أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْمَعْقِدُ السَّادِسُ: رِعَايَةُ فُنُونِهِ فِي الْأَخْذِ، وَتَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْمُهِمِّ

إِنَّ الصُّورَةَ الْمُسْتَحْسَنَةَ يَزِيدُ حُسْنُهَا بِتَمَتُّعِ الْبَصَرِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، وَيَفُوتُ مِن حُسْنِهَا عِندَ النَّاظِرِ بِقَدْرِ مَا يُحْتَجَبُ عَنْهُ مِن أَجْزَائِهَا، وَالْعِلْمُ هَكَذَا؛ مَن رَعَى فُنُونَهُ بِالْأَخْذِ، وَأَصَابَ مِن كُلِّ فَنٍّ حَظًّا كَمُلَت آلَتُهُ فِي الْعِلْمِ.

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي «صَيْدِ خَاطِرِهِ»:

«جَمْعُ الْعُلُومِ مَمْدُوحٌ.

مَن كُلِّ فَنٍّ خُذْ وَلَا تَجْهَلْ بِهِ

فَالْحُرُّ مُطَّلِعٌ عَلَى الْأَسْرَارِ»

وَيَقُولُ شَيْخُ شُيُوخِنَا محمَّد ابْنِ مَانِعٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي «إِرْشَادِ الطُّلَّابِ»:

«وَلَا يَنْبَغِي لِلْفَاضِلِ أَن يَتْرُكَ عِلْمًا مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، الَّتِي تُعِينُ عَلَى فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، إِذَا كَانَ يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ قُوَّةً عَلَى تَعَلُّمِهِ، وَلَا يَسُوغُ لَهُ أَن يَعِيبَ الْعِلْمَ الَّذِي يَجْهَلُهُ وَيَزْرِيَ بِعَالِمِهِ»؛

٥١

فإِنَّ هَذَا نَقْصٌ وَرَذِيلَةٌ، فَالْعَاقِلُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِعِلْمٍ أَوْ يَسْكُتَ بِحِلْمٍ، وَإِلَّا دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِ الْقَائِلِ:

أَتَانِي أَنَّ سَهْلًا ذَمَّ جَهْلًا ... عُلُومًا لَيْسَ يَعْرِفُهُنَّ سَهْلُ

عُلُومًا لَوْ قَرَاهَا مَا قَلَاهَا ... وَلَكِنَّ الرِّضَا بِالْجَهْلِ سَهْلُ

انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَإِنَّمَا تَنْفَعُ رِعَايَةُ فُنُونِ الْعِلْمِ بِاعْتِمَادِ أَصْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: تَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْمُهِمِّ، مِمَّا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ الْمُتَعَلِّمُ فِي الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ.

سُئِلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ - عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، فَقَالَ: «حَسَنٌ جَمِيلٌ، وَلَكِنِ انْظُرِ الَّذِي يَلْزَمُكَ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ إِلَى حِينِ تُمْسِي فَالْزَمْهُ».

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى رَحِمَهُ اللهُ: «مَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ الْمُهِمِّ أَضَرَّ بِالْمُهِمِّ».

وَقَدَّمِ الْأَهَمَّ إِنَّ الْعِلْمَ جَمٌّ ... وَالْعُمْرُ طَيْفٌ زَارَ أَوْ ضَيْفٌ أَلَمُّ

٥٣

وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ فِي أَوَّلِ طَلَبِهِ تَحْصِيلَ مُخْتَصَرٍ فِي كُلِّ فَنٍّ، حَتَّى إِذَا اسْتَكْمَلَ أَنْوَاعَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، نَظَرَ إِلَى مَا وَافَقَ طَبْعَهُ مِنْهَا، وَآنَسَ مِنْ نَفْسِهِ قُدْرَةً عَلَيْهِ، فَتَبَحَّرَ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ فَنًّا وَاحِدًا أَمْ أَكْثَرَ.

أَمَّا بُلُوغُ الْغَايَةِ فِي كُلِّ فَنٍّ، وَالتَّحَقُّقُ بِمَلَكَتِهِ، فَإِنَّمَا يُهَيَّأُ لَهُ الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ.
ثُمَّ يَنْظُرُ الْمُتَعَلِّمُ فِيمَا يُمَكِّنُهُ مِنْ تَحْصِيلِهَا إِفْرَادًا لِلْفُنُونِ وَمُخْتَصَرَاتِهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، أَوْ جَمْعًا لَهَا، وَالْإِفْرَادُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِعُمُومِ الطَّلَبَةِ.

وَمِنْ طَيَّارِ شِعْرِ الشَّنَاقِطَةِ قَوْلُ أَحَدِهِمْ:

وَإِنْ تُرِدْ تَحْصِيلَ فَنٍّ تُمِّمَهْ ... وَعَنْ سِوَاهُ قَبْلَ الْانْتِهَاءِ مَهْ

وَفِي تَرَادُفِ الْعُلُومِ الْمَنْعُ جَا ... إِنْ تَوَأَمَانِ اسْتَبَقَا لَنْ يَخْرُجَا

وَمَنْ عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ قُدْرَةً عَلَى الْجَمْعِ جَمَعَ، وَكَانَتْ حَالُهُ اسْتِثْنَاءً مِنَ الْعُمُومِ.

وَمِنْ نَوَاقِضِ هَذَا الْمَعْقِدِ الْمُشَاهَدَةِ: الْإِحْجَامُ عَنْ تَنَوُّعِ الْعُلُومِ، وَالِاسْتِخْفَافُ بِبَعْضِ الْمَعَارِفِ، وَالِاشْتِغَالُ بِمَا لَا يَنْفَعُ، مَعَ الْوَلَعِ بِالْغَرَائِبِ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: «شَرُّ الْعِلْمِ الْغَرِيبُ، وَخَيْرُ الْعِلْمِ الظَّاهِرُ الَّذِي رَوَاهُ النَّاسُ».

٥٥

فصول الكتاب · 23 فصل
خلاصة تعظيم العلم
تأليف صالح بن عبد الله العصيمي
تقدّمك في الكتاب: الْمَعْقِدُ السَّادِسُ: رِعَايَةُ فُنُونِهِ فِي الْأَخْذِ، وَتَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْمُهِمِّ — 8 من 23
فصول خلاصة تعظيم العلم
مقدمة الكتابغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَالْمَعْقِدُ الْأَوَّلُ: تَطْهِيرُ وِعَاءِ الْعِلْمِالْمَعْقِدُ الثَّانِي: إِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِيهِالمعقدُ الثالثُ: جمعُ هِمَّةِ النَّفسِ عليهِالْمَعْقِدُ الرَّابِعُ: صَرْفُ الْهِمَّةِ إِلَى عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِالمعقِدُ الخامسُ: سلوكُ الجادَّةِ الموصلةِ إليهِالْمَعْقِدُ السَّادِسُ: رِعَايَةُ فُنُونِهِ فِي الْأَخْذِ، وَتَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْمُهِمِّالمعقدُ السابعُ: المبادرةُ إلى تحصيلِه، واغتنامُ سِنِّ الصِّبا والشبابِالمعقدُ الثامنُ: لزومُ التأنِّي في طلبِهِ، وتركُ العجلةِالْمَعْقِدُ التَّاسِعُ: الصَّبْرُ فِي الْعِلْمِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءًالمعقدُ العاشر: ملازمةُ آدابِ العلمِالمعقدُ الحادي عشر: صيانةُ العلمِ عمَّا يَشينُ، مِمَّا يُخالفُ المروءةَ ويخرِمُهاالمعقدُ الثاني عشر: انتخابُ الصُّحبةِ الصَّالحةِ لهالمَعْقِدُ الثَّالِثَ عَشَرَ: بذلُ الجهدِ في تحفُّظِ العلمِ، والمذاكرةِ بهِ، والسُّؤالِ عنهُالْمَعْقِدُ الرَّابِعَ عَشَرَ: إِكْرَامُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَوْقِيرُهُمْالمعقِدُ الخامسَ عشرَ: ردُّ مُشكِلِهِ إلى أهلِهِالمعقِدُ السَّادسَ عشرَ: توقير مجالس العلمِ، وإجلال أوعيتهالمعقدُ السَّابعَ عشرَ: الذَّبُّ عنِ العِلمِ، والذَّودُ عن حِياضِهالمَعْقِدُ الثَّامِنَ عَشَرَ: التَّحَفُّظُ فِي مَسْأَلَةِ العَالِمِالْمَعْقِدُ التَّاسِعَ عَشَرَ: شَغَفُ الْقَلْبِ بِالْعِلْمِ وَغَلَبَتُهُ عَلَيْهِالمعقد العشرون: حفظ الوقت في العلمالخاتمة
جارٍ التحميل