أهل الأثرالأرشيف العلمي

غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ للهِ مَا عَظَّمَهُ مُعَظِّمٌ، وَسَارَ إِلَيْهِ رَاغِبٌ مُتَعَلِّمٌ.

وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَبْرَأُ بِهَا مِنْ شَرَكِ الْإِشْرَاكِ، فَتُوجِبُ لَنَا النَّجَاةَ مِن نَارِ الْهَلَاكِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ؛ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، فَبَلَّغَ رِسَالَتَهُ وَأَدَّاهَا، وَأَسْلَمَ أَمَانَتَهُ وَأَبْدَاهَا.

انْتَصَبَت بِدَعْوَتِهِ أَظْهَرُ الْحُجَجِ، وَانْدَفَعَت بِبَيِّنَاتِهِ الشُّبُهَاتُ وَاللُّجَجُ، فَوَرَّثَنَا الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ، وَالسُّنَّةَ الْغَرَّاءَ، لَا يَتِيهُ فِيهَا مُلْتَمِسٌ، وَلَا يُرَدُّ عَنْهَا مُقْتَبِسٌ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ عَدَدَ مَن تَعَلَّمَ وَعَلَّمَ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَلَمْ يَزَلِ الْعِلْمُ إِرْثًا جَلِيلًا، تَتَعَاقَبُ عَلَيْهِ الْأَمَاثِلُ جِيلًا فَجِيلًا، لَيْسَ لِطُلَّابِ الْمَعَالِي هَمٌّ سِوَاهُ، وَلَا رَغْبَةَ لَهُمْ فِي مَطْلُوبٍ عَدَاهُ، وَكَيْفَ لَا؟! وَبِهِ تُنَالُ سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ، وَطِيبُ الْعَيْشَيْنِ.

٩

هو شرفُ الوجود، ونورُ الأغوارِ والنُّجود، حِليةُ الأكابر، ونُزهةُ النَّواظر، من مالَ إليه نَعِم، ومن جالَ به غَنِم، ومن انقادَ له سَلِم.

لو كانَ سِلعةً تُباع لَبُذِلت فيه الأموالُ العِظام، أو صُعِّد في السَّماءِ لَسَمَت إليه نفوسُ الكرام.

هو من المتاجرِ أربحها، وفي المفاخرِ أشرفها، أكرم المآثر مآثره، وأحمدُ الموارد موارده، فالسَّعيد من حضَّ نفسه عليه، وحثَّ ركابَ روحه إليه، والشَّقيُّ من زَهِد فيه أو زُهِّد، وأبعد عنه أو بَعُد، أنفُه بأريج العلمِ مزكومٌ، وخَتْم القفا (هذا عبد محرومٌ).

والعِلمُ يدخُلُ قلبَ كلِّ موفَّقٍ ... من غيرِ بوَّابٍ ولا استئذانِ

ويَرُدُّه المحرومُ من خِذلانهِ ... لا تُشْقِنا اللَّهمَّ بالحرمانِ

وإنَّ مِمَّا يملأُ النَّفسَ سرورًا، ويشرحُ الصَّدر ويُمِدُّه نورًا؛ إقبالَ الخلقِ على مقاعدِ التَّعليم، وتلمُّسهم صراطه المستقيم.

وأدلُّ دليلٍ وأصدَقُه: تكاثرُ الدُّروسِ العلميَّة، وتوالي الدَّوراتِ التَّعليميَّة، حلاوةً في قلوبِ المؤمنين، وشَجًى في حلوقِ الكفرةِ والمنافقين، فالدُّروسُ معقودةٌ، والرُّكبُ معكوفةٌ، والفوائدُ.

١١

شارقةٌ، والنُّفوس تائقةٌ، الأشياخُ ينثُرون دُرَرَ العلم، والتَّلاميذُ ينظمون عِقده.

وإنَّ من الإحسان إلى هذه الجموع الصَّاعدة، والأجيال الواعدة، إرشادَها إلى سرِّ حيازة العلم الَّذي يُظفرها بمأمولها، ويُبلِّغها مأمنها؛ رحمةً بهم من الضَّياع في صحراء الآراء، وظلماء الأهواء.

وإعمالًا لهذا الأصل؛ جُمَل الحديث - أيُّها المؤمنون - عن تعظيم العلم؛ فإنَّ حظَّ العبد من العلم موقوفٌ على حظِّ قلبه من تعظيمه وإجلاله، فمن امتلأ قلبه بتعظيم العلم وإجلاله صَلُحَ أن يكون محلًّا له، وبقدر نقصان هيبة العلم في القلب، ينقص حظُّ العبد منه، حتَّى يكون من القلوب قلبٌ ليس فيه شيءٌ من العلم.

فمن عظَّم العلم لاحت أنواره عليه، ووفَدَت رُسل فنونه إليه، ولم يكن لِهِمَّته غايةٌ إلا تلقِّيه، ولا لنفسه لذَّةٌ إلا الفكرُ فيه، وكأنَّ أبا محمَّدٍ الدَّارميَّ الحافظ رحمه الله لَمَحَ هذا المعنى، فختم كتاب العلم من سننه المُسمَّاة بـ«المسند الجامع» ببابٍ في إعظام العلم.

وأعونُ شيءٍ على الوصول إلى إعظام العلم وإجلاله: معرفةُ معاقد تعظيمه، وهي الأصول الجامعة، المحقِّقةُ لعظمة العلم في القلب، فمن أخذ بها كان معظِّمًا للعلم مُجِلًّا له، ومن ضيَّعها

١٣

فلنفسه أضاع، ولهواه أطاع، فلا يلومنَّ - إن فتر عنه - إلا نفسه، (يداك أوكَتا وفوك نفخ)، ومن لا يُكرمُ العلمَ لا يُكرمه العلمُ.

وسنأتي بالقول - بإذن الله - على عشرين معقدًا، يُعظَّم بها العلم، من غير بسط لمباحثها؛ فإنَّ المقام لا يحتمل، والإتيان على غاية كل معقد يحتاج إلى زمن مديد، والمراد هنا التبصرة والتذكير، وقليلٌ يبقى فينفع خيرٌ من كثيرٍ يُلقى فيرفع.

فخذ من هذه المعاقد بالنصيب الأكبر، تنل الحظَّ الأوفر من رياض الفنون وحدائق العلوم، وإيَّاك والإخلادَ إلى مقالة قوم حُجبت قلوبهم، وضَعُفت نفوسهم، فزعموا أنَّ هذه الأحوال غلوٌّ وتنطُّع، وتشدُّدٌ غيرُ مقنع؛ فقد ضُرب بينهم وبينها بسورٍ له باب، باطنه فيه الرَّحمة، وظاهره من قِبله العذاب.

فليس مع هؤلاء على دعواهم من أدلَّة الشَّرع ما يُصدِّقها، ولا من شواهد الأقدار ما يُوثِّقها، وإنَّما هي عذر البليد، وحُجَّةُ العاجز.

فأين الغلوُّ والتَّنطُّع من شيءٍ الوحيُ شاهده، والرَّعيل الأوَّل سالكه؟! فكلُّ معقدٍ منها ثابتٌ بآيةٍ محكمةٍ، أو سُنَّةٍ مصدِّقةٍ، أو آثارٍ عن خير القرون الماضية.

فإذا وثقتَ بصدقها، وعقلتَ خَبَرَها وخُبْرَها، فلا تقعد.

١٥

هِمَّتُكَ بِخُطْبَةِ الْكَسَلِ وَالتَّوَانِي، تَتَسَلَّلُ إِلَيْهَا وَهِيَ تُجَلْجِلُ: (هَذِهِ أَحْوَالُ مَنْ مَضَى، مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَيْرِ الْوَرَى، فَأَيْنَ الثَّرَى مِنَ الثُّرَيَّا؟) بَلْ مَنْ سَمَتْ نَفْسُهُ إِلَى مَقَامَاتِهِمْ أَدْرَكَهَا:

فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ ... إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ

فَأَشْهِدْ قَلْبَكَ هَذِهِ الْمَعَاقِدَ، وَتَدَبَّرْ مَنْقُولَهَا وَمَعْقُولَهَا، وَاسْتَنْبِطْ مَنْطُوقَهَا وَمَفْهُومَهَا، فَالْمَبَانِي خَزَائِنُ الْمَعَانِي.

١٧

فصول الكتاب · 23 فصل
خلاصة تعظيم العلم
تأليف صالح بن عبد الله العصيمي
تقدّمك في الكتاب: غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ — 2 من 23
فصول خلاصة تعظيم العلم
مقدمة الكتابغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَالْمَعْقِدُ الْأَوَّلُ: تَطْهِيرُ وِعَاءِ الْعِلْمِالْمَعْقِدُ الثَّانِي: إِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِيهِالمعقدُ الثالثُ: جمعُ هِمَّةِ النَّفسِ عليهِالْمَعْقِدُ الرَّابِعُ: صَرْفُ الْهِمَّةِ إِلَى عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِالمعقِدُ الخامسُ: سلوكُ الجادَّةِ الموصلةِ إليهِالْمَعْقِدُ السَّادِسُ: رِعَايَةُ فُنُونِهِ فِي الْأَخْذِ، وَتَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْمُهِمِّالمعقدُ السابعُ: المبادرةُ إلى تحصيلِه، واغتنامُ سِنِّ الصِّبا والشبابِالمعقدُ الثامنُ: لزومُ التأنِّي في طلبِهِ، وتركُ العجلةِالْمَعْقِدُ التَّاسِعُ: الصَّبْرُ فِي الْعِلْمِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءًالمعقدُ العاشر: ملازمةُ آدابِ العلمِالمعقدُ الحادي عشر: صيانةُ العلمِ عمَّا يَشينُ، مِمَّا يُخالفُ المروءةَ ويخرِمُهاالمعقدُ الثاني عشر: انتخابُ الصُّحبةِ الصَّالحةِ لهالمَعْقِدُ الثَّالِثَ عَشَرَ: بذلُ الجهدِ في تحفُّظِ العلمِ، والمذاكرةِ بهِ، والسُّؤالِ عنهُالْمَعْقِدُ الرَّابِعَ عَشَرَ: إِكْرَامُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَوْقِيرُهُمْالمعقِدُ الخامسَ عشرَ: ردُّ مُشكِلِهِ إلى أهلِهِالمعقِدُ السَّادسَ عشرَ: توقير مجالس العلمِ، وإجلال أوعيتهالمعقدُ السَّابعَ عشرَ: الذَّبُّ عنِ العِلمِ، والذَّودُ عن حِياضِهالمَعْقِدُ الثَّامِنَ عَشَرَ: التَّحَفُّظُ فِي مَسْأَلَةِ العَالِمِالْمَعْقِدُ التَّاسِعَ عَشَرَ: شَغَفُ الْقَلْبِ بِالْعِلْمِ وَغَلَبَتُهُ عَلَيْهِالمعقد العشرون: حفظ الوقت في العلمالخاتمة
جارٍ التحميل