أهل الأثرالأرشيف العلمي

المعقدُ السَّابعَ عشرَ: الذَّبُّ عنِ العِلمِ، والذَّودُ عن حِياضِه

إِنَّ للعِلمِ حُرمةً وافرةً، توجبُ الانتصارَ له إِذا تُعُرِّضَ لجنابهِ بما لا يصلحُ.

وقد ظهرَ هذا الانتصارُ عند أَهلِ العلمِ في مظاهرَ؛ منها: الرَّدُّ على المخالفِ، فمن استبانت مخالفتُه للشَّريعةِ رُدَّ عليه كائناً من كان؛ حَميَّةً للدِّينِ، ونصيحةً للمسلمينَ.

ولم يزلِ النَّاسُ يردُّ بعضُهم على بعضٍ - كما قال الإمامُ أحمدُ -، لكنَّ المرشَّحَ لذلك هم العلماءُ لا الدَّهماءُ، مع لزومِ الأدبِ وتركِ الجورِ والظُّلمِ.

ومنها: هجرُ المبتدعِ - ذكره أبو يعلى الفرَّاءُ إجماعاً -، فلا يُؤخذُ العلمُ عن أهلِ البدعِ، لكن إِذا أُضْطُرَّ إليه فلا بأسَ، كما في الرِّوايةِ عنهم لدى المحدِّثينَ.

١١٣

وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَفِيدِ - مُقَرِّرًا أَصْلًا كَبِيرًا تَعْظُمُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِي أَزْمِنَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْفِتَنِ -:

«فَإِذَا تَعَذَّرَ إِقَامَةُ الْوَاجِبَاتِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا بِمَنْ فِيهِ بِدْعَةٌ مَضَرَّتُهَا دُونَ مَضَرَّةِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، كَانَ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ مَعَ مَفْسَدَةٍ مَرْجُوحَةٍ خَيْرًا مِنَ الْعَكْسِ».

وَمِنْهَا: زَجْرُ الْمُتَعَلِّمِ إِذَا تَعَدَّى فِي بَحْثِهِ، أَوْ ظَهَرَ مِنْهُ لَدَدٌ أَوْ سُوءُ أَدَبٍ.

كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ إِنْ تَحَدَّثَ أَحَدٌ فِي مَجْلِسِهِ أَوْ بُرِيَ قَلَمٌ، صَاحَ وَلَبِسَ نَعْلَيْهِ وَدَخَلَ.

وَكَانَ وَكِيعٌ إِذَا أَنْكَرَ مِنْ أَمْرِ جُلَسَائِهِ شَيْئًا، أَنْتَعَلَ وَدَخَلَ.

وَشُوهِدَ هَذَا مِرَارًا مِنْ شَيْخِ شُيُوخِنَا مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيْخِ، فَكَمْ مَرَّةٍ رُئِيَ مُنْصَرِفًا لَمَّا سَمِعَ طَالِبًا يَتَشَدَّقُ فِي مَقَالِهِ، فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ وَانْصَرَفَ.

وَحَضَرَ شَابٌّ مَجْلِسَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، فَجَعَلَ يَتَرَأَّسُ وَيَتَكَلَّمُ وَيَتَكَبَّرُ بِالْعِلْمِ، فَغَضِبَ سُفْيَانُ وَقَالَ: «لَمْ يَكُنِ السَّلَفُ هَكَذَا، لَمْ يَكُنِ السَّلَفُ هَكَذَا، كَانَ أَحَدُهُمْ لَا يَدَّعِي الْإِمَامَةَ، وَلَا يَجْلِسُ فِي الصَّدْرِ حَتَّى يَطْلُبَ هَذَا الْعِلْمَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَأَنْتَ تَتَكَبَّرُ عَلَى مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْكَ! قُمْ عَنِّي، وَلَا أَرَاكَ تَدْنُو مِنْ مَجْلِسِي».

١١٥

وكان رَحِمَهُ اللهُ يقول: «إذا رأيتَ الشَّابَّ يتكلَّمُ عند المشايخ، وإن كان قد بلغَ من العلمِ مبلغًا، فآيس من خيره؛ فإنَّه قليلُ الحياءِ».

وإن احتاج المعلِّمُ إلى إخراج المتعلِّمِ من مجلسه؛ زجرًا له، فليفعل كما فعل سفيان، وكما كان يفعله شعبة رَحِمَهُ اللهُ مع عفَّانَ بن مسلمٍ في درسه.

وقد يُزجر المتعلِّمُ بعدمِ الإقبالِ عليه، وتركِ إجابته، فالسكوتُ جوابٌ؛ كما قال الأعمش.

ورأينا هذا كثيرًا من جماعةٍ من الشُّيوخ؛ منهم العلامة ابن باز رَحِمَهُ اللهُ فربَّما سأله سائلٌ عمَّا لا ينفعه، فترك الشيخُ إجابته، وأمر القارئ أن يواصل قراءته، أو أجابه بخلافِ قصده.

١١٧

فصول الكتاب · 23 فصل
خلاصة تعظيم العلم
تأليف صالح بن عبد الله العصيمي
تقدّمك في الكتاب: المعقدُ السَّابعَ عشرَ: الذَّبُّ عنِ العِلمِ، والذَّودُ عن حِياضِه — 19 من 23
فصول خلاصة تعظيم العلم
مقدمة الكتابغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَالْمَعْقِدُ الْأَوَّلُ: تَطْهِيرُ وِعَاءِ الْعِلْمِالْمَعْقِدُ الثَّانِي: إِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِيهِالمعقدُ الثالثُ: جمعُ هِمَّةِ النَّفسِ عليهِالْمَعْقِدُ الرَّابِعُ: صَرْفُ الْهِمَّةِ إِلَى عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِالمعقِدُ الخامسُ: سلوكُ الجادَّةِ الموصلةِ إليهِالْمَعْقِدُ السَّادِسُ: رِعَايَةُ فُنُونِهِ فِي الْأَخْذِ، وَتَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْمُهِمِّالمعقدُ السابعُ: المبادرةُ إلى تحصيلِه، واغتنامُ سِنِّ الصِّبا والشبابِالمعقدُ الثامنُ: لزومُ التأنِّي في طلبِهِ، وتركُ العجلةِالْمَعْقِدُ التَّاسِعُ: الصَّبْرُ فِي الْعِلْمِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءًالمعقدُ العاشر: ملازمةُ آدابِ العلمِالمعقدُ الحادي عشر: صيانةُ العلمِ عمَّا يَشينُ، مِمَّا يُخالفُ المروءةَ ويخرِمُهاالمعقدُ الثاني عشر: انتخابُ الصُّحبةِ الصَّالحةِ لهالمَعْقِدُ الثَّالِثَ عَشَرَ: بذلُ الجهدِ في تحفُّظِ العلمِ، والمذاكرةِ بهِ، والسُّؤالِ عنهُالْمَعْقِدُ الرَّابِعَ عَشَرَ: إِكْرَامُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَوْقِيرُهُمْالمعقِدُ الخامسَ عشرَ: ردُّ مُشكِلِهِ إلى أهلِهِالمعقِدُ السَّادسَ عشرَ: توقير مجالس العلمِ، وإجلال أوعيتهالمعقدُ السَّابعَ عشرَ: الذَّبُّ عنِ العِلمِ، والذَّودُ عن حِياضِهالمَعْقِدُ الثَّامِنَ عَشَرَ: التَّحَفُّظُ فِي مَسْأَلَةِ العَالِمِالْمَعْقِدُ التَّاسِعَ عَشَرَ: شَغَفُ الْقَلْبِ بِالْعِلْمِ وَغَلَبَتُهُ عَلَيْهِالمعقد العشرون: حفظ الوقت في العلمالخاتمة
جارٍ التحميل