المعقدُ الثاني عشر: انتخابُ الصُّحبةِ الصَّالحةِ له
فالإنسانُ مدنيٌّ بالطَّبعِ، واتِّخاذُ الزَّميلِ ضرورةٌ لازمةٌ في نفوسِ الخلقِ، فيحتاجُ طالبُ العلمِ إلى معاشرةِ غيرِه من الطُّلَّابِ؛ لِتُعينَه هذه المعاشرةُ على تحصيلِ العلمِ والاجتهادِ في طلبِه.
والزَّمالةُ في العلمِ إن سَلِمت من الغوائلِ نافعةٌ في الوصولِ إلى المقصودِ.
ولا يَحسنُ بقاصدِ العلا إلا انتخابُ صحبةٍ صالحةٍ تُعينُه؛ فإنَّ للخليلِ في خليلِه أثراً.
قال أبو داود والترمذيُّ -والسِّياقُ لأبي داود-: حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، حدَّثنا أبو عامرٍ وأبو داود، قالا: حدَّثنا زهير بن محمَّدٍ، قال: حدَّثني موسى بن وردان عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الرَّجلُ على دينِ خليلِه، فلينظر أحدُكم من يُخاللُ».
يقولُ الرَّاغبُ الأصفهانيُّ: «ليس إعداءُ الجليسِ لجليسِه بمقالِه وفعالِه فقط، بل بالنَّظرِ إليه».
٨٥
لَا تَصْحَبِ الْكَسْلَانَ فِي حَالَاتِهِ ... كَمْ صَالِحٍ بِفَسَادِ آخَرَ يَفْسُدُ
عَدْوَى الْبَلِيدِ إِلَى الْجَلِيدِ سَرِيعَةٌ ... كَالْجَمْرِ يُوضَعُ فِي الرَّمَادِ فَيُخْمَدُ
وَالْجَلِيدُ هُوَ الْجَادُّ الْحَازِمُ.
وَإِنَّمَا يُخْتَارُ لِلصُّحْبَةِ مَنْ يُعَاشِرُ لِلْفَضِيلَةِ لَا لِلْمَنْفَعَةِ وَلَا لِلَّذَّةِ؛ فَإِنَّ عَقْدَ الْمُعَاشَرَةِ يُبْرَمُ عَلَى هَذِهِ الْمَطَالِبِ الثَّلَاثَةِ: الْفَضِيلَةِ، وَالْمَنْفَعَةِ، وَاللَّذَّةِ - كَمَا ذَكَرَ شَيْخُ شُيُوخِنَا مُحَمَّدُ الْخَضِرُ بْنُ حُسَيْنٍ فِي «رَسَائِلِ الْإِصْلَاحِ»، فَانْتَخِبْ صَدِيقَ الْفَضِيلَةِ زَمِيلًا؛ فَإِنَّكَ تُعْرَفُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «اعْتَبِرُوا الرَّجُلَ بِمَنْ يُصَاحِبُ؛ فَإِنَّمَا يُصَاحِبُ الرَّجُلُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ».
وَأَنْشَدَ أَبُو الْفَتْحِ الْبُسْتِيُّ لِنَفْسِهِ:
إِذَا مَا اصْطَنَعْتَ امْرَأً فَلْيَكُنْ ... شَرِيفَ النِّجَارِ زَكِيَّ الْحَسَبْ
فَنَذْلُ الرِّجَالِ كَنَذْلِ النَّبَاتِ ... فَلَا لِلثِّمَارِ وَلَا لِلْحَطَبْ
٨٧
ويقول ابن مانعٍ رَحِمَهُ اللهُ في «إِرشادِ الطُّلَّابِ» - وهو يوصي طالب العلم -:
«وَيَحْذَر كُلَّ الحذر من مخالطة السُّفهاء وأهلِ المجون والوقاحة وسيئي السُّمعة والأغبياء والبُلدَاء؛ فإنَّ مخالطتهم سبب الحرمان وشقاوةِ الإنسان».
وكأنَّ هذا عينُ قولِ سفيان بن عُيَيْنَة: «إِنِّي لأحرم جلسائي الحديثَ الغريب لموضع رجلٍ واحدٍ ثَقِيلٍ».
فقد يُحرم المتعلمُ العلمَ لأجل صاحبه، فاحذر هذا الصِّنف - وإن تزيَّا بِزِيِّ العلم - فإنه يُفسدك من حيث لا تُحِسُّ.
٨٩