المعقدُ الثامنُ: لزومُ التأنِّي في طلبِهِ، وتركُ العجلةِ
إنَّ تحصيلَ العلمِ لا يكونُ جملةً واحدةً؛ إذ القلبُ يضعفُ عن ذلك؛ وإنَّ للعلمِ فيه ثِقلاً كثِقلِ الحجرِ في يدِ حاملِهِ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المُزَّمِّل: ٥] أي القرآن، وإذا كان هذا وصفَ القرآنِ الميَسَّر - كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ﴾ [القَمَر: الآية ١٧] - فما الظنُّ بغيرِهِ من العلومِ؟!
وقد وقع تنزيلُ القرآنِ رعايةً لهذا الأمرِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا باعتبارِ الحوادثِ والنَّوازلِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
وهذه الآيةُ حُجَّةٌ في لزومِ التأنِّي في طلبِ العلمِ، والتدرُّجِ فيه، وتركِ العجلةِ؛ كما ذكرَه الخطيبُ البغداديُّ في «الفقيهِ والمتفقهِ»، والراغبُ الأصفهانيُّ في مقدِّمةِ «جامعِ التفسيرِ».
٦٣
ومن شعر ابن النحاس الحلبي قوله رَحِمَهُ اللهُ:
اليومَ شيءٌ وغَدًا مِثْلُهُ ... من نُخَبِ العِلمِ التي تُلْتَقَطْ
يُحَصِّلُ المرءُ بها حِكْمَةً ... وإنما السَّيْلُ اجتماعُ النُّقَطْ
قال شعبة بن الحجاج: «اختلفتُ إلى عمرو بن دينارٍ خمسمائة مرَّةٍ، وما سمعت منه إلا مائة حديث، في كلِّ خمسة مجالسَ حديثٌ».
وقال حمَّاد بن أبي سليمان لتلميذٍ له: «تعلَّم كلَّ يومٍ ثلاثَ مسائلَ، ولا تَزِدْ عليها شيئًا».
ومقتضى لزوم التَّأنِّي والتَّدرُّج: البداءةُ بالمتون القصار المصنَّفةِ في فنون العلم، حفظًا واستشراحًا، والميلُ عن مطالعة المطوَّلات التي لم يرتفعِ الطَّالبُ بعدُ إليها.
ومن تعرَّض للنَّظر في المطوَّلات فقد يجني على دينه، وتجاوزُ الاعتدال في العلم رُبَّما أدَّى إلى تضييعه، ومن بدائع الحِكَم قول عبد الكريم الرِّفاعيِّ - أحد شيوخ العلم بدمشق الشَّام في القرن الماضي -: «طعام الكبار سُمُّ الصِّغار».
٦٥
وصدقَ؛ فإنَّ الرَّضيعَ إذا تناول طعامَ الكبار، مهما لذَّ وطاب، أهلكه وأعطبه، ومثله مَن يتناول المسائلَ الكبارَ من المطوَّلات، ويُوقفُ نفسه مع ضعفِ الآلةِ على خلافِ العلماء، وتعدُّدِ مذاهبهم في المنقولِ والمعقولِ.
٦٧