أهل الأثرالأرشيف العلمي

المعقِدُ السَّادسَ عشرَ: توقير مجالس العلمِ، وإجلال أوعيته

فمجالس العلماء كمجالس الأنبياء.

قال سهل بن عبد الله: «مَن أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء، يجيءُ الرَّجل فيقول: يا فلان، أيُّ شيءٍ تقول في رجلٍ حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: طَلَّقَت امرأته، ويجيءُ آخر فيقول: ما تقول في رجلٍ حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: ليس يحنث بهذا القول، وليس هذا إلا لنبيٍّ أو لعالمٍ، فاعرفوا لهم ذلك».

وقال مالك بن أنسٍ: «إنَّ مجالس العلماء تُحتضن بالخشوع والسَّكينة والوقار».

وقد كان مالكٌ رَحِمَهُ اللهُ إذا أراد أن يُحدِّث توضَّأ وجلس على صدر فراشه، وسرَّح لحيته، وتمكَّن من جلوسه بوقارٍ وهيبةٍ، ثمَّ حدَّث.

١٠٩

وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ لَا يُتَحَدَّثُ فِي مَجْلِسِهِ، وَلَا يُبْرَى فِيهِ قَلَمٌ، وَلَا يَتَبَسَّمُ فِيهِ أَحَدٌ.

وَكَانَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي مَجْلِسِهِ كَأَنَّهُمْ فِي صَلَاةٍ.

فَعَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَعْرِفَ لِمَجَالِسِ الْعِلْمِ حَقَّهَا، فَيَجْلِسَ فِيهَا جِلْسَةَ الْأَدَبِ، وَيُصْغِيَ إِلَى الشَّيْخِ نَاظِرًا إِلَيْهِ، فَلَا يَلْتَفِتُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا يَضْطَرِبُ لِضَجَّةٍ يَسْمَعُهَا، وَلَا يَعْبَثُ بِيَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ، وَلَا يَسْتَنِدُ بِحَضْرَةِ شَيْخِهِ، وَلَا يَتَّكِئُ عَلَى يَدِهِ، وَلَا يُكْثِرُ التَّنَحْنُحَ وَالْحَرَكَةَ، وَلَا يَتَكَلَّمُ مَعَ جَارِهِ، وَإِذَا عَطَسَ خَفَّضَ صَوْتَهُ، وَإِذَا تَثَاءَبَ سَتَرَ فَمَهُ بَعْدَ رَدِّهِ جَهْدَهُ.

وَيَنْضَمُّ إِلَى تَوْقِيرِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ إِجْلَالُ أَوْعِيَتِهِ الَّتِي يُحْفَظُ فِيهَا، وَعِمَادُهَا الْكُتُبُ، فَاللَّائِقُ بِطَالِبِ الْعِلْمِ: صَوْنُ كِتَابِهِ، وَحِفْظُهُ وَإِجْلَالُهُ، وَالِاعْتِنَاءُ بِهِ، فَلَا يَجْعَلُهُ صُنْدُوقًا يَحْشُوهُ بِوَدَائِعِهِ، وَلَا يَجْعَلُهُ بُوقًا، وَإِذَا وَضَعَهُ وَضَعَهُ بِلُطْفٍ وَعِنَايَةٍ.

رَمَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَوْمًا بِكِتَابٍ كَانَ فِي يَدِهِ، فَرَآهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ ابْنُ حَنْبَلٍ فَغَضِبَ، وَقَالَ: «أَهَكَذَا يُفْعَلُ بِكَلَامِ الْأَبْرَارِ؟!».

وَلَا يَتَّكِئُ عَلَى الْكِتَابِ، أَوْ يَضَعُهُ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، وَإِذَا كَانَ يَقْرَأُ فِيهِ عَلَى شَيْخٍ رَفَعَهُ عَنِ الْأَرْضِ وَحَمَلَهُ بِيَدَيْهِ.

١١١

فصول الكتاب · 23 فصل
فصول خلاصة تعظيم العلم
مقدمة الكتابغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَالْمَعْقِدُ الْأَوَّلُ: تَطْهِيرُ وِعَاءِ الْعِلْمِالْمَعْقِدُ الثَّانِي: إِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِيهِالمعقدُ الثالثُ: جمعُ هِمَّةِ النَّفسِ عليهِالْمَعْقِدُ الرَّابِعُ: صَرْفُ الْهِمَّةِ إِلَى عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِالمعقِدُ الخامسُ: سلوكُ الجادَّةِ الموصلةِ إليهِالْمَعْقِدُ السَّادِسُ: رِعَايَةُ فُنُونِهِ فِي الْأَخْذِ، وَتَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْمُهِمِّالمعقدُ السابعُ: المبادرةُ إلى تحصيلِه، واغتنامُ سِنِّ الصِّبا والشبابِالمعقدُ الثامنُ: لزومُ التأنِّي في طلبِهِ، وتركُ العجلةِالْمَعْقِدُ التَّاسِعُ: الصَّبْرُ فِي الْعِلْمِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءًالمعقدُ العاشر: ملازمةُ آدابِ العلمِالمعقدُ الحادي عشر: صيانةُ العلمِ عمَّا يَشينُ، مِمَّا يُخالفُ المروءةَ ويخرِمُهاالمعقدُ الثاني عشر: انتخابُ الصُّحبةِ الصَّالحةِ لهالمَعْقِدُ الثَّالِثَ عَشَرَ: بذلُ الجهدِ في تحفُّظِ العلمِ، والمذاكرةِ بهِ، والسُّؤالِ عنهُالْمَعْقِدُ الرَّابِعَ عَشَرَ: إِكْرَامُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَوْقِيرُهُمْالمعقِدُ الخامسَ عشرَ: ردُّ مُشكِلِهِ إلى أهلِهِالمعقِدُ السَّادسَ عشرَ: توقير مجالس العلمِ، وإجلال أوعيتهالمعقدُ السَّابعَ عشرَ: الذَّبُّ عنِ العِلمِ، والذَّودُ عن حِياضِهالمَعْقِدُ الثَّامِنَ عَشَرَ: التَّحَفُّظُ فِي مَسْأَلَةِ العَالِمِالْمَعْقِدُ التَّاسِعَ عَشَرَ: شَغَفُ الْقَلْبِ بِالْعِلْمِ وَغَلَبَتُهُ عَلَيْهِالمعقد العشرون: حفظ الوقت في العلمالخاتمة
خلاصة تعظيم العلم
تأليف صالح بن عبد الله العصيمي
تقدّمك في الكتاب: المعقِدُ السَّادسَ عشرَ: توقير مجالس العلمِ، وإجلال أوعيته — 18 من 23
جارٍ التحميل