حاشية ابن قائد على منتهى الإراداتكتاب الغصب
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الغصب: مصدر غصب يغصب، من باب: ضرب يضرب، وهو لغة: أخذ الشيء ظلما.
قاله الجوهري، وابن سيده.
وشرعًا: ما ذكره المصنف.
والغصب حرام إجماعا، بالكتاب والسنة؛ لقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) [البقرة: 188] وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امريء مسلم إلا عن طيب نفس».
رواه ابن ماجه، والدارقطني.
قوله: (استيلاء غير حربي ... إلخ) أي: التمكنُ والغلبةُ بفعل يعد استيلاء.
قوله: (على حق غيره ... إلخ) حقُّ الغير شامل الملك والاختصاص، وهو ما يستحق من يده عليه الانتفاع به، ولا يملك أحد مزاحمته فيه، مع عدم قَبول للتمول والمعاوضة.
قوله: (قهرًا) حال خرج به الاختلاس، والنَّهب، والسرقة؛ لعدمِ القهر فيها.
قوله: (بغير حق) ومنه المأخوذ مكساً ونحوه، وخرج به استيلاء الولي على مال موليه، فإنه بحقٍّ؛ وكذا الشفعة.
قوله: (ويضمن عقار) قال الجوهري: : العقار بالفتح: الأرض، والضياع، والنخل.
«مطلع».
ولعلَّ المراد به هنا: كل ما لم ينقل.
قاله في «الحاشية».

الجزء: 3 - الصفحة: 159

وقِنٌّ بِغَصْبِهِ لَكِنْ لَا تَثْبُتُ عَلَى بُضْعِ أَمَةٍ فَيَصِحُّ تَزْوِيجُهَا وَلَا يَضْمَنُ نَفْعَهُ وَإِنْ غَصَبَ خَمْرَ مُسْلِمٍ ضَمِنَ مَا تَخَلَّلَ بِيَدِهِ لَا مَا تَخَلَّلَ مِمَّا جَمَعَ بَعْدَ إرَاقَةٍ قوله: (وقن) ذكرًا كان أو أنثى، ولو مكاتبًا أو مدبرًا، أو معلقًا عتقه بصفة.
قوله (على بضع) البضع بضم الباء، وجمعه أبضاع، كقفل وأقفال: يطلق على الفرج والجماع والتزويج.
والبِضاعُ: الجماع لفظًا ومعنى.
ذكره الحجاوي في «حاشيته» نقله عنه في «شرح الإقناع»، رحمهما الله تعالى.
قوله: (فيصح تزويجها) ولو أم ولد.
قوله: (ولا يضمن نفعه) لأنه لا تصح المعاوضة بالإجارةِ عليه، ولو حبسَها حتى فات النكاح بالكبر.
قوله: (ما تخلَّل بيده) يعني: إن تلف قبل ردِّه، وإلا وجب رده بعينه؛ لأن يدَ الأول لم تزل بالغصب، فكأنها تخللت في يده، وكذلك خمر الذمي بلا ولي؛ لوجوب ردِّها قبل التخلُّل حيث كانت مستترة، وكونها مالا بعد التخلل مطلقا.
فقوله: (مسلم) ليس بقيدٍ في ذلك، والله أعلم.
قوله: (بعد إراقةٍ) لزوال اليد إذن، ولعلَّ المراد: غير خلال.
قاله في «شرح الإقناع».

الجزء: 3 - الصفحة: 160

وَتُرَدُّ خَمْرُ ذِمِّيٍّ مُسْتَتِرَةً كَخَمْرِ خَلَّالٍ وكَلْبٌ يُقْتَنَى لَا قِيمَتُهَا مَعَ تَلَفٍ وَلَا جِلْدِ مَيْتَةٍ غُصِبَ ; لِأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِدَبْغٍ وَلَا يَضْمَنُ حُرٌّ بِاسْتِيلَاءٍ عَلَيْهِ وَتُضْمَنُ ثِيَابُ حُرٍّ صَغِيرٍ وَحُلِيُّهُ لَا دَابَّةٌ عَلَيْهَا مَالِكُهَا الْكَبِيرُ وَمَتَاعُهُ وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ كُرْهًا أَوْ حَبَسَهُ مُدَّةً فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ لَا إنْ مَنَعَ وَلَوْ قِنًّا: الْعَمَلَ مِنْ غَيْرِ حَبْسٍ قوله: (وترد ... إلخ) أي: وكذا لو غصب دهنًا متنجسًا، لأنه يجوز الإستصباح به في غير مسجدٍ.
قاله في «شرح الإقناع».
والظاهر: أنَّ مثل ذلك، جلد ميتة دبغ ثم غصب للانتفاع به في اليابسات.
قوله: (مع تلف) أي: تلف الخمر والكلب، ولو كان المتلف لهما ذمياً.
قوله: (ولا جلد ميتة ... إلخ) فإن دبغه غاصب ردَّه، كما في «تصحيح الفروع».
قوله: (ولا يضمن حر باستيلاء عليه) كبيرًا أو صغيرًا، بأن حبسه، ولم يمنعه الطعام والشراب، فمات عنده؛ لأنه ليس بمال، لكن لو بعد حرًا صغيرا أو مجنونا عن بيت أهله، لزمه رده، ومؤنته عليه.
قوله: (لا دابة ... إلخ) من زيادته على «الإقناع».
قوله: (وإن استعمله كرهًا ... إلخ) يعني: في خدمةٍ وخياطةٍ، ونحوهما.
قوله: (مدة) يعني: لها أجرةٌ.

الجزء: 3 - الصفحة: 161

وَلَا يُضْمَنُ رِبْحٌ فَاتَ بِحَبْسِ مَالِ تِجَارَةٍ فَصْلٌ: وعَلَى غَاصِبٍ رَدُّ مَغْصُوبٍ إلَى مَحَلِّهِ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَوْ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ لِكَوْنِهِ بُنِيَ عَلَيْهِ أَوْ بَعُدَ أَوْ خُلِطَ بِمُتَمَيِّزٍ وَنَحْوِهِ وَإِنْ قَالَ رَبُّ عَبْدٍ دَعْهُ وَأَعْطِنِي أُجْرَةَ رَدِّهِ إلَى بَلَدٍ غَصْبِهِ لَمْ يَجِبْ قوله: (ولا يضمن ربح فات ... إلخ) من زيادته على «الإقناع»، كعبد يريد سيده تعليمه صناعةً.
قوله: (مال تجارة) يعني: ولم يربح فيه غاصب.
قوله: (رد مغصوب) يعني: إلى محله.
قوله: (قدر عليه) بأن كان باقياً.
قوله: (أو خلط بمتميِّز) كسمسم ببر أو شعيرٍ.
قوله: (ونحوه) كانفلات حيوانٍ غصبه بموضع يعسر مسكه فيه، ويحتاج فيه إلى أجرةٍ، فعلى غاصبٍ.
قوله: (لم يجب) كذا بضبطه، أي: لم يلزم الغاصب أن يجيبه إلى ذلك، وكذا لو بذل لمالك أكثر من القيمة، ولا يرد؛ لأن ذلك معاوضة، فتكون برضاهما، وإن أراد مالك من غاصب رده إلى بعضِ الطريق فقط، لزمه، كمدين أسقط عنه رب الدين بعضَه، وطلب باقيه، وكذا إن طلب مالك إبقاءه بمحله.

الجزء: 3 - الصفحة: 162

وَإِنْ سَمَّرَ بِالْمَسَامِيرِ بَابًا قَلَعَهَا وَرَدَّهَا وَإِنْ زَرَعَ الْأَرْضَ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا بَعْدَ حَصْدِ إلَّا الْأُجْرَةُ وَيُخَيَّرُ قَبْلَهُ بَيْنَ تَرْكِهِ إلَيْهِ بِأُجْرَتِهِ أَوْ تَمَلُّكِهِ بِنَفَقَتِهِ وَهِيَ مِثْلُ الْبَذْرِ، وَعِوَضُ لَوَاحِقِهِ قوله: (وإن سمر) كضرب: شد بها.
«مطلع».
قوله: (باباً) أو غيره.
قوله: (قلعها) أي: وجوباً.
قوله: (إلا الأجرة) أي: أجرة المثل من وضع يده على الأرض إلى ردِّها، وليس له تملك الزرع بعد حصاده؛ لأنه انفصل عن ملكه، كغرسٍ قلعه.
قول: (أوتملكه بنفقته ... إلخ) ولا أجرة لمكثه في الأرض إذن، ويزكيه رب الأرض إذن، ولو بعد اشتداده، كما تقدم في الزكاة، ، وفصل في «الإقناع»؛ فجعلها على رب الأرض إن أخذه قبل وجوب الزكاة، وعلى الغاصب إن أخذها بعده.
قال في «شرح الإقناع» تأييدًا لما ذهب إليه المصنف، كـ «التنقيح»: ويفرق بين رب الأرض والمشتري؛ بأنَّ رب الأرض يتملكه بنفقته، فملكه مستندٌ إلى أول وجوده، بخلاف المشتري.
انتهى.
قوله: (وعوض لواحقة) من حرثٍ وسقي ونحوهما، ولو فعله غاصبٌ بنفسِه.

الجزء: 3 - الصفحة: 163

وَإِنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى فِيهَا أُخِذَ بِقَلْعِ غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهِ وتَسْوِيَتِهَا وَأَرْشِ نَقْصِهَا وَأُجْرَتِهَا حَتَّى وَلَوْ كَانَ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ أَوْ لَمْ يَغْصِبْهَا قوله: (أخذ بقلع غرسه ... إلخ) أي: ألزم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «ليس لعرق ظالم حق».
رواه الترمذي، وحسَّنه، وهو على وصف «العرق» بـ «الظلم»، لا على الإضافة قاله الحارثي.
وهذا الحديث محمول على الشجر؛ ليحصل الجمع بينه وبين قوله عليه الصلاة والسلام: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء وله نفقته».
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه.
في «المصباح»: وقوله عليه الصلاة والسلام: «ليس لعرق ظالم حق» قيل: معناه: لذي عرق ظالم، وهو الذي يغرس في الأرض على وجه الاغتصاب، أو في أرض أحياها غيره؛ ليستوجبها هو لنفسِه، فوصف العرق بالظلم مجازًا؛ ليعلم أنَّه لا حرمة له، حتى يجوز للمالك الاجتراء عليه بالقلع إذا امتنع منه صاحبه، كما يجوز الاجتراء على الرجل الظالم، فيرد ويمنع وإن كره ذلك.
انتهى.
قوله: (وأرش نقصها) حتى لو ترك زرعها، فنقصت، كأراضي البصرة.

الجزء: 3 - الصفحة: 164

لَكِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ وَلَا يَمْلِكُ أَخْذَهُ بِقِيمَتِهِ وَإِنْ وَهَبَ لِمَالِكِهَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ وَرُطَبُهُ وَنَحْوُهَا كَزَرْعٍ لَا غَرْسٍ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ أَثْمَرَ مَا غَرَسَهُ غَاصِبٌ فِي مَغْصُوبٍ وَمَتَى كَانَتْ آلَاتُ الْبِنَاءِ مِنْ مَغْصُوبٍ فأُجْرَتُهَا مَبْنِيَّةً وَلَا يَمْلِكُ قوله: (ولا يملك أخذه بقيمتِه) ولو نقصت بقلعه.
قوله: (ونحوُها) مما يتكرر حمله، كقثاء وبامياء غير منسيةٍ.
قوله: (كزرعٍ) فيخير فيه رب أرض.
قال في «الحاشية»: لكن لو كان الغاصب أخذ منه جزَّةً أو لقطة فأكثر، فهل يمتلَّكه بجميع عوض اللواحِق، أو يحتسب عليه قيمة ما أخذه، أو يكون ذلك مانعًا من التملكِ؟ لم أر فيه نقلاً.
انتهى.
أقول: مقتضى قولِهم: له أخذه إذا أدركه قائمًا؛ أنه لا فرق في ذلك بين ما إذا كان الغاصبُ قد أخذ منه لقطة أو جزة أو لا، ومقتضى القول ملك صاحب الأرض إذا تملك الزرع، فإنه يستند إلى بذره في الأرض، حتى إنه يزكيه، ولو تملكه بعد الاشتداد، كما مشى عليه المصنف في الزكاة تبعا «للتنقيح»؛ أنه حيث تملكه بعد أخذ الغاصب جزة أو لقطة، فإنه يرجع بذلك على الغاصب؛ لأنَّ ملكه استند إلى أول وضعه في الأرض.
فتدبر.
قوله: (لا غرسٍ) فإن أثمر، كان الثمر لغاصب ولو قبل جذاذٍ.
قوله: (من مغصوبٍ) بأن ضرب من ترابه لبنًا، وبنى به بيتاً فيها.
قوله: (مبنيَّةً)

الجزء: 3 - الصفحة: 165

هَدْمَهَا.
وَإِلَّا فأُجْرَتُهَا فَلَوْ أَجَّرَهُمَا فَالْأُجْرَةُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِمَا وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا وَغِرَاسًا مَنْقُولًا مِنْ وَاحِدٍ فَغَرَسَهُ فِيهَا لَمْ يَمْلِكْ قَلْعَهُ وَعَلَيْهِ إنْ فَعَلَ أَوْ طَلَبَهُ رَبُّهُمَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ تَسْوِيَتُهَا ونَقْصِهَا ونَقْصِ غِرَاسٍ وَإِنْ غَصَبَ خَشَبًا فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً قُلِعَ وَيُمْهَلُ مَعَ خَوْفٍ لأنها ملكه لا يملك هدمها إن أبرأه ... إلخ، مما تلف بها.
قوله: (وإلا) أي: وإلا تكن آلات البناء من مغصوب.
قوله: (بقدر قيمتهما) أي: توزَّع بالمحاصَّة بقدر أجرة مثل الأرض وأجرة البناء.
قوله: (عليه إن فعل) أي: بغير إذن مالك.
قوله: (لغرض صحيح) بأن كان لا ينتج مثله في الأرض.
قوله: (ونقصها) أي: أرشه.
قوله: (ونقص غراس) وإن غصب أرضاً لرجل وغراسًا من آخر، وغرسه فيها، فكما لو حمله السَّيل إليها، فإذا قلنا: ليس له قلعة مجاناً، وغرم أرش النقص، رجع رب الأرض به على الغاصب؛ لتسببه في غرمه، وكذا لو زرع المغصوبة ببذر الغير، وقلنا: يبقى بأجرة مثله، فهي على غاصبه، هذا حاصل كلام المجد، كما أشار إليه في «شرح الإقناع».
قوله: (ويمهل مع خوفٍ)

الجزء: 3 - الصفحة: 166

حَتَّى تَرْسِى.
فَإِنْ تَعَذَّرَ فَلِمَالِكِ أَخْذُ قِيمَتِهِ وَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ إلَيْهِ ونَقْصِهِ وَإِنْ غَصَبَ مَا خَاطَ بِهِ جُرْحَ وَخِيفَ بِقَلْعِهِ ضَرَرُ آدَمِيٍّ أَوْ تَلَفُ غَيْرِهِ فقِيمَتُهُ وَإِنْ حَلَّ لِغَاصِبٍ أُمِرَ بِذَبْحِهِ وَيَرُدُّهُ كَبَعْدَ مَوْتِ غَيْرِ آدَمِيٍّ كما لو كان المغصوب في محل لو قلع منه دخل الماء السفينة وهي في اللجة، سواء كان فيها ملكٌ للغاصب أو لغيره، من حيوان، وغيره، أما لو كانت على الساحل أو كان أعلاها، فإنه يؤخذ حيث كان، ولصاحب اللوح طلب قيمته حيث تأخر القلع، كما أشار إلى ذلك المصنف بقوله: (فإن تعذر ... إلخ) فإذا أمكن ردُّ اللوح، فعل، وردَّت القيمة.
قوله: (حتى ترسى) من أرسيت السفينة: حبستها بالمرساة.
قوله: (فإن تعذر) يعني: الإرساء في زمنٍ يسيرٍ؛ لبُعد البرِّ.
قوله: (أخذُ قيمتِه) يعني: حين التعذر بدليل الأرش.
قوله: (إليه) أي: إلى آخذ القيمة.
قوله: (محترم) من آدمي أو غيره، بخلاف نحو مرتدٍّ وخنزيرٍ.
قوله: (أو تلف غيره) أي: موت.
قوله: (وإن حل لغاصب) كشاته، وإلا بأن كان لغيره، أو له، لكن لا يؤكل، لم يذبح، فتجب القيمة.
قوله: (أمر بذبحه) يعني: ولو نقصت به قيمته أكثر من قيمة الخيط، أو لم يكن معدًا لأكل، كخيل.
قاله في «الحاشية».

الجزء: 3 - الصفحة: 167

وَمَنْ غَصَبَ جَوْهَرَةً فَابْتَلَعَتْهَا بَهِيمَةٌ فَكَذَلِكَ وَلَوْ ابْتَلَعَتْ شَاةُ شَخْصٍ جَوْهَرَةَ آخَرَ غَيْرَ مَغْصُوبَةٍ وَلَا تَخْرُجُ إلَّا بِذَبْحِهَا وَهُوَ أَقَلُّ ضَرَرًا ذُبِحَتْ وَعَلَى رَبِّ الْجَوْهَرَةِ مَا نَقَصَ بِهِ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ رَبُّ الشَّاةِ بِكَوْنِ يَدِهِ عَلَيْهَا وَإِنْ حَصَلَ رَأْسُهَا بِإِنَاءٍ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِذَبْحِهَا أَوْ كَسْرِهِ وَلَمْ يُفَرِّطَا كُسِرَ وَعَلَى مَالِكِهَا أَرْشُهُ وَمَعَ تَفْرِيطِهِ تُذْبَحُ بِلَا ضَمَانٍ وَمَعَ تَفْرِيطِ رَبِّهِ يُكْسَرُ بِلَا أَرْشٍ وَيَتَعَيَّنُ فِي غَيْرِ مَأْكُولَةٍ كَسَرَهُ وَيَحْرُمُ تَرْكُ الْحَالِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ قوله: (فابتلعتها بهيمةٌ) يعني: بتفريطه، أو لا.
قوله: (ولا تخرج .... إلخ) أي تعذر إخراجها.
قوله: (وهو أقل ضررٍ) أي: بأن يكون نقصها بالذبح أقل من قيمة الجوهرة.
قوله: (وعلى رب الجوهرة ... إلخ) ظاهره: وإن لم يفرط.
قوله: (ويتعين في غير مأكولةٍ كسره) ولو كان التفريط من ربها، وعليه أرشه مالم يكن المفرط هو رب الإناء.
قوله أيضاً على قوله: (ويتعين في غير مأكولة ... إلخ) وإن قال من وجب عليه الغرم: أنا أتلف مالي ولا أغرم شيئًا، فله ذلك.
«شرحه».
قوله: (على ما هو عليه) فإن لم يفرط رب الإناء، وامتنع رب مأكولةٍ من ذبحها ومن أرشِ كسرِ الإناءِ،

الجزء: 3 - الصفحة: 168

وَلَوْ حَصَلَ مَالُ شَخْصٍ فِي دَارٍ آخَرَ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ بِدُونِ نَقْضِ وَجَبَ وَعَلَى رَبِّهِ ضَمَانُهُ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ صَاحِبُ الدَّارِ أو رب غير مأكولة من أرش كسرٍ، أجبر؛ لإزالة الضرر، كالعلف.
قوله: (ولو حصل مال شخص ... إلخ) فإن باع داراً، وفيها ما يعسر إخراجه كخوابي غير مدفونة وخزائن غير مسمَّرة، أو حيوان، وكان نقض الباب أقلَّ ضررا من بقاء ذلك في الدار، أو من تفصيل ما يمكن تفصيله، أو ذبح ما يذبح نقض، وكان إصلاحه على البائع، وإن كان أكثر ضررًا لم ينقض، بل يصطلحان على ذلك؛ بأن يشتريَه مشتري الدار، ونحو ذلك.
اعلم: أن المال الحاصل في دارِ الغير، إما حيوانٌ أو غيره، بفعل ربِّ الدار أو بغير فعله: فالأول، كما لو غصب نحو فصيل، فأدخله داره، فكبر، وتعذَّر خروجه بغير نقض الباب، ففي هذه الصورة، يجب نقض الباب؛ وردُّ الفصيل ونحوه، ولا شيء على ربِّ الحيوان، وكذا ينقض الباب لو دخل الحيوان بنفسه أو بفعل ربِّه، وعلى صاحب الفصيل فيهما ضمان نقض الباب، إن لم يفرِّط رب الدار.
والثاني، أعني: ما إذا كان المالُ غير حيوانٍ، كخشبة مثلا إن أدخلها الغاصب دارَه، ثم بنى الباب ضيقًا، فكالحيوانِ، وإن حصلت الخشبة من غير تفريط صاحب الدار، فإن كان كسرها أكثر ضررًا من نقض الباب،

الجزء: 3 - الصفحة: 169

وَمَنْ غَصَبَ دِينَارًا أَوْ نَحْوَهُ فَحَصَلَ فِي مِحْبَرَة آخَرَ أَوْ نَحْوِهَا وَعَسُرَ إخْرَاجُهُ فَإِنْ زَادَ ضَرَرُ الْكَسْرِ عَلَيْهِ فَعَلَى الْغَاصِبِ بَدَلُهُ وَأَلَّا تَعَيَّنَ الْكَسْرُ وَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا وَإِنْ حَصَلَ بِلَا غَصْبٍ وَلَا فِعْلِ أَحَدٍ كُسِرَتْ وَعَلَى رَبِّهِ أَرْشُهَا إلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ لِكَوْنِهَا ثَمِينَةً وبِفِعْلِ مَالِكِهَا تُكْسَرُ مَجَّانًا بأن تنقص قيمتها بالكسر أكثر من أرشِ نقضه وإصلاحه، فكالفصيل، فينقض الباب ويغرم صاحبها أرش نقضه وإصلاحِه، وإن كان كسرها أقلَّ ضررًا، كسرت، ولا شيء على صاحب الدار، هذا كله إذا لم يحصل من رب المال عدوان، فلو غصب دارًا، وأدخلها فصيلا، أو خشبة، أوتعدى على إنسان، فأدخل داره فرسًا ونحوها، كسرت الخشبة، وذبح الحيوان المأكول، ولو زاد ضرره على نقض البناء، وإن كان الحاصل من ذوات التركيب، كالتوابيت والأسرَّة، فكذلك إن فرَّط مالك الدار نقض البابُ من غير أرش، وإن فرط مالكه، فكك التركيبُ.
قوله: (فحصل ... إلخ) يعني: بفعل غاصب أو لا.
قوله: (أو نحوها) من كل إناء ضيِّق الرأس.
قوله: (عليه) أي: على الدينار.
قوله: (وإلا) أي: بأن تساويا أو كان الكسر أقلَّ.
قوله: (كسرت) مطلقاً.
قوله: (لكونها ثمينة) أي: فلا تكسر ويصطلحان.

الجزء: 3 - الصفحة: 170

وبِفِعْلِ رَبِّ الدِّينَارِ يُخَيَّرُ بَيْنَ تَرْكِهِ وكَسْرِهَا وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَيَلْزَمُهُ قَبُولُ مِثْلِهِ إنْ بَذَلَهُ رَبُّهَا فَصْلٌ وَيَلْزَمُ رَدُّ مَغْصُوبٍ زَادَ بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ كَقِصَارَةِ وَسِمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةً والْمُنْفَصِلَةِ كَوَلَدِ وكَسْبِ وَلَوْ غَصَبَ قِنًّا أَوْ شَبَكَةً أَوْ شَرَكًا فَأَمْسَكَ أَوْ جَارِحًا أَوْ فَرَسًا فَصَادَ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ أَوْ غَنِمَ فلِمَالِكِهِ قوله: (إن بذله ربها) ولو في حالٍ يجبر على كسرها.
قوله: (زاد) صفة لمغصوبٍ.
قوله: (بزيادته) متعلق بـ (زاد)، والباء للمصاحبة.
قوله: (كولدٍ) أي: ولد بهيمة أو أمةٍ لم يحكم بحريته.
قوله: (فأمسك) أي: المذكور صيدًا.
قوله: (أو جارحًا) أي: أو سهمًا، كما في «المغني».
قوله: (أو فرسًا) أي: أو قوسًا، كما في «الإقناع».
قوله: (أو غنم) أي: عليه، وحذفَه؛ لدلالةِ الأوَّل عليه.
قوله: (فلمالكه) أي: مالك المغضوب، بخلاف ما لو غضب منجلا أو فأسا، فقطع به حشيشًا أو حطبًا، أو سيفا، فقاتل به وغنم.
والفرق حصول الفعل من الغاصب في هذه دون تلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 171

لَا أُجْرَتُهُ زَمَنَ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَزَالَ اسْمَهُ كَنَسْجِ غَزْلٍ وطَحْنِ حَبٍّ أَوْ طَبَخَهُ وَنَجْرِ خَشَبٍ وَضَرْبِ حَدِيدٍ وفِضَّةٍ وَنَحْوِهِمَا وَجَعْلِ طِينٍ لَبِنًا أَوْ فَخَّارًا «حاشية» قوله أيضا على قوله: (فلمالِكه) أي: المذكور، قن وشبكةٍ وشرك وجارح وفرس، أو أنه أفرد الضَّمير للعطف بـ «أو».
والأول أولى؛ لأن الأفصح في المعطوف بـ «أو» المطابقة، كقوله تعالى: (إن يكن غنياً أو فقيرًا فالله أولى بهما).
[النساء: 135] أفاده شيخنا محمد الخلوتي.
قوله: (لا أجرته) لعله مالم يكن الحاصل للمالك من ذلك أقل من أجرة المثل، وإلا ألزم الغاضب بقيتها.
قوله: (وإن أزال اسمه ... إلخ) وكذا لو أزال اسم بعضه، فعليه رد باق وأرش نقصٍ، إن نقص بتفريقه، وما أزال اسمه مع أرش نقصه إن كان، ولا شيء له إن زاد، والله أعلم.
قوله: (ونحوهما) كذهب.
قوله: (وجعل طينٍ لبناً) إلا أن يجعل الغاصب فيه تبناً له، فله أن يحله ويأخذ تبنه.
قال الحارثي: لكن عليه ضمان الللبن؛ قد تمحص للمالك.
هذا إذا كان يحصل منه شيء، وإلا فليس له حله، وإن طالبه مالك بحله، لزمه إن كان فيه غرض صحيح.
قوله: (أو فخاراً) الفخار: الطين المشوي، وقبل الطبخ، هو: خزف وصلصال.
«مصباح».

الجزء: 3 - الصفحة: 172

رَدَّهُ وأَرْشَهُ إنْ نَقَصَ وَلَا شَيْءَ لَهُ وَلِلْمَالِكِ إجْبَارُهُ عَلَى رَدِّ مَا أَمْكَنَ رَدُّهُ إلَى حَالَتِهِ وَمَنْ حَفَرَ فِي مَغْصُوبَةٍ بِئْرًا.
أَوْ شَقَّ نَهْرًا وَوَضَعَ التُّرَابَ بِهَا قوله: (ولا شيء له) بخلاف صبغ ثوب، فإنه عين ماله.
قوله: (وللمالك إجباره ... إلخ) ظاهر كلامهم هنا: وإن لم يكن فيه غرض صحيح، لكن مقتضى ما تقدم: إنما يملك إجباره إذا كان فيه غرض صحيح، وجزم به الحارثي، كما أفاده في «شرح الإقناع».
قوله أيضًا على قوله: (وللمالك إجبارُه على ردِّ ما أمكن ردُّه إلى حالته ... إلخ) فلو قال مالك لغاصب: أعطني أجرة إعادته إلى حالته، لم يجب؛ لأن الواجب الإعادة بطلبه، لا المعاوضة عنها، كما تقدَّم في المغصوب إذا بُعِّد.
قوله أيضًا على قوله: (وللمالك إجباره على ردِّ ما أمكن رده) بخلاف نحو أبواب، ومذبوح، ومطحون.
قوله: (إلى حالته) كمسامير ضربها فيردها، بخلاف نحو فخار.
(أو شقَّ نهرًا) ولو كشط تراب الأرض، فطالبه المالك برده وفرشه، لزمه ذلك.
قاله في «الإقناع».
قال في «شرحه»: وظاهره: وإن لم يكن فيه غرضٌ صحيحٌ، وهو أحد وجهين أطلقهما في «المبدع» وغيره،

الجزء: 3 - الصفحة: 173

فَلَهُ طَمُّهَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَلَوْ بَرِئَ مِنْ مَا يَتْلَفُ بِهَا وَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ وَإِنْ أَرَادَهُ مَالِكٌ أُلْزِمَ بِهِ وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ أَوْ بَيْضًا فَصَارَ فِرَاخًا.
أَوْ نَوًى.
أَوْ أَغْصَانًا فَصَارَ شَجَرًا رَدَّهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ وإن أراده غاصب لغرض صحيح، مكن منه، وإلا فلا.
قوله: (فله طمها ... إلخ) أي: بترابها حيث بقي، فلو فات بنحو سيل أو ريح، فله الطم بغيره من جنسه لا برملٍ، أو كُناسةٍ ونحوها.
ذكره الحارثي.
قاله في شرح «الإقناع" قوله: "لغرض صحيح" كإسقاط ضمان ما يقع فيها، ومطالبة تفريغ الأرض.
قوله: (ولو أبريء مما يتلف بها) لأنَّ الغرض قد يكون غيره، كأن نقل ترابها إلى ملك نفسشؤ أو غيره، أو إلى طريق.
فلو لم يكن له غرض، كما لو وضع التراب في أرض مالكها أو موات، وأبراه من ضمان ما يتلف يها، لم يملك طمها.
قاله في «الإقناع».
قوله: (وإن أراده) أي: الطم لغرصٍ صحيح.
قوله: (فزرعه) أي: في أرضه، أو أرض غيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 174

فَصْلٌ وَيَضْمَنُ نَقْصَ مَغْصُوبٍ وَلَوْ رَائِحَةَ مِسْكٍ وَنَحْوِهِ أَوْ نَبَاتِ لِحْيَةِ عَبْدٍ وَإِنْ خَصَاهُ أَوْ أَزَالَ مَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ مِنْ حُرٍّ رَدَّهُ وقِيمَتَهُ وَإِنْ قَطَعَ مَا فِيهِ مُقَدَّرٌ قوله: (ويضمن نقص مغصوب ... إلخ) بعد غضصبه وقبل رده.
وظاهره: لا يضمن نقص صفة محرمة، كغناء ونحوه.
قوله: (ولو رائحةَ مسكٍ) تذهبُ أو تنقصُ.
قوله: (ونحوِه) كعنبر.
قوله: (أو بنبات ... إلخ) أي: أو قطع أذن نحو حمار.
قوله: (وإن خصاه) أي: العبد.
ولو زادت قيمته بالخصاء.
قوله أيضاً على قوله: (وإن خصاه أو أزال ما تجب فيه دية من حرٍّ ... إلخ) من عطف العام على الخاص؛ ليفيد أنه تجب قيمته إذا خصاه ولو لم تنقص به القيمة بل أو زادت.
قوله أيضا على قوله: (وإن أزال ما تجب فيه دية من حر ... إلخ) وقوله: (وإن قطع ما فيه مقدر ... إلخ) علم منه: أنه لو ذهب منه ما فيه مقدر بغير جناية عليه، كما لو عمي أو خرس أو ذهبت يده أو رجله بنحو أكلة، فإنه يضمن النقص فقط، دون المقدر، وجزم به في «الإقناع».
وكذا لو قطعت يده ونحوها قصاصاً، فإنه ليس على الغاصب إلا النقصُ.
قوله أيضاً على قوله: (ما تجب فيه دية من حر): كأنفِه أو لسانِه أو يديهِ أو رجليهِ.
قوله: (وإن قطع ما فيه مقدر ... إلخ) أي: من رقيق مغصوب، وأما الدابة، فتضمن جنايتها بما نقص من قيمتها، ولو بتلف إحدى عينيها، وما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في عين

الجزء: 3 - الصفحة: 175

دُونَ ذَلِكَ فأَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ وَيَرْجِعُ غَاصِبٌ غَرِمَ عَلَى جَانٍ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ فَقَطْ الدابة بربع قيمتها، وروي عنن عمر أيضا، قال في «المبدع»: لا نعرف صحته، بدليل احتجاج أحمد بقول عمر دونه، مع أن قول عمر محمول على أنَّ ذلك كان قدر نقصِها.
قوله: (دون ذلك) أي: الدية الكاملة، كقطع يدٍ أو رجلٍ.
قوله: (فأكثرُ الأمرين) من ديةِ المقطوعِ، ونقص قيمته.
فول غصب عبدًا قيمته ألف، فزادت عنده إلى ألفين، ثم قطع يده، فصار يساوي ألفًا وخمس مئة، كان عليه مع رده ألف.
وإن كان القاطع ليده غير الغاصب، فعليه أرش الجناية فقط، وما زاد يستقرُّ على غاصبٍ، وللمالك تضمين الغاصب الكل؛ لحصول النقص بيده، وإلى هذا يشير قول المصنف: (ويرجع غاصب غرِم على جانٍ ... إلخ).
قوله: (غرم) بالكسر.
قاله في «المختار».
قوله: (فقط) أي: دون ما زاد عن أرش جنايةٍ، فيستقرُّ على غاصب.

الجزء: 3 - الصفحة: 176

وَلَا يَرُدُّ مَالِكٌ أَرْشُ مَعِيبٍ أَخَذَهُ مَعَهُ بِزَوَالِهِ وَلَا يَضْمَنُ نَقْصُ سِعْرٍ كَهُزَالٍ زَادَ بِهِ وَيَضْمَنُ زِيَادَتَهُ لَا مَرَضًا بَرِئَ مِنْهُ فِي يَدِهِ وَلَا إنْ عَادَ مِثْلُهَا مِنْ جِنْسِهَا وَلَا إنْ نَقَصَ فَزَادَ مِثْلَهُ مِنْ جِنْسِهِ وَلَوْ صَنْعَةً بَدَلَ صَنْعَةٍ نَسِيَهَا قوله: (ولا يرد مالكٌ ... إلخ) يعني: أنه إذا استرد المالك المغصوب معيباً مع الأرش، ثم زال العيب في يدِ مالِكه، لم يجب ردُّ الأرش؛ لاستقراره بأخذ العين ناقصةً.
وكذا لوأخذه معيبًا بغير أرش، فزال العيب، لم يسقط الأرش.
قوله أيضا على قوله: (ولا يرد مالك) كما لو غصب عبدا، فمرض عنده، فرده وأرش نقصه بالمرض، ثم برأ عند مالكه.
قوله: (ولا يضمن نقص سعرٍ) لذهابِ نحو موسمٍ.
قوله: (زاد به) أي: أو لم يزدْ ولم ينقُص.
قوله: (ولا إن عادَ مثلها) أي: قدرها والعينُ بيده.
قوله: (من جنسِها) كصنعةٍ بدل صنعةٍ.
بخلاف ما لو هُزِل، فتعلَّم صنعة، فيضمن.
قوله: (ولا إن نقصَ فزادَ مثله من جنسه ... إلخ) علم منه: أنَّه لو نقصَ، فغلى السعر، كعبد يساوي، وهو خياط مثلاً، مئة، فنسي الصَّنعةَ، فصار يساوي ثمانين، فغلى السعر، فصارَ يساوي مئة، أنه يضمن النَّقص حينئذٍ؛ لأن العائد ليس من جنس ما ذهب، والله أعلم.
ثم رأيته مصرَّحًا به في «شرح المنتهى»، ولله الحمد.

الجزء: 3 - الصفحة: 177

وَإِنْ نَقَصَ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وَعَفِنَتْ خُيِّرَ بَيْنَ مِثْلِهَا أَوْ تَرْكِهَا حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهَا وَيَأْخُذَهَا وَأَرْشَ نَقْصِهَا وَعَلَى غَاصِبٍ جِنَايَةُ مَغْصُوبٍ وإتْلَافُهُ وَلَوْ عَلَى رَبِّهِ أَوْ مَالِهِ قوله: (وإن نقص غير مستقر) بأن يكون سارياً غير واقف.
قوله: (وعفنت) هو بكسر الفاء، بمعنى: فسدت من ندواةٍ أصابتها، وبابه: فرح فرحًا.
قال في «المصباح»: عفن الشيء عفنا، من باب: تعب: فسد من نداوةٍ أصابتهُ، فهو يتمزَّق عند مسِّه، وعفن اللَّحم: تغيَّرت رائحته.
انتهى.
قوله أيضا على قوله: (وعفِنت) أي: ولم تبلغْ حالاً يعلم فيها قدر أرش نقصها.
قوله: (خُيِّر بين مثلها) أي: ثم إذا استقرَّ نفصها يأخذها وأرش نقصها، ويردُّ المالك ما أخذ؛ لأن ملكَه لم يزل عن ماله يأخذ العوض، كما إذا أخذ القيمة؛ لتعذر ردِّ المغصوب، ثم قدر على المغصوب.
وعبارة «الإقناع»: فإن استقرَّ أخذها والأرش.
انتهى.
ولا حاجة حيئنذ إلى ما حمله عليه الشارح.
والله أعلم.
قوله: (وعلى غاصبٍ جناية مغصوب وإتلافه) إذ الإتلاف في الأموال، والجناية أعم؛ ولذلك اقتصر عليها في قوله: (وهي على غاصب ... إلخ) وشمل كلامه جناية المغصوب على نفسه، فإنها على الغاصب أيضاً؛ إذ عليه أن

الجزء: 3 - الصفحة: 178

بِالْأَقَلِّ مِنْ أَرْشِ أو قِيمَتِهِ.
وَهِيَ عَلَى غَاصِبٍ هَدَرٌ وَكَذَا عَلَى مَالِهِ إلَّا فِي قَوَدٍ فَيُقْتَلُ بِعَبْدٍ غَاصِبٍ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ وَزَوَائِدُ مَغْصُوبٍ إذَا تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ جَنَتْ كَهُوَ يرده سليمًا تامًا، والله أعلم.
قوله أيضا على قوله: (وإتلافه) أي: بدل ما يتلفُه.
قوله: (إلا في قَوَد) لأنَّه حق تعلق بنفسه لا يمكن تضمينه لغيره فاستوفي منه.
قوله: (فيقتل بعبد غاصب ... إلخ) قتله عمدًا، كعبد غيره من أجنبي أو سيد.
وفي «المستوعب»: من استعان بعبدِ غيره بلا إذن سيده، فحكمه حكم الغاصب حال استخدامه.
قاله في «الإقناع».
قال في «شرحه»: فيضمن جنايته ونقصه، وجزم به في «المبدع»، وكذا في «المنتهى» في الديات.
قوله أيضًا على قوله: (فيقتل بعبدٍ غاصب ... إلخ) علم منه: أنه يقتل بالغاصب من باب أولى.
وهل يتوقف اقتصاص الغاصب فيما إذا قتل عبده على كونه موسرًا بقيمته أم لا، ولو عفى الغاضب على مال، سقط حقُّه ولم يستحقَّ شيئا، وإذا كانت الجناية بإذن المالك، فينبغي أن لا تلزم الغاصب، والله أعلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 179

فَصْلٌ وَإِنْ خَلَطَ غَاصِبٌ أَوْ غَيْرُهُ مَا لَا يَتَمَيَّزُ كَزَيْتٍ وَنَقْدٍ بِمِثْلِهِمَا لَزِمَهُ مِثْلُهُ مِنْهُ وبِدُونِهِ أَوْ بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ فشَرِيكَانِ بِقَدْرِ قِيمَتَيْهِمَا كَاخْتِلَاطِهِمَا مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ قوله: (وإن خلط ما لا يتميز ... إلخ) فإن تلف من الخليط بقدر ما للغاصب، تعين الباقي للمالك؛ لتعين حقه في المختلط، والله أعلم.
قوله: (لزمه مثله) أي: مثل المغصوب كيلا ووزناً.
قوله: (منه) أي: من المختلط.
قوله: (فشريكان ... إلخ) فيباع الجميع، ويدفع إلى كل واحد قدر حقه وإن تراضيا على أن يأخذ المغصوب منه أكثر من حقه أو أقل -والاختلاط بغير الجنس- جاز.
بخلاف ما لو خلطه بجيد أو رديء، واتفقا على أن يأخذ أكثر من حقه من الرديء أو سمح الغاصب بدفع أكثر من حقه من الجيد؛ لأنَّه ربا، فإن رضي بدون حقه من الردئ أو سمح الغاضب بدفع أكثر من حقه من الجيد، جاز؛ لأنه لا مقابل للزيادة.
وإن نقص مغصوب عن قيمته منفردًا، ضمه غاصب، وإن خلطه بما لا قيمةَ له كزيتٍ بماء، فإن أمكن تخليصه، فعل، وإلا أو كان يفسده، فعليه مثلُه.
قاله في «شرح الإقناع».

الجزء: 3 - الصفحة: 180

وَحَرُمَ تَصَرُّفُ غَاصِبٍ فِي قَدْرِ مَا لَهُ فِيهِ وَلَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ بِدِرْهَمَيْنِ لِآخَرَ وَلَا تَمْيِيزٍ فَتَلِفَ اثْنَانِ قوله: (وحرم تصرف غاصب ... إلخ) أي: وكذا المالك.
والمراد بـ (تصرف): فيه إفراز لماله لو توقَّف عليه، كأكِله، وبيعه جزءًا مفردًا.
أما لو باع نصيبه أو وهبه مشاعًا، فينبغي أن لا يحرم، كما لو اختلطا من غير غصبٍ.
قوله: (في قدر ماله) بأن ينفق من الدراهم المختلطة، أو يأكل من الطعام المختلط قدر حقه.
والظاهر: لا يصحُّ تصرُّفه فيه مفردًا.
قوله: (ولو اختلط درهم ... إلخ) في «شرح» منصور البهوتي: بلا غصب.
وكذا في «الإقناع»، ولعلَّه لا مفهوم له؛ إذ ما ذكر من الاحتمالين موجود مطلقًا.
لا يقال: يجب كون التالف من مالِ الغاصب عقوبة له، لأن ذلك فيما صار الاشتراك فيه مشاعًا، بخلاف هذا؛ لتميز مال كل في نفس الأمر، والله أعلم.
قوله أيضًا على قوله: (لو اختلط درهم ... إلخ) مثله لو اختلط ستة بثلاثةٍ، فتلف ستة، فما بقي، فبينهما نصفين؛ لأنهما قد استويا في احتمال أن تكون الثلاثة كلها أو بعضها من مالِ أحدهما وهكذا.
ولا يأتي ما في «تصحيح الفروع» من القرعة هنا؛ لأنا لم نتحقق أن الباقي من مال أحدهما، بخلاف المثال الأول، والله أعلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 181

فَمَا بَقِيَ فَبَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِزَيْتٍ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُمَا أَوْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا ضَمِنَ النَّقْصَ فِي الْمَغْصُوبِ وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ وَلَمْ تَزِدْ أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا فشَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا وَإِنْ زَادَتْ قوله: (فبينهما نصفين) وفي «تصحيح الفروع»: الأولى أن يقرع بينهما؛ لأنَّا متحقِّقون أنه لأحدهما، وقد أثبته علينا، فيخرج بالقرعة كنظائره.
قوله: (وإن غصب ثوباً فصبغه) إلى آخر الفصل.
حاصل هذه المسائل أنه: إما أن يغصب الثوب وحده، أو الصبغ وحده، أو يغصبهما من واحد، أو اثنين، فهذه أربعُ صور، وعلى كلٍّ منها: إما أن يزيد الثوب، أو الصبغ، أو هما، أو ينقصان كذلك، أو لا يزيد واحد منهما، ولا ينقص، فهذه سبعة في أربعة بثمانية وعشرين صورة.
وحاصل الجواب فيها: أنْ يقال: يشترك ربُّ الثوب والصبغ فيهما بقدر قيمتهما.
ومن زادت قيمة ماله وحده، فله.
فإن زادت القيمتان معًا، فبينهما، والنقصُ على غاصبٍ، وكذا في مسألة الزيتِ والسَّويق.
تنبيه: غاير في هذا الفصل بين قوله: (فشريكان بقدر قيمتيهما)، وقوله: (بقدر ماليهما)، وقوله: (بقدر حقيهما)، وذلك للتفنن، والله أعلم.
قوله: (وإن زادت ... إلخ) أي: بغُلُوِّ السعر، فلو حصلتِ الزيادة بالعمل فبينهما؛ لأنَّ عمله الغاصب في العين المغصوبة لمالكها حيث كان أثرًا،

الجزء: 3 - الصفحة: 182

قِيمَةُ أَحَدِهِمَا فلِصَاحِبِهِ فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قَلْعَ الصِّبْغِ لَمْ يَجِبْ وَلَوْ ضَمِنَ النَّقْصَ وَيَلْزَمُ الْمَالِكَ قَبُولُ صَبْغِ وتَزْوِيقِ دَارٍ وَنَحْوِهِ وُهِبَ لَهُ لَا مَسَامِيرَ سَمَّرَ بِهَا الْمَغْصُوبَ وَإِنْ غَصَبَ صِبْغًا فَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا أَوْ غَصَبَ زَيْتًا فَلَتَّ بِهِ سَوِيقًا فشَرِيكَانِ بِقَدْرِ حَقَّيْهِمَا وَيَضْمَنُ النَّقْصَ وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا وَصِبْغًا فَصَبَغَهُ بِهِ رَدَّهُ وأَرْشَ نَقْصِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ إنْ زَادَ وزيادة مال الغاصب له.
قاله المنصف في «شرحه».
قوله: (قيمة أحدهما) كأن كانت قيمة الثوب عشرة، والصبغ خمسة، وصار مصبوغًا يساوي عشرين بسبب غلو الثوب أو الصبغ.
قوله: (قبول صيغ) بكسر الصَّاد: ما يُصبغ به.
قوله: (ونحوه) كنسج ثوب وقصره.
قوله: (لا مسامير) لتميزها.
قوله: (وإن غصب ثوباً وصبغاً) يعني: من واحد أو اثنين، فلو كان الصبغ لشخص والثوب لآخر، فهما شريكان بقدر ملكيهما، وإن زادت قيمتهما، فلهما، وقيمة أحدهما، فلربه، وإن نقصت قيمتهما أو قيمة أحدهما، فعلى غاصب.

الجزء: 3 - الصفحة: 183

فَصْلٌ وَيَجِبُ بِوَطْءِ غَاصِبٍ أَمَةً مَغْصُوبَةً عَالِمًا تَحْرِيمَهُ حَدٌّ ومَهْرُ وَلَوْ مُطَاوِعَةً وأَرْشُ بَكَارَةٍ ونَقْصٍ بِوِلَادَةٍ وَالْوَلَدُ مِلْكٌ لِرَبِّهَا وَيَضْمَنُهُ سِقْطًا لَا مَيِّتًا بِلَا جِنَايَةٍ بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ قوله: (ويجب بوطء غاصب ... إلخ) يعني: أمة مغصوبة: قوله (حدٌّ) أي: للزنى.
قوله: (ومهر) أي: مهر مثلها ولو ثيباً.
قوله: (ولو مطاوعة) وتحد بشرطه.
قوله: (وأرش بكارةٍ) فلا يندرج في المهرِ؛ لأن كلا منهما يضمن منفردًا، بدليلِ أنَّ من وطيء ثيبًا لزمه مهرها، وإن افتضَّها بأصبعه، لزمه أرش بكارتِها، وما يأتي في النكاح من الاندراج، ففي الحرة، ويطلب الفرق.
قوله: (ونقص بولادة ... إلخ) نصَّ عليها مع أنه تقدم أنه يضمن نقص مغصوبٍ؛ لئلا يتوهَّم أنه ينجبر بالولد.
وصفة تقويمها أن ينظر كم تساوي، ثيباً لم تلد، وثيبًا ولدت، فما بينهما، فهو نقصُ الولادة، ولا تقدر بكرًا؛ لأخذ أرش بكارتها.
قوله: (ويضمنه سقطاً لا ميتًا بلا جناية بعشرِ قيمةِ أمِّه) دلَّت هذه العبارة على ثلاثِ مسائل؛ الأولى: إذا ولدته سقطاً حيًا ثم ماتَ، فإنَّه يضمنه بعشر قيمة أمه.
الثانية: ولد ميتاً بجناية فكذلك، أي: يضمنه بعشر قيمة أمِّه، كما صرح به في «الإقناع»

الجزء: 3 - الصفحة: 184

وَقَرَارُهُ مَعَهَا عَلَى الْجَانِي وَكَذَا وَلَدُ بَهِيمَةٍ وظاهره: سواءٌ غصبها حاملاً به، أو حملت به عند الغاصب، وهو اختيار القاضي، وابنِ عقيل، وصاحب «التلخيص»، وقدَّمه في «المغني» و «الشرح»، و «الفروع»، و «الفائق»، وصححه في «الإنصاف».
وعند أبي الحسين بن القاضي: يضمنه فيما إذا حملت به عند الغاصب بقيمتِه، كما لو كان حياً.
وقال الموفق ومن تبعه فيها: والأولى أنه يضمنه بعشر قيمة أمه.
قال في «تصحيح الفروع» عنه: وهو الصواب، ويحتمل الضَّمان بأكثر الأمرين.
قال الحارثي: وهو أقيس.
الثالثة: ولد ميتاً بلا جنايةٍ ولو تاماً، فلا شيء عليه.
وبقي إذا ولدته حيًا تاماً ثم مات، فيجزم في «المغني» و «الشرح» وغيرهما: بأنه يضمنه بقيمته، والله أعلم.
قوله أيضًا على قوله: (ويضمنه سقطاً ... إلخ) أي: مولودًا قبل تمامه حيًا، فإن ولدته تامًا حيًا، ثم مات، ضمنه بقيمته.
وجزم به في «المغني» و «الشرح».
وميتًا بجناية، ضمَّنه مالك من شاء من جان وغاصب.
قوله: (ولا ميتًا) أي: ولو تامًا.
قوله: (وكذا لود بهيمةٍ) أي: حكمه حكم ولد أمةٍ فيما سبق من التفصيل، لكن إذا ولدته ميتًا بجنايةٍ، يضمن بما نقص أمه، لا بعشر قيمتها، كما يأتي في الجنايات.

الجزء: 3 - الصفحة: 185

وَالْوَلَدُ مِنْ جَاهِلِ حُرٌّ وَيَفْدِي بِانْفِصَالِهِ حَيًّا بِقِيمَتِهِ يَوْمَ وَضْعِهِ وَيَرْجِعُ مُعْتَاضٌ غَرِمَ عَلَى غَاصِبٍ بِنَقْصِ وِلَادَةٍ قوله: (والولد من جاهل) للحكم أو الحال؛ لقرب عهده بإسلام أو نشوئه بباديةٍ بعيدة يخفى عليه مثلُ هذا الحال، أو اشتبهت عليه بزوجته، أو أمته، أو اشتراها من غاصبٍ ومن لا يعلم.
قوله: (حر) أي: يلحق نسبه للشبهة.
قوله: (ويُفدى بانفصاله حيا ... إلخ) أي: ويفدى الولدُ من الجاهل، أي: يلزم الواطيء فداؤه، فلو انفصل ميتاً من غير جناية، فلا ضمان، كالولد من العالم، وبها يُضمن لرب الأمة بعشر قيمتها، ولورثته غرة، قيمتها خمس من الأبل موروثة عنه، لا يرثُ الضارب منها شيئاً؛ لأنَّه قاتل.
صرَّح بمعناه في «الإقناع»، والله أعلم.
قوله: (ويرجع معتاضٌ ... إلخ) اعلم: أنه إذا انتقلت العينُ المعصوبة عن يد غاصبها إلى غير مالكها بشراء، أو قرض حيث صحَّ، ونحوهما، فالمنتقلة هي إليه بمنزلة الغاصب في كونِ المالك يملك تضمينه العين المنتقلة، سواء عالماً بكونها مغصوبة أو لا، لكن إنما يستقر عليه ما دخل على ضمانه من عين، أو منفعة، وما عداه يستقرُّ على الغاصب إن لم يعلم الثاني بالحال.
وإذا تقرَّر ذلك، فالأيدي المترتبةُ على يدِ الغاصبِ عشرٌ.
أشار المصنف رحمه الله تعالى إلى تفصيلها بقوله: (ويرجع ... إلخ).

الجزء: 3 - الصفحة: 186

وَمَنْفَعَةٍ فَائِتَةٍ بِإِبَاقٍ وَنَحْوَهُ وَمَهْرٍ وَأُجْرَةِ نَفْعٍ وَثَمَرٍ وَكَسْبٍ وَقِيمَةِ وَلَدٍ وغَاصِبٌ عَلَى مُعْتَاضٍ بِقِيمَةُ وَأَرْشِ بَكَارَةٍ وَفِي إجَارَةٍ يَرْجِعُ مُسْتَأْجِرٌ غَرِمَ بِقِيمَةِ عَيْنٍ وغَاصِبٌ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَنْفَعَةٍ وَيَسْتَرِدُّ مُشْتَرٍ وَمُسْتَأْجِرٌ لَمْ يُقِرَّا بِالْمِلْكِ لَهُ مَا دَفَعَاهُ مِنْ الْمُسَمَّى، قوله: (ومنفعة فائتة بإباق أو نحوه ومهر وأجرة نفع) فيه شبه تكرار.
فلو قال: وأجرة نفع ولو فائتاً بإباق ونحو ومهر ... إلخ، لكان أخلصَ، والله أعلم.
قوله: (وغاصبٌ) أي: غرم.
قوله: (يرجع مستأجرٌ) أي: حيث جهل.
قوله: (ويستردُّ مشتر) أي: ونحوه، (ومستأجر ... إلخ) اعلم: أن في كل واحد منهما أربع صور؛ لأنه إما أن يعلم بالغصب، أو لا، وعلى التقديرين: إما أن يقرَّ بالملك، أو لا، فظاهر «الإقناع»: أنهما يستردَّان ما دفعاه من المسمَّى للغاصب في الصُّور كلها؛ ولذلك قال في «الإقناع»: بكل حال.
انتهى.
وهو مقتضى ما يأتي في الدعاوى.
وأما كلام المصنف هنا، فدل منطوقه على الاسترداد في صورتين وهما: العلم بالغصب وعدمه مع عدم الإقرار بالملك للغاصب في الصورتين، ومفهومه: أنه لا استرداد في الصورتين الباقيتين، وهما: الإقرارُ بالملك للغاصب

الجزء: 3 - الصفحة: 187

مع العلم بالغصب، وعدمه، ويأتي في الدعاوى والبينات: أن قوله: اشتريته من زيدٍ وهو ملكه، لا يمنع الرجوع عليه، ويمكن حمله على ما إذا قال ذلك جاهلاً، أو يكون هنا بعدم الإقرار؛ لشمول العبارة الصريحة إذا عُلم الحال.
فتلخص من العبارتين ثلاث مسائل: الأولى: أن يعلم بالحال، ولا يقر بالملك وهي المرادة.
الثانية: أن يقر بالملك ويجهل الحال، وهي المرادة هناك، وفي هاتين المسألتين يرجع معتاض بما دفعه للغاصب.
الثالثة: أن يقر بالملك ويعلم الحال، وهذه لم ينص عليها وهي التي ينبغي أن يقال فيها: لا يرجع بشيء مؤاخذة له بإقراره؛ إذ لا يتأتى هنا العلم بأن مستنده في الإقرار اليد.
فائدة: قال منصور البهوتي: لو طالب المالك الغاصب بالثمن كله، إذا كان أزيد من القيمة، فقياس لمذهب أن له ذلك، كما نص عليه أحمد في المتجر في الوديعة من غير إذن: أنَّ الربح للمالك.
قاله في «القواعد».
انتهى.
وهذا واضح إذا لم يكن ردَّ العين، كأن جهل من دفعت له أو تلفت، أما إذا كانت باقيةً بحالها وأمكن ردُّها، فصريح كلامهم - في

الجزء: 3 - الصفحة: 188

مواضع _ وجوب ردها، وما يتبعها من زيادة نفع وأرش وأجرة نقص.
بل هو معنى قول المصنف: لو تلفت ضمَّن المالك من تلفت بيده قيمتها للمعتاض بما دفع، وهو صريح قول المصنف: (ويسترد مشتر ومستأجرٌ، لم يقرا بالملك له، ما دفعاه من المسمَّى) إذ لم يقيد بكون المسمى أقل من القيمة، أو أكثر، والله أعلم.
على أن في أصل المسألة إشكالاً، وهو: أن البيع الذي قبض فيه الغضب أكثر من القيمة، أو أقلَّ، لم ينعقد، فالثمن باقٍ على ملك المشتري، فكيف يملكه المغضوب منه حيث جهل المشتري مثلا؟ فلو قيل: إنَّ الورع أن يقبض المالك من الثمن قدر قيمة المغصوب ويتصدَّق بالزائد، لم يبعد.
فليتأمل.
ومحلُّ رجوع القابض بعوض بما ذُكر، إذا كان جاهلاً بالحال، كما نبَّه عليه الشارح، ولعله لم يقيد بذلك؛ لتقييده به فيما بعد، فكأنه يقول: إذا ضمن الجميع القابض مع العلم فيما إذا لم يدخل على ضمان شيء ألبته، فأولى أن يضمن ذلك فيما إذا دخل على ضمان البعض مع العلم، والله أعلم.
قوله أيضاً على قوله: (لم يقر بالملك له ... إلخ) مفهومه: أنهما إذا أقرا بالملك له، لا يرجعان عليه، لكن يأتي في الدعاوى والبينات: أنَّ قول المدعي: اشتريته من زيد، وهو ملكه، لا يمنع الرجوع إذا انتزعه المدعي.

الجزء: 3 - الصفحة: 189

وَلَوْ عَلِمَا الْحَالَ وَفِي تَمَلُّكٍ بِلَا عِوَضٍ وَعَقْدِ أَمَانَةٍ مَعَ جَهْلِ يَرْجِعُ مُتَمَلِّكٌ وأجاب بعض مشايخنا بأن قوله في الدعوى: وهو ملكه، ليس المقصودُ منه عادة الإقرار، وإنما يقصد به تصحيح الدعوى، فلم يثبت له حكم الإقرار قاله في «الحاشية».
وأقول: يمكن التوفيق بين كلامي المصنف بحملِ ما يأتي في الدعاوى والبينات على ما إذا أقر بالملك جاهلاً بالحال، وما هنا على ما إذا كان عالماً بالحال، فيرجع مع الجهل، لا مع العلم، فلا معارضة إذن، وهذا أولى من بقاء كل من الكلامين على عمومه؛ لما علمت أنه محتمل خصوصًا، وظاهر «الإقناع» الرجوع في الكلِّ.
فغاية ما في كلام المصنف أن مفهومه هنا فيه تفصيل، دلَّ عليه منطوق ما يأتي.
فتلخَّص: أن الرجوع في ثلاث صور متفق عليه بين الكتابين، وارتفع التعارض بين الكلامين.
وأن الذي فيه نزاع بين المصنف وصاحب «الإقناع»، صورة ما إذا كان المشتري أو المستأجر عالماً بالحال مقرًا بالملك، فـ «الإقناع» على الرجوع، والمصنف على عدمه.
فتأمل.
قوله: (ولو علما الحال) اي: كون العين مغصوبة.
قوله: (بلا عوض) كهبة، وصدقة.
قوله: (وعقد أمانة) كوديعة، ورهن.
قوله: (مع جهل) أي: مع جهلِ قابضٍ بغصبٍ.

الجزء: 3 - الصفحة: 190

وَأَمِينٌ بِقِيمَةِ عَيْنٍ وَمَنْفَعَةٍ وَلَا يَرْجِعُ غَاصِبٌ بِشَيْءٍ وَفِي عَارِيَّةٍ مَعَ جَهْلِ مُسْتَعِيرٍ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ مَنْفَعَةٍ وغَاصِبٌ بِقِيمَةَ عَيْنٍ وَمَعَ عِلْمِهِ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ وَيَرْجِعُ غَاصِبٌ بِهِمَا وَفِي غَصْبٍ يَرْجِعُ الْغَاصِبُ الْأَوَّلُ بِمَا غَرِمَ وَلَا يَرْجِعُ الثَّانِي عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَفِي مُضَارَبَةٍ وَنَحْوِهَا يَرْجِعُ عَامِلٌ قوله: (وأمين ... إلخ) لا يناقِض هذا ما سبق في الوكالةِ والرهن؛ من أنَّ الوكيل والأمين في الرهن إذا باعا وقبضا الثمن، ثم بان المبيعُ مستحقاً، لا شيء عليهما؛ لأنَّ معناه: أن المشتري لا يطالبهما بالثمن الذي أقبضه لهما؛ لتعلُّق حقوقِ العقد بالموكل دون الوكيل.
أما كون المستحقِّ للعينِ لا يطالبُ الوكيل، فلم يتعرَّضوا له هناك البتة، وهو بمعزلٍ عن مسألتهم بالكلية.
قاله ابن رجب.
قوله: (ولا يرجع غاصب) غرِم العين، والمنفعة.
قوله: (يرجع الغاصب الأول بما غرم) يعني: من قيمة عينٍ ومنفعةٍ تلفت عند الثاني، وأما أجرتها مدَّة إقامتِها عند الأوَّل، فهي عليه، وليس للمالك مطالبة الثاني بها، ولا للأول الرجوع بها على الثاني.
فقد أشار إليه الشارح.
قوله: (بشيء) أي: مطلقاً.
قوله: (وفي مضاربة ونحوها يرجع عاملٌ ... إلخ) أي: مع جهلٍ، كما يُعلم من مواضع: منها قوله في «شرحه الصغير»: لأنَّه غره؛ إذ العالم لم يغرَّ، ويؤخذه منه: أن الأجير في المال

الجزء: 3 - الصفحة: 191

بِقِيمَةِ عَيْنٍ وأُجْرَ عَمَلٍ وغَاصِبٌ بِمَا قَبَضَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ مِنْ رِبْحٍ وثَمَرٍ فِي مُسَاقَاةٍ بِقِسْمَتِهِ مَعَهُ وَفِي نِكَاحٍ يَرْجِعُ زَوْجٌ بِقِيمَتِهَا وَقِيمَةِ وَلَدٍ اشْتَرَطَ حُرِّيَّتَهُ أَوْ مَاتَ وغَاصِبٌ بِمَهْرِ مِثْلٍ وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ مِنْ مُسَمًّى وَفِي إصْدَاقٍ وخُلْعٍ أَوْ نَحْوِهِ عَلَيْهِ وَإِيفَاءِ دَيْنٍ يَرْجِعُ قَابِضٌ بِقِيمَةِ مَنْفَعَةٍ وغَاصِبٌ بِقِيمَةِ عَيْنٍ وَالدَّيْنُ بِحَالِهِ وَفِي إتْلَافٍ بِإِذْنِ غَاصِبٍ الْقَرَارُ عَلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ مُتْلِفٌ فعَلَيْهِ المغضوب، كخياطةٍ، وبناء، وحائكٍ، لا يستحقُّ أجرة عملِه على أحد، إذا علم أنَّ العين غصبٌ؛ لتعدِّيه بذلك، والله أعلم.
قوله: (ونحوها) كشركةٍ، ومساقاة.
قوله: (بقسمته) أي: الرِّبح، أو الثمر، أو الزرع.
قوله: (يرجع زوجٌ) يعني: جهل الحال.
قوله: (اشترط حريَّته) أي: أو غرَّ بها.
قوله: (أو نحوه) كطلاق، وعتق، وصلح عن دم عمد.
قوله: (وإيفاءِ ديْنٍ) اي: دين سلم، أو غيرِه.
قوله: (بإذن غاضبٍ) كذبح حيوانٍ، وطبخه.
قوله: (القرارُ عليه) أي: الغاصب.

الجزء: 3 - الصفحة: 192

وَإِنْ كَانَ الْمُنْتَقِلُ إلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ هُوَ الْمَالِكُ فَلَا شَيْءَ لَهُ لِمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَمَا سِوَاهُ فعَلَى الْغَاصِبِ وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِغَيْرِ مَالِكِهِ وَعَلِمَ بِغَصْبِهِ اسْتَقَرَّ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فعَلَى غَاصِبٍ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ إنَّهُ طَعَامُهُ ولِمَالِكِهِ أَوْ قِنِّهِ أَوْ دَابَّتَهُ أَوْ أَخَذَهُ بِقَرْضٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ أَبَاحَهُ لَهُ أَوْ اسْتَرْهَنَهُ أَوْ اسْتَوْدَعَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ أَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى قِصَارَتِهِ أَوْ خِيَاطَتِهِ وَنَحْوِهِمَا وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَبْرَأْ غَاصِبٌ قوله: (وإن أطعمه ... إلخ)، هذه المسألة من أفراد قوله فيما تقدم: (وفي إتلافٍ بإذن غاصب ... إلخ) فانظر ما فائدة تنصيصه عليها؟ ويمكن الجواب: بأن ما تقدَّم فيما إذا كان المتلف نائباً عن الغاصب، بخلاف ما هنا.
فتدبر.
قوله: (وإلا) أي: بأنْ ظنَّه الغاصب.
قوله: (أو أخذه بقرض أو شراءٍ ... إلخ) أي: أخذ المالك المغصوب من الغاصب.
قوله: (أو أباحه له) بأن كان صابوناً، فقال: اغسل به، أو شمعاً، فأمره بوقده، ونحوه، وهو لا يعلم أنَّه ملكه.
قوله: (لم يبرأ غاصب) اي: من جميع مالزِمَه، بسبب الغصب.
وإلا فيبرأ في مسألة القرض والشِّراء من قيمةِ العين، وأرْش البكارة؛ لأنَّه يستقر عليه، لو كان أجنبياً.

الجزء: 3 - الصفحة: 193

وَإِنْ أُعِيرَهُ بَرِئَ كَصُدُورِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَالِكٍ لِغَاصِبٍ أَوْ أَقْرَضَهُ الْمَغْصُوبَ أَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ أَعَارَهُ لِغَاصِبِهِ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ آجَرَهُ لَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ وَكَمَا لَوْ زَوَّجَهُ الْمَغْصُوبَةَ وَمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَغَرَسَ أَوْ بَنَى فِيهَا فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً وكذا قوله: (وإن أعيره بريء) أي: بريء مما يستقر عليه لو كان أجنبياً، وهو قيمة العين.
وأما المنفعة، فلا يبرأ الغاصب منها، حتى ما تلف تحت يد المالك قبل علمه بالحال، ولو حَذَفَ هاتين المسألتين، لكان أولى؛ لعلمهما من قوله: (وإن كان المنتقل ... إلخ) قوله أيضاً على قوله: (لم يبرأ غاصبٌ) أي: من جميع ما لزمه بسبب الغصب.
بل يبرأ ما دخل على ضمانه، كما تقدم في القاعدة، وهي قوله: (وإن كان المنتقل ... إلخ) فيبرأ الغاصب فيما إذا أخذه المالك بشراء، أو قرض من قيمة العين وأرش البكارة، كالمعتاض الأجنبي، لا من المنفعة.
وكذا قوله: (وإن أعيره برئ) فإنه لا يبرأ الغاصب من المنفعةِ، كما تقدَّم في الأجنبي، على أن المصنف - رحمه الله تعالى - لو حذف هذه الجملة، وهي قوله: (أخذه ... إلخ) لعلم حكمها مما تقدم، والله أعلم.
قوله: (وأن أعيره برئ) أي: سواء علم المالك أنه ماله، أو لم يعلم.
لكن له الرجوع بأجرة المنفعة على الغاصب، حتى المنافع التي تلفت تحت يد المالك قبل علمه.
كما يجب على الغاصب قيمة الطعام الذي أباحه لمالكه، أو وهبه إياه، ونحوه.
فتأمل.
قوله: (وكما لو زوَّجه) أي: زوج المالك الغاضب، فتصير أمانة.

الجزء: 3 - الصفحة: 194

وَقَلَعَ غِرَاسَهُ أَوْ بِنَاءَهُ رَجَعَ عَلَى بَائِعٍ بِمَا غَرَّمَهُ وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ مَا اشْتَرَاهُ رَدَّ بَائِعُهُ مَا قَبَضَهُ وَمَنْ اشْتَرَى قِنًّا فَأَعْتَقَهُ فَادَّعَى شَخْصٌ أَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ مِنْهُ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ صَدَّقَاهُ مَعَ الْمَبِيعِ لَمْ يَبْطُلْ عِتْقُهُ وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى مُعْتِقِهِ فَصْلٌ وَإِنْ أُتْلِفَ أَوْ تَلِفَ مَغْصُوبٌ ضُمِنَ مِثْلِيٌّ.
وَهُوَ كُلُّ مَكِيلٍ أَوْ قوله: (وقلع غرسه ... إلخ) لا يعارضه ما تقدَّم من أن الغارس، والباني بعقد فاسد، كمستعير؛ لأنَّه فيما إذا تعاطى المالك العقد معه، فإنه كالإذن له في ذلك.
وأيضا ذاك في الفاسد، وهذا في الباطل.
«حاشية».
قوله: (مطلقة) بأن لم تقل: ملكه في وقت كذا، بل أطلقت الملك.
قوله: (رد بائعه ما قبضه) يعني: للمشتري، أي: البائع والمشتري.
قوله: (لم يبطل عتقه) ولمالك تضمين من شاء منهما قيمته يوم العتق.
قوله: (أو تلف) ولو بصاعقة، أو بمرض غصب به.
قوله: (ضمن مثليٌّ) بمثله، وغيره بقيمته.
قال في «الانتصار» و «المفردات»: لو حكم حاكم بغير المثل في المثليِّ، وبغير القيمة المتقومِ، لم ينفذ حكمه، ولم يلزم قبوله.
نقله في «الإقناع» وأقره، واقتصر عليه في «المبدع» وغيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 195

مَوْزُونٍ لَا صِنَاعَةَ فِيهِ مُبَاحَةٌ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ بِمِثْلِهِ فَإِنْ أَعْوَزَ فقِيمَةُ قوله: (لا صناعة فيه) أي: المكيل، بخلاف نحو هريسةٍ، والموزون بخلاف نحو حلي.
قوله: (يصح السلم فيه) خرج به كلُّ مكيل، وموزون لا يصحُّ السلم فيه؛ لكونه مختلطاً بغيره مثلا اختلاطاً ينقص قيمته، كما لو غصب لبناً مشوباً بماء، ونحوه.
وهذا أولى من التمثيلِ له بنحو الجوهر؛ إذ هو خارجٌ بقوله: (مكيل أو موزون) والله أعلم.
إلا أن يقال: المراد: الجوهر الموزون.
كما عبَّر به في «الحاشية».
قوله: (بمثله) نصاً؛ لأن المثل أقرب إليه من القيمة، لمماثلته له من طريق الصورة، والمشاهدة، والمعنى، بخلاف القيمة، فإنها تماثل من طريق الظنِّ، والاجتهاد.
وسواء تماثلت أجزاءُ المثلي أو تفاوتت، كالأثمان - ولو دراهم مغشوشة رائجة - والحبوب والأدهان ونحوها، وفي رطب صار تمرًا، وسمسم صار شيرجا، يخير مالكه، فيضمنه، أي المثلين أحب.
وأما مباح الصناعة، كمعمول حديدٍ، ونحاسٍ، وصوفٍ، وشعر مغزول، فيضمن بقيمته.
«شرحه».
وينبغي أن يستثنى من ضمان المثلي بمثله الماء في المفازة، فإنَّه يُضمن بقيمته في البرية.
ذكره في «المبدع»، وجزم به الحارثي.
قلت: ويؤيده ما قالوه في التيمم: وييمم رب ماء مات لعطش رفيقه، ويغرم قيمته مكانَه.
قاله في «شرح الإقناع».
قوله: (فإن أعوز) أي: تعذر

الجزء: 3 - الصفحة: 196

مِثْلِهِ يَوْمَ إعْوَازِهِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْمِثْلِ لَا بَعْدَ أَخْذِهَا وَجَبَ وغَيْرَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ فِي بَلَدِ غَصْبِهِ مِنْ نَقْدِهِ فَإِنْ تَعَدَّدَ فمِنْ غَالِبِهِ وَكَذَا مُتْلَفٌ بِلَا غَصْبٍ وَمَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ المثل لعدم، أو بعد، أو غلاء.
قوله أيضاً على قوله: (فإن أعوز) يعني: أعوز في البلد أو حوله.
قوله: (يوم إعوازه) ولو قبل غصب.
قوله: (فإن قدر) يعني: من عليه المثل.
قوله: (وجب) أي: المثل ولو بعد الحكم عليه بأداءِ القيمةِ، كالمأمور بالتيمم عند ضيق الوقت، وعدم الماء، ثم قدر عليه قبل الصلاة.
قوله: (وغيره بقيمته ... إلخ) فإن كان زرعا أخضر، قوم على رجاء السلامة وخوف العطب، كالمريض الجاني.
قاله في «شرح الإقناع».
قوله: (يوم تلفه) ولو زادت قيمته بعده.
والمراد باليوم هنا: الوقت ليلا كان، أو نهارًا فيما يظهر، كما تقدم.
قوله: (ومقبوض بعقد فاسد) يعني: تلف، أو أتلف، يجب الضمان في صحيحه، كبيع، لا نحو هبة.
منصور البهوتي.
قوله: أيضا على قوله: (ومقبوض بعقد فاسد ... إلخ) لكن لو اشترى ثمرة شجر شراء فاسدًا، وخلى البائع بينه وبينه على شجره، لم يضمنه بذلك؛ لعدمِ ثبوتِ يدِه عليه.
ذكره بعض أصحابنا محلَّ وفاق.
قاله ابن رجب في

الجزء: 3 - الصفحة: 197

وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ مِمَّا لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ فَلَوْ دَخَلَ بِأَنْ أَخَذَ مَعْلُومًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ، أَوْ حَوَائِجَ مِنْ بَقَّالٍ وَنَحْوِهِ فِي أَيَّامٍ ثُمَّ يُحَاسِبُهُ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ بِسِعْرِ يَوْمِ أَخْذِهِ وَيُقَوَّمُ مَصُوغٌ مُبَاحٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وتِبْرٌ تُخَالِفُ قِيمَةَ وَزْنِهِ بغَيْرِ جِنْسِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْهُمَا بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَيُعْطَى بِقِيمَتِهِ عَرَضًا «القواعد» ومقتضى قولهم: فإن دخل في ملكه، صحة العقد، وإلا لما ترتب عليه الملك.
قال منصور البهوتي: هذا العقد جار مجرى الفاسد لكونه لم يعين الثمن، لكنه صحيح، إقامة للعرف مقام النطق.
قال: وهذا وإن كان مخالفاً لما تقدم في البيع، أولى من القول بأنه فاسد يترتب عليه الملك.
قوله: (وما أجري مجراه) كالمقبوض على وجه السوم.
منصور البهوتي.
قوله: (في ملكه) أي: ملك المتلف له.
قوله: (ونحوه) كجزَّار وزيات.
قوله: (فإنه يعطيه) أي: لا يضمنه بالمثل، أو القيمة بل يعطيه ... إلخ.
قوله: (يوم أخذه) قال منصور البهوتي: لتراضيهما على ذلك، ومقتضاه صحة البيع بثمن المثل.
انتهى.
حيث إن علماه حالة العقد، وإلا فهو كالبيع بما يشتري به زيد مثلاً، أو بما ينقطع به السعر، فلا يصحُّ، والله أعلم.
قوله: (ويعطى بقيمته ... إلخ) الباء بدلية، أي: ويعطي الغاصب المالك عوضا بدل قيمة الحليِّ المصوغ من النقدين.

الجزء: 3 - الصفحة: 198

وَيُضْمَنُ مُحَرَّمٌ صِنَاعَةً بِوَزْنِهِ مِنْ جِنْسِهِ وفِي تَلَفِ بَعْضِ مَغْصُوبٍ فَتَنْقُصُ قِيمَةُ بَاقِيهِ كَزَوْجَيْ تَلِفَ أَحَدُهُمَا رَدَّ بَاقٍ وَقِيمَةَ تَالِفٍ وَأَرْشَ نَقْصِ وفِي قِنٍّ يَأْبِقُ وَنَحْوَهُ قِيمَتُهُ وَيَمْلِكُهَا مَالِكُهُ لَا غَاصِبٌ مَغْصُوبًا بِدَفْعِهَا فَمَتَى قَدَرَ رَدَّهُ قوله: (ويُضمن محرم صناعة) كأواني ذهب، أو فضة، وحلي رجال محرم.
قوله: (وفي تلف ... إلخ) أي: يجب في ذلك.
قوله: (يأبق) أبق العيد إباقاً، من بابي: تعب، وقتل في لغةٍ، والأكثر من باب: ضرب: إذا هَرَب من سيِّده من غير خوفٍ ولا كد عمل، هكذا قيده في «العين»، وقال الأزهري: الإباق: هرب العبد من سيده.
قاله في «المصباح».
قوله: (ونحوه) كجمل شَرَدَ.
قوله: (ويملكها) قال منصور البهوتي: أي: القيمة.
انتهى.
وكذا المثل بالأولى.
قوله: (بدفعها) قال منصور البهوتي: قال في «التلخيص»: ولا يجبر المالك على أخذها، ولا يصح الإبراء منها، ولا يتعلق الحق بالبدل، فلا ينتقل إلى الذمة، وإنما يثبت جواز الأخذ دفعاً للضرر، فتوقف على خيرته.
انتهى كلامه، والظاهر: أن محل هذا إذا كانت عين الغصب باقية حين دفع البدل، وإلا فيجب البدل في الذمَّة، ويصحُّ الإبراء وغيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 199

وَأَخَذَهَا أَوْ بَدَلَهَا إنْ تَلِفَتْ.
وفِي عَصِيرٍ تَخَمَّرَ خَلًّا بِيَدِهِ رَدُّهُ وأَرْشَ نَقْصِهِ وَكَمَا لَوْ نَقَصَ بِلَا تَخَمُّرٍ وَاسْتَرْجَعَ الْبَدَلَ وَهُوَ مِثْلُ الْعَصِيرِ الَّذِي دَفَعَهُ لِمَالِكِهِ لِلْحَيْلُولَةِ كَمَا لَوْ أَدَّى قِيمَةَ الْآبِقِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ لِرَبِّهِ.
وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ عَصِيرٍ أَوْ زَيْتٍ غَلَاهُ غَاصِبٌ بِغَلَيَانِهِ فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ.
وَمَا صَحَّتْ إجَارَتُهُ مِنْ مَغْصُوبٍ وَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَعَلَى قَابِضٍ وَغَاصِبٍ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ بَقَائِهِ بِيَدِهِ، وَمَعَ عَجْزِ عَنْ قوله: (وأخذها) بزيادةٍ متصلةٍ.
قوله: (إن تلفت) وليس لغاصب حس المغصوب لتردَّ قيمته، وكذا مشتر بعقد فاسد ليس له حبس المبيع على رد ثمنه.
صححه في «التلخيص»، بل يدفعان إلى عدلٍ يسلم إلى كل ما له.
منصور البهوتي.
قوله: (من مغصوب ... إلخ) «من» للتبعيض لا للبيان.
محمد الخلوتي، لا يخفى عدمُ ظهور التبعيض؛ لأنَّ ضابطه صحَّة حلول بعضٍ محلها، فلو قيل: وما صحَّت إجارته بعض مغصوبٍ ... إلخ، لما كان له معنى؛ إذ المتبادر إذن أن يكون بدلا من (ما) فالصواب: أنها للبيان؛ لما في (ما) من الإبهام.
فتدبر.
قوله: (بعقد فاسد) أي: يجب الضمان في صحيحه، كما تقدم.
وصرَّح بمعناه في «شرحه».
قوله: (مدة مقامه ... إلخ) أي: فتضمنُ المنافعُ بالفوات والتفويت.

الجزء: 3 - الصفحة: 200

رَدِّ إلَى أَدَاءِ قِيمَةٍ وَمَعَ تَلَفِ فإلَيْهِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي وَقْتِهِ وَإِلَّا فَلَا كَغَنَمٍ وَشَجَرٍ وَطَيْرٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا مَنَافِعَ لَهَا يُسْتَحَقُّ بِهَا عِوَضٌ وَيَلْزَمُ فِي قِنٍّ ذِي صَنَائِعَ أُجْرَةُ أَعْلَاهَا فَقَطْ قوله: (إلى أداء قيمته ... إلخ) فلو دفع بعضها في أول شهر مثلا، ثم دفع الباقي في آخر الشهر، فهل تلزمه الأجرة إلى آخر الشهر، أم يلزمه بقدر ما بقي من القيمة؟ قوله: (وإلا فلا) أي: فلا تصحُّ أجارة المغصوب والمقبوض بعقدٍ فاسدٍ، أي: لم تجر عادة بإجارته، فلا يلزم غاصبه ولا قابضة أجرة.
«شرح» منصور رحمه الله.
قوله: (يستحق بها عوض) أي: غالبًا، فلا يرد صحة إجارة غنم لدياس زرع وشجر لنشر ونحوه؛ لندرته.
منصور البهوتي.
قوله: (ويلزم ... إلخ) أي: يلزم غاصبا وقابضاً بعقدٍ فاسدٍ.
قوله: (ذي صنائع ... إلخ) علم منه: أنه لو لم يحسن صنعة، لم يلزمه أجرةُ صنعةٍ مقدَّرة، ولو حبسه مدة يمكن أن يتعلم فيها صنائع؛ لأنه غير متحقق، كما تقدم التنبيه عليه، والله أعلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 201

فَصْلٌ وَحَرُمَ تَصَرُّفُ غَاصِبٍ وَغَيْرِهِ فِي مَغْصُوبٍ بِمَا لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ مِنْ صِحَّةٍ وَفَسَادٍ كَإِتْلَافٍ وَاسْتِعْمَالٍ كَلُبْسٍ وَنَحْوِهِ وَكَذَا بِمَا لَهُ حُكْمٌ كَعِبَادَةٍ وعَقْدٍ وَلَا يَصِحَّانِ وَإِنْ اتَّجَرَ بِعَيْنِ مَغْصُوبٍ أَوْ ثَمَنِهِ فَالرِّبْحُ وَمَا اشْتَرَاهُ وَلَوْ كَانَ الشِّرَاءُ فِي ذِمَّةٍ بِنِيَّةِ نَقْدِهِ ثُمَّ نَقَدَهُ لِمَالِكٍ فصل في حكم تصرفات الغاصب وغيرها قوله: (وحرم تصرف غاصب) وغيره ممن علم بالحال.
قوله: (ونحوه) كاستخدامٍ وذبحٍ.
قوله: (كعبادة) أي: كصلاة في ثوب أو بقعةٍ.
قوله: (بعينِ مغصوبٍ) يعني: أو مسروقٍ ونحوه.
قوله: (وما اشتراه) أي: الغاصب من السِّلع.
قوله: (بنية نقده) فلو اشتري في ذمته، ولم ينو دفع الثمن من المغصوب، فالربح للغاصب، خلافاً لـ «الإقناع» حيث جعله للمالك، والحاصل: أن الربح للمالك مطلقاً عند صاحب "الإقناع"، وفي غير هذه عند المصنف.
قوله أيضاً على قوله: (بنية نقده) يعني: المغصوب أو ثمنه، لا إن لم ينو، خلافاً لـ «الإقناع» حيث قال: فإنه للمالك حتى في هذه الصورة.
قوله: (لمالك) هذه المسألة مشكلة جدًا على قواعد المذهب؛ لأن تصرفات الغاصب غير صحيحةٍ، فكيف يملك المالك الربح والسلع؟ ! لكن نصوص أحمد رحمه الله ـ متفقة على أن الربح للمالك، فخرج الأصحاب ذلك على وجوه مختلفةٍ، كلها ضعيفة، والأقرب ما في

الجزء: 3 - الصفحة: 202

وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ مَغْصُوبٍ أَوْ قَدْرِهِ أَوْ حُدُوثِ عَيْبِهِ أَوْ صِنَاعَةٍ فِيهِ أَوْ مِلْكِ ثَوْبٍ أَوْ سَرْجٍ عَلَيْهِ فقَوْلُ غَاصِبٍ وفِي رَدِّهِ أَوْ عَيْبٍ فِيهِ فَقَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ بِيَدِهِ غُصُوبٌ أَوْ رُهُونٌ لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا فَسَلَّمَهَا إلَى حَاكِمٍ وَيَلْزَمُهُ قَبُولُهَا بَرِئَ مِنْ عُهْدَتِهَا وَلَهُ الصَّدَقَةُ بِهَا عَنْهُمْ، «المبدع» حيث حمله على ما إذا تعذر رد المغصوب إلى مالكه، ورد الثمن إلى المشتري، كما نقله عنه في «شرح الإقناع».
فتدبر.
قوله: (فقولُ غاصبٍ) اي: بيمينه حيث لا بيِّنة.
قوله: (فقول مالكٍ) أي: بيمينه على نفي ذلك.
قوله: (لا يعرف أربابها) أو عرفهم وفقدوا، وليس لهم ورثة.
منصور البهوتي.
قوله: (وله الصدقة ... إلخ) يعني: بلا إذن حاكم، ولو بوقف على المساكين.
قال ابن رجب في «القواعد»: وعلى هذا الأصل يتخرج جواز أخذ الفقراء من الصدقة من يد من ماله حرام، كقطَّاع الطريق.
وأفتى القاضي بجوازه.
انتهى.
أقول: إنما يظهر هذا التخريج أن لو قصد المتصدق جعل الثواب

الجزء: 3 - الصفحة: 203

بِشَرْطِ ضَمَانِهَا كَلُقَطَةٍ وَيَسْقُطُ عَنْهُ إثْمُ الْغَصْبِ وَلَيْسَ لَهُ التَّوَسُّعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَإِنْ فَقِيرًا وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُبَاحٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ حَرَامِ مَالِهِ غُنْيَةً عنه لرب المتصدَّق به كما في مسألتنا، فيجوز قبول الصدقةِ إذن، وإلا فيد المتصدَّق عليه من جملة الأيدي العشر المترتبة على يد الغاصب، كما تقدَّم.
قوله أيضاً على قوله: (وله الصدقة بها عنهم) فالثواب لأربابها، قال منصور البهوتي: بلا إذن حكام، كما في «الفروع»، وليس لصاحبه إذا عرف ردُّ المعاوضة.
انتهى.
قوله: (بشرط ضمانها ... إلخ) أي: لأربابها إذا عَرفَهم، فيخيَّر مالك المال أذا حضر بين الأجر والبدل، ولا ينقض المالك تصرف المتصدق؛ لثبوت الولاية له شرعا للحاجة، كمَنْ ماتَ، ولا ولي له، ولا حاكم.
قوله: (كلقطةٍ) حرم التقاطها، أو لم يُعرِّفها.
قوله: (ويسقط عنه إثم الغصب) أي: مع التوبة.
قوله: (وإن فقيرًا) أي: ودينٌ كعين.
قوله: (ومن لم يقدر على مباح ... إلخ) قال في «الإختيارات»: لو باع الرجل مبايعاتٍ يعتقد حِلَّها، ثم صار المال إلى وراثٍ، أو متهبٍ، أو

الجزء: 3 - الصفحة: 204

كَحَلْوَاء وَنَحْوَهَا وَلَوْ نَوَى جَحْدَ مَا بِيَدِهِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ حَقٍّ عَلَيْهِ فِي حَيَاةِ رَبِّهِ فَثَوَابُهُ لَهُ وَإِلَّا فلِوَرَثَتِهِ وَلَوْ نَدِمَ وَرَدَّ مَا غَصَبَهُ عَلَى الْوَرَثَةِ بَرِئَ مِنْ إثْمِهِ لَا مِنْ إثْمِ الْغَصْبِ وَلَوْ رَدَّهُ وَرَثَةُ غَاصِبِهِ فَلِمَغْصُوبٍ مِنْهُ مُطَالَبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ مشتر، يعتقد تلك العقود محرَّمة، فالمثال الأصلي لهذا: اقتداءُ المأموم بصلاة إمام أخل بما هو فرض عند المأمومِ دونه، والصحيح: الصحة.
نقله في «حاشية الإقناع».
قوله: (كحلواء) كذا بضبطِه.
قوله: (ونحوها) كفاكهةٍ.
قوله: (ولو نوى جحد ... إلخ) لأن نية الجحد قائمة مقام إتلافه.
قوله: (من ذلك) أي: المذكور من غصوب وغيرها.
قوله: (وإلا فلورثته) علم منه: أنه يُثاب الإنسان على ما فات عليه قهرًا مع أنه لم ينوه.
قوله: (ولو رده ورثة غاصب) يعني: إلي ورثةِ مالكٍ.

الجزء: 3 - الصفحة: 205

فَصْلٌ وَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ مُكَلَّفٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ سَهْوًا مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ وَمِثْلُهُ يَضْمَنُهُ ضَمَّنَهُ وَإِنْ أُكْرِهَ فَمُكْرِهُهُ وَلَوْ عَلَى إتْلَافِ مَالِ نَفْسِهِ لَا غَيْرَ مُحْتَرَمٍ كَصَائِلٍ ورَقِيقٍ حَالَ قَطْعِهِ الطَّرِيقَ.
وَمَالِ حَرْبِيٍّ وَنَحْوِهِمْ فَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ أَوْ حَلَّ قَيْدَ قِنٍّ أَوْ أَسِيرٍ أَوْ دَفَعَ لِأَحَدِهِمَا مِبْرَدًا فَبَرَدَهُ أَوْ حَلَّ فَرَسًا أَوْ سَفِينَةً فَفَاتَ أَوْ عَقَرَ شَيْءٌ فصل فيما يضمن به المال بلا غصب قوله: (ومن أتلف) من مكلف وغيرِه، إن لم يدفعه ربه إليه.
قوله: (مالا) أي: لا نحو كلبٍ.
قوله: (محترمًا) لا نحو صنم، وآلات لهوٍ.
قوله: (لغيره) لا مالَ نفسه.
قوله: (ومثله يضمنه) لا أهل عدلٍ وبغيٍ.
قوله: (كصائل) أي: إن لم يندفع بدونه.
قوله: (مبردًا) بكسر الميم: ما يبرد به الحديد.
قوله: (فبرده) أي: القيد.
قوله: (أو عقر ... إلخ) أي: بأن كان الطائر جارحًا، فقلع عين إنسان ونحوه، وكذا لو حل سلسلة فهدٍ، أو ساجور كلب - وهو: خشبةٌ تجعل في عنقه - فقتل أو عقر، ضمنه.
«شرحه».

الجزء: 3 - الصفحة: 206

مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا أَوْ وِكَاءَ زِقِّ مَائِعٍ أَوْ جَامِدٍ فَأَذَابَتْهُ الشَّمْسُ أَوْ بَقِيَ بَعْدَ حَلِّهِ فَأَلْقَتْهُ رِيحٌ فَانْدَفَقَ ضَمِنَهُ لَا دَافِعُ مِفْتَاحِ لِلِّصِّ وَلَا حَابِسُ مَالِكِ دَوَابَّ فَتَتْلَفُ وَلَوْ بَقِيَ الطَّائِرُ أَوْ الْغَرْسُ حَتَّى نَفَّرَهُمَا آخَرُ ضَمِنَ الْمُنَفِّرُ قوله: (أو أتلف) أي: الطائر، أو القِن، أو الفرس، أو نحوه.
قوله: (شيئاً) كأن كسر إناء.
قوله: (أو وكاء زِقِّ مائع ... إلخ) ولو فتح بثقا - وهو: الجسر الذي يحبس الماء - فأفسد الماء زرعًا، أو غيره، ضمن.
قال منصور البهوتي: قلت: وعلى قياسِه لو فات به ري شيء من الأراضي التي كانت تروى، بسبب سده، فيضمن فاتحه خراجه، وعلى قياسه لو فرَّط من يلي سد البثق فيه، فأزاله الماء عند علوه، وأتلف شيئاً، أو فات به ري شيء من الأراضي.
انتهى.
قوله: (فأذابته الشمس) بخلاف ما لو أذابته نار قربها إليه غيرُه، فإنَّ قياس المذهب يضمنه مقربها.
ذكره المجد.
قوله: (فألقته ريح) أي: لو زلزلة.
قوله: (فاندفق) أي: أو خرج منه شيء.
قوله: (ولا حابس مالك دواب) كذا بضبطه.
قوله: (ضمن المنفر) كدافع في بئر مع حافرها، وكذا لو حَلَّ حيواناً وحرَّضه آخرُ، فجنى، فإنَّ ضمان جنايته على المحرِّض.
فائدة: لو أتلف وثيقةً بمال لا يثبت إلا بها، فتعذَّر ثبوته، ضمِنَه.

الجزء: 3 - الصفحة: 207

وَمَنْ رَبَطَ أَوْ أَوْقَفَ دَابَّةً بِطَرِيقٍ وَلَوْ وَاسِعًا أَوْ تَرَكَ بِهَا طِينًا أَوْ خَشَبَةً أَوْ عَمُودًا أَوْ حَجَرًا أَوْ كِيسَ دَرَاهِمَ أَوْ أَسْنَدَ خَشَبَةً إلَى حَائِطٍ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بذَلِكَ وَيَضْمَنُ مَغْرَمًا أَخَذَهُ ظَالِمٌ بِإِغْرَائِهِ وَدَلَالَتِهِ قوله: (أو أوقف دابة) أي: له أو لغيره ويدُه عليها؛ بأن كان راكبًا أو نحوه، فأتلفت شيئاً أو جنت بيدٍ أو رجلٍ، ضمن رابطها وموقفها.
قاله في «الإقناع».
قال في «شرحه»: وظاهره: لا يضمن جناية ذنبها.
قوله: (أو ترك بها) أي: ألقى بها طينًا، أو قشر بطيخ، أو رشَّه فزلق به إنسان، ضمنه، إلا إن كان الرش لتسكين الغبار على الوجه المعتاد، فلا ضمان في ذلك.
قوله: (أو حجرًا) لا في نحو مطر ليطأ عليه الناس، كما سيجيء.
قوله: (إلى حائطٍ) وظاهره: ولو مال إلى السقوط.
منصور البهوتي.
قوله: (بإغرائه) كقوله: خذ من مالِه؛ فإنه كذا وكذا.
والدال هو من يقول: ماله بمحلِّ كذا، ولعله يكتفي بأحد الأمرين؛ ليوافق ما تقدم في الحجر.
ومثله من شكى إنساناً ظلمًا، فأغرمه شيئاً لحاكمٍ سياسيٍّ، كما أفتى به قاضي القضاة الشهاب ابن النجار، والد المصنف.
قال في «شرح الإقناع»: ولم يزل مشايخنا يُفتون به، بل لو أغرمه شيئًا لقاضٍ ظلمًا، كان له الرجوع عليه، كما يعلم مما تقدم في الحجر.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 208

وَمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا أَوْ لَا يُقْتَنَى أَوْ أَسْوَدَ بَهِيمًا أَوْ أَسَدًا أَوْ هِرًّا تَأْكُلُ الطُّيُورَ وَتَقْلِبُ الْقُدُورَ عَادَةً مَعَ عِلْمِهِ أَوْ نَحْوَهَا مِنْ السِّبَاعِ الْمُتَوَحِّشَةِ الْمُنَقِّحُ: وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ الْكَبْشُ الْمُعَلَّمُ النِّطَاحَ أَوْ خَرَقَ ثَوْبَ مَنْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ أَوْ نَفَحَتْ دَابَّةٌ قوله: (ومن اقتنى كلباً عقورًا ... إلخ) فهم منه: أنه لو حصل شيء من ذلك في بيتِه من غير اقتنائِه ولا اختيارِه، فأفسد شيئاً، لم يضمنْه؛ لعدم تسببه، وصرح به في «شرحه» و «الإقناع».
قوله: (عقورًا) أي: بأن تكون عادته ذلك.
قوله: (أو لا يقتنى) كغير الثلاثةِ.
قوله: (تأكل ... إلخ) أي: المذكورات.
قوله: (عادة) أي: بأن تقدمت للهر عادة بذلك، فإن لم يكن للهر عادة بذلك، لم يضمن صاحبه ما أتلفه، كالكلب الذي ليس بعقور.
ولا فرق في ضمات إتلاف ما لا يجوز اقتناؤه مما تقدم، بين الإتلاف في الليل والنهارِ، بخلاف البهائم، كما سيجيء قوله: (مع علمه) أي: المقتني لذلك.
قوله: (أو نحوها) كدبٍّ وقردٍ.
قوله: (فعقر) أي: شيء من ذلك آدمياً أو دابةً.
قوله: (من دخل) منزل المقتني إن لم ينبهه على الكلب، أو أنَّه غير موثقٍ.
ذكره الحارثي، وكذا لو خرق ثوب من هو خارجُ منزله، بخلاف بوله وولوغه في إناء الغير - «شرحه» - لأنه لا يخص العقور.
قوله: (أو نفحت دابة ... إلخ) نفحت الدابة نفحًا: ضربت بحافرها.
قاله في «المصباح».

الجزء: 3 - الصفحة: 209

بضَيِّقٍ مِنْ ضَرْبِهَا ضَمِنَهُ وَيَجُوزُ قَتْلُ هِرٍّ بِأَكْلِ لَحْمٍ وَنَحْوِهِ وَمَنْ أَجَّجَ نَارًا بِمِلْكِهِ أَوْ سَقَاهُ فَتَعَدَّى إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ لَا بِطَرَيَانِ رِيحٍ فَأَتْلَفَهُ به ضَمِنَهُ قوله: (بضيق) أي: لا واسع؛ لعدم حاجته إلى ضربِها، فهو الجاني على نفسِه.
قوله: (ويجوز قتل هر بأكلِ لحمٍ ... إلخ) بسبب ذلك.
وقوله: (ونحوه) أي: نحو اللحم، كخبزٍ، وكذا سائر ما فيه أذى دفعًا لأذاه، وقيَّده ابن عقيل، ونصره الحارثي بحين أكلها اللحم ونحوه فقط، إلحاقاً لها بالصائل.
فائدة: إذا ألقت الريح إلى داره ثوب غيرِه، لزمه حفظه؛ لأنه أمانة، فإن عرف صاحبَه، لزمه إعلامه، فإن لم يفعل، ضمِنه، وإلا فلقطة.
وإن سقط طائر غيره في داره، لم يلزمه حفظه، ولا إعلام صاحبه، إلا أن يكون غيرَ ممتنِع، فكالثوبِ.
قوله: (ومن أجج ناراً) أي: أوقد.
قوله: (بملكه) ولو بإجارةٍ أو إعارةٍ وكذا بمواتٍ.
منصور البهوتي.
وأما بملك الغير، فيضمن مطلقًا، أفرط، أو فرط، أو لا.
قوله: (إلى ملك غيرِه) ولو بأن تُيبِّس النار أغصان شجرة غيره ولم يكن في هوائِه.
قوله: (لا بطريان ريحٍ ... إلخ) قال في «عيون المسائل»: لو أججها على سطح داره، فهبَّت الريح، فأطارت الشرر، لم يضمن؛

الجزء: 3 - الصفحة: 210

إن أفَرطَ أَوْ فَرَّطَ.
وَمَنْ حَفَرَ أَوْ قِنُّهُ بِأَمْرِهِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ فِي فِنَائِهِ ضَمِنَ لأنَّه في ملكه ولم يفرط.
وهبوب الريح ليس من فعله.
قال المجد رحمه الله: لو أوقد نارًا لخبز ونحوه في السَّفينة، فظاهر رواية ابن هانيء وحربٍ: لا ضمان عليه؛ لأنه لا بدَّ له منه.
انتهى.
قال منصور البهوتي: فيؤخذ منه الضَّمان لو أوقدها لتناول التتن المشهور في نحو مصر بالدخان؛ لأنه غير ضروري.
انتهى.
قوله: (إن أفرط أو فرط) الإفراط: الإسراف، وهو: مجاوزة الحد عمدًا وعدوانًا، والتفريط: التقصير.
فالأول: كما لو أجج نارا تسري في العادة لكثرتها، أو في ريح شديدة تحملها، أو قرب زرب أو حصيد.
الثاني: كما لو ترك النار مؤججة، والماء مفتوحاً ونام، فحصل تلفٌ.
قوله: (أو حفر قنه) أي: ولو أعتقه بعد.
قوله: (بئرًا) أي: أو بعضها.
قوله: (لنفسه) فلو حفرها لنفعٍ عامٍّ، فينبغي أن يقال: حكمه، كما لو حفَره بالطريق على ما يأتي.
منصور البهوتي.
قوله: (في فنائه) الفناء ككساء: ما كان خارج داره قريباً منها.

الجزء: 3 - الصفحة: 211

مَا تَلِفَ بِهِ وَكَذَا حُرٌّ عَلِمَ الْحَالَ لَا فِي مَوَاتٍ لِتَمَلُّكٍ أَوْ لِارْتِفَاقٍ أَوْ لِانْتِفَاعٍ عَامٍّ أَوْ فِي سَابِلَةٍ وَاسِعَةٍ أَوْ بَنَى فِيهَا مَسْجِدًا أَوْ خَانًا وَنَحْوَهُمَا لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا ضَرَرٍ وَلَوْ بِلَا إذْنِ إمَامٍ كَبِنَاءِ جِسْرٍ ووَضْعِ حَجَرٍ بِطِينٍ لِيَطَأَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَمَنْ أَمَرَ حُرًّا بِحَفْرِهَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا حَافِرٌ عَلِمَ وَإِلَّا فَآمِرٌ كَأَمْرِهِ بِبِنَاءٍ وَحَلَفَا إنْ أَنْكَرَ الْعِلْمَ وَيَضْمَنُ سُلْطَانٌ أَمَرَ وَحْدَهُ قوله: (وكذا حرٌّ) أي: حفر بفناءِ غيره، ولو بأجرةٍ.
قوله: (علم الحال) أي: علم كونها ليست ملكه.
قوله: (أو في سابلةٍ) أي: طريق مسلوك.
قوله: (ونحوهما) كبناءٍ وقفه على المسجد.
قوله: (لنفع المسلمين) كما لو حفرها ليجتمعَ فيها ماءُ المطر.
قوله: (كبناءِ جسر) أي: قنطرة.
قوله: (بأجرةٍ) أي: مسمَّى أجرة؛ لأنه حيث كان عالماً بالحال لا يستحق أجرة؛ لتعديه، كما يعلم من قوله فيما تقدم: (وفي مضاربة ونحوها يرجع عامل بقيمة عين وأجر عمل).
انتهى.
إذ هو مبنيٌّ على ما إذا جهل الحال، كما هو مصرَّح به.
قوله: (علم) أي: علم كونها ملك الغير.
قوله: (كأمره ببناء) أي: في ملك غيره.
قوله: (ويضمن سلطان آمرٌ وحده) ظاهره: ولو علم أنها لغير السُّلطان، ولعل محله إذا خاف المأمور إن خالف، بخلاف ما إذا أمره أمر تخييرٍ، وهل نائبه كذلك أم لا؟

الجزء: 3 - الصفحة: 212

وَمَنْ بَسَطَ فِي مَسْجِدٍ حَصِيرًا أَوْ بَارِيَةً أَوْ بِسَاطًا أَوْ عَلَّقَ أَوْ أَوْقَدَ فِيهِ قِنْدِيلًا أَوْ نَصَبَ فِيهِ بَابًا أَوْ عُمُدًا أَوْ رَفًّا لِنَفْعِ النَّاسِ أَوْ سَقَفَهُ أَوْ بَنَى جِدَارًا أَوْ نَحْوَهُ أَوْ جَلَسَ أَوْ اضْطَجَعَ أَوْ أَقَامَ فِيهِ وَاضْطَجَعَ أَوْ أَقَامَ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ فَعَثَرَ بِهِ حَيَوَانٌ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ وَإِنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا أَوْ مِيزَابًا وَنَحْوَهُ إلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ أَوْ غَيْرِهِ بِلَا أَهْلِهِ فَسَقَطَ فَأَتْلَفَ شَيْئًا ضَمِنَهُ وَلَوْ بَعْدَ بَيْعِ وَقَدْ طُولِبَ بِنَقْضِهِ لِحُصُولِهِ بِفِعْلِهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ وَلَا ضَرَرَ قوله: (ومن بسط في مسجد) أي: أو نحوه، كمدرسة.
قوله: (أو بارية) حصير خشن.
قاله في «المصباح».
وتطلق في الشام على ما ينتج من قصب.
قال المصنف: ولعلَّه مراد الأصحاب بقرينة العطف.
قوله: (ونحوه) كمنبر، قوله: (لم يضمن ما تلف به) لأنه فعل مباح لم يتعد به على أحد، فإن كان الفعل محرمًا، كالجلوس مع الحيض في المسجد، أو مع إضرار المارة في الطريق ضمن به، ذكره في «شرحه» وخالف الحارثي في مسألة الحيض والجنابة؛ لأن المنع لا لذاتِ الجلوس، بل لمعنى قارنه، وهو الجنابة أو الحيض، فأشبه من جلس بملكه بعد نداء الجمعةِ.
قوله: (ونحوه) كساباط.
قوله: (ضمنه) أي: المخرج، ومقتضى ما تقدم في حفرِ البئر: أن نحو الجناح من ضمان الباني، أي: الأجير إذا كان حرًا، وانظر هل يفرق بين العالم بالتحريم أم لا؟ قوله: (وقد طولب بنقضه) مفهومه: إن لم

الجزء: 3 - الصفحة: 213

وَإِنْ مَالَ حَائِطُهُ إلَى غَيْرِ مِلْكِهِ وَكَمَيْلِ شَقَّهُ عَرْضًا لَا طُولًا وَأَبَى هَدْمَهُ حَتَّى أَتْلَفَ شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْهُ فَصْلٌ وَلَا يَضْمَنُ رَبُّ يُطالب قبل بيعِه، لا ضمانَ.
قوله: (وإن مال) فهم منه: أنَّه لو بناه مائلاً إلى ملك غيره بلا إذنه، ضمن ما تلف به، وحيث وجب الضمان، والتالف آدمي، فالدية على عاقلته؛ لأنها تحمل دية القتل الخطأ وشبه العمد، وإن أبرأه من مال الحائط إلى ملكه والحق له، فلا ضمان.
قوله: (إلى غير ملكه) أي: مختصًا أو مشتركًا وقد بناه مستقيمًا.
منصور البهوتي.
قوله: (لا طولا) أي: فلا أثر له.
قوله: (ولا يضمن ... إلخ) أي: فلو انفلتت الدابة ممن هي في يده، فأفسدت شيئاً، فلا ضمان على أحدٍ، «العجماء جرحها جبار»، أي: هدر، فلو استقبلها إنسان، فردَّها، فقياس قول الأصحاب: الضمان.
قاله الحارثي.
ثم قال: ويحتمل عدم الضَّمان.
قال: والبهيمة النزقة التي لا

الجزء: 3 - الصفحة: 214

غَيْرِ ضَارِيَةٍ وجَوَارِحَ وَشِبْهِهَا مَا أَتْلَفَتْهُ وَلَوْ صَيْدًا بِالْحَرَمِ وَيَضْمَنُ رَاكِبٌ وَسَائِقٌ وَقَائِدٌ قَادِرٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا جِنَايَةَ يَدِهَا وَفَمِهَا وَوَلَدِهَا ووطئها بِرِجْلِهَا تنضبط بكبحٍ ولا نحوه، ليس له ركوبها بالأسواق، فإن ركب، ضمن، لتفريطه، وكذا الرموح: التي تضرب برجلها، والعضوض.
قوله: (غير ضارية) أي: معتادةٍ، أي: معروفة بالصول.
قوله: (وجوارح) كالصقر، والبازيِّ إذا أطلقهما ربُّهما، فأفسدا طيور الناس.
وقوله: (وشبهها) أي: شبه الجوارح، كالكلب العقور، والدابة والفرس العضوض إذا أطلق ذلك على الناس في طرقهم، ومصاطبهم، ورحابهم، فمتى أتلف ما ذكر، مالا أو نفساً، ضمنه لتفريطه.
قوله: (ويضمن راكب ... إلخ) ظاهر كلام الأصحاب: أن ضمان النفس على صاحب الدابة في ماله، لا على عاقلته، وذكر بعض الشافعية أنه على العاقلة، كالقتل بالسبب؛ لاشتراكهما في التفريط، وهو حسن يناسب قواعد الأصحاب، بل هو عين قولهم.
قاله ابن نصر الله، وصرَّح المجدُ بما يقتضي أنَّه لا خِلافَ فيه.
قوله: (وولدها) أي: ولو لم يفرِّط راكبٌ ونحوه.
وظاهره: سواء جنى بيده أو فمه، أو رجله، أو ذنبه، قال منصور البهوتي: ولو قيل يضمن منه.

الجزء: 3 - الصفحة: 215

لَا مَا نَفَحَتْ بِهَا مَا لَمْ يَكْبَحْهَا زِيَادَةً عَلَى الْعَادَةِ أَوْ يَضْرِبْ وَجْهَهَا وَلَا جِنَايَةَ ذَنَبِهَا وَيَضْمَنُ مَعَ سَبَبٍ كَنَخْسٍ وَتَنْفِيرٍ فَاعِلُهُ وَإِنْ تَعَدَّدَ رَاكِبُ ضَمِنَ الْأَوَّلُ أَوْ مَنْ خَلْفَهُ إنْ انْفَرَدَ بِتَدْبِيرِهَا لِصِغَرِ الْأَوَّلِ أَوْ مَرَضِهِ وَنَحْوِهِمَا ما يضمن منها فقط، لكان له وجهٌ.
انتهى.
قوله: (لا ما نفحت بها) أي: ضربت بحافرِها.
ويفرق بين ما هنا وبين ما تقدم من قوله: (أو نفحت دابة بضيق من ضربها، ضمنه) أي: المالك بأن الدابة في الضيق إذا كانت واقفةً، قد يحتاج المار إلى ضربها لتتأخر عنه، بخلاف ما هنا، فإنه ليس فيه أنها واقفة بضيق.
فيتأمل.
قوله: (مالم يكبحها) أي: يجذبها باللِّجام.
قوله: (أو يضرب وجهها) أي: أو غيره مما لا يكون تأديباً معتاداً، ولو فعل ذلك لمصلحةٍ.
قوله: (كنخس) نخست الدابة نخسا بعود - من باب: قتل - طعنته أو نحوه، فهاج، والفاعل نخَّاسٌ مبالغة، ومنه قيل لدلال الدواب ونحوها نخاس.
«مصباح».
قوله: (فاعله) أي: دون راكب ونحوه، وعليه فهدر.
قوله: (ضمن الأوَّل) ما يضمنه المنفرد؛ لأنَّه المتصرف فيها، القادر على كفِّها.
فلو قال: ويضمن منفردٌ من راكبين بتدبيرها، وإن اشتراكا فيه، اشتركا في الضَّمان، كسائق وقائد، لكان أظهر.
قوله: (ونحوهما) كعماه.

الجزء: 3 - الصفحة: 216

وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي تَدْبِيرِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا سَائِقٌ وَقَائِدٌ اشْتَرَكَا فِي الضَّمَانِ، وَيُشَارِكُ رَاكِبٌ مَعَهَا أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا وَإِبِلٌ وَبِغَالٌ مُقْطَرَةٌ كَوَاحِدَةٍ عَلَى قَائِدِهَا الضَّمَانُ وَيُشَارِكُهُ سَائِقٌ فِي أَوَّلِهَا فِي جَمِيعِهَا وفِي آخِرِهَا فِي الْأَخِيرِ فَقَطْ وفِيمَا بَيْنَهُمَا فِيمَا بَاشَرَ سَوْقَهُ.
ومَا بَعْدَهُ وَإِنْ انْفَرَدَ رَاكِبٌ عَلَى أَوَّلِ قِطَارٍ ضَمِنَ جناية الْجَمِيعِ قوله: (أو مع أحدهما) علم مما تقدم: أنه لو اجتمع الثلاثة أو اثنان منهم، لكن انفرد واحدٌ بالتصرف، اختص بالضمان.
قاله منصور البهوتي.
قوله: (وبغالٌ مقطَّرة) أي: بغالٌ، وغيرُها، أي: مجعولة قطارًا، والقطار من الإبل: عدد على نسق واحد، والجمع قطر، مثل: كتاب وكتب، وهو فعال بمعنى مفعول، مثل كتاب، وبساط.
وقطرت الإبل قطرًا، من باب: قتل أيضًا، أي: جعلتها قطاراً، فهي مقطورة، وقطرتها بالتثقيل مبالغة.
«مصباح».
قوله: (ضمن جناية الجميع) قال منصور البهوتي: قلت فعلى هذا إن كان معه سائق، فعلى ما سبق من التفصيل إذا كان سائق وقائد، وإن كان المنفرد بالقطار راكباً، أو سائقًا على غير الأوَّل، ضمن جناية ما هو

الجزء: 3 - الصفحة: 217

وَيَضْمَنُ رَبُّهَا وَمُسْتَعِيرٌ وَمُسْتَأْجِرٌ وَمُودِعٌ مَا أَفْسَدَتْ مِنْ زَرْعٍ وَشَجَرٍ وَغَيْرِهِمَا لَيْلًا إنْ فَرَّطَ لَا نَهَارًا إلَّا غَاصِبُهَا وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ بَهَائِمَ فُلَانٍ رَعَتْ زَرْعَهُ لَيْلًا وَلَا غَيْرُهَا وَوُجِدَ أَثَرُهَا بِهِ قُضِيَ لَهُ راكب عليه، أو سائق له، وما بعده دون ما قبله.
انتهى.
قوله: (ومودع) قال منصور البهوتي قلت: وقياسه مرتهن وأجير لحفظها، وموصى له بنفعها.
انتهى.
قوله: (وغيرهما) كثوبٍ خرقته، أو مضغته، أو وطئت عليه ونحوه.
قوله: (ليلاً) ولو لربها، فيضمنه مستعير ونحوه.
قوله: (إن فرط) من هي بيده في حفظٍ؛ بأن لم يضمها بحيث لا يمكنها الخروج، فإن ضمها فأخرجها غيره بغير إذنه، أو فتح عليها بابا، فالضمان على مخرج، وفاتح.
قوله: (لا نهارًا) أي: ولا يد لأحد عليها.
قال الحارثي: لو جرت عادة بعض أهل النواحي بربطها نهارا، وأرسالها وحفظ الزرع ليلا، فالحكم كذلك، أي: يضمن ربها، ونحوه ما أفسدت ليلا إن فرط، لا نهارًا؛ لأن هذا نادر، فلا يعتبر به في تخصيص الحديث.
قوله: (زرعه) أي: أو شجرهُ.
قوله: (قضي له) وهو من القيافة في الأموال.

الجزء: 3 - الصفحة: 218

وَمَنْ طَرَدَ دَابَّةً مِنْ مَزْرَعَتِهِ لَمْ يَضْمَنْ مَا أَفْسَدَتْهُ إلَّا أَنْ يُدْخِلَهَا مَزْرَعَةَ غَيْرِهِ فَإِنْ اتَّصَلَتْ الْمَزَارِعُ صَبَرَ لِيَرْجِعَ عَلَى رَبِّهَا وَلَوْ قَدَرَ أَنْ يُخْرِجَهَا وَلَهُ مُنْصَرَفٌ غَيْرُ الْمَزَارِعِ فَتَرَكَهَا فهَدَرٌ كَحَطَبٍ عَلَى دَابَّةٍ، خَرَقَ ثَوْبَ بَصِيرٍ عَاقِلٍ يَجِدُ مُنْحَرِفًا وَكَذَا لَوْ كَانَ مُسْتَدْبَرًا فَصَاحَ بِهِ مُنَبِّهًا لَهُ وَإِلَّا ضَمِنَ فَصْلٌ وَإِنْ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ فَغَرِقَتَا ضَمِنَ كُلٌّ سَفِينَةَ الْآخَرِ وَمَا قوله: (من مزرعته) يعني: فدخلت مزرعة غيره، لم يضمن ... إلخ.
قوله: (فإن اتصلت المزراع) لم يطردها.
قوله: (ليرجع على ربها) بما تأكله، حيث لا يمكنه منعها إلا بتسليطها على مال غيره.
منصور البهوتي.
قوله: (كحطبٍ على دابة) اي: أو على إنسان بالأولى.
قوله: (خرق ثوب ... إلخ) قال منصور البهوتي: قلت: وقياسه لو جرحه ونحوه، وكالحطب حديدٌ ونحوه.
قوله: (وإلا ضمن) قال منصور البهوتي: قلت: وكالمستدبر الأعمى إذا صاح عليه منبِّهًا له بالانحراف لموضع يمكنه الانحراف، ولم يفعل.
انتهى.
قوله: (ضمن كل) أي: كل من قيمتي السفينتين.
منصور البهوتي.

الجزء: 3 - الصفحة: 219

فِيهَا، إنْ فَرَّطَ وَلَوْ تَعَمَّدَاهُ فشَرِيكَانِ فِي إتْلَافِهِمَا ومَا فِيهِمَا فَإِنْ قُتِلَ غَالِبًا فالْقَوَدُ وَإِلَّا فشِبْهُ عَمْدٍ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا وَاقِفَةً ضَمِنَهَا قَيِّمُ السَّائِرَةِ إنْ فَرَّطَ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُنْحَدِرَةً ضَمِنَ قَيِّمُهَا الْمُصْعِدَةَ إلَّا أَنْ يُغْلَبَ عَنْ ضَبْطِهَا وَيُقْبَلُ قَوْلُ مَلَّاحٍ فِيهِ وَلَا يَسْقُطُ فِعْلُ الصَّادِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مَعَ عَمْدٍ وَلَوْ خَرَقَهَا عَمْدًا أَوْ بِشِبْهِهِ أَوْ خَطَأً عُمِلَ بِذَلِكَ قوله: (مع عمد) أي: تعمد الصدم، بل يعتد بفعله، فإن كان حرا، فليس لورثته إلا نصف ديته، وإن كان عبدًا، فليس لسيده إلا نصف قيمته؛ لأنه شارك في قتله، ومفهومه: أنه يسقطُ مع خطأ، فتجب الدية كاملة على العاقلةِ.
قوله: (عمل بذلك) أي: فيقتص في صورة العمد بشرطه.
والدية في عاقلته في الأخيرين، والكفارة في ماله.
والعمد؛ بأن يتعمد قلع لوح ونحوه في اللُّجة.
وشبهه؛ بأن يقلع لوحاً من غير داع إلى قلعه، لكن في مكان قريبٍ من الساحل لا يغرق به من فيها غالباً.
والخطأ؛ بقلع لوح يحتاج إلى الإصلاح في محل لا يغرق به من فيها غالبًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 220

والْمُشْرِفَةُ عَلَى غَرَقٍ يَجِبُ إلْقَاءُ مَا يُظَنُّ بِهِ نَجَاةٌ غَيْرَ الدَّوَابِّ إلَّا أَنْ تُلْجِئَ الضَّرُورَةُ إلَى إلْقَائِهَا وَمَنْ قَتَلَ صَائِلًا عَلَيْهِ وَلَوْ آدَمِيًّا دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ قوله: (يجب) أي: على الركبان.
قوله: (غير الدواب) أي: ولو كل الأمتعة، فلو ألقى متاعه ومتاع غيره مع عدم امتناعه، فلا ضمان على أحد، ومع امتناع الغير يجوز الإلقاء لغير الممتنع، لكن يضمن.
قوله: (إلى إلقائها) ومفهومه: أن الرقيق كالحر في أنه لا يلقى مطلقاً.
قوله: (ومن قتل صائلاً ... إلخ) وإذا عرفت البهيمة بالصول، وجب على مالكها والإمام وغيره إتلافها إذا صالت على وجه المعروف، ولا تضمن، كمرتدٍ.
ولو حالت بهيمة بينه وبين ماله، ولم يصل إليه إلا بقتلها، لم يضمن.
قاله في «الإقناع».
قوله: (دفعا عن نفسه) أي: إن لم يندفع إلا بالقتل، فلا يضمنه، فلو دفعه عن غيره، ضمن الدافع الصائل، إلا إن كان الصائل ولده، فلا يضمنه أبوه الدافع له، أو كان الصائل امرأة الدافع، كزوجة، وأم وأخت وخالة، فلا يضمن دافع، كما جزم به في «الإقناع».
وفي الفتاوى «الرحبيات» عن ابن عقيل وابن الزاغوني:

الجزء: 3 - الصفحة: 221

أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ أَتْلَفَ وَلَوْ مَعَ صَغِيرٍ مِزْمَارًا.
أَوْ طُنْبُورًا أَوْ عُودًا أَوْ طَبْلًا أَوْ دُفًّا بِصُنُوجٍ أَوْ حِلَقٍ أَوْ نَرْدًا أَوْ شِطْرَنْجًا أَوْ صَلِيبًا أَوْ كَسَرَ إنَاءَ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ فِيهِ خَمْرٌ مَأْمُورٌ بِإِرَاقَتِهَا قَدَرَ عَلَى إرَاقَتِهَا بِدُونِهِ أَوْ لَا أَوْ حُلِيًّا مُحَرَّمًا عَلَى ذَكَرٍ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ لا ضمان، أي: على الدافع عن غيره مطلقا، ونقل في «القواعد» عن القاضي: الضمان مطلقا، كما هو مفهوم كلام المصنف، فصاحب «الإقناع» قد توسَّط بين القولين.
قوله: (أو خنزيرا) أي: ولو لم يصل عليه.
وكذا كل حيوان أبيح قتله، قوله: (أو أتلف) أي: بكسر، أو خرق، أو غيرهما.
قوله: (ولو مع صغير) أي: ولو كان المتلفُ المفهوم من الفعل.
قوله: (أو كسر إناء فضة، أو ذهب) وأما إذا أتلفه، فإنه يضمنه بوزنه ذهبًا، أو فضة، كما تقدم بلا صناعة.
قوله: (أو فيه خمر ... إلخ) وهي ما عدا خمر خلَّال وذمي المستتر بها، فإنه لا يضمن إناءهما، تبعًا لهما.
قوله: (لم يستعمله) أي: يتخذه.
قال في «الآداب الكبرى»: ولا يجوز تخريق الثياب التي عليها الصور، ولا الرقوم التي تصلح بسطا وتداس، ولا كسر الحلي

الجزء: 3 - الصفحة: 222

يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ أَوْ آلَةَ سِحْرٍ أَوْ تَعْزِيمٍ أَوْ تَنْجِيمٍ أَوْ صُوَرَ خَيَّالٍ أَوْ أَوْثَانًا أَوْ كُتُبَ مُبْتَدِعَةٍ مُضِلَّةً أَوْ كُفْرٍ أَوْ حَرَقَ مَخْزَنَ خَمْرٍ أَوْ كِتَابًا فِيهِ أَحَادِيثُ رَدِيئَةٌ لَمْ يَضْمَنْهُ المحرم على الرجال إن صلح للنِّساء.
قال في موضع آخر: ولم يستعمله الرجال.
قوله: (فيه أحاديث رديئة) أي: موضوعة.
قال في «شرحه»: وظاهره: ولو كان معها غيرها.

الجزء: 3 - الصفحة: 223

بَابُ الشُّفْعَةِ: اسْتِحْقَاقُ الشَّرِيكِ انْتِزَاعُ شِقْصِ شَرِيكِهِ مِمَّنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ إذَا كَانَ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ

باب الشفعة

الشفعة بالضم، مشتقة من شفعت الشيء شفعا، من باب: ضرب ضممته إلى الفرد؛ لأن صاحبها يشفع ماله بها، وهي اسم للملك المشفوع مثل اللقمة للملقوم، وتستعمل بمعنى التملك لذلك الملك.
ومنه قولهم: من ثبتت له شفعة فأخر الطلب بغير عذر، بطلت شفعته.
ففي هذا المثال جمع بين المعنيين، فإن الأولى للمال، والثانية للتملك، ولا يعرف لها فعل.
انتهى.
«مصباح».
قوله: (استحقاق الشريك) أي: لا الجار، أي الشريك في ملك الرقبة ولو مكاتبًا.
قوله: (شقص ... إلخ) الشقص، بالكسر: السهم والنصيب.
«قاموس».
قوله: (شريكه) أي: المنتقل عنه إلى غيره.
قوله: (يعوض) متعلق بـ (انتقل) أي: بنحو بيع.
قوله: (إن كان) أي: المنتقل إليه: (مثله) أي: مثل الشريك حين عقد؛ بأن يكونا مسلمين أو كافرين، أو المنتقل إليه دون الشريك؛ بأن يكون مسلمًا والآخر كافرًا، فلا شفعة لكافر على مسلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 224

وَلَا تَسْقُطُ بِاحْتِيَالٍ وَيَحْرُمُ وَشُرُوطُهَا خَمْسَةٌ كَوْنُهُ مَبِيعًا، قوله: (ولا تسقط باحتيال ... إلخ) بأن يظهرا في العقد شيئا لا يؤخذ بالشفعة معه، ويتواطآ في الباطن على خلافه، كإظهار تواهب، أو زيادة ثمن، ونحوه.
قال في «الفائق» قلت: ومن صور التحيُّل: أن يقفه المشتري، أو يهبه حيلة لإسقاطها، فلا تسقط بذلك عند الأئمة الأربعة.
ويغلط من يحكم بهذا ممن ينتحل مذهب أحمد.
وللشفيع الأخذ بدون حكم.
انتهى.
قال في القاعدة الرابعة والخمسين: هذا ظاهر.
منصور.
وإذا خالف أحدهما ما تواطآ عليه، فطالب صاحبه بما أظهره، لزمه في ظاهر الحكم.
قاله في «الإقناع».
قال في «شرحه» قلت: إن لم تقم بينة بالتواطؤ، وله تحليف البائع أنه لم يتواطآ معه على ذلك.
انتهى.
ولا يحل في الباطن لمن غر صاحبه، الأخذ بخلاف ما تواطآ عليه.
قاله في «الإقناع».
وبخطه أيضاً على قوله: (باحتيال) أي: ويقبل قول مشترٍ بيمينه في عدمه، فتسقط.
قوله: (كونه مبيعاً) أي: حقيقة أو حكماً، فدخل صلحُ الإقرار، والجناية

الجزء: 3 - الصفحة: 225

فَلَا تَجِبُ فِي قِسْمِهِ وَلَا هِبَةٍ وَلَا فِيمَا عِوَضُهُ غَيْرُ مَالِيٍّ كَصَدَاقٍ وَعِوَضُ خُلْعٍ وصُلْحٍ عَنْ قَوَدٍ وَلَا مَا أَخَذَ أُجْرَةً أَوْ ثَمَنًا فِي سَلَمٍ أَوْ عِوَضًا فِي كِتَابَةٍ الثَّانِي كَوْنُهُ مُشَاعًا مِنْ عَقَارٍ يَنْقَسِمُ إجْبَارًا فَلَا شُفْعَةَ لِجَارٍ فِي مَقْسُومٍ مَحْدُودٍ وَلَا فِي طَرِيقٍ مُشْتَرَكٍ لَا يَنْفُذُ الموجبة للمال، وخرج مالو رجع الشقص لعاقد؛ لرده بنحو عيب؛ لأنه فسخ لا بيع.
فتدبر.
قوله: (فلا تجب في قسمة) إفراز، أو تراض.
قوله: (ولا هبة) أي: بلا عوض.
قوله: (ولا فيما عوضه غير مال) منه ما اشتراه ذمي بخمر، أو خنزير.
قوله: (وعوض خلع) أو عتق، كأعتق عبدك عني بنصف دار.
قوله: (عن قود) أي: ولو قلنا: الواجب في العمد أحد شيئين.
ولو قال لأمِّ ولده: إن خدمت ولدي حتى يستغني، فلك هذا الشقص، فخدمته إلى الفطام، استحقته، ولا شفعة فيه، لأنه موصى به بشرط.
قاله المصنف.
قوله: (ولا ما أخذ أجرة) أي: أو جعالة.
قوله: (كونه مشاعا) أي: غير مفرز.
قوله: (من عقار) يعني: أرضا، وأما البناء والشجر، فتبع، كما سيجيء.
قوله: (فلا شفعة ... إلخ) مفرع على قوله (مشاعاً).
قوله: (ولا في طريق) مفرع على قوله: (ينقسم إجبارا)

الجزء: 3 - الصفحة: 226

بِبَيْعِ دَارٍ فِيهِ وَلَوْ كَانَ نَصِيبُ مُشْتَرٍ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ فَإِنْ كَانَ لَهَا بَابٌ آخَرُ وَأَمْكَنَ فَتْحُ بَابٍ لَهَا إلَى شَارِعٍ وَجَبَتْ وَكَذَا دِهْلِيزٌ وَصَحْنٌ مُشْتَرَكَانِ وَلَا فِيمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ كَحَمَّامٍ صَغِيرٍ.
وَبِئْرٍ وَطُرُقٍ وَعِرَاضٍ ضَيِّقَةٍ وَلَا فِيمَا لَيْسَ بِعَقَارٍ كَوَجَوْهَرٍ وَسَيْفٍ وَنَحْوِهِمَا وَيُؤْخَذُ غِرَاسٌ وَبِنَاءٌ تَبَعًا لِأَرْضٍ، قوله: (وجبت) أي: حيث أمكنت قسمته، كغيره.
قوله: (وكذا) أي: فيما تقدم من التفصيل.
قوله: (دهليز)، بكسر الدال: ما بين الباب والدار.
قوله: (وصحن) أي: وسط الدار.
قوله: (وبناء منفرد) فلو بيعت حصة من علو دار مشترك، فلا شفعة لصاحب السفل فيه، ولو كان السقف لهما، فإن كان السفل لهما والعلو لأحدهما، فباع رب العلو العلو ونصيبه من السفل، فللشريك الشفعة في السفل فقط دون العلو؛ لعدم الشركة فيه.
قوله: (ويؤخذ غراس ... الخ) وكذا نهر، وبئر، وقناة، ودولاب.

الجزء: 3 - الصفحة: 227

لَا ثَمَرٌ وَزَرْعٌ الثَّالِثُ: طَلَبُهَا سَاعَةَ يَعْلَمُ فَإِنْ أَخَّرَهُ لِشِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ حَتَّى يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ لِطَهَارَةٍ أَوْ إغْلَاقِ بَابٍ أَوْ لِيَخْرُجَ مِنْ حَمَّامٍ أَوْ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ أَوْ لِيُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ أَوْ لِيَشْهَدَ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ قوله: (لا ثمر) ظاهر، فلو كان غير متشقق، دخل في الشفعة حيث أخذه الشفيع قبل التشقق، وإلا فلمشتر مبقىً، كما يأتي.
قوله: (الثالث: طلبها ساعة يعلم) أي: إن لم يكن عذر، وإلا بطلت فإن قدر معذور على التوكيل فيطلب الشفعة، فلم يفعل، أو لقي المشتري في غير بلده، فلم يطالبه - سواء قال: إنما تركت المطالبة لأطالبه في البلد الذي فيه البيع، أو لا، أو نسي المطالبة، أو البيع، أو جهلا باستحقاقه لها - سقطت شفعته.
وإن قال الشريك لشريكه: بع نصف نصيبي مع نصف نصيبك، ففعل، ثبت لكل منهما فيما بيع من نصيب صاحبه.
قوله أيضًا على قوله: (الثالث طلبها ... إلخ) قال الحارثي: في جعل هذا شرطا إشكال، وهو أن المطالبة بالحق فرع عن ثبوت ذلك الحق، ورتبة الشرط متقدمة على المشروط، فالصحيح: أنه شرط لاستدامة الشفعة لا لأصلها.
انتهى.
قوله: (أو ليشهد الصلاة) ظاهره: ولو نفلا، كالكسوف،

الجزء: 3 - الصفحة: 228

يَخَافُ فَوْتَهَا وَنَحْوِهِ أَوْ مَنْ عَلِمَ لَيْلًا حَتَّى يُصْبِحَ مَعَ غَيْبَةِ مُشْتَرٍ أَوْ لِ صَلَاةٍ وَسُنَنِهَا وَلَوْ مَعَ حُضُورِهِ أَوْ جَهْلًا بِأَنَّ التَّأْخِيرَ مُسْقِطٌ وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ أَوْ أُشْهِدَ بِطَلَبِهِ والتراويح وقد يقال: قوله في «شرحه» هنا: أو أخره من علم، وقد دخل وقت مكتوبة ليشهد الصلاة في جماعة يفيد التخصيص بالفرض.
ويؤيده قوله: كـ «الإقناع»: ويأتي بالصلاة بسننها.
فتدبر، والله أعلم.
قوله: (ونحوه) كمن أخر ليرقع ثوبه، أو ليلتمس ضالته.
قوله: (مع غيبة مشتر) أي: في جميع هذه الصور.
قوله: (ولو مع حضوره) فإن قيل: ما الفرق بين هذه المسألة وبين قوله قبل: (أو ليشهد الصلاة في جماعة) حيث قيد في الأولى بغيبة مشتر، وهنا لم يقيد بها؟ أجيب بأن الفرق بينهما: أنه في الأولى علم قبل دخوله المسجد، فلا تلزمه بالسعي إلى مطالبته بالشفعة، بل يعذر بتحصيل الجماعة، وحيئنذ فلو كان المشتري حاضرًا، وجبت المطالبة، وإلا سقطت، بخلاف الثانية، فإنه لم يعلم بالبيع إلا وهو في المسجد، أو علم به خارجه، وقدم الجماعة؛ لغيبة المشتري، ثم اجتمعا في المسجد، فلا يلزمه في الصورتين الطلب، إلا بعد الإتيان بالصلاة مع سننها.
فلتأمل.
قوله: (أو أشهد بطلبه ... إلخ) أي: فإن لم يشهد، سقطت.
وظاهر كلامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 229

غَائِبٌ أَوْ مَحْبُوسٌ لَمْ تَسْقُطْ وَتَسْقُطُ بِسَيْرِهِ فِي طَلَبِهَا بِلَا إشْهَادٍ لَا إنْ أُخِّرَ طَلَبُهُ بَعْدَهُ وَلَفْظُهُ أَنَا طَالِبٌ أَوْ مُطَالِبٌ أَوْ آخُذُ بِالشُّفْعَةِ أَوْ قَائِمٌ عَلَيْهَا وَنَحْوُهُ مِمَّا يُفِيدُ مُحَاوَلَةَ الْأَخْذِ وَيَمْلِكُ بِهِ فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ وَيُوَرَّثُ كالموفق: أن الشفيع إذا كان ببلد المشتري غير محبوس، لا بد من توجهه له.
وصرح به في «العمدة»، فلا يكفي إشهاده بالطلب.
وقال الحارثي: المذهب الإجزاء، وهو اختيار أبي بكر، وجزم به في «الإقناع».
منصور البهوتي.
قوله: (غائب) أي: عن بلدته ولو قدر على التوكيل فيه.
قوله: (أو محبوسا) ظلما، أي: أو مريض لا مرضًا يسيرًا.
قوله: (بلا إشهاد) أي: قبل سيره، ولو سار بسيرٍ معتاد.
قوله: (ولفظه) أي: لفظ الطلب الذي يكون وسيلة المعذور إلى الأخذ بالشفعة أن يقول ... إلخ.
قوله: (أنا طالب) أي: للشفعة.
قوله: (مما يفيد محاولة الأخذ) كتملكت المشفوع.
قوله: (ويملك به) لأن البيع السابق سبب، فإذا انضمت إليه المطالبة، كان كالإيجاب في البيع إذا انضم إليه القبول.
قوله: (فيصحُّ تصرفه) أي: تصرف الشفيع في الشقص المشفوع؛ لانتقال الملك فيه إليه بالطلب.

الجزء: 3 - الصفحة: 230

وَلَا تشْتَرَط رُؤْيَتُهُ لِأَخْذِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُشْهِدُهُ أَوْ أَخَّرَهُمَا عَجْزًا كَمَرِيضٍ قوله: (ولا تشترط رؤيته ... إلخ) أي: ولا معرفة ثمن أيضًا.
خلافاً لما جزم به في «المبدع»، ونقله في «الإنصاف» عن الموفق وقطع به في «الإقناع»، لكن المصنف تابع «للتنقيح» لما تقدم في خطبته.
قوله أيضاً على قوله: (ولا تشترط رؤيته) أي: مشاهدة ما منه الشقص المشفوع، أي: العقار، فلا يشترط ذلك قبل التملك، قطع به في «التنقيح» وغيره.
قال المصنف: ولعل الأصحاب نظروا إلى كونها انتزاعًا قهريًا، كرجوع نصف الصداق المعين إلى ملك الزوج بطلاقه قبل الدخول، وإن لم يكن رآه، كما لو وكل إنسان آخر في شراء عبدٍ، وتزويج امرأةٍ، وإصداقِها إيَّاه ففعل، ولم يَرَهُ الموكل، ثم طلقها قبل الدخول.
انتهى.
قوله: (وإن لم يجد من يشهده) أي: بأن لم يجد أحدًا، أو وجد من لا أهليَّة فيه، كالمرأة والفاسق، أو وجد مستوري الحالِ.
قال في «تصحيح الفروع»: ينبغي

الجزء: 3 - الصفحة: 231

وَمَحْبُوس ظُلْمًا أَوْ لِإِظْهَارِ زِيَادَةَ ثَمَنٍ أَوْ نَقْصَ مَبِيعٍ أَوْ هِبَتِهِ أَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ غَيْرُهُ أَوْ لِتَكْذِيبِ مُخْبِرٍ لَا يُقْبَلُ فعَلَى شُفْعَتِهِ وَتَسْقُطُ إنْ كَذَّبَ مَقْبُولًا أَوْ قَالَ لِمُشْتَرٍ: بِعْنِيهِ أَوْ أَكْرَنِيهِ أن يُشهدهما ولو لم يقبلهما الحاكم، أو وجد من لا يقدم معه إلى موضع المطالبة.
قال في «المغني»: فإن وجد واحدًا لا أكثر، فأشهده، أو لم يشهده لم تسقط.
انتهى.
وردَّه الحارثي؛ بأن شهادة العدل يقضى بها مع اليمين.
قوله: (أو لإظهار زيادة ثمن) أو غير جنسه.
قوله: (أو نقص مبيع) أي: لا زيادته.
قوله: (أو لتكذيب مخبر ... إلخ) فهم منه: أنه لو لم يكن يكذبه ولم يصدقه، كان على شفعته.
وعبارة «الإقناع»: أو أخبره فلم يصدِّقه، أي: سواء كذبه أو لا، فهو على شفعته في الصورتين.
قوله: (لا يقبل) أي: لفسقه.
قوله: (وتسقط إن كذب مقبولا) أو لم يصدِّقه، أو صدَّق غير مقبول ولم يطلب فتسقط شفعته، كما جزم به في «الإقناع».
قوله أيضا على قوله: (إن كذب مقبولا) أي: عدلا، ولا أنثى أو عبدًا.
قوله: (أو قال لمشتر: بعنيه) أو هبنيه، أو ائتمني عليه، مثل ذلك ما لو قيل له:

الجزء: 3 - الصفحة: 232

أَوْ صَالِحْنِي أَوْ اشْتَرَيْتُهُ رَخِيصًا وَنَحْوَهُ لَا إنْ عَمِلَ دَلَّالًا بَيْنَهُمَا وَهُوَ السَّفِيرُ أَوْ تَوَكَّلَ لِأَحَدِهِمَا أَوْ جُعِلَ لَهُ الْخِيَارُ فَاخْتَارَ إمْضَاءَهُ أَوْ رَضِيَ بِهِ أَوْ ضَمِنَ ثَمَنَهُ أَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَوْ دَعَا لَهُ بَعْدَهُ وَنَحْوُهُ أَوْ أَسْقَطَهَا قَبْلَ بَيْعِ وَمَنْ تَرَكَ شُفْعَةَ مُوَلِّيهِ وَلَوْ لِعَدَمِ حَظِّ فَلَهُ إذَا صَارَ أَهْلًا الْأَخْذُ بِهَا شريكك باع نصيبه من زيد، فقال: إن باعني زيد وإلا فلي الشفعة، فتسقط شفعته، كما قدمه الحارثي رحمه الله تعالى.
قوله: (أو صالحني) أي: أو قاسمني، أو اكتر مني.
قوله: (ونحوه) كاشتريت غاليًا.
قوله: (أو رضي) أي: أو أذن في البيع.
قوله: (به) أي: بالبيع.
قوله: (ونحوه) كرد سلامه.
قوله: (ومن ترك شفعة موليه ... إلخ) ولو أبا، أو على مجنون مطبق، أي: لا ترجى إفاقته، أي: أو صرح الولي بالعفو عنها، ثم إن عاد الولي، فأخذ بها، صحَّ إن كان أحظ.
واعلم: أنه يجب على الولي الأخذ بالشفعة حيث كان فيه حظ؛ بأن كان الشراء رخيصًا، أو بثمن المثل، أو للمحجور عليه مال يوفي الثمن منه، فإن ترك الولي إذن، فلا غرم عليه.
وإلا يكن الأخذ حظ، كما لو غبن المشتري، أو كان الأخذ بها يحتاج إلى أن يستقرض ويرهن مال المحجور عليه، تعيَّن الترك، ولم يصح الأخذ.
وأما المحجور عليه لفلس، فله الأخذ

الجزء: 3 - الصفحة: 233

الرابع: أَخْذُ جَمِيعِ الْمَبِيعِ فَإِنْ طَلَبَ بَعْضَهُ مَعَ بَقَاءِ الْكُلِّ سَقَطَتْ وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ أَخَذَ بَاقِيَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ ثَمَنِهِ فَلَوْ اشْتَرَى دَارًا والعفو، ولا يجبر على أخذ وإن كان فيه حظ.
وإن باع وصيٌّ أيتام نصيب أحدهم في شركة الآخر، فله الأخذ لذلك الآخر، فإن كان الوصي شريكاً، لم يأخذ لنفسه للتهمة، بخلاف مالو باع الوصي نصيب نفسه، فله الأخذ لليتيم إن كان حظ؛ لعدم التهمة.
ولأب باع نصيب ولده أخذه بالشفعة؛ لأن له الشراء لنفسه من مال ولده.
وإذا بيع شقص في شركة حملٍ، لم يكن لوليه أخذ قبل ولادته؛ لأنه لا يمكن تمليكه إذن بغير الوصية، فإذا ولد أخذ الولي إن كان حظ.
قوله: (الرابع أخذ ... إلخ) قال الحارثي: هذا الشرط كالذي قبله من كونه ليس شرطا لأصل استحقاق الشفعة، فإن استحقاق الجميع أمر يتعلق بكيفية الأخذ، والنظر في كيفية الأخذ فرع استقراره، فيستحيل جعله شرطاً لثبوت أصله.
قال: والصواب أن يجعل شرطاً للاستدامةِ، كما الذي قبله.
نقله في «حاشية الإقناع».
قوله: (مع بقاء الكل) أي: لم يتلف من المبيع شيء.
قوله: (وإن تلفَ بعضُه) أي: ولو بفعل الله تعالى، كمطر.
قوله: (بحصته) ومع بقاء صورة المبيع ونقصه، كانشقاق حائط وبوران أرض، ليس له الإ الأخذ بكل الثمن أو الترك.
قوله: (فلو اشترى دارا) أي: شقصا منها.

الجزء: 3 - الصفحة: 234

بِأَلْفٍ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ فَبَاعَ بَابَهَا أَوْ هَدَمَهَا، فَبَقِيَتْ بِأَلْفٍ أَخَذَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ وَهِيَ بَيْنَ شُفَعَاءَ عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ وَمَعَ تَرْكِ الْبَعْضِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِي أَنْ يَأْخُذَ إلَّا الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكَ وَكَذَا إنْ غَابَ وَلَا يُؤَخَّرُ بَعْضُ ثَمَنِهِ لِيَحْضُرَ غَائِبٌ فَإِنْ أَصَرَّ فَلَا شُفْعَةَ، وَالْغَائِبُ عَلَى حَقِّهِ وَلَا يُطَالِبُهُ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ غَلَّتِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا أَخَذَ بِحِصَّتِهِ، قوله: (على قدر أملاكهم) أي: كمسائل الرد.
قوله: (ومع ترك البعض ... إلخ) أي: بعض الشركاء، وكذا لو أخذ بها أحد الشركاء، ثم رد ما أخذه بعيب، توفرت الشفعة على بقية الشركاء، فيأخذوا الكل أو يتركوا إن كان قبل أخذهم.
قوله: (لم يكن الباقي) أي: من الشركاء.
قوله: (وكذا إن غاب) البعض، أي: أصر على تأخيره فلا شفعة، كما لو أبى أخذ جميع المبيع.
قوله: (والغائب على حقه) فإذا قدم ثان بعد أخذ أول، فإن شاء أخذ، وإن شاء عفا، وإن خرج الشقص مستحقا بعد أخذ الثاني مثلاً، فالعهدة على المشتري لا على الأول.
قوله: (من غلته) كثمرٍ وأجر.
قوله: (أخذ بحصته) يعني: أن المشتري حيث كان شريكاً في العقار قبل الشراء،

الجزء: 3 - الصفحة: 235

فَإِنْ عَفَا لِيُلْزِمَ بِهِ غَيْرَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ وَلِشَفِيعٍ فِيمَا بِيعَ عَلَى عَقْدَيْنِ الْأَخْذُ بِهِمَا وبِأَحَدِهِمَا وَيُشَارِكُهُ مُشْتَرٍ إذَا أَخَذَ بالثَّانِي فَقَطْ وَإِنْ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ أَوْ وَاحِدٌ حَقَّ اثْنَيْنِ أَوْ شِقْصَيْنِ مِنْ عَقَارَيْنِ صَفْقَةً فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ حَقِّ أَحَدِهِمَا وأَخْذُ الشِّقْصَيْنِ وأَخْذُ شِقْصٍ بِيعَ مَعَ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ بِحِصَّتِهِ يُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَتِهِمَا الْخَامِسُ: سَبْقُ مِلْكِ شَفِيعٍ لِلرَّقَبَةِ فإنه يستقر ملكه على ما يقابل ما كان له، فلا ينتزع منه، وإلا فلا شفعة له على نفسه.
فتدبر.
قوله: (فإن عفا) مشتر عن شفعته، كحاضرٍ أخذ بالشفعة عفا لغائب قدم.
قوله: (على عقدين) وكذا أكثر، فإذا أخذ بغير الأول، فلسابقٍ مشاركته.
قوله: (بالثاني) لا بهما أو بالأول فقط.
قوله: (وإن إشترى اثنان ... إلخ) أو واحد لنفسِه أو لغيره بوكالة أو ولاية حق واحد.
قوله: (وأخذ شقص ... إلخ) أي: مشفوعٍ.
قوله: (على قيمتيهما) أي: الشقصين، أو الشقص وما معه.
قوله: (سبق ملك ... إلخ) أي: ببينة أو إقرار مشترٍ، فلا تكفي اليد.
قوله: (للرقبة) أي: لجزء من رقبة ما منه الشقص المبيع.

الجزء: 3 - الصفحة: 236

فَيثبُتُ لِمُكَاتَبٍ لَا لِأَحَدِ اثْنَيْنِ اشْتَرَيَا دَارًا صَفْقَةً عَلَى الْآخَرِ ولَوْ مَعَ ادِّعَاءِ كُلٍّ السَّبْقَ وَتَحَالَفَا أَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتُهُمَا وَلَا بِمِلْكٍ غَيْرِ تَامٍّ كَشَرِكَةِ وَقْفٍ أَوْ الْمَنْفَعَةِ.
كَبَيْعِ شِقْصٍ مِنْ دَارٍ مُوصًى بِنَفْعِهَا لَهُ فَصْلٌ وَتَصَرُّفُ مُشْتَرٍ مَشْفُوعٍ بَعْدَ طَلَبِ بَاطِلٌ، قوله: (كشركة وقف) ولو على معينٍ، ولا ينقض حكم حنبلي بثبوت الشفعة فيه، كالوقف على النفس وإجازة المشاع؛ لعدم مخالفته لنص إمامه، بخلاف ما لو حكم بعدم وقوع الثلاث المجموعة؛ لمخالفة نص إمامه.
هذا معنى ما أفتى به المصنف قال: وسواء كان حاكمه يصلح للقضاء أو لا يصلح، على ما اختاره الموفق والشيخ تقي الدين وجماعة.
قال في «الإنصاف» عن هذا القول: وهو الصواب، وعليه عمل الناس من مدد ولا يسع الناس غيره، وهو قول أبي حنيفة ومالكٍ.
قوله: (وتصرف مشتر) أي: ولو على معين.
قوله: (باطلٌ) أي:

الجزء: 3 - الصفحة: 237

وقَبْلَهُ بِوَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بِمَا لَا تَجِبُ بِهِ شُفْعَةٌ ابْتِدَاءً كَجَعْلِهِ مَهْرًا أَوْ عِوَضًا فِي خُلْعٍ أَوْ صُلْحًا عَنْ دَمِ عَمْدٍ يُسْقِطُهَا لَا بِرَهْنٍ أَوْ إجَارَةٍ وَيَنْفَسِخَانِ بِأَخْذِهِ ويحرم تصرف مشتر بعدَه، لانتقال الملك إلى الشفيع بالطلب في الأصحِّ، أو الحجر عليه به لحق الشفيع على مقابلة، فإن نهى الشفيع المشتري عن التصرف ولم يطالبه بها، لم يصر المشتري ممنوعًا، بل تسقط الشُّفعة على قولنا بالفورية، كما هو صحيح.
قوله: (بوقف) أي: على معين أو غيره.
منصور البهوتي.
قوله: (أو هبةٍ) أي: بلا عوض، ولو قبل قبضٍ، أو وصية قبلت قبل طلب، وإلا بطلت الوصية، ودفع شفيع الثمن لورثة الموصي لا للموصى له.
قوله: (أو بما لا تجب ... إلخ) عطفُ عام على خاص.
قوله: (أو عوضا في خلع) أي: أو خلاف أو عتق.
قوله: (أو صلحا) بمعنى اسم المفعول.
قوله: (يسقطها) أي: إن لم تكن حيلة، كما تقدم، وهو خبر المبتدأ.
وهو قوله: (وتصرف مشتر ... إلخ).
وقوله: (قبله بوقف) عطف على قوله: (بعد طلب).
والحاصل: أن المبتدأ أخبر عنه بخبرين مرتبين على قيدين مختلفين.
فتأمل.
قوله: (وينفسخان) أي: الرهن والإجارة.
قوله: (بأخذه) أي: الشفيع الشِّقص لسبق حقِّه حقهما،

الجزء: 3 - الصفحة: 238

وَإِنْ بَاعَ أَخَذَهُ شَفِيعٌ بِثَمَنِ أَيْ: الْبَيْعَيْنِ شَاءَ وَيَرْجِعُ مَنْ أُخِذَ الشِّقْصُ مِنْهُ بِبَيْعٍ قَبْلَ بَيْعِهِ عَلَى بَائِعِهِ بِمَا أَعْطَاهُ ولخروج الشقص من يد المشتري قهرًا، بخلاف البيع، ولاستناد الآخذ إلى حال الشراء.
وإن وصى بالشقص، فإن أخذ شفيعٌ قبل قبول، بطلت الوصية، واستقر الأخذ، وكذا لو طلب ولم يأخذ، ويدفع الثمن إلى الورثة.
وإن قبل موصى له قبل أخذ قبل أخذ شفيع وطلبه، بطلت الشفعة، وإن ارتدَّ وقتل أو مات، فلشفيع الأخذ من بيت المال، والمطالب بالشفعة وكيل بيت المال، انتهى.
منصور البهوتي.
قوله: (أي البيعين شاء) وكذا لو تعددت البيوع.
قوله: (ويرجع ... إلخ) أي: فلو أخذ شفيعٌ بالبيع الأول، رجع المشتري الثاني على الأول، والثالث على الثاني، وهكذا، وينفسخ ما بعد البيع الأول، وإن أخذ بالأخير، فلا رجوع، واستقرَّت العقود، وإن أخذ بالمتوسط، استقر ما قبله وانفسخ ما بعده، فلو اشتراه الأول بعشرة أرادب شعيرٍ، والثاني بعشرة أرادب فول، والثالث بعشرة أرادب قمح، فإن أخذ الشفيع من الأول، دفع له الشعير، ويرجع كل من الثاني والثالث على بائعه بما دفع له، وإن أخذ من الثاني، دفع له الفول ورجع، وإن أخذ من الثالثِ، دفع له القمح، ولا رجوع لأحدٍ منهم على غيره.
قوله: (بما) أي: بثمن.

الجزء: 3 - الصفحة: 239

وَلَا تَسْقُطُ بِفَسْخِ لِتَحَالُفٍ وَيُؤْخَذُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ بَائِعٌ وَلَا بِإِقَالَةٍ، أَوْ عَيْبٍ فِي شِقْصٍ وفِي ثَمَنِهِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ أَخْذِهِ بِهَا يُسْقِطُهَا لَا بَعْدَهُ قوله: (ولا إقالة ... إلخ) يعني: أنه إذا فسخ البيع بعيبٍ في الشقص، أو إقالة، ثم علم الشفيع، فله الأخذ بها، فينقض فسخه، ويؤخذ بما وقع عليه العقد، وإن أخذ الشفيع الشقص ثم ظهر على عيبٍ لم يعلماه، فله رده على المشتري، أو أخذ أرشه والمشتري على البائع كذلك، وأيهما علم به قبل العقد أو بعده لم يرده، ولكن إذا علم الشفيع وحده، فلا رد للمشتري، وله الأرش.
وإن ظهر الثمن المعين مستحقًا، فالبيع باطل ولا شفعة، وإن ظهر بعضه مستحقًا، بطل فيه فقط، وثبت الشفعة في باقيه، وكذا لو كان الثمن نحو مكيل تلف قبل قبضه وقبل أخذٍ، فلا شفعة، ولا تصح إقالة بائع وشفيع.
قوله: (المعين) كهذا العبد، فوجده أصم مثلا وفسخ، وغير المعين لا يمنع، كالشقص.
والفرق بين العيب في الثمن المعين، والعيب في الشقص - حيث أسقط الفسخ في الأول الشفعة دون الفسخ في الثاني - أن في صورة عيب الثمن المعين حق البائع في استرجاع الشقص، ولا يحصل مع الأخذ، بخلاف ما إذا كان العيب في الشقص، فإن حق المشتري في استرجاع الثمن، وقد حصل له من الشفيع، فلا فائدة له في سقوط الشفعة، ولا ضرر عليه في ذلك.
قوله: (يسقطها) خبر لمحذوف.

الجزء: 3 - الصفحة: 240

وَلِبَائِعٍ إلْزَامُ مُشْتَرٍ بِقِيمَةِ شِقْصِهِ وَبِتَرَاجُعِ مُشْتَرٍ وَشَفِيعٍ بِمَا بَيْنَ قِيمَةِ وَثَمَنِهِ فَيَرْجِعُ دَافِعُ الْأَكْثَرِ بِالْفَضْلِ وَلَا يَرْجِعُ شَفِيعٌ عَلَى مُشْتَرٍ بِأَرْشِ عَيْبٍ فِي ثَمَنٍ عَفَا عَنْهُ بَائِعٌ وَإِنْ أَدْرَكَهُ شَفِيعٌ وَقَدْ اشْتَغَلَ بِزَرْعِ مُشْتَرٍ، أَوْ ظَهَرَ ثَمَرٌ أَوْ أُبِّرَ طَلْعٌ وَنَحْوِهِ فلَهُ وَيَبْقَى لِحَصَادٍ وجُذَاذٍ وَنَحْوِهِ بِلَا أُجْرَةٍ قوله: (ولبائع) فسخ بعد أخذ شفيع.
قوله: (بقيمةِ شقصه) لفواته عليه بيده.
قوله: (بما بين قيمة ... إلخ) أي: قيمة شقصٍ.
قوله: (بالفضل) فإذا كانت قيمة الشقص مئةً، وقيمة العبد الذي هو الثمن مئة وعشرين، وكان المشتري أخذ المئة والعشرين من الشفيع، رجع الشفيع عليه بالعشرين؛ لأن الشقص إنما استقر عليه بالمئة.
قوله: (عفا عنه بائع) فإن أخذ بائع أرشه، لم يرجع مشتر على شفيع أعطاه قيمة العبد مثلا سليما، وإلا رجع.
قوله: (وإن أدركه) أي: المشفوع.
قوله: (أو ظهر ثمر) أي: بعد شرائه.
قوله: (أو أبر طلع) فلو كان موجودًا حين عقد بلا تأبير، ثم أبر قبل أخذ شفيع، فكذلك لمشتر مبقى، لكن يأخذ شفيع أرضا ونخلا بحصتهما من ثمن؛ لفوات بعض ما شمله عقد البيع عليه، والمراد بالتأبير: لازمه، وهو: التشقق مجازًا، ومن هنا علم: أن الطلع قبل التأبير زيادة متصلة، بخلاف نحو كثر، فلشفيع.
قوله: (ونحوه) كظهور لقطة من نحو قثاء.
قوله: (ونحوه) كلقاط.
قوله: (بلا أجرةٍ) أي: على مشترٍ لشفيع.

الجزء: 3 - الصفحة: 241

وَإِنْ قَاسَمَ مُشْتَرٍ شَفِيعًا أَوْ وَكِيلَهُ زِيَادَةَ ثَمَنٍ وَنَحْوَهُ ثُمَّ غَرَسَ أَوْ بَنَى لَمْ تَسْقُطْ وَلِرَبِّهِمَا أَخَذَهُمَا وَلَوْ مَعَ ضَرَرِ وَلَا يَضْمَنُ نَقْصًا بِقَلْعٍ فَإِنْ أَبَى فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ حِينَ تَقْوِيمِهِ أَوْ بِقَلْعِهِ وَيَضْمَنُ نَقْصَهُ مِنْ قِيمَتِهِ فَإِنْ أَبَى فَلَا شُفْعَةَ وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا أَخَذَهَا وَلَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهَا وَإِنْ بَاعَ شَفِيعٌ قوله: (أو وكيله) أي: أو وليَّه؛ لكونه محجورًا عليه، ولا حظ فيها، ثم بلغ.
قوله: (أو بنى) أي: فيما خرج له بالقسمة.
قوله: (ولو مع ضرر) أي: لأرضٍ.
قوله: (ولا يضمن نقصًا) أي: في أرض ولا تسوية حفر.
قوله: (حين تقويمه) لا بما أنفق، زاد على القيمة أو نقص، فتقوم الأرض مغروسة أو مبنية، ثم تقوَّم خالية، فما بينهما فقيمة غراسٍ وبناءٍ.
قوله: (من قيمته) أي: المذكورة.
قوله: (وإن حفر بئرًا ... إلخ) أي: مشتر لإظهار زيادة ثمنٍ ونحوِه، أو قاسم، كما تقدَّم، وحفر في نصيبه.
قوله: (أخذها) يعني: شفيع.
قوله: (وإن باع شفيع ... إلخ) اعلم: أنه إذا باع الشفيع جميع حصته بعد علمه ببيع شريكه، فإن شفعته تسقط، فإن باع بعض حصته عالماً، ففي سقوط الشفعة وجهان: أصحهما عند الحارثي: عدم السقوط؛ لقيام المقتضي وهو الشركة، ومفهوم كلام «الإقناع» السقوط، وللمشتري الأول الشفعة

الجزء: 3 - الصفحة: 242

شِقْصَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ فعَلَى شُفْعَتِهِ وَتَثْبُتُ لِمُشْتَرٍ فِي ذَلِكَ وَتَبْطُلُ بِمَوْتِ شَفِيعٍ لَا بَعْدَ طَلَبِهِ أَوْ إشْهَادٍ بِهِ حَيْثُ اُعْتُبِرَ وَتَكُونُ لِوَرَثَتِهِ كُلِّهِمْ بِقَدْرِ إرْثِهِمْ فَإِنْ عَدِمُوا فَلِإِمَامٍ الْأَخْذُ بِهَا فَصْلٌ وَيَمْلِكُ الشِّقْصَ شَفِيعٌ على الثاني؛ لأنه شريك في الرقبة، سواء أخذ منه ما اشتراه أو لم يؤخذ، أشبه المالك الذي لم تسحتقَّ عليه شفعةٌ.
قوله: (شقصه) أي: أو بعضه.
قوله: (قبل علمه) لا بعده.
قوله: (في ذلك) أي: الذي باعَه الشَّفيع كلا أو بعضاً.
قوله: (بموت شفيع) أي: قبل طلبٍ مع قدرة، أو إشهاد مع عذر.
قوله: (وتكون لورثته) اعلم: أنه حيث لم يستقر الملك قبل الموت، فعفا بعضُ الورثة، فليس للباقي إلا أخذ الكل أو الترك.
فتدبر.
قوله: (كلهم) ولو زوجًا، ومولى، وذوي أرحام.
قوله: (فللإمام الأخذ بها): حيث لم يدخل بملك شفيع مع حظ، فإن قيل: ظاهر قوله: (فللامام ... إلخ): أن الإمام مخير في ذلك مع أنه واجب عليه، فالجواب من وجهين؛ أحدهما: أنه مبني على أن الملك لا يثبت بالطلب.
والثاني: أنه فيما إذا أشهد لو يطالب.
وإذا جاز للإمام الأخذ مع عدم ثبوت الملك للشفيع، علم حكم ما إذا ثبت الملك قبل الموت، وهذا أظهر، والله أعلم.
قوله: (ويملك الشقص ... إلخ) أي: بلا حكم حاكم، واعلم: أنه لا يلزم المشتري تسليم الشقص حتى يقبض الثمن؛ لأن الشفعة عقدٌ قهريٌّ

الجزء: 3 - الصفحة: 243

مُلِئَ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ الْمَعْلُومِ، وَيَدْفَعُ مِثْلَ مِثْلِيٍّ وقِيمَةَ مُتَقَوِّمٍ فَإِنْ تَعَذَّرَ مِثْلُ مِثْلِيٍّ فقِيمَتُهُ أَوْ مَعْرِفَةُ قِيمَةِ الْمُتَقَوِّمِ فقِيمَةُ شِقْصٍ وَإِنْ جَهِلَ الثَّمَنَ وَلَا حِيلَةَ سَقَطَتْ فَإِنْ اتَّهَمَهُ حَلَّفَهُ ومَعَهَا فقِيمَةُ شِقْصٍ وَإِنْ عَجَزَ وَلَوْ عَنْ بَعْضِ ثَمَنِهِ بَعْدَ إنْظَارِهِ ثَلَاثًا فَلِمُشْتَرٍ الْفَسْخُ بخلاف البيع، فإنه عن رضىً.
قوله: (مليء) أي: قادر على ثمنه.
قوله: (بقدر ثمنه) أي: وجنسه وصفته، أي: الذي استقر عليه شراؤه به.
انتهى.
منصور البهوتي.
قوله: (المعلوم) يعني: أن الشفعة إنما تتم إذا علم الثمن؛ لأنه شرط لصحتها، بل لاستدامتها، فمتى جهل سقطت.
قوله: (مثل مثلي) أي: مثل ثمن مثله، كقرض من مكيل وموزون.
قوله: (وقيمة متقوم) أي: ثمن متقوم وقت لزوم عقد.
قوله: (فإن تعذر مثل مثلي) من مكيل وموزون لعدمه.
قوله: (أو معرفة) المتقوم بنحو تلف.
قوله: (سقطت) كما لو نسي.
قوله: (فإن اتهمه) أي: اتهم شفيع مشترياً.
قوله: (حلَّفه) اي: أنه لم يفعله حيلة.
قوله: (وإن عجز) من أبواب: ضرب، وقتل، وتعب، وأقواها أولها.
قوله: (ثلاثاً) أي: ثلاث ليالٍ بأيامها من حين الأخذ.
قوله: (فلمشتر الفسخ) بلا حاكم يعني: أن المشتري إذن يملك فسخ الأخذ بالشفعة، كبائع

الجزء: 3 - الصفحة: 244

وَلَوْ أَتَى بِرَهْن أَوْ ضَامِن وَمَنْ بَقِيَ بِذِمَّتِهِ حَتَّى فَلِسَ خُيِّرَ مُشْتَرٍ بَيْنَ فَسْخٍ أَوْ ضَرْبٍ مَعَ الْغُرَمَاءِ ومُؤَجَّلٍ كَحَالٍّ وَإِلَّا فإلَى أَجَلِهِ إنْ كَانَ مَلِيًّا أَوْ كَفَلَهُ مَلِيءٌ وَيُعْتَدُّ بِمَا زِيدَ أَوْ حُطَّ زَمَنُهُ وَيُصَدَّقُ مُشْتَرٍ بِيَمِينِهِ فِي قَدْرِ ثَمَنٍ وَلَوْ قِيمَةَ عَرْضٍ وفِي جَهْلٍ بِهِ وأَنَّهُ غَرَسَ أَوْ بَنَى إلَّا مَعَ بَيِّنَةِ وَتُقَدَّمُ عَلَى بَيِّنَةِ مُشْتَرٍ بثمن حال، فتعذر بلا حاكم، كالرد بالعيب.
قوله: (ولو أتى برهن) أي: محرزٍ.
قوله: (أو ضامن) أي: مليء.
قوله: (فلس) أي: حجر عليه الحاكم لفلسٍ.
قوله: (بين فسخ) لأخذٍ بشفعة.
قوله: (حل) قبل أخذ بشفعة.
قوله: (كحال) أي: فيما تقدم.
قوله: (إن كان مليئا) أي: قادرًا على الوفاء.
قوله: (ويعتد) في قدر ثمن.
قوله: (بيمينه) إذا اختلف هو وشفيعٌ، حيث لا بينة.
قوله: (ولو قيمة ... إلخ) أي: ولو كان الثمن قيمة عرض اشترى به الشِّقص، واختلفا في قيمته، وقد فُقد، وإلا عرض على المقومين.
قوله: (وجهل) لجواز كونه صبرة أونسيئة.
قوله: (أو بنى) وادعى شفيع أنه كان بها حال الشراء.
قوله: (وتقدم) أي: بينة شفيع؛ لأنه خارج.
قوله: (على بينة مشتر) ولا تقبل شهادة بائع لواحدٍ منهما؛ لأنه متهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 245

وإنْ قَالَ اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ وَأَثْبَتَهُ بَائِعٌ بِأَكْثَرَ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ أَيْ: الشِّقْصِ بِأَلْفٍ فَإِنْ قَالَ خَلَطْتُ أَوْ نَسِيتُ أَوْ كَذَبْتُ لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ ادَّعَى شَفِيعٌ شِرَاءَهُ بِأَلْفٍ فَقَالَ بَلْ اتَّهَبْتُهُ أَوْ وَرِثْتُهُ حَلَفَ فَإِنْ نَكَلَ أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ أَوْ أَنْكَرَ وَأَقَرَّ بَائِعٌ بِهِ وَجَبَتْ ويَبْقَى الثَّمَنُ الْأَخِيرَةِ إنْ أَقَرَّ بَائِعٌ بِقَبْضِهِ فِي ذِمَّةِ شَفِيعٍ حَتَّى يَدَّعِيَهُ مُشْتَرٍ وَإِلَّا أَخَذَ الشِّقْصَ مِنْ بَائِعٍ وَدَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ وَلَوْ ادَّعَى شَرِيكٌ عَلَى حَاضِرٍ بِيَدِهِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ الْغَائِبِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالشُّفْعَةِ، قوله: (وأثبته) أي: الشراء.
قوله: (أو أنكر) أي: مدعى عليه الشراء.
قوله: (وجبت) أي: ثبتت لشفيعٍ.
قوله: (إن أقر بائع بقبضه) وليس لشفيع ولا بائع محاكمة مشتر ومخاصمته؛ ليثبت البيع في حقِّه؛ لعدم الحاجه إليه؛ لوصول كل منهما إلى مقصوده بدون المحاكمة.
ومتى ادَّعى بائع أو مشتر الثمن دفع له؛ لأنه لأحدهما، وإن ادَّعياه جميعًا، فأقر المشتري بالبيع، وأنكر البائع القبض، فهو لمشتر، ويطالب البائع حيئنذ المشتري بثمنه ما لم يثبت دفعه إليه.
قوله: (وإلا) أي: وإلا يكن بائع في الأخيرة أقر بقبض ثمنه.
قوله: (أخذ الشقص) أي: الشفيع.
قوله: (ولو ادعى ... إلخ) من هنا إلى آخر الفصل من زيادته على «الإقناع».
قوله: (أنه) أي: الحاضر.
قوله: (اشتراه) أي: الشقص.
قوله: (منه) أي: من الغائب.
قوله: (وأنه) أي: المدعي.
قوله: (يستحقه) أي: الشقص.

الجزء: 3 - الصفحة: 246

فَصَدَّقَهُ أَخَذَهُ وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّكَ بِعْتَ نَصِيبَ الْغَائِبِ بِإِذْنِهِ فَقَالَ: نَعَمْ فَإِذَا قَدِمَ فَأَنْكَرَ حَلَفَ وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الشَّفِيعِ فَصْلٌ وَتَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيمَا ادَّعَى شِرَاءَهُ لِمُوَلِّيهِ لَا مَعَ خِيَارِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ قوله: (فصدقه ... إلخ) علم منه: أنه لو كذَّبه، كما لو قال من بيده الشقص: إنما أنا وكيل في حفظه، أو مودع، أنه لا يؤخذ بالشُّفعة، بل القول قول من بيده الشقص بيمينه، فإن نكل، احتمل أن يقضي عليه؛ لأنه لو أقر قضي عليه، واحتمل أن لا يقضى عليه؛ لأنه قضاء على غائب بلا بينة ولا إقرار.
ذكره في «المغني» و «الشرح».
قوله: (حلف) أي: وطالب بالأجرة من شاء منهما.
قوله: (على الشفيع) لتلف المنافع تحت يده.
قوله: (فيما ادعى شراءه ... إلخ) علم منه: أن لو أقر بمجرد الملك لموليه أو موكله الغائب، لم تجب، ولو أقر بعد بالشراء.
فتأمل.
قوله: (لموليه) أي: أو الغائب وهو على حجته إذا قدم.
قوله: (لا مع خيارٍ) لهما أو لأحدهما.

الجزء: 3 - الصفحة: 247

وَعُهْدَةُ شَفِيعٍ عَلَى مُشْتَرٍ إلَّا إذَا أَنْكَرَ وَأَخَذَ مِنْ بَائِعٍ فإذَنْ عَلَيْهِ كَعُهْدَةِ مُشْتَرٍ فَإِنْ أَبَى مُشْتَرٍ قَبْضَ مَبِيعٍ أَجْبَرَهُ حَاكِمٌ وَإِنْ وَرِثَ اثْنَانِ شِقْصًا فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ الثَّانِي وشَرِيكِ مُوَرِّثِهِ وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا لِمُضَارِبٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، قوله: (وعهدة شفيع ... إلخ) العهدة في الأصل: كتابُ الشراء، يعني: فيما إذا ظهر الشقص مستحقاً أو معيباً، وأراد الشفيع الرجوع بالثمن أو الأرش.
قوله: (قبض مبيع) ليسلمه للشفيع.
قوله: (أجبره حاكم) لوجوبه عليه.
قوله: (وإن ورث اثنان شقصًا) أي: أو اتهباه أو اشترياه، ولم يؤخذ بالشفعة.
قوله: (ولا شفعة لكافر) أي: ولو ببدعةٍ، أو مرتدًا ولو أسلم بعد البيع، وهي من المفردات.
قوله: (ولا لمضارب على رب المال ... إلخ) اعلم: أن العامل إذا اشترى من مال المضاربة شقصا مشفوعا، فباقيه إما أن يكون لرب المال، أو للعامل، أو لأجنبي فرب المال لا شفعة له أصلاً، وهو المشار إليه بقوله: (ولا له على مضاربٍ) وذلك لأنه ملكه كلا أو بعضًا.
والعامل لا شفعة له أيضاً إن ظهر ربح في مال المضاربة، وإليه أشار بقوله: (ولا لمضارب ... إلخ) والأجنبي أمره ظاهر، ثم إذا باع مالك الباقي نصيبه، فإن كان أجنبيًا، فإما أن يبيعه لأجنبي، أو لرب المال، أو للعامل.
وإن كان مالك الباقي هو العامل، فإما أن يبيعه لرب المال، أو لأجنبي.
وإن كان هو رب المال، فإما أن يبيعه للعامل، أو لأجنبي، فهذه سبع صور.
والمفهوم من كلام المصنف: ثبوت الشفعة فيها كلها إن كان حظ، كما

الجزء: 3 - الصفحة: 248

إنْ ظَهَرَ رِبْحٌ وَإِلَّا وَجَبَتْ وَلَا لَهُ عَلَى مُضَارِبٍ وَلَا لِمُضَارِبٍ فِيمَا بَاعَهُ مِنْ مَالِهَا وَلَهُ فِيهِ مِلْكٌ وَلَهُ الشُّفْعَةُ فِيمَا بِيعَ شَرِكَةٌ لِمَالِ الْمُضَارَبَةِ إنْ كَانَ حَظٌّ فَإِنْ أَبَى أَخَذَ بِهَا رَبُّ الْمَالِ يفهم ذلك من قوله: (وله الشفعة ... إلخ)، فهذه عشرُ صورٍ، يوكن أن تزيد على ذلك.
وبخطه أيضاً على قوله: (ولا لمضارب ... إلخ) صورته: أن يشتري من مال المضاربة شقصاً مشفوعا للمضارب فيه شركة، فحيث ظهر في مال المضاربة ربح كان له جزء من الشقص، فلا تجب له على نفسه.
قوله: (إن ظهر ربح) أي: في مال المضاربة.
قوله: (وإلا) أي: وإلا يظهر ربح.
قوله: (ولا له على مضارب) صورته أن يشتري المضارب من مالها شقصا شركة لرب المال، فلا شفعة لربِّ المال فيه، ظهر ربح، أو لا؛ لأن ملكه كله أو بعضه.
قوله: (ولا لمضارب فيما باعه من مالها ... إلخ) صورته: أن يكون للمضارب شقص في دار ويشتري بقيتها من مال المضاربة، ثم يبيع هذا الشقص الذي اشتراه من مال المضاربة، أي: فلا شفعة له فيه، والله أعلم.
قوله: (إن كان حظ) نحو كونه بدون ثمن مثله.
قوله: (أخذ بها ربُّ المال) ولا ينفذ عفو مضاربٍ عنها.

الجزء: 3 - الصفحة: 249

باب الوديعة: الْمَالُ الْمَدْفُوعُ إلَى مَنْ يَحْفَظُهُ بِلَا عِوَضٍ وَالْإِيدَاعُ تَوْكِيلُ فِي حِفْظِهِ وَالِاسْتِيدَاعُ تَوَكُّلٌ فِي حِفْظِهِ كَذَلِكَ بِغَيْرِ تَصَرُّفٍ وَيُعْتَبَرُ لَهَا أَرْكَانُ وَكَالَةٍ وَهِيَ أَمَانَةٌ لَا تُضْمَنُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ وَلَوْ تَلِفَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ

باب الوديعة

تطلق على العين والعقد.
قوله: (المال) أو المختص، لا نحو كلبٍ لا يقتنى.
قوله: (المدفوع) لا ما ألقته ريحٌ.
قوله: (إلى من يحفظه) لا نحو عارية.
قوله (بلا عوض) لا أجير على حفظِه.
قوله: (توكيل) أي: فتصح بكل قول دل على إيداع.
قوله: (تبرعا) أي: من الحافظ.
قوله: (توكل ... إلخ) أي: فتصح بكل قول أو فعل دل على استيداع.
قوله: (كذلك) أي: تبرعا.
قوله: (بغير تصرف) تصريح بم علم من مفهوم الحفظ؛ لأن مقتضاه بقاء العين على حالها إلى أن يأخذها ربها، فإن أذن فيه، فعارية وتقدم.
قوله: (وتعتبر لها أركان وكالةٍ) أي: ما يعتبر فيها من البلوغ، والعقل، والرشد، وتعيين وديعٍ.
وقبولها مستحبٌّ لمن علم من نفسه الأمانة، ويكفي القبض قبولا.
قال في «المبدع»: ويكره لغيره.
انتهى.
أي: لمن لا يعلم من

الجزء: 3 - الصفحة: 250

وَيَلْزَمُهُ حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا عُرْفًا كَحِرْزِ سَرِقَةٍ نفسه ذلك.
قال منصور البهوتي: قلت: ولعلَّ المراد: بعد إعلامه بذلك إن كان لا يعلمه؛ لئلا يغره.
انتهى.
وتنفسخ بموت أحدهما، وجنونه، وبعزله مع علمِه، وقبله لا ينعزل، بخلاف وكيلٍ، فإن عزل نفسه، فهي بعده أمانة، حكمها في يده حكم الثوب الذي أطارته الريح إلى داره، يجب رده، فإن تلف قبل التمكن من ردِّه، فهدر.
قاله في «الإقناع».
قال في «شرحه»: وفهم منه: أنه إن تلف بعد تمكنه من ردِّه أنه يضمنه؛ لأنه متعد بإمساكه فوق ما يتمكن فيه من الرد.
انتهى.
وقد سبق لصاحب «الإقناع» في الغصب: أنه إذا أطارت الريح ثوب غيره إلى داره، أو حصل في داره حيوانٌ، أو طائر غير ممتنع، فإنَّ الواجب حفظه، وإعلام صاحبه إن عرفه.
ومقتضاه عدم وجوب.
فتأمل.
قوله: (في حرز مثلها) قال في «الرعاية»: من استودع شيئاً، حفظه في حرز مثله عاجلا مع القدرة، وإلا ضمن.
نقله منصور البهوتي.
قوله: (كحرز سرقةٍ) أي: في كل مالٍ بحسبه.

الجزء: 3 - الصفحة: 251

فَإِنْ عَيَّنَهُ رَبُّهَا فَأَحْرَزَهَا بِدُونِهِ ضَمِنَ وَلَوْ رَدَّهَا إلَى الْمُعَيَّنِ وبِمِثْلِهِ أَوْ فَوْقَهُ وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ نَهَاهُ عَنْ إخْرَاجِهَا فَأَخْرَجَهَا لِغَشَيَانٍ شَيْءٍ قوله: (فإن عينه) أي: بأن قال: احفظها في هذا البيت.
قوله: (فأحرزها بدونه) أي: المعين في الحفظ.
ظاهره: ولو كان حرز مثلها.
قوله: (ولو ردها إلى المعين) يعني: وتلفت.
وعلى قياسه: لو لم يعينه، فأحرزها بدون حرز مثلها، فيضمن- ولو ردها إلى حرز المثل - بجامع التعدِّي.
تأمل.
قوله: (وبمثله) أي: في الحفظ.
قوله: (أو فوقه) كما لو أودعه خاتما وقال: البسه في خنصرك، فلبسه في بنصره، ولا فرق بين الجعل أولا في غير المعين، وبين النقل إليه.
قوله: (لا يضمن) إن تلفت، حيث لم ينهه عن إخراجها عن المعين، وإلا ضمن، إلا لخوف عليها، كما سيأتي.
قوله أيضا على قوله: (لا يضمن) ظاهره: ولونهاه عن حفظها بمثله، أو فوقه ولا يعارضه ما يأتي من قوله: (أو أخرجها لغير خوف، فتلفت، ضمن) قال منصور البهوتي هناك: سواءٌ أخرجها إلى مثله، أو أحرز منه؛ لمخالفة ربها بلا حاجة ويحرم.
انتهى؛ لأنا نقول: ما هنا فيما إذا حفظها ابتداء في حرز مثلها، أو فوقه، وما يأتي فيما إذا أخرجها من الحرز المعين.
قوله: (فأخرجها لغشيان شيء ... إلخ) فلو أخرج الوديعة المنهي عن إخراجها، وتلفت، فادعى الوديع أنه أخرجها (لغشيان شيء الغالب منه الهلاك)، وأنكر صاحبها وجوده، فعلى الوديع البينة أنه كان في

الجزء: 3 - الصفحة: 252

الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ لَمْ يَضْمَنْ إنْ وَضَعَهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا أَوْ فَوْقَهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَأَحْرَزَهَا فِي دُونِهِ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ تَرَكَهَا إذَنْ أَوْ أَخْرَجَهَا لِغَيْرِ خَوْفٍ فَتَلِفَتْ ضَمِنَ ذلك الموضع ما ادعاه؛ لأنه لا تتعذر إقامة البينة عليه؛ لظهوره، ثم يقبل قوله في التلف به بيمينه.
قوله أيضا على قوله: (لغشيان ... إلخ) غشيته أغشاه، من باب: تعب: أتيته.
والاسم: الغشيان بالكسر.
«مصباح».
قوله: (الغالب منه الهلاك) كنهبٍ، وحريق متلف.
قوله: (لم يضمن) لعله مقيد بما إذا لم يكمنه ردها إلى صاحبها، وإلا ضمن، كما يعلم من قوله الآتي: (ومن أراد سفرًا، أو خاف عليها عنده).
والله أعلم.
قوله أيضا على قوله: (لم يضمن) ويعايا بها، ولو كانت العين في بيت ربها، فقال لآخر بأجرة أو لا: احفظها في محلها، فنقلها عنه من غير خوفٍ، ضمنها؛ لأنه ليس وديعًا، ومع خوفٍ، عليه إخراجها.
قوله: (وإن تركها إذن) أي: حالة الغشيان، وكان قد نهاه عن إخراجها.
ولم يقل: وإن خفت عليها.
كما يعلم مما بعده.
قوله: (أو أخرجها) أي: من حرزٍ نهاه مالكها عن إخراجها منه.
قوله: (فتلفت) بالأمر المخوف، أو غيره؛ لأنه صار مفرطاً بعدم الإخراج، ولو أحرزها بأحرز من الأول.

الجزء: 3 - الصفحة: 253

فَإِنْ قَالَ لَا تُخْرِجْهَا وَإِنْ خِفْتَ عَلَيْهَا فَحَصَلَ خَوْفٌ وَأَخْرَجَهَا أَوْ لَا فَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا وَإِنْ لَمْ يَعْلِفْ بَهِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ ضَمِنَهَا لَا إنْ نَهَاهُ مَالِكٌ وَيَحْرُمُ وَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ لَزِمَهُ قوله: (ماتت) أي: بتركه.
قوله: (لا إن نهاه مالك) فلو نهاه وليٌّ، فهل يضمن الولي فقط إذا لم يعلم أنها ليست ملكة؟ وإذا علم، فعلى من القرار؟ وكونه على الوديع أقربُ.
قوله: (وإن أمره به ... إلخ) إنما قيَّد اللزوم بالأمر بالإنفاق؛ لأنه لم يأمره به، ففي ذلك تفصيل، وجملته: أن الإتفاق على البهيمة واجب، فإذا أمر المالك الوديع به فرضي، وجب عليه بلا إشكالٍ، وإن لم يأمره به، فإن قدر الوديع على المالك، أو وكيله، طالبه بالإنفاق عليها، أو بردِّها عليه، أو بأن يأذن له في الإنفاق عليها ليرجع به، فإن عجز عن استئذانه، فأنفق، رجع بالأقلِّ مما أنفق، أو نفقة المثل، كما لو أمره به، ولو لم يستأذن حاكماً، أو يشهد مع قدرته عليهما، هذا حيث نوى الرجوع بما أنفق في الصورتين، أعني: ما إذا أذن له ربها، أو عجز عن استئذانه، ومتى اختلفا في قدر نفقةٍ، فقول وديع بيمينه إن وافق قوله المعروف، وفي قدر المدَّة، فقول مالك بيمينه، فإن ترك الوديع الإنفاق الواجب عليه، فماتت بذلك، ضمنها في الصورتين.
فتدبر.
وهل يرجع في الأوليين أم لا؟

الجزء: 3 - الصفحة: 254

واتْرُكْهَا فِي جَيْبِكَ فَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ أَوْ فِي كُمِّهِ أَوْ فِي كُمِّكَ فَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ أَوْ عَكْسِهِ أَوْ أَخَذَهَا بِسُوقِهِ وَأُمِرَ بِحِفْظِهَا فِي بَيْتِهِ فَتَرَكَهَا إلَى حِينِ مُضِيِّهِ فَتَلِفَتْ أَوْ قَالَ: احْفَظْهَا فِي هَذَا مقتضى ما تقدم في الرهن: لا يرجع، أي: لقدرته على استئذان المالك وردها عليه.
قوله: (واتركها في جيبك ... إلخ) اعلم: أنَّ الجيب أعلى حفظا من اليد والكم، حيث كان الجيب ضيقا، أو مزرورًا، وأن اليد والكم حرزان مختلفان، كل منهما دون الآخر حفظا من وجه.
إذا تقرَّر ذلك واستحضرت القاعدة التي ذكرها المصنف أول الباب - وهي قوله: (فإن عينه ربها ... إلخ) - علمت حكم هذه الثلاثة، من أنه إذا أمره بحفظها في الجيب المقيد، فحفظها في يده أو كمه، ضمن، أو في أحدهما، فوضعها فيه، لا [يضمن]، أو في أحدهما فوضعها في الآخر، ضمن.
قوله: (إلى حين مضيه) أي: فوق ما يمكنه أن يمضي فيه.
علم منه: أنه لو بادر بالمضي إلى بيته، فتلفت في طريقه، لا يضمن.
وهل مثله لو علم المودع من عادة الوديع أنه لا يمضي إلي بيته إلا في وقت معلوم، كما إذا دفع له شيئاً يحفظه في بيته وهو في السوق في أول النهار، ويعلم أنَّه لا يرج إلى البيت إلا في آخر النهار، فتركها الوديع إلى وقت رواحِهِ، فتلفت؟ ظاهر المتن:

الجزء: 3 - الصفحة: 255

الْبَيْتِ وَلَا تُدْخِلْهُ أَحَدًا فَخَالَفَ فَتَلِفَتْ بِحَرْقٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ سَرِقَةٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ دَاخِلٍ ضَمِنَ لَا إنْ قَالَ: اُتْرُكْهَا فِي كُمِّك أَوْ يَدِكَ فَتَرَكَهَا فِي جَيْبِهِ أَوْ أَلْقَاهَا عِنْدَ هُجُومِ نَاهِبٍ وَنَحْوِهِ إخْفَاءً لَهَا وَإِنْ قَالَ مُودِعُ خَاتَمٍ اجْعَلْهُ فِي الْبِنْصِرِ فَجَعَلَهُ فِي الْخِنْصِرِ ضَمِنَهُ لَا عَكْسُهُ إلَّا إنْ انْكَسَرَ لِغِلَظِهَا وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ وَنَحْوِهِمَا أَوْ لِعُذْرٍ إلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ لَمْ يَضْمَنْ وَإِلَّا ضَمِنَ أنه يضمن.
ويحتمل لا ضمان، تأمَّل.
قوله: (بحرقٍ) اسم من إحراق النار.
قوله: (فتركها في جيبِه) ولم يكن واسعا غير مزرور.
قوله: (ونحوه) كقاطع طريق.
قوله: (إخفاء لها) ظاهره: ولو ألقاها وحدها من بين ماله.
وهل إذا لم يلقها، فأخذت، يضمن أم لا؟ قوله: (إلا) أي: أو لم يدخله في جمعيها.
قوله: (وإن دفعها) أي: دفع الوديع الوديعة.
قوله: (ماله) أي: مال الوديع.
قوله: (ونحوهما) كخازنه.
قوله: (أو لعذر) كموت وسفر مخوفٍ.
قوله: (وإلا ضمن) أي: وإلا يكن عذر عند دفعها لأجنبي، أو حاكمٍ.

الجزء: 3 - الصفحة: 256

وَلِمَالِكِ مُطَالَبَةُ الْأَجْنَبِيِّ أَيْضًا وَعَلَيْهِ الْقَرَارُ إنْ عَلِمَ وَإِنْ دَلَّ لِصًّا ضَمِنَا وَعَلَى اللِّصِّ الْقَرَارُ وَمَنْ أَرَادَ سَفَرًا أَوْ خَافَ عَلَيْهَا عِنْدَهُ رَدَّهَا إلَى مَالِكهَا أَوْ مَنْ قوله: (ولمالك مطالبة الأجنبي) أي: ببدل الوديعة، وسكت عن الحاكم، ومقتضى «الإقناع»: أن له مطالبته أيضا، وعبارته: وإن دفعها إلى أجنبي، أو حاكم لعذر، لم يضمن، وإلا ضمن، وللمالك مطالبته، ومطالبة الثاني.
انتهى.
فقوله: الثاني شامل للأجنبي والحاكم، وفسره الشارح بقوله: وهو القابض من المستودع؛ لأنَّه قبض ما ليس له قبضه، أشبه المودع من الغاصب.
انتهى.
ووجه ما في «الإقناع»: أن الحاكم لا ولاية له على مكلف رشيد حاضر، كما صرح به المصنف في «شرحه».
قوله: (أيضا) أي: كما له مطالبة الوديع.
قوله: (وعليه) أي: الأجنبي.
قوله: (إن علم) أي: علم الحال، وإلا فعلى الأول.
قوله: (ومن أراد ... إلخ) أي: أي وديع.
قوله: (أو خاف عليها) أي: من نهبٍ، أو غرق، ونحوها.
قوله: (إلى مالكها) وشريكٍ كأجنبيٍّ.

الجزء: 3 - الصفحة: 257

يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً أَوْ وَكِيلِهِ فِي قَبْضِهَا إنْ كَانَ وَلَا يُسَافِرُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا أَوْ كَانَ أَحْفَظَ لَهَا الْمُنَقِّحُ وَالْمَذْهَبُ بَلَى وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ مَعَ حُضُورِهِ انْتَهَى فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ وَلَا وَكِيلَهُ حَمَلَهَا مَعَهُ إنْ كَانَ أَحْفَظَ وَلَمْ يَنْهَهُ وَإِلَّا دَفَعَهَا لِحَاكِمٍ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَلِثِقَةٍ كَمَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْ دَفَنَهَا وَأَعْلَمَ سَاكِنًا ثِقَةً فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ ضَمِنَهَا قوله: (وإن لم يخف عليها) في السَّفر.
قوله: (المنقح: والمذهب بلى ... إلخ) يعني: أن المذهب جواز السفر بالوديعة، والحال أن ربها حاضر، والسفر آمن أو أحفظ، أي: ولم ينهه المالك.
وجزم به في «الإقناع».
قال في «شرحه»: فعلى هذا لا يضمنها إن تلفت معه، سواء كان به ضرورة إلى السفر أولا، لأنه نقلها إلى موضعٍ مأمونٍ، فلم يضمنها، كما لو نقلها في البلد، وكأب ووصيٍّ، لا كمستأجر لحفظ شيء.
انتهى.
قوله: (والحالة هذه) أي: إن لم يخف، أو كان أحفظ.
قوله: (انتهى) ومحله إن لم ينهه عنه.
قوله: (ولا وكيله) أي: ولا من يحفظ ماله عادةً.
منصور البهوتي.
قوله: (وإلا دفعها) أي: وإلا يكن أحفظ، أو نهاه.
قوله: (أو دفنها) أي: إن لم يضرها الدفن.
قوله: (وأعلم ساكناً) أي: لا غيره.
قوله: (ثقة) أي: لا غيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 258

وَلَا يَضْمَنُ مُسَافِرٌ أُودِعَ فَسَافَرَ بِهَا فَتَلِفَتْ بِالسَّفَرِ وَإِنْ تَعَدَّى فَرَكِبَهَا لَا لِسَقْيِهَا أَوْ لَبِسَهَا لَا لِخَوْفٍ مِنْ عُثٍّ وَنَحْوِهِ وَيَضْمَنُ إنْ لَمْ يَنْشُرْهَا أَوْ أَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا أَوْ لِيَنْظُرَ إلَيْهَا ثُمَّ رَدَّهَا أَوْ كَسَرَ خَتْمَهَا أَوْ حَلَّ كِيسَهَا أَوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا أَوْ خَلَطَهَا لَا بِمُتَمَيِّزٍ وَلَوْ فِي إحْدَى عَيْنَيْنِ بَطَلَتْ فِيهِ وَوَجَبَ رَدُّهَا فَوْرًا وَلَا تَعُودُ قوله: (فسافر) أي: سار في سفره ودام.
قوله: (وإن تعدى) يعني: بانتفاعه.
قوله: (لا لسقيها) أي: أو علفها.
قوله: (من عث) هو سوس يلحس الصوف، علم منه: أنه إذا لبِسَها خوفاً عليها من نحو العث، لا ضمان، ومثله إذا لبسها.
وقوله: (ويضمن إن لم ينشرها) هل أجرة النشر على المالك؟ الظاهر: نعم، حيث تعذَّر استئذانه.
قوله: (ونحوه) كفرشه.
قوله: (لينفقها) أي: له أو لغيره.
قوله: (ثم ردَّها) أي: إلى وعائها ولو بنية الأمانة.
قوله: (أو جحدها) ظاهره: ولو نسياناً.
قوله: (ولو في أحد عينين) أي: ولو كان التعدِّي، أو الجحد، أو الحفظ بغير متميِّز.
قوله: (بطلت) جواب (إن) من قوله: (وإن تعدى) فيما حصل فيه شيء من الثلاثة المذكورة.
قوله: (فورًا) لزوال الاستئمان بالتعدي.

الجزء: 3 - الصفحة: 259

وَدِيعَةً بغير عقد متجدد وَصَحَّ كُلَّمَا خُنْتَ ثُمَّ عُدْتَ إلَى الْأَمَانَةِ فَأَنْتَ أَمِينٌ وَإِنْ أَخَذَ دِرْهَمًا ثُمَّ رَدَّهُ أَوْ بَدَلَهُ مُتَمَيِّزًا أَوْ أَذِنَ فِي أَخْذِهِ فَرَدَّ بَدَلَهُ بِلَا إذْنِهِ فَضَاعَ الْكُلُّ ضَمِنَهُ وَحْدَهُ مَا لَمْ تَكُنْ مَخْتُومَةً أَوْ مَشْدُودَةً أَوْ الْبَدَلُ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ فَيَضْمَنُ الْجَمِيعَ قوله: (وصح) أي: قول مالك لوديع.
قوله: (كلما خنت) أي: لصحة تعليق الإيداع على الشرط، كالوكالة.
قوله: (فأنت أمين) قال منصور البهوتي: وإن خلط إحدى وديعتي زيدٍ بالأخرى بلا إذن، وتعذر التمييز، فوجهان، ذكره في «الرعاية» وإن اختلطت الوديعةُ بلا فعل، ثم ضاع البعض، جعل من مال المودع في ظاهر كلامه، ذكره المجد في «شرحه».
انتهى.
ولعل المراد في الأخيرة: إذا تلف بلا تفريطٍ، وأمَّا معه، فيضمن مطلقًا.
الذي يظهر في الأولى: لا ضمان إلا أن ينهاه مالك، أو يكن له غرض في إفراد كل واحدةٍ من العينين؛ لحلٍّ ونحوه، والله أعلم.
قوله: (أو بدله) أي: بلا إذن، كدرهم أبيض بأسود.
قوله: (فردَّ بدله) أي: متميزًا، ففيه احتباكٌ.
قوله: (غير متميز) أي: في الثانية، وهي مسألة الإذن في

الجزء: 3 - الصفحة: 260

وَيَضْمَنُ بِخَرْقِ كِيسٍ مِنْ فَوْقِ شَدٍّ أَرْشِهِ الْكِيسِ فَقَطْ ومِنْ تَحْتِهِ أَرْشَهُ وَمَا فِيهِ وَمَنْ أَوْدَعَهُ صَغِيرٌ وَدِيعَةً لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِرَدِّهَا لِوَلِيِّهِ وَيَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ مَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ أَوْ يَخَفْ هَلَاكَهَا مَعَهُ كَضَائِعٍ وَمَوْجُودٍ فِي مَهْلَكَةٍ فَلَا وَمَا أُودِعَ أَوْ أُعِيرَ لِصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ أَوْ قِنٍّ لَمْ الأخذ لا في الرد، ومنه يعلم حكم الضَّمان إذا ردَّ البدل غير متميز في الأولى بالأولى.
قوله: (وما فيه) أي: إن ضاع لهتك الحرز ولا يضمن بمجرد نية التعدِّي، بل لابد من فعلٍ أو قول.
منصور البهوتي.
قوله: (بردها لوليه) أي: في ماله، كدينه الذي له عليه.
قوله: (ويضمنهما) أي: قابضُها من صغير.
قوله: (مالم يكن مأذوناً له) أي: في الإيداع.
قوله: (أو يخف) أي: قابضها من الصَّغير.
قوله: (معه) إن تركها.
قوله: (فلا) أي: فلا ضمان؛ لقصده التخليص من الهلاك، فالحفظ فيه لمالكه.
قوله: (وما أودع ... إلخ) قال منصور البهوتي: أي: أودعه مالكه أو أعاره وهو جائز التصرف.
انتهى.
وهو يشير إلى أنه لو كان المودع، أو المعير غير جائز

الجزء: 3 - الصفحة: 261

يَضْمَنْ بِتَلَفٍ وَلَوْ بِتَفْرِيطٍ وَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ مُكَلَّفٌ غَيْرُ حُرٍّ فِي رَقَبَتِهِ فصل وَالمودع أمين يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي رَدِّ وَلَوْ عَلَى يَدِ قِنِّهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ خَازِنِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِ رَبِّهَا إلَيْهِ وفِي قَوْلِهِ أَذِنْتَ لِي فِي دَفْعِهَا التصرف، فمن ضمان القابض مطلقًا، كما تقدم في الحجر، وأوضحه في «شرح الإقناع» بحثا.
قوله: (بتلف) أي: في يد قابضه.
قوله: (غير حر) شمل القنَّ، والمدبر، والمكاتب، وأم الولد، والمعلق عتقه بصفة، قال في «شرح الإقناع»: ظاهر قوله - يعني الحجاوي - كغيره إذا أتلفه: أنه لو تلف بيده، لا ضمان ولو بتعد، أو تفريط، وهو كالصريح في قول «التنقيح»: ولا يضمن الكل تلفهما، أي: الوديعة والعارية بتفريط، لكن مقتضى تعليلهم بما تقدم: أنه يضمن إن تعدى أو فرط، ويكون كإتلافه.
انتهى.
قوله: (في رد) أي: في دعوى رد الوديعة إلى مالكها، أو من يحفظ مال.
قوله: (ولو على يد قنه) أي: قن مدعي الرد.
قوله: (إليه) أي: كما لو كان حياً.
قوله: (وفي قوله: إذن لي ... إلخ) مع إنكار المالك الإذن ولا بينة به، وهذه المسألة من المفردات، ولو اعترف المالك بالإذن، وأنكر الوديع، فقول وديعٍ، ثم إن أقر المدفوع إليه في الصورتين بالقبض، فلا كلام، وإلا حلف وبرئ، وفاتت على ربها، هذا إن كان الثاني وديعاً،

الجزء: 3 - الصفحة: 262

إلَى فُلَانٍ وَفَعَلْتُ وتَلَفِ لَا بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ، كَحَرِيقٍ وَنَحْوِهِ إلَّا مَعَ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِوُجُودِهِ وعَدَمِ خِيَانَةٍ وتَفْرِيطٍ وَإِنْ ادَّعَى رَدَّهَا لِحَاكِمٍ أَوْ وَرَثَةِ مَالِكٍ أَوْ رَدًّا بَعْدَ مَطْلِهِ بِلَا فإن كان دائناً، فقوله بيمينه أيضا، لكن يضمن الدافع حيث لم يشهد، أو يكن بحضور مالك، سواء صدقه المالك، أو كذبه، كما تقدم في الوكالة.
قوله: (وتلف) أي: ودعوى تلف بسبب خفيٍّ، كسرقةٍ، وكذا إن لم يذكر سبباً.
قوله: (ونحوه) كنهبٍ, قوله: (إلا مع بينة ... إلخ) قال في «الإقناع»: ويكفي في ثبوته - أي: السبب الظاهر - الاستفاضة.
قال في «شرحه»: فعلى هذا: إذا علمه القاضي بالاستفاضة، قبل قول الوديع بيمينه، ولم يكلفه بينة تشهد بالسبب، ولا يكون من القضاء بالعلم، كما ذكره ابن القيم في «الطرق الحكمية» في الحكم بالاستفاضة لا في خصوص هذه.
انتهى.
قوله: (بوجوده) ثم يحلف.
قوله: (وتفريط) أي: وعدم [تفريط].
قوله: (وإن ادعى) أي: الوديع.
قوله: (أو ردًا) أي: أو تلفاً، لم يقبل، كغاصب، ويضمن.
قوله: (بعد مطله) أي: تأخير دفعها لمستحقه.

الجزء: 3 - الصفحة: 263

عُذْرٍ أَوْ مَنْعِهِ أَوْ وَرَثَةُ رَدًّا وَلَوْ لِمَالِكٍ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي ثُمَّ أَقَرَّ أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَادَّعَى رَدًّا أَوْ تَلَفًا سَابِقَيْنِ لِجُحُودِهِ لَمْ يُقْبَلْ وَلَوْ بِبَيِّنَةٍ وَيَقْبَلَانِ بِهَا بَعْدَهُ قوله: (أو ورثة ردا، ولو لمالك ... إلخ) وكذا ملتقط.
ومن أطارت الريح إلى داره ثوباً، لم يقبل إلا ببيِّنة.
قال في «الإقناع»: ومن حصل في يده أمانة بغير رضى صاحبها كاللقطة، ومن أطارت الريح إلى داره ثوباً، وجبت المبادرة إلى الرد مع العلم بصاحبها، والتمكن منه، وكذا إعلامه.
قال في «شرحه»: أي: الواجب عليه أحد أمرين: إما الرد، أو الإعلام.
انتهى المقصود.
وبعد تعلم: تقييد ما سبق لصاحب «الإقناع» في الغصب وغيره بما هنا، قال في «شرحه» أيضا هنا: لأن مؤنة الرد لا تجب عليه، وإنما الواجب التمكين من الأخذ.
قاله في القاعدة الثانية والأربعين.
قوله أيضًا على قوله: (ورثة ردًا) أي: ورثة لوديع ردًا منهم، أو من مورثهم، وكذا ملتقطٌ، ومن أطارت إليه الريح ثوباً ونحوه.
قوله: (ثم أقر) أي: بالإيداع.
قوله: (لم يقبل) أي: لتكذيبه لها بجحوده.
قوله: (ويقبلان بها ... إلخ) أي: كما لو ادَّعى عليه بالوديعة يوم الجمعة، فجحدها، ثم أقر بها يوم السبت، ثم ادعى ردًا، أو تلفًا بغير تفريط يوم الأحد وأقام بذلك بيِّنة، قبلت؛ لأنه

الجزء: 3 - الصفحة: 264

وَإِنْ قَالَ مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ قُبِلَا لَا وُقُوعُهُمَا بَعْدَ إنْكَارِهِ وَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَ وَارِثِ قَبْلَ إمْكَانَ رَدِّ لَمْ يَضْمَنْهَا وَإِلَّا ضَمِنَ وَمَنْ أَخَّرَ رَدَّهَا أَوْ مَالًا أُمِرَ بِدَفْعِهِ بَعْدَ طَلَبٍ بِلَا عُذْرٍ ضَمِنَ وَيُمْهَلُ لِأَكْلٍ وَنَوْمٍ وَهَضْمِ طَعَامٍ وَنَحْوِهِ بِقَدْرِهِ وَيَعْمَلُ بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ عَلَى كِيسٍ ليس بمكذب لها إذن، فلو شهدت البينة برد أو تلف مطلقين، واحتمل كونه قبل الجحود وكونُه بعده لم يسقط الضَّمان.
وحيث ثبت التلف، كما في صورة التعيين بعد الجحود، لم يسقط الضمان، كالغاصب.
وبخطه أيضا على قوله: (ويقبلان بها) أي: الرد والتلف، أي: دعواهما.
فإن أطلقت البينة لم تسمع؛ لأن الضمان محقق، فلا يزول بالشَّك.
قوله: (قبلا) أي: الرد والتلف قبل إنكاره بيمينه.
قوله: (عند وارث) أي: لوديع.
قوله: (قبل إمكان رد) أي: لنحوِ جهلٍ بها، أو به.
قوله: (ونحوه) كصلاة.
قوله: (بقدره) أي: المذكور.
قوله: (ويعمل بخط مورثه) أي: وجوبا.
قوله: (على كيسٍ) قال شيخنا: من نحوِ ذلك إذا وَجد خطَّه على كتابٍ: هذا وقف ونحوه.
ويفرق بينه وبين ما ذكروه في غير هذا الموضع؛ من أنه لا بد مع الخط من قرينةٍ، كوضعه بخزانة الوقف؛ بأن ذلك فيما إذا كان الخط غير خط مورِّثه، ولم يكن تحقق جريان ملك مورثه عليه، وما هنا فيما إذا اجتمع الأمران.
فتدبر.
من خط شيخنا محمد الخلوتي.

الجزء: 3 - الصفحة: 265

وَنَحْوَهُ هَذَا وَدِيعَةٌ، أَوْ لِفُلَانٍ وَيَعْمَلُ بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ وُجُوبًا أَوْ لَهُ عَلَى فُلَانٍ ويَحْلِفَ وَإِنْ ادَّعَاهَا اثْنَانِ فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا فلَهُ بِيَمِينِهِ وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ ولَهُمَا فلَهُمَا وَيَحْلِفُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ قَالَ لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا وَصَدَّقَاهُ أَوْ سَكَتَا فَلَا يَمِينَ وَإِنْ كَذَّبَاهُ وأراد شيخه: خاله الشيخ منصور رحمهما الله تعالى.
قوله: (ونحوه) كصندوق.
قوله: (ويحلف) مع شاهد إذا علم من مورثه الصدق، وهذا مما يخالف به الحلف الشهادة.
قوله: (فأقر) أي: الوديع.
قوله: (بيمينه) قال منصور البهوتي: فلو قال الوديع: أودعنيها الميت، وقال: هي لفلان، ورثته: بل هي له، فقول وديعٍ مع يمينه.
أفتى به الشيخ تقي الدين.
انتهى رحمه الله تعالى ونفعني به.
قوله: (ويحلف) أي: الوديع وتكون بيمينه على نفي العلم.
قاله في «المبدع».
قوله: (ويحلف لكل منهما) أي: ويحلف وديع لكل منهما على نصفِها، فإن نكل، لزمه عوضها يقتسمانه.
قوله: (وإن كذباه) أي: أو أحدهما.

الجزء: 3 - الصفحة: 266

حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالَتَيْنِ فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَأَخَذَهَا وَإِنْ أَوْدَعَاهُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا يَنْقَسِمُ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِغَيْبَةِ شَرِيكَهُ أَوْ وَامْتِنَاعِهِ سَلَّمَ إلَيْهِ قوله: (أنه لا يعلمه) وكذا إن كذبه أحدُهما، فإن نكل قضي عليه بالنكول، فتؤخذ منه القيمة والعين، فيقترعان عليها، أو يتفقان.
هذه طريقة «المحرر» وجماعة، وقدمها الحارثي.
«شرحه».
فائدة: قال المجد في «شرحه»: لو كان على الوديع دينٌ بقدر الوديعة كألف درهمٍ، فأعطاه الوديع ألفًا ثم اختلفا، فقال الوديع: الذي دفعت إليك وفاءٌ عن الدين، والوديعة تلفت، فقال المالك: بل هوَ الوديعة، والدين بحاله، فالقول قول الوديع.
انتهى.
قوله: (في الحالتين) ما إذا صدَّقاه، أو كذَّباه وحلف.
قوله: (فمن قرع حلف وأخذها) وكذا حكم عاريةٍ، ورهن، وبيعٍ مردودٍ بعيب، أو خيارٍ، أو غيرهما.
ويأتي في الدعاوى والبينات.
منصور البهوتي.
ثم لو تبين أنها للمقروع، فقال الإمام: قد مضت القرعة، وعلى القارع قيمتها للمقروع.
فتأمل.
قوله: (ينقسم) لا كآنية نحاس، وحلي، ومختلف إجزاءٍ، إلا بإذن شريكه، أو حاكم.
قوله: (سلم إليه) أي: وجوباً بلا حاكمٍ.

الجزء: 3 - الصفحة: 267

وَلِمُودِعٍ وَمُضَارِبٍ وَمُرْتَهِنٍ وَمُسْتَأْجِرٍ إنْ غُصِبَتْ الْعَيْنُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا وَلَا يَضْمَنُ مُودَعٌ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهَا لِغَيْرِ رَبِّهَا فَإِنْ طَلَبَ يَمِينِهِ وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا حَلَفَ مُتَأَوِّلًا فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَتَّى أُخِذَتْ ضَمِنَهَا وَيَأْثَمُ إنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ وَهُوَ دُونَ إثْمِ إقْرَارِهِ بِهَا وَيُكَفِّرُ قوله: (ولمودع ... إلخ) لعل المراد في مقابلة من قال: ليس لهم ذلك، فيكون واجباً عليه، ولا سيما مع غيبة المالك.
قوله: (ومستأجر) قلت: ومثلهم العدل بيده الرهن، والأجير على حفظ عين، والوكيل فيه، والمستعير والمجاعل على عملها.
منصور البهوتي.
قوله: (ولم يجد بدًا) من الحلف؛ بأن كان الطالب ليمينه متغلبا عليه بسلطنة، أو تلصُّص، ولا يمكنه الخلاص منه إلا بالحلف.
قوله: (حلف متأولا) فينوي: لا وديعة لفلانٍ عندي في موضع كذا، من المواضع التي ليست بها ونحوه، ولم يحنث ولو بطلاق، إن كان الضرر الحاصل بالتغريم كثيرًا يوازي الضرر في صورة الإكراه.
كما حرره الحارثي رحمه الله تعالى.
قوله: (إن لم يتأول) لكذبه.
قوله: (وهو) أي: إثم حلفه بدون تأويل.
قوله: (ويكفر) قد يفهم منه: أنها ليست غموسًا؛ لأن اليمين الغموس لا كفارة فيها، ولم يستثنوا هناك شيئاً، ولعل الخلاف في عدم إثمه هنا.
فليتأمل.

الجزء: 3 - الصفحة: 268

باب إحياء الموات

وهِيَ الْأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ الِاخْتِصَاصَاتِ وَمِلْكِ مَعْصُومٍ فَيُمْلَكُ بِإِحْيَاءِ كُلِّ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَثَرُ عِمَارَةٍ باب إحياء الموات قال الأزهري: هو الأرض التي ليست لها مالك، ولا ماءَ بها، ولا عمارة، ولا ينتفع بها.
انتهى.
وتسمَّى ميتة وموتانا.
ثم اعلم: أن المواتَ خمسة أقسام؛ لأنه إما أن لا يجري عليه ملكٌ لأحدٍ ولم يوجد فيه عمارة، أو يجري عليه ملك مالكٍ، فالأوَّل: يملك بالأحياءِ بغير خلافٍ بين القائلين بالإحياء.
والقسم الثاني: وهو ما جرى عليه ملك مالكٍ، إما أن يكون المالك معيناً أو لا، والأول: وهو المالك المعين، إما أن يمكله بنحو شراءٍ فلا يملك بالإحياء بغير خلافٍ، وإما أن يملك بالإحياء ثمَّ ترك حتى دثر وصار مواتاً، فلا يملك أيضاً كالذي قبله.
والثاني: أعني: مالم يجر عليه ملكٍ، لمعين بل وجد فيه آثار ملك، نوعان؛ لأنه إما أن يكون أثر الملك جاهلياً، أو إسلامياً، فيملك فيهما.
فتأمل.
قوله: (المنفكة) أي: الخالصة.
قوله: (عن الاختصاصات) لمعصوم مسلم، أو كافر خرج به المتحجر قبل تمام إحيائه.
قوله: (وملك ... إلخ) ها الحد جامع مانع، كما أفاده الحارثي.
قوله: (كل مالم ... إلخ) أي: كل موات لم يعلم جريان ملك معصوم عليه.
قوله: (ولم يوجد فيه أثر عمارة)

الجزء: 3 - الصفحة: 269

وَإِنْ مَلَكَهُ مَنْ لَهُ حُرْمَةٌ أَوْ شُكَّ فِيهِ فَإِنْ وُجِدَ أَوْ أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ لَمْ يُمْلَكْ بِإِحْيَاءٍ وَكَذَا إنْ جُهِلَ وَإِنْ عُلِمَ وَلَمْ يُعَقِّبْ أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ وَإِنْ مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى دَثَرَ وَعَادَ مَوَاتًا لَمْ يُمْلَكْ بِإِحْيَاءٍ إنْ كَانَ لِمَعْصُومٍ وَإِنْ عُلِمَ مِلْكُهُ لِمُعَيَّنٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ لا مفهوم له، كما سيجيء في قوله: (أو كان به أثر ملك ... إلخ) قال في «الإقناع»: وأما مساكن ثمود، فلا تملك فيها؛ لعدم دوام البكاء مع الانتفاع.
قاله الحارثي.
قوله أيضا على قوله: (أثر عمارة) أي: بغير خلافٍ عند القائلين بالإحياء.
قوله: (وإن ملكه) أي: الخراب.
قوله: (من له حرمة) من مسلم أو ذميٍّ، أو مستأمن.
قوله: (أو شُك فيه) أله حرمةٌ، أو لا؟ قوله: (وكذا إن جهل) مالكه؛ بأن لم تعلم عينه مع العلم بجريان الملك عليه لذي حرمة، فلا يملك بالإحياء.
قوله: (ولم يعقب) أي: لم يكن له ورثة.
قوله: (أقطعه الإمام) أي: فيء.
قوله: (دثر) بابه: قعد: اندرس.
قوله: (ملكه) أي: الخراب.
قوله: (غير معصوم) وهو الكافر الذي لا أمان له.

الجزء: 3 - الصفحة: 270

فَإِنْ أَحْيَاهُ بِدَارِ حَرْبٍ وَانْدَرَسَ كَانَ كَمَوَاتٍ أَصْلِيٍّ وَإِنْ تَرَدَّدَ فِي جَرَيَانِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ بِهِ أَثَرُ مِلْكٍ غَيْرِ جَاهِلِيٍّ كَالْخَرِبِ الَّتِي ذَهَبَتْ أَنْهَارُهَا وَانْدَرَسَتْ آثَارُهَا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهَا مَالِكٌ قوله: (فإن أحياه بدار حرب ... إلخ) أي: وإن كان بدار إسلام، فالصحيح أنه لا يملكه بالإحياء، فلا أثر لإحيائه، فلا مفهوم لقوله: (بدار حرب).
وإن ملكه بنحو شراء؛ بأن وكل غير المعصوم معصوما ليشتري له مكاناً، فاشتراه ثم ترك حتى درس وصار مواتا، فالظاهر: أنه لا يملك بالإحياء، فيكون فيئا بمنزلة ما جلوا عنه خوفاً منا، لكن مقتضى التعليل أنه يملك بالإحياء.
قاله منصور البهوتي.
وظاهر كلام المصنف: أنه يملكه المسلم والذمي، وقيده في «الإقناع» بالمسلم.
قال في «شرحه».
ولعله غير مراد.
قوله: (أصلي) أي: يملكه من أحياه.
قوله: (وإن تردد ... إلخ) فيه روايتان.
قوله: (عليه) أي: وليس به اثر ملك، كما يعلم مما تقدم في قوله: (ولم يوجد فيه أثر عمارةٍ)؛ ليصح عطف قوله (أو كان به).
فتأمل.
قوله: (أو كان به ... إلخ) فيه روايتان.

الجزء: 3 - الصفحة: 271

أَوْ جَاهِلِيٍّ قَدِيمٍ أَوْ قَرِيبٍ مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ وَمَنْ أَحْيَا وَلَوْ بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ ذِمِّيًّا مَوَاتًا سِوَى مَوَاتِ الْحَرَمِ وَعَرَفَاتٍ، ومَا أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَرْضِ كُفَّارٍ صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا، ومَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ كَطُرُقِهِ وَفِنَائِهِ وَمَسِيلِ مَائِهِ وَمَرْعَاهُ وَمُحْتَطَبِهِ وَحَرِيمِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَلَكَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ مَعْدِنٍ جَامِدٍ قوله: (قديم) كديار عاد.
قوله: (أو قريب ... إلخ) فيه روايتان.
قوله: (بإحياء) أي: في الأربع.
قوله: (سوى ... إلخ) علم منه: أن موات العنوة كأرض مصر والشام والعراق وصرح به في «الإقناع».
قوله: (من أرض كفار) عامرًا كان أو مواتا؛ لأنه تابع لأرضهم.
قوله: (وما قرب) أي: عرفًا، وقيل: غلوة.
قوله: (وتعلق بمصالحه) فهم منه: أنه لو لم يتعلق بمصالحه مع قربه، ملك، كما يأتي.
قوله: (وفنائه) أي: ما اتسع أمامه.
قوله: (ونحو ذلك) كمدفن موتاه ومطرح ترابِهِ.
قوله: (ملكه) جواب (من) قوله: (بما فيه) أي: مع ما فيه.
قوله: (من معدن ... إلخ) أي: مع ذلك قال في «الشرح» و «المبدع»: ولو تحجر الأرض أو أقطعها، فظهر فيها معدن قبل إحيائها، كان له إحياؤها، ويملكها بما فيها؛ لأنه صار أحق بتحجره

الجزء: 3 - الصفحة: 272

باطن كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ وظَاهِرٍ كَجَصٍّ وَكُحْلٍ وإقطاعه، فلم يمنع من إتمام حقه.
قال في «المغني»: ولو ظهر في ملكه معدن بحيث يخرج النيل عن أرضه، فحفر إنسان من خارج أرضه، كان له أن يأخذ ما خرج عن أرضه منه؛ لأنه لم يملكه إنما ملك ما هو من أجزاء أرضه.
قوله: (باطنٍ) أي: ما يحتاج في إخراجه إلى حفرٍ ومؤنةٍ.
قوله أيضا على قوله: (باطن) أي: ظاهر على وجه الأرض أو لا.
قوله: (وظاهر) أي: ما يتوصل إلى ما فيه بلا مؤنة، يعني: ظهر بإظهاره وحفره.
أما ما كان ظاهرا قبل إحيائها، فلا يملك؛ لأنه يقطع نفعًا واصلا للمسلمين، بخلاف ما ظهر بإظهاره، فإنه لم يقطع عنهم شيئاً.
قوله: (كجص) الجص - بالكسر - معروف، وهو معرَّب؛ لأن الجيم والصَّاد لا يجتمعان في كلمة عربيةٍ؛ ولهذا قيل: الإجَّاص معرب.
«مصباح».

الجزء: 3 - الصفحة: 273

وَعَلَى ذِمِّيٍّ خَرَاجُ مَا أَحْيَا مِنْ مَوَاتٍ عَنْوَةً وَيُمْلَكُ بِإِحْيَاءٍ وَيُقْطَعُ مَا قَرُبَ مِنْ السَّاحِلِ مِمَّا إذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا أَوْ مِنْ الْعَامِرِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ لَا مَعَادِنُ مُنْفَرِدَةٌ وَلَا يُمْلَكُ مَا نَضَبَ مَاؤُهُ وَإِنْ ظَهَرَ فِيمَا أَحْيَا عَيْنُ مَاءٍ أَوْ مَعْدِنٍ جَارٍ كَنَفْطٍ وَقَارٍ قوله: (وعلى ذميِّ ... إلخ) أي: لا مسلمٍ، وهل يملكه مع ذلك أم لا؟ الأقرب: أنَّه لا يملكه، كما هو صريح «الإنصاف».
ثانياً: وفهم من كلامه أنه لا شيء عليه في غير العنوة، وهو الصحيح.
قاله في «الإنصاف».
قال منصور البهوتي؛ ولعل مرادهم بغير العنوة العشرية، بدليل مقابله وهو أن عليه عشر زرعه وثمره، وأن المراد بالعنوة: ما يعمُّ ما جلا عنها أهلها خوفاً منَّا، وما صالحناهم على أنها لنا ونقرها معهم بالخراج.
انتهى.
قوله: (صار ملحاً) وإحياء هذا النوع بتهيئه لما يصلح له من حفر ترابِهِ وتمهيده وفتح قناة إليه؛ لأنه يتهيأ بهذا للانتفاع.
قوله: (بمصالحه) علم منه: أنه ليس للإمام إقطاع مالا يجوز إحياؤه مما يتعلق بمصالح العامر.
قوله: (ولا يملك ما نضب ماؤه) من الجزائر.
هذا ما قطع به في «التنقيح».
وفي «الإنصاف» عن ابن عقيل والموفق والشارح: يجوز.
وجزم به في «الإقناع»، ونص عليه الحارثي مع عدم الضرر.
قال منصور البهوتي: ولعل من منع الإحياء، منعه بالبناء، ومن أجازه فمراده: بالزرع

الجزء: 3 - الصفحة: 274

أَوْ كَلَأٌ أَوْ شَجَرٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَلَا يَمْلِكُهُ وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ عِيَالِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ يَجِبُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ وَزَرْعِهِ مَا لَمْ يَجِدْ مُبَاحًا أَوْ يَتَضَرَّرُ بِهِ أَوْ يُؤْذِيهِ بِدُخُولِهِ أَوْ لَهُ فِيهِ مَاءُ السَّمَاءِ فَيَخَافُ عَطَشًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَعَهُ وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا بِمَوَاتٍ ونحوه، كما يدلُّ عليه التعليل.
انتهى.
قوله: (جارٍ) أي: إذا أخذ منه شيء خلفه غيره.
قوله: (أو كلأ) الكلأ - مهموز- العشب رطباً كان أو يابسا، والجمع أكلاء، مثل سببٍ وأسباب.
«مصباح».
قوله: (وما فضل من مائه) أي: الذي لم يحزه.
قوله: (وحاجة عياله) في شربٍ، وعجينٍ، وطبخ، وطهارة، وغسل ثياب، ونحو ذلك.
قاله الحارثي؛ لأن ذلك كله من حاجته.
قوله: (وزرعه) أي: وبساتينه.
قوله: (مالم يجد مباحًا) يعني: رب البهائم أو الزرع.
قوله: (أو يؤذه) أي: طالب الماء.
(أو له فيه) أي: البئر؛ لأنه ملكه بالحيازة بخلاف العد.
قوله: (ويخاف عطشاً) وحيث لزمه بذله، لم يلزمه حبل ودلو وبكرة مالم يضطر إلى ذلك مع عدم الضَّرر، كما يأتي في الأطعمة.
قوله: (ومن حفر بئرًا ... إلخ) اعلم: أنَّ البئرَ

الجزء: 3 - الصفحة: 275

لِلسَّابِلَةِ فِي سَقْيِ زَرْعٍ وَشُرْبٍ وَمَعَ ضِيقٍ بِسَقْيِ آدَمِيٍّ فَحَيَوَانٍ فَزَرْعٍ، وارْتِفَاقًا كَالسِّفَارَةِ لِشُرْبِهِمْ ودَوَابِّهِمْ فَهُمْ أَحَقُّ بِمَائِهَا وَقَامُوا وَعَلَيْهِمْ بَذْلُ فَاضِلٍ لِشَارِبٍ فَقَطْ وَبَعْدَ رَحِيلِهِمْ تَكُونُ سَابِلَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنْ عَادُوا كَانُوا أَحَقَّ بِهَا تَمَلُّكًا فمِلْكٌ لِحَافِرٍ المحفورة في الموات على ثلاثة أقسامٍ؛ لأنها إما أن تحفر لنفعٍ عام أو خاص، فالأوَّل: حافر فيها كغيره، والثاني وهو الخاصُّ: إما أن يكون موسعًا أو مضيقًا، فالأول، كالآبار التي يحفرها المسافرون؛ لشربهم ودوابِّهم فهذا يختص به الحافر ما دام مقيمًا.
والثاني: وهو الخاص المضيق: وهو القاصد بحفره التملك، فهذه ملك لحافرها.
فتدبر.
قوله: (للسَّابلة) اي: نفع المجتازين.
قوله: (ومع ضيق) أي: تزاحم.
قوله: (لشارب فقط) أي: دون نحو زرع.
قوله: (فملك لحافر) قال في «المغني»: وعلى كل حال، لكل أحدٍ أن يستقي من الماء الجاري لشربه وطهارته وغسل ثيابه وانتفاعه به في أشباه ذلك، مما لا يؤثر فيه من غير إذنٍ، إذا لم يدخل إليه في مكان محوط عليه، ولا يحل لصاحبه المنع من

الجزء: 3 - الصفحة: 276

فصل وإحياء أرض بحوز بحائط منيع أَوْ إِجْرَاءِ مَاءٍ لَا تُزْرَعُ إلَّا بِهِ أَوْ مَنْعِ مَاءٍ لَا تُزْرَعُ مَعَهُ ذلك.
نقله في «الإقناع» وأقره.
قوله: (وإحياء أرض) أي: موات.
قوله: (بحوز) أي: ضم إليه.
قوله: (بحائط منيع) أي: يمنع ما وراءه مما جرت عادة أهل البلد بالبناء به من لبن أو غيره، سواء أرادها لبناءٍ أو زرع أو غيرهما، ولا يعتبر تسقيف ولا نصب باب، لا بحرث أو زرع بل بتحجيرٍ.
قوله: (أو إجراء ماء) بأن يسوقه إليها من نهر أو بئر.
قوله: (أو منع ما لا تزرع معه) يحتمل أن يكون قوله: (ما) ممدودًا، هو الذي يدل عليه كلامه في «شرحه» أي: بأن تكون الأرض غارقة بالماء، بحيث لا يمكن زرعها إلا بحبسه عنها، فمتى حبسه عنها فقد ملكها؛ لأن بذلك يتمكن من الانتفاع، ولا يعتبر أن يزرعها ويسقيها، ويحتمل أن يكون قوله: (ما) مقصورًا، فتكون (ما) نكرة موصوفة، أو اسمًا موصولا، والمعنى: أو منع شيء لا يمكن زرعها معه، أو الشيء الذي لا يمكن زرعها معه.
وهذا أولى؛ ليشمل ما ذُكر من الماء

الجزء: 3 - الصفحة: 277

أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ غَرْسُ شَجَرٍ فِيهَا وَبِحَفْرِ بِئْرٍ يَمْلِكُ حَرِيمَهَا وَهُوَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فِي قَدِيمَةٍ خَمْسُونَ ذِرَاعًا وفِي غَيْرِهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وغيره، كما لو كان المانع من زرعها كثرة الأحجار، كأرض اللجاة - ناحية بالشام - فإحياؤها بقلع أحجارها وتنقيتها، وكما لو كانت غياضًا وأشجاراً، كأرض الشعرى، فأحياؤها، بأن يقلع أشجارها، ويزيل عروقها المانعة من الزرع.
وجزم بذلك كله في «الإقناع».
فتدبر, قوله: (أو حفر بئر) يصل إلى مائها مع طي لحاجة.
قوله: (أو غرس شجر فيها) بأن كانت لا تصلح لغرس، لكثرة أحجارها ونحوها، فينقيها ويغرسها؛ لأنه يراد للبقاء بخلاف زرع.
قوله: (وبحفر بئر) استخرج ماءها.
قوله: (في قديمة) هي المراد بالعادية، أي: وهي التي انطمت وذهب ماؤها فجدد حفرها وعمارتها أو انقطع ماؤها فاستخرجه.
قاله في «الإقناع».
قال في «شرحه»: وعلم من كلامه: أن البئر التي لها ماء ينتفع به الناس، ليس لأحد احتجاره، كالمعادن الظاهرة.
قوله: (خمسون ذراعًا) لعل المراد: بذراع اليد.
منصور البهوتي.

الجزء: 3 - الصفحة: 278

وَحَرِيمُ عَيْنٍ وَقَنَاةٍ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ ونَهْرٍ مِنْ جَانِبَيْهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِطَرْحِ كِرَايَتِهِ وَطَرِيقِ شَاوِيهِ وَنَحْوِهِمَا وشَجَرَةٍ قَدْرُ مَدِّ أَغْصَانِهَا وأَرْضٍ تُزْرَعُ مَا تَحْتَاجُ لِسَقْيِهَا وَرَبْطِ دَوَابِّهَا وَطَرْحِ سَبَخِهَا وَنَحْوِهِ ودَارٍ مِنْ مَوَاتٍ حَوْلَهَا مَطْرَحُ تُرَابٍ وَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ وَمَاءِ مِيزَابٍ وَمَمَرٍّ لِبَابٍ وَلَا حَرِيمَ لِدَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِمِلْكٍ وَيَتَصَرَّفُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِحَسَبِ عَادَةٍ وَإِنْ وَقَعَ فِي الطَّرِيقِ نِزَاعٌ وَقْتَ الْإِحْيَاءِ فَلَهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَلَا تُغَيَّرُ بَعْدَ وَضْعِهَا قوله: (وقناة) أي: من موات حولها.
قوله: (لطرح كرايته) أي: يلقى منه طلبًا لسرعة جريه.
قوله: (شاويه) أي: قيمه.
قوله: (ونحوهما) أي: من مرافقه.
قوله: (وشجر) أي: غرس بموات، وفي نسخة (وشجرة) وما في الأصل موافق لخط المصنف.
قوله: (وكناسةٍ) أي: الزبالة.
قوله: (بحسب عادةٍ) في الانتفاع، فإن تعداها منع.
قوله: (وإن وقع في الطريق نزاع) أي: في قدره.
قوله: (بعد وضعها) يعني: ولو زادت على سبعة أذرع؛ لأنها للمسلمين

الجزء: 3 - الصفحة: 279

وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا بِأَنْ أَدَارَ حَوْلَهُ أَحْجَارًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا لَمْ يَصِلْ مَاءَهَا أَوْ سَقَى شَجَرًا مُبَاحًا وَأَصْلَحَهُ وَلَمْ يُرْكِبْهُ وَنَحْوِهِ أَوْ أَقْطَعَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ووَارِثُهُ ومَنْ يَنْقُلُهُ إلَيْهِ وَكَذَا مَنْ نَزَلَ عَنْ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ بِيَدِهِ لِغَيْرِهِ أَوْ عَنْ وَظِيفَةٍ لِأَهْلٍ أَوْ آثَرَ شَخْصًا قوله: (ومن تحجر ... إلخ) أي: وهو أن يشرع في إحيائه، كما مثَّله المصنف.
قوله: (بأن أدار حوله أحجارًا) يعني: أو ترابا، أو شوكا، أو حائطا غير منيع.
قوله: (أو سقى شجرًا ... إلخ) قال في «حاشية التنقيح» الصواب: شفى بالشين المعجمة وتشديد الفاء، أي: قطع الأغصان الرديئة؛ لتخلفها أغصان جيدة، تصلح للتركيب، وهو التطعيم.
قوله: (ولم يركبه) أي: يطعمه، فإن ركبه، ملكه.
قوله: (ونحوه) أي: كحرث أرضٍ.
قوله: (أو أقطعه) أي: أقطعه الإمام مواتا ليحييه، وعلم منه: أن للإمام ذلك.
قوله: (لم يملكه) أي: قبل إحيائه.
قوله: (وهو أحق به) أي: من شرع في إحياء شيء لم يتمه، تحجر الموات، أو حفر البئر ولم يصل ماءها، أو شفى الشجر المباح ولم يركبه ونحوه، أو أقطعه.
قوله: (أو عن وظيفة) أي: من إمامة، أو خطابة، أو تدريس ونحوه.
قوله: (لأهل) فهم منه: أنه لا يتعيَّن إذا كان غير أهلٍ.
قال الموضح: ملخص كلام الأصحاب: يستحقُّها منزول له إن كان أهلا، وإلا فلناظرٍ توليةُ مستحقها شرعاً.

الجزء: 3 - الصفحة: 280

بِمَكَانِهِ فِي الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ فَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ عُرْفًا وَلَمْ يَتِمَّ إحْيَاؤُهُ وَحَصَلَ مُتَشَوِّقٍ لِإِحْيَائِهِ قِيلَ لَهُ إمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ أَوْ تَتْرُكَهُ فَإِنْ طَلَبَ الْمُهْلَةَ لِعُذْرٍ أُمْهِلَ مَا يَرَاهُ حَاكِمٌ مِنْ نَحْوِ شَهْرٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَلَا يَمْلِكُ بِإِحْيَاءِ غَيْرِهِ فِيهَا وَكَذَا لَا يُقَرِّرُ غَيْرُ مَنْزُولٍ لَهُ قوله: (وليس له) أي: لمن قلنا: إنه أحق بشيء مما سبق.
قوله: (بيعه) أي: لعدم الملك.
قال منصور البهوتي: ولعل هذا لا ينافي ما ذكره ابن نصر الله؛ لأن العوض ليس خاصاً في البيع.
قوله: (فإن طالت المدة) أي: لنحو التحجر.
قوله: (عرفاً) أي: نحو ثلاث سنين.
كما في «الإقناع».
قوله: (متشوِّف) أي: منتظر.
قوله: (فإن طلب المهلة لعذر) فإن لم يكن عذر، قيل له: إما أن تعمر أو ترفع يدك، فإن لم يعمرها، فلغيره عمارتها.
قوله: (فيها) أي: في مدةِ المهلة، وبعدها من أحيا مَلَك.
قال في «الإنصاف».
لا أعلم فيه خلافا.
قوله: (وكذا لا يقرر غير منزول له) أي: في أرض

الجزء: 3 - الصفحة: 281

ولَا لِغَيْرِ الْمُؤْثَرِ أَنْ يَسْبِقَ: وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُ جُلُوسٍ بِطَرِيقٍ وَاسِعَةٍ وَرَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ مَا لَمْ يَضِقْ عَلَى النَّاسِ وَلَا يَمْلِكُهُ مُقْطَعٌ خراجية أو وظيفة نزل عنها لأهل، فإن قرَّر المنزول له من له الولاية كالناظر، ثم الأمرُ له، وإلا فهي للنازل، وأخذ العوض عن ذلك قريب في الخلع، كما قاله ابن نصر الله وغيره.
قال منصور البهوتي: قلت: وإن لم يتم النزول، فله الرجوع بما بذله من العوض؛ لأن البدَلَ لم يسلم له.
انتهى.
وكذا ينبغي أن النازل بعوضٍ إذا لم يسلم له، فله الرجوع في وظيفته؛ لأنه لم يحصل منه رغبة مطلقة عن وظيفته بل مقيدةٌ بعوض ولم يحصل له.
فتدبر.
قوله: (أن يسبق) من باب: ضرب، كما في «المختار» للرازي.
قوله: (إقطاع جلوس) وهذا إقطاع الإرفاق.
قوله: (غير محوطة) علم منه: أن الرحبة لو كانت محوطةً، لم يجز إقطاع الجلوس بها؛ لأنها مسجد.
تتمة وفائدة: الأسباب المقتضية للملك: الإحياء، والميراث، والمعاوضات، والهبات، والوصايا، والوقف، والصدقات، والغنيمة، والاصطياد، ووقوع الثلج في المكان الذي أعده، وانقلاب الخمر خلا، والبيضة المذرة فرخًا.
قاله في «حاشية الإقناع».

الجزء: 3 - الصفحة: 282

بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مَا لَمْ يَعُدْ الْإِمَامُ فِي إقْطَاعِهِ وَإِنْ لَمْ يُقْطِعْ فَالسَّابِقُ أَحَقُّ مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهَا فَإِنْ أَطَالَهُ أُزِيلَ وَلَهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِمَا لَا يَضُرُّ كَكِسَاءٍ وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ إلَيْهِ أَوْ إلَى خَانٍ مُسْبَلٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ خَانِكَاهْ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ بِهَا إلَى تَنْزِيلِ نَاظِرٍ أُقْرِعَ وَالسَّابِقُ إلَى مَعْدِنٍ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُهُ وَلَا يُمْنَعُ قوله: (بل يكون أحق به) ولو نقل قماشه عنها، بخلاف السابق إليها بلا إقطاع، كما سيأتي.
تتمة: من جلس في مسجدٍ لفتوى أو إقراء، فهو أحق به ما دام فيه، أو غاب لعذر وعاد قريباً، ومن سبق إلى نحو رباط، لم يبطل حقه بخروجه لحاجة.
منصور البهوتي.
قوله: (ككساء) أي: لا بناءٍ.
قوله: (ولم يتوقف فيها ... إلخ) أي: المذكورات من الخان والرباط والمدرسة والخانكاه.
قوله: (إلى معدنٍ) أي: مباح؛ بأن يكون غير مملوك سواءٌ كان المعدن باطناً، أو ظاهرًا، فمتى شرع في حفر المعدن ولم يصل إلى النيل، صار أحق بالأخذ منه ما دام مقيماً على الأخذ منه.
قوله: (ولا يمنع ... إلخ) ما دام آخذًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 283

إذَا طَالَ مُقَامُهُ وَإِنْ سَبَقَ عَدَدٌ وَضَاقَ الْمَحِلُّ عَنْ الْآخِذِ جُمْلَةً أُقْرِعَ وَالسَّابِقُ إلَى مُبَاحٍ كَصَيْدٍ وَعَنْبَرٍ وَحَطَبٍ وَثَمَرٍ وَمَنْبُوذٍ رَغْبَةً عَنْهُ أَحَقُّ بِهِ وَيُقَسَّمُ بَيْنَ عَدَدٍ بِالسَّوِيَّةِ وَلِلْإِمَامِ لَا غَيْرِهِ إقْطَاعُ غَيْرِ مَوَاتٍ تَمْلِيكًا قوله: (إذا طال مقامه) قال في «المغني» و «الشرح».
فإن أخذ قدر حاجته، وأراد الإقامة فيه بحيث يمنع غيره منه، منع من ذلك.
قاله في «الإقناع».
قال في «شرحه»: لعدم دعاء الحاجةِ إليه.
انتهى.
قوله: (أقرع) فلو حفر إنسانٌ من جانب آخر، فوصل إلى النيل، لم يكن للسابق منعه.
قوله: (وعنبرٍ) أي: على ساحل البحر، وإلا فلقطةٌ.
قوله: (رغبة عنه) أي: كالنثار في الأعراس.
قوله: (أحق به) أي: مسلمًا كان أو ذميًا، لكن الملك مقصورٌ فيه على القدر المأخوذ، فلا يملك ما لم يحزه، ولا يمنع غيره منه.
قاله في «الإقناع» و «شرحه» قوله: (ويقسم) أي: بين عدد، أي: أخذوه دفعة.
قوله: (بالسوية) ولو كان بعضهم يأخذ للحاجة، وبعض للتجارة؛ لأن الاستحقاق بالسبب لا بالحاجة.
قوله: (غير موات) أي:

الجزء: 3 - الصفحة: 284

وَانْتِفَاعًا لِلْمَصْلَحَةِ وحَمْيُ مَوَاتٍ لِرَعْيِ دَوَابِّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَا لَمْ يُضَيِّق وَلَهُ نَقْضُ مَا حَمَاهُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، بل من العامر العائد إلى بيت المال، وإنما نص عليه؛ لكونه يتوقف على إقطاع الإمام بخلاف الموات؛ فإنه لا يتوقف على إقطاع الإمام مع جوازه أيضًا.
كما علم مما تقدَّم، فلا مفهوم له.
فتدبر.
قوله: (وانتفاعاً) أي: بزرع وإجارة وغيرهما مع بقائه للمسلمين، وهو إقطاع الاستغلال.
قوله: (للمصلحة) قال في «الإقناع»: والظاهر: أن مرادهم - أي: الأصحاب - بالمصلحة، ابتداء ودواما، فلو كان ابتداؤه لمصلحة، ثم في أثناء الحال فقدت، فللإمام استرجاعها، أي: لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
فتدبر.
قوله: (وحمى موات ... إلخ) أي: منع الناس منه.
قوله: (لرعي دواب المسلمين التي يقوم بها) أي: بحفظها من الصدقة والجزية، ودواب الغزاة، وماشية الضعفاء، وغير ذلك، ثم إن كان الحمى لكافة الناس، تساوى فيه جمعيهم، فإن خص به المسلمون، اشترك فيه غنيهم وفقيرهم، ومنع منه أهل الذمة، وإن كان خص به الفقراء، منع منه الأغنياء وأهل الذمة، ولا يجوز تخصيص الأغنياء وأهل الذمة به، ولا يجوز لأحد أن

الجزء: 3 - الصفحة: 285

لَا مَا حَمَاهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَلَا يُمَلَّكُ بِإِحْيَاءٍ وَلَوْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ فصل ولمن في أعلى ماء غير مملوك كالأمطار والأنهار الصغار أن يسقي ويحبسه حَتَّى يَصِلَ إلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ إلَى مَنْ يَلِيهِ ثُمَّ يأخذ من أرباب الدواب عوض مرعى مواتٍ أو حمى، ومن أخذ مما أحياه إمام، عزر في ظاهر كلامهم.
قال في «الإقناع»: وظاهره: ولا ضمان.
قوله: (لا ما حماه رسول الله ... إلخ) أي: لأن النص لا يُنقض بالاجتهاد.
فصل في الانتفاع بالمياه غير المملوكة ونحوه أيضًا هذا الفصل معقود لمسائل من أحكام الانتفاع بالمياه غير المملوكة ونحو ذلك.
ثم الماء على أربعة أقسام؛ لأنه إما أن يكون واقفًا، أو جاريا، والجاري، إما أن يكون في نهر غير مملوك، أو لا، فإن كان في نهر غير مملوك فإما أن يكون في نهر عظيم كالنيل والفرات، فلكل أن يسقي منها متى شاء ما شاء، وإما أن يكون في نهر صغير أو سيلا يتشاح فيه، وهو المشار إليه بقوله: (ولمن في أعلى ... إلخ) وأشار إلى المملوك بقوله: (وإن حفر نهر صغير ... إلخ) قوله: (والأنهار الصغار ... إلخ) أي: حيث لم يعلم المحيي أو لا.

الجزء: 3 - الصفحة: 286

هُوَ كَذَلِكَ مُرَتَّبًا إنْ فَضَلَ شَيْءٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لِلْبَاقِي فَإِنْ كَانَ لِأَرْضِ أَحَدِهِمْ أَعْلَى وَأَسْفَلُ سُقِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ وَلَوْ اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي قُرْبٍ قُسِّمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا أُقْرِعَ فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ وَاحِدٍ سَقَى الْقَارِعُ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَإِنْ أَرَادَ إنْسَانٌ إحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا مِنْهُ لَمْ يُمْنَعْ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ وَلَا يَسْقِي قَبْلَهُمْ وَلَوْ أَحْيَا سَابِقٌ فِي أَسْفَلِهِ ثُمَّ آخَرُ فَوْقَهُ ثُمَّ ثَالِثٌ فَوْقَ ثَانٍ سَقَى الْمُحْيِي أَوَّلًا ثُمَّ ثَالِثٌ قوله: (على حدته) أي: على انفراده.
قوله: (في قرب) أي: من أول نهر.
قوله: (على قدر الأرض ... إلخ) فلو كان لواحدٍ جريب، ولآخر جريبان، ولثالثٍ ثلاثة، فللأول السدس، والثاني الثلث، والثالث النصف.
قوله: (وإلا أقرع) أي: وإن لم يمكن قسمُ الماء على قدر الأرض، أقرع، فمن قرع سقى أرضه أولا بجميع الماء، ثم يرسله إلى من بقي، هذا إذا كان الماء يكفي الجميع، فلو كان الماء لا يفضل عن سقي أحدهما، فكما قال المصنف: يسقي القارع بقدر حقه من الماء، وإنما القرعة للتقدم، بخلاف الأعلى مع الأسفل، فإنه ليس للأسفل حق إلا في الفاضل عن الأعلى، كما تقدَّم.
قوله: (منه) أي: السيل أو النهر الصَّغير.
قوله: (في أسفله) أي: النهر.

الجزء: 3 - الصفحة: 287

وَإِنْ حُفِرَ نَهْرٌ صَغِيرٌ وَسِيقَ مَاؤُهُ مِنْ نَهْرٍ كَبِيرٍ مَلَكَهُ وَهُوَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ عَلَى حَسَبِ عَمَلٍ وَنَفَقَةٍ فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ جَازَ وَإِلَّا قَسَمَهُ حَاكِمٌ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ فَمَا حَصَلَ لِأَحَدِهِمْ فِي سَاقِيَتِهِ تَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا أَحَبَّ والْمُشْتَرَكُ.
لَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِذَلِكَ وَمَنْ سَبَقَ إلَى قَنَاةٍ لَا مَالِكَ لَهَا فَسَبَقَ آخَرُ إلَى بَعْضِ أَفْوَاهِهَا مِنْ فَوْقُ أَوْ أَسْفَلُ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا سَبَقَ إلَيْهِ وَلِمَالِكِ أَرْضٍ مَنْعُهُ قوله: (ملك) أي: الماء الداخل فيه.
قوله: (على قسمته) أي: بمهايأة أو غيرها.
قوله: (على قدر ملكهم) أي: في النهر، فتؤخذ خشبة أو حجر مستوي الطرفين والوسط، فيه ثقوب متساوية في السعة على قدر حقوقهم، فيوضع ذلك على موضع مستوٍ من الأرض في مصدِم الماء، فيخرج من كل ثقب إلى ساقيةٍ مفردةٍ لكل واحد منهم، فإن كانت أملاكهم مختلفةً، قسم الماء على قدر ذلك، فإذا كان لأحدهم نصفه، وللثاني ثلثه، وللثالث سدسه، جعل فيه ستة ثقوب، لصاحب النصف ثلاثة تصب في ساقيته، ولصاحب الثلث اثنان، ولصاحب السدس واحد.
تتمة: نقل يعقوب في من غصب حقه من ماء مشترك، للبقية أخذ حقِّهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 288

مِنْ الدُّخُولِ بِهَا وَلَوْ كَانَتْ رُسُومُهَا فِي أَرْضِهِ وَلَا يَمْلِكُ تَضْيِيقَ مَجْرَى قَنَاةٍ فِي أَرْضِهِ خَوْفَ لِصٍّ وَمَنْ سُدَّ لَهُ مَاءٌ لِجَاهِهِ فَلِغَيْرِهِ السَّقْيُ مِنْهُ لِحَاجَةِ مَا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ يَرُدُّهُ عَلَى مَنْ سَدَّ عَنْهُ قوله: (من الدخول بها) أي: بأرضه.
قوله: (ولو كانت رسومها) أي: ولو كانت رسوم القناة المحياة في أرض المانع، فلا يدخل المحيي بالقناة في أرض غيره بغير إذنه، ولا ينافي هذا ما ذكروه في الصلح، من أن من وجد رسوم خشبه أو مسيل مائه ونحوه في أرضِ غيرِه، يقضى له به، عملا بالظاهر؛ لأن هنا علمنا عدم سبق الملك؛ لأن المحيي إنما ملك ما أحياه بالإحياء، وقبله لا ملك له، بخلاف ما هناك، ذكره في «حاشية الإقناع».
قوله: (فلغيره) أي: غير المتجوه ممن لا استحقاق له في أصل الماء إلا بالحاجة، أن يسقي أرضه من هذا الماء المسدود للمتجوه، مالم يكن ترك هذا الغير السقي من الماء المسدود، سبباً في رد المتجوه الماء الذي سد له إلى أصحابه، لم يجز لغيره السقي منه، وإن كان لا يردُّه إليهم، سواء سقى غير المتجوه أو لا، فله السقي.
قوله: (مالم يكن تركه يرده ... إلخ) يعني: مالم يكن ترك بعض الشركاء السقي من الماء المسدود للمتجوه سببًا لرد الفضل عليهم، بحيث يكون المتجوه إذا رأى أحدًا منهم يسقي من الماء يمنعهم الفضل مضارة، وإذا لم ير أحدًا يسقي منه، ردَّ على الشركاء فضل الماء،

الجزء: 3 - الصفحة: 289

فلا يجوز في هذه الحالة لأحد السقي منه؛ لأنه يتسبب في ظلم غيره.
فتأمل ذلك، فإنها مسألة بعيدة الفهم على كثير من الناس، حتى عدت هذه العبارة من الألغاز، وقد نبهنا على ذلك شيخنا محمد الخلوتي، رحمه الله تعالى.

الجزء: 3 - الصفحة: 290

باب الجعالة: جَعْلُ مَالٍ مَعْلُومٍ لَا مِنْ مَالِ مُحَارِبٍ فَيَصِحُّ مَجْهُولًا لِمَنْ يَعْمَلُ لَهُ عَمَلًا وَلَوْ مَجْهُولًا أَوْ مُدَّةً وَلَوْ مَجْهُولَةً كَمَنْ رَدَّ لُقَطَتِي

باب الجعالة

من الجعل بمعنى: التسمية، أو منه بمعنى: الإيجاب، وتطلق على المجعول.
واعلم: أن الجعالة نوع إجازة؛ لوقوع العوض في نظير النفع، لكن تخالفها وتتميز عنها بأشياء: كون العامل لا يلتزم العمل، وكون العقد قد يقع لا مع معين، كمن فعل كذا، فله كذا.
ويجوز الجمع فيها بين تقدير المدة والعمل، بخلاف الإجارة في ذلك.
قوله: (جعلُ معلوم) أي: تسمية مال، فلو شرط مجهولا، كمن رد عبدي، فله نصفه.
أو محرما، كالخمر، فله أجرة المثل.
بخطه أيضا على قوله: (معلوم) أي: برؤية أو صفةٍ، كأجرة.
قوله: (محارب) أي: حربي.
قوله: (فيصح مجهولا) أي: فيصح أن يجعل الإمام من مال حربي مجهولا، كثلث مال فلان الحربي لمن يدل على قلعةٍ مثلا، وتقدم.
قوله: (لمن يعمل له) أي: للجاعل، بخلاف مالو قال زيد مثلا لجماعة: من ركب منكم دابته مثلا، فله كذا.
فلا يصح؛ لئلا يجتمع له أمران: العمل والجعل، كما تقدم نظيره في الإجارة.
فتدبر.
قوله: (عملا) أي: مباحًا، لا نحو زمر.
قوله: (مدة) أي: فيها.
قوله: (ولو مجهولة) كمن حرس زرعي، فله كذا أو أذن بهذا المسجد، فله في كل شهر كذا.
قوله: (كمن ردَّ لقطتي)

الجزء: 3 - الصفحة: 291

أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ أَوْ أَقْرَضَنِي زِيدَ بِجَاهِهِ أَلْفًا.
أَوْ أَذَّنَ بِهَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا.
فَلَهُ كَذَا.
أَوْ مَنْ فَعَلَهُ مِنْ مَدِينِي فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ كَذَا فَمَنْ بَلَغَهُ قَبْلَ فِعْلِهِ اسْتَحَقَّهُ بِهِ وفِي أَثْنَائِهِ فحِصَّةُ تَمَامِهِ إنْ أَتَمَّهُ بِنِيَّةِ الْجُعْلِ وبَعْدَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ وَحُرِّمَ أَخْذُهُ ومَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا أي: أو لقطة فلان، لأنه ضامنٌ له إذن، بخلاف مالو قال: قال فلان: من رد لقطتي، فله كذا.
قوله: (أو أقرضني زيد بجاهه ألفا) هذه الأمثلة الثلاثة أمثلة للعمل المجهول.
وقوله: (أو أذن بهذا المسجد شهرًا) يجوز أن يكون مثلا للمدة المجهولة إن جعلنا المعنى: له على كل شهر كذا.
فتأمل.
قوله: (استحقه به) لعله إن فعله بنية الجعل، كما في التي بعدها، ومتى تلف الجعل بيد الجاعل، كان للعامل مثله إن كان مثلياً، وإلا فقيمته، والجماعة تقتسمه، فإن فاوت بينهم فجعل لواحد على رده مثلا ديناراً، ولآخر دينارين، ولآخر ثلاثة، فردوه، فلكل واحد ثلث جعله، وإن رده اثنان منهم، فلكل منهما نصف جعله، وإن جعل لأحدهم دينارًا وللآخرين عوضا مجهولا، فرده، فلصاحب الدينار ثلثه، وللآخرين أجرة عملهما.
وإن جعل لواحد معين شيئًا في رده، فرده هو وآخران معه وقالا: رددناه معاونة له، استحق جميع الجعل ولا شيء لهما.
وإن قالا: رددناه لنأخذ العوض لأنفسنا، فلا شيء لهما، وله ثلث الجعل.
قوله: (وهو أقل من دينار ... إلخ) علم منه: أنه

الجزء: 3 - الصفحة: 292

اللَّذَيْنِ قَدَّرَهُمَا الشَّارِعُ فَقِيلَ: يَصِحُّ وَلَهُ بِرَدِّهِ الْجُعْلُ فَقَطْ وَقِيلَ: لَا وَلِلرَّادِّ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ وَيَسْتَحِقُّ مَنْ رَدَّهُ مِنْ دُونِ مُعَيَّنَةِ الْقِسْطَ ومِنْ أَبْعَدَ فَلَهُ الْمُسَمَّى فَقَطْ ومَنْ رَدَّ أَحَدَ آبِقَيْنِ نِصْفَهُ وَبَعْدَ شُرُوعِ عَامِلٍ إنْ فَسَخَ جَاعِلٌ فَعَلَيْهِ أُجْرَةٌ عَمَلِهِ لو جعل له أكثر مما قدره الشارع استحق المشروط فتأمل.
ثم رأيته صرح في «الإقناع» بذلك.
قوله: (فقيل: يصح ... إلخ) هذا مما أطلق فيه المصنف الوجهين، وجزم في «الإقناع» بالثاني، وقطع به الحارثي وصاحب «المبدع».
فتدبر.
قوله: (وقيل: ما قدر الشارع) وبه جزم في «الإقناع».
قوله: (ومن أبعد، المسمى) ومن غير البلد، المسمى، ومن غير طريقه، فلا شيء له، كما لو جعل له في رد أحد عبديه معينًا، فرد الآخر.
قاله في «الإقناع».
قال في «شرحه» قلت: بل ما قدَّره الشارع، وكذا التي قبلها.
قوله: (نصفه) ظاهره: استوت قيمتهما أم اختلفت، وانظر: لأي شيء لم نحكم بعدم استحقاقه شيئاً من الجعل؛ لأنه لم يتم العمل، ولعله لتعدد العقد بتعدد المعقودِ عليه.
ومقتضى ذلك لو قال: من خاط لي هذين الثوبين، فله كذا، فخاط أحدهما، فله بقدره من الجعل، ومحل ذلك إذا لم يكن في اللفظ ما يدل على فعل الشيئين معا، كما لو قال: من ردهما كليهما، فله كذا، ولم أر من صرح بذلك، والله أعلم.
قوله: (فعليه أجرة عمله) أي: قبل فسخ لا بعده.

الجزء: 3 - الصفحة: 293

وَإِنْ فَسَخَ عَامِلٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَيَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ وَعَمَلٍ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ جُعْلٍ فقَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ وفِي قَدْرِهِ أَوْ مَسَافَتِهِ فَقَوْلُ جَاعِلٍ وَإِنْ عَمِلَ وَلَوْ الْمُعَدُّ لِأَخْذِ أُجْرَةٍ لِغَيْرِهِ عَمَلًا بِلَا إذْنٍ.
أَوْ جُعْلٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا فِي تَخْلِيصِ مَتَاعِ غَيْرِهِ.
وَلَوْ قِنًّا مِنْ بَحْرٍ أَوْ فَلَاةٍ فأُجْرَةُ مِثْلِهِ ورَدِّ آبِقٍ مِنْ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ قوله: (وإن اختلفا) أي: الجاعل والعامل.
قوله: (فقول من ينفيه) منهما، كما لو ادعى الجاعل شرطه دون ما قدَّر الشارع، فقال العامل: لم تشترط شيئا، أو عكسه.
قوله: (وفي قدره) أي: أو عينه.
قوله: (فقول جاعل) يعني: بيمينه.
قوله: (ولو المعد لأخذ أجرة) كملاح، وجمال، وحجام، وخياط.
قوله: (متاع غيره) ظاهره: أنه يجوز ذلك سواء عرف مالكه، أم لا، وسواء كان مما يجوز التقاطه، أم لا.
فتأمل.
قوله: (ولو قنا) أي: غير آبق، كما يعلم مما يأتي.
قوله: (من بحر) كما لو انكسرت السفينة، فأخرج قوم متاعها من البحر، فتجب لهم الأجرة على الملاك؛ لأن فيه حثاً وترغيباً في إنقاذ الأموال من الهلكة.
قوله: (أو فلاةٍ) أي: أو فم سبع.
قوله: (فأجر مثله) ويرجع بنفقةٍ واجبة، وأجر حمل متاع.

الجزء: 3 - الصفحة: 294

إنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ فمَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ مَا لَمْ يَمُتْ سَيِّدُ مُدَبَّرٍ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ قَبْلَ وُصُولٍ.
فَيُعْتَقَا وَلَا شَيْءَ لَهُ أَوْ يَهْرُبُ وَيَأْخُذُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى دَابَّةٍ فِي قُوتٍ وَلَوْ هَرَبَ، قوله: (إن لم يكن الإمام) أي: فلا شيء له نصًا، لانتصابه للمصالح، وله حق في بيت المال على ذلك.
فتدبر.
وهل هذا القيد مختص برد القن أم فيه وفي رد المتاع؟ ولعله أظهر.
قوله: (فما قدر الشارع) أي: سواء رده من المصر أو خارجه، قربت المسافةُ أو بعدتْ، ولو كان الرادُّ زوجاً للرقيق أو من عيال المالكِ؛ للحث على حفظه خوفاً من لحوقه بدار الحرب والسعي في الأرض بالفساد بخلاف غيره من الحيوان والمتاع.
قوله: (قبل وصول) يعني: إيصالها إليه، أي: تسليمهما؛ لأن الجعل منوط بتسليم العمل.
قوله: (ولا شيء له) دفع بهذه الجملة توهم استحقاق الراد بقدر رده قبل موت السَّيد، وإلا فعدم استحقاق الجعل كله علم من قوله: (مالم يمت ... إلخ).
قوله: (أو يهرب) وكذا لو مات.
قوله: (ويأخذ ما أنفق عليه) والظاهر: أنه يقبل قوله في إنفاقٍ بمعروفٍ؛ لأنه أمين.
فتأمل.
قوله: (أو على دابة) قال منصور البهوتي: يجوز التقاطها.
انتهى.
ومفهومه يخالف ما قدَّمناه، ولعله غير مراد.
قوله: (في قوتٍ) ولا في زائدٍ عليه، كحلواء.
قوله: (ولو هرب ... إلخ) وعلى قياسه: أو شردت الدابة وإلا فما الفرق؟ !

الجزء: 3 - الصفحة: 295

أَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ مَالِكًا مَعَ قُدْرَتِهِ وَيُؤْخَذَانِ مِنْ تَرِكَةِ مَيِّتٍ مَا لَمْ يَنْوِ التَّبَرُّعَ وَلَهُ ذَبْحُ مَأْكُولٍ خِيفَ مَوْتُهُ وَلَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَهُ وَمَنْ وَجَدَ آبِقًا أَخَذَهُ وَهُوَ أَمَانَةٌ قوله: (مع قدرة) بخلاف مالو أنفق الرهن ونحوه.
ولعل الفرق أن القدرة على الاستئذان هنا نادرة لا تكاد تحقق غالبا بخلاف ذلك.
«حاشية».
قوله: (ويؤخذان) أي: الجعل والنفقة.
قوله: (من تركةِ ميتٍ) أي: من تركة سيد ميت.
قوله: (مالم ينو التبرع) أي: بالعمل والنَّفقة، فلا شيء له.
قال في «شرح الإقناع»: ومقتضاه لا تعتبر نية الرجوع، أي: في النفقة.
قال: بخلاف الوديعة ونحوها.
والفرق: الترغيب في الإنقاذ من المهلكة.
قوله: (خيف موته) هل يقبل قوله: إنه لم يذبحه إلا خوفًا من موته؟ الظاهر: لا بد من البينة إلا إن كان أمينًا، كالراعي، والله أعلم.
قوله: (ولا يضمن ما نقصه) لأنه متى كان العمل في مال الغير إنقاذًا له من التلف المشرف عليه، كان جائزًا بغير إذن مالكه؛ لأنه إحسان إليه.
قوله: (ومن وجد آبقا، أخذه ... إلخ) تنبيه: يقال: أبق العبد - إذا هرب من سيده - بفتح الباء، يأبق بكسرها وضمها، فهو آبق.
وقال الثعالبي في «شرح اللغة»: لا يقال للعبد: آبق إلا إذا كان ذهابُه من غيرِ خوف، ولا كدٍّ

الجزء: 3 - الصفحة: 296

وَمَنْ ادَّعَاهُ فَصَدَّقَهُ الْآبِقُ أَخَذَهُ وَلِنَائِبِ إمَامٍ بَيْعُهُ لِمَصْلَحَةٍ فَلَوْ قَالَ كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ عَمِلَ بِهِ في العمل، وإلا فهو هارب.
قاله في «شرح الإقناع».
قوله: (ومن ادعاه ... إلخ) اعلم: أنه إذا وجد صاحبه، دفعه إليه إذا اعترف العبد المكلَّف، أو أقام صاحبه بينة، وإلا دفعه للإمام أو نائبه ليحفظه لصاحبه.
قوله: (فصدَّقه الآبق) أي: المكلف.
منصور البهوتي، أو أقام مدعٍ بينة.

الجزء: 3 - الصفحة: 297

باب اللقطة: مَالٌ أَوْ مُخْتَصٌّ ضَاعَ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ لِغَيْرِ حَرْبِيٍّ وَمَنْ أُخِذَ مَتَاعُهُ وَتُرِكَ بَدَلُهُ فِي كَلُقَطَةٍ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ

باب اللقطة

اللقطة، محركة - وكحزمة وهمزة وثمامة - ما التقط.
«قاموس» وأراد بمحركة: مفتوحة اللام والقاف.
اعلم: أن الالتقاط يشتمل على أمانة واكتسابٍ.
قال الحارثي: وللناس خلاف في المغلب منهما، منهم من قال: الكسب ووجه بأنه مآل الأمر.
ومنهم من قال: الأمانة، وهو الصحيح؛ لأن المقصود إيصال الشيء إلى أهله، ولأجله شرع الحفظ والتعريف أولا، والملك آخراً عند ضعف الرَّجاء للمالكِ.
انتهى.
المصنف.
قوله: (مالٌ) كنقد ومتاعٍ.
قوله: (أو مختص) كخمر خلال.
قوله: (ضائع) أي: ساقط بلا علمٍ.
قوله: (أو في معناه) كمتروك قصدًا لمعنى يقتضيه، كملقى عند هجومِ ناهب ونحوه، ومدفون منسي.
قوله: (لغير حربي) فإن كان لحربيٍّ فلآخذه، كالحربي إذا ضلَّ الطريق، فوجده إنسانٌ، فأخذه ملكه، كما تقدَّم.
قوله: (وترك بدله) أي: شيء متمول غيره.
قوله: (ويأخذ حقه منه) وتصدَّق بفاضل.
قوله: (بعد تعريفه) أي: سنة.

الجزء: 3 - الصفحة: 298

وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ الأول: مَا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ كَسَوْطٍ وَشِسْعٍ وَرَغِيفٍ فَيُمْلَكُ بِأَخْذِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهُ وَلَا بَدَلُهُ إنْ وَجَدَ رَبَّهُ وَكَذَا لَوْ لَقِيَ كَنَّاسٌ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ قِطَعًا صِغَارًا مُتَفَرِّقَةً وَلَوْ كَثُرَتْ وَمَنْ تَرَكَ دَابَّةً بِمَهْلَكَةٍ أَوْ فَلَاةٍ قوله: (وهي ثلاثة أقسام) يعني: بالاستقراء.
قوله: (أوساطِ الناس) أي: لا يطلبونه إذا ضاع منهم.
قوله: (كسوطٍ) ما يُضرب به.
وفي «شرح المهذب»: هو فوق القضيب ودون العصا.
وفي «المختار»: وهو سوط لا ثمرة له.
قوله: (وشسع) الشسع: أحد سيور النعل الذي يدخل بين الإصبعين.
قوله: (فيملك ... إلخ) قال في «الإقناع»: والأفضل أن يتصدق به.
قوله: (ولا بدله) علم منه: أنه لو بقي بعينه، وجب ردُّه لربه، وصرح به في «الإقناع» بحثاً.
قوله: (قطعا صغارا) من الفضة.
قوله: (ومن ترك دابة ... إلخ) لا عبدًا أو متاعا تركه ربُّه عجزًا عنه، فلا يملكه بذلك؛ اقتصارًا على صورة النص، ولأن العبد يمكنه في العادة التخلص إلى الأماكن التي يعيش فيها، والمتاع لا حرمة له في نفسه، ولا يخشى عليه التلف كما يخشى على الحيوان.

الجزء: 3 - الصفحة: 299

لِانْقِطَاعِهَا أَوْ عَجْزِهِ عَنْ عَلَفِهَا مَلَكَهَا آخِذُهَا وَكَذَا مَا يُلْقَى خَوْفَ غَرَقٍ الثَّانِي: الضَّوَالُّ الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ كَإِبِلٍ وَبَقَرٍ وَخَيْلٍ وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ وظِبَاءٍ وطَيْرٍ وفَهْدٍ وَنَحْوِهَا فَغَيْرُ الْآبِقِ يَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ وَلَا يُمْلَكُ بِتَعْرِيفٍ وَلِإِمَامٍ وَنَائِبِهِ أَخْذُهُ قوله: (لانقطاعها) أي: بعجزها عن المشي.
قوله: (ملكها آخذها) أي: إلا أن يكون تركها ليرجع إليها، أو ضلَّت منه، فلا يملكها آخذها، كما في «الإقناع».
قوله: (وكذا ما يلقى خوف غرقٍ) خلافا «للإقناع» في إحياء الموات في أنه باقٍ على ملك صاحبه.
قوله: (وحمر) أي: أهلية.
قوله: (وفهدٍ) يعني: معلم أو قابل، وإلا فليس بمال.
قوله: (فغير الآبق يحرم التقاطه) أي: وأما الآبق، فيجوز التقاطه صوناً له عن اللحوق بدار الحرب وارتداده وسعيه بالفساد، وتقدَّم.
وبخطه أيضاً على قوله: (يحرم التقاطُه) فإن تبع شيء منها دوابَّه فطرده، أو دخل شيء منها داره فأخرجه، فلا ضمان عليه حيث لم يأخذه، ولم تثبت يده عليه.
قوله: (ولا يملك بتعريف) ولم يرجع بما أنفق لتعديه بالتقاطه.
قوله: (ولإمام ونائبه) لا غيرهما، خلافاً للموفق عند الخوف عليها.

الجزء: 3 - الصفحة: 300

لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ بِوَصْفٍ وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ صَيُودٍ مُتَوَحِّشَةٍ لَوْ تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلَى الصَّحْرَاءِ بِشَرْطِ عَجْزِ رَبِّهَا وَلَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ لَا أَحْجَارِ طَوَاحِينَ وَقُدُورٍ قوله: (ولا يلزمه) أي: الإمام.
قوله: (ولا يؤخذ منه) أي: من الإمام.
قوله: (بوصف) بل لابد من البينة، كما صرح به.
قوله: (ويجوز ... إلخ) أي: لأن تركها أضيع لها من سائر الأموال، والمقصود حفظها لصاحبها، لا حفظها في نفسها.
ومثله على ما ذكر في «المغني» وغيره: لو وجد الضالة في أرض مسبعة يغلب على الظن أن الأسد يفترسها إن تركت، أو قريبًا من دار الحرب يخاف عليها من أهلها، أو بمحلٍّ يستحلُّ أهله أموال المسلمين، كواد التيم، أو في برية لا ماء فيها ولا مرعى، فالأولى جواز أخذها للحفظ ولا ضمان، ويسلمها إلى نائب الإمام ولا يملكها بالتعريف.
قال الحارثي: وهو كما قال.
قال في «الإنصاف»: ولو قيل بوجوب أخذها - والحالة هذه - لكان له وجهٌ.
قاله في «شرح الإقناع».
لكن ما ذكره في «المغني» وغيره من جواز أخذ الضالة التي يحرم التقاطها عند الخوف عليها لغير الإمام ونائبه، خلاف الصحيح من المذهب، كما صرح به في «الإنصاف»، ودل عليه مفهوم كلام المصنف.
قوله: (وقدور) لأنها لا تكاد تضيع عن صاحبها.

الجزء: 3 - الصفحة: 301

ضَخْمَةٍ وَأَخْشَابٍ كَبِيرَةٍ وَمَا حُرِّمَ الْتِقَاطُهُ ضَمِنَهُ آخِذُهُ إنْ تَلِفَ أَوْ نَقَصَ كَغَاصِبٍ لَا كَلْبًا وَمَنْ كَتَمَهُ فَتَلِفَ فقِيمَتُهُ مَرَّتَيْنِ وَيَزُولُ ضَمَانُهُ بِدَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ رَدَّهُ إلَى مَكَانِهِ بِأَمْرِهِ الثَّالِث: مَا عَدَاهُمَا مِنْ ثَمَنٍ وَمَتَاعٍ وَغَنَمٍ وَفُصْلَانِ وَعَجَاجِيلَ وَأَفْلَاءٍ وَقِنٍّ صَغِيرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيُحَرَّمُ عَلَى مَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا أَخْذُهَا وَيَضْمَنُهَا بِهِ قوله: (ومن كتمه) إماماً كان أو غيره.
قوله: (فتلف) أي: ثمَّ ثبت.
قوله: (ويزول ضمانه) أي: المحرم التقاطه.
قوله: (بأمره) وبغيره يضمنه.
قوله: (من ثمن) أي: نقد.
قوله: (ومتاع) كثياب.
قوله: (وفصلان) ولد الناقة إذا فصل عنها.
قوله: (وأفلاء) الفو- كعدو- المهر والجحش يفصل عن أمه.
وكحمل لغة.
قوله: (وقن صغير) ومريض كبار إبلٍ ونحوها.
قوله: (ونحو ذلك) كخشبةٍ صغيرةٍ.
قوله: (على من لا يأمن نفسه ... إلخ) كما لو نوى تملكه في الحال أو كتمانها، فإن أخذها بنية الأمانة ثم طرأ عليه قصد الخيانة، فاختار الموفق: لا يضمن.
وصحَّحه الحارثي.
وجزم به في «الإقناع» قوله: (به) أي: بأخذها إن تلفت فرط، أو لا، أشبه الغاصب.

الجزء: 3 - الصفحة: 302

وَلَمْ يَمْلِكْهَا وَلَوْ عَرَّفَهَا وَإِنْ أَمِنَ نَفْسَهُ وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا فَلَهُ أَخْذُهَا وَالْأَفْضَلُ تَرْكُهَا وَلَوْ بِمَضْيَعَةٍ وَمَنْ أَخَذَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا أَوْ فَرَّطَ ضَمِنَهَا إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِرَدِّهَا قوله: (ولو بمضيعةٍ) كذا بضبط المصنف.
وبكسر الضاد على ما في «المطلع».
وأصله مضيعة على وزن مفعلة، بكسر العين، استثقلت الكسرة على الياء، فنقلت إلى الساكن قبلها.
شخنا محمد الخلوتي.
انتهى.
هذا معنى ما قدمه في «المطلع».
قال وقيل: أي: بسكون الضاد وفتح الياء المثناة تحت، بوزن مسبعة، ورأيته كذلك مضبوطا بقلم المصنف، وقلم الإمام ابن عادل أيضا، وحكى في «المصباح» فيها الوجهين على حد سواء قال: والمراد بها: المفازة المنقطعة.
انتهى، والله أعلم.
قوله: (بردها) وكذا لو دفعها للإمام أو نائبه.

الجزء: 3 - الصفحة: 303

فَصْلٌ وَمَا أُبِيحَ الْتِقَاطُهُ وَلَمْ يُمْلَكْ بِهِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ حَيَوَانٌ فَيَلْزَمُهُ فِعْلُ الْأَصْلَحِ مِنْ أَكْلِهِ بِقِيمَتِهِ أَوْ بَيْعَهُ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ تَتِمَّةٌ أَوْ حِفْظِهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ بِنِيَّتِهِ فَإِنْ اسْتَوَتْ الثَّلَاثَةُ خُيِّرَ الثَّانِي: مَا يُخْشَى فَسَادُهُ فَيَلْزَمُهُ فِعْلُ الْأَحَظِّ مِنْ بَيْعِهِ أَوْ أَكْلُهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ تَجْفِيفِ مَا يُجَفَّفُ فَإِنْ اسْتَوَتْ خُيِّرَ فصل وما أبيح التقاطه ولم يملك به وهو القسم الثالث.
قوله: (حيوانٌ) أي: مأكول، كفصيل وشاة.
قوله: (فعلُ الأصلح) أي: لمالكه.
قوله: (بقيمته) أي: في الحال.
قوله: (أو بيعه) ولو بلا إذن إمام.
قوله: (من ماله) فإن ترك الإنفاق فمات، ضمنه.
قوله: (بنيته) كمؤنة تجفيف نحو عنبٍ.
قوله: (فإن استوت الثلاثة) أي: في نظر ملتقط.
قوله: (خير) قال الحارثي: أولى الأمور الحفظ مع الإنفاق، ثم البيع وحفظ الثمن، ثم الأكل وغرم القيمة.
قوله: (فساده) كبطيخٍ وطبخ.
قوله: (ما يجفف) كعنبٍ ورطبٍ، فإن احتاج في تجفيفه إلى مؤنة، باع بعضه فيه، فإن أنفق من ماله، رجع به في الأصحِّ.
قال في «المبدع»: وإن تعذَّر بيعة ولم يمكن تجفيفه، تعين أكله.
فلو تركه حتى تلفَ، ضمنَه.

الجزء: 3 - الصفحة: 304

الثَّالِث: بَاقِي الْمَالِ وَيَلْزَمُهُ حِفْظُ الْجَمِيعِ وتَعْرِيفُهُ فَوْرًا نَهَارًا أَوَّلَ كُلِّ يَوْمٍ أُسْبُوعًا ثُمَّ عَادَةً حَوْلًا مِنْ الْتِقَاطِهِ بِأَنْ يُنَادِي: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ نَفَقَةٌ فِي الْأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَكُرِهَ دَاخِلَهَا، قوله: (باقي المال) أي: من نقد وغيره، فيبقيه بحالته.
قوله: (ويلزمه حفظ الجميع) أي: ما أبيح التقاطه بأنواعه الثلاثة، ويكون الحفظ حيئنذ أعم من أن يكون حفظاً لعين أو ثمن أو قيمة: فتأمل.
قوله: (وتعريفه) سواء أراد تملكه أو حفظه لربِّه.
قوله: (أول كل يوم) تبع فيه «التقيح».
قال الحجاوي: وهو غريب جداً؛ لأن أول النهار الشرعي من الفجر، ولا تعريف في ذلك الوقت، ولم نر من قاله غيره، وتابعه من جمع بين «المقنع» و «التنقيح» تقليدًا له.
انتهى.
ويمكن الجواب: بأن المراد: ما يعد أولا في العرف قبل اشتغال الناس في معاشهم.
قوله: (ثم عادة) في «الإنقاع»: ثم مرة من كل أسبوع من شهر، ثم مرة في كل شهر.
قوله: (بأن ينادي) أي: بنفسه أو بنائبه، تصديرٌ لأصل التعريف، فيفهم منه كـ «الإقناع»: تكرير النداء في أيامه عدة أوقات.
فتدبر.
قوله: (في الأسواق) والحمامات، ويكثر منه موضع وجدانها، وفي الوقت الذي يلي التقاطها، فإن التقطها في صحراء، عرفها في أقرب البلاد من الصحراء.
كما في «الإقناع».

الجزء: 3 - الصفحة: 305

وَأُجْرَةُ مُنَادٍ عَلَى مُلْتَقَطٍ وَيُنْتَفَعُ بِمُبَاحٍ مِنْ كِلَابٍ وَلَا تُعَرَّفُ وَإِنْ أَخَّرَهُ الْحَوْلَ أَوْ بَعْضَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَثِمَ وَلَمْ يَمْلِكْهَا بِهِ بَعْدَ كَالْتِقَاطِهِ بِنِيَّةِ تَمَلُّكٍ وَلَمْ يُرِدْ تَعْرِيفًا وَلَيْسَ خَوْفُهُ بِأَنْ يَأْخُذَهَا سُلْطَانٌ جَائِرٌ أَوْ يُطَالِبَهُ بِأَكْثَرَ؛ قوله: (على ملتقطٍ) ولا يرجع بها ولو قصد حفظها لمالكها، خلافًا لأبي الخطاب.
قوله: (وينتفع بمباح) أي: في الحال.
ظاهر: جواز التقاطه، وجزم به في «الإقناع»، وقدم المصنف في «شرحه» أنه يحرم التقاطه، وجزم به في «التنقيح» تبعا لـ «المغني» وغيره، لكن لا ضمان.
قوله: (ولا تعرف) أي: ولو معلمة.
قوله: (وإن أخره ... إلخ) علم منه: أنه لو ترك تعريفها؛ لكونه لا يرجى وجود صاحبها، لم يملكها، وهو ظاهر كلام «التنقيح» أيضا، وفي «الإقناع»: وإن كان لا يرجى وجود صاحب اللقطة، لم يجب تعريفها في أحد القولين.
قال في «شرحه»: ومنه لو كانت دراهم أو دنانير ليست بصرَّة ولا نحوها، على ما ذكره ابن عبد الهادي في «مغني ذوي الأفهام» حيث ذكر أنه يملكها ملتقطها بلا تعريف.
قوله: (وليس خوفه أن يأخذها سلطان ... إلخ) هذا معنى كلامه في

الجزء: 3 - الصفحة: 306

عُذْرًا فِي تَرْكِ تَعْرِيفِهَا حَتَّى يَمْلِكَهَا بِدُونِهِ وَمَنْ عَرَّفَهَا فَلَمْ تُعَرَّفْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ حُكْمًا وَلَوْ عَرْضًا أَوْ لُقَطَةَ الْحَرَمِ أَوْ لَمْ يَخْتَرْ أَوْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ أَوْ ضَاعَتْ فَعَرَّفَهَا الثَّانِي مَعَ عِلْمِهِ بِالْأَوَّلِ أَوْ لَمْ يُعْلِمْهُ أَوْ أَعْلَمَهُ وَقَصَدَ بِتَعْرِيفِهَا لِنَفْسِهِ «الفروع» يعني: فلا بد أن يعرفها حولا متى وجد أمناً، وإلا لم يملكها.
قاله المصنف في «شرحه».
فيؤخذ من هذا ما يرجِّح أن تأخير التعريف للعذر لا يؤثر.
انتهى.
أي: وهو أحد الوجهين في المسألة، أعني: إذا أخره لعذر، وأنه يملكها بتعريفها حولاً بعد زوال العذر.
قال المصنف في «شرحه» أيضًا عن هذا الوجه: ومفهوم كلام «التنقيح» أنه المذهب.
انتهى.
وهو مفهوم كلام المصنف أيضًا.
قوله: (عذرًا في ترك تعريفها) أي: بل في تأخيره.
قوله: (دخلت في ملكه ... إلخ) اعلم: أنَّ الملتقط يملك اللقطة بعد حول التعريف ملكا مراعى يزول بمجيء صاحبها.
قاله في «المغني».
قوله: (حكماً) أي: قهرًا كالميراث.
قوله: (لنفسه) ملكها الثاني فيهما، فإن رأى لقطة أو لقيطاً وسبقه آخر إلى الأخذ، فلآخذ، فإن أمر أحدهما صاحبه بالأخذ فأخذ، ونواه لنفسه، وإلا فلآمر إن صححنا التوكيل في الالتقاط، والمذهب: لا يصح، كما تقدَّم، والفرق بين الالتقاط والاصطياد: أن الالتقاط يشتمل على أمانة واكتساب، بخلاف الاصطياد ونحوه، فإنه محض اكتساب.

الجزء: 3 - الصفحة: 307

فَصْلٌ وَيَحْرُمُ تَصَرُّفُهُ فِيهَا حَتَّى يُعَرِّفَ وِعَاءَهَا وَهُوَ كِيسُهَا وَنَحْوُهُ ووِكَاءَهَا وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ وعِفَاصَهَا وَهُوَ صِفَةُ الشَّدِّ وقَدْرَهَا وَجِنْسَهَا وَصِفَتَهَا وَسُنَّ ذَلِكَ عِنْدَ وُجْدَانِهَا وإشْهَادُ عَدْلَيْنِ عَلَيْهَا لَا عَلَى صِفَتِهَا قوله: (ويحرم تصرُّفه) أي: الملتقط ولو بخلطه بما لا يتميَّز منه.
قوله: (ونحوه) كخرقةٍ شدت فيها، أو قدر أو زق فيه مائع، ولفافة على نحو ثوب.
قوله: (ووكاءها) ككتاب، هل هو خيط أو سير؟ قوله: (وهو ما تشد به) كيسها ونحوه من سير أو خيطٍ.
قوله: (وهو صفة الشد) فيتعرف الربط، هل هو عقدة أو عقدتان أو أنشوطة أو غيرها.
قال في «المصباح»: والأنشوطة أفعولة، بضم الهمزة: ربطه دون العقدة إذا مدت بأحد طرفيها انفتحت.
قوله: (وقدرها) أي: بنحو كيل.
قوله: (وصفتها) أي: نوعها لونها.
قوله: (وسن ذلك ... إلخ) أي: معرفة ما ذكر لا على صفتها؛ لئلا ينتشر ذلك، فيدَّعيها غير مستحقها، بل يذكر للشهود ما يذكر في التعريف.

الجزء: 3 - الصفحة: 308

وَكَذَا لَقِيطٌ وَمَتَى وَصَفَهَا طَالِبُهَا لَزِمَ دَفْعُهَا بِنَمَائِهَا وَمَعَ رِقٍّ مُلْتَقَطٍ وَإِنْكَارِ سَيِّدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ والْمُنْفَصِلِ بَعْدَ حَوْلِ تَعْرِيفِهَا لِوَاجِدِهَا وفائدة الإشهاد؛ حفظها عن نفسه أن يطمع فيها، وعن ورثته وغرمائه.
انتهى هنا.
قال في «الشرح» و «المبدع»: يستحب كتب صفاتها؛ ليكون أثبت لها مخافة نسيانها.
نقله في «شرح الإقناع».
قوله: (وكذا لقيط) أي: في الإشهاد.
قوله: (ومتى وصفها ... إلخ) علم منه: الاكتفاء بالوصف، فلا يشترط في ذلك بينة تشهد بالملك للواصف، ولا أنها ضاعت منه، ولا يمينه على ذلك، ولا أن يغلب على ظن الملتقط صدقه.
وأنه لا يجوز دفعها بمجرد دعواها بلا وصفٍ، فإن فعل، ضمن إن جاء آخر فوصفها.
وله تضمين أيهما شاء.
وقرار الضمان على الآخذ.
وإن لم يأت أحد، فلملتقط مطالبة آخذها بها؛ لأنها أمانة بيده، ولا يأمن مجيء صاحبها، فيلزمه بها.
قوله: (لزم دفعها) أي: بلا بينة ولا يمين ولو أن الملتقط حجر عليه.
قوله: (بنمائها) أي: المتصل والمنفصل في حولِ التعريف.
قوله: (ومع رق ملتقط) وهو بكسر القاف: اسم فاعل، لا بفتحها: اسم مفعول؛ لأنه تقدم في آخر الجعالة أنه إذا كانت اللقطة عبدًا مكلفاً، فإنه يكفي تصديقه لمالكه، ولا يحتاج إلى بيِّنة.
فتذكر.
قوله: (فلا بد من بينة) تشهد بأنه التقطها ونحوه؛ لأن إقرار القنِّ

الجزء: 3 - الصفحة: 309

وإنْ تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ قَبْلَهُ وَلَمْ يُفَرِّطْ لَمْ يَضْمَنْهَا وبَعْدَهُ يَضْمَنُهَا مُطْلَقًا وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ عَرَّف رَبُّهَا بالمال لا يصح، فمتى كان بيد القن عين وجاء طالبها وقال: هي لقطة، ووصفها، لم يكف تصديق القن لواصف على أنها لقطة.
فتدبر.
قوله: (قبله) أي: قبل الحول بيدِ ملتقطٍ.
قول: (مطلقا) فرط، أو لا، قال في «المغني»: وتملك اللقطة ملكا مراعى يزول بمجيء صاحبها، ويضمن له بدلها، والظاهر: أنه يملكها بغير عوض يثبت في ذمته، وإنما يتجدد وجوب العوض بمجيء صاحبها، كما يتجدد زوال الملك عنها بمجئيه، وكما يتجدد وجوب نصف الصداق للزوج أو بدله إن تعذر [ثبوت الملك فيه] بالطلاق.
وقال القاضي وأصحابه: لا يملكها إلا بعوضٍ يثبت في ذمته لصاحبها، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن جاء صاحبها، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء، فجعلها من المباحات؛ ولأنه لو مات لم يعزل من تركته بدلها.
انتهى ملخصًا، ذكره في «شرحه».
قوله: (وتعتبر القيمة) أي: إذا زادت أو نقصت.
قوله: (يوم عرف ربها) لأنه وقت وجوب رد العين إليه لو كانت موجودة، وإن كانت مثله، لزمه رد مثلها.

الجزء: 3 - الصفحة: 310

وَإِنْ وَصَفَهَا ثَانٍ قَبْلَ دَفْعِهَا لِلْأَوَّلِ أُقْرِعَ وَدُفِعَتْ إلَى قَارِعٍ بِيَمِينِهِ وبَعْدَهُ لَا شَيْءَ لِلثَّانِي وَإِنْ أَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ أَخَذَهَا مِنْ وَاصِفٍ فَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْ مُلْتَقِطٌ وَلَوْ أَدْرَكَهَا رَبُّهَا بَعْدَ الْحَوْلِ مَبِيعَةً أَوْ مَوْهُوبَةً فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الْبَدَلُ قوله: (وإن وصفها ثانٍ .. إلخ) لعلَّ المراد: كوصفِ الأول؛ ليحصل التساوي، وكذا لو أقاما بينتين.
قوله: (وبعده، لا شيء للثاني) فلو كان دفع بعضها، كما لو كانت عينينِ، دفع إحداهما، ثم جاء ثانٍ فوصفها، فالظاهر: أن لكل حكمه، فيقرع بينهما فيما بقي، وينفرد الأوَّل بما قبض.
قوله: (فإن تلفت) أي: مدفوعة بيد من أخذها بالوصف، أما لو تلفت بيد ملتقط، فدفع بدلها لواصف، ثم أقام آخر بيِّنة، لم يطالب ذو البينة إلا الملتقط؛ لتلف ماله تحت يده، ويرجع ملتقط على واصفٍ بما أخذه، لتبين عدم استحقاقه إن لم يقر له.
وبخطه أيضا على قوله: (فإن تلفت) أي: مدفوعة بالوصف، وعلم منه: ضمان ما دفع بغيره، بل بمجرد الدعوى.
قوله: (لم يضمن ملتقط) يعني: ولو دفع بلا حاكمٍ.
قوله: (إلا البدل) لصحة التصرف الناقل للملك ولزومه.

الجزء: 3 - الصفحة: 311

وَيُفْسَخُ زَمَنَ خِيَارٍ وَتُرَدُّ كَبَعْدَ عَوْدِهَا بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ رَهْنِهَا وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى رَبِّهَا وَلَوْ قَالَ مَالِكُهَا بَعْدَ تَلَفِهَا أَخَذْتُهَا لِتَذْهَبَ بِهَا وَقَالَ الْمُلْتَقِطُ لِأُعَرِّفَهَا فقَوْلُهُ بِيَمِينِهِ وَوَارِثُ مُلْتَقِطٍ، وَرَبُّ لُقَطَةٍ فِيمَا تَقَدَّمَ كَمُوَرِّثِهِ لِقِيَامِهِ وَمَنْ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَالًا لَا يَدْرِي مَنْ صَرَّهُ فَهُوَ لَهُ وَلَا يَبْرَأُ مَنْ أَخَذَ مِنْ نَائِمٍ شَيْئًا إلَّا بِتَسْلِيمِهِ لَهُ قوله: (زمان خيار ... إلخ) كذا بخطه، وفي نسخ: «زمن» وفي «المصباح»: الزمان مدة قابلة للقسمة، ولهذا يطلق على القليل والكثير.
والجمع: أزمنة، والزمن مقصور منه، وجمعه: أزمان مثل سبب وأسباب.
انتهى.
قوله: (خيار) أي: لهما أو لبائع، لا لمشتر وحده، مالم يفسخ.
قوله: (أو رهنها) يعني: لو أدركها ربها بعد رهنها، فله انتزاعها ولو مقبوضة، فيأخذها ممن هي بيده.
قوله: (ومؤنة الرد) لمالكها.
قوله: (على ربها) أي: كوديعةٍ.
قوله: (بعد تلفها) بحول تعريف.
قوله: (ووارث) أي: كل منهما، أي: ملتقط ورب لقطة، بعد الحول أو قبلَه.
قوله: (ومن استيقظ) أي: من نوم، أو إغماءٍ، أو جنونٍ.
قوله: (في ثوبه) أي: أو كيسه، أو جيبه.
قوله: (فهو له) لأن قرينة الحال تقتضي تمليكه له.
قوله: (من نائم) أي: أو ساهٍ.
قوله: (إلا بتسليمه له) يعني: بعد انتباهِهِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 312

وَمَنْ وَجَدَ فِي حَيَوَانٍ نَقْدًا أَوْ دُرَّةً فَلُقَطَةٌ لِوَاجِدِهِ وَإِنْ وَجَدَ دُرَّةً غَيْرَ مَثْقُوبَةً فِي سَمَكَةٍ فلِصَيَّادٍ مَنْ ادَّعَى مَا بِيَدِ لِصٍّ قوله: (ومن وجد في حيوان نقدا ... إلخ) كشاة وبقرة، يعني: لو اشترى شاة أو نحوها، فذبحها، فوجد في بطنها نقدًا أو درة، فلقطة، يعرفها ويبدأ بالبائع؛ لأنه يحتمل أن تكون ابتعلتها من ملكه، كما لو وجد صيدا مخضوبا، أو في أذنه قرطٌ أو في عنقه خرز، فإنه لقطة؛ لأن ذلك الخضاب ونحوه يدل على ثبوت اليد عليه قبل ذلك.
قوله: (فلقطةٌ) ذهب أو فضة.
قوله: (وإن وجد درة ... إلخ) فلو وجد في بطن السمكة ما لا يكون إلا لآدمي، كدراهم، أو نحو درة مثقوبة، أو متصلة بنحو ذهب، أو في عين، أو نهر ولو متصلا بالبحر، فلقطةٌ لواجدها من صياد أو مستعير، وإن اصطادها من عين، أو نهرٍ غير متصل بالبحر، فكالشاةِ، أي: لقطةٌ مطلقا.
قاله في «الإقناع» ملخصا.
قال في «شرحه»: وعلم منه: أنه إن كان متصلا بالبحر، وكانت الدرة غير مثقوبة، أنها للصياد.
قوله: (غير مثقوبة) فإن كانت مثقوبة، أو متصلة بنحو ذهب، أو فضة، فلقطة.
قوله: (فلصياد) يعني: ولو باعها.
قوله: (ما بيد لص) بخلاف نحو وديعةٍ وعارية ورهن، فلا يكفي الوصف، بل لا بد من البيِّنةِ، أو القرعة مع اليمين.

الجزء: 3 - الصفحة: 313

أَوْ نَاهِبٍ أَوْ قَاطِعِ طَرِيقٍ وَوَصَفَهُ فَهُوَ لَهُ فَصْلٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُلْتَقِطٍ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ وَلَا بَيْنَ مُلْتَقِطٍ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وعَدْلٍ وَفَاسِقٍ يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا وَإِنْ وَجَدَهَا صَغِيرٌ أَوْ سَفِيهٌ أَوْ مَجْنُونٌ قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا فَإِنْ تَلِفَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمْ وفَرَّطَ ضَمِنَ كَإِتْلَافِهِ وَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطِ الْوَلِيِّ فعَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ تُعَرَّفْ فلِوَاجِدِهَا قوله: (أو ناهب) قال في القاعدة الثانية والتسعين: من ادَّعى شيئًا ووصفه، دفع إليه بالصفة إذا جهل ربُّه، ولم تثبت عليه يد من جهة مالكه، وإلا فلا.
قوله: (ووصفه) أي: بصفة تميزه.
قوله: (ولا فرق) أي: في وجوب التعريف والملك بعده.
قوله: (وكافر) أي: مالم تكن اللقطة عبدًا مسلمًا.
قوله: (وفاسق) قال في «الإقناع»: ويضم إلى كافر وفاسق أمين في تعريف وحفظ.
قوله: (وإن وجدها صغير) ظاهره ولو مميزا.
قوله: (وفرط) علم منه أنها لو تلفت بيد أحدهم بلا تفريط من أحدهم، ولا من الولي، فإنه لا ضمان؛ لأنها كالأمانة، وجزم به في «الإقناع».
قوله: (وإن كان بتفريط الولي ... إلخ) بأن علم بها ولم يأخذها منه.

الجزء: 3 - الصفحة: 314

وَالرَّقِيقُ وَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهَا وتَرْكُهَا مَعَهُ إنْ كَانَ عَدْلًا يَتَوَلَّى تَعْرِيفَهَا، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ سَيِّدَهُ لَزِمَهُ سَتْرُهَا عَنْهُ وَمَتَى تَلِفَتْ بِإِتْلَافِهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ ففِي رَقَبَتِهِ وَمُكَاتَبٌ كَحُرٍّ ومُبَعَّضٌ فبَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ وَكَذَا كُلُّ نَادِرٍ مِنْ كَسْبٍ كَهِبَةٍ وَهَدِيَّةٍ وَوَصِيَّةٍ وَنَحْوِهَا وَلَوْ أَنَّ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةً قوله: (والرفيق ... إلخ) علم منه: أن للعبد التقاطها وتعريفها بلا إذن سيده، كاحتطابه واحتشاشه واصطياده.
قال في «المبدع»: إذا لم ينهه عنها، أي: عن اللقطة.
قال: فإن نهاه، لم يصح قطعاً.
ومثله في أحكامه أم ولد، ومدبر، ومعلق عتقه بصفة، لكن إن تلفت بتفريط أم الولد، فداها سيدها بالأقل من قيمتها، أو قيمة ما أتلفت كسائر إتلافاتها.
قوله: (لسيِّده) أي: العدل.
قوله: (يتولى تعريفها) فإن كان الرقيق غير أمين، وأقرها السيد معه، فهو مفرط، يضمنها إن تلفت، كما لو أخذها منه ثم ردها إليه.
قوله: (ومكاتب كحر) فإن عجز، فكلقطة قن.
قوله: (ونحوها) كنثار وقع في حِجرِهِ.
قوله: (مهايأة) أي: مناوبة

الجزء: 3 - الصفحة: 315

بَابُ اللَّقِيطِ طِفْلٌ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ وَلَا رِقُّهُ، نُبِذَ أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ إلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ: إلَى الْبُلُوغِ وَالْتِقَاطُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِمَّا مَعَهُ فمِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ باب اللقيط فعيل بمعنى: مفعول.
قوله: (طفل) لا مميز.
قوله: (لا يعرفُ نسبه) بخلاف معروف النسب أو الرق، سواء رفعه من يعرفه، أو لا، فهو لقيط لغة لا شرعا.
قوله: (نبذ) أي: طرح في شارع أو نحو باب مسجد.
قوله: (أو ضل) أي: لم ينبذ، بل ضل ما بين ولادة إلى سن ... إلخ.
قوله: (التمييز) فقط على الصحيح.
قاله في «الإنصاف».
قوله: (فرض كفايةٍ) أي: على من علم به.
قوله: (مما معه) فإن تعذر الإنفاق عليه مما معه لمانع، أو انتُظر حصوله من وقف أو غيره، فلمن أنفق عليه بنية الرجوع أن يرجع؛ لأنه في هذه الحالة غني عن مال الغير، كما ذكره الحارثي.
نقله عنه منصور البهوتي.

الجزء: 3 - الصفحة: 316

اقْتَرَضَ عَلَيْهِ حَاكِمٌ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى مَنْ عَلِمَ وَلَا يَرْجِعُ فَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وبِحُرِّيَّتِهِ إلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي بَلَدِ أَهْلِ حَرْبٍ قوله: (اقترض عليه) أي: على بيت المال.
منصور البهوتي.
قوله: (حاكم) وظاهره: ولو مع وجود متبرعٍ.
وأن اقترض الحاكم ما أنفق عليه، ثم بان رقيقاً أو له أبٌ موسر، رجع عليه.
قال منصور البهوتي.
قلت: وقياس الأب وارث موسر.
ويؤيده قول صاحب «الإقناع»: فإن لم يظهر له أحد، وفي الحاكم من بيت المال، ولا ينافي هذا قولهم: تسقط نفقة القريب بمضي الزمان؛ لأن محله إذا لم يحصل إنفاقٌ بنية رجوع.
فراجع.
قوله: (فإن تعذر) أي: فنفقته على من علم حاله مجاناً.
قوله: (فهي) أي: النفقة على اللقيط الذي ليس معه شيء، أو معه ونفد.
وله: (فرض كفايةٍ) أي: فتجب في بيت المال أو من علم حاله، كما تقدَّم، ويستحب للملتقط الإشهاد عليه وعلى ما معه.
قوله: (ويحكم بإسلامه) أي: إن وجد بدار إسلام فيه مسلم أو مسلمة يمكن كونه منه، لظاهر الدار، وتغليبًا للإسلام، فإنه يعلو ولا يعلى عليه.
قوله: (وحريته) لأنها الأصل في الآدميين، فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارًا، والرق لعارضٍ، والأصل عدمه، فهو حر في جميع أحكامه حتى

الجزء: 3 - الصفحة: 317

وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ.
أَوْ فِيهِ مُسْلِمٌ كَتَاجِرٍ وَأَسِيرٍ فكَافِرٌ رَقِيقٌ وَإِنْ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ فمُسْلِمٌ أَوْ فِي بَلَدِ إسْلَامٍ كُلُّ أَهْلِهِ ذِمَّةٍ فكَافِرٌ في القود والقذف على الصحيح من المذهب.
وقيل: حر في غيرهما.
ذكره في «الإنصاف».
قوله: (ولا مسلم فيه) أي: بلدهم أصلا، فلو كان بها مسلم ساكن، كان اللقيط مسلما، كما في «الرِّعاية» وأشار إليه الحارثي أيضًا.
قوله: (فكافر رقيق) عمومه يتناول ما لو كان الملتقط له مسلما، وفيه نظر! فإن تبعيته لأبويه انقطعت كما تنقطع بالسبي، وكلامه في «المغني» يدل عليه.
قاله ابن نصر الله في «حواشي المحرر».
فإن فرض أنه لم يقدر عليه إلا بقتالٍ، فهو سبي.
وهل الالتقاط كالسبي في أنه يثبت له مثل دين ملتقطه، كما يثبت له مثل دين سابيه؟ هذا محتمل.
انتهى.
وإنما يحكم برقه؛ لأن أهل الحرب وأموالهم وذريتهم يملكون بالاستيلاء.
كما مر، وعمومه يتناول ما لو كان الملتقط حربيا أو مسلما دخل بأمانٍ، لكن في كلام ابن نصر الله ما يقتضي خلافه.
قاله في «الحاشية».
قوله: (وإن كثر المسلمون) أي: ولو تجارًا أو أسارى.
قوله: (فمسلم) أي: حر.
قوله: (أو في بلد إسلام) أي: أو إلا أن يوجد ... إلخ.

الجزء: 3 - الصفحة: 318

وَإِنْ كَانَ بِهَا مُسْلِمٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ فمُسْلِمٌ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَنْ قُلْنَا بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ حَتَّى صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ فمُسْلِمٌ وَمَا وُجِدَ مَعَهُ مِنْ فِرَاشٍ تَحْتَهُ وثِيَابٍ أَوْ مَالٍ فِي جَيْبِهِ أَوْ تَحْتَ فِرَاشِهِ أَوْ مَدْفُونًا تَحْتَهُ طَرِيًّا أَوْ مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ حَيَوَانٌ مَشْدُودٌ بِثِيَابِهِ فلَهُ وَالْأَوْلَى بِحَضَانَتِهِ وَاجِدُهُ إنْ كَانَ أَمِينًا عَدْلًا وَلَوْ ظَاهِرًا حُرًّا مُكَلَّفًا رَشِيدًا وَلَهُ حِفْظُ مَالِهِ قوله: (وإن كان بها) أي: ببلد الإسلام.
قوله: (تبعًا للدار) وهو من وجد ببلد أهل حرب، لا مسلم به، أو به نحو تاجر أو أسير.
قوله: (فمسلم) مثله فيما يظهر: لو لم يبلغ من حكمنا بكفره حتى إلى دار الإسلام.
قوله: (قريباً منه) لا غير طري أو بعيدًا، فيكون لقطة، ويمتنع التقاطه بدون التقاط المال الموجود؛ لما فيه من الحيلولة بين المال ومالكه.
وإن كان في خيمة أو دار، فهي له.
قوله: (والأولى بحضانته) أي: وحفظ ماله.
قوله: (ولو ظاهرًا) كولاية نكاح وشهادةٍ فيه.
قوله: (حرًا) أي: تامَّ الحرية.
قوله: (وله حفظ ماله) أي: يجب عليه، فلعله في مقابلة من قال: ذلك للحاكم.

الجزء: 3 - الصفحة: 319

والْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْهُ وقَبُولُ هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ لَهُ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ وَيَصِحُّ الْتِقَاطُ قِنٍّ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ وذِمِّيٍّ لِذِمِّيٍّ وَيُقَرُّ بِيَدِ مَنْ بِالْبَادِيَةِ مُقِيمًا فِي حِلَّةٍ أَوْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إلَى الْحَضَرِ لَا بَدَوِيًّا يَنْتَقِلُ فِي الْمَوَاضِعِ أَوْ مَنْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ فَأَرَادَ نَقْلَهُ إلَى الْبَادِيَةِ أَوْ مَعَ فِسْقِهِ أَوْ رِقِّهِ أَوْ كُفْرِهِ وَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ قوله: (والإنفاق عليه منه) أي: بلا إذن الحاكم، لكن يستحب استئذانه، وهذا بخلاف من أودع مالا وغاب، فإنه ليس لوديع الإنفاق منه على ولد ربه إلا بإذنِ حاكمٍ.
قال في «المغني»: والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الملتقط له ولاية على اللقيط وعلى ماله.
والثاني: أنه ينفق على اللقيط من ماله، وولد رب الوديعةِ لا بد فيه من إثبات حاجته؛ لعدم ماله وعدم نفقة متروكة برسمه.
قوله: (ويصح التقاط قن .. إلخ) أي: يجوز، بل يجب.
قوله: (لذمي) لعله إذا عرف بعلامة، أو وجد في بلد كل أهله ذمة، كما تقدم.
قوله: (في حلةٍ) أي: بيوت مجتمعةٍ مستوطنةٍ.
قوله: (ينتقل في المواضع) انظر: هل المراد: إذا وجد من يريد أخذ اللقيط، أم يجب على الحاكم أخذه.
من البدوي مطلقا؟

الجزء: 3 - الصفحة: 320

وَإِنْ الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ النَّقْلَةَ إلَى بَلَدٍ أُخْرَى أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ مِنْ حِلَّةٍ إلَى حِلَّةٍ لَمْ يُقَرَّ بِيَدِهِ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَحِلُّ الَّذِي كَانَ بِهِ وَبِيئًا كَغَوْرِ بَيْسَانَ وَنَحْوِهِ وَيُقَدَّمُ مُوسِرٌ وَمُقِيمٌ مِنْ مُلْتَقِطَيْنِ عَلَى ضِدِّهِمَا فَإِنْ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمُلْتَقِطِ مِنْهُمَا قُدِّمَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَإِنْ عَدِمَاهَا قُدِّمَ ذُو الْيَدِ بِيَمِينِهِ فَإِنْ كَانَ بِيَدَيْهِمَا أُقْرِعَ فَمَنْ قُرِعَ سُلِّمَ إلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا يَدٌ فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا بِعَلَامَةٍ مَسْطُورَةٍ فِي جَسَدِهِ قُدِّمَ وَإِنْ وَصَفَاهُ أُقْرِعَ وَإِلَّا سَلَّمَهُ حَاكِمٌ إلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا وَمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ سَقَطَ قوله: (وبيئاً) أي: وخيما.
قوله: (كغور بيسان) موضع بالشام.
قوله: (ونحوه) كالجحفة بالحجاز.
قوله: (على ضدهما) أي: على فقير ومسافر.
قال في «المغني»: وعلى قياس قولهم في تقديم الموسر، ينبغي تقديم الجواد على البخيل؛ إذ ربما تخلق بأخلاقه، وتعلَّم من جوده.
قوله: (أقرع) وذكر كأنثى، بخلاف حضانةٍ، فيقرع بينهما.
قوله: (سقط) أي: هو، أي: حقه، والجملة خبر (من) إن كانت موصولة، أو جواب الشرط إن كانت شرطية.
وعلى كل، فلا بد في الجملة من رابطٍ، وليس هنا إلا الضمير في (سقط)، العائد إلى مركب، وهو (حقه) فيه ضمير وهو الهاء عائد على المبتدأ، أو اسم الشرط، فهل مثل هذا يكفي في الربط أم لا؟ قال شيخنا محمد

الجزء: 3 - الصفحة: 321

فَصْلٌ وَمِيرَاثُهُ وَدِيَتُهُ إنْ قُتِلَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَيُخَيِّرُ الْإِمَامُ فِي عَمْدٍ بَيْنَ أَخْذِهَا والْقِصَاصِ وَإِنْ قُطِعَ طَرَفُهُ عَمْدًا اُنْتُظِرَ بُلُوغُهُ وَرُشْدُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا فَيَلْزَمُ الْإِمَامَ الْعَفْوُ عَلَى مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ الخلوتي: صنيع البدر الدَّماميني في مواضع يقتضي الاكتفاء به، والله أعلم.
قوله: (وميراثه) أي: اللقيط.
قوله: (لبيت المال) وفاقًا لمالك والشافعي وأكثر أهل العلم.
وبخطه أيضا على قوله: (لبيت المال) يعني: إن لم يكن له وارث كسائر من لا وارث له، ولا يرثه متلقطٌ خلافًا للشيخ والحارثي.
قوله: (ويخير الإمام ... إلخ) معنى التخيير: تفويض النظر إليه في أصلح الأمرين، فإذا ظهرَ له الأصلح، لم يكن مخيرًا، بل يتعين عليه فعل ذلك الأصلح، ولا يجوز له العدول عنه، فليس التخيير هنا حقيقة.
وعلى هذا يقاس عليه جميع ما ذكره الفقهاء من قولهم: يخير الإمام في كذا، ويخير الولي أو الوصي في كذا ونحوه.
فاحفظ ذلك فإنه مهم، والله أعلم.
قوله: (عمدًا) يعني: وهو محجور عليه.
قوله: (انتظر بلوغه) ليقتص أو يعفو.
قوله: (على ما ينفق عليه) ظاهره: لا فرق بين العاقل والمجنون، وهو المذهب، كما في «شرحه»، ويأتي في استيفاء القصاص: ليس لولي الصغير العفو على مال، بخلاف ولي المجنون، فإن كان المجنون بالغًا، فهل تنتظر إفاقته أم لا؟ وجهان.

الجزء: 3 - الصفحة: 322

وَإِنْ ادَّعَى جَانٍ عَلَيْهِ أَوْ قَاذِفُهُ رِقَّهُ وَكَذَّبَهُ لَقِيطٌ بَالِغٌ فقَوْلُهُ وَإِنْ ادَّعَى أَجْنَبِيٌّ رِقَّهُ وَهُوَ بِيَدِهِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مَعَ رِقِّهِ وَإِلَّا فَشَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِيَدٍ وَحَلَفَ أَنَّهُ مِلْكُهُ أَوْ بِمِلْكٍ قال الحارثي: الأول المذهب.
قال في «تصحيح الفروع» قلت: الصواب إن كانت إفاقته قريبةً، لم يصح العفو، وإلا صحَّ، والله أعلم.
نقله عنه منصور البهوتي رحمه الله تعالى.
قوله: (وإن ادعى جانٍ عليه) أي: جناية موجبة للقصاص.
قوله: (وكذبه) علم منه: أنه لو صدَّق جانياً وقاذفاً، لم يكن عليهما إلا ما يجب في قذف الرقيق أو الجناية عليه.
قوله: (فقوله) أي: اللقيط، فلو كان اللَّقيط قاذفاً، فادعى أنه عبدٌ، ليجب عليه ما يجب على العبد، لم يقبل منه؛ لأنه خلاف ظاهر.
قوله: (وإن ادعى أجنبي رقه) أي: غير واجده، أما هو فلا، كما يأتي.
قوله: (وهو بيده) أي: مدع لرقه، فإن لم يكن بها لم يصدق، بخلاف دعوى النَّسب.
قوله: (بيمينه) حيث كان لقيط طفلا أو مجنوناً، ثم إن بلغ وقال: أنا حر، لم يقبل.
قاله الحارثيُّ.
فلو كان مميزًا عاقلا حين الدعوى، وقال: أنا حر، خلي سبيله إلا أن تقوم بينة برقه.
قوله: (ويثبت نسبه مع رقه) أي: مع بقاء رقه، فلا يزول رقه بثبوت نسبه ولو ببينة.
قوله: (وإلا) أي: وإلا يكن اللقيط بيد الأجنبي المدعي لرقه.
قوله: (أو بملك) أي: وإن لم يذكر سببه.

الجزء: 3 - الصفحة: 323

أَوْ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ حُكِمَ لَهُ بِهِ وَإِنْ ادَّعَاهُ مُلْتَقِطُهُ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لَقِيطٌ بَالِغٌ لَمْ يُقْبَلْ وبِكُفْرٍ وَقَدْ نَطَقَ بِإِسْلَامٍ وَهُوَ يَعْقِلُهُ أَوْ مُسْلِمٌ حُكْمًا فمُرْتَدٌّ وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ مَنْ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ وَلَوْ أُنْثَى ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ نَسَبٍ مَعْرُوفٍ أُلْحِقَ وَلَوْ مَيِّتًا بِهِ لَا بِزَوْجِ مُقِرَّةٍ وَلَا يَتْبَعُ قوله: (في ملكه) أي: لأنه ابن أمته، أو أنها ولدته فقط.
وهل تكفي - في البينة الشاهدة أن أمته ولدته في ملكه، امرأة واحدة أو رجل واحد - لأنه مما لا يطلع عليه الرجال غالباً، وبه جزم في «المغني» - أو لا بدَّ فيها من رجلين، أو رجل وامرأتين، كما ذكره القاضي؟ فيه وجهان، قال الحارثي عن قول القاضي: أنه أشبه بالمذهب.
قوله: (وإن ادَّعاه) أي: الرق.
قوله: (لقيط بالغ) أي: بأن قال: أنا ملك زيد، ولو صدَّقه زيد، أو لم يكن قد اعترف بحريَّة.
قوله: (أو مسلم حكمًا) تبعًا للدار أو غيرها.
قوله: (وإن أقر به) أي: بأن اللقيط ولدُه.
قوله: (معروفٍ) أو كافرًا أو قناً.
قوله: (ألحق ولو ميتاً) أي: ولو كان اللقيط ميتا.

الجزء: 3 - الصفحة: 324

فِي رِقٍّ وَلَا كَافِرًا فِي دِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ وَإِنْ ادَّعَاهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ مَعًا قُدِّمَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَإِنْ تَسَاوَوْا فِيهَا أَوْ فِي عَدَمِهَا عُرِضَ مَعَ مُدَّعٍ أَوْ أَقَارِبِهِ إنْ مَاتَ: عَلَى الْقَافَةِ فَإِنْ قوله: (إلا أن يقيم بينة ... إلخ) وكذا لو أقامت المرأة بينة أنها ولدته على فراش زوجها، لحق به.
ولا بد في الكافر من استمرار أبويه على الحياة والكفر إلى بلوغه.
قوله: (على فراشه) لثبوت أنه ولد ذميين.
قوله: (وإن ادَّعاه اثنان ... إلخ) أي: أو اثنان لا واحد وواحدة؛ لعدم التنافي، فيلحق بهما.
وبخطه أيضا على قوله: (وإن ادعاه اثنان) يعني: كل واحد يقول إنه ولدُه.
قوله: (فإن تساووا فيها) أي: بأن لم يكن أحدُهما خارجاً، وإلا قدمت بينته.
قوله: (مع مدع) أي: موجود.
قوله: أو أقاربه إن مات) علم منه: أنه يعمل بالقافة في غير بنوة، كأخوة وعمومة؛ وهو كذلك عند أصحابنا.
قاله في «الإنصاف» خلافاً لأبي الخطاب.
قاله في «الحاشية».
ولا فرق في المدَّعيين بين الرجلين والمرأتين، والحر والحرة والأمة، والمسلم والكافر، والمسلمة والكافرة.
فإن ألحقته القافة بأمين، لم يلحقهما للتنافي.
قوله: (على القافة) وهم: قوم يعرفون الأنساب بالشبه، ولا يختص ذلك بقبيلةٍ معينةٍ، بل من عرف منه ذلك، وتكررت إصابته، فهو قائف.

الجزء: 3 - الصفحة: 325

أَلْحَقَتْهُ بِوَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ لحق فَيَرِثُ كُلًّا مِنْهُمَا إرْثَ وَلَدٍ وَيَرِثَانِهِ إرْثَ أَبٍ وَإِنْ وَصَّى لَهُ قَبِلَا وَإِنْ خَلَّفَ أَحَدَهُمَا فَلَهُ إرْثُ أَبٍ كَامِلٍ وَنَسَبُهُ ثَابِتٌ مِنْ الْمَيِّتِ وَلِأُمَّيْ أَبَوَيْهِ مَعَ أُمِّ أُمٍّ نِصْفُ سُدُسٍ وَلَهَا نِصْفُهُ وَكَذَا لَوْ أَلْحَقَتْهُ بِأَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَافَةٌ أَوْ نَفَتْهُ أَوْ أُشْكِلَ أَمْرُهُ اخْتَلَفَ قَائِفَانِ أَوْ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ ضَاعَ نَسَبُهُ وَيُؤْخَذُ باثْنَيْنِ خَالَفَهُمَا ثَالِثٌ كَبَيْطَارَيْنِ وطَبِيبَيْنِ فِي عَيْبٍ وَلَوْ رَجَعَ عَنْ دَعْوَاهُ مَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ الْقَافَةُ لَمْ يُقْبَلْ قوله: (أو اثنين لحق) أي: لا باثنتين، ولو كان لكل منهما بنت، ولهذا الملحق أم أجنبية من البنتين، جاز لشخص أجنبي أن يجمع بين الثلاث، وقد نظم ذلك شيخنا محمد الخلوتي ملغزا بقوله: يافقيها حوى الفضائل طرا ... وتسامى على الأنام بعلمه أفتنا في شخص تزوج أختيـ ... ـن لشخص مع البناء بأمه قوله: (إرث ولد) فإن لم يخلفا غيره، ورث مالهما.
قوله: (إرث أبٍ) اي: أب واحد.
قوله: (وإن وصِّي له) أي: أو وهب أو اشتريا له ونحوه.
قوله: (نصف سدس) لأنهما كجدةٍ لأبٍ .. قوله: (ولها) أي: أم أمه.
قوله: (وإن لم توجد قافة) يعني: أصلا لا قريبة ولا بعيدة، وقد ادَّعاه اثنان فأكثر، فإن وجدت، ذهبوا إليها ولو بعيدة.
قوله: (لم يقبل) لأنه حق عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 326

وَمَعَ عَدَمِ إلْحَاقِهَا بِوَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ فَرَجَعَ أَحَدُهُمَا يُلْحَقُ بِالْآخَرِ وَيَكْفِي قَائِفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ كَحَاكِمٍ فَيَكْفِي مُجَرَّدُ خَبَرِهِ وَشَرْطُ كَوْنِهِ ذَكَرًا عَدْلًا حُرًّا مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ قوله: (من اثنين) أي: ادعيا نسبَه.
قوله: (ويكفي قائف) في إلحاق النسب.
قوله: (وهو كحاكم ... إلخ) يعني: أن القائف كالحاكم لا كالشاهد، فلا يعتبر فيه التعدد، ولا لفظ الشهادة، وقد أشار المصنف إلى أنه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة؛ لكونه كالحاكم لا كالشاهد، بقوله: (فيكفي مجرَّد خبره).
وأما كونه يكفي واحد، فقد صرح به أولا حيث قال: (ويكفي قائف واحد).
قوله: (فيكفي مجرد خبره) فإن ألحقته بواحد ثم بآخر، كان لاحقاً بالأول فقط، لأن إلحاقه جرى مجرى حكم الحاكم، فلا ينقض لمخالفة غيره، فإن أقام الآخر بيِّنة أنه ولده حكم له به، وسقط قول القائف، كالتراب مع الماء.
قوله: (ذكرا عدلا) علم منه: اشتراط إسلامه بالأولى، خلافاً لـ «الإقناع».
قوله: (في الإصابة) ويكفي كونه مشهودًا بالإصابة، وصحة المعرفة في مرات كثيرة.
فمن عرف مولودًا بين نسوة ليس فيهن أمه، ثم وهي فيهن، فأصاب كل

الجزء: 3 - الصفحة: 327

وَكَذَا إنْ وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً مرة، فقائف.
وقال القاضي: يترك الصبي بين عشرة رجال غير مدعيه، فإن ألحقه بأحدهم سقط قوله، وإن نفاه عنهم ترك مع عشرين فيهم مدَّعيه، فإن ألحقه به علمت إصابته، وإلا فلا.
قال في «المغني»: وهذه التجربة عند عرضه على القائف؛ للاحتياط في معرفة إصابته، فإن لم يجرب في الحال بعد أن كان مشهوراً بالإصابة وصحة المعرفة في مرات كثيرة، جاز.
قوله: (وكذا إن وطيء ... إلخ) أي: في العرض على القافة.
وبخطه أيضًا على قوله: (وكذا إن وطيء اثنان امراة ... إلخ) يعني: أن الولد في هذه الصور الأربع، حكمه حكم اللقيط فيما تقدم من عرضه على القافة والعمل بما تقوله القافة فيه، ومن ضياع نسبه على التفصيل السابق، سواء ادعى الواطئان المذكوران الولد أو جحداه، أو أحدهما، وقد ثبت الافتراش.
ذكره القاضي وغيره، وشرط أبو الخطاب في وطء الزوجة أن ينفي الزوج الولد، فعليه إن ادَّعاه لنفسه اختص به.
قاله في «المحرر» قال المصنف في «شرحه»: وما قدَّمه في «المحرر» هو المذهب، ولهذا مشيت عليه في المتن.
وقوله في «المحرر»: وقد ثبت الافتراش يشير إلى أن الواطئان قد استويا في الافتراش، كاستواء مدعي اللقيط في الدعوى، ومعنى الاستواء في الفراش في الصُّورة الأولى: أن كلا منهما واطيء بشيء.
وفي الثانية: أنه لو انفرد كل منهما

الجزء: 3 - الصفحة: 328

بِشُبْهَةٍ أَوْ أَمَتَهُمَا فِي طُهْرٍ أَوْ أَجْنَبِيٌّ بِشُبْهَةٍ زَوْجَةً أَوْ سُرِّيَّةً لِآخَرَ وأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُمَا وَلَيْسَ لِزَوْجٍ أُلْحِقَ بِهِ اللِّعَانَ لِنَفْيِهِ بالملك، كان صاحب ولدٍ.
وفي الثالثة والرابعة: قد استوى الواطيء بالشبهة والزوج أو السيد في حكم الفراش بلا مريةٍ، فلا أثر لجحود أحدهما للولد مع ثبوت الافتراش.
قوله: (امرأة) أي: بلا زوج.
قوله: (بشبهة ... إلخ) وكذا لو تزوَّجها كلٌّ منهما تزوجا فاسدًا، أو أحدهما صحيحاً والآخر فاسدًا، أو باع أمته الموطوءة، فوطئها المشتري قبل الاستبراء.
قوله: (يمكن كونُه منهما) فيرى القافة سواء ادعياه أو جحداه أو أحدهما، وقد ثبتَ الافتراش، كما في «المحرر».
قال المصنف في «شرحه»: هذا المذهب.
قوله: (اللعان) لعدم شرطه، وهو سبق القذف.

الجزء: 3 - الصفحة: 329

فصول الكتاب · 37 فصل
جارٍ التحميل