أهل الأثرالأرشيف العلمي

المعقدُ السابعُ: المبادرةُ إلى تحصيلِه، واغتنامُ سِنِّ الصِّبا والشبابِ

فإنَّ العمرَ زهرةٌ؛ إمَّا أن تصيرَ بسلوكِ المعالي ثمرةً، وإمَّا أن تذبلَ، وإنَّ ممَّا تُثمرُ به زهرةُ العمرِ: المبادرةُ إلى تحصيلِ العلمِ، وتركُ الكسلِ والعجزِ، واغتنامُ سِنِّ الصِّبا والشبابِ؛ امتثالًا للأمرِ باستباقِ الخيراتِ؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨].

وأيَّامُ الحداثةِ فاغتنمها ... ألا إنَّ الحداثةَ لا تدومُ

قال أحمدُ رَحِمَهُ اللهُ: «ما شُبِّهتُ الشَّبابَ إلَّا بشيءٍ كان في كُمِّي فسقطَ».

والعلمُ في سِنِّ الشَّبابِ أسرعُ إلى النَّفسِ، وأقوى تعلُّقًا ولصوقًا.

قال الحسنُ البصريُّ رَحِمَهُ اللهُ: «العلمُ في الصِّغرِ كالنَّقشِ في الحجرِ».

٥٧

فَقُوَّةُ بَقَاءِ العِلْمِ فِي الصِّغَرِ، كَقُوَّةِ بَقَاءِ النَّقْشِ فِي الحَجَرِ، فَمَنِ اغْتَنَمَ شَبَابَهُ نَالَ إِرْبَهُ، وَحَمِدَ عِنْدَ مَشِيبِهِ سُرَاهُ.

اغْتَنِمْ سِنَّ الشَّبَابِ يَا فَتَى ... عِنْدَ المَشِيبِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرَى

وَأَضَرُّ شَيْءٍ عَلَى الشَّبَابِ التَّسْوِيفُ وَطُولُ الأَمَلِ، فَيُسَوِّفُ أَحَدُهُمْ وَيَرْكَبُ بَحْرَ الأَمَانِيِّ، وَيَشْتَغِلُ بِأَحْلَامِ اليَقَظَةِ، وَيُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنَّ الأَيَّامَ المُسْتَقْبَلَةَ سَتَفْرُغُ لَهُ مِنَ الشَّوَاغِلِ، وَتَصْفُو مِنَ المُكَدِّرَاتِ وَالعَوَائِقِ.

وَالحَالُ المَنْظُورَةُ: أَنَّ مَنْ كَبُرَتْ سِنُّهُ كَثُرَتْ شَوَاغِلُهُ، وَعَظُمَتْ قَوَاطِعُهُ، مَعَ ضَعْفِ الجِسْمِ وَوَهَنِ القُوَى.

وَلَنْ تُدْرَكَ الغَايَاتُ العُظْمَى بِالتَّلَهُّفِ وَالتَّرَجِّي وَالتَّمَنِّي.

وَلَسْتُ بِمُدْرِكٍ مَا فَاتَ مِنِّي ... بِلَهْفٍ وَلَا بِلَيْتَ وَلَا لَوْ أَنِّي

وَلَا يُتَوَهَّمُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الكَبِيرَ لَا يَتَعَلَّمُ، بَلْ هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَعَلَّمُوا كِبَارًا، ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِ العِلْمِ مِنْ «صَحِيحِهِ»، وَإِنَّمَا يَعْسُرُ التَّعَلُّمُ فِي الكِبَرِ - كَمَا بَيَّنَهُ المَاوَرْدِيُّ فِي «أَدَبِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ» - لِكَثْرَةِ الشَّوَاغِلِ، وَغَلَبَةِ القَوَاطِعِ، وَتَكَاثُرِ العَلَائِقِ، فَمَنْ قَدِرَ عَلَى دَفْعِهَا عَنْ نَفْسِهِ أَدْرَكَ العِلْمَ.

٥٩

وقد وقع هذا لجماعةٍ من النُّبلاء، طلبوا العلمَ كبارًا فأدركوا منه قَدْرًا عظيمًا، منهم القَفَّال الشَّافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ.

٦١

فصول الكتاب · 23 فصل
فصول خلاصة تعظيم العلم
مقدمة الكتابغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَالْمَعْقِدُ الْأَوَّلُ: تَطْهِيرُ وِعَاءِ الْعِلْمِالْمَعْقِدُ الثَّانِي: إِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِيهِالمعقدُ الثالثُ: جمعُ هِمَّةِ النَّفسِ عليهِالْمَعْقِدُ الرَّابِعُ: صَرْفُ الْهِمَّةِ إِلَى عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِالمعقِدُ الخامسُ: سلوكُ الجادَّةِ الموصلةِ إليهِالْمَعْقِدُ السَّادِسُ: رِعَايَةُ فُنُونِهِ فِي الْأَخْذِ، وَتَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْمُهِمِّالمعقدُ السابعُ: المبادرةُ إلى تحصيلِه، واغتنامُ سِنِّ الصِّبا والشبابِالمعقدُ الثامنُ: لزومُ التأنِّي في طلبِهِ، وتركُ العجلةِالْمَعْقِدُ التَّاسِعُ: الصَّبْرُ فِي الْعِلْمِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءًالمعقدُ العاشر: ملازمةُ آدابِ العلمِالمعقدُ الحادي عشر: صيانةُ العلمِ عمَّا يَشينُ، مِمَّا يُخالفُ المروءةَ ويخرِمُهاالمعقدُ الثاني عشر: انتخابُ الصُّحبةِ الصَّالحةِ لهالمَعْقِدُ الثَّالِثَ عَشَرَ: بذلُ الجهدِ في تحفُّظِ العلمِ، والمذاكرةِ بهِ، والسُّؤالِ عنهُالْمَعْقِدُ الرَّابِعَ عَشَرَ: إِكْرَامُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَوْقِيرُهُمْالمعقِدُ الخامسَ عشرَ: ردُّ مُشكِلِهِ إلى أهلِهِالمعقِدُ السَّادسَ عشرَ: توقير مجالس العلمِ، وإجلال أوعيتهالمعقدُ السَّابعَ عشرَ: الذَّبُّ عنِ العِلمِ، والذَّودُ عن حِياضِهالمَعْقِدُ الثَّامِنَ عَشَرَ: التَّحَفُّظُ فِي مَسْأَلَةِ العَالِمِالْمَعْقِدُ التَّاسِعَ عَشَرَ: شَغَفُ الْقَلْبِ بِالْعِلْمِ وَغَلَبَتُهُ عَلَيْهِالمعقد العشرون: حفظ الوقت في العلمالخاتمة
خلاصة تعظيم العلم
تأليف صالح بن عبد الله العصيمي
تقدّمك في الكتاب: المعقدُ السابعُ: المبادرةُ إلى تحصيلِه، واغتنامُ سِنِّ الصِّبا والشبابِ — 9 من 23
جارٍ التحميل