أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْمَعْقِدُ الثَّانِي: إِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِيهِ

إِنَّ إِخْلَاصَ الْأَعْمَالِ أَسَاسُ قَبُولِهَا، وَسُلَّمُ وُصُولِهَا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [الْبَيِّنَة: الْآيَة ٥].

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي «الْجَامِعِ الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ»، وَمُسْلِمٌ فِي «الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ» - وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».

وَمَا سَبَقَ مَنْ سَبَقَ وَلَا وَصَلَ مَنْ وَصَلَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، إِلَّا بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ ابْنَ حَنْبَلٍ - وَذَكَرَ لَهُ الصِّدْقَ وَالْإِخْلَاصَ؛ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «بِهَذَا ارْتَفَعَ الْقَوْمُ».

وَإِنَّمَا يُنَالُ الْمَرْءُ الْعِلْمَ عَلَى قَدْرِ إِخْلَاصِهِ.

٢٥

والإخلاصُ في العلمِ يقومُ على أربعةِ أصولٍ، بها تتحقَّقُ نِيَّةُ العلمِ للمتعلِّمِ إذا قصدَها:

الأوَّلُ: رفعُ الجهلِ عن نفسِهِ؛ بتعريفِها ما عليها من العبودِيَّاتِ، وإيقافِها على مقاصدِ الأمرِ والنَّهيِ.

الثَّاني: رفعُ الجهلِ عن الخلقِ؛ بتعليمِهم وإرشادِهم لما فيه صلاحُ دنياهم وآخرتِهم.

الثَّالثُ: إحياءُ العلمِ، وحفظُه من الضَّياعِ.

الرَّابعُ: العملُ بالعلمِ.
فالعلمُ شجرةٌ، والعملُ ثمرةٌ، وإنَّما يُرادُ العلمُ للعملِ.

ولقد كان السَّلفُ - رحمهم اللهُ - يخافون فواتَ الإخلاصِ في طلبِهم العلمَ، فيتورَّعون عن أدعائِهِ، لا أنَّهم لم يُحقِّقوه في قلوبِهم.

فهشامٌ الدَّستوائيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- يقولُ: «واللهِ، ما أستطيعُ أن أقولَ: إنِّي ذهبتُ يومًا أطلبُ الحديثَ أُريدُ به وجهَ اللهِ عز وجل».

وسُئلَ الإمامُ أحمدُ: هل طلبتَ العلمَ للهِ؟ فقالَ: «اللهُ! عزيزٌ، ولكنَّه شيءٌ حُبِّبَ إليَّ فطلبتُه».

ومَن ضيَّعَ الإخلاصَ فاتَه علمٌ كثيرٌ، وخيرٌ وفيرٌ.

٢٧

وَيَنْبَغِي لِقَاصِدِ السَّلَامَةِ أَنْ يَتَفَقَّدَ هَذَا الْأَصْلَ - وَهُوَ الْإِخْلَاصُ - فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا، دَقِيقِهَا وَجَلِيلِهَا، سِرِّهَا وَعَلَنِهَا.
وَيَحْمِلُ عَلَى هَذَا التَّفَقُّدِ شِدَّةُ مُعَالَجَةِ النِّيَّةِ.

قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «مَا عَالَجْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ نِيَّتِي؛ لِأَنَّهَا تَتَقَلَّبُ عَلَيَّ».

بَلْ قَالَ سُلَيْمَانُ الْهَاشِمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «رُبَّمَا أُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ وَلِي نِيَّةٌ، فَإِذَا أَتَيْتُ عَلَى بَعْضِهِ تَغَيَّرَتْ نِيَّتِي، فَإِذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّاتٍ».

٢٩

فصول الكتاب · 23 فصل
خلاصة تعظيم العلم
تأليف صالح بن عبد الله العصيمي
تقدّمك في الكتاب: الْمَعْقِدُ الثَّانِي: إِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِيهِ — 4 من 23
فصول خلاصة تعظيم العلم
مقدمة الكتابغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَالْمَعْقِدُ الْأَوَّلُ: تَطْهِيرُ وِعَاءِ الْعِلْمِالْمَعْقِدُ الثَّانِي: إِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِيهِالمعقدُ الثالثُ: جمعُ هِمَّةِ النَّفسِ عليهِالْمَعْقِدُ الرَّابِعُ: صَرْفُ الْهِمَّةِ إِلَى عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِالمعقِدُ الخامسُ: سلوكُ الجادَّةِ الموصلةِ إليهِالْمَعْقِدُ السَّادِسُ: رِعَايَةُ فُنُونِهِ فِي الْأَخْذِ، وَتَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْمُهِمِّالمعقدُ السابعُ: المبادرةُ إلى تحصيلِه، واغتنامُ سِنِّ الصِّبا والشبابِالمعقدُ الثامنُ: لزومُ التأنِّي في طلبِهِ، وتركُ العجلةِالْمَعْقِدُ التَّاسِعُ: الصَّبْرُ فِي الْعِلْمِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءًالمعقدُ العاشر: ملازمةُ آدابِ العلمِالمعقدُ الحادي عشر: صيانةُ العلمِ عمَّا يَشينُ، مِمَّا يُخالفُ المروءةَ ويخرِمُهاالمعقدُ الثاني عشر: انتخابُ الصُّحبةِ الصَّالحةِ لهالمَعْقِدُ الثَّالِثَ عَشَرَ: بذلُ الجهدِ في تحفُّظِ العلمِ، والمذاكرةِ بهِ، والسُّؤالِ عنهُالْمَعْقِدُ الرَّابِعَ عَشَرَ: إِكْرَامُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَوْقِيرُهُمْالمعقِدُ الخامسَ عشرَ: ردُّ مُشكِلِهِ إلى أهلِهِالمعقِدُ السَّادسَ عشرَ: توقير مجالس العلمِ، وإجلال أوعيتهالمعقدُ السَّابعَ عشرَ: الذَّبُّ عنِ العِلمِ، والذَّودُ عن حِياضِهالمَعْقِدُ الثَّامِنَ عَشَرَ: التَّحَفُّظُ فِي مَسْأَلَةِ العَالِمِالْمَعْقِدُ التَّاسِعَ عَشَرَ: شَغَفُ الْقَلْبِ بِالْعِلْمِ وَغَلَبَتُهُ عَلَيْهِالمعقد العشرون: حفظ الوقت في العلمالخاتمة
جارٍ التحميل