حاشية ابن قائد على منتهى الإراداتكتاب الوقف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الوقف: تَحْبِيسُ مَالِكٍ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ مَالَهُ الْمُنْتَفَعَ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ بِقَطْعِ تَصَرُّفِهِ وَغَيْرُهُ فِي رَقَبَتِهِ يَصْرِفُ رِيعَهُ إلَى جِهَةِ بِرٍّ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى كتاب الوقف مصدر وقف الإنسان الشيء، يقفه بمعنى: حبسه وأحسبه، ولا يقال: أوقفه، إلا في لغة شاذة، عكس أحبسه وأعتقه.
فائدة: قال الإمام الشافعي، رحمه الله: لم يحسن أهل الجاهلية، وإنما حبَّس أهلُ الإسلام.
انتهى.
وأركان الوقف أربعة: الواقف، والموقوف، والموقوف عليه، والصيغة التي ينعقد بها.
قوله: (تحبيس مالك) بنفسه أو وكيله، ولو قال: تحبيس جائر التصرف، لكان أوضح وأخصر، لإغناء قوله: (ماله) عن (مالكٍ).
قوله: (مطلق التصرف) وهو المكلف الحر الرشيد.
قوله: (ماله) أي: لا نحو كلب وخمر.
قوله: (مع بقاء عينه) يعني: لا نحو مطعوم غير ما يأتي.
قوله: (في رقبته) أي: لا في منفعته، فيبطل شرط بيعه، كما سيجيء.
قوله: (ريعه) أي: المال.
قوله: (إلى جهة بر) يعينها واقفه، وهذا معنى قولهم: وتسبيل المنفعة، أي: إطلاق فوائد العين الموقوفة من غلة وثمرة وغيرها للجهة المعيَّنة.
قوله: (تقربا) حال.
قوله: (إلى الله تعالى) بأن ينوي به القربة، وهذا الحد لصاحب «المطلع»، وتبعه المنقح، وتبعهما المصنف، واستظهر في «شرحه» أن قوله:

الجزء: 3 - الصفحة: 330

وَيَحْصُلُ بِفِعْلٍ مَعَ دَالٍّ عَلَيْهِ عُرْفًا كَأَنْ يَبْنِي بُنْيَانًا عَلَى هَيْئَةِ مَسْجِدٍ وَيَأْذَنَ إذْنًا عَامًّا فِي الصَّلَاةِ فِيهِ حَتَّى لَوْ كَانَ سُفْلَ بَيْتِهِ أَوْ عُلْوَهُ أَوْ وَسَطَهُ وَيَسْتَطْرِقُ (تقرباً إلى الله تعالى) إنما هو في وقف يترتب عليه الثواب، فإن الإنسان قد يقف على غيره تودُّدًا، أو على ولده خشية بيعه بعد موته وإتلاف ثمنه، أو خشية أن يحجر عليه ويباع في دينِه، أو رياء ونحوه، وهو وقف لازم لا ثواب فيه؛ لأنه لا يبتغي به وجه الله تعالى.
انتهى.
قال منصور البهوتي: قلت: ويمكن أن يكون القصد به بيان أصل مشروعيته والحكمة فيه، فلا يضر ما يطرأ عليه، ولا يكون للاحتراز.
انتهى.
قوله: (ويحصل ... إلخ) أي: الوقف حكماً.
اعلم: أن الوقف له صيغتان: فعلية وقولية، وقد ذكرهما المصنف، رحمه الله تعالى.
قوله: (عرفاً) كالقول؛ لاشتراكهما في الدلالة عليه.
قوله: (في الصلاة) ولو بفتح الأبواب، أو التأذين، أو كتابته لوحًا بلا إذن، أو الوقف، أو نوى خلافه.
قوله: (حتى لو كان) أي: ذلك المذكور.
قوله: (أو وسطه) ولو لم يذكر استطراقاً إلى ما جعله مسجدًا، صلح الوقف.
قوله: (ويستطرق) إليه كما لو باع أو آجر بيتاً من داره، ولم يذكر له استطراقاً، فإنه يصح البيع والإجارة، ويستطرق إليه على العادة.

الجزء: 3 - الصفحة: 331

أَوْ بَيْتًا لِقَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ تَطَهُّرٍ وَيَشْرَعُهُ أَوْ يَجْعَلُ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأْذَنُ إذْنًا عَامًّا بِالدَّفْنِ فِيهَا وقَوْلٍ وَصَرِيحُهُ: وَقَفْتُ وَحَبَسْتُ وَسَبَّلْتُ وَكِنَايَتُهُ تَصَدَّقْتُ وَحَرَّمْتُ وَأَبَّدْتُ وَلَا يَصِحُّ بِهَا إلَّا بِنِيَّةِ أَوْ قَرَنَهَا بِأَحَدِ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ كَتَصَدَّقْتُ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً أَوْ مُحَبَّسَةً قوله: (لقضاء حاجة) أي: البول والغائط.
قوله: (ويشرعه) أي: يفتح بابه على الطريق، أو يملأ نحو خابيةِ ماء على الطريق، أو في مسجد ونحوه.
قوله: (إذنا عاما) أي: لا خاصا.
قوله: (وصريحه) أي: القول: (وقفت ... إلخ) قال في «الاختيارات»: وقف الهازل ووقف التلجئة، إن غلب على الوقف جهة التحرير من جهة أنه لا يقبل الفسخ، فينبغي أن يصح، كالعتق والإتلاف، وإن غلب عليه شبه التمليك، فيشبه الهبة والتمليك، وذلك لا يصح من الهازل على الصحيح.
نقله في «شرح الإقناع».
قوله: (وسبلت) ويكفي أحدها.
قوله: (ولا يصح بها) أي: بالكناية.
قوله: (إلا بنية) ولا يعلم ذلك إلا من جهته.
قوله: (الخمسة) أي: الصرائح الثلاث.
والكنايتين الباقيتين من الثلاث التي أتى بإحداها؛ إذ الألفاظ الصريحة والكناية ست، نصفها صريح ونصفها كناية، فإذا أتى بواحدة من الصريح، لم تفتقر إلى

الجزء: 3 - الصفحة: 332

أَوْ مُسَبَّلَةً أَوْ مُحَرَّمَةً أَوْ مُؤَبَّدَةً أَوْ بِحُكْمِ الْوَقْفِ كَلَا تُبَاعُ أَوْ لَا تُوهَبُ أَوْ لَا تُورَثُ أَوْ عَلَى قَبِيلَةِ أَوْ طَائِفَةِ كَذَا فَلَوْ قَالَ: تَصَدَّقْتُ بِدَارِي عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ الْوَقْفَ وَأَنْكَرَ زَيْدٌ لَمْ تَكُنْ وَقْفًا فَصْلٌ وَشُرُوطُهُ أَرْبَعَةٌ مُصَادَفَتُهُ عَيْنًا يَصِحُّ بَيْعُهَا غيرها، أو بواحدةٍ من الكناية بقي بعدها من الستة خمسة، فلا بد من نية الوقف، أو قرنها بأحد ألفاظ الخمسة الباقية، كما قال المصنف، رحمه الله تعالى.
قوله: (لم تكن وقفا) لمخالفته للظاهر، وعلم منه: أنه لو قال ذلك متصلا، قبل منه، وكذا لو صدَّقه زيد؛ فأما إذا لم ينكر زيد ولم يصدِّق، فهل يقبل قول المتصدق إذن، أم لا؟ وهل يرجع إلى قول وارث حينئذ؟ لم أر نقلا، وقوة المتن تعطي أنه يقبل قوله؛ لأنه لم يوجد الإنكار، والله أعلم.
قوله: (وشروطه أربعة ... إلخ) زاد في «الإقناع» خامسًا: وهو كون الواقف ممن يصح تصرفه في ماله، وهو المكلَّف الرشيد.
قوله: (عينا) فلا يصح وقف منفعةٍ، كما ذكره في «شرحه»، خلافاً للشيخ.
وقوله: (يصح بيعها)

الجزء: 3 - الصفحة: 333

ويُنْتَفَعُ بِهَا عُرْفًا كَإِجَارَةٍ مَعَ بَقَائِهَا أَوْ جُزْءًا مُشَاعًا مِنْهَا مَنْقُولَةً كَحَيَوَانٍ وَأَثَاثٍ وَسِلَاحٍ وَحُلِيٍّ عَلَى لُبْسٍ وَعَارِيَّةٍ أَوْ لَا كَعَقَارٍ لَا ذِمَّةً كَدَارٍ وَعَبْدٍ ومُبْهَمًا كَأَحَدِ هَذَيْنِ أَوْ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَأُمِّ وَلَدٍ وَكَلْبٍ وَمَرْهُونٍ أَوْ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ عمومه يشمل المكاتب، وجزم به في «الإقناع»، قال: وإذا أدى، بطل، أي: فلا تبطل كتابة بوقفه.
قوله: (يصحُّ بيعها) شمل المؤجرة.
قوله: (عرفاً) ما فائدة قوله: (عرفاً)، هلا يغني عنه ما بعده؟ ثم ظهر لي أن فائدة ذلك التنبيه على أن من اقتصر من الأصحاب على قوله: (عرفاً)، فإن مراده، كالإجارة، والله أعلم.
قوله: (أو مشاعًا ... إلخ) أي: معلومًا.
فلو وقفه مسجدًا، ثبت فيه حكم المسجد في الحال عند التلفظ بالوقف، فيمنع منه الجنب ونحوه كالسَّكرانِ، ثم القسمة متعيِّنة؛ لتعينها ريقاً للانتفاع بالموقوف.
قوله: (منها) أي: العين الموصوفة.
قوله: (وأثاث) كبساطٍ.
قوله: (وسلاح) كسيف.
قوله: (وعاريَّة) أي: لمن يحل له، فإن أطلق، لم يصح قطع به في «الفائق» و «الإقناع».
منصور البهوتي.
وقوله: أطلق، أي: بأن لم يقل: على لبس أو عارية.
قوله: (كأم ولد) يعني: ولا يصحُّ وقفُه عليها، كما سيجيء.

الجزء: 3 - الصفحة: 334

كَمَطْعُومٍ وَمَشْمُومٍ وأَثْمَانٍ كَقِنْدِيلٍ مِنْ نَقْدٍ عَلَى مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ إلَّا تَبَعًا كَفَرَسٍ بِلِجَامٍ وَسَرْجٍ مُفَضَّضَيْنِ الثَّانِي: كَوْنُهُ عَلَى بِرٍّ كَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْأَقَارِبِ قوله: (كمطعوم) غير ماء.
قوله: (ومشموم) لا ينتفع به مع بقاء عينه، بخلاف ند وصندل وقطع كافورٍ؛ فيصح وقفه لشم مريض وغيره.
قوله: (وأثمان) ولو لتحل أو وزن.
قوله: (من نقدٍ) فهو باق على ملك صاحبه، ولو تصدَّق بدهن على مسجد ليوقد فيه، جاز، وهو من باب الوقف.
قاله الشيخ، كالماء.
قوله: (إلا تبعاً ... إلخ) أي: ويباع ما فيه الفضة، وينفق عليه منه، ونص عليه في الفرس الحبيس.
قاله في «الإقناع».
فتدبر.
قوله: (كونه على بر) أي: جهة بر: اسم جامع للخير، وأصله الطاعة لله تعالى، والمراد: اشتراط معنى القربة في الصرف إلى الموقوف عليه؛ لأن الوقف قربة وصدقة، فلابد من وجودها فيما لأجله الوقف.
وبخطه أيضاً على قوله: (كونه على بر) مسلمًا كان الواقف أو ذميًا، فلا يصح على طائفة الأغنياء أهل الذمة، وقيل: يصح؛ لأن الشرط عدم المعصية، والأول المذهب، أعني: اشتراط القربة.
قوله: (كالمساكين) أي: كالوقف على المساكين، والحج، والغزو، وكتابة الفقه ونحوه.
قوله: (والقناطر) أي: وإصلاح الطرق.

الجزء: 3 - الصفحة: 335

وَيَصِحُّ مِنْ ذِمِّيٍّ عَلَى مُسْلِمٍ مُعَيَّنٍ وَعَكْسِهِ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا وَيَسْتَمِرُّ لَهُ إذَا أَسْلَمَ وَيَلْغُو شَرْطُهُ مَا دَامَ كَذَلِكَ لَا عَلَى كَنَائِسَ أَوْ بُيُوتِ نَارٍ أَوْ بِيَعٍ وَنَحْوِهَا وَلَوْ مِنْ ذِمِّيٍّ قوله: (معين) أو طائفةٍ كالفقراءِ والمساكين، فقوله: (معيَّن) ليس قيدًا، وكذا قوله: (من ذمي)، بل يصح من المستأمن والحربي، وإنما قيده بما ذكر؛ لأجل قوله: (وعكسه) ولأنه الأكثر.
قوله: (ولو أجنبيا) أي: من الواقف.
قوله: (ويلغو شرطه ... إلخ) أي: الواقف.
قال المصنف: قلت: ويتوجَّه مثل ذلك مالو وقف على زيدٍ ما دام غنيا، أو على فلانة ما دامت متزوجة.
انتهى.
أي: فيصح الوقف ويلغو شرطه، وكذا لو وقف على امراة ما دامت عزباء؛ لأن اشترط العزوبية باطل.
قال في «الإنصاف»: على المذهب.
قال: لأن الوصف ليس قربةً.
قوله: (ما دام كذلك) أي: ذميًا.
قوله: (لا على كنائس) أي: معبد اليهود أو النصارى أو الكفار.
قوله: (ولو من ذميٍّ) أي: لأن مالا يصح الوقف عليه من المسلم، لا يصح الوقف عليه من الذمي.
وفي أحكام الذمة: للإمام أن يستولي على كل ما وقف على كنيسة أو بيت نار ويجعلها على جهة قربات.
انتهى.
منصور البهوتي:

الجزء: 3 - الصفحة: 336

بَلْ عَلَى الْمَارِّ بِهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَلَا عَلَى كُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَوْ حَرْبِيٍّ أَوْ مُرْتَدٍّ وَلَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ عَلَى نَفْسِهِ وَيَنْصَرِفُ إلَى مَنْ بَعْدَهُ فِي الْحَالِ وَعَنْهُ يَصِحُّ الْمُنَقِّحُ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَهُوَ أَظْهَرُ والمراد: إذا لم يعلم ورثة واقفها، وإلا فللورثة أخذها، كما تقدم.
انتهى.
قوله: (بل على المار) أي: يصح الوقف على من ينزلها من المجتازين فقط من مسلم وذمي.
قوله: (من مسلم وذمي ... إلخ) فإن خص أهل الذمة، لم يصحَّ، وهذا المذهب.
قاله المصنف في «شرحه».
قوله: (ولا على كتب) أي: كتابة.
قوله: (التوارة) قال المصنف في «شرحه» قلت: ويلحق بذلك كتب المبتدعة كالخوارج والقدرية ونحوهما، والله أعلم.
قوله: (والإنجيل) أي: أو شيء من أحدهما.
قوله: (على نفسه) وجزم به في «الإقناع».
قوله: (وينصرف إلى من بعده) أي: إن كان، وإلا بطل.
قوله: (وهو أظهر) ومتى حكم به حاكم - حيث يجوز له الحكم - فظاهر كلامِهم: ينفذ حكمه ظاهرًا.
وقوله: حيث يجوز، أشار به إلى المجتهد، أما المقلد فلا، كما قاله منصور البهوتي.

الجزء: 3 - الصفحة: 337

وَإِنْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِهِ وَاسْتَثْنَى غَلَّتَهُ أَوْ بَعْضَهَا لَهُ أَوْ لِوَلَدِهِ أَوْ الْأَكْلَ أَوْ الِانْتِفَاعَ أَوْ لِأَهْلِهِ أَوْ يُطْعِمُ صَدِيقَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً صَحَّ فَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَائِهَا فلِوَرَثَتِهِ وَتَصِحُّ إجَارَتُهَا وَمَنْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَافْتَقَرَ تَنَاوَلَ مِنْهُ وَلَوْ وَقَفَ مَسْجِدًا أَوْ مَقْبَرَةً أَوْ بِئْرًا أَوْ مَدْرَسَةً لِلْفُقَهَاءِ أَوْ لِبَعْضِهِمْ أَوْ رِبَاطًا لِلصُّوفِيَّةِ مِمَّا يَعُمُّ قوله: (واستثنى غلته) أي: كلَّها.
قوله: (أو بعضها) أي: المعلوم.
قوله: (فلو مات في أثنائها) أي: أثناء المدة التي استثنى نفع الوقف فيها، كالمستثنى في البيع.
قوله: (وتصح إجارتُها) أي: من الموقوف عليه وغيره، كالمستثنى في البيع.
قلت: ومنه يؤخذ صحة إجارة ما شرط سكناه لنحو بنيه، أو أجنبي، أو خطيبٍ، أو إمام.
منصور البهوتي.
قوله: (تناول منه) وكذا لو وقف على العلماء أو القراء ونحوهم، فصار كذلك، والله أعلم.
قوله: (أو بعضهم) أي: نوعٍ من الفقهاء، كالحنابلة أو الشافعية مثلا.
قوله: (أو رباطاً) أي: أو نحوه.
قوله: (للصوفية) الصوفي: المتبتل للعبادة وتصفية النفس من الأخلاق المذمومة، وتعتبر فيه العدالة وملازمة غالب الآداب

الجزء: 3 - الصفحة: 338

فَهُوَ كَغَيْرِهِ الثَّالِثُ: كَوْنُهُ عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ ثَابِتًا الشرعية في غالب الأوقات قولا وفعلا، وأن يكون قانعا بالكفاية من الرزق، بحيث لا يمسك ما فضل عن حاجته، لا لبس خرقة، أو لزوم شكل مخصوصٍ في اللبسة ونحوها.
ذكره الشيخ.
قال: والصوفي الذي يدخل في الوقف على الصوفية يعتبر له ثلاثة شروط: الأول: أن يكون عدلا في دينه.
الثاني: أن يكون ملازمًا لغالب الآداب الشرعية في غالب الأوقات، وإن لم تكن واجبةً، كآداب الأكل، والشرب، واللباس، والنوم، والسَّفر، والصحبة، والمعاملة مع الخلق، ولا يلتفت إلى ما أحدثه بعض المتصوفة من الآداب التي لا أصل لها في الدين، من التزام شكل مخصوص في اللبسة ونحوها مما لا يُستحب في الشريعة.
الثالث: أن يكون قانعا بالكفاية من الرزق بحيث لا يمسك ما يفضل عن حاجته.
وقال الحارثي: ولا يشترط في الصوفي لباس الخرافة المتعارفة عندهم من يد شيخ، ولا رسوم اشتهر تعارفها بينهم، فما وافق الكتاب والسنة، فهو حق، وما لا، فهو باطل، ولا يلتفت إلى اشتراطه.
قوله: (فهو) أي: الواقف.
قوله: (كونه على معيَّن) يعني: لا على مجهولٍ من جهة، أو شخصٍ، والوقف على المساجد ونحوها، وقف

الجزء: 3 - الصفحة: 339

فَلَا يَصِحُّ عَلَى مَجْهُولٍ، كَرَجُلٍ ومَسْجِدٍ أَوْ مُبْهَمٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ أَوْ لَا يَمْلِكُ كَقِنٍّ وَأُمِّ وَلَدٍ وَمَلَكٍ وَبَهِيمَةٍ وكَعَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي أَوْ لِفُلَانٍ بَلْ تَبَعًا، كَعَلَى أَوْلَادِي وَفِيهِمْ حَمْلٌ فَيَسْتَحِقُّ بِوَضْعٍ.
وَكُلُّ حَمْلٍ على المسلمين إلا أنه عين نفع خاص لهم، فلو لم يذكر مصرفا، بل قال: وقفت كذا وسكت، فقال في «الإقناع».
الأظهر: بطلانه.
انتهى.
وفي «الإنصاف»: الوقف صحيحٌ عند الأصحاب.
انتهى.
وقطع به الحارثي، والذي جزم به المصنف فيما سيأتي أنه يصحُّ، ويصرف إلى ورثته نسبا، فقوله: (كونه على معين) يعني به: لا على مجهول.
قوله: (وأم ولد ... إلخ) فلو وقف على غيرها على أن ينفق عليها منه مدة حياته، أو يكون الريع لها مدَّة حياته، صح الوقف؛ لأن استثناء المنفعة لأم ولده كاستثنائها لنفسه.
قوله: (وملكٍ) اي: أو جنٍّ وشياطين.
قوله: (أصالة) أي: استقلالاً.

الجزء: 3 - الصفحة: 340

مِنْ أَهْلِ وَقْفٍ: مِنْ ثَمَرِ وَزَرْعِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مُشْتَرٍ وَكَذَا مَنْ قَدِمَ إلَى مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فِيهِ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ إلَى مِثْلِهِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لِكُلِّ زَمَنٍ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ فَيَكُونُ لَهُ بِقِسْطِهِ أَوْ يَمْلِكُ لَا ثَابِتًا كَمُكَاتَبٍ الرَّابِعُ: أَنْ يَقِفَ نَاجِزًا قوله: (من أهلِ وقف) أي: كان منهم، كما لو نصَّ عليه، أو كانوا قبيلة ونحو ذلك.
قوله: (من ثمر وزرع ... إلخ) هذا ظاهرٌ في الثَّمر، وكذا في الزرع حيث كان موجوداً حال الوقف ودخل، فأما إذا حدث الزرع بعده، فإن كان البذر من مال الموقوف عليهم، فلا يستحق الحمل بوضعه منه شيئاً، إنما يستحق قدر نصيبه من المنفعة، وإن كان البذر من مال الوقف، فالظاهر: أنَّه كذلك، ولم أره صريحا، والله أعلم.
قوله أيضًا على قوله: (من ثمر وزرع ما يستحقُّه مشتر ... إلخ) فيستحق من ثمر لم يتشقق، ومن أصول نحو بقل، بخلاف ثمرٍ تشقق، وزرع لا يحصد إلا مرة، فلا شيء له؛ لأنه لا يتبع أصله، بخلاف نحو الثمرة قبل التشقُّق؛ لأنها تتبع أصلها، فيستحقها مستحق الأصل.
قوله: (كمكاتب) وصحَّ وقفه.
كما تقدم.
قوله: (ناجزاً) أي: غير معلق، ولا مؤقت ولا مشروط بنحو خيار.

الجزء: 3 - الصفحة: 341

فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ إلَّا بِمَوْتِهِ وَيَلْزَمُ مِنْ حِينِهِ وَيَكُونُ مِنْ ثُلُثِهِ وَشَرْطُ بَيْعِهِ أَوْ هِبَتِهِ مَتَى شَاءَ أَوْ خِيَارٍ فِيهِ أَوْ تَوْفِيَتِهِ أَوْ تَحْوِيلِهِ مُبْطِلٌ قوله: (إلا بموته) كقوله: هذا وقف بعد موتي.
قوله: (ويلزم من حينه) أي: حين صدوره منه.
إن قيل: ما الفرق بينه وبين التدبير، مع أن كليهما تعليق بالموت، ومع ذلك التدبير لا يلزم من حينه؟ ! قلنا: قد أشار الإمامُ - رحمه الله تعالى- إلى الفرق بينهما؛ بأنَّ المدبر لا ينتقل الملك فيه إلى آدمي، بخلاف الوقف، فإنه ينتقل الملك فيه إلى الآدمي حقيقة أو حكما، فلزم في الوقف من حينه؛ لتعلق حق الآدمي به بخلاف التدبير.
قوله: (من ثلثه) لأنه في حكم الوصية، فيتوقف لزوم ما زاد على الثلث على إجازة الورثة، وأما قدر الثلث، فيلزم وقفُه من حينه.
قوله: (متى شاء) أي: أو شرط تغيير شرطه؛ لأن ذلك كله ينافي مقتضى الوقف.
قوله: (أو خيار فيه) أي: أبدًا، أو مدَّة معينة.
قوله: (أو توقيته ... إلخ) فائدة: قال في «المغني».
وإن قال: هذا وقف على ولدي سنة، ثم على المساكين، صح، وكذلك إن قال: هذا وقف على ولدي مدة حياتي، ثم هو بعد موتي للمساكين، صحَّ، لأنه وقفٌ متصل الابتداء والانتهاء.
وإن قال: وقفٌ على المساكين، ثم على أولادي، صح، ويكون وقفاً على المساكين ويلغو قوله: على أولادي؛ لأن المساكين لا انقراض لهم.
قوله: (أو تحويله) يعني: إلى غير الموقوف عليه، أو عن الوقفية، بأن يجعله مطلقاً.

الجزء: 3 - الصفحة: 342

فَصْلٌ وَلَا يُشْتَرَطُ لِلُزُومِهِ إخْرَاجُهُ عَنْ يَدِهِ وَلَا فِيمَا عَلَى مُعَيَّنٍ قَبُولُهُ وَلَا يَبْطُلُ بِرَدِّهِ قوله: (ولا يشترط للزومه) أي: ولا لصحته بالطريق الأولى.
قوله: (عن يده) فيلزم بمجرد اللفظ، ويزول ملكه عنه.
قوله: (ولا - فيما على معين- قبوله) وغير المعين أحرى وكالعتق.
والفرق بينه وبين الهبة والوصية: أن الوقف لا يختص بالمعيَّن، بل يتعلَّق به حق من يأتي من البطون في المستقبل، فيكون الوقف على جمعيهم إلا أنه مرتب، فصار كالوقف على الفقراء.
قال ابن المنجا: وهذا الفرق موجود بعينه في الهبة.
انتهى.
قال منصور البهوتي: قلت: فيه نظر، فإن الوقف يتلقاه كل بطن من واقفه، والهبة تنتقل إلى الوراث من موريه، لا من الواهب.
انتهى.
وأقول: النظر ظاهرٌ، إن كان ابن المنجا يوافق على أن الوقف يتلقاه كل بطن من واقفه، لا إن كان ممن يقول: يتلقاه البطن الثاني من البطن الأول، وهكذا ما بعده يتلقاه من الذي قبلَه.
والمسألة ذاتُ وجهين، كما في «الفائق».
وبخطه أيضًا على قوله: (ولا، فيما على معين ... إلخ) والأولى لمن وقف على نحو أولادِه أن يذكر في مصرفه جهةً تدوم، كالفقراء.
قوله: (ولا يبطل برده) يعني: كسكوته.

الجزء: 3 - الصفحة: 343

وَيَتَعَيَّنُ مَصْرِفُ الْوَقْفِ إلَى الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ فَلَوْ سَبَّلَ مَاءً لِلشُّرْبِ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ ومُنْقَطِعِ الِابْتِدَاءِ يُصْرَفُ فِي الْحَالِ قوله: (ويتعين مصرف الوقف ... إلخ) قال في «الإقناع»: يجوز صرف الموقوف على بناء المسجد، لبناء منارته وإصلاحها، وبناء منبره، وأن يشتري من سُلَّم للسطح، وأن يبني منه ظلةٌ، لا في بناء مرحاض، وزخرفة مسجد، ولا في شراء مكانس، ومجارف.
قال الحارثيُّ: وإن وقف على مسجد أو مصالحه، جاز صرفه في نوع العمارة وفي مكانس، ومجارف، ومساحي، وقناديل، ووقود - قال في «شرحه»: بفتح الواو- كزيتٍ، ورزق إمام، ومؤذن، وقيِّم.
قوله: (فلو سبل ماء للشرب .. إلخ) وكذا إخراج حصر المسجد لمنتظر جنازة أو غيره.
قوله: (ومنقطع الابتداء) أي: فقط، كوقفه على من لا يجوز الوقف عليه، كعبدٍ، ثم على من يجوز، كأولاده والفقراء.
اعلم: أنَّ للوقف ست صفات: إحداها: متصل الإبتداء والانتهاء والوسط.
الثانية: منقطع الابتداء، متصل الوسط والانتهاء.
الثالثة: متصل الابتداء [والوسط]، منقطع الانتهاء، عكس التي قبلها.
الرابعة: متصل الابتداء والانتهاء، منقطع الوسط.
الخامسة: عكسها منقطع الطرفين، صحيح الوسط.
والوقف صحيح في الخمس كلها.

الجزء: 3 - الصفحة: 344

إلَى مَنْ بَعْدَهُ وَمُنْقَطِعُ الْوَسَطِ إلَى مَنْ بَعْدَهُ ولِآخَرَ بَعْدَ مَنْ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ومَا وَقَفَهُ وَسَكَتَ إلَى وَرَثَتِهِ نَسَبًا عَلَى قَدْرِ والسادسةُ: منقطع الابتداء والوسط والآخر، مثل: أن يقف على من لا يصحُّ عليه ويسكت، أو يذكر ما لا يصح الوقف عليه أيضاً.
والوقف فيها غير صحيح.
ذكره منصور البهوتيُّ، رحمه الله تعالى.
قوله: (إلى من بعده) إن كان، وإلا بطل الوقفُ.
قوله: (وسكت) بأن قال: هذه الدار وقفٌ، ولم يسم مصرفاً.
قوله: (إلى ورثته نسبًا) يعني: لا نكاحًا أو ولاء.
قال ابن نصر الله في «حواشي الفروع»: هل المراد ورثته حين موته، أو حين انقطاع الوقف؟ وإذا صرف إليهم فماتوا، فهل ينتقل إلى ورثتهم، أم لا؟ فأما الأولى، ففي «الرعاية» ما يقتضي أنَّ المراد: ورثته حين انقطاع الوقف؛ لأنه قال: إلى ورثته إذن، أي: حين الانقطاع، وأما المسألة الثانية، ففي «شرح الخرقي» للزركشي: وحيث قلنا: يصرف إلى الأقارب، فانقرضوا، أو لم يوجد له قريب، فإنه يصرف إلى بيتِ المال؛ لأنه مال لا مستحق له، نص عليه أحمد في رواية إبراهيم وأبي طالب وغيرهما، وقطع به أبو الخطاب وأبو البركات، وقال ابن عقيل في «التذكرة» وصاحب «التلخيص»، وأبو محمد: يرجع إلى الفقراء والمساكين؛ إذ القصد بالوقف الصداقة الدائمة.
انتهى.
ولم يذكر إذا مات بعض الورثة، فهل يصرف

الجزء: 3 - الصفحة: 345

إرْثِهِمْ وَقْفًا وَيَقَعُ الْحَجْبُ بَيْنَهُمْ كَإرْثٍ فَإِنْ عَدِمُوا فلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَنَصُّهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَمَتَى انْقَطَعَتْ الْجِهَةُ وَالْوَاقِفُ حَيٌّ رَجَعَ إلَيْهِ وَقْفًا وَيَعْمَلُ فِي صَحِيحٍ وَسَطٍ فَقَطْ بِالِاعْتِبَارَيْنِ إلى من بقي، أم لا؟ والظاهر من كلامهم: أنه يصرف إلى ورثة الواقف إذ ذاك، وأنه إذا حدث للواقف وارث، فإنه يشارك الموجودين، كما في نظائره، والله أعلم.
قوله: (كإرث) أي: غنيهم وفقيرهم فيه سواء.
قوله: (ومتى انقطعت الجهة، والواقف حي ... إلخ) فلو وقف على أولاده وأنسالهم أبدًا على أنَّ من توفي منهم عن غير ولد، رجع نصيبه إلى أقرب الناس إليه، فتوفي أحد أولاده عن غير ولد، والأب الواقف حي، فهل يعود نصيبه إليه؛ لكونه أقرب الناس إليه، أو لا؟ يخرج على ما إذا انقطعت الجهة.
قال العلامة ابن رجب: والمسألة ملتفتة إلى دخول المخاطب في خطابه.
انتهى.
فالصحيح رجوعه إليه، وجزم به الشيخ منصور في «شرحه».

الجزء: 3 - الصفحة: 346

وَيَمْلِكُهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ فَيَنْظُرُ فِيهِ هُوَ أَوْ وَلِيُّهُ وَيَتَمَلَّكُ زَرْعَ غَاصِبٍ وَيَلْزَمُهُ أَرْشُ خَطَئِهِ وفِطْرَتُهُ وزَكَاتُهُ وَيُقْطَعُ سَارِقُهُ وَلَا يَتَزَوَّجُ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ وَلَا يَطَؤُهَا وَلَهُ تَزْوِيجُهَا إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لِغَيْرِهِ وأَخْذُ مَهْرِهَا وَلَوْ لِوَطْءِ شُبْهَةٍ قوله: (ويملكه ... إلخ) أي: يملك الوقف الموقوف عليه إن كان آدمياً معيناً، أو جمعا محصورًا كأولاده، وإلا انتقل الملك فيه إلى الله تعالى كالوقف على المساجد، والمدراس، والفقراء، والغزاة، ونحو ذلك.
فتدبر.
قوله: (فينظر فيه هو) أي: إن كان مكلفًا رشيدًا.
قوله: (ويتملك زرع غاصب) أي: بنفقته.
قوله: (ويلزمه أرش خطئه) وكذا عمد يوجب المال، أو عفا ولي الجناية عليه، فلا يتعلق برقبته.
قوله: (وفطرته .. إلخ) وأما إذا اشترى عبدًا من غلة الوقف لخدمة الوقف، فإن الفطرة تجب قولا واحدًا؛ لتمام التصرف فيه.
قاله أبو المعالي.
منصور البهوتي.
قوله: (ويقطع سارقه) أي: الموقوف على معيَّن، وسارق نمائه.
قوله: (موقوفة عليه) فلو وقفت عليه زوجتُه، انفسخ النِّكاح للملك.
قوله: (ولا يطؤها) يعني: ولو أذن واقف.
قوله: (ولو لوطء شبهةٍ) أي: او زناً.
وهذه كلُّها فوائد القول بأن الموقوف عليه المعين يملك الوقف، وكذا النفقة عليه، وتأتي.

الجزء: 3 - الصفحة: 347

وَوَلَدُهَا مِنْ شُبْهَةٍ حُرٌّ وَعَلَى وَاطِئٍ قِيمَتُهُ تُصْرَفُ فِي مِثْلِهِ ومِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا وَقْفٌ وَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ بِوَطْئِهِ وَوَلَدُهُ حُرٌّ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ تُصْرَفُ فِي مِثْلِهِ وَتُعْتَقُ بِمَوْتِهِ وَتَجِبُ قِيمَتُهَا فِي تَرِكَتِهِ يَشْتَرِي بِهَا وبِقِيمَةٍ وَجَبَتْ بِتَلَفِهَا أَوْ بَعْضِهَا مِثْلُهَا أَوْ شِقْصٌ يَصِيرُ وَقْفًا بِالشِّرَاءِ قوله: (حر) يعني: ولو كان الواطيء رقيقا إن اشتبهت عليه بمن ولده منها حرٌّ؛ لاعتقاده حريَّته.
قوله: (في مثله) أي: يكون وقفًا مكانه.
قوله: (وقْف) أي: تبعًا لأمه وعلى قياسه ولد بهيمة، وودي النخل، فيكون وقفا لا غلة؛ لأنه بالأصل أشبه.
فتأمل.
قوله: (وولده حر) أي: الموقوف عليه من الموقوفة؛ للشبهة.
قوله: (وعليه قيمته) أي: يوم وضعه حيَّاً؛ لتفويته رقه على من يؤول إليه الوقف بعد.
قوله: (تصرف في مثله) أي: في قن مثله؛ لأنها بدله.
قوله: (وتعتق بموته) لأنها صارت أم ولده؛ لولادتها منه، وهو مالكها.
قوله: (في تركته) إن كانت؛ لأنه أتلفها على من بعده من البطون.
قوله: (مثلها) يكون وقفًا مكانها.
قال الحارثي: اعتبار المثلية في البدل المشترى بمعنى: وجوب الذكر في الذكر، والأنثى، والكبير في الكبير، وسائر الأوصاف التي تتفاوت الأعيان بتفاوتها، لا سيَّما الصناعة المقصودة في الوقف، والدليل على الاعتبار أن الغرض جبرانُ ما فات، ولا يحصل بدون ذلك.
وإن وطئها الواقف،

الجزء: 3 - الصفحة: 348

وَلَا يَصِحُّ عِتْقُ وَإِنْ قُطِعَ فَلَهُ الْقَوَدُ وَإِنْ عَفَا فَأَرْشُهُ فِي مِثْلِهِ وَإِنْ قُتِلَ وَلَوْ عَمْدًا فقِيمَتُهُ وَلَا يَصِحُّ عَفْوُ عَنْهَا وقَوَدًا بَطَلَ الْوَقْفُ وَلَا إنْ قُطِعَ وَيَتَلَقَّاهُ كُلُّ بَطْنٍ عَنْ وَاقِفِهِ فَإِذَا امْتَنَعَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ عَنْ الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدٍ لِثُبُوتِ الْوَقْفِ فَلِمَنْ بَعْدَهُمْ الْحَلِفُ وجب المهر للموقوف عليه، ووجب الحدُّ، والولد رقيقٌ، مالم نقل ببقاء ملكه.
ذكره الحارثي.
قلت: الظاهر: عدم وجوب الحد؛ لشهة الخلاف في بقاء ملكه.
ذكره منصور البهوتي.
قوله: (ولا يصح عتق موقوف) بحال، ولو أعتق بعضه الطلق لم يسر بالأولى.
قوله: (فله القود) أي: للرقيق.
قوله: (وإن عفا) يعني: أو كان القطع لا يوجب قودًا؛ لعدم المكأفاة، أو لكونه خطأ أو جائفة، ونحوه.
قوله: (ولا يصح عفو عنها) يعني: ولو قلنا: إنه يملكه؛ لأنه لا يختص به.
قوله: (وقودا) أي: بأن قتل مكافئا عمدا، فقتله، وكالمقتول قصاصاً.
قوله: (بطل الوقف) كما لو مات حتف أنفه.
قوله: (عن واقفه) لا عمَّن قبله.
قوله: (فإذا امتنع البطن الأول) يعني: أو من بعده حال استحقاقهم.
قوله: (فلمن بعدهم الحلف) ولو قبل استحقاقهم للوقف.
منصور البهوتي.
وعلم منه: أنهم لا يستحقونه بالحلف، بل بعد انقراض من قبلهم؛ ففائدة ذلك

الجزء: 3 - الصفحة: 349

وَأَرْشُ جِنَايَةِ وَقْفٍ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ خَطَأٌ فِي كَسْبِهِ فَصْلٌ وَيُرْجَعُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ إلَى شَرْطِ وَاقِفٍ وَمِثْلُهُ اسْتِثْنَاءٌ ومُخَصَّصٌ مِنْ صِفَةٍ وعَطْفِ بَيَانٍ وتَوْكِيدٍ وبَدَلٍ عدم صحة تصرف من بيده الوقف فيه ببيعٍ، ونحوه.
وحيث ثبت الوقف بالحلف المذكور، فإن الريع يكون ملكاً للبطن الأول، لأنه يدخل في ملكهم قهراً كالإرث؛ بدليل أنه لا يبطل برده.
فتأمل.
قوله: (وأرش جناية ... إلخ) مبتدأ مضاف.
قوله: (وقف) أي: رقيق موقوف.
قوله: (على غير معيَّن) كالمساكين.
قوله: (خطأً) حال.
قوله: (في كسبه) خبره، أي: لا في رقبته.
قوله: (ويرجع) أي: في أمور الوقف.
قوله: (إلى شرط واقفٍ) كشرطه لزيد كذا، ولعمرو كذا، ونحو ذلك.
قوله: (ومثله) أي: مثل الشرط الصريح في وجوب الرجوع إليه.
قوله: (وعطف بيان) هو: التابع الجامد الموضع لمتبوعه، أو المخصص له، كعلى ولدي أبي محمد عبد الله، وفي أولاده من كنيته أبو محمد غير عبد الله، فلا يدخل في الوقف.
قوله: (وتوكيد) بمعنى مؤكد، وهو: التابع الرافع لاحتمال إرادة المجاز، كوقفه على أولاد زيد نفسه، فلا يدخل فيه أولاد أولاده.
قوله: (وبدل) فلو قال: وقفت على ولدي فلان وفلان، ثم الفقراء، لم يشمل ولد ولده.
فمن له أربعة أولادٍ وقال: وقفت على ولدي فلان وفلان وفلان، وعلى أولاد أولادي،

الجزء: 3 - الصفحة: 350

وَنَحْوِهِ وجَارٌّ نَحْوُ عَلَى أَنَّهُ وَبِشَرْطِ أَنَّهُ وَنَحْوُهُ فَلَوْ تَعَقَّبَ جُمَلًا عَادَ إلَى الْكُلِّ وفِي عَدَمِ إيجَارِهِ أَوْ قَدْرِ مُدَّتِهِ وفِي قِسْمَتِهِ وتَقْدِيمِ بَعْضِ أَهْلِهِ كَعَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ وَيَبْدَأُ بِالدَّفْعِ إلَى زَيْدٍ، أَوْ عَلَى طَائِفَةِ كَذَا وَيَبْدَأُ بِالْأَصْلَحِ وَنَحْوِهِ وتَأْخِيرٍ عَكْسُهُ وتَرْتِيبٍ كَجَعْلِ اسْتِحْقَاقِ بَطْنٍ مُرَتَّبًا عَلَى دخل الثلاثة المسمون فقط، وأولاد الأربعة؛ لأنه أبدل بعض الولد، وهو فلان وفلان وفلان من اللفظ المتناول للجميع: وهو: ولدي.
وبدل البعض يوجب الحكم به، ويتعين من جهةِ الإعرابِ قطع البدل في هذه الحالةِ.
قال في «التسهيل»: وما فصل به مذكور، وكان وافياً، ففيه البدلُ والقطعُ، وإن كان غير واف، تعين قطعه إن لم ينو معطوف محذوف.
انتهى.
وهذه فائدة جليلة، فلتحفظ، والله الموفق.
قوله: (ونحوه) أي: كالغاية، كعلى أولادي حتى يبلغوا، أي: ثم هو على المساكين مثلا، وإلا كان معلق الانتهاء، وهو باطل.
والإشارة بلفظ «ذلك»، والتمييز.
قوله: (ونحوه) أي: نحو: لكن إن كان كذا، فكذا.
قوله: (فلو تعقَّب) يعني: الشرط ونحوه.
قوله: (وتأخيرٍ عكسُه) أي: عكس التقديم، كعلى أولادي، يعطى منهم أولا ما سوى فلانٍ كذا، ثم ما فضل لفلان.

الجزء: 3 - الصفحة: 351

آخَرَ فَالتَّقْدِيمُ بَقَاءُ الِاسْتِحْقَاقِ لِلْمُؤَخَّرِ عَلَى صِفَةٍ إنَّ لَهُ مَا فَضَلَ وَإِلَّا سَقَطَ وَالتَّرْتِيبُ عَدَمُهُ مَعَ وُجُودِ الْمُقَدَّمِ وفِي إخْرَاجِ مَنْ شَاءَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ أَوْ بِصِفَةٍ وَإِدْخَالِ مَنْ شَاءَ قوله: (ما فضل) أي: عن مقدر ما قبله، ومنه تعلم: أنَّه لا بد من تقدير ما يعطاه المقدم.
وصرح به في «الإقناع».
قوله: (مع وجود المقدَّم) يعني: كلا، أو بعضاً.
قوله: (من أهل الوقف) أي: مطلقاً.
ومعني الإخراج والإدخال بصفة: جعل الاستحقاق والحرمان مرتبًا على وصف.
ولو وقف على أولاده؛ وشرط أن من تزوج من البنات، فلا حق لها، أو على زوجته ما دامت عازبة، صح.
كما في «الإقناع».
قوله: (أو بصفة) أي: كإخراج من تزوجت من بناته.
قال في «الحاشية»: هكذا مثلوا، وانظر: هل يعارض ما نقلته عن صاحب «الإنصاف»؟ . انتهى.
وأشار بقوله: ما مر ... إلخ إلي ما نقله عن صاحب «الإنصاف» عند قول المصنف في الوقف على الذمي: (ويستمر له إذا أسلم، ويلغو شرطه ما دام كذلك) فإنه ذكر هناك نقلا عن «الإنصاف»: أنه لو وقف على امرأةٍ ما دامت عزباء، كان اشتراط العزوبية باطلا؛ لأن الوصف ليس قربة.
انتهى بمعناه.
وأقول: يمكن حمل كلام «الإنصاف»

الجزء: 3 - الصفحة: 352

مِنْهُمْ أَوْ بِصِفَةٍ لَا إدْخَالِ مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ كَشَرْطِ تَغْيِيرِ شَرْطٍ وفِي نَاظِرِهِ وإنْفَاقٍ عَلَيْهِ وسَائِرِ أَحْوَالِهِ كَأَنْ لَا يَنْزِلَ فِيهِ فَاسِقٌ وَلَا شِرِّيرٌ وَلَا مُتَجَوَّه وَنَحْوُهُ وَإِنْ خَصَّصَ مَقْبَرَةً أَوْ رِبَاطًا أَوْ مَدْرَسَةً أَوْ إمَامَتَهَا بِأَهْلِ مَذْهَبٍ أَوْ بَلَدٍ أَوْ بِقَبِيلَةٍ تَخَصَّصَتْ لا الْمُصَلِّينَ وَلَا الْإِمَامَةِ بِذِي مَذْهَبٍ مُخَالِفٍ لِظَاهِرِ السُّنَّةِ على ما إذا أراد الواقف بقوله: ما دامت عزباء: منعها من التزوج، وتركها لما هو قربة من القربات، فيبطل اشتراطه ذلك.
وحمل ما ذكروه هنا ومثلوا به على ما إذا أراد الواقف الرفق بمن فارقها زوجها، وصارت عزباء في مظنة الحاجة، وعدم قيام أحدٍ بمؤنتها، بخلاف ما إذا تزوَّجت واستغنت بزوجها، فحينئذ لم يشترط العزوبية من حيث إنها ترك للنكاح، بل من حيث إنها مظنة الحاجة.
وهذا ظاهرٌ لا شبهة فيه إن شاء الله تعالى، فلا تعارض بين الكلامين.
فتأمل بالإنصاف.
قوله: (لا إدخال من شاء من غيرهم) أي: ولا يصح الوقف أيضاً.
قوله: (كشرطه) أي: لنفسه أو للناظر بعده.
قوله: (تغيير شرط) فلا يصح الشرط، ولا الوقف؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف فأفسده، وكما لو شرط أن لا ينتفع به، فيفسد الوقف.
قوله: (وإنفاق عليه) أي: بأن يقول: ينفق عليه، أو يعمَّر من جهة كذا.
قوله: (ونحوه) أي: كذي بدعة.
قوله: (لا المصلين) أي: لا تتخصص بهم، بل لكل أحد الصلاة فيها.
قوله أيضا على قوله: (لا المصلين) عطف على قوله: (مقبرة) أي: لا إن خصص

الجزء: 3 - الصفحة: 353

وَلَوْ جُهِلَ شَرْطُهُ عُمِلَ بِعَادَةٍ جَارِيَةٍ ثُمَّ بِعُرْفٍ فَالتَّسَاوِي فَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ نَاظِرًا فلِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمَحْصُورِ، المصلين، ولا إن خصص الإمامة ... إلخ.
قوله: (ولو جهل شرطه ... إلخ) بأن ثبت الوقف دون الشرط في قسمته بينهم.
واعلم: أنه إذا جهل شرط الواقف، وأمكن التآنس بصرف من تقدم ممن يوثق به، رجع إليه؛ لأنه أرجح بما عداه، والظاهر: صحَّة تصرُّفه ووقوعه على الوقف، فإن تعذر وكان الوقف على عمارة، أو إصلاح، صرف بقدر الحاجة، إن كان على قوم، عمل بعادة جارية ... إلخ.
قوله: (جارية) أي: مستمرة إن كانت ببلد الواقف.
قوله: (ثم عرف) مستمر في الوقف في مقادير الصَّرف، كفقهاء المدارس.
قوله: (فإن لم يشرط ناظرًا) أي: أو شرطه لمعين فمات، أو عزل نفسه.
وإن شرط النظر للأفضل من أولادِه، فأبى القبول، انتقل إلى من يليه، فإن تعيَّن أحدهم أفضل، ثم صار فيهم من هو أفضل منه، انتقل إليه، فإن استوى اثنان، اشتركا في النظر.
قوله أيضًا على قوله: (فإن لم يشرط ناظرًا) فلو قال الواقف: النظر لزيد، فإن مات فلعمرو، فعزل زيد نفسه، أو فسق، وقلنا: ينعزل، فكموته؛ لأن تخصيص الموت خرج مخرج الغالب، والصحيح: أنه لا ينعزل، كما يأتي، فلا مفهوم له.
هذا معنى ما في «الإقناع».
قال في «شرحه»: وإن أسقط حقه من النظر لغيره، فليس له ذلك؛ لأنه إدخال في الوقف لغير أهله، فلم

الجزء: 3 - الصفحة: 354

كُلٌّ عَلَى حِصَّتِهِ وَغَيْرُهُ كَعَلَى مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ لِحَاكِمِ وَمَنْ أَطْلَقَ النَّظَرَ لِلْحَاكِمِ شَمِلَ أَيَّ حَاكِمٍ كَانَ سَوَاءٌ كَانَ مَذْهَبُهُ مَذْهَبَ حَاكِمِ الْبَلَدِ زَمَنَ الْوَاقِفِ أَمْ لَا يملكه، وحقه باق، فإن أصر على عدم التصرف، انتقل إلى من يليه، كما لو عزل نفسه، فإن لم يكن من يليه، أقام الحاكم مقامه، كما لو مات.
هذا ما ظهر لي، ولم أره مسطورًا، وقد عمَّت البلوى بهذه المسألة.
انتهى ما ذكره رحمه الله تعالى.
قوله: (كل على حصَّته) أي: من جائز التصرُّف، وولى غيرهم.
قوله: (وغيره) أي: غير الموقوف على محصور.
وقوله: (غيره) مبتدأ، خبره (لحاكم) على حذف مضاف، والتقدير: ونظر غير الوقف على محصور، كعلى مسجدٍ، ومدرسةٍ، ومساكين - لحاكم.
قوله: (لحاكم) أي: فلم يقيد بكونه شافعياً، أو حنفياً، ونحوه.
قوله: (شمل) أي: لفظ: الحاكم (أي حاكمٍ كان).
قاله الشخ تقي الدين.
وإن شرط النظر لحاكم المسلمين كائناً من كان فتعدد الحاكم، فأفتى الشيخ نصر الله الحنبلي، والشيخ برهان الدين ولد صاحب «الفروع»: أن النظر فيه للسلطان يوليه من شاء للمتأهلين لذلك.
منصور البهوتي.
ولعلَّ مرادهما: مع المشاحة من الحكام،

الجزء: 3 - الصفحة: 355

وَلَوْ فَرَضَهُ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ لِ آخَرَ نَقْضُهُ وَلَوْ وَلَّى كُلٌّ مِنْهُمَا النَّظَرَ شَخْصًا قَدَّمَ وَلِيُّ الْأَمْرِ أَحَقَّهُمَا وإلا فلكل النظر على انفرادٍ.
وإذا بدأ أحدهم، ففوَّضه لأهل، لم يجز للباقين نقضه.
هذا الذي يتمشى على عبارة المتن، والله أعلم.
قوله: (ولو فوضه حاكم ... إلخ) قال المصنف في «شرحه»: ولعل وجهه أن الأصحاب قاسوا التفويض على حكم الحاكم قبله.
انتهى.
مع أنهم ذكروا أن للحاكم النَّصب والعزل؛ لأصالة ولايته كما يأتي، إلا أن يحمل ما هنا على ما إذا تعدَّدت الحكام، وما يأتي على ما إذا لم يكن إلا حاكم واحد، بقرينة السياق، أو يقال: النصب - أي: الآتي ذكره - بمعنى: التوكيل والتفويض - أي: المذكور هنا - إسناده إليه على وجه الاستقلال بالنظر فيه؛ لكونه مصلحة من مصالح الوقف، فهو بمنزلة التقرير في الوظائف، وبمنزلة نصب الإمام قاضياً، أو والياً، كما ذكروا أنَّه وكيلٌ عن المسلمين، لا عن الإمام.
وكما يأتي في القضاء: إذا نصب القاضي قيِّماً، لم ينعزل بعزله مع أهليَّته.
ذكره منصور البهوتي رحمه الله تعالى.
قوله: (كلٌّ منهما) أي: من حاكمين أو حكام، قدم وليُّ الأمر أحقهما، أو أحقهم.
قوله: (شخصًا) لعله في آن واحد، أو جهل سابقٌ، وإلا تعين الأول؛ لوقُوعه في محله، ولذلك لم بملك الثاني نقضه.
ثم هل يؤمر الحاكم - الذي ولى غيره ولاء - بعزله؛ لاحتمال سبق توليته، أم لا؟ قوله: (قدم ولي الأمر) أي: السلطان.

الجزء: 3 - الصفحة: 356

فَصْلٌ وَشُرِطَ فِي نَاظِرٍ إسْلَامٌ وتَكْلِيفٌ وكِفَايَةٌ لِتَصَرُّفٍ وَخِبْرَةٌ بِهِ فصل في مسائل من أحكام الناظر قوله: (في ناظرٍ) أي: مطلقًا.
قوله: (إسلام) إن كان الوقف على مسلم، أو جهة من جهاتِ الإسلام، كمسجدٍ، ونحوِه.
فلو كان الوقف على كافر معيَّن، جاز شرط النظر فيه لكافرٍ، كما لو وقف على أولادِه الكفار، وشرط النَّظر لأحدهم، أو غيرهم من الكفَّار، فيصح كما في وصية الكافر لكافر على كافر.
أشار إليه ابن عبد الهادي وغيرُه.
نقله منصور البهوتي.
والحاصل: أنه إذا كان الوقف على مسلم، أو جهة الإسلام فلا بد أن يكون الناظر مسلمًا.
قوله أيضا على قوله: (وشرط في ناظر: إسلام) يعني: بشرطين: كون الجهة جهة إسلام أو المعين مسلمًا، وكون الناظر أجنبيًا، كما يعلم من «شرح» المصنف، ويفهم من كلام «المتن» الآتي أيضًا.
قال في «شرحه» هنا: وشرط في ناظر مطلقًا ... إلخ.
وكأنه أراد به، سواء كانت ولايته من واقف، أو حاكم حيث كان أجنبيًا، كما أشرنا إليه، وإنما قيَّدناه بذلك؛ لأن المصنف قال في شرح قوله: (وإن كان

الجزء: 3 - الصفحة: 357

وَقُوَّةٌ عَلَيْهِ وَيُضَمُّ لِضَعِيفٍ قَوِيٌّ أَمِينٌ وفِي أَجْنَبِيٍّ وِلَايَتُهُ مِنْ حَاكِمٍ لموقوفٍ عليه بجعله له، أو لكونه أحق، لعدم غيره، فهو أحق مطلقا) ما نصه: أي سواء كان عدلا، أو فاسقًا، ويشمل الإطلاق المسلم والكافر.
انتهى.
وهذا معنى ما نقله المصنف في «شرحه» عن «المغني» واستظهره.
فتأمل.
قوله: (وقوة عليه) أي: لا ذكوريَّة وعدالة.
قوله: (ويضم لضعيف ... إلخ) أي: يضمه الحاكم، سواء كان على معين، أو غيره.
وهل شرطه إذا كان المضموم متبرعًا، أو لا؟ وهل يفرَّق بين الوقف على معين، أو غيره؟ الظاهر: أنه إذا كان على غير معين، جاز ولو بجعل للحاجة، وكذا إن كان على معين ورضي بذلك.
وإذا ضم إليه القوي، فالناظر الأول، غير أنه لا يتصرف إلا بإذنه، يعني: وسواء كان ناظراً بشرط، أو موقوفا عليه.
ويضم- أيضاً - إلى الفاسق عدل.
فائدة: إذا شرط لناظرٍ عوضٌ معلوم، فإن كان بقدر أجرِ المثل، اختص به، وكان ما يحتاج إليه الوقف - من أمناء وغيرهم - من غلة الوقف، وإن كان المشروط أكثر مما يحتاج إليه الوقف - من أمناء وغيرهم- من غلة الوقف، وإن كان المشروط أكثر مما يحتاج إليه الوقف- من أمناء وعمال عليه - يصرفها من الزيادة حتى يبقى له أجرُ المثل، إلا أن يكون الواقف شرطه له خالصاً.
ذكر معنى ذلك صاحب «الإقناع»، رحمه الله.

الجزء: 3 - الصفحة: 358

أَوْ نَاظِرٍ عَدَالَةً فَإِنْ فَسَقَ عُزِلَ ومِنْ وَاقِفٍ وَهُوَ فَاسِقٌ أَوْ فَسَقَ يُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ وَإِنْ كَانَ لِمَوْقُوفٍ عَلَيْهِ بِجَعْلِهِ لَهُ أَوْ لِكَوْنِهِ أَحَقَّ لِعَدَمِ غَيْرِهِ فَهُوَ أَحَقُّ مُطْلَقًا وَلَوْ شَرَطَهُ وَاقِفٌ لِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ عَزْلُهُ بِلَا شَرْطٍ وَإِنْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ أَوْ أَسْنَدَهُ أَوْ فَوَّضَهُ إلَيْهِ فَلَهُ عَزْلُهُ قوله: (أو ناظرٍ) أي: أصلي، أو لا، وجاز للوكيل أن يوكِّل.
قوله: (عدالة) أي: ولو ظاهرًا.
محمد الخلوتي.
قوله: (عزل) أي: انعزل.
قوله: أيضًا على قوله: (عزل) الظاهر: أنه لا ينعزل بمجرَّد الفسق.
شيخنا محمد الخلوتي.
أقول: بل المفهومُ من «شرح» المصنف: أنه ينعزل بمجرد الفسق.
فتأمل.
ونقل عن «المغني» ما يدل على ذلك.
قوله: (يضم إليه أمين) يعني: ولم ينعزل، وفيه ما تقدَّم في الضعيف.
وهل إذا قوي الضعيف، أو زال الفِسقُ ينعزل المضموم، أو يُعزلُ، أو لا؟ الظَّاهر: الأول.
قوله: (مطلقًا) أي: عدلاً كان أو فاسقاً، رجلاً أو امرأة، رشيدًا أو محجورًا عليه، بل ظاهره: ولو كافرًا.
قوله: (ثم جعله لغيره ... إلخ) الفرق بين الصيغ الثلاث لفظيٌّ، يعني: أن قوله: جعلت النَّظر لفلان، أو أسندته إليه، أو فوَّضته إليه،

الجزء: 3 - الصفحة: 359

وَلِنَاظِرٍ بِأَصَالَةٍ مؤدى الجميع واحد، وحكمها واحد، وهو: أنَّ له عزله؛ لأنه نائب عنه، بخلاف مالو شرطه لغيره ابتداءً، فليس له عزله؛ لأنه إذا لم يشترط لنفسه النظر، فبفراغه من الوقف وشروطِهِ قد خرج عن ملكه، وانقطعت علقه منه، وصار الواقف أجنبياً.
قوله: (ولناظر بأصالة ... إلخ) فلو شرط الوقف النظر للحاكم، أو الموقوف عليه، فهل يمتنع التوكيل حيث لا يجوز للوكيل نظرًا للشرط، أو يجوز له، نظرا لأصالة ولايته لولا الشرط؟ قال منصور البهوتي: لم أر من تعرَّض له، لكن ما صحَّحوه في الوكالة من عدم انفساخ الإجارة بموته نظرا للشرط يؤيد الأول.
وفي «شرح الإقناع»: لكن لو كان الموقوف عليه هو المشروط له، فالأشبه أن له النَّصب، لأصالة ولايته؛ إذ الشرط كالمؤكد لمقتضى الوقف عليه.
انتهى، والله أعلم.
فائدة: ما بناه أهل الشوارع والقبائل من المساجد، فالإمامة لمن رَضُوا به، لا اعتراض للسلطان عليهم، وليس لهم بعد الرضا به عزله؛ لرضاهم به كالولاية، مالم يتغير حاله بنحو فسق، أو ما يمنع الإمامة.
وليس له أن يستنيب إن غاب؛ لأن تقديم الجيران له ليس ولاية، وإنما قدم، لرضاهم به، ولا يلزم من رضاهم به الرضى بنائبه، كما في الوصي بالصلاة على ميت، بخلاف من ولاه الناظر، أو الحاكم؛ لأنَّ الحق صار له بالولاية، فجاز أن يستنيب، فمتى غاب ولاه السلطان، أو نائبه في الجوامع الكبار،

الجزء: 3 - الصفحة: 360

كَمَوْقُوفٍ عَلَيْهِ وَحَاكِمٍ نُصِّبَ وَعُزِلَ فنائبه أحق، ثم لم يكن نائب من رضيه أهلُ المسجد؛ لتعذر إذنه.
قال الشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى: لو عُطِّل مغل مسجد سنة، قسطت الأجرة المستقبلة على السنة التي تعطل مغلها، وعلى السنة الأخرى التي لم يتعطل مغلها؛ لتقوم الوظيفةُ فيهما، فإنَّه خير من التعطل.
قوله: (كموقوف عليه) أي: معيَّن.
قوله: (وحاكمٍ) أي: فيما على غير معين، كالفقراء.
قوله: (وعزل) يعني: أن الناظر الأجنبي - وهو غير الموقوف عليه - إذا كانت ولايته من ناظر جعل له ذلك، أو بدونه حيث جاز للوكيل التوكيل، أو كانت ولايته من حاكم، فإنه لا بدَّ من عدالته، فإذا فسق انعزل، ولا يتوقف على عزلٍ، كما يفهم من «شرح» المصنف حيث قال: لأنها ولاية على حقِّ غيره، فنافاها الفسق.
ونقل عن «المغني» ما يدل على ذلك أيضاً، فإنه عنه في ناظر ولايته من الواقف وهو فاسق، أو فسق ما نصه: ويحتمل أن لا تصح توليته، وأنه ينعزل إذا فسق في أثناء ولايته؛ لأنها ولاية على حقِّ غيره، فنافاها الفسق، كما لو ولاه الحاكم.
انتهى.
فعلَّل عدم الصحة والانعزال بما علل به «شرح» الشيخ محمد الخلوتي، وجعل من ولاه الحاكم أصلا في ذلك، فقضيته أنه لا خلاف فيه.
فتدبر.

الجزء: 3 - الصفحة: 361

لَا نَاظِرٍ بِشَرْطٍ وَلَا يُوصِي بِهِ بِلَا شَرْطِ وَلَوْ أَسْنَدَ لِاثْنَيْنِ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا بِلَا شَرْطِ وَاقِفٍ وَإِنْ شَرَطَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ التَّصَرُّفَ لِوَاحِدٍ والْيَدَ لِآخَرَ أَوْ عِمَارَتَهُ لِوَاحِدٍ وتَحْصِيلَ رِيعِهِ لِآخَرَ صَحَّ وَلَا نَظَرَ لِحَاكِمٍ مَعَ نَاظِرٍ خَاصٍّ لَكِنْ لَهُ النَّظَرُ الْعَامُّ فَيُعْتَرَضُ عَلَيْهِ إنْ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ وَلَهُ ضَمُّ أَمِينٍ قوله: (لا ناظر بشرط) يعني: أجنبي.
وإن مات ناظر بشرط في حياة واقفٍ، لم يملك الواقف نصب غيره مطلقًا بدون شرط.
منصور البهوتي.
قوله: مطلقًا، أي: سواء كان على معين أو غيره.
قوله أيضا على قوله: (لا ناظرٍ بشرط) عمومه يشمل الواقف إذا شرط النظر لنفسه وأطلق وهو يخالف ما قدمه، إلا أن يحمل الأول على ما إذا شرط ذلك لنفسه.
قوله: (بلا شرط) أي: بلا شرط واقفٍ؛ لأن للناظر النصب، والعزل، والوصية به، فإذا شرطه له، ملكه.
قوله: (لم يصح تصرف ... إلخ) فإن لم يوجد إلا واحدٌ، أو أبى أحدهما، أو مات، أقام الحاكم مقامه آخر.
قوله: (مع ناظر خاص) أي: ليس استحقاقه من جهة الحاكم، بخلاف ما لو عين الحاكم له ناظرًا، فإن له النظر معه، كما يعلم مما تقدم في قوله: (ولناظر بأصالةٍ كوقوف عليه وحاكم نصب وعزل)، وقد قال هنا: (وله ضم أمين ... إلخ) فعلم: أنه لو كان من قبله، لما احتاج إلى ضم أمينٍ، بل له عزله مطلقًا.
فتدبر.
قوله أيضًا على

الجزء: 3 - الصفحة: 362

مَعَ تَفْرِيطِهِ أَوْ تُهْمَتِهِ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَهْلِ الْوَقْفِ عَلَى أَمِينٍ وَلَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِانْتِسَاخِ كِتَابِ الْوَقْفِ وَلِلنَّاظِرِ الِاسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ لِمَصْلَحَةٍ كَشِرَائِهِ لِلْوَقْفِ نَسِيئَةً أَوْ بِنَقْدٍ لَمْ يُعَيِّنْهُ وَعَلَيْهِ نَصْبُ مُسْتَوْفٍ لِلْعُمَّالِ الْمُتَفَرِّقِينَ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ أَوْ لَمْ تَتِمَّ مَصْلَحَةٌ إلَّا بِهِ فَصْلٌ وَوَظِيفَتُهُ حِفْظُ وَقْفٍ وَعِمَارَتُهُ وَإِيجَارُهُ وَزَرْعُهُ وَمُخَاصَمَةٌ فِيهِ وَتَحْصِيلُ رِيعِهِ مِنْ أُجْرَةٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ وَالِاجْتِهَادُ فِي تَنْمِيَتِهِ وَصَرْفُهُ فِي جِهَاتِهِ مِنْ عِمَارَةٍ وَإِصْلَاحِ وَإِعْطَاءُ مُسْتَحِقٍّ وَنَحْوِهِ قوله: (مع ناظر خاص) أي: حاضرٍ، وإلا جاز له التقدير.
قوله: (مع تفريطه) ومتى فرط سقط ما له من المعلوم بقدر ما فوته من الواجب عليه، فيوزع ما قدر له على ما عمل ومالم يعمله، ويسقط مالم يعمله.
قوله: (على أمين) أي: ولاه الواقف.
قوله: (أو لم يعينه) أي: بنقد لم يعينه ... إلخ.
قوله: (وعليه) أي: على الناظر حاكمًا كان أو غيره.
قوله: (ووظيفته) أي: الناظر مطلقاً، أي ناظر كان، بشرط، أو استحقاق، أو لا.
قوله: (في جهاته) أي: بما يحصل به تنميته.
قوله: (وإعطاء مستحق ... إلخ) ويقبل قول الناظر المتبرع في دفع لمستحق، وإن لم

الجزء: 3 - الصفحة: 363

وَلَهُ وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ والتَّقْرِيرُ فِي وَظَائِفِهِ يكن متبرعًا، فلا بدَّ من بينة، كما تقدم في الوكالة.
قال في «شرح الإقناع»: ولا يعمل بالدفتر الممضي منه - المعروف في زمننا بالمحاسبات - في منع مستحق ونحوه، إذا كان بمجرد إملاء الناظر والكاتب على ما اعتبر في هذه الأزمنة، وقد أفتى به غير واحد في عصرنا.
انتهى.
قوله: (والتقرير في وظائفه) قال الحارثي: ومتى امتنع من نصب من يجب نصبه، نصَّبه الحاكم، كما في عضل الولي في النكاح.
انتهى.
قال منصور البهوتي قلت: وكذا لو طلب جعلا على النصب.
انتهى.
لكن لا يقرِّر نفسه في وظائفه، وكذا لا يجوز مع كونه ناظرًا أن يكون شاهد الوقف، ولا مباشرًا فيه، ولا أن يتصرَّف بغير مسوغ شرعي، أفتى بكلِّ ذلك ابن المصنف الموفق، ووافقه من حنفية عصره النور المقدسي، ومن الشافعية الشمس الرملي.
وأقول: يزاد على ذلك فيما يظهر أنه لا يجوز له تقرير من لا تقبل شهادته له؛ لأنهم كهو، ولذلك لا تصح إجارته لنفسه، ولا لهم، كما تقدَّم.
فتأمل.

الجزء: 3 - الصفحة: 364

وَمَنْ قُرِّرَ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ حَرُمَ صَرْفُهُ بِلَا مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ وَلَوْ أَجَّرَهُ نَاظِرٌ بِأَنْقَصَ وَضَمِنَ النَّقْصَ قوله: (ومن قرر على وفق الشرع ... إلخ) من ذلك لو فوض حاكم النظر لمن يستحقه؛ لوصف فيه، كما لو شرطه للأرشد، أو الأفضل من بنيه، أو غيرهم، فأثبت أحدهم ذلك الوصف وفوضه إليه، أو شرط الواقف أن الحاكم يولِّيه من شاء، ففوَّضه لشخص، فإنه لا يجوز له ولا لغيره من الحكام نقض هذا التفويض؛ لأنه نقض للحكم مالم يتغير الوصفُ، كما لو صار غيره أرشد منه، أو أفضل، فإنه يفوضه إليه؛ لوجود الشرط فيه.
والحاصل: أنه يحرم على الناظر، وعلى غيره صرف المقرر، وله أن يستنيب كما لو أستأجره ليخيط له ثوبًا.
فيؤخذ منه: أنه لو قال في شرطه: أن يكون الإمام فلاناً وأن يؤم بنفسه، أنه لا يجوز له أن يستنيب إلا إن تعذرت عليه الإمامة بنفسه، كما ذكره ابن نصر الله.
قوله: (بلا موجب) بكسر الجيم، أي: مقتض - لا بفتحها - لأنه بمعنى الأثر المترتب على الشيء وهو غير مراد هنا.
شخنا محمد الخلوتي.
وليس منه النيابة في نحو إمامة وغلق باب؛ فإنها جائزة، ولو نهى الواقف عنه، كما في «الإقناع» و «شرحه»، إذا كان النائب أهلا.
قوله: (وضمن النَّقص) أي: إن كان المستحق غيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 365

الْمُنَقِّحُ: أَوْ غَرَسَ أَوْ بَنَى فِيمَا هُوَ وَقْفٌ عَلَيْهِ وَحْدَهُ فَهُوَ لَهُ مُحْتَرَمٌ وَإِنْ كَانَ شَرِيكًا أَوْ لَهُ النَّظَرُ فَقَطْ فغَيْرُ مُحْتَرَمٍ وَيَتَوَجَّهُ إنْ أَشْهَدَ وَإِلَّا فلِلْوَقْفِ وَلَوْ غَرَسَهُ لِلْوَقْفِ أَوْ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ فوَقْفٌ.
وَيَتَوَجَّهُ فِي غَرْسِ أَجْنَبِيٍّ أَنَّهُ لِلْوَقْفِ بِنِيَّتِهِ قوله: (محترمٌ) أي: فليس لأحد طلبه بقلعه؛ لملكه له ولأصله.
قال منصور البهوتي: قلت: فلو مات وانتقل الوقف لغيره، فينبغي أن يكون كغرس وبناء مستأجر انقضت مدته.
قوله: (وإن كان شريكاً) بأن كان الوقف عليه وعلى غيره.
قوله: (فغير محترم) فلباقي الشركاء أو المستحقين هدمه وقلعه.
قوله: (ويتوجه ... إلخ) أي: في غرس من ذكر وبنائه أنه له محترما، أو غير محترم، على التفصيل السابق، أن أشهد أنَّ غرسه وبناءه لنفسه لا للوقف.
والحاصل: أن صاحب «الفروع» يقيد ما أطلقه الأصحاب بالإشهاد.
فتدبر.
قوله: (ولو غَرَسه) أي: الناظر، أو بناه.
قوله: (في غرس أجنبي) المراد بالأجنبي: غير الناظر والموقوف عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 366

وَيُنْفَقُ عَلَى ذِي رُوحٍ وَمِمَّا عَيَّنَ وَاقِفٌ فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ فمِنْ غَلَّتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فعَلَى مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ مُعَيَّنٍ بِيعَ وَصُرِفَ ثَمَنُهُ فِي عَيْنِ مِثْلِهِ تَكُونُ وَقْفًا لِمَحَلِّ الضَّرُورَةِ فَإِنْ أَمْكَنَ إيجَارُهُ كَعَبْدٍ أَوْ فَرَسٍ أُوجِرَ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةُ مَا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ بِيعَ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ عَقَارًا لَمْ تَجِبْ عِمَارَتُهُ بِلَا شَرْطٍ كَالطَّلْقِ فَإِنْ شَرَطَهَا قوله: (على ذي روح) كرفيق وخيل.
قوله: (فإن تعذر) لعجز، أو غيبة، ونحوهما، ول بإجارته بقدر نفقته.
قوله: (وصرف ثمنه في مثله) أي: في الكون وقفاً، لا في حيوان مثل المبيع؛ لعدم الفائدة.
وفي بعض النسخ: «في عين» وهي أظهر.
والحاصل: أنه إذا صرف ثمنه فيما لا يحتاج إلى نفقة، حصلت الفائدة.
قوله: (ونفقة ما) أي: حيوان موقوف.
قوله: (كما تقدم) أي: من إطلاق الواقف شرط العمارة؛ بأن لم يذكر البداءة بها ولا تأخيرها.
قوله: (وإن كان عقارًا) أي: ونحوه ما لا روح فيه من سلاح، ومتاع، وكتب، ونحوها.
قوله: (بلا شرط) واقفٍ مطلقا، كالطلق.

الجزء: 3 - الصفحة: 367

عُمِلَ بِهِ مُطْلَقًا وَمَعَ إطْلَاقِهَا تُقَدَّمُ عَلَى أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ الْمُنَقِّحُ: مَا لَمْ يُفْضِ إلَى تَعْطِيلِ مَصَالِحِهِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا حَسَبَ الْإِمْكَانَ وَلَوْ احْتَاجَ خَانٌ مُسَبَّلٌ أَوْ دَارٌ مَوْقُوفَةٌ لِسُكْنَى حَاجٍّ أَوْغُزَاةٍ وَنَحْوِهِمْ إلَى مَرَمَّةٍ أُوجِرَ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَتَسْجِيلِ كِتَابِ الْوَقْفِ مِنْ الْوَقْفِ قوله: (عمل به مطلقا) أي: سواء شرط البداءة بالعمارة، أو تأخيرها، فيعمل بما شرط، لكن إن شرط تقديم الجهة، عمل به.
قال الحارثي: ما لم يؤد إلى التعطيل، فإذا أدى إليه، قدمت العمارة؛ حفظا لأصل الوقف.
وقال: اشتراط الصرف إلى الجهة في كل شهر كذا، في معنى: اشتراط تقديمه على العمارة.
قوله أيضا على قوله: (مطلقًا) أي: على حسب ما شرط.
قال بعضهم: وهذا الإطلاق ليس فس مقابلة تقييد سابق، ولا لاحق.
قوله: (ومع إطلاقها) أي: إطلاق الواقف العمارة؛ بأن لم يذكر البداءة بها، ولا تأخيرها.
قوله: (حسب ... إلخ) بفتح السين، بمعنى: القدر والعدد.

الجزء: 3 - الصفحة: 368

فَصْلٌ وَإِنْ وَقَفَ عَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ الْمَسَاكِينِ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ رُدَّ نَصِيبُهُ عَلَى مَنْ بَقِيَ فَلَوْ مَاتَ الْكُلُّ فلِلْمَسَاكِينِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَآلَ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ صُرِفَ نَصِيبُهُ إلَى الْبَاقِي ثُمَّ إنْ مَاتُوا جَمِيعًا فصل في أحكام صور من صور الوقف قوله: (وإن وقف على عدد معين ... إلخ) أي: إنسان، وهو: اسم جنس يقع على الذكر والأنثى، والواحد والجمع، كما في «المصباح».
أي: كما لو قال: وقفت داري على زيد، وعمرٍو، وبكر، ثم على المساكين.
وليس التعيين في العدد بقيد، بل لو وقف على عدد غير معيَّن، كما لو قال: على أولادي، ثم المساكين، لم ينتقل إلى المساكين إلا بعد انقراض جميع الأولاد، ومن مات منهم، عاد نصيبه إلى من بقي من الأولاد، كما هو صريح كلامه كغيره فيما يأتي، وكأنه إنما قيد بالمعين؛ دفعا لتوهم عدم استحقاق أحدٍ منهم لأكثر من نصيبه عند مَوْتِ غيره؛ لتنصيصه عليهم.
فتدبر بلطف.
قوله: (معين) أي: اثنين فأكثر.
قوله: (رد نصيبه) أي: الميت منهم.
قوله: (إلى الباقي) كالتي قبلها، خلافاً لـ «الإقناع»، حيث قال: فمن مات منهم، فحكم نصيبه حكم المنقطع كما لو ماتوا جميعًا.
وإن قال: وقفته

الجزء: 3 - الصفحة: 369

صُرِفَ مَصْرِفَ الْمُنْقَطِعِ وعَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ الْمَسَاكِينِ دَخَلَ الْمَوْجُودُونَ فَقَطْ على أولادي وعلى المساكين، فهو بين الجهتين نصفين.
قال في «الإقناع» أيضا: ولو وقف داره على مسجد وعلى إمام يصلي فيه، كان للإمام نصف الريع، كما لو وقفها على زيد وعمرو.
ولو وقفها على مساجد القرية، وعلى إمام يصلي في واحد منها، كان الريع بينه وبين كل المساجد نصفين.
انتهى.
قوله: (مصرف المنقطع) أي: لورثة الواقف نسبًا على قدر إرثهم ... إلخ.
قوله: (وعلى ولده) أي: أو أولاده.
قوله: (دخل الموجودون) أي: حال الوقف ولو حملا.
قوله: (فقط) أي: دون من يحدث من أولاده بعد الوقف، خلافا لـ «الإقناع»، حيث قال بدخوله، تبعًا لما اختاره ابن أبي موسى، وأفتى به ابن الزاغوني، وهي رواية في المذهب، والعمل بها أولى، نظرا إلى عرف الناس، فإن الواقف لا يقصد حرمان ولده المتجدد، بل هو عليه أشفق؛ لصغره وحاجته؛ ولهذا كان بعض مشايخنا النجديين يختار العمل بذلك، وبعده مما يقدم فيه «الإقناع» على «المنتهى».
فتدبر.

الجزء: 3 - الصفحة: 370

الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ بِالسَّوِيَّةِ ووَلَدُ الْبَنِينَ وُجِدُوا حَالَةَ الْوَقْفِ أَوْ لَا كَوَصِيَّةٍ وَيَسْتَحِقُّونَهُ مُرَتَّبًا كَبَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ وَلَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ وعَلَى عَقِبِهِ أَوْ نَسْلِهِ أَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ وَلَدِه قوله: (الذكور والإناث) يعني: والخناثى.
قوله: (بالسوية ... إلخ) والمستحب التنصيص على ذلك، خلافًا للموفق في استحبابه أن يقسمه الواقف للذكر مثل حظ الأثنيين، وإنما قلنا بالتسوية؛ لأن إطلاق التشريك يتقضي التسوية، كما لو أقرَّ لهم، وكولد الأم في الميراث.
ولا يدخل فيهم الولد المنفي بلعان؛ لأنه ليس بولدٍ شرعي.
قوله: (وولد البنين) - على أصح الروايات - مطلقاً سواء (وجدوا ... إلخ) يعني: ما لم تدل قرينة على عدم دخولهم، كما في «المبدع» وغيره، كقوله: على ولدي لصلبي، أو الذين يلونني، فإن قال ذلك، لم يدخل ولدُ الولد بخلاف.
قوله: (كوصية) أي: في تناول الولد لولد البنين، وإن إذا وجدوا قبل موت الموصي، فإذا وصى لولد فلان بكذا، ووجد له ولد ابن بعد الوصية وقبل موت الموصي دخل في الوصيَّة.
قوله: (ويستحقُّونه) أي: في أصح الوجهين.
قوله: (مرتبًا) أي: لا مع آبائهم، مالم يكونوا قبيلة، كولد النضر بن كنانة.
ولو قال: على أولادي، ثم أولادهم، ثم على أنسالهم وأعقابهم، استحقه أهل العقب مرتبا لا مشتركا؛ لقرينة الترتيب فيما قبله.
قوله: (وعلى عقبه) وهو الولد، وولد الولد، ونسلُ الولد.

الجزء: 3 - الصفحة: 371

أَوْ ذُرِّيَّتِهِ لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُ بَنَاتٍ إلَّا بِقَرِينَةٍ كَمَنْ مَاتَ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ وَنَحْوِهِ وعَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ فَتَرْتِيبُ جُمْلَةٍ عَلَى مِثْلِهَا لَا يَسْتَحِقُّ الْبَطْنُ الثَّانِي شَيْئًا قَبْلَ انْقِرَاضِ الْأَوَّلِ قوله: (أو ذريته) أي: أو من ينتسب إليه.
قوله: (لم يدخل ولد بناتٍ) يعني: لصلبٍ أو لابن.
قوله: (ونحوه) كقوله: على ولدي، فلان، وفلان، وفلانة، وأولادهم.
أو قال: فإذا خلت الأرض ممن ينتسب إليَّ من قبل أم، أو أب فللمساكين.
أو على البطن الأول من أولادي، ثم على الثاني، والثالث، وأولادهم.
والبطن الأول بنات، ونحو ذلك.
فتدبر.
قوله: (ثم أولادهم فترتيب جملة) أي: لا ترتيب أفراد.
وكذا على أولادي وأولادهم ما تناسلوا بطناً بعد بطن، أو طبقة بعد طبقة، أو نسلاً بعد نسل، أو عقباً بعد عقب، أو الأعلى فالأعلى، أو الأقرب فالأقرب.
وإن رتَّب بعضهم، فقال: على أولادي ثم أولادهم وأولاد أولادهم.
أو على أولادي وأولاد أولادي، ثم على أولادهم وأولاد أولادهم، عمل به.
ففي المسألة الأولى: يختص به الأولاد، فإذا انقرضوا، صار مشتركًا بين من بعدهم.
فإن قيل: قد رتَّب أولاً، فهلا حُمِل عليه ما بعده؟ قلت: قد يكون غرض الواقف تخصيص أولاده؛ لقربهم منه.
وفي المسألة الثانية: يشترك البطنان الأولان دون غيرهم، فإذا انقرضوا اشترك فيه من بعدهم.
قاله في «الإقناع» و «شرحه».

الجزء: 3 - الصفحة: 372

فَلَوْ قَالَ وَمَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَلَدٍ بَعْدَ أَبِيهِ نَصِيبَهُ الْأَصْلِيَّ وَالْعَائِدَ تنبيه: اعلم أن صفاتِ الاستحقاق للوقف ثلاثٌ: ترتيب جملةٍ، وترتيب أفرادٍ، واشتراك، فالأولى - أعني: ترتيب الجملة - عبارة عن كون البطن الأول ينفرد بالوقف كله عمن بعده، ما دام منه واحد، ثم إذا انقرض أهل البطن الأول كلهم، انتقل إلى الثاني فقط.
وما دام من الثاني واحد، لم ينتقل منه شيء للثالث وهكذا.
والثانية -أعني ترتيب الإفراد - عبارة عن كون الشخص من أهل الوقف لا يشاركه ولده، ولا يتناول من الوقف شيئاً ما دام الأب حيا، فإذا مات الأب، انتقل ما بيده إلى ولده، فاستحقاقه مشروط بموت أبيه.
والثالثة - أعني: الاشتراك - عبارة عن استحقاق جميع الموجودين من البطون من غير توقف على شيء، بل هم على حد سواء، فيشارك الولد والده، وكذا ولد الولد، ثم الصفة الأولى تحصل بصيغ: منها أن يقول: هذا وقف على أولادي، أو ولدي، أو بطنًا بعد بطن، أو طبقةً بعد طبقة، أو نَسلاً بعد نسل، أو قرنا بعد قرن، أو ثم أولادهم.
وتحصل الثانية بقوله: من مات، فنصيبه لولده، أو عن غير ولد ولدٍ، فلمن في درجته.
والثالثة بالواو.
قوله: (الأصلي والعائد) أي: سواءٌ بقي من البطن الأول أحدٌ، أو لم يبق.
وهذا ترتيب الأفراد.
وكذا لو قال: على أولادي، ثم أولادهم، على أنه من توفي منهم عن غير ولد، فنصيبه لأهل درجته، فيستحق كل ولد بعد أبيه نصيبه بقرينة قوله: (عن غير ولد) كما في «الإقناع».

الجزء: 3 - الصفحة: 373

وبِالْوَاوِ لِلِاشْتِرَاكِ وعَلَى أَنَّ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ وَالْوَقْفُ مُرَتَّبٌ فَهُوَ لِأَهْلِ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ وَكَذَا إنْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْبُطُونِ قوله: (وبالواو للاشتراك) وكذا لو قال: على أولادي، أو ولدي، وليس له إلا أولاد أولاد، أو قال: على أولادي، أو ولدي، ويفضل الأكبر، أو الأفضل أو فإذا خلت الأرض من عقبي عاد إلى المساكين، أو قال: على ولد ولدي غير ولد فلان، أو قال: يفضل الأعلى فالأعلى، وأشباه ذلك، مما يدل على التعميم، فلا ترتيب.
قوله: (والوقف مرتب) الجملة حالية من فاعل قول محذوف تقديره: ومتى قال في وقفه: على أن من مات ... إلخ، في حال كون الوقف مرتبًا ... إلخ، واعلم: أنه شامل لترتيبي الجملة والأفراد، وأنه لو مات في هذه الصورة عن ولد، كان نصيبه له، حتى ولو كان الواقف أتى بما يدلُّ على ترتيب الجملة، عملاً بمفهوم قوله: (عن غير ولد)، كما يفهم من «الإقناع»، ونقلناه عنه قبل هذا.
فتدبر.
قوله: (من أهل الوقف) أي: المستحقين له، أي: المتناولين له.
قوله: (وكذا إن كان مشتركًا ... إلخ) أي: بأن قال: على أولادي وأولادهم، من مات منهم عن غير ولد، فنصيبه لمن درجته.
فإنه إذا مات أحدٌ منهم عن غير ولد، اختص بنصيبه أهل البطن الذي هو منهم من أهل الوقف، كما في مسألة الترتيب.
ومن هنا تعلم: أن محل كون قول الواقف: من مات عن غير ولدٍ، فنصيبه لمن في درجته.
دليلاً على ترتيب الأفراد إذا كان الوقف غير مشتركٍ، بل كان مرتبًا ترتيب جملةٍ على مثلها، كما لو قال: على ولدي، أو أولادي،

الجزء: 3 - الصفحة: 374

أو زاد: ثم أولادهم، أو بطنًا بعد بطنٍ، ونحو ذلك على أنَّ من مات غير ولد ... إلخ، بخلاف ما إذا نص على التشريك، أو أتى بما يدل عليه كالواو؛ فإن قوله حيئنذ: من مات عن غير ولد، فنصيبه لمن في درجته؛ غير مخرج له إلى ترتيب الإفراد، بل من مات عن غير ولد فكما قال المصنِّف.
ومن مات عن ولد، فالظاهر: أن نصيبه يكون لأهل الوقف، وهو داخلٌ في قول المصنف: (فكما لو لم يذكر الشرط ... إلخ).
فتدبر.
وبخطه أيضًا على قوله: (وكذا إن كان مشتركا بين البطون) يعني: أنه إذا كان الوقف مشتركا، كما لو قال: على أولادي وأولادهم، وشرط أنَّ من مات عن غير ولدٍ، فنصيبه لمن في درجته؛ فإنه يعمل بهذا الشرط كما في مسألة الترتيب.
فمن مات في مسألة التشريك عن غير ولد وفي درجته أحد، فنصيبه لأهل الدَّرجة من أهل الوقف، كما قال المصنف.
ومن هنا يعلم أنَّ قوله: من مات عن غير ولد، فنصيبُه لمن في درجته بعد التشريك؛ لا يصيِّره ترتيب إفراد، وإلا لم يصح قوله: (وكذا إن كان مشتركا).
وأن مفهوم الشرط هنا لاغ غير معتد به، فإذا مات في الحالة المذكورة بعض أهلِ الوقف عن ولدٍ، فإنه لا يصير نصيبه إليه؛ لأنا لو جعلنا لولد الولدِ سهمًا مثل سهمِ أبيه، ثم دفعنا له أيضاً سهم أبيه، صار له سهمان، ولغيره سهم، وهذا ينافي التسوية؛ لأنه يفضي إلى تفضيل ولد الابن على الابن.
وليس المراد من قول المصنف: (وكذا إن كان مشركا ... الخ) كونه يصير بالشرط المذكور ترتيب إفراد، كما يصير به ترتيب الجملة ترتيب إفراد؛ لأنه يأباه قوله بعده كغيره: (فإن لم يوجد في درجته أحد فكما لو لم يذكر الشرط، فيشترك الجميع في مسألة الاشتراك) فصرح ببقاء الاشتراك، ولو كان الشرط المذكور يصيره ترتيبًا، لكان عند عدم أهل الدرجة يختص به

الجزء: 3 - الصفحة: 375

فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي دَرَجَتِهِ أَحَدٌ فَكَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الشَّرْطَ فَيَشْتَرِكُ الْجَمِيعُ فِي مَسْأَلَةِ الِاشْتِرَاكِ وَيَخْتَصُّ لْأَعْلَى بِهِ فِي مَسْأَلَةِ التَّرْتِيبِ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنَّ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَكَذَلِكَ فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إخْوَتُهُ وَبَنُو عَمِّهِ وَبَنُو بَنِي عَمِّ أَبِيهِ وَنَحْوِهِمْ إلَّا أَنْ يَقُولَ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ إلَى الْمُتَوَفَّى وَنَحْوِهِ الأعلى دائما.
فتأمل.
فعلى هذا نصيب من مات عن ولد في الصورة المذكورة - أعني: صورة الاشتراك - يكون مشتركا بين أهل الوقف؛ لعدم وجود الشرط المذكور، ويمكن إدراج هذا في قول المصنف: (فكما لو لم يذكر الشرط).
فتدبر، والله أعلم.
قوله: (بين البطون) فيختصُّ به أهل البطن الذي هو منهم من أهل الوقف.
قوله: (فكما لو لم يذكر الشرط) لأنه لم يوجد ما تظهر به فائدته.
قوله: (وإن كان على البطن الأول ... إلخ) أي: إن كان ترتيب جملةٍ.
قوله: (فيستوي في ذلك كله) أي: في جميع ما تقدَّم من الصور من كان من أهل درجته، وهم إخوته وبنو عمه ... إلخ.
وكذا إناث من ذكر حيث لا مخصص للذكور، فأخواته كإخوته، وبنات عمه كبني عمه، وكذا الباقي.
ولو قال: فيستوي في ذلك ولد أبيه وولد عمِّه وولد بني عم أبيه، لشمل النوعين.
فتدبر.
قوله: (ونحوهم) كبني بني عمِّ أبي أبيه، وكذا إناثهم حيث لا مخصص للذكور.
قال منصور البهوتي.

الجزء: 3 - الصفحة: 376

فَيَخْتَصُّ بِالْأَقْرَبِ وَلَيْسَ مِنْ الدَّرَجَةِ مَنْ هُوَ أَعْلَى أَوْ أَنْزَلُ مِنْهُ وَالْحَادِثُ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْآيِلِ نَصِيبُهُ إلَيْهِمْ.
كَالْمَوْجُودِينَ حِينَهُ فَيُشَارِكُهُمْ وَعَلَى هَذَا لَوْ حَدَثَ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْ الْمَوْجُودِينَ وَشَرَطَ اسْتِحْقَاقَ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى.
أَخَذَهُ مِنْهُمْ وعَلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَعَلَى وَلَدِ وَلَدِي، وَلَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ كَانَ عَلَى الْمُسَمَّيَيْنِ وأَوْلَادِهِمَا وَأَوْلَادِ الثَّالِثِ دُونَهُ وعَلَى زَيْدٍ وَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادُهُ فَعَلَى الْمَسَاكِينِ.
كَانَ بَعْدَ مَوْتِ زَيْدٍ لِأَوْلَادِهِ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ عَى الْمَسَاكِينِ وعَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ فَقَطْ، ثُمَّ نَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَتَرَكَ وَلَدًا قوله: (وشرط) كذا بضبط المصنف.
قوله: (وعلى ولد ولدي ... إلخ) فلو لم يقل في هذه المسألة: (وعلى ولد ولدي) بل اقتصر على قوله: (على ولدي فلان وفلان).
وله ثلاثةُ بنين، لم يشمل المسكوت عنه، ولا أولاد الثلاثة، اعتبارًا بالبدل.
قال في «شرح الإقناع»: وقد سئلت عنها بالحرمين، وأفتيت فيها؛ بأن الوقف بعد ولديه يصرف مصرف المنقطع، ووافقني على ذلك من يوثق به.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 377

وَإِنْ سَفَلَ فَنَصِيبُهُ لَهُ فَمَاتَ أَحَدُ الطَّبَقَةِ الْأُولَى وَتَرَكَ بِنْتًا ثُمَّ مَاتَتْ عَنْ وَلَدٍ.
فَلَهُ مَا اسْتَحَقَّتْهُ قَبْلَ مَوْتِهَا وَلَوْ قَالَ وَمَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ فَنَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ.
ثُمَّ نَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ عَمَّنْ لَمْ يُعْقِبْ وَمَنْ أَعْقَبَ ثُمَّ انْقَطَعَ عَقِبُهُ وَيَصِحُّ عَلَى وَلَدِهِ وَمَنْ يُولَدُ لَهُ وعَلَى بَنِيهِ أَوْ عَلَى بَنِي فُلَانٍ فلِلذُّكُورِ خَاصَّةً وَإِنْ كَانُوا قَبِيلَةً دَخَلَ نِسَاؤُهُمْ دُونَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ وعَلَى عِتْرَتِهِ أَوْ عَشِيرَتِهِ فَكَمَا كعَلَى قَبِيلَتِهِ قوله: (وإن سفل) كقعد قعودا، وفي لغة، كقرب.
قوله: (قبل موتها) أي: عملا بقول الواقف: من مات منهم ... إلخ، لأن هذا من القرائن المقتضية لدخول أولاد البنات، كما تقدَّم.
قوله: (وإن سفل) يقال: سفل سفولا من باب: قعد، وكقرب لغة.
قوله: (عم من لم يعقب) أي: لم يخلف ولدًا من إخوته أو من نسلهم، يعني: أن قوله: (ثم نسلهم وعقبهم) لا يخصص الإخوة بمن له ولد، بل يعم الجميع من له ولد، ومن لا ولد له.
قوله: (فللذكور) أي: دون الإناث، والخناثى.
قوله: (وإن كانوا قبيلة) يعني: كبني هاشم، وتميم.
قوله: (من غيرهم) وحفيد، وسبط: ولد الابن، والبنت.
قوله: (كعلى قبيلته) وهم بنو أبٍ واحدٍ.

الجزء: 3 - الصفحة: 378

وعَلَى قَرَابَتِهِ أَوْ قَرَابَةِ زَيْدٍ فلِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ وجَدِّهِ وجَدِّ أَبِيهِ وعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ قَوْمِهِ أَوْ نِسَائِهِ أَوْ آلِهِ أَوْ أَهْلِهِ كَعَلَى قَرَابَتِهِ وعَلَى ذَوِي رَحِمِهِ فلِكُلِّ قَرَابَةٍ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ والْأُمَّهَاتِ والْأَوْلَادِ وعَلَى الْأَيَامَى أَوْ الْعُزَّابِ فلِمَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَالْأَرَامِلِ النِّسَاءُ اللَّاتِي فَارَقَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَبِكْرٌ وَثَيِّبٌ وَعَانِسٌ أُخُوَّةٌ وَعُمُومَةٌ لِذَكَرٍ وَأُنْثَى وَإِنْ وَقَفَ أَوْ وَصَّى لِأَهْلِ قَرْيَتِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ أَوْ إخْوَتِهِ وَنَحْوِهِمْ لَمْ يَدْخُلْ مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ قوله: (وأولاد أبيه) هم إخوته وأخواتُه.
قوله: (وجدِّه) أولاد جده، هم: ابوه، وأعمامه، وعماته.
قوله: (وجد أبيه) أي: أولاد جد أبيه، هم: جده، وأعمام أبيه، وعمَّاته.
قوله: (من جهة الآباء) عصبةً كانوا، كالآباء، والأعمام، وبنيهم، أولا، كالعمات وبنات العم.
قوله: (والأمهات) كأمه، وأبيها، وأخواله، وخالاته وإن علوا.
قوله: (والأولاد) أي: كابنه، وبنته، وأولادهما.
قوله: (فلمن لا زوج له) بكر كان، أو لا.
قوله: (وعانس) من بلغ حد التزوج ولم يتزوج.
قوله: (أو قرابته) عطفٌ على (أهل).
قوله: (ونحوهم) كأعمامه، وجيرانه.
قوله: (من يخالف دينه) قياساً على الميراث.
قوله: (إلا بقرينة) كما لو كانوا كلهم كفارًا، أو إلا واحدًا، والواقف مسلم، فإنهم يدخلون، كما في «الإقناع».

الجزء: 3 - الصفحة: 379

وعَلَى مَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقٍ ومِنْ أَسْفَلَ تَنَاوَلَ جَمِيعَهُمْ وَمَتَى عَدِمَ مَوَالِيهِ فلِعَصَبَتِهِمْ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوَالٍ فلِمَوَالِي عَصَبَتِهِ وعَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمْ وَلَوْ أَمْكَنَ ابْتِدَاءً ثُمَّ تَعَذَّرَ كَوَقْفِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَمَّمَ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ، وَسَوَّى بَيْنَهُمْ وَإِلَّا جَازَ التَّفْضِيلُ والِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ إنْ كَانَ ابْتِدَاؤُهُ كَذَلِكَ وعَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ يتَنَاوَلَ الْآخَرَ قوله: (من فوق) يعني: أعتقوه.
قوله: (ومن أسفل) يعني: أعتقهم.
قوله: (تناول جميعهم) وتساووا في الاستحقاق إن لم يفضل بعضهم على بعض؛ لأن الاسم يشملهم.
قوله: (ومَنْ لم يكن له مولى) أي: حين صدور الوقف من الواقف، فإن كان له ذاك موالٍ فانقرضوا، لم يرجع الوقف لموالي عصبته، كما في «شرح الإقناع».
قوله: (ثم تعذر) يعني: بكثرة أهله.
قوله: (وإلا جاز) يعني: وإلا يمكن حصرهم.
قوله: (كذلك) وإلا عمَّ من أمكن، وسوي، كما تقدَّم.

الجزء: 3 - الصفحة: 380

وَلَا يَدْفَعُ إلَى وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ زَكَاةٍ إنْ كَانَ عَلَى صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِهَا وَمَنْ وَجَدَ فِيهِ صِفَاتٍ اسْتَحَقَّ بِهَا وَمَا يَأْخُذُ الْفُقَهَاءُ مِنْهُ كَرِزْقٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَا كَجُعْلٍ وَلَا كَأُجْرَةٍ وعَلَى الْقُرَّاءِ فَلِلْحُفَّاظِ وَعَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ.
فَلِمَنْ عَرَفَهُ وَعَلَى الْعُلَمَاءِ.
فَلِحَمَلَةِ الشَّرْعِ وعَلَى سُبُلِ الْخَيْرِ.
فَلِمَنْ أَخَذَ مِنْ زَكَاةٍ لِحَاجَةٍ قوله: (ولا كأجرة) أي: في أصح الأقوال الثلاثة، كما في «التنقيح» قال المصنف في «شرحه»: قلت: وعلى الأقوال الثلاثة حيث كان الاستحقاق بشرط، فلا بد من وجوده.
انتهى.
قال منصور البهوتي: يعني: إذا لم يكن الوقف من بيت المال، فإن كان منه، كأوقاف السلاطين من بيت المال، فليس بوقفٍ حقيقي، بل كل من جاز له الأكل من بيت المال، جاز له الأكل منها، كما أفتى به صاحب «المنتهى» موافقة للشيخ الرملي وغيره في وقف جامع طولون ونحوه.
قوله: (فللحفَّاظ) أي: للقرآن.
قوله: (فلمن عرفه) ولو بحفظ أربعين حديثا، لا بمجرد السماع.
قوله: (فلحملة الشرع) ولو أغنياء، وهم أهل التفسير، والحديث، والفقه؛ أصولِهِ وفروعِهِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 381

وَيَشْمَلُ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ وَضَمِيرُهُ الْأُنْثَى لَا عَكْسُهُ ولِجَمَاعَةٍ أَوْ لِجَمْعٍ مِنْ الْأَقْرَبِ إلَيْهِ فَلِثَلَاثَةٍ وَيُتَمِّمُ مِمَّا بَعْدَ الدَّرَجَةِ الْأُولَى وَشَمِلَ أَهْلَ الدَّرَجَةِ وَإِنْ كَثَرُوا وَوَصِيَّةٌ كَوَقْفٍ لَكِنَّهَا أَعَمُّ فَصْلٌ وَالْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا يُفْسَخُ بِإِقَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَلَا يُبَاعُ قوله: (فثلاثة) منه كبنيه لصلبه.
قوله: (ويتمم) أي: بقرعةٍ.
قوله: (الأولى) أي: كبني بنيه.
قوله: (وإن كثروا) بالضم.
قاله في «المختار» و «المصباح» , وكثرهم بمعنى: غلب، من باب: نصر.
قوله: (أعمُّ) لصحتها لمرتد وحربي.
فصل في حكم الوقف وما يفعل به إذا تعطل نفعه وغير ذلك قاله المصنف.
قوله: (عقد لازم) يعني: بمجرد تمام الصيغة، فلا يحتاجُ إلى حكم حاكم.
قوله: (ولا غيرها) أي: غير الإقالة، كما لو ظهر بما وقفه عيب، فأراد فسخه؛ ليرده بالعيب على بائعه مثلا، فليس له ذلك، بل يتعين الأرش، كما تقدَّم التصريح به في الخيار.
فتدبر.
قوله: (ولا يباع) أي:

الجزء: 3 - الصفحة: 382

إلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ الْمَقْصُودَةُ بِخَرَابٍ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَعْمُرُ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ مَسْجِدًا بِضِيقِهِ عَلَى أَهْلِهِ أَوْ بِخَرَابِ مَحَلَّتِهِ أَوْ حَبِيسًا فيحرم بيعه، ولا يصح، ولا المناقلة به، وهي: إبداله ولو بخير منه.
نصاً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يباع أصلها».
وقد صنف الشيخ يوسف المرداوي كتابًا لطيفًا في رد المناقلة بالوقف، وأجاد وأفاد.
قاله منصور البهوتي.
قوله: (المقصودة) منه بحيث لا يردّ على أهله شيئاً، أو يرد شيئا لا بعد نفعًا بالنسبة إليه، وإلا لم يجز بيعه ولو قل نفعُه.
قوله: (ولم يوجد) يعني: في ريعه.
قوله: (أو غيره) كخشب تشعَّب وخيف سقوطه.
قوله: (بضيق) كذا بخط المصنف، وفي غيره: «بضيقه» أي: تعطل بضيقه ... إلخ، زاد في «الإقناع» تبعا لـ «المغني»: وتعذر توسيعه في محله.
وكلام المصنف لا يأباه؛ لأنه إذا أمكن توسيعه في محله، كان كالوقف الذي وجد ما يعمر به من غير بيع.
فتدبر.
قوله: (أو خراب محلته) نقله عبدُ الله.
ونقل صالح: يحول المسجد خوفاً من اللصوص، وإذا كان موضعه قذراً، قال القاضي:

الجزء: 3 - الصفحة: 383

لَا يَصْلُحُ لِغَزْوٍ فَيُبَاعُ وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ بَيْعِهِ وَشَرْطُهُ فَاسِدٌ ويُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ وَيَصِحُّ بَيْعُ بَعْضِهِ لِإِصْلَاحِ بَاقِيهِ إنْ اتَّحَدَ الْوَاقِفُ وَالْجِهَةُ إنْ كَانَ الْوَقْفُ عَيْنَيْنِ أَوْ عَيْنًا وَلَمْ تَنْقُصْ الْقِيمَةُ وَإِلَّا بِيعَ الْكُلُّ يعني: إذا كان يمنع من الصلاة فيه.
«شرحه».
قوله: (فيباع) أي: وجوبًا، كما مال إليه في «الفروع»، ونقل معناه القاضي، وأصحابُه، والموفَّق، والشيخ تقي الدين.
قوله: (في مثله) يعني: إن أمكن.
قوله: (ويصحُّ بيع بعضه ... إلخ) اعلم: أنه إذا تخرب الوقف تخربا يجوز بيعه بسببه، وأمكن بيع بعضه، وتعمير باقيه بثمن البعض المبيع، جاز ذلك بثلاثة شروط: أحدها: أن يكون الواقف واحدًا، لا متعددًا.
والثاني: أن يكون على جهةٍ واحدةٍ لا متعددةٍ، كالمساجد والمدارس.
والثالث: أحد أمرين: كونه عينين تباعُ إحداهما، وتعمَّر الأخرى بثمن المبيعة، أو عينًا واحدة لا تنقص بالتشقيص؛ فإن اختل واحد من هذه الشروط، لم يجز بيع البعض.
فتدبر.
قوله: (إن كان عينيْن) كدارين خربتا، بِيعت إحداهما ليعمَّر بثمنها الأخرى.
قوله: (وإلا بيع الكلُّ) أي: وإن انتفى عدم النَّقصِ؛ بأن نقصت القيمة بالتشقيص بيع الكل.
فهذا من المواضع التي ورد النفي فيها على نفي، فرجع المعنى إلى

الجزء: 3 - الصفحة: 384

وَلَا يُعَمَّرُ وَقْفٌ مِنْ آخَرَ وَأَفْتَى عُبَادَةَ بِجَوَازِ عِمَارَةٍ وقف مِنْ رِيعٍ آخَرَ عَلَى جِهَتِهِ الإثبات؛ ولذلك كان محصل قوله: (وإلا بيع الكل) وإن نقصت، بيع الكل.
فتأمله بلطف.
قوله: (ولا يعمَّر وقف ... إلخ) هذا مفرَّع على ما تقدم من اشتراط اتحاد الواقف، فمتى كان على إنسان مثلا داران، وقف إحداهما عليه زيد، والأخرى وقفها عليه عمرو، لم تعمر إحداهما من الأخرى.
وهذا ظاهر إن كان المراد: لا يعمر وقف من عين وقفٍ آخر، أي: لا يباع في تعميره، كما تقدَّم، أو بعين الآلة.
أما إن كان المراد: لا يعمر وقف من ريع آخر على جهته، كما هو مقتضى كلامهم؛ ففيه أن الريع ملك للموقوف عليه، يفعل به ما يريد، اللهم إلا أن يقال: المراد: لا يجب ذلك، أو يحمل على ما إذا كان الوقف على غير معين، كالفقراء ونحوهم، فإنَّ الناظر يمنع من تعمير أحدهما من ريع الآخر.
قوله: (من آخر) أي: من ريع آخر ولو على جهته.
قوله: (وأفتى عبادة ... إلخ) هو من أئمة أصحابنا، كما نقله عنه ابن رجب في «طبقاته» في ترجمته.

الجزء: 3 - الصفحة: 385

الْمُنَقِّحِ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ ويَجُوزُ نَقْضُ مَنَارَةِ مَسْجِدٍ وَجَعْلُهَا فِي حَائِطِهِ لِتَحْصِينِهِ واخْتِصَارُ آنِيَةٍ وَإِنْفَاقُ الْفَضْلِ عَلَى الْإِصْلَاحِ ويَبِيعُهُ حَاكِمٌ إنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْخَيْرَاتِ وَإِلَّا فنَاظِرٌ خَاصٌّ وَالْأَحْوَطُ إذَنْ حَاكِمٌ لَهُ وَبِمُجَرَّدِ شِرَاءِ الْبَدَلِ يَصِيرُ وَقْفًا كَبَدَلِ أُضْحِيَّةٍ ورَهْنٍ أُتْلِفَ وَالِاحْتِيَاطُ وَقْفُهُ قوله: (وعليه العمل) وهذا مقابلٌ لما جزم به المصنف أولاً.
قوله: (لتحصينه) يعني: من نحوِ كلابٍ.
قوله: (واختصارُ آنية) يعني: موقوفة كقدور وقرب.
قوله: (على سبل الخيراتِ) كمساكن ومساجدَ تعطَّلت.
قوله: (وإلا) أي: بأن كان على شخص معين، أو جماعة معينين، أو من يؤم، أو يؤذّن، أو يقيم بهذا المسجد ونحوه.
قوله: (فناظر خاصٌّ) أي: وإلا فحاكم، كما صرح به في «الإقناع».
قوله: (وبمجرد شراء البدل ... إلخ) يعني: لجهة الوقف ولزوم العقد فيه.
قوله: (كبدل أضحية ورهن أُتلف) وقيل: لا بدَّ من تجديد الوقفية بعد الشراء، وهو ظاهر «الخرقي»، وجزم به العلامة الحارثي، رحمه الله.
قوله: (والاحتياط وقفه) يعني: لئلا ينقضه من لا يرى وقفيته بمجرد الشراء.

الجزء: 3 - الصفحة: 386

وَفَضْلُ غَلَّةٍ مَوْقُوفٌ عَلَى مُعَيَّنٍ اسْتِحْقَاقُهُ مُقَدَّرٌ يَتَعَيَّنُ إرْصَادُهُ وَمَنْ وَقَفَ عَلَى ثَغْرٍ فَاخْتَلَّ صَرَفَ فِي ثَغْرٍ مِثْلِهِ وَعَلَى قِيَامِهِ مَسْجِدٌ وَرِبَاطٌ وَنَحْوُهُمَا وَنَصَّ فِي مَنْ وَقَفَ عَلَى قَنْطَرَةٍ فَانْحَرَفَ الْمَاءُ بِرَصْدٍ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ مِنْ حُصْرِ وَزَيْتٍ وَمَغَلٍّ وَأَنْقَاضٍ وَآلَةٍ وَثَمَنِهَا يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي مِثْلِهِ وإلَى فَقِيرٍ وَيَحْرُمُ حَفْرُ بِئْرٍ وغَرْسُ شَجَرَةٍ بِمَسْجِدٍ فَإِنْ فَعَلَ طُمَّتْ وَقُلِعَتْ قوله: (يتعيَّن إرصاده) أي: الفضل، أي: حبسُه وحفظُه؛ لتوقع حاجه تعرض.
وظاهره: ولو علم أنَّ ريعه يفضل دائمًا، خلافًا للشيخ في وجوب صرفه إذن.
قال: لأن بقاءه فساد، ولا مانع من إعطائه فوق ما قدره له الواقف؛ لأن تقديره لا يمنع استحقاقه.
قوله: (ونحوهما) كسقاية.
قوله: (يرصد) أي: ما وقفه عليه، أي: يحفظ وينتظر رجوع الماء.
قوله: (عن حاجته) أي: الموقوف عليه من نحو مسجد.
قوله: (ويحرم حفر بئر) يعني: ولو لمصلحة عامة؛ لأنَّ البقعة مستحقة للصلاة، فتعطيلها عدوان.
قوله: (وقلعت) ظاهره: أنه لا يختص الطم والقلع بالإمام، بل الظاهر: أن مؤنة ذلك

الجزء: 3 - الصفحة: 387

فَإِنْ لَمْ تُقْلَعْ فَثَمَرَتُهَا لِمَسَاكِينِهِ وَإِنْ غُرِسَتْ قَبْلَ بِنَائِهٍ وَوُقِفَتْ مَعَهُ فَإِنْ عَيَّنَ مَصْرِفَهَا عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَكَ مُنْقَطِعٍ وَيَجُوزُ رَفْعُ مَسْجِدٍ أَرَادَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ ذَلِكَ وَجَعْلَ سُفْلِهِ سِقَايَةً وَحَوَانِيتَ لَا نَقْلُهُ مَعَ إمْكَانَ عِمَارَتِهِ دُونَ الْأُولَى ولا تحليته بذهب أو فضة على حافر وغارس، وأنه إذا قام به غيره عنه عند امتناعه، أو غيبته بنية الرجوع، كان له ذلك.
فتدبر.
قوله: (فثمرها لمساكينه) لعله إذا أعرض عنها غارسُها، أو لم يعلم، وإلا فهي على ملكه غير أنَّه غاصبٌ.
قوله أيضًا على قوله: (لمساكينه) قال الحارثي: والأقرب حله لغيرهم.
قوله: (فإن عين مصرفها) أي: لنحو حصر وزيت.
قوله: (ذلك) أي: رفعه.
قوله: (ولا تحليته بذهب، أو فضة) كما هو في نسخةٍ بخط المصنف، أي: لا يجوز ذلك، وفاقًا للشافعي.
وقيل: يكره وفاقاً لمالك.
وللحنفية: الكراهة، والإباحة، والندب.

الجزء: 3 - الصفحة: 388

باب الهبة: تَمْلِيكُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ مَالًا

باب الهبة

مصدر وهب الشيء هبة ووهبًا، بإسكان الهاء وفتحها، وقد تطلق الهبة على الموهوب.
وفي «المحكم»: لا يقال: وهبكه، ونقل السيرافي سماع مثله، وأصلها من هبوب الريح، أي: مروره.
قوله: (الهبة تمليك ... إلخ) وكذلك العطية، فهي مصدر، لكن قال الحارثي: ليست عند أهل اللغة كذلك فيما علمت، بل هي نفس الشيء المعطى، قال في «الإقناع»: وهبة التلجِئةِ باطلة، أي: وهي بحيث توهب في الظاهر وتقبض مع اتفاقهما على أن الواهب ينتزعها متى شاء، ونحو ذلك.
قوله: (تمليك) خرج به العاريَّة.
قوله: (مالاً) أي: لا نحو كلب.
وظاهره: يشمل العين والمنفعة، ويؤيده أنه يصح بيعها فتصح هبتها، لكن قد يخالفه ما يأتي من قوله: (ومنحتكه وغلَّته وسكناه ... لك عاريةٌ) فيحمل ما هنا على العين، والله أعلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 389

مَعْلُومًا مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ مَوْجُودًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ غَيْرَ وَاجِبٍ فِي الْحَيَاةِ بِلَا عِوَضٍ بِمَا يُعَدُّ هِبَةً عُرْفًا فَمَنْ قَصَدَ بِإِعْطَاءٍ ثَوَابَ الْآخِرَةِ فَقَطْ فصَدَقَةٌ وإكْرَامًا وَتَوَدُّدًا وَنَحْوَهُ هَدِيَّةٌ وَإِلَّا فهِبَةٌ قوله: (معلوماً) يعني: منقولاً أو عقارًا.
قوله: (تعذَّر علمه) كدقيقٍ اختلط بدقيقِ آخر.
قوله: (موجودًا) لا معدوما كما تحمل به أمتُه.
قول: (مقدورًا على تسليمه) أي: لا كآبق.
قوله: (غير واجبٍ) أي: لا نحو نفقةِ قريب وزوجة.
قوله: (في الحياة ... إلخ) بخلاف الوصية.
والظروف الثلاثة متعلقة بـ (تمليك) والباء الأولى للتعدية، والثانية للسببية، فلا يلزم تعلق حرفي جرٍّ بلفظ واحد، بمعنى واحدٍ، بعامل واحد.
قوله: (بلا عوض) خرج به المعاوضات.
قوله: (بما يعد هبة) أي: من كل قول أو فعل دلَّ عليها، كوهبتك، وملكتك، وأعطيتك، ومناولة سائل ونحوه.
قوله: (وإكراما) أي: أو مكافأة، فإن قصد بالإعطاء ثوابَ الآخرة والإكرام والتودُّد، فهل تكون صدقة وهديَّة، أو هدية فقط؛ لاشتراطه في الصدق التمحض، بدليل قوله: (فقط) وهو أقرب؟ . فتدبر.
قوله: (وإكرامًا أو توددًا) أي: أو هما معا.
قوله: (ونحوه) كمحبة.
قوله: (وإلا فهبة ... إلخ) أي: إلا يقصد باعطاء شيئا مما ذكر.

الجزء: 3 - الصفحة: 390

وَعَطِيَّةٌ وَنِحْلَةٌ وَيَعُمُّ جَمِيعَهَا لَفْظُ الْعَطِيَّةِ وَقَدْ يُرَادُ بِعَطِيَّةٍ الْهِبَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ قوله: (وعطية، ونحلة) فالألفاظ الثلاثة متفقة معنى وحكما.
منصور البهوتي.
وهي - والله أعلم - مع الصدقة والهدية متفقة حكمًا.
قال في «الإقناع»: وأنواع الهبة: صدقة، وهدية، ونحلة، وهي: العطية.
انتهى.
فجعل الهبة جنساً تحته أنواع ثلاثة، وهو مقتضى صنيع المصنف أيضًا حيث عرَّف الهبة، ثم نوعها إلى ما ذكر، غير أن المصنف ذكر أيضًا: أن العطية تعم الصدقة؛ والهدية، والهبة أيضًا، فيؤخذ منهما عموم كل من الهبة والعطية للأنواع الثلاثة، والأنواع الثلاثة - أعني: الصدقة، والهدية، والهبة - مستحبة إذا قصد بها وجه الله تعالى، كالهبة للعلماء، والفقراء، والصَّالحين، وما قصد به صلة الرحم.
بل تقدَّم أن الصدقة على قريبٍ محتاج أفضل من عتقٍ.
ولا شك أن الصدقة أفضل من الهبة.
قال الشيخ: إلا أن يكون في الهبة معنى تكون به أفضل من الصدقة، كالإهداء لرسول صلى الله عليه وسلم محبة له، وكالإهداء لقريبٍ يصل به رحمه، أو أخ له في الله، فهذا قد يكون أفضل من الصدقة.
انتهى كلامه - رحمه الله - وهو في غاية الحسن.
قوله: (ويعم جميعها ... إلخ) أي: الصدقة، والهدية، والهبة.
قوله: (وقد يراد بعطية الهبة) أي: أو الموهوب.

الجزء: 3 - الصفحة: 391

وَمَنْ أَهْدَى لِيُهْدَى لَهُ أَكْثَرُ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِغَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوِعَاءُ هَدِيَّةٍ كَهِيَ مَعَ عُرْفٍ وَكُرِهَ رَدُّ هِبَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ وَيُكَافِئُ أَوْ يَدْعُو إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ أَهْدَى حَيَاءً فَيَجِبُ الرَّدُّ وَإِنْ شُرِطَ فِيهَا وَصَارَتْ بَيْعًا وَإِنْ شُرِطَ ثَوَابٌ مَجْهُولٌ لَمْ يَصِحَّ قوله: (لغير النبي ... إلخ) اللام: بمعني: «من»؛ لأنه مأمور بأشرف الأخلاق وأجلها، صلى الله عليه وسلم.
قوله: (ووعاء هدية، كهي) أي: فلا يرد نحو قوصرة التمر، فإن لم يكن عرف ردَّه.
قوله: (وكره رد هبةٍ) علم منه: أنه لا يجب قبول هبة ولو جاءت بلا مسألةٍ ولا استشراف نفس، وهو إحدى الروايتين، وصوبه في «الإنصاف»، وعنه: يجب.
اختارها أبو بكر في «التنبيه»، وصاحب «المستوعب»، وتبعهما المصنف في الزكاة.
قوله: (ويكافيء أو يدعو) أي: استحبابا فيما يظهر.
قوله: (صارت بيعًا) أي: فيشترط لها شروطه، ويثبت فيها خيار وشفعة ونحوهما، وعلم منه: أنها لا تقتضي عوضًا بلا شرط، ولو دلت قرينة على العوض، كقضاء حاجة وشفاعة ونحو ذلك.
قوله: (لم يصح) أي: كبيع بمجهول، وحكمها كبيع فاسد، فتضمن مع زيادتها، كمغصوب

الجزء: 3 - الصفحة: 392

وإن اختلفا في شرط عوض، فقول منكر.
وفي: وهبتني ما بيدي، فقال: بل بعتكه، ولا بينة، يحلف كل على ما أنكر، ولا هبة ولا بيع.
وتصح وتملك بعقد - فيصح تصرف قبل قبض - وبمعاطاة بفعل، قوله: (ولا بينة) أي: أو لهما وتعارَضتا.
قوله: (ولا هبة) أي: ثابتة، وإن نكلا أو أحدهما، فالظاهر: أنه لا يوقف الأمر، ولا هبة ولا بيع؛ لأن الأصل عدم كل واحد منهما.
قوله: (وتصح ... إلخ) من زيادته، أي: فليس القبض ركنا ولا شرطًا للصحة، بل للزوم، خلافاً لابن عقيل في عده القبض ركناً.
قوله: (وتملك بعقد) أي: بإيجاب وقبول، فالنماء والفطرة للمتَّهب وعليه.
قوله: (فيصح تصرف قبل قبضٍ) أي: على المذهب، نص عليه، والنماء للمتهب.
قاله في «الإنصاف»، وفيه نظر؛ إذا المبيع بخيار لا يصح التصرف فيه زمنه، فهنا أولى؛ لعدم تمام لملك.
منصور البهوتي.
وأقول: يمكن الفرقُ بينهما؛ بأن مقتضى الخيار أن يبقى المعقود عليه على حاله؛ لينظر خير الأمرين من الفسخ والإمضاء، وأما الهبة، فإنه بمجرد العقد قد انقضى وطر الواهب من

الجزء: 3 - الصفحة: 393

فتجهيز بنته بجهاز إلى بيت زوجٍ تمليكٌ.
وهي -في تراخي قبول، وتقدمه، وغيرهما - كبيع.
وقبولٌ هنا وفي وصية، بقول، أو فعل دال على الرضا.
الموهوب؛ بدليل بلا عوض، بخلاف البيع، وأما تمام الملك، فقد يقال: إنما يشترط للزوم لا للصحة، وإنما لم نقل بذلك في الخيار؛ للفرق المذكور، ويدل عليه قصة ابن عمر حيث وهب عمر للنبي صلى الله عليه وسلم البعير الذي عليه ابن عمر، فوهبه النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر.
قالوا: ولم ينقل قبول النبي صلى الله عليه وسلم من عمر، ولا قبول ابن عمر، أي: وكذا لم ينقل التسليم أيضًا، والله أعلم.
فتأمل.
قوله: (فتجهيز بنته ... إلخ) أي: أو أخته ونحوها، كما في «شرح الإقناع»، فالقيد أغلبيُّ.
قوله: (وهي في تراخي قبول ... إلخ) فيصح ما داما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعهما عرفا.
قوله: (وغيرهما) أي: كاستثناء واهبٍ نفع موهوب مدة معلومة، والمراد: في الجملة، بدليل أنه يصح أن يهب أمةً ويستثني ما في بطنها، كما جزم به

الجزء: 3 - الصفحة: 394

وقبضها كمبيع، ولا يصح إلا بإذن واهب، وله الرجوع قبله.
ويبطل بموت أحدهما في «الإقناع».
قال في «شرحه»: كالعتق.
انتهى.
ومنه تعلم ما أشرنا إليه من أنها ليست في ذلك كالبيع من كل وجه.
قوله: (كمبيعٍ) ففي مكيل، وموزون، ومعدودٍ، ومذروعٍ بذلك، وما ينقل بنقله ... إلخ.
قوله: (إلا بإذن واهبٍ) أي: إذنا لفظيا أو حاليا كمناولة وتخليةٍ.
قوله: (وله الرجوع فيه) أي: ولواهب الرجوع هبة، وفي إذن في قبضها قبل حصوله من متهب ولو بعد تصرُّفه فيها.
قال الحارثي: وعتق الموهوب، وبيعه، وهبته قبل القبض رجوعٌ؛ لحصول المنافاة.
انتهى.
لكن قال في «الإقناع»: مع الكراهة.
قال في «شرحه»: خروجاً من خلاف من قال: إن الهبة تلزم بالعقد.
قوله: (ويبطل بموتِ أحدهما) أي: يبطل الإذن في القبض بموت أحدهما قبل القبض، وبطل عقدهما بموت أحدهما أو جنونه أو إغمائه قبل قبولٍ، أو ما يقوم مقامه.
تتمةٌ: إذا تفاسخا عقد هبة، صح، ولا يفتقر إلى قبض الموهوب له، وتكون العين أمانة في يد المتهب.
قاله في «الاختيارات».
قوله: (ويبطل بموت) أي: يبطل إذن واهبٍ في قبضٍ.

الجزء: 3 - الصفحة: 395

وإن مات واهبٌ، فوارثه مقامَه في إذن ورجوع.
وتلزم بقبض، كبعقد فيما بيد متهب.
ولا يحتاج لمضي زمن يتأتى قبضه فيه.
وتبطل بموت متهب قبل قبض.
فلو أنفذها واهب مع رسوله، ثم مات موهوب له قبل وصولها، بطلت، لا إن كانت مع رسول موهوب له.
ولا تصح لحمل.
ويقبل ويقبض لصغؤر ومجنونٍ وليٌّ، قوله: (وإن مات واهبٌ) يعني: قبل قبضٍ، أذن فيه، أو لا.
قوله: (فيما بيد متهب) من وديعة، وعارية، وغصب، وغيرها.
قوله: (ولا يحتاج) أي: لزوم.
قوله: (يتأتى) أي: يمكن.
قوله: (قبل قبضٍ) أي: لقيامه مقام القبول.
قوله: (فلو أنفذها) أي: أرسل الهبة.
ومثلها هديَّةٌ وصدقةٌ.
قوله: (ولا تصحُّ لحملٍ) لأن تمليكه تعليق على خروجه حيا، والهبة لا تقبل التعليق.
قوله: (ويقبض) وفي «المختار»: قبض الشيء: أخذه، والقبض ضد البسط، وبابهما: ضرب.
قوله: (ومجنون) يعني: وسفيهٍ، وأما العبد المكلف، فيصح أن يقبل الهبة بغير إذن سيده، كالاحتشاش والاصطياد، وتكون لسيده إلا المكاتب، وليس له التبرع بغير إذن سيده.
قوله: (ولي) أي: أب

الجزء: 3 - الصفحة: 396

فإن وهب هو، وكل من يقبل، ويقبض هو.
ولا يحتاج أبٌ وهب فوصيه، فحاكم، فأمينه.
والأب السفيه والفاسق وجوده كعدمه، فتنتقل ولاية الولد للحاكم مع وجود الأب، كما يفهم من «الإقناع».
قوله: (فإن وهب هو) أي: الولي.
قوله: (وكل من يقبل) إن كان غير الأب.
قوله: (ويقبض هو) ظاهر كلامه تبعاً لـ «التنقيح»: أن التوكيل في القبول فقط، وأن الإيجاب والقبض من الواهب، وهو خلاف ما صرح به في «المغني» و «الإنصاف» من أن توكيل غير الأب، في القبول والقبض.
قوله: (ولا يحتاج أب ... إلخ) يعني: أنه إذا كان الواهب لنحو صغير أباه الولي عليه، فإنه لا يحتاج في صحة الهبة إلى أن يوكل الأب من يقبل الهبة لنحو الصغير، بل يقول: وهبت ولدي كذا، وقبضته له، ولا يحتاج إلى قبوله.
قاله في «الإقناع»؛ للاستغناء عنه بقرائن الأحوال.
قال في «شرح الإقناع»: فإن لم يقل الأب الواهب لوليه: وقبضته له، لم يكف على ظاهر رواية حرب.
انتهى.
ومتى عدم ولي نحو الصغير قبض له من يلي حاله من أم وقريب وغيرهما، نصَّ عليه.
ويصح من نحو صغير قبض مأكول يدفع مثله له؛ لفعله عليه السلام حيث كان الناس إذا رأوا أول الثمار،

الجزء: 3 - الصفحة: 397

مَوْلِيَّه لصغر إلى توكيل.
ومن أبرأ من دينه، أو وهبه لمدينه، أو أحله منه، أو أسقطه عنه، جاؤوا به إليه صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه قال: «اللهم بارك لن في ثمرنا»، ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان.
أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.
قال في «الإقناع»: ولو اتخذ الأب دعوة ختان، وحملت هدايا إلى داره، فله، إلا أن يوجد ما يخصص ذلك بالمختون، كثياب الصبيان؛ فله، أو ما يخصه بالأم، كما لو كان المهدي من أقاربها أو معارفها، فلها، وما حصل لخادم فقراء يطوف لهم بالأسواق لا يختص به.
انتهى.
ولعله إذا عرف بذلك، وإلا اختص به.
وما دفع من صدقة لشيخ زاويةٍ، أو رباط، الظاهر: أنه لا يختص به، وله التفضيل في القسم بحسب الحاجة، وإن كان يسيرًا لم تجر العادة بتفريقه، اختص به.
نقله في «الإقناع» عن الحارثي، وأقره عليه.
قوله: (لصغر) أي: أو نحوه.
قوله: (من دينه) أي: لا قبل وجوبه.
قوله: (أو وهبه) حملا للفظ على المعنى، فلو قَصد حقيقة الهبة، لم تصحَّ.

الجزء: 3 - الصفحة: 398

أو تركه، أو ملَّكه له، أو تصدق به عليه، أو عفا عنه، صح ولو قبل حلوله، أو اعتقد عدمه.
لا إن علقه.
و: إن مت فأنت في حل، وصية.
ويبرأ، ولو رد أو جهل، لا إن علمه مدين فقط وكتمه، خوفا من أنه إن علمه لم يبرئه.
ولا يصح مع إبهام المحل، كأبرأت أحد غريميَّ.
أو: من أحد دينيَّ.
قوله: (لو قبل حلوله) أي: الدين؛ لأن تأجيله لا يمنع ثبوته في الذمة.
قوله: (أو اعتقد عدمه) كقوله: أبرأتك من مئةٍ يعتقد عدمها.
قوله: (ولو رد أو جهل) ينبغي قراءتها بصيغة المبني للمفعول؛ ليتناسب اللفظان، وليظهر حل المصنف قوله: (جهل) بما إذا جهل الدين ربُّه، ومن هو عليه.
والحاصل: أنه من جهة الجهل وعدمه، إما أن يعلماه، أو يجهلاه، أو يعلمه ربُّه فقط، أو المدين فقط، والبراءة صحيحة في الكل إلا في الأخيرة فقط بالشرط المذكور في المتن؛ ومعنى ردَّ المدين البراءة: أن يقول مثلا: لا أقبل البراءة ونحو ذلك.
قوله: (أو جهل) أي: قدره أو صفته أو كليهما، وإن لم يتعذر علمه.
قوله: (مع إبهام المحل) يعني: الوارد عليه الإبراء.

الجزء: 3 - الصفحة: 399

وما صح بيعه صحت هبته، واستثناء نفعه فيها زمنا معينا.
ويعتبر لقبض مشاع إذن شريك، وتكون حصته وديعة.
وإن أذن له في التصرف مجانا، فكعارية، وبأجرة فكمؤجر.
فائدة: لو أبراه من درهم إلى ألف، صحَّ في الألف وما دونه.
كما في «الإقناع».
قوله: (ويعتبر لقبض ... إلخ) أي: لجوازه أو انتفاء ضمان حصة الشريك لا للزوم الهبةِ، كما ذكره ابن نصر الله.
قوله: (لقبض مشاع) أي: مشاع منقول، قال في «الإقناع»: وإن وهب، أو تصدق، أو وقف، أو وصى بأرض، أو باعها، احتاج أن يحده كلها.
قال في «شرحه».
بأن يقول: كذا سهمًا من كذا سهمًا.
انتهى.
يعني: لا بد من معرفة قدر النصيب المشاع، لا ذكر ما يحيط بها من الأمكنة، وعلم منه: صحة هبة المشاع.
قوله: (وبأجرة ... إلخ) فإن قال: استعمله وأنفق عليه، فإجارةٌ فاسدة لا ضمان فيها.

الجزء: 3 - الصفحة: 400

لا مجهول لم يتعذر علمه، ولا هبة ما في ذمة مدين لغيره، ولا ما لا يقدر على تسليمه، ولا تعليقها، ولا اشتراط ما ينافيها، كأن لا يبيعها، أو يهبها، ونحوهما.
وتصح هي.
قوله: (لا مجهول ... إلخ) أي: لا تصح هبة المجهول التي تمكن معرفته، كعبد من عبيده، وثوب من ثيابه، ومنه الحمل في البطن، واللبن في الضرع، والصوف على الظهر، فلا تصح هبة ذلك كله، كما جزم به في «الإقناع».
وبخطه أيضًا على قوله: (لا مجهول ... إلخ) أي: كحمل ولبن في ضرع، ودهن في سمسم، وزيت في زيتون ونحوه، . ولو قال: خذ من هذا الكيس ما شئت، كان له أخذ ما به جميعًا، وخذ من هذه الدراهم ما شئت، لم يملك أخذها كلها.
والفرق: أن الكيس ظرفٌ، فإذا أخذ المظروف حسن أن يقال: أخذت من الكيس ما فيه، ولا يحسن أن يقال: أخذت من الدَّراهم كلها، كما ذكر ابن الصيرفي في «النوادر».
قوله: (ولا تعليقها) أي: بشرط غير موت الواهِبِ، وأما به، فيصح ووصيةً، كما تقدم، والمراد: شرط مستقبل، كإذا رأس الشهر، أو قدم فلانٌ، فقد وهبتك كذا، كالبيع.
وبالمستقبل قيد في «الإقناع»، وخرج به الماضي والحال، فلا يمنع التعليق عليه الصحة، كإن كانت ملكي ونحوه، فقد وهبتكها؛ فتصح.
فتأمل.

الجزء: 3 - الصفحة: 401

ولا مؤقتة إلا في العمرى، كأعمرتك، أو أرقبتك هذه الدار، أو الفرس، أو الأمة.
ونصه: لا يطأ.
وحُمل على الورع.
أو: جعلتُها لك عمرك أو حياتك، أو عمرى، أو رقبى، أو ما بقيت.
أو: أعطيتكها .. ، فتصح، وتكون لمعطى ولورثته بعده إن كانوا، كتصريحه.
وإلا فلبيت المال.
قوله: (إلا في العمرى) أي: والرقبى، كما يعلم من كلامه.
وصرَّح باستثنائهما في «الإقناع»، وهما نوعان من أنواع الهبة يفتقران الهبة يفتقران إلى ما تفتقر إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول، والقبض وغير ذلك.
وسميت عمرى، لتقييدها بالعمر، ورقبى؛ لأن كل واحدٍ منهما يرقب موتَ صاحبِه.
قال أهل اللغة: يقال: أعمرته مشددا، إذا جعلت له الدَّار مدَّة عمره أو عمرك.
وكان الجاهلية تفعلُه، فأبطل الشرع ذلك؛ بأن تكون لورثته بعده، لا لمعمر ومرقبٍ.
قوله: (كأعمرتك) أي: جعلتها لك مدَّةَ عمرك.
قوله: (ونصه) أي: فيمن يعمر الجارية.
قوله: (وحمل) أي: حمله القاضي على الورع؛ للاختلاف في صحة العمْرى، والفروج يحتاط لها.
قوله: (أو جعلتها لك عمرك) أي: لا عمر زيدٍ، فلا تصحُّ.
قوله: (فتصح) أي: في جميع ما تقدم، وهي من أمثلة العمرى.
قوله: (كتصريحه) بأن يقول: هي لك ولعقبك من بعدك.
قوله: (وإلا فلبيت المال) كسائرِ الأموال المخلَّفةِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 402

وإن شرط رجوعها، بلفظ إرقاب أو غيره، لمُعمِر عند موته، أو إليه إن مات قبله، أو إلى غيره، وهي الرقبى، أو رجوعها مطلقا إليه، أو إلى ورثته، قوله: (وإن شرط رجوعها) أي: الهبة.
قوله: (بلفظ) أي: في لفظ إرقاب أو معه.
قوله: (لمعمر) أي: واهبٍ.
قوله: (عند موته) أي: موت موهوبٍ له.
قوله: (أو إليه) أي: الواهب.
وقوله: (إن مات) أي: موهوب له.
وقوله: (قبله) أي: الواهب.
نحو أن يقول: وهبتك هذه الدار، أو هي لك عمرك، على أنك إن مت قبلي، عادت إلي أو إلى فلان، وإن مت أو مات قبلك، استقرت عليك، وهذه هي الرقبى، كما قال المصنف؛ لأن كلا منهما يرقب موت صاحبه.
قوله: (أو إلى غيره) كورثةِ واهبٍ إن مات قبل موهوب له.
قوله: (وهي الرقبى) أي: مسألة ما إذا شرط رجوعها إليه أو إلى غيره، إن مات الموهوب له قبل من تَرجعُ إليه، كأن يقول: وهبتك هذه الدار أو نحوها، أو هي لك عمرك، على أنك إذا متَّ قبلي، أو قبل فلان عادت إليَّ أو إليه، وإن مت أو مات فلان قبلك استقرَّت لك.
وسميت رقبى؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه.
قال المصنف في «شرحه»: وقد روي عن أحمد أنَّ الرقبى: أن يقول: هي لك حياتك، فإذا مت، فهي لفلان، أو راجعة إلي.
قال: والحكم في الصورتين واحد.
انتهى.
قوله: (مطلقًا) أي: بلا تقييد بموتٍ أو غيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 403

أو آخرهما موتا، لغا الشرط، وصحت لمُعمَر وورثته، كالأول.
و: منحتكه .. ، وسكناه وغلته، وخدمته لك .. .... ، عارية.
قوله: (أو آخرهما موتاً) أي: بأن قال الواهب: هذه الدار ونحوها لآخرنا موتاً، فيصح العقد دون الشَّرطِ، كما أشار إلى ذلك المصنف بقوله: (لغا الشرط، وصحت ... إلخ) ولو جعل اثنان كل منهما داره للآخر على أنه إن مات قبله عادتْ إليه، فرقبى من الجانبين.
قاله منصور البهوتي.
قوله: (وصحت لمعمر) بفتح الميم الثانية ولورثته بعده، فإن لم يكونوا فلبيت المال.
قوله: (كالأوَّل) أي: المذكور أولا من صور العمرى، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترقبوا، ولا تعمروا، فمن أرقب شيئًا أو أعمره، فهو لورثته».
قال الحارثي: والسند صحيح بلا إشكال، وخرجه أبو داود، والنسائي، وغيرهما.
وروى أحمد وغيره نحوه من طرق مختلفة، فهذه نصوص تدل على ملك المعتمر والمرقب مع بطلان شرط العود؛ لأنه إذا ملك العين، لم تنتقل عنه بالشرط.
قوله: (ومنحتكه) أي: أبحت لك منافعه؛ من صوف ووبر ولبن ونحوه.
وبخطه على قوله: (ومنحتكه ... إلخ) هذا شروعٌ في إعمار المنافع وإرقابها، وهو غير صحيح، والحكم فيه أنها عاريَّة، كما ذكره المصنِّف، له الرجوع متى شاء في حياة الممنوح وبعد موتِه؛ لأنها هبة منفعة.
قوله: (عارية) يرجع فيها متى شاء.

الجزء: 3 - الصفحة: 404

فصل ويجب تعديلٌ بين من يرث بقرابة، من ولد وغيره، في هبة غير تافه، بكونها بقدر إرثهم، إلا في نفقة، فتجب الكفاية.
وله التخصيص بإذن الباقي، فإن خص أو فضل بلا إذن، رَجَعَ أَوْ أَعْطَى حَتَّى يستووا فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ وَلَيْسَتْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، ثَبَتَتْ لِآخِذٍ.
فصل في حكم عطية الأولاد وغيرِهم من الورثة من تعديل ورجوع وغيرهما قوله: (ويجب تعديل) على الأب والأم وغيرهما.
وقوله: (بين من يرث ... إلخ) يعني: من واهب، لا بنكاح أو ولاءٍ، وعلم منه: أنَّه لا يجب على المسلم التسوية بين أولاده والذميين، وصرَّح به الشيخ تقي الدين، رحمه الله.
قوله: (من ولد وغيره) كأب وأم.
قوله: (بكونها) أي: الهبة.
قوله: (بقدر إرثهم) اقتداءً بقسمة الله تعالى.
قوله: (بإذن الباقي) لانتفاءِ علَّة التحريم، وهي كونه يورث العداوة.
قوله: (رجع) أي: إن كان أبًا، أو قبل قبض مطلقًا.
قوله: (أو أعطى ... إلخ).
أي: وجب أحد الأمرين عليه ولو بمرض الموت.
قوله: (حتى يستووا) ولا يحسب من الثُّلث؛ لأنه تدارك للواجب.
قوله: (وليست بمرض موته) يعني: المخوف، وإلا توقفت على إجازة الباقي.

الجزء: 3 - الصفحة: 405

وَتَحْرُمُ الشَّهَادَةُ عَلَى تَخْصِيصٍ أَوْ تَفْضِيلٍ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً إنْ عَلِمَ وَكَذَا كُلُّ عَقْدٍ فَاسِدٍ عِنْدَهُ.
وَتُبَاحُ قِسْمَةُ مَالِهِ بَيْنَ وَارِثِهِ وَيُعْطَى حَادِثٌ حِصَّتَهُ وُجُوبًا.
وَسُنَّ أَنْ لَا يُزَادَ ذَكَرٌ عَلَى أُنْثَى فِي وَقْفٍ وَيَصِحُّ وَقْفُ ثُلُثِهِ قوله: (وكذا كل عقد فاسد عنده) كنكاح بلا ولي، وبيع غير مرئي ولا موصوف، إن لم يحكم به من يراه، حرم على الحنبلي أن يشهد به تحملا وأداء.
قوله: (وتباح ... إلخ) أي: لعدم الجور.
قوله: (ويعطى حادث ... إلخ) لعل محله إذا حدث قبل موت المورِّث، فيجب عليه الرجوع في قدر نصيب الحادث، وإعطاؤه إيَّاه، وإلا فقد استقرَّ ملك الورثة على ما ملكوه، وانقطع رجوع المورِّث بموته، ثم رأيته ذكر ما يفهم ذلك منه في «الإقناع» فقال: وإن ولد له ولد بعد موتِه، استحب للمعطى أن يساوي المولود [الحادث] بعد أبيه.
انتهى.
والفرق بين ما هنا وما سبق في الوقف من قوله: (دخل الموجودون فقط): أن التسوية في العطية واجبةٌ، وفي الوقف مستحبَّةٌ، ولأن الوقف لا يتأتى الرجوع فيه، بخلاف العطية.

الجزء: 3 - الصفحة: 406

فِي مَرَضِهِ عَلَى بَعْضِهِمْ لَا وَقْفُ مَرِيضٍ وعَلَى أَجْنَبِيٍّ بزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ الْمُنَقِّحُ: وَلَوْ حِيلَةً كَعَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ وَلَا رُجُوعُ وَاهِبٍ بَعْدَ قَبْضٍ وَيَحْرُمُ قوله: (في مرضه) أي: المخوف أو غيرِه.
قوله: (على بعضهم) ويجري الوقف للثلث على بعض الورثةِ إذن، مجرى الوصيةِ في أنه ينفذ إن خرج من للثلث على بعض الورثة إذن، مجرى الوصية في أنَّه ينفذ إن خرج من الثلث، كالوصية، بوقفه على بعضهم، لا أنه يتوقف على الإجازة.
فتدبر.
قوله: (لا وقف مريض) أي: لا ينفذ، لا أنه لا يصح، ولذلك يتم بإجازة الورثة.
قوله: (ولو حيلةً) لما تقدَّم من تحريم الحيل وبطلانها إذا كانت وسيلة لمحرم.
قوله: (كعلى نفسه) بناء على صحته على ما تقدم.
قوله: (ثم عليه) أي: على الوارث، أو الأجنبي.
قوله: (ولا رجوع واهبٍ) ومثله متصدِّق، كما صرح به الموفَّق وغيره.
قوله: (بعد قبض) يعني: ولو نقوطاً، وحمولة في عرسٍ ونحوه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» متفق عليه.
وفي رواية لأحمد، قال قتادة: ولا أعلم القيء إلا حرامًا.
وسواء عوض عنها، أو لا؛ لأن الهبة المطلقة لا تقتضي الثواب، وتقدَّم.

الجزء: 3 - الصفحة: 407

إلَّا مَنْ وَهَبَتْ زَوْجَهَا بِمَسْأَلَتِهِ ثُمَّ ضَرَّهَا بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ والْأَبُ قوله: (إلا من وهبت زوجها ... إلخ) أي: أو أبرأته من دينها، ومنه يُعلم: أنه لا يُشترط في رجوع الزوجة ما يُشترطُ رجوع الأب، لأنَّه لو ابرأ ولده.
لم يكن له الرجوع.
قوله: (بمسألته) لا إن وهبته من غير سؤاله.
قوله: (أو غيره) كتزوج عليها.
قوله: (والأب) أي: فإن له الرجوع فيما وهب ولده، ولو ادَّعى اثنان مولودًا، فلو وهباه أو أحدهما، فلا رجوع قبل الإلحاق، ومنه تعلم: أن اللام في (الأب) للحنس، وأنه عند تعدده يثبت لكل ما يثبت للمنفرد من الرجوع، وظاهره: ولو كان الأب كافرًا وهب لولده الكافر شيئا، ثم أسلم الولد، فإن للأب الرجوع في هبته، وهو المذهب، خلافاً للشيخ في منعه من الرجوع.
ثم اعلم: أنه يشترط لجواز رجوع الأب وصحته فيما وهبه لولده أربعة شروط: أحدها: أن يكون ما وهبه عيناً باقيةً في مِلكِ الابن إلى رجوعِ أبيه، فلا رجوع فيما أبرأ ولده من الدين، ولا في منفعةٍ استوفاها، ولا فيما خرجت عن ملكه ببيع ولو بخيارٍ، أو هبةٍ لازمةٍ، أو وقفٍ.
الثاني: أن تكون باقيةً في تصرف الولد، فلا رجوع في قيمة تالفةٍ، ولا في أمةٍ استولدها الابن، أو كان وهبها له للاستعفاف، فلو تصرف الابن بما لا يمنعه التصرف في الرقبة، كالوصية، والهبة قبل القبض، والوطء المجرد عن الإحبال، والتزويج، والإجارة، والمزارعة عليها، وجعلها مضاربةً، وتعليق عتق بصفةٍ، لم يمنع ذلك رجوع الأبِ؛ لبقاءِ تصرُّف الابن، فإذا رجع، فما كان من التصرُّف لازماً كالإجارة، والتزويج، والكتابةِ، فهو باقٍ بحاله، وما كان

الجزء: 3 - الصفحة: 408

جائزًا، كالوصية والهبة قبل القبض، بطل.
وأما التدبير والعتق المعلَّق بصفةٍ، فلا يبقى حكمهما في حق الأب، بل متى عادا إلى ملك الابن، عاد حكمهما لعود الصِّفةِ.
الثالث: أن لا تزيد العين عند الولد زيادة متصلة، كسمن، وكبر، وحبلٍ، وتعلُّم صنعةٍ، أو كتابةٍ، أو قرآن، أو ببرء من مرضٍ.
الرابع: أن لا يكون الأب قد أسقط حقَّه من الرجوع، وخالف صاحب «الإقناع» في هذا الأخير، فأثبت للأب الرجوع مع الإسقاط، كما لو أسقط الولي حقَّه من ولاية النكاحِ، لكن يفرق بينهما؛ بأن ولاية النكاح حق عليه لله تعالى وللمرأة؛ بدليل إثمه بالعضل، بخلاف الرجوع، فإنه حق للأب، فسقط بإسقاطه، كما تسقط الشفعة بإسقاط الشَّفيع.
فإن قلت: هل يمنع رجوع الأب إجارة الولد للعين؟ قلت: لا.
قال في «الإقناع»: ولزوم الإجارة باق، فلا تنفسخ برجوعه.
فإن قلت: فما الفرق بين ما هنا، وما تقدَّم في الشفعة من أنه لو أجر المشتري الشِّقص، ثم أخذه الشَّفيع بها، انفسخت الإجارة؟ قلت: أجاب منصور البهوتيُّ؛ بأن تمليك الأب لولده تسليط على الإجارة وغيرها، فكأنها من فعله، بخلاف الشَّفيع، فإنَّه لا فعل له في حصول الملكِ للمشتري، والله أعلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 409

وَلَوْ تَعَلَّقَ بِمَا وَهَبَهُ حَقٌّ كَفَلَسٍ أَوْ رَغْبَةً كَتَزْوِيجٍ إلَّا إذَا وَهَبَهُ سُرِّيَّةً لِلْإِعْفَافِ وَلَوْ اسْتَغْنَى أَوْ إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهُ وَلَا يَمْنَعُهُ نَقْصُ أَوْ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ وَهِيَ لِلْوَلَدِ إلَّا إذَا حَمَلَتْ الْأَمَةُ وَوَلَدَتْ فَيُمْنَعُ فِي الْأُمِّ قوله: (ولو تعلَّق بما وهب ... إلخ) أي: بما وهبَ الأبُ لولدهِ.
قوله: (كفلسٍ) أي: فلس الولد، وظاهره: ولو حجر عليه، خلافا لـ «الإقناع» في جعله الحجر عليه لفلسٍ مانعاً من رجوع الأبِ، لكن ما ذكره في «الإقناع» هو ما صوَّبه الحارثيُّ، وبه صرح في «المغني» صاحب «المحرر» وغيرهما.
قوله: (كتزويج) بأن زوج الولد الموهوب له، أو داينه أحد لأجل ما في يده من المال الموهوب، له الرجوع في الصدقة، كالهبة.
قوله: (ولو استغنى) أي: الابن عنها بتزوجه، أو شرائه غيرها، ونحوه، ولو لم تصر أم ولد.
قوله: (أو إذا سقط حقَّه منه) خلافاً لـ «الإقناع».
قوله: (ولا يمنعه نقص) أي: نقص ذات الموهوب، أو قيمته.
قوله: (أو زيادة منفصلة) كولد، وثمرة، وكسب.
قوله: (وهي) أي: المنفصلة.
وقوله: (إلا إذا حملت ... إلخ) أي: من غير الابن، كزوج، أو زنًا، أو بشبهة بمن ولدها رقيقٌ.
فتدبر.

الجزء: 3 - الصفحة: 410

وَتَمْنَعُهُ الْمُتَّصِلَةُ وَيُصَدَّقُ أَبٌ فِي عَدَمِهَا ورَهْنُهُ إلَّا أَنْ يَنْفَكَّ وهِبَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ هُوَ وبَيْعُهُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ بِفَسْخٍ أَوْ فَلَسِ مُشْتَرٍ لَا إنْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ وَيُمَلِّكُهُ مُكَاتَبًا وَلَا يَصِحُّ رُجُوعٌ إلَّا بِقَوْلٍ.
قوله: (وتمنعه المتصلة) كسمن، وكبر، وحملٍ، وتعلم صنعةٍ.
قوله: (ورهنه) أي: ويمنعه من الرجوع رهنه اللَّازم.
قوله: (وهبة الولد لولده) أي: هبة لازمة.
قوله: (إلا أن يرجع هو) أي: الثاني في هبته.
قوله: (وبيعه) أي: ولو مع خيار.
قوله: (إلا أن يرجع إليه بفسخ) لا بشراء، واتهاب ونحوهما.
قوله: (لا إن دبره) أي: دبر الولد ما وهب له.
قوله: (ويملكه مكاتباً) ولأب ما بقي من مالِ كتابةٍ فقط.
قوله: (ولا يصحُّ رجوعٌ إلا بقولٍ) أي: نحو: رجعتُ في هبتي، أو ارتجعتها، أو رددتها، أو عدت فيها، فلو تصرف فيه قبل رجوعه بالقول، لم يصح، ولو نوى الرجوع، كوطءِ موهوبةٍ.
وصفة الرجوع أن يقول: قد رجعت فيها، أو ارتجعتها، أو رددتها، ونحوه من الألفاظ الدَّالة على الرجوع.
وعلم منه: أنه لا يصح تعليق الرجوع.
وصرح به في «المبدع»، كما في «حاشية الإقناع».

الجزء: 3 - الصفحة: 411

فصل ولأب حر تملك ما شاء من مال ولدهمَا لَمْ يَضُرَّهُ قوله: (ولأب حر تملك ... إلخ) أي: لا غيره، محتاج، أو لا.
وظاهره: ولو غير رشيدٍ.
وخرج بالحر القن، والمبعض، ثم اعلم أنَّ تملك الأب لمال ولده لا بد له من ستة شروط؛ أحدها: كونه فاضلا عن حاجة الولد.
ثانيًا: أن لا يعطيه لولدٍ آخر.
ثالثها: أن لا يكون بمرض موت أحدهما.
رابعها: أن لا يكون الأب كافرًا، والابن مسلمًا، سيما إذا كان الابن كافرًا، ثم أسلم.
قاله الشيخ، وقال: الأشبه أن المسلم ليس له أن يأخذ من مال ولده الكافر شيئًا.
خامسها: أن يكون عينا موجودة.
سادسها: القبض مع القول، أو النية.
ذكر معنى ذلك صاحب «الإقناع»، فهو موافق لما يؤخذ من كلام المصنف إلا الرابع، فإن ظاهر كلام المصنف: أنه لا فرق بين أن يكون الأب موافقا لابنه في الدين أو مخالفًا له فيه، وهو ظاهر ما قدمه في «الإنصاف» وجعله المذهب، وقال عن كلام الشيخ تقي الدين: قلت: وهذا عين الصواب.
انتهى.
قوله: (ما شاء) يعني: علم الولد، أو لا، صغيرا كان أو كبيرا، ذكرًا أو أنثى، راضيا أو ساخطاً.
قوله: (مالم يضره) أي: يضر الأب ولده، بما يتملكه منه، أي: مدة عدم ضرره، وكذا لا يتملكه إن تعلق به حق رهن، أو فلس

الجزء: 3 - الصفحة: 412

إلَّا سُرِّيَّتَهُ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ لِيُعْطِيَهُ لِوَلَدٍ آخَرَ أَوْ بِمَرَضِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا وَيَحْصُلُ بِقَبْضِ مَعَ قَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ قَبْلَهُ وَلَوْ عِتْقًا وَلَا يَمْلِكُ إبْرَاءَ نَفْسِهِ وَلَا غَرِيمِ وَلَدِهِ وَلَا قَبْضِهِ مِنْهُ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِقَبْضِهِ وَلَوْ أَقَرَّ الْأَبُ بِقَبْضِهِ وَأَنْكَرَ الْوَلَدُ رَجَعَ عَلَى غَرِيمِهِ والْغَرِيمُ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ أَوْلَدَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ صَارَتْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ ذكره في «الاختيارات».
قوله أيضاً على قوله: (مالم يضره) أي: بأن تعلقت به حاجة الولد، كآلة حرفةٍ يكتسب بها، ورأس مال يتجر به.
قوله: (إلا سريته) أي: الأمة التي وطئها الولد.
قوله: (أو بمرض موت أحدهما) أي: المخوف.
قوله: (لأن الولد لا يملكه إلا بقبضه) وهو لا يتملك غير ملك ولد.
قوله: (ولو أقر الأب بقبضه) أي: دين ولده من غريمه.
قوله: (وأنكر الولد) أي: أو أقر، فلا مفهوم له.
قوله: (وإن أولد جارية ولده) يعني: قبل تملكها.
قوله: (صارت له) أي: للأب.

الجزء: 3 - الصفحة: 413

قِيمَتُهُ وَلَا مَهْرَ وَلَا حَدَّ وَيُعَزَّرُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَلَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا إنْ كَانَ الِابْنُ قَدْ وَطِئَهَا وَلَوْ لَمْ يَسْتَوْلِدْهَا فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ وَمَنْ اسْتَوْلَدَ أَمَةَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ قِنٌّ.
وَإِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ حُدَّ وَلَيْسَ لِوَلَدٍ وَلَا وَرَثَتِهِ مُطَالَبَةُ أَبٍ بِدَيْنٍ أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لِلِابْنِ عَلَيْهِ إلَّا بِنَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ وبِعَيْنِ مَالٍ لَهُ بِيَدِهِ قوله: (وعليه قيمتُها) لكن ليس له مطالبتُهُ بها.
قوله: (إن كان الابن قد وطئها) يعني: أن الأب إذا وطيء جارية ولده، وكان الولد قد وطيء تلك الجارية، فإنها لا تصير أم ولد للأب، لأنها بولد الولد صارت غير قابلة للتملك، فتبقى على ملك الولد، وتحرم عليهما، فتحرم على الأب، لأنها من موطوءات ابنه، على الابن؛ لأنها موطوءة أبيه، ولا حدَّ على الابن للشبهة.
فتدبر.
قوله: (فلا تصير أم ولد) بل تحرم عليهما إذن، ولا حدَّ.
قوله: (مطالبة أبٍ بدينٍ) بخلاف أم وجد، إن لم يكن مالزم الجد كان لولده، ثم انتقل إلى وارثه، فإنه لا يطالب إذن، كما في المتن.
فتدبر.
قوله: (ولا غير ذلك) كأجرةِ ما انتفع من ماله.

الجزء: 3 - الصفحة: 414

وَيَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ الدَّيْنُ وَنَحْوِهِ وَإِنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ الَّذِي أَقْرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ وَنَحْوَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَهُ أَخْذُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ انْتَقَدَ ثَمَنَهُ وَلَا يَسْقُطُ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ بَلْ جِنَايَتُهُ وَمَا قَضَاهُ فِي مَرَضِهِ أَوْ وَصَّى بِقَضَائِهِ فَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ فصل وَعَطِيَّةُ مَرِيضٍ غَيْرَ مَرَضِ الْمَوْتِ وَلَوْ مَخُوفًا أَوْ غَيْرَ مَخُوفٍ كَصُدَاعٍ ووَجَعِ ضِرْسٍ وَنَحْوِهِمَا وَلَوْ صَارَ مَخُوفًا قوله: (وإن وجد) أي: الولد.
قوله: (أو باعه) أي: لأبيه.
فصل في عطية المريض، ومحاباته، وما يتعلق بذلك قال في «الإقناع»: وإن اختلف الورثة وصاحبُ العطية، هل أعطيها في الصحة أو في المرض؟ فقولهم: أي: الورثة.
قوله: (ولو مخوفًا) أي: كصحيح.
قوله: (أو غير مخوفٍ) عطف على قوله: (غير مرض الموت) لا على: (مخوفا) كما قد يتوهم.
قوله: (كصداع) وجع الرأس يقال منه: صدع تصديعا، بالبناء للمفعول.
«مصباح».
قوله: (ونحوهما) كحمى يوم، ورمد، وإسهال يسير بلا دمٍ.

الجزء: 3 - الصفحة: 415

وَمَاتَ بِهِ كَصَحِيحٍ وفِي مَرَضِ مَوْتِهِ الْمَخُوفِ كَالْبِرْسَامِ وَذَاتِ الْجَنْبِ وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ وَالْقِيَامِ الْمُتَدَارِكِ وَالْفَالِجِ فِي ابْتِدَاءٍ قوله: (ومات به) فتصحُّ بجميع ماله.
قوله: (كصحيحٍ) أي: كعطية صحيحٍ، فهو على حذف مضاف، يعني: فتصح بجميع ماله.
قوله: (وفي مرض موته المخوف ... إلخ) أي: العطية في ذلك كوصيةٍ، وكذا إقباضه في مرضِ موته المخوف، ما وهبه في الصِّحة إعتبارًا بحال القبض؛ لأنه وقت لزومها.
قوله: (كالبرسام) بكسر الموحدة، وهو: بخار يرتقي إلى الرأس، يؤثر في الدماغ، فيختل به العقل.
قوله: (وذات الجنب) في «المصباح»: ذات الجنب علة صعبة، وهي: ورم يعرض للحجاب المستبطن للأضلاع، يقال منه: جنب الإنسان - بالبناء للمفعول - فهو مجنوب.
قوله: (والرعاف) أي: لأنه يصفي الدم.
قوله: (والقيام المتدارك) أي: المتلاحق المتتابع.
قال في «المصباح»: أصل التدراك: اللُّحوق.
قوله أيضًا على قوله: (المتدارك) الإسهال الذي لا يستمسك، وإن كان ساعةً، وكذلك إسهالٌ معه دم.
قوله: (والفالج) مرض يحدث في أحد شقي البدن طولا، فيبطل إحساسه،

الجزء: 3 - الصفحة: 416

وَالسِّلِّ فِي انْتِهَائِهِ.
وَمَا قَالَ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ إنَّهُ مَخُوفٌ كَوَصِيَّةٍ، فإذا جاوز السابع انقضت حدته، فإذا جاوز الرابع عشر، صار مرضًا مزمنًا، ومن أجل خطره في الأسبوع الأول عُدَّ من الأمراض الحادة، ومن أجل لزومه ودوامه بعد الرابع عشر، عد من الأمراض المزمنة؛ ولهذا يقول الفقهاء: أول الفالج خطر.
وفلج الشخص - بالبناء للمفعول - فهو مفلوج؛ إذا أصابه الفالج.
«مصباح».
قوله: (والسل) مرض لا يكاد صاحبه يبرأ منه، وفي كتب الطب: أنه من أمراض الشباب؛ لكثرة الدم فيهم، وهو قروح تحدث في الرئة.
«مصباح».
قوله: (وما قال عدلان ... إلخ) أي: مسلمان لا واحد، ولو عدم غيره.
قوله: (إنه مخوف) اعلم: أنَّ المخوف ما يكثر حصول الموت عنده، لا ما يغلب على القلب الموت منه، أو يتساوى عنده الأمران، فإن ذلك ليس بقيدٍ؛ بدليل أنهم جعلوا ضرب المخاض مخوفاً، مع أن الهلاك ليس غالبا، ولا مساوياً للسلامة، كما في «الاختيارات».
قوله: (كوصية) أي: في أنها لا تصح لوارث بشيء غير الوقف للثلث فأقلَّ، ولا لأجنبي بزيادة على الثلث، إلا بإجازة الورثة فيهما، وفي أن فضيلتها

الجزء: 3 - الصفحة: 417

وَلَوْ عِتْقًا أَوْ مُحَابَاةً لَا كِتَابَةً أَوْ وَصِيَّةٍ بِهَا بِمُحَابَاةٍ ناقصة عن فضيلة الصدقة في الصحة، وفي أنها تتزاحم في الثلث، إذا وقعت دفعة كتزاحم الوصايا، وأن خروجها من الثلث يعتبر حال الموت لا قبله، ولا بعده، فلو أعتق في مرضه أمةً تخرج من الثلث حال العتق، لم يجز أن يتزوَّجها؛ لاحتمال أن لا تخرج كلها من الثلث عند الموت، وإن وهبها، حرم على المتهب وطؤها، حتى يبرأ، أو تخرج من الثلث عند موته، فقد علم أن العطية في مرض الموت المخوف تنفذ.
قوله أيضًا على قوله: (كوصية) أي: فتنفذ في الثلث فما دونه لأجنبي، وتقف على الإجازة فيما زاد عليه، (ولا تصح)، ولوارث بشيء مع التحريم إلا بالإجازة أو وقف الثلث.
قوله: (ولو عتقًا) أي: ولو كانت عطيته عتقًا، أو وقفًا.
قوله: (أو محاباة) كبيع شيء، أو إيجاره بدون ثمن المثل، وأجرته وشراء واستئجار بأكثر.
قوله أيضا على قوله: (أو محاباة) أي: أو عفوًا عن جنايةٍ توجب المال.
قوله: (لا كتابة أو وصية بها بمحاباة) أي: فإن المحاباة تكون من رأس المال فيهما.
هذا معنى كلامه في «الإنصاف» و «التنقيح» و «الإقناع» قال منصور البهوتي في «شرحه»: لكن كلام «المحرر» و «الفروع» والحارثي وغيرهم، يدل على أنَّ الذي يصح من رأس المال هو الكتابة

الجزء: 3 - الصفحة: 418

وَإِطْلَاقُهَا بِقِيمَتِهِ والْمُمْتَدَّةُ كَالسِّلِّ وَالْجُذَامِ وَالْفَالِجِ فِي دَوَامِهِ إنْ صَارَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ فَمَخُوفَةٌ.
وَإِلَّا فَلَا نفسها، لأنها عقد معاوضة، كالبيع من الغير.
قال الحارثي: ثم إن وجدت محاباة، فالمحاباة من الثلثِ.
وقد ناقش شارح «المنتهى» صاحب «الإنصاف»، وعارضه بكلام «المحرر» و «الفروع»، وذكر أنه لم يقف على كلام الحارثي، وقد ذكرته لك، فوقع الإشتباه على صاحب «الإنصاف» و «التنقيح» وتبعه من تبعه، والحق أحق أن يُتبع.
انتهى.
تتمة: الاستيلاد في مرض الموت المخوف لا يعتبر من الثلث؛ لأنَّه قبيل الاستهلاك في مهور الأنكحة، وطيبات الأطعمة، ونفائس الثياب، والأدوية، ويقبل إقرار المريض به.
قوله: (وإطلاقُها بقيمته) مبتدأ وخبر، يعني: أنه إذا أوصى بأن يكاتب عبده فلان، ولم يقل: بكذا، فإنه يكاتب بقدر ما يساوي ذلك العبد، فليس للوارث أن يطلب كتابته بأكثر من قيمته، ولا للعبد أن يطلب الكتابة بأقل، إلا بتراضيهما.
قوله: (كالسل) أي: في ابتدائه، لا في انتهائه، وحمى الربع، وهي: التي تأخذ يوماً، وتذهب يومين، وتعود في اليوم الرابع.

الجزء: 3 - الصفحة: 419

وَكَمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ مَنْ بَيْنِ الصَّفَّيْنِ وَقْتَ حَرْبٍ وَكُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُكَافِئٌ أَوْ مِنْ الْمَقْهُورَةِ وَمَنْ بِاللُّجَّةِ عِنْدَ الْهَيَجَانِ أَوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدِهِ أَوْ قُدِّمَ لِقَتْلٍ أَوْ حُبِسَ لَهُ وَأَسِيرٌ عِنْدَ مَنْ عَادَتُهُ الْقَتْلُ وَجَرِيحٌ مُوحِيًا مَعَ ثَبَاتِ عَقْلِهِ اعْهَدْ إلَى النَّاسِ.
فَعَهِدَ إلَيْهِمْ وَوَصَّى وَحَامِلٌ عِنْدَ مَخَاضٍ مَعَ أَلَمٍ حَتَّى تَنْجُوَ وَكَمَيِّتِ مِنْ ذَبْحٍ أَوْ أُبِينَتْ حُشْوَتُهُ وَلَوْ عَلَّقَ صَحِيحٌ عِتْقَ قِنِّهِ فَوُجِدَ فِي مَرَضِهِ الْمَخُوفِ فمِنْ ثُلُثِهِ.
قوله: (من بين الصفين) (من) مبتدأ، خبره (كمريضٍ).
قوله: (وقت حرب) أي: اختلاط الطائفتينِ للقتال، بخلاف مالو كان كلٌّ منهما متميزةً.
قوله: (وكل الطائفتين ... إلخ) سواء تباينتا في الدين، أو اتفقتا.
قوله: (ومن باللجة) بضم اللام: معظم الماء.
قوله: (عند الهيجان) أي: ثوران البحر بريحٍ عاصفٍ.
قوله: (أو قدم لقتل) قصاصا أو غيره؛ لظهور التلف وقربه.
قوله: (مع ثبات عقله) وإلا فلا حكم لكلامه.
قوله: (وحامل عند مخاض) - بفتح الميم، والكسر لغة- وجع الولادة، ومخضت المرأة وكل حامل، من باب: تعب: دنت ولادتها، وأخذها الطلق، فهي ما خض، بغير هاء.
قوله: (حتى تنجو) يعني: من نفاسها، ولو بسقط تام الخلق، فلا عبرة بمضغة، إلا أن يكون ثم مرض، أو ألم، فكمريض.
قوله: (أو أبينت) أي: فصلت، وأخرجت، لا إن شقت، وهي في البطن.
قوله: (حشوته) اي: أمعاؤه، بضمِّ الحاء وكسرها.
قوله: (فوجد في مرضه) أي: مرض موته المخوف، ولو بغير اختياره، كما في «الإقناع».
قوله: (فمن ثلثه) اعتباراً بزمن وجود الصفة.

الجزء: 3 - الصفحة: 420

وَتُقَدَّمُ عَطِيَّةٌ اجْتَمَعَتْ مَعَ وَصِيَّةٍ وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا مَعَ عَدَمِ الْإِجَازَةِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنَجَّزَةِ بَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ فَإِنْ وَقَعَتْ دَفْعَةً قُسِّمَ بَيْنَ الْجَمِيعِ بِالْحِصَصِ وَلَا يُقَدَّمُ عِتْقٌ وَأَمَّا مُعَاوَضَتُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَتَصِحُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَلَوْ مَعَ وَارِثٍ.
قوله: (وتقدم عطية ... إلخ) يعني: تقدَّمت، أو تأخَّرت.
قوله: (وإن عجز) يعني: الثلث.
قوله: (المنجزة) احترز به عن الوصية.
قوله: (بديء بالأول) يعني: عتقًا كان أو غيره، كما يأتي.
قوله: (دفعة) أي: بأن قبلها الكل معًا، أو وكلوا واحدًا قبل لهم بلفظٍ واحدٍ.
قوله أيضاً على قوله: (دفعة) هي بفتح الدال.
قال في «المصباح»: الدفعة بالفتح: المرة، وبالضم: اسم لما يدفع بمرة، يقال: دفعت من الإناء دفعة بالفتح بمعنى المصدر، وجمعها دفعات مثل سجدةٍ وسجدات، وبقي في الإناء دفعة بالضَّم، أي: مقدار ما يُدفع.
انتهى.
قوله: (قسم) أي: الثلث.
قوله: (وأما معاوضته) أي: في مرض موتِه المخوف.

الجزء: 3 - الصفحة: 421

وَإِنْ حَابَى وَارِثَهُ بَطَلَتْ فِي قَدْرِهَا وَصَحَّتْ فِي غَيْرِهِ بِقِسْطِهِ وَلَهُ الْفَسْخُ لِتَبَعُّضِ الصَّفْقَةِ فِي حَقِّهِ إلَّا إنْ كَانَ لَهُ شَفِيعٌ وَأَخَذَهُ وَلَوْ حَابَى أَجْنَبِيًّا وَشَفِيعُهُ وَارِثٌ أَخَذَ بِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ حِيلَةً لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ لِغَيْرِهِ وَإِنْ آجَرَ نَفْسَهُ وَحَابَى الْمُسْتَأْجِرَ صَحَّ مَجَّانًا.
قوله: (وإن حابى وارثه) اي: في نحو بيعٍ.
قوله: (بطلت) أي: المعاوضة.
قوله: (في قدرها) أي: المحاباة وحكمه كعطيةٍ.
قوله: (لا إن كان له شفيع ... إلخ) أي: لا فسخ للوارث المشتري بمحاباة، إن كان المبيع الذي وقعت فيه المحاباة شقصًا من عقارٍ فيه شفعة، كما لو باع المريض لوارثه نصف دارٍ، بين المريض وشخص آخر بمئة مثلا، وهو يساوي ثلاث مئة، فإنه يصح البيع في ثلث النصف، وهو سدس الدار بالمئة، فإذا أخذه الشفيع، فليس للمشتري فسخ البيع؛ لأنه لا فائدة فيه؛ لأن ما دفعه من الثمن يأخذه من الشفيع.
قوله: (ولو حابى) يعني: المريض.
قوله: (أجنبيا) أي: وخرجت المحاباة من الثلث، أو أجاز الورثة.
قوله: (أخذ) أي: الوراث.
وقوله: (بها) أي: بالشُّفعة.
قوله: (إن لم تكن حيلة) أي: على محاباة الوارث.
قوله: (لغيره) أي: غير الوارث.
قوله: (وإن آجر نفسه) من زيادتِهِ.
قوله: (مجانا) أي: بلا رد مستأجر لشيء من المدة، أو العمل وارثا كان، أو غيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 422

وَيُعْتَبَرُ ثُلُثُهُ عِنْدَ مَوْتٍ فَلَوْ أَعْتَقَ مَا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ثُمَّ مَلَكَ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ تَبَيُّنًا عَتَقَهُ كُلَّهُ وَإِنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ فصل تفارق العطية الوصية في أربعة: أَنْ يُبْدَأَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا وَالْوَصِيَّةُ يُسَوَّى بَيْنَ مُتَقَدِّمِهَا وَمُتَأَخِّرِهَا الثَّانِي: لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي الْعَطِيَّةِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ.
قوله: (عند موت) أي: لا عند تصرف.
قوله: (فلو عتق) فيه استعمال المجرد متعديًا.
فصل حكم العطية في مرض الموت المخوف، حكم الوصية في أشياء، كما تقدم، منها: أنه يقف نفوذها على خروجها من الثلث، أو إجازة الورثة.
ومنها: أنها لا تصح لوارثٍ، إلا بإجازة الورثة.
ومنها: أن فضيلتها ناقصةٌ عن فضيلة الصدقة في الصحة.
ومنها: أنها تتزاحم في الثلث إذا وقعت دفعة واحدة.
ومنها: أن خروجها من الثلث يُعتبر حال الموت.
قوله: (في أربعة) أي: أربعة أحكام.
قوله: (أنه لا يصح الرجوع في العطية) يعني: بعد لزومها بالقبض، وإن كثرت.

الجزء: 3 - الصفحة: 423

الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَبُولُ عَطِيَّةٍ عِنْدَهَا وَالْوَصِيَّةُ بِخِلَافِهَا الرَّابِعُ: أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي عَطِيَّةٍ مِنْ حِينِهَا مُرَاعًى فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ ثُلُثِهِ عِنْدَ مَوْتٍ تَبَيُّنًا أَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا فَلَوْ أَعْتَقَ أَوْ وَهَبَ قِنًّا فِي مَرَضِهِ فَكَسَبَ ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ فَخَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ فَكَسْبُ مُعْتَقٍ لَهُ ومَوْهُوبٍ لِمَوْهُوبٍ لَهُ وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ فَلَهُمَا مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِهِ فَلَوْ أَعْتَقَ الْمَرِيضُ قِنًّا لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ فَكَسَبَ مِثْلَ قِيمَتِهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ فقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ تنبيه: تخالف العطية الوصية أيضاً في أنها لا يصح تعليقها بشرط، إلا العتق.
قاله في «حاشية الإقناع».
قوله: (من حينها) أي: بشروطها؛ لأنها إن كانت هبة، فمقتضاها تمليكه الموهوب في الحال، كعطية الصحة، وكذا إن كانت محاباة أو إعتاقاً.
قوله: (مراعى) لأنا لا نعلم هل هو مرض الموت، أو لا؟ ولا نعلم هل يستفيد مالا، أو يتلف شيء من ماله؟ فتوقفنا؛ لنعلم عاقبة أمره، لنعمل بها.
قوله: (فلهما) أي: العتيق والموهوب له.
قوله: (فقد عتق منه شيء ... إلخ) ضابط ذلك أن تقول: عتق منه شيء، وللورثة مثلا ما عتق منه، وهو شيئان، وله من كسبِهِ شيء إن كسب مثل قيمته، وشيئان إن كسب مثلي

الجزء: 3 - الصفحة: 424

وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ فَصَارَ وَكَسْبُهُ نِصْفَيْنِ يُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا وَإِنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ صَارَ لَهُ شَيْئَانِ وَعَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ يُعْتَقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ قيمته، وثلاثة أشياء إن كسب ثلاثة أمثال قيمته، ونصف شيء إن كسب مثل نصف قيمته، وعلى هذا أبدًا، ثم تجمع الأشياء، فتقسم قيمة العبد وكسبه عليها، فما خرج فهو الشيء.
فلو أعتق عبدًا لا مال له سواه، قيمته مئة، فكسب ثلاث أمثال قيمته، فقد عتق منه شيء، لورثة سيده شيئان مثلا ما عتق منه، وله من كسبه ثلاثة أشياء، ثم تجمع الأشياء، فتبلغ ستةً، فاقسم عليها قيمة العبد، وكسبه -وذلك أربع مئة- يخرج الشيء ستة وستين وثلثين، فقد عتق منه شيء، وهو ثلثا قيمته، ولورثة سيده شيئان مثلا ما عتق منه، وله من كسبه ثلاثة أشياء، وهي ثلثا كسبه.
ذكره في «المبدع».
قاله في «حاشية الإقناع».
قوله: (وللورثةِ شيئان) أي: منه، ومن كسبه.
قوله: (فصار وكسبه نصفين) لأن العبد لما استحق بعتقه شيئاً، وبكسبه شيئًا، كان له في الجملة شيئاً، وللورثة شيئان.
قوله: (وله نصف كسبه) أي: غير محسوب عليه؛ لأنه استحقه بجزئه الحر، لا من جهة سيِّده.

الجزء: 3 - الصفحة: 425

وَإِنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ نِصْفُ شَيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ فَيُعْتَقُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ وَفِي هِبَةٍ لِمَوْهُوبٍ لَهُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ وَبِقَدْرِهِ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنْ أَعْتَقَ أَمَةً ثُمَّ وَطِئَهَا وَمَهْرُ مِثْلِهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا فَكَمَا لَوْ كَسَبَتْهُ يُعْتَقُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا وَلَوْ وَهَبَهَا لِمَرِيضٍ آخَرَ لَا مَالَ لَهُ فَوَهَبَهَا الثَّانِي لِلْأَوَّلِ صَحَّتْ هِبَةُ الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ وَعَادَ إلَيْهِ بالثَّانِيَةِ ثُلُثُهُ بَقِيَ لِوَرَثَةِ الْآخَرِ ثُلُثَا شَيْءٍ وَلِ الْأَوَّلِ شَيْئَانِ فَلَهُمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا وَلِوَرَثَةِ الثَّانِي رُبْعُهَا قوله: (ولورثة الثاني ربعها) وطريقها بالجبر أن تقول: صحَّت هبة الأول في شيء من الجارية، فبقيت جارية إلا شيئاً، وصحت هبة الثاني في ثلث الشيء، يبقى مع الأول جارية إلا ثلثي شيء، يعدل ضعف ما صحت فيه هبته -وهو شيء- وضعفه شيئان، فتجبر الجارية بزيادة ثلثي شيء، وتقابل بزيادتهما على الشيئين، فتبقى جارية كاملة، تعدل شيئين وثلثي شيء، فتقسم الجارية على الأشياء، فتقول: واحد على اثنين وثلثين، يخرج ثلاثة أثمان، وهو الشيء الذي صحت فيه هبة الأول، فيبقى معه خمسة أثمان الجارية،

الجزء: 3 - الصفحة: 426

وَإِنْ بَاعَ قَفِيزًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ يُسَاوِي عَشَرَةَ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ فَأَسْقِطْ قِيمَةَ الرَّدِيءِ مِنْ قِيمَةِ الْجَيِّدِ ثُمَّ اُنْسُبْ الثُّلُثَ إلَى الْبَاقِي وَهُوَ عَشَرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ تَجِدْهُ نِصْفَهَا وصحت هبة الثاني في ثلث ثلاثة الأثمان، فيجتمع مع ورثة الأوَّل ستة أثمان، وهي ضعف ما صحت فيه هبةُ الأوَّل، ومع ورثةِ الثاني ثمنان، وهما ضعف ما صحت فيه هبة الثاني.
قوله: (وإن باع قفيزًا لا يملك غيره ... إلخ) طريق هذه المسألة بالجبر، كما في «الإقناع» وغيره أن تقول: صحَّ البيع في شيء من الجيد بشيء من الرديء، وقيمة ذلك الشيء الذي صح فيه العقد من الرديء، ثلث قيمة شيء من الجيد، فتكون المحاباة بثلثي شيء من الجيد، فألقها منه يبقى قفيز إلا ثلثي شيء يعدل مثلي المحاباة الباقين للورثة من هذا الجيد، وقد عرفتَ أنَّ المحاباة ثلثا شيء، فمثلاها شيء وثلث شيء، فتقول: قفيز إلا ثلثي شيء يعدل شيئاً وثلث شيء، فتجبر بإزالة الاستثناء، وتقابل؛ بأن تزيد نظير المستثنى على الطرف الآخر، فيصير هكذا: قفيزٌ: يعدل شيئين، والقفيز على ما قابله، فيخرج الشيء نصف القفيز الجيد، وهو الذي صحَّ فيه البيع بنصف القفيز الرديء، وحصلت فيه المحاباة بثلثي شيء، أعني: بالعشرة، والله أعلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 427

فَيَصِحُّ فِي نِصْفِ الْجَيِّدِ وَبِنِصْفِ الرَّدِيءِ وَيَبْطُلُ فِيمَا بَقِيَ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى رِبَا الْفَضْلِ فَلَوْ لَمْ يُفْضِ كَعَبْدٍ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِعَبْدٍ يُسَاوِي عَشَرَةً صَحَّ بَيْعُ ثُلُثِهِ بِالْعَشَرَةِ وَالثُّلُثَانِ كَالْهِبَةِ لِلْمُبْتَاعِ نِصْفَهُمَا لَا إنْ كَانَ وَارِثًا وَإِنْ أَقَالَ مَنْ أَسْلَفَهُ عَشَرَةَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ قوله: (فيصح في نصف الجيد بنصف الرديء) لأن ذلك مقابلة بعض المبيع بقسطه من الثمن عند تعذر أخذ جميعه بجميع الثمن، أشبه ما لو اشترى سلعتين بثمنٍ، فانفسخ البيع في إحداهما بعيبٍ أو غيره.
قوله: (وإن أقال ... إلخ) أي: المريض شخصًا ... إلخ فـ (من) مفعول، كما يقتضيه حل المصنف لا فاعل، كما هو صريح الشيخ منصور البهوتي.
والحاصل: أن فاعل (أقال) هو المريض.
وهو فاعل (سلف) أيضًا، وأما (من) فهي واقعة على غير المريض، أعني: على المحابى اسم مفعول.
والتقدير: وإن أقال المريض شخصًا سلفه المريض، أو الشخص الذي سلفه المريض ... إلخ، فالصفة، أو الصلة جارية على غير من هي له، ومع ذلك لم يبرز الضمير، لأن العامل فعل، لا يجب الإبراز باتفاق البصريين والكوفيين.
قوله: (في كرِّ حنطةٍ) الكر جمعه أكرار، كقفلٍ وأقفالٍ: وهو ستون قفيزاً،

الجزء: 3 - الصفحة: 428

وَقِيمَتِهِ عِنْدَ الْإِقَالَةِ ثَلَاثُونَ صَحَّتْ فِي نِصْفِهِ بِخَمْسَةٍ وَإِنْ أَصْدَقَ امْرَأَةً عَشَرَةً لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا وَصَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ فَمَاتَتْ ثُمَّ مَاتَ فلَهَا بِالصَّدَاقِ خَمْسَةٌ وشَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ رَجَعَ إلَيْهِ نِصْفُهُ بِمَوْتِهَا صَارَ لَهُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ اُجْبُرْهَا بِنِصْفِ شَيْءٍ وَقَابِلِ مَخْرَجُ الشَّيْءِ ثَلَاثَةٌ فَلِوَرَثَتِهِ سِتَّةٌ وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا وَرِثَتْهُ وَسَقَطَتْ الْمُحَابَاةُ وَمَنْ وَهَبَ زَوْجَتَهُ كُلَّ مَالِهِ فِي مَرَضِهِ فَمَاتَتْ قَبْلَهُ فَلِوَرَثَتِهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ وَلِوَرَثَتِهَا خُمُسُهُ والقفيز ثمانية مكاكيك.
والمكوك: صاع ونصف.
«مصباحٌ».
قوله: (رجع إليه نصفه) أي: نصف ما حصل لها، وهو خمسة وشيء.
قوله: (اجبرها) أي: السبعة وما معها؛ بأن تكمل هذا الطرف، وتزيل الاستثناء منه، فيصير سبعةً ونصفًا.
وقوله: (وقابل) أي: بأن تزيد مثل المستثنى على الطرف الآخر، وهو الشيئان، فيصير شيئين ونصفًا، فترجع إلى البسيطة الثالثة.
قوله: (ومن وهب زوجته ... إلخ) طريقها بالجبر أن تقول: صحَّت الهبة في شيء من المال، وعاد إليه نصفه بالإرث، فيبقى لورثتها نصف شيء، ولورثته المال كلُّه إلا نصف شيء، وذلك يعدل شيئين لأننا صححنا الهبة في شيء

الجزء: 3 - الصفحة: 429

فصل ولو أقر في مرضه أَنَّهُ أَعْتَقَ ابْنَ عَمِّهِ أَوْ نَحْوَهُ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَلَكَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِهِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ عَتَقَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَوَرِثَ فَلَوْ اشْتَرَى ابْنَهُ وَنَحْوَهُ بِمِائَةٍ ويُسَاوِي أَلْفًا فَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَالثَّمَنُ وَثَمَنُ كُلِّ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنْ ثُلُثِهِ وَيَرِثُ فيكون لورثته مثلا ذلك؛ لأن الهبة استقرَّت في ثلث المال، وبقي لورثته ثلثاه، فإذا كان الثلث شيئاً، فالثلثان شيئان، فاجبر المال بنصف شيء؛ بأن تزيل الاستثناء، وقابل؛ بأن تزيد على ما يعادله نصف شيء مثل ما جبرت به، يصير المال كله يعدل شيئين ونصف شيء، والمال هنا قدر من العددِ، لا المال المصطلح عليه عند الجبريين الذي هو المجذور القائم من ضرب الشيء في نفسه، فتقول: مال، أي: عدد يعدل شيئين ونصف شيء، وذلك من الضرب الثالث من الأضرب البسيطة، فتقسم على الأشياء، يخرج الشيء خمسي المال، وقد علمت أنه عاد للزوج منه بالإرث نصفه، فيبقى لورثتها نصفه، وهو خمس المئة، والأربعة الأخماس الباقية لورثةِ الزوج، كما قال المصنف، والله تعالى أعلم.
قوله: (أو نحوه) بالنصب، كما رأيته بخطِّه، ويمثل بابن خاله، ويحتمل أن يكون مجرورا، ويمثَّل بخالهِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 430

فَلَوْ اشْتَرَى أَبَاهُ بِكُلِّ مَالِهِ وَتَرَكَ ابْنًا عَتَقَ ثُلُثُ الْأَبِ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَهُ وَلَاؤُهُ وَوَرِثَ بِثُلُثِهِ الْحُرِّ مِنْ نَفْسِهِ ثُلُثَ سُدُسِ بَاقِيهَا الْمَرْقُوقِ وَلَا وَلَاءَ عَلَى هَذَا الْجُزْءِ وَبَقِيَّةُ الثُّلُثَيْنِ تَعْتِقُ عَلَى الِابْنِ وَلَهُ وَلَاؤُهَا وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ تِسْعَةَ دَنَانِيرَ وَقِيمَتُهُ سِتَّةٌ تَحَاصَّا فَكَانَ ثُلُثُ الثُّلُثِ لِلْبَائِعِ مُحَابَاةً وَثُلُثَاهُ لِلْأَبِ عِتْقًا يُعْتَقُ بِهِ ثُلُثُ رَقَبَتِهِ وَيَرُدُّ الْبَائِعُ دِينَارَيْنِ وَيَكُونُ ثُلُثَا الْأَبِ مَعَ الدِّينَارَيْنِ مِيرَاثًا وَإِنْ عَتَقَ عَلَى وَارِثِهِ صَحَّ وَعَتَقَ عَلَيْهِ وَإِنْ دَبَّرَ ابْنَ عَمِّهِ وَنَحْوَهُ عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْ قوله: (تحاصا) أي: البائع والأب، يعني: أنَّه قد حصل من المريض عطيتان، محاباة البائع، بثلث المال، وعتق الأب، فيتحاصَّان لتقارنهما؛ لأن ملك المريض لأبيه مقارن لملك البائع لثمنه.
وقوله: (ميراثاً) أي: للابن.
قاله في «شرحه».
قال منصور البهوتيُّ: وفيه نظر، بل للأب بثلثه الحر ثلث السدس، والباقي للابن على ما تقدم.
انتهى.
قوله: (عتق على وراثه) أي: المريض دون الوارث؛ بأن كان الرقيق أخا لابن عم المريض الوارث له، فاشتراه عتق على الوارث؛ لأنه أخوه، ولم يرث معه.

الجزء: 3 - الصفحة: 431

وأَنْتَ حُرٌّ آخِرَ حَيَاتِي عَتَقَ وَوَرِثَ بِخِلَافِ مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِمَوْتِ قَرِيبِهِ وَلَيْسَ عِتْقُهُ وَصِيَّةً لَهُ وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ وَتَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ وَرِثَتْهُ وَتَعْتِقُ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَإِلَّا عَتَقَ بِقَدْرِهِ وَبَطَلَ النِّكَاحُ وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَأَصْدَقَهَا مِائَتَيْنِ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا وَهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا ثُمَّ مَاتَ صَحَّ الْعِتْقُ وَلَمْ تَسْتَحِقَّ الصَّدَاقَ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا ثُمَّ يَبْطُلُ صَدَاقُهَا وَلَوْ تَبَرَّعَ بِثُلُثِهِ ثُمَّ اشْتَرَى أَبَاهُ وَنَحْوَهُ مِنْ الثُّلُثَيْنِ صَحَّ الشِّرَاءُ قوله: (آخر حياتي ... إلخ) إنما ورث هنا؛ لحصول الحرية قبل الموت، فالحرية قد سبقت هنا الإرث بخلاف التي بعدها، فإن الحرية لم تحصل قبل الموت، بل قارنت الإرث ولم تسبقه، فهي كما إذا دبر ابن عمه ونحوه.
كما تقدم.
قوله: (وبطل النكاح) أي: تبينا بطلانه؛ لأنه نكح مبعَّضة يملك بعضها، فيبطل إرثها؛ لبطلان سببه وهو النكاح.
قوله: (ولم تستحق الصداق) ويعايا بها فيقال: امرأة تزوجت بصداق مقدر في نكاح صحيح، ودخل بها ولم تستحق الصداق من غير أن يوجد منها ما يسقطه؟ ! ويمثل به أيضا للدين الذي يسقط بلا إسقاطٍ، ولا تعويضٍ، فتسقط زكاته، كما تقدم في الزكاة.

الجزء: 3 - الصفحة: 432

وَلَا عِتْقَ فَإِذَا مَاتَ عَتَقَ عَلَى وَارِثِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَا إرْثَ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ فِي حَيَاتِهِ قوله: (ولا عتق) يعايا بذلك فيقال: شخص ملك أبا، أو ابنه ونحوهما، ولم يعتق عليه واحد منهم؟ ! وإنما كان كذلك؛ لسبق التبرع بالثلث.

الجزء: 3 - الصفحة: 433

صفحة فارغة

الجزء: 3 - الصفحة: 434

كتاب الوصية: الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ وبِمَالٍ التَّبَرُّعُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَا تُعْتَبَرُ فِيهَا الْقُرْبَةُ وَتَصِحُّ مُطْلَقَةً ومُقَيَّدَةً مِنْ مُكَلَّفٍ لَمْ يُعَايِنْ الْمَوْتَ

فصول الكتاب · 37 فصل
جارٍ التحميل