أهل الأثرالأرشيف العلمي

المعقدُ العاشر: ملازمةُ آدابِ العلمِ

قال ابنُ القيمِ -رحمه الله- في كتابه «مدارج السالكين»:

«أدبُ المرءِ عنوانُ سعادتِهِ وفلاحِهِ، وقلَّةُ أدبِهِ عنوانُ شقاوتِهِ وبوارِهِ، فما استُجلِبَ خيرُ الدنيا والآخرةِ بمثلِ الأدبِ، ولا استُجلِبَ حرمانُهما بمثلِ قِلَّةِ الأدبِ».

والمَرءُ لا يسمو بغيرِ الأدبِ ... وإِن يكُن ذا حَسَبٍ ونَسَبِ

وإنَّما يصلُح للعلمِ مَن تأدَّبَ بآدابِهِ في نفسِهِ ودرسِهِ، ومع شيخِهِ وقرينِهِ.

قال يوسفُ بن الحسين: «بالأدبِ تفهمُ العلمَ».

لأنَّ المتأدِّبَ يُرى أهلاً للعلمِ فيُبذلُ له، وقليلُ الأدبِ يُعزُّ العلمُ أن يُضيعَ عندَهُ.

سأل رجلٌ البُقاعيَّ أن يقرأ عليه، فأذِنَ له البُقاعيُّ، فجلس.

٧٥

الرَّجُلُ مُتَرَبِّعًا، فَامْتَنَعَ الْبُقَاعِيُّ مِنْ إِقْرَائِهِ، وَقَالَ لَهُ: «أَنْتَ أَحْوَجُ إِلَى الْأَدَبِ مِنْكَ إِلَى الْعِلْمِ الَّذِي جِئْتَ تَطْلُبُهُ».

وَمِنْ هُنَا كَانَ السَّلَفُ - رَحِمَهُمُ اللهُ - يَعْتَنُونَ بِتَعَلُّمِ الْأَدَبِ، كَمَا يَعْتَنُونَ بِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ.

قَالَ ابْنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللهُ: «كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْهَدْيَ كَمَا يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ».

بَلْ إِنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُقَدِّمُونَ تَعَلُّمَهُ عَلَى تَعَلُّمِ الْعِلْمِ.

قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لِفَتًى مِنْ قُرَيْشٍ: «يَا ابْنَ أَخِي، تَعَلَّمِ الْأَدَبَ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ».

وَكَانُوا يُظْهِرُونَ حَاجَتَهُمْ إِلَيْهِ.

قَالَ مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ يَوْمًا: «نَحْنُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِلْمِ».

وَكَانُوا يُوصُونَ بِهِ، وَيُرْشِدُونَ إِلَيْهِ.

قَالَ مَالِكٌ: «كَانَتْ أُمِّي تُعَمِّمُنِي، وَتَقُولُ لِي: اذْهَبْ إِلَى رَبِيعَةَ - تَعْنِي ابْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقِيهَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِهِ - فَتَعَلَّمْ مِنْ أَدَبِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ».

وَإِنَّمَا حُرِمَ كَثِيرٌ مِنْ طَلَبَةِ الْعَصْرِ الْعِلْمَ بِتَضْيِيعِ الْأَدَبِ، فَتَرَى

٧٧

أحدهم مُتَّكِئًا بحضرة شيخه، بل يمدُّ إليه رجليه، ويرفع صوته عنده، ولا يمتنع عن إجابة هاتفه الجوَّال أو غيره، فأيُّ أدبٍ عند هؤلاء ينالون به العلم؟!

أشرفَ اللَّيث بن سعدٍ رَحِمَهُ اللهُ على أصحاب الحديث، فرأى منهم شيئًا كأنَّه كرهه، فقال: «ما هذا؟! أنتم إلى يسيرٍ من الأدب، أحوج منكم إلى كثيرٍ من العلم».

فماذا يقول اللَّيث لو رأى حال كثيرٍ من طُلَّاب العلم في هذا العصر؟!

٧٩

فصول الكتاب · 23 فصل
خلاصة تعظيم العلم
تأليف صالح بن عبد الله العصيمي
تقدّمك في الكتاب: المعقدُ العاشر: ملازمةُ آدابِ العلمِ — 12 من 23
فصول خلاصة تعظيم العلم
مقدمة الكتابغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَالْمَعْقِدُ الْأَوَّلُ: تَطْهِيرُ وِعَاءِ الْعِلْمِالْمَعْقِدُ الثَّانِي: إِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِيهِالمعقدُ الثالثُ: جمعُ هِمَّةِ النَّفسِ عليهِالْمَعْقِدُ الرَّابِعُ: صَرْفُ الْهِمَّةِ إِلَى عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِالمعقِدُ الخامسُ: سلوكُ الجادَّةِ الموصلةِ إليهِالْمَعْقِدُ السَّادِسُ: رِعَايَةُ فُنُونِهِ فِي الْأَخْذِ، وَتَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْمُهِمِّالمعقدُ السابعُ: المبادرةُ إلى تحصيلِه، واغتنامُ سِنِّ الصِّبا والشبابِالمعقدُ الثامنُ: لزومُ التأنِّي في طلبِهِ، وتركُ العجلةِالْمَعْقِدُ التَّاسِعُ: الصَّبْرُ فِي الْعِلْمِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءًالمعقدُ العاشر: ملازمةُ آدابِ العلمِالمعقدُ الحادي عشر: صيانةُ العلمِ عمَّا يَشينُ، مِمَّا يُخالفُ المروءةَ ويخرِمُهاالمعقدُ الثاني عشر: انتخابُ الصُّحبةِ الصَّالحةِ لهالمَعْقِدُ الثَّالِثَ عَشَرَ: بذلُ الجهدِ في تحفُّظِ العلمِ، والمذاكرةِ بهِ، والسُّؤالِ عنهُالْمَعْقِدُ الرَّابِعَ عَشَرَ: إِكْرَامُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَوْقِيرُهُمْالمعقِدُ الخامسَ عشرَ: ردُّ مُشكِلِهِ إلى أهلِهِالمعقِدُ السَّادسَ عشرَ: توقير مجالس العلمِ، وإجلال أوعيتهالمعقدُ السَّابعَ عشرَ: الذَّبُّ عنِ العِلمِ، والذَّودُ عن حِياضِهالمَعْقِدُ الثَّامِنَ عَشَرَ: التَّحَفُّظُ فِي مَسْأَلَةِ العَالِمِالْمَعْقِدُ التَّاسِعَ عَشَرَ: شَغَفُ الْقَلْبِ بِالْعِلْمِ وَغَلَبَتُهُ عَلَيْهِالمعقد العشرون: حفظ الوقت في العلمالخاتمة
جارٍ التحميل