غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى
تأليف شيخ الإسلام الإمام العلامة الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي (المتوفى سنة 1033 هـ)
اعتنى به ياسر إبراهيم المزروعي رائد يوسف الرومي
[الجزء الأول]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الجزء: 1 - الصفحة: 2
غَايَةُ الْمُنْتَهى في جَمْعِ الإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى [1]
الجزء: 1 - الصفحة: 3
جَمِيع حُقُوق الملكية الأدبية والفنية مَحْفُوظَة لـ مؤسسة غراس - الكويت، ويحظر طبع أَو تَصْوِير أَو تَرْجَمَة أَو إِعَادَة تنضيد الْكتاب كَامِلا أَو مجزأ أَو تسجيله على أشرطة كاسيت أَو إِدْخَاله على الكمبيوتر أَو برمجته على أسطوانات ضوئية إِلَّا بموافقة خطية من الناشر
الطبعة الأولى 1428 هـ - 2007 م
الناشر مؤسسة غراس للنشر والتوزيع الكويت - شَارِع الصحافة - مُقَابل مطابع الرَّأْي الْعَام التجارية هَاتِف: 4819037 - فاكس: 4838495 - هَاتِف وفاكس: 4578868 الجهراء: ص. ب: 2888 - الرَّمْز البريدي: 1030 website: www.gheras.com E-Mail: info@gheras.com
الجزء: 1 - الصفحة: 4
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي يسر من شاء إلى ما شاء، الذي جعل طلب العلم أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل الله، والصلاة والسلام على من خصه الله بالمقام المحمود والحوض المورود، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد؛
فهذا كتاب من كتب أصحابنا الحنابلة رضي الله عنهم ورحمهم الله تعالى، ألا وهو كتاب غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى قد قل الاعتناء به في الآونة الأخيرة وذلك لعدة أسباب منها ندرة وجوده مع أنه طبع أكثر من مرة ففي المرة الأولى طبع على نفقة حاكم قطر الشيخ علي بن الشيخ عبد الله بن قاسم آل ثاني رحمه الله تعالى بتوصية من الشيخ محمد بن مانع رحمه الله تعالى وعناية شيخنا محمد زهير الشاويش صاحب المكتب الإسلامي ببيروت لبنان سنة 1393 هـ في ثلاث مجلدات، ثم أعيد طبع الكتاب ثانيا على هذه النسخة بالمكتبة السعيدية بالرياض، هذا وقد أحيا الله بالشيخ علي آل ثاني نشر ما زاد على مائة كتاب وذلك في إحدى عشرة سنة، ومن كتب الفقه الحنبلي التي قام بطبعها رحمه الله تعالى: كشف المخدرات والرياض المزهرات شرح أخصر المختصرات للعلامة عبد الرحمن البعلي، العدة شرح العمدة
الجزء: 1 - الصفحة: 5
للعلامة عبد الرحمن المقدسي، كتاب الهادي للعلامة ابن قدامة، زوائد الكافي والمحرر على المقنع للعلامة عبد الرحمن بن عبيدان، كتاب الفروع للعلامة ابن مفلح، الروض الندي شرح كافي المبتدي للعلامة أحمد البعلي، الفواكه العديدة في المسائل المفيدة للعلامة أحمد بن منقور التميمي، مطالب أولى النهي شرح كاية المنتهى للعلامة مصطفى الرحيباني، الكافي للعلامة ابن قدامة، المقنع لابن قدامة، عقد الفرائد وكنز الفوائد للعلامة ابن عبد القوي، مختصر عقد الفرائد وكنز الفوائد للعلامة عبد العزيز بن معمر، الإنصاف للعلامة المرداوي، مختصر الخرقي، دليل الطالب للعلامة مرعي الكرمي 1 مؤلفنا رحمه الله تعالى وصاحب كتابنا هذا.
وكان الدافع لتحقيق هذا الكتاب والاعتناء به حرص شيخنا العلامة محمد سليمان الجراح رحمه الله على هذا المتن وشرحه: مطالب أولي النهي حيث كان شيخنا محمد يرجع إليه كثيرًا عند مراجعته لبعض المسائل أثناء قراءتنا عليه في كتب الفقه، ومنه كتاب: مطالب أولي النهي حيث تم لنا مقابلة المجلد الأول والثاني من المطبوع إلى آخر كتاب الزكاة على نسخة خطية لشرح المطالب كانت ضمن مكتبة الشيخ عبد الله خلف الدحيان الجزء الأول فقط إلى آخر كتاب الزكاة، وتم لنا مقابلتها مع نسخة المتن والشرح تحت إشراف شيخنا محمد الجراح رحمه الله تعالى، وكانت هذه المقابلة بحضور
الجزء: 1 - الصفحة: 6
كل من الأخوة: د. وليد عبد الله المنيس، وجراح داود الجراح، وعدنان النهام، وعادل الكندري، وكاتبا هذه المقدمة وغيرهم ممن كان يحضر في بعض هذه المجالس.
وكان البدء في تحقيق هذا الكتاب سنة 1423 الموافق 2003 م بجمع النسخ الخطية، حيث تيسر لنا جمع كثير من مخطوطات المتن والشرح عن طريق البحث في مكتبات المخطوطات، وبمعرفة بعض المشايخ ومنهم أخونا المفضال الشيخ فيصل يوسف العلي حيث سهل لنا الحصول على أكثر هذه المخطوطات، وكان عملنا فيه كما يأتي:
الجزء: 1 - الصفحة: 7
عملنا في هذا الكتاب
- قمنا بنسخ الكتاب كاملًا من النسخة المطبوعة ومقابلة النسخ الخطية معها.
- قمنا بتشكيل الكتاب كاملًا.
- قمنا بحصر نسخ الكتاب المتعددة وأماكنها وتصوير بعضها حتى بلغت قرابة العشر نسخ.
- اختيار أقرب نسخة لزمن المؤلف وأصح النسخ وأكملها.
- تم اختيار أقرب ثلاث نسخ وأكملها.
- اختيار النسخة المقابلة والمقروءة على نسخة المؤلف لتكون هي الأصل.
- بعد الانتهاء من مقابلة المتن مع النسخ الخطية قمنا بإمرار المتن مرة أخرى على الشرح "مطالب أولى النهي" للتأكد من عدم اختلاط شيء من الشرح في المتن.
- قمنا بتقسيم الكتاب إلى مجلدين، الأول: يبدأ من أول مقدمة التحقيق إلى آخر باب اللقيط.
والمجلد الثاني: من أول كتاب الوقف إلى آخر الكتاب.
الجزء: 1 - الصفحة: 8
وإليك
وصف النسخ التي استعنا بها في تحقيق هذا الكتاب
:
- النسخة الأصل؛ خطية مصورة من مكتبة الملك فهد الوطنية رقم الميكروفلم 1021، الإفتاء 497/ 86 عدد الصفحات 308 صفحة، ويلاحظ: أن هامش المخطوطه ضيق والحواشي خطها رفيع غير مكتمله، وأصلها في مكتبة برنستون بلندن، وهي أقرب نسخة لما فيها من مقابلات على نسخة المؤلف، وقال في آخرها: "تم ونقل من خط مؤلفه حفظه الله تعالى ونفع به وبعلومه المسلمين في الدين والدنيا والآخرة وغفر لكاتبه ولمن كتبت له والمسلمين"، وذكر في آخرها تقاريظ على هذا الكتاب ذكرتها في مقدمة هذا الكتاب تأتي لاحقًا ورمزها (أ).
- نسخة خطية مصورة من مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة ضمن المكتبة المحمودية ورمزت لها (ب).
- نسخة خطية مصورة من مكتبة الشيخ عبد الوهاب العبد الله الفارس الكويتي رحمه الله وهي التي كان شيخنا محمد الجراح رحمه الله يعتمد عليها لأنه لم تكن عنده سوها، وعدد أوراقها 98 ورقه بما يعادل 195 صحيفة من القطع الكبير، وهي بخط نسخي، وكتب في أولها أنها كانت في ملك عثمان بن عبد الله بن شبانة، ثم انتقل إلى ملك عبد الله بن سليمان، ثم انتقل إلى ملك سليمان حمد الفداغ سنة 1222 هـ، ثم وقف من قبل الواقف عبد الله حمد الفداغ رحمه الله تعالى، وبها سقط كثير، ورمزت لها (ج).
الجزء: 1 - الصفحة: 9
نسخ المتن (1) الخطية وأماكن وجودها
- نسخة كتبها قاسم بن محمد بن سالم بن عثمان سنة 1244 هـ 1828 م عن نسخة نقلت من خط المؤلف، القادرية / بغداد (493)، (219) الآثار الخطية في المكتبة القادرية (2/ 310).
- نسخة مقابلة مصححة، كتبت على أصل الجامع سنة 1272 هـ 1855 م الأوقاف العامة، / بغداد (3830)، (202)، ف، م، ع الأوقاف العامة (2/ 77).
- نسخة كتبها إبراهيم النجدي الأوقاف / بغداد (4052)، (501) ف، م، ع، الأوقاف (2/ 77).
- دار الإفتاء / الرياض (498/ 86) ف، الكتب الخطية بدار الإفتاء (37) 3.
- نسخة كتبها محمد بن ناصر بن دايل الحنبلي الزبيري النجدي بتاريخ 1283 هـ، مكتبة المخطوطات وزارة الأوقاف بدولة الكويت، (477 ق)2
الجزء: 1 - الصفحة: 10
مختلف (12 - 19) س.
6) نسخة ضمن المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة غير كاملة، وهي غير النسخة التي اعتمدت عليها برمز (ب).
7) قطعة منه كتبت بتاريخ 1025 هـ (6 ق)، (23 س).
8) قطعة منه (151 ق)، مختلف (22 - 23 س).
9) قطعة منه (3 ق)، (25 س) 4.
هذا ما استطعنا جمعه من مكتبات المخطوطات والتي تجمعت عندنا صورها لاعتماد الأصل لكن الأكثر غير كاملة، وللمتن نسخ كثيرة منتشرة في مكتبات المخطوطات وخصوصا في الجزيرة العربية والشام؛ العامة والخاصة وقد تفوق العشرون نسخة بين مصورة وأصل والله ولي التوفيق والسداد.
كتباه راجيين عفو ربهما
ياسر إبراهيم المزروعي
رائد يوسف الرومي
1 ذي القعدة / 1423 هـ
الموافق 4/ 1 / 2003 م
بمسجد السهول بضاحية عبد الله السالم
بدولة الكويت حرسها الله تعالى
الجزء: 1 - الصفحة: 11
صور المخطوطات
الجزء: 1 - الصفحة: 13
صورة غلاف نسخة (أ)
الجزء: 1 - الصفحة: 15
صوره الصفحة الأولى من نسخة (أ)
الجزء: 1 - الصفحة: 16
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة (أ)
الجزء: 1 - الصفحة: 17
صورة الورقة الأخيرة من نسخة (أ)
الجزء: 1 - الصفحة: 18
صورة غلاف نسخة (ب)
الجزء: 1 - الصفحة: 19
صورة الصفحة الأولى من نسخة (ب)
الجزء: 1 - الصفحة: 20
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة (ب)
الجزء: 1 - الصفحة: 21
صورة الغلاف من نسخة (ج)
الجزء: 1 - الصفحة: 22
صورة الصفحة الأولى من نسخة (ج)
الجزء: 1 - الصفحة: 23
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة (ج)
الجزء: 1 - الصفحة: 24
ثناء العلماء على كتاب الغاية ومؤلفه
- قال العلامة السفاريني (ت 1189 هـ): في وصيته لأحد تلامذته النجديين: "عليك بما في الكتابين: الإقناع والمنتهى، فإذا اختلفا فانظر ما يرجحه صاحب الغاية".
- قال الشيخ العلامة عبد القادر بن بدران الدِّمشقيّ 5:
"كتاب جليل للشيخ مرعي الكرمي، جمع فيه بين الإقناع والمنتهى، وسلك فيه مسلك المجتهدين، فأورد فيه اتجاهات له كثيرة، يعنونها بلفظ: ويتجه، ولكنه جاء متأخرًا على حين فترة من علماء هذا المذهب، وتمكن التقليد من أفكارهم، فلم ينتشر انتشار غيره".
وقد تصدى لشرحه العلامة الفقيه الأديب أبو الفلاح عبد الحي بن محمَّد بن العماد (ت 1089 هـ)، فشرحه شرحا لطيفا واسمه: بغية أولي النهى شرح غاية المنتهى وصل فيه إلى: باب الوكالة، فقط دل على فقهه وجودة قلمه، لكنه لم يتمه.
وقد شرحه كذلك العلامة ابن عفالق الإحسائي الحنبلي (ت 1163 هـ) وهو مفقود.
ثم ذيل على شرح ابن العماد العلامة إسماعيل بن عبد الكريم
الجزء: 1 - الصفحة: 25
الجراعي (ت 1202 هـ)، من"باب الوكالة" فوصل فيه إلى: "كتاب النكاح" ثم اخترمته المنية.
وممن شرح الزوائد العلامة التغلبي (ت 1135 هـ) في مجلد باسم: "شرح زوائد الغاية".
ثم تلا ابن العماد والجراعي العلامة الفقيه المحقق الشيخ مصطفى بن سعد بن عبدة السيوطي الرحيباني مولدا ثم الدِّمشقيّ (1165 - 1243 هـ)، فابتدأ بشرح الكتاب من أوله حتَّى أتمه في خمس مجلدات بخطه، ثم طبع في ستة مجلدات، لكنه في شرحه هذا يأتي إلى المسألة من المنتهى، فينقل عبارة شرحها للشيخ منصور، وإلى المسألة من الإقناع فينقل عبارة شرحه أَيضًا، فكأنه جمع بين الشرحين من غير تصرف، فإذا وصل إلى الاتجاه حققه بقوله: لم يجد من صرح به من قبل الأصحاب، ثم تلاه تلميذه شيخ مشايخ الشَّام العلامة الأوحد الشيخ حسن بن عمر بن معروف بن عبد الله بن مصطفى بن الشيخ شطا المتوفى سنة 1274 هـ، بكتابه: "منحة مولي الفتح في تجريد زوائد الغاية والشرح" وهو مطبوع مع الشرح، فأخذ في مواضع الاتجاه من الغاية والشرح، وانتصر للشيخ مرعي وبين صواب تلك الاتجاهات، ومن قال بها غيره من العلماء، وذكر في غضون ذلك مباحث رائقة وفوائد لا يستغنى عنها، فجاء كتابه هذا في أربعين كراسا بخطه الدقيق".
الجزء: 1 - الصفحة: 26
- قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد 6:
"جمع فيه مؤلفه الشيخ مرعي.
ت سنة (1033 هـ) بين كتابين عظيمين عليهما مدار الفتيا والقضاء عند الأصحاب، منذ تأليفهما في القرن العاشر حتَّى عصرنا، هما: كتاب الإقناع للحجاوي.
ت سنة (968 هـ)، والمنتهى لابن النجار الفتوحي.
ت سنة (972 هـ)، لإشباعهما بالفروع الكثيرة المنثورة في كتب المذهب السابقة لهما، وما لهما فيهما من الترجيح والتنقيح والتحقيق، ولهذا أقبل عليه العلماء بالشرح، والزوائد وشرحها, لكن لم يكمل من شروحه ويطبع سوى شرح الرحيباني مطالب أولي النهى ولم يطبع غيره.
وقرظ شيخ الإِسلام أَحْمد المقري رحمه الله تعالى على الغاية 7 تقريظًا حسنًا: جَزَى اللهُ مَرْعِي بنَ يُوسُفَ خَيرَ مَا ... جَزَى عَالِمًا عَنْ جَمْعِ فِقْهِ إِمَامِهِ فَقَدْ جَاءَ مِنْ أَفْكَارِهِ بِمُؤَلَّفٍ ... يَدُلُّ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَاهْتِمَامِهِ وَنَظَّمَ عِقْدًا مِنْ جَوَاهِرِ عِلْمِهِ ... بَدِيعًا يَرُوقُ الطَّرْفَ حُسْنُ نِظَامِهِ وَحَلَّا بِهِ جِيدًا لِمَذْهَبِ أَحْمَدٍ ... إِمَامِ الْوَرَى السَّامِي شَرِيفِ مُقَامِهِ كِتَابٌ عَظِيمُ النَّفْعِ جَمٌّ فَوَائِدُهُ ... مُحَرَّرُ نَقْلٍ مُوثَقٍ بِانْسِجَامِهِ غَدَا لِذَوي الأَفْهَامِ غَايَةَ مُنْتَهَىَ ... فَحَسْبُهُمُ أَنْ يَهْتَدُوا بِكَلَامِهِ وَأَنْوَارُهُ لِلطَّالِبِينَ جَلِيَّةٌ ... تُمطُ عَنِ الإِشكَالِ ثَوْبَ ظَلَامِهِ
الجزء: 1 - الصفحة: 27
وَغَرَّرَهُ مِنْ بَحْثِهِ بِغَرَائِبٍ ... نَتَائِجَ أَفْكَارٍ وَفَتْ بِمَرَامِهِ فَلِلَّهِ مِنْهَا رَوْضَةٌ طَابَ نَشْرُهَا ... وَفَاقَ شَذَاهَا المِسْكُ عِنْدَ انْقِسَامِهِ فَلَا زِلْتَ يَا مَرْعِيُّ لِلْعِلْمِ خَادِمًا ... فَمِثلُكَ مَنْ وَفَّا بِرَعْي ذِمَامِهِ فَأَنْتَ الفَقِيهُ الْعَالِمُ العَامِلُ الّذِي ... غَدَا الْفَهْمُ وَالتَّحْقِيقُ طَوعَ زِمَامِهِ وَلَا تَغفَلِ الْمَقرِيَّ مِنْ صَالِحِ الدُّعَا ... بِتَكْمِيلِ مَأْمُولٍ وَنَيلِ تَمَامِهِ وَتَيسِيرِ سَيرٍ لِلْمَكَانِ الّذِي سَمَا ... وَاصفا عَلَيهِ اللهُ كُلَّ احْتِرَامِهِ وأَرَاهُ نُورًا في مَعَالِمِ طَيبَةٍ ... بِرُؤيَةِ غَوْثِ الْكَوْنِ غَيثُ غَمَامِهِ عَلَيهِ مِنَ الرَّحْمَنِ أَزكَا صلَاتِهِ ... وَخَيرُ تَحِيَاتٍ وَأَزْكَا سَلَامِهِ مَعَ الآلِ وَالأَصْحَابِ مَا رُدِّدَ اسْمُهُ ... فَنَال بِهِ الْمُشْتَاقُ حُسْنَ خِتَامِهِ وقال العالم العلامة والعمدة الفهامة الشيخ عبد الرَّحِيم بن محاسن الدِّمشقيّ في ذلك رحمه الله تعالى: أَظْهَرْتَ يَا بَدْرَ الْعُلُومِ كَوَاكِبَا ... وَكَشَفْتَ عَنْ وَجْهِ الزَّمَانِ غَيَاهِبَا ونَظَمْتَ أَسْلَاكَ الْكَلَامِ مُحَلِّيًا ... مِنَ أَبْلِغ الْمَعْنَى الْبَدِيعِ كَوَاعِبَا وَجَمَعْتَ مَذْهَبَ أَحْمَدَ الحَبْرِ الَّذِي ... بِالْعِلْمِ قَدْ أَضْحَى شِهَابًا ثَاقِبَا بَدْرُ الْأَئِمَّةِ مَنْ حَبَاهُ إِلهُهُ ... قَدْرًا بِهِ فَاقَ السِّمَاكَ مَرَاتِبًا وَلَكَمْ نَحّى طُرْقَ الْهُدَى حَتَىَ لَقَدْ ... كَادَتْ مَلَامِحَهُ تُعْدُّ مَنَاقِبَا كَمْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ في أَقْوَالِهِ ... كُتُبًا غَدَتْ لِلطَّالِبِينَ مَطَالِبَا حَتَّى غَدَت أَقْوَالُهُ كَالشَمْسِ قَدْ ... سَارَتْ تُضيءُ مَشَارِقًا وَمَغَارِبَا لِكِنَّمَا ذَا السَفْرِ وَافَا جَامِعًا ... لِجَمْعِ مَا قَدْ حَرَّرُوهُ غالِبَا لَمَّا بَدَى كَالشَّمْسِ في وَقتِ الضُّحَى ... أَضْحَى الْمُعَانِدُ بِالْجَهَالةِ غَارِبَا قَدْ جَاءَ في الزَّمَنِ الأَخِيرِ وَإِنَّهُ ... لَمُقَدَّمٌ في الْفَضْلِ عَالٍ جَانِبَا
الجزء: 1 - الصفحة: 28
وَدَلَائِلُ الإِخْلَاصِ فِيهِ ظَوَاهِرٌ ... إِذْ كُلُّ شَخْصٍ فِيهِ يُلْقَى رَاغِبَا أَلفَاطُهُ السِّحْرُ الْحَلَالُ وَإنَّهُ ... قَدْ صَارَ سَهْمًا لِلمُعَانِدِ صَائِبَا سَهْلُ التَّنَاوُلِ غَيرِ أَنَّ نِظَامَهُ ... يَزْرِي بِأَسْلَاكِ الْعُقُودِ تَنَاسُبَا هُوَ رَوْضَةٌ غَنَّا قَدْ سِقيت عَلَى ... لُطفِ الزُّهُورِ المَاطِرَاتِ سَحَائِبَا وَسَعَى الصَّبَا فِيهَا يَفُوحُ عَلَى الرُّبَا ... وَالطيرُ تَصْدَحُ بِالغُصُونِ نَوَاحِبَا أَبْوَابُهُ وَفُصُولُهُ في نَظْمِهَا ... فَاقَت لَدَى أُفْقِ السَّمَاءِ كَوَاكِبَا هُوَ غَايَةُ لِلْمُنْتَهَى فَمَدِيحُهُ ... أَضحَى عَلَى الْعُلَمَاءِ فَرْضًا رَاتِبَا تَاللَهِ لَم نَمنَحْهُ وَاجِبَ حَقِّهِ ... إن لَمْ يَحُزْ فَوْقَ الرُّؤُوسِ مَنَاصِبَا لَو خُط إِجْلَالًا بماءِ عُيُونِنَا ... لَمْ نَقْضِهِ يَوْمًا بِذَلِكَ وَاجِبَا لَا غَرْوَ أَنْ حَاكَى الدَّارَارِي نِظَامُهُ ... وَالدُّرُ أَوَ أَنْ فَاقَ غَيثًا سَاكِبَا فَلأنَّهُ تَضِيقُ مَنْ قَدْ حَا ... زَ مِنْ رَبِّ الْعِبَادِ مَوَاهِبَا حَبْرٌ إِذَا حلَّ الطُرُوسَ يَرَاعُهُ ... تَلْقَاهُ حَلَّ مِنَ الْكَلامِ عَجَائِبَا إن أُغلِقَت يَوْمًا عَلَيهِ نُكْتَةٌ ... يَنْبُذْ إِلَيهَا مِنْه فَهْمًا ثاقِبَا مَوْلَايَ مَرْعِي الإِمَامُ الْمُجْتَبَى ... مَنْ لَمْ يَزَلْ لِعُلَى الْعُلُومِ مُصَاحِبَا 8 بِالْعِلْمِ وَالعَمَلِ ارْتَقَى حَتَّى انقضى ... لِلْحَاسِدِينَ مَنْ الْعُلُومِ مَوَاضِبَا رَامَ الْحَسُودُ مُقَامَهُ فَتقَاصَرَتْ ... خُطْوَاتُهُ عَجْزًا وَأَضْحَى خَائِبَا لَا زَال يَنْفَعُ طَالِبِيهِ بِعِلْمِهِ ... وَيَحُوزُ مِنْ رَبِّ الْعِبَادِ مَآرِبَا حَتى يَدُومَ لِوَارِدِيهِ مَنْهَلًا ... صَافٍ وَمَوْلَا لِلْمَحَامِدِ كاسِبَا مَا نَاحَ طَيرٌ فَوْقَ غُصْنِ أرَاكَةٍ ... فَأَثَارَ لِلْمشْتَاقِ شَوْقًا لَازِبَا قَدْ قَالهَا الشَّامِيُّ نَجْلُ مُحَاسِنٍ ... عَبْدِ الرَّحِيمِ لِعَفْو رَبِّ طَالِبَا
الجزء: 1 - الصفحة: 29
وَمُسَلِمَّا بَعْدَ الصَّلاةِ عَلَى الّذِي ... بِالْحَقِ مَزَّقَ لِلْعُدَاةِ كَتَائِبَا وَألآلِ وَالْأصْحَابِ مَنْ بِهُدَاهُمُ ... عَمُّوا الْأَنَامَ أَعَاجِمًا وَأَعَارِبَا وقال في ذلك الشيخ الشهير الجهبذ النحرير الفائق بخصاله الحميدة على أقرانه أبو المواهب رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين: الْحَمْدُ للهِ كَافِي السَّادَةَ الْفُضَلَا ... وَمُقْنِعِ بِحُصُولِ الْقَصْدِ مَنْ سَأَلَا ثُمَّ الصَّلاةُ وَيَتْلُوهَا السَّلَامُ عَلَى ... مُحَمَّد المُصْطَفَى أَكْمَلِ الرُّسُلَا والآلِ وَالصَّحْبِ وَالْأَنْصارِ أَجْمَعِهِمْ ... مَا بَلَّغَ اللهُ عَبْدًا قَاصِدًا أَمَلَا هذَا كِتابٌ وَجِيزٌ فَائِقٌ حَسَنٌ ... يُقَرِبُ لِلْمَعَانِي أَوْضَحَ السُّبُلَا بِغَايَةِ الْمُنْتَهَى جَاءَتْ فَوَائِدُهُ ... كَرَوْضَةِ المُشْتَهَى مَا مِثْلُهَا نُقِلَا وَمَطْلَبُ دُرِّهِ الْمَنْظُومِ في نَسَقٍ ... حَاوي فُرُوعِ أُصُولِ تُثْبِتُ الجَدَلَا ذُو مَنْهَجٍ مُبْهِجٍ طَابَتْ مَصَادِرُهُ ... وَقَدْ صَفَى ورْدُهُ الصَّافِي لِمَنْ نَهَلَا دُرٌّ نَضِيدٌ فَرِيدُ أَمّ مَسَائِلُهُ ... سِحْرٌ حَلَالٌ بِهِ قَدْ أَدْهَشَ العُقَلَا في الطُّرْسِ وَالسَّطْرِ مِنْهُ بَهْجَةٌ ظَهَرَتْ ... فَرِيدَةٌ مِنْ فَرِيدٍ بِالْعُلُومِ عَلَا مُحَرَّرُ النَّقْلِ بِالتَّنْقِيحِ مُتَّصِفُ ... تَصْحِيحُهُ وَاضِحٌ بِالْفَضْلِ قَدْ كَمُلَا حُسْنُ الْبَرَاعَةِ تَبْدُو في عِبَارَتِهِ ... في فِقْهِ خَيرِ إِمَامٍ قَدْ عَلَى وَغَلَا الْحَبْرُ أَحْمَدُ رَب الْعَرْشِ مَتَّعُهُ ... في جَنَّةٍ وَكُسِي مِنْ سُنْدُسٍ حُلَلَا عَلَى الصَّحِيحِ مَشَى فِيهِ وَحَقَّقَهُ ... عَلَى عَرَائِسِ أَبْكَارٍ قَدِ اشْتَمَلَا تَنَزَّهَتْ رُوحِي وَلُبِي في مَحَاسِنِهِ ... وَالذِّهْنُ وَالْفِكْرُ وَالْحِسُّ وَالْمُقَلَا لَا زَال مُنْشِيهِ مَرْعِيٌّ وَمُبْتَهِلٌ ... وَبَدْرُهُ طَالِعٌ بِالسَّعْدِ مَا أَفَلَا لله مِنْ عَالِم عَلَّامَةٍ عَلَمٍ ... فَهَّامَةٍ مَاجِدٍ فِي الدَّهْرِ قَدْ فَضُلَا وفِيهِ نَفْعٌ لِطُلَابِ الْعُلُومِ يُرَى ... وَدَامَ بِالعِلْمِ وَالْخَيرَاتِ مُشْتَغِلَا
الجزء: 1 - الصفحة: 30
فَزادَهُ زانَهُ ربِّي وَبَلَّغَهُ ... مِنْ فَيضِ إفْضالِهِ الْمَطْلُوبَ والأَمَلَا وَإِني سائِلٌ مِنَ الدُّعاءِ وَلِي ... قَلبٌ عَلَى حُبِّ أَهْلِ الْخَيرِ قد جُبِلا أَبُو الْمَواهِب لِلصدِيق نِسْبَتُهُ ... قَدْ قالهُ مِنْ بَدِيهِ الْفِكْر مُرتَجِلا ثُمّ الصلاةُ عَلَى المُخْتارِ مِنْ مُضرٍ ... والْآلِ والصَحبِ ما غَيثُ الرَّضا حَمَلا وقال في ذلك الشيخ العالم العلامة محمود أفندي قاضي العسكر بمحروسة مصر رحمه الله تعالى آمين كِتابٌ حَوَى كُلُّ المَحاسِنِ واحتَوَى ... عَلَى لُبّ ما قَدْ حَرَرَتْهُ الْأَفاضِلُ وَما هُوَ إِلا رَوْضَةٌ قَدْ تَدَفَّقَتْ ... بِها مِنْ يَنابِيعِ الْفُرُوعِ جَداولُ حَدائِقُ تُنْسِي النَّاظِرِينَ بِلَفْظِها ... وَتَزْهُو عَلَى الْأَبْصارِ مِنْها خَمائِلُ وَكَمْ فِيهِ مِنَ دَوْحٍ يَرُق نَظارُهُ ... سَقاها مِنَ الْأَفْكارِ طَلّ وَوابِلُ فَللهِ مُنشِيهِ لَقَدْ دَلَّ جَمْعُهُ ... عَلَى أَنَّهُ في ذا الصّناعَةِ كامِلُ كَأَنِي بِهذا السفْرِ فَخْرُ بِما حَوَى ... يَتِيهُ عَلَى مَنْ قَد مَضَى وَهُوَ قائِلُ وَإِني وَإنْ كُنْتُ الْأَخِيرَ زَمانَهُ ... لآتِ بِما لَمْ تَسْتَطِعْهُ الْأَوائِلُ ومما قاله الشيخ المكرم محمد السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى في الشيخ مرعي رحمه الله تعالى: للهِ دَرُّكَ يا مَرعِيٌّ طِبْتَ فَكَمْ ... أَبْدَيتَ مِنْ مُحكَم يا قُرَّةَ الْعَينِ أَبْرَزْتَ في النَّسْخِ أَنواعًا مُحَرَّرَةً ... فاقَتْ وَفُقْتَ بِها حَتَّى عَلَى الْعَينِ
الجزء: 1 - الصفحة: 31
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صورة تقريظ كتبه الشيخ الفاضل شيخ الإِسلام أحمد البكري
رحمه الله تعالى رحمة الأبرار وأسكنه دار القرار على الغاية للشيخ مرعي رحمه الله تعالى: سُبحانَ ربي قَدْ تَعالى شَأْنُهُ ... وسع الجودَ جميعُ ما إحسانُهُ ثُمّ الصلاةُ مَعَ السلامِ عَلَى الّذِي ... خَضَعَتْ لَهُ إِنْسُ الْأَنامِ وَجانُهُ مَنْ شَرَّفَ الأملاكَ في أُفْقِ السَّمَا ... عُرُوجُهُ وَخِطابُهُ وَعِيانُهُ والآلِ والأَصحابِ ما لَمَعَت بُرُوقُ ... الحَقِ مِنْ قَلْبِ نما عِرفانُهُ هذا وَإِني قَدْ تَشَرَّفَ باصِرِي ... بِكِتابِ عِلْم شُيِّدَتْ أَرْكانُهُ حاوي الفُرُوعَ كَرَوضَةٍ مَنظُومَةٍ ... وَعَلَى عَلا فَرقِ الأَثِيرِ مَكانُهُ هُوَ غايَةٌ لِلمُنتَهَى بَل مَطْلَبٌ ... كَنزٌ يَلُوحُ لِطالِب تِبْيانُهُ كَما فِيهِ أَبحاثٌ تَدُقُّ عَلَى النُّهَى ... وَلَقَد تَلَأْلَأَ بِالسَّنَا بُرهانُهُ دُرَرُ البَراعَةِ في سُطُورِ طُرُوسِهِ ... كَمْ قَدْ حَوَتْ عِلْمًا زَكا إِتْقانُهُ فِيهِ فِقْهُ مَنْ حازَ السِّيادَةَ والتُّقَى ... واعْتَزَّ بِالْعِلْمِ الشَّرِيِفِ زَمانُهُ قُطْبُ رَحاءِ العِلْمِ دارَت حَوْلَهُ ... وَمَسِيرُها مَهْما أَرادَ بَنانُهُ فَهُوَ الإمامُ الْحَنبَلِي المُرتَضَى ... مَنْ نافَسَتْ في عِلْمِهِ أَعْيانُهُ هُوَ الأحمَدُ الأوْصافِ ذُو القَدْرِ الذِي ... عَنْهُ تَنَزَّلَ في الْعُلَى كَيوانُهُ راياتُهُ في الزهدِ تَخْفُقُ دائِمًا ... وَجُنُودُ رَبّي في السَّما أَعْوانُهُ لا زال مُنشِئُهُ يُفِيدُ مَعارِفًا ... لا تَنْقَضِي نِهايَةً أحْيانُهُ فَردٌ إِمامٌ عالِمٌ عَلَامَةٌ ... رَجَحَتْ عَلَى أَقْرانِهِ مِزانُهُ
الجزء: 1 - الصفحة: 32
وَلَقَد أَتَى بِغَرائِب وَرَغائِبٍ ... وانقادَ لِلْحَقِّ الْمُبِينِ جَنانُهُ وَتَفَرَّعَتْ أَفَكارُهُ بِمَعارِفٍ ... حَتَّى امتَلا بِشُهُودِهِ بِطانُهُ وَتَنَزَّلَت آياتُهُ في ذاتِهِ ... وَتَلا عَلَيه جمعُهُ فرقانَهُ وَسَرَت بِهِ رُوحُ الْحَياةِ فَأَظْهَرَت ... أَسْرارُ سِرِّ عَتْمِها سَرَيانُهُ لا زال مَرْعِيًا بِعِز عِنايَةِ ... يَجْرِي الْيَراع وَطُرسُهُ مَيدانُهُ ما صَفَتِ الْأَقدامُ في غَسَقِ الدُّجا ... قَوْمٌ لَهُمْ سِرٌّ بَدا كِتْمانُهُ واستَضْحَكَتْ ثَغر الرياضِ سَحابَةٌ ... تَبْدِي بِدَمْعِ فائِضِ هَتانُهُ وَتَغَنَّتِ الْوَرقَا في قضيب النَّقا ... واهْتَزَّ مِنْ سِرّ النَسائِمِ بانُهُ وَأَنا ابْنُ زَينِ الْعابِدِينِ واحِدٌ ... مَدْحِي يُوافِقُ سِرُّهُ إِعْلانُهُ مِنَ الصدّيقِ النبيّ مُحمدٍ ... طه الّذِي فَخَرَتْ بِهِ عَدْنانُهُ صَلى عَلَيهِ ثُمَّ سَلَّمَ رَبُّنا ... ما فاحَ مِنْ زَهْرِ الرُّبا رَيحانُهُ والآلِ طُرا والصَّحابَةِ سِيما ... الصّدِيقُ مَنْ سَبَقَ الوَرَى إِيمانُهُ وَزَكا خِتامُ القَوْلِ مِثْلُ فِتاحِهِ ... وَتَنَظَّمَتْ في سِلكِهِ عِقْيانُهُ كان الشيخ مرعي محل ثناء العلماء ومدحهم له لخصاله الطيبة وصفاته الكريمة ومنزلته العلمية الكبيرة فقد أثنى عليه كل من ترجم له فمن ذلك ما يلي: قال عنه الأمين المحبي في تاريخه: " .. أحد أكابر علماء الحنابلة بمصر، كان إماما فقيها محدثا ذا اطلاع واسع على نقول الفقه ودقائقه، ومعرفة تامة بالعلوم المتداولة .. ". وقال الشيخ محمد جميل الشطي: " .. شيخ الإسلام أوحد
الجزء: 1 - الصفحة: 33
العلماء الأعلام فريد عصره وزمانه ووحيد دهره وأوانه صاحب التآليف العديدة والفوائد الفريد والتحريرات المفيدة فهو العلامة بالتحقيق والفهامة عند التدقيق والتنميق .. ". وقال الشيخ ابن حميد: " .. العالم العلامة البحر الفهامة المدقق المحقق المفسر المحدث الفقيه الأصولي النحوي أحد أكابر علماء الحنابلة بمصر .. ". وقال الشيخ عثمان النجدي: " .. كانت له اليد الطولى في معرفة الفقه وغيره .. ". وقال ابن بدران: " .. أحد أكابر علماء هذا المذهب بمصر .. ". ويعد الإمام العلامة الشيخ مرعي في مذهب الإمام أحمد ذو منزلة كبيرة، فهو من كبار علماء الحنابلة بمصر، وضم إلى ذلك علوما أخرى، فهو إمام بارز في الحديث وعلومه، والعقائد، وعلم الكلام، والأدب والشعر.
الجزء: 1 - الصفحة: 34
ترجمة صاحب المتن (1) العلامة مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي (ت 1033 هـ) رحمه الله تعالى
اسمه ونسبه
: هو الشيخ مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد الكرمي -نسبة إلى طور كرم بفلسطين، قرية بقرب نابلس، تقع غربيها إلى جهة البحر، وهي الآن مدينة ومركز قضاء -ثم المقدسي- نسبة لبيت المقدس حيث تلقى علومه هناك وتتلمذ على بعض علمائها -ثم الأزهري- نسبة للجامع الأزهر حيث درس ودرس به ونبغ به -ثم المصري نسبة لإقامته بمصر وتوفي بها -ثم الحنبلي- نسبة إلى مذهب إمام أهل السنة والصابر في المحنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى الذي انتسب إليه الشيخ مرعي والذي قال فيه: لئن قلَّد الناسُ الأئمةَ إنني ... لفي مذهب الحبر ابن حنبل راغبُ أُقلّد فتواه وأعشق قوله ... وللناس فيما يعشقون مذاهبُ هو نزيل مصر القاهرة، شيخ مشايخ الإِسلام، أحد العلماء المحققين الأعلام، واحد عصره وأوانه ووحيد دهره وفريده، صاحب التآليف العديدة، والفوائد الفريدة، والتحريرات المعينة، شرفت به9
الجزء: 1 - الصفحة: 35
البلاد المقدسة وصارت دعائم كمالاته على هامة الفضائل مؤسسة، جمع من العلوم أصنافا، ومن الفنون أصنافا، وانعقد عليه الإجماع من أهل الخلاف والوفاق.
ولادته ونشأته
: ولد العلامة الشيخ مرعي في طور كرم بفلسطين ونشأ بها وتلقى علومه الأولى فيها -ولم تذكر كتب التراجم تاريخ ولادته ولا مدة استقراره في البلدان- ثم انتقل بعده إلى القدس ليأخذ عن علمائها فأقام مدة من الزمن، ثم انتقل إلى القاهرة واستقر بها وطاب له العيش بها، ووجد فيها ضالته المنشودة، فألقى عصى التسيار وعزم على الاستقرار، وأخذ عن عدد من العلماء والمشايخ، وحصلت له الإجازة من شيوخه، ثم تصدر للإقراء وتولى المشيخة بجامع السلطان حسن في القاهرة، وأخذها منطلقا لبث علومه الشرعية، ومؤلفاته المفيدة حتى وافاه الأجل بها.
مشايخه
: تلقى العلم عن كثير من مشايخ وعلماء فلسطين ومصر ومنهم:
- العلامة العالم الشيخ محمد بن أحمد المرداوي القاهري فقيه الحنابلة في زمنه الذي تلقى علومه عن التقي محمد الفتوحي والشيخ عبد الله الشنشوري الفرضي (1026 هـ).
- الإمام العلامة المفسر المحدث الواعظ محمد بن حجازي بن محمد بن عبد الله الأكراوي الشافعي القلقشندي (957 - 1035 هـ).
- الشيخ القاضي الفرضي يحيى بن موسى بن أحمد بن موسى بن
الجزء: 1 - الصفحة: 36
سالم بن عيسى الحجاوي المقدسي الدمشقي الصالحي القاهري حيث قرأ عليه الفقه.
4) العالم الشيخ المحقق أحمد بن محمد بن علي الغنيمي الأنصاري المصري الحنفي الخزرجي شهاب الدين (ت 1044 هـ).
تلامذته
: وقد استفاد منه الكثير من العلماء العاملين في تدريسه وإفتائه وتصانيفه المفيدة لشتى العلوم والمعارف، فتخرج على يده الكثير من طلبة العلم الذين نشروا علمه وفضله منهم:
- الشيخ الإمام محمد بن موسى بن محمد الجمازي الحسيني المالكي (ت 1065 هـ).
- العالم العلامة الشيخ عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر بن إبراهيم بن عمر بن محمد البعلي الحنبلي الأزهري الدمشقي، المعروف بابن فقيه فصه (1005 - 1117 هـ).
- الشيخ العلامة أحمد بن يحيى بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد الكرمي المقدسي (1000 - 1091 هـ) وغيرهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 37
مؤلفاته
:
وتآليفه رحمه الله كثيرة غزيرة منها المطبوع ومنها ما زال مخطوطًا، وقد توسعت في ذكرها في كتابي إرشاد الطالب النبيل في جمع النيل ومنار السبيل.
أذكر منها كتب الفقه:
- تحقيق الرجحان بصوم يوم الشك من رمضان.
- دليل الطالب لنيل المطالب.
- رياض الأزهار في حكم السماع والأوتار والغناء والأشعار.
- غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى وهو كتابنا هذا.
- اللفظ الموطأ في بيان الصلاة الوسطى.
- تشويق الأنام إلى حج بيت الله الحرام.
- الحجج البينة في إبطال اليمين مع البينة.
- السراج المنير في استعمال الذهب والحرير.
- محرك سواكن الغرام إلى حج بيت الله الحرام.
- المسائل اللطيفة في فسخ الحج والعمرة الشريفة.
- مقدمة الخائض في علم الفرائض.
وفاته رحمه الله تعالى
: وبعد حياة قضاها في تدريس العلوم والإفتاء والتصنيف، توفي بمصر في شهر ربيع الأول سنة 1033 هـ وقيل 1032 هـ رحمه الله رحمة واسعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 38
ترجمه صاحب الإقناع (1) الإمام موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي المقدسي رحمه الله تعالى (895 - 968 هـ)
اسمه ونسبه
: هو العالم العلامة، الحبر البحر النحرير الفهامة، شيخ الإِسلام الإمام موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن أحمد بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي ثم الدمشقي الصالحين، أبو النجا شرف الدين، مفتي الحنابلة بدمشق، والمعول عليه في الفقه بالديار الشامية، صاحب المؤلفات التي سارت بها الركبان، كان إماما بارعا، محدثا، فقيها أصوليا، ورعا، حائز قصب السبق في مضمار الفضائل، والفائز بالقدح المعلى عند تزاحم مناكب الأفاضل، جامع أشتات العلوم، بدر سماء المنطوق والمفهوم، وتلقاها الناس بالقبول زمانا بعد زمان، والفتاوى التي اشتهرت شرقا وغربا، وعم نفعها الناس عجما وعربا، الحبر بلا ارتياب والبحر المتلاطم العباب، شمس أفق العلوم والمعارف، قطب دائرة المفهوم والعوارف، ذو التحقيقات الفائقة والدقيقات الرائقة، والتحريرات المقبولة والتقريرات التي هي بالإخلاص مشمولة.10
الجزء: 1 - الصفحة: 39
مولده ونشأته
: ولد بقرية حجة بفتح الحاء المهملة وبعدها جيم مشددة وآخرها تأنيث، من قرى نابلس سنة 895 هـ وبها نشأ.
طلبه للعلم
:
قرأ القرآن وأوائل الفنون، وأقبل على الفقه إقبالا كليا، ثم ارتحل إلى دمشق فسكن في مدرسة شيخ الإِسلام أبي عمر، وقرأ على مشايخ عصره، وأخذ الفقه عن الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد الشويكي الصالحي الذي لازمه إلى أن تمكن فيه تمكنا تاما.
والإمام الفقيه أبي حفص نجم الدين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح الصالحي، وعن العلامة أبي البركات محب الدين أحمد بن محمد، خطيب مكة، العقيلي، وأجاز له مفتي دار العدل، السيد كمال الدين محمد بن حمزة الحسيني بعد قراءته عليه مشيخته التي خرج لنفسه فيها أربعين حديثًا بمنزله بدمشق في مجلسين آخرهما يوم الثلاثاء حادي عشر شوال سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة، جميع ما يجوز له وعنه روايته بشرطه وكتب له خطه بذلك.
عمله
: وانفرد في عصره بتحقيق مذهب الإمام أحمد، إذ انتهت إليه ريادته، وصار إليه المرجع فيه، وأم بالجامع المظفري عدة سنين بعد شهاب الدين المرداوي المعروف بابن الديوان.
الجزء: 1 - الصفحة: 40
شيوخه
:
- شهاب الدين الشويكي: أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد الشويكي النابلسي الدمشقي الصالحي (939 هـ).
- محب الدين العقيلي: أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد العقيلي النويري المكي الشافعي القرشي (ت 916 هـ).
- ابن الديوان: شهاب الدين أحمد بن محمد المرداوي الصالحي المعروف بابن الديوان (940 هـ).
- نجم الدين عمر بن مفلح: عمر بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح (919 هـ).
- كمال الدين الحسيني: محمد بن حمزة بن أحمد بن علي بن محمد بن علي بن حمزة الحسيني الشافعي (933 هـ).
تلامذته
: واشتغل عليه جمع من الفضلاء ففاقوا أقرانهم وممن أخذ عنه جماعة من الأئمة منهم:
- إبراهيم بن محمد الأحدب الصالحي، المعروف بابن الأحدب (1010 هـ).
- إبراهيم بن محمد بن أبي حميدان، برهان الدين.
- أبو بكر بن زيتون الحنبلي الدمشقي الصالحي (112 هـ).
- أحمد بن إبراهيم بن أبي حميدان النجدي (ت القرن العاشر).
- أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن عمر بن أحمد الشويكي (1007 هـ).
الجزء: 1 - الصفحة: 41
- أحمد بن محمد بن مشرف النجدي (1112 هـ).
- أحمد بن أبي الوفاء بن مفلح الشهير بالوفائي الدمشقي (1038 هـ).
- زامل بن سلطان بن زامل اليماني المقرني النجدي.
- أبو النور سلطان بن محمد بن إبراهيم بن أبي جعد المعروف بابن أبي حميدان.
- القاضي شمس الدين محمد بن طريف الحنبلي الدمشقي الصالحي (989 هـ).
- أبو النورين عثمان بن محمد بن إبراهيم الشهير بأبي جده.
- شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أبي حميدان المشهور بأبي جدة (ت آخر القرن العاشر).
- محمد بن محمد الرجيحي الدمشقي الحنبلي (1002 هـ).
- محمود بن محمد بن عبد الحميد أبو الثناء نور الدين الحميدي (1030 هـ).
- يحيى بن موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي، ابن الإمام.
مؤلفاته
: قال في الشذرات: هو الشيخ الإمام العلامة مفتي الحنابلة بدمشق وشيخ الإسلام بها كان إماما بارعا محدثا فقيها أصوليا ورعا ومن تآليفه:
- كتاب الإقناع لطالب الانتفاع، جرد فيه الصحيح من مذهب الإمام أحمد لم يؤلف مثله في تحرير النقول وكثرة المسائل.
الجزء: 1 - الصفحة: 42
- زاد المستقنع في اختصار المقنع، عم النفع به مع وجازة لفظه.
- حاشية التنقيح، وتعقبه في مواضع كثيرة.
- حاشية على الفروع، ذكرها ابن العماد.
- شرح مختصر المقنع، ذكره الزركلي.
- شرح المفردات، ذكره ابن العماد وكحالة.
- منظومة الآداب الشرعية في ألف بيت وشرحها.
- منظومة الكبائر كلاهما على روي منظومة ابن عبد القوي.
وفاته
: توفي يوم الخميس ثاني عشر ربيع الأولى سنة 968 هـ، ودفن بأسفل الروضة تجاه قبر المنقح من جهة المغرب ويفصل بينهما الطريق، وقال في الشذرات أنه توفي سنة 960 هـ وتابعه بذلك الزركلي في الإعلام، قال في مختصر طبقات الحنابلة: توفي ليلة الجمعة سابع عشر ربيع الأولى سنة ثمان وستين وتسعمائة، ودفن بسفح قاسيون وكانت جنازته حافلة وتأسف عليه الناس رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه أعلى فراديس الجنان.
الجزء: 1 - الصفحة: 43
ترجمة صاحب المنتهى (1) الإمام محمد أحمد الفتوحي (898 - 972 هـ)
اسمه ونسبه
: هو الإمام العالم العلامة الفقيه محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رشيد -بضم الراء- الفتوحي، تقي الدين أبو بكر ابن الإمام العالم العلامة شهاب الدين المصري الشهير بابن النجار، قاضي القضاة.
مولده ونشأته
: ولد بمصر القاهرة سنة 898 هـ الموافق 1492 م، ونشأ بها.
طلبه للعلم
: أخذ الفقه والأصول عن والده شيخ الإسلام الشهاب أحمد بن عبد العزيز الفتوحي، وحفظ كتاب المقنع، وبه حصل على الفضل ودأب في الآداب، ولازم الشيخ العلامة شهاب الدين أحمد البهوتي الحنبلي، والشيخ العلامة شهاب الدين أحمد المقدسي الحنبلي وعن جماعة من أرباب المذاهب المخالفة وتبحر في العلوم حتى انتهت إليه الرئاسة في المذهب، وأجمع الناس أنه إذا انتقل إلى رحمة الله تعالى، مات بذلك فقه الإمام أحمد من مضر، وسمع هذا القول مرارا من11
الجزء: 1 - الصفحة: 44
الشيخ شهاب الدين الرملي، وما سمع قط يستغيب أحدا من أقرانه ولا غيرهم، ولا حسد أحدا على شيء من أمور الدنيا، ولا تزاحم عليها، وولي القضاء بسؤال جميع أهل مصر فأشار عليه بعض العلماء بالولاية، وقال: "يتعين عليك ذلك فأجاب مصلحة المسلمين، وما رأي أحدا أحلى منطقا منه ولا أكثر أدبا مع جليسه حتى يود أنه لا يفارقه ليلا ولا نهارا وبالجملة فأوصافه الجميلة تجل عن تصنيفي فأسأل الله تعالى أن يزيده من فضله علما وعملا وورعا إلى أن يلقاه وهو عنه راض آمين اللهم آمين انتهى.
وسافر إلى الشام وأقام بها مدة من الزمن وعاد وقد ألف مصنفه المنعوت "بمنتهى الإرادات" حرر مسائله على الراجح من المذهب فاشتغل به عامة طلبة الحنابلة في عصره، واقتصروا عليه وقريء على والده مرات بحضرته، فأثنى على المؤلف شرحه المصنف مفيدا في ثلاث مجلدات أحسن فيه ما شاء وألف مختصرًا في الأصول وشرحه، ومؤلفا في علم الحديث وانفرد.
مؤلفاته
: ومن أشهر مصنفات الشيخ ابن النجار الفتوحي:
- "منتهى الإرادات".
- "معرفة أولى النهى شرح المنتهى".
- "شرح الكوكب المنير".
الجزء: 1 - الصفحة: 45
ثناء العلماء عليه
: وترجمه العارف عبد الوهاب الشعراني في ذيله على طبقات الأولياء له فقال: "ومنهم سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العلامة تقي الدين، ولد شيخ الإسلام الشيخ شهاب الدين الشهير بابن النجار، صحبته أربعين سنة فما رأيت عليه شيئًا يشينه في عرضه، بل نشأ في عفه وصيانة ودين وعلم وأدب وديانة".
وفاته
: مرض العلامة ابن النجار خمسة عشر يوما قبل موته بمرض الزحير، وكانت وفاته، عصر يوم الجمعة ثامن عشر صفر سنة 972 هـ، فتأسف عامة الناس والفقهاء على وفاته، وأكثروا من الترحم عليه، ولم يخلف بعده مثله في مذهبه، وخرج نعشه من المدرسة الصالحية يوم السبت تاسع عشر، وصلى عليه ولده موفق الدين بالجامع الأزهر، ودفن بتربة المجاورين بجوار قبر العلامة الشمس العلقمي الشافعي بوصية منه قريبا من قبر الحافظ عبد الرحيم العراقي صاحب الألفية.
الجزء: 1 - الصفحة: 46
بِسمِ الله الرَّحَمِن الرَّحَيمِ 12
الحَمدُ للهِ المانِّ بِفَضلِهِ، والصَّلاةُ 13 على مُحَمَّدٍ وأهلهِ 14، قَال العبدُ الفقيرُ إلى اللهِ تَعالى: مَرعيِ بنُ يُوسُفُ الحنبَلي المَقدِسِي: أَحْمَدُ مَنْ مَنَّ بِحَبِيِبِه أَحْمَدَ، فَأَطْفَأَ نَارَ الشِّرْكِ وَأَخْمَدَ، وَأَعْلى مَنَارَ الإِسْلَامِ وَجدَّدَ، وبَيَّنَ شَرَائِعَ الأَحْكَام وَحَدَّدَ، وَقَارَبَ فيما أَمَرَ وَسَدَّدَ، وَلِرَأفَتِهِ بِأُمَّتِهِ سَهَّلَ وَمَا شَدَّدَ، أَتَى 15 بِكِتَابٍ مُحْكمٍ وَشرْع مُؤَيدٍ، وَدِينِ قيم وَحُكمٍ مُؤَبِّد، وتَفَقَّه عَلَيهِ فِي الأَحْكامِ كُلُّ مُوَفقِ مُسَدَّد، صَلى اللهُ عَلَيه وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَتَابع تَهَجَّدَ، وَنَاسِكٍ بِشَرْعِهِ تَعَبَّدَ، مَا رَاقَ عَذْبٌ مُبَرَّدٌ، وَحَنَّ طَيرٌ وَغَرَّدَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
وبَعْدُ: فَقَدْ أَكثَرَ أَئِمَّتُنَا - رَحِمَهُم اللهُ تَعَالى- في الْفِقْهِ مِنْ التَّصْنِيفِ، وَمَهَّدُوا قَوَاعِدَ المَذْهَبُ أَحْسَنَ تَمهِيدٍ وَتَرْصِيفٍ، وقَدْ أَتقَنَهُ المُتَأَخِّرُونَ بِمَا أَبدَوْهُ مِنْ التَّصَانِيفِ، وَكَانَ مِمَّنْ سَلَكَ مِنْهُمْ مَسْلَكَ التَّحقِيقِ وَالتَّصْحِيحِ وَالتَّدْقِيقِ وَالتَّرجِيحِ، العَلَّامَةُ صاحِبُ الإِنْصَافُ وَالتَّنقِيحِ، بَيَّنَ بِتَنقيحِهِ وإنصَافِهِ الضَّعِيفَ مِنْ الصَّحِيحِ، ثُمَّ نَحَا نَحْوَه مُقَلِّدًا لَهُ صَاحِبا الإِقنَاعِ والمُنتَهَى، وَزَادَا مِنْ الْمَسَائِلِ مَا يَسُرُّ أُولِي النُّهَى، فَصَارَ لِذَلِكَ 16 كِتَابَا هُمَا مِنْ أَجَلِّ كُتُبِ الْمَذْهَبِ، وَمِنْ أَنْفَسِ مَا
الجزء: 1 - الصفحة: 47
يُرْغَبُ في تَحْصِيلِهِ وَيُطْلَبُ، إلَّا أَنهُمَا يَحتَاجَانِ لِتَقيِيِدِ مَسَائِلَ وَتَحْرِيرِ أَلفَاظٍ يَبغِيَهَا السَّائِلُ، وَجَمْعِهِمَا 17 مَعًا لِتَسهيلٍ 18 النَّائِلِ.
فاستخرْت 19 الله -سُبْحَانهُ- فِي الجَمْع بَينَ الكِتَابَينِ فِي وَاحِدٍ، مَعَ ضمِّ مَا تَيَسَّرَ جَمْعُهُ إلَيهِمَا مِنْ الفَرَائِدِ، وَمَا أَقِفُ عَلَيهِ فِي كُتُبِ الأَئِمَّةِ مِنْ الفَوَائِدِ، وَلَا أَحذِفُ مِنْهُمَا إلا مَا أَسْتَغْنِي عَنْهُ، حَرِيصًا عَلَى مَا لَابُدَّ مِنهُ.
مُشِيرًا لِخِلَافِ الإِقنَاعِ بـ خِلَافًا لَهُ، فَإِنْ تَنَاقَضَ زِدْتُ هُنَا وَلَهُمَا بِـ خِلَافًا لَهُمَا، وَلِمَا أَبْحَثُهُ غَالِبًا جَازِمًا بِهِ بِقَوْلِي: وَيَتَّجِهُ، فَإِنْ تَرَدَّدْتُ زِدْتُ احْتِمَالٌ مُمَيِّزًا آخِرَ كُلَّ مَبْحَثٍ بالأَحْمَرِ لبَيَانِ الْمَقَالِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ بَعْضُ ذَلِكَ في كَلَامِهِم، لَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَيهِ لِعَدَمِ تَحْصِيلِ كَثْرَةِ الْمَوَادِّ، وَقَدْ فَقْدْتُ فِي ذَلِكَ الخِلَّ المْسُعِفِ المُوَادِّ، لَكِنَّ مَعُونَةَ اللهِ تَعَالى خَيرُ مَعُونَةِ، لِكَثرَةِ 20 المَدَدِ وَقِلَةِ الْمَؤونَةِ.
وَيَأْبَى اللهُ تَعَالى العِصمَةَ لِكَتابٍ غَيرِ كِتَابِهِ، وَالْمنْصِفُ مَنْ اغْتَفَرَ قَلِيلَ خَطَأ الْمَرْءِ فِي كَثِيرِ صَوَابِهِ 21، وَمَعَ هَذَا فَمَنْ أَتْقَنَ كِتَابِي هَذَا فَهُوَ الْفَقِيهُ المَاهِرُ، وَمَنْ ظَفِرَ بِمَا فِيهِ فَسَيقُولُ بمِلءِ فيِهِ: كَمْ تَرَكَ الأَوَّلُ لِلآخَرِ، وَمَنْ حَصَّلهُ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ جَزِيلُ 22 الحَظِّ الوَافِرِ، لأَنهُ الْبَحْرُ
الجزء: 1 - الصفحة: 48
لَكِنْ بِلَا سَاحِلٍ، وَوَابِلُ الْقَطرِ، غَيرَ أَنَّهُ مُتَوَاصِلٌ، بِحُسْنِ عِبَارَاتٍ، وَرَمْزِ إشَارَاتِ، وَتَنْقِيحِ مَعَانٍ، وتَحْرِيرِ مَبَانِ، رَاجِيًا بِذَلِكَ تَسْهِيلَ بَيَانِ الأَحْكَامِ عَلَى الْمُتَفَقِّهِينَ، وَحُصوُلَ الْمَثُوبَةِ وَالإِنْعَامِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ.
وَسَمَّيتُهُ: غَايَةَ المُنْتَهَى فِي جَمْعِ الإِقْناعِ وَالْمُنْتَهَى.
وَالْمُرَادُ بِالشَّيخِ حَيثُ أُطلِقُ: شَيخُ الإِسْلامِ، وَبَحْرُ الْعُلُومِ، أَبوُ العَبَّاسِ أَحْمَدُ تَقِي الدِّينِ ابنِ تَيميَّةَ.
وَالله سُبحَانَهُ وَتَعَالى هُوَ الْمسؤُولُ، أَنْ يُبْلِغَ الْمَطْلُوبِ وَالْمَأْمُولِ، وَأَنْ يُسْعِفَ التَّقْصِيرَ بِحُصُولِ التِّيسيِرِ، وَأَنْ يَرْحَمَنِي وَالْمُسْلِمِينَ، إنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ، رَءُوفٌ رَحيِمٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 49