلى صبرٍ.
والنَّوع الثَّاني: صبرٌ في أدائه وبثِّه وتبليغه إلى أهله؛ فالجلوس للمتعلِّمين يحتاج إلى صبرٍ، وإفهامهم يحتاج إلى صبرٍ، واحتمالُ زلَّاتهم يحتاج إلى صبرٍ.
وفوق هذين النَّوعين من صبر العلم الصَّبر على الصَّبر فيهما والثَّبات عليهما.
لكُلِّ إِلَى شَأْوِ العُلا وَثَبَاتُ ... وَلَكِن عَزِيزٌ فِي الرِّجَالِ ثَبَاتُ
٧١
وَمَن يَلْزَمِ الصَّبْرَ يَظْفَر بِالرُّشْدِ.
قَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ الْمُحَدِّثُ:
إِنِّي رَأَيْتُ وَفِي الْأَيَّامِ تَجْرِبَةٌ ... لِلصَّبْرِ عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةُ الْأَثَرِ
وَقَلَّ مَن جَدَّ فِي أَمْرٍ تَطَلَّبَهُ ... وَاسْتَصْحَبَ الصَّبْرَ إِلَّا فَازَ بِالظَّفَرِ
٧٣