هذا باب ما يحْتَمِلُ الشعر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو علي الفارسي
- الكتاب
- التعليقة على كتاب سيبويه
- المؤلف
- الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ الأصل، أبو علي (المتوفى: 377هـ)
- المحقق
- د. عوض بن حمد القوزي (الأستاذ المشارك بكلية الآداب)
- الطبعة
- الأولى، 1410هـ - 1990م
- عدد الأجزاء
- 6 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قوله: كَنَواحِ ريش حمامةٍ نَجْدِيَّةٍ حَذَفَ الياءَ مع الإضافة كما يحذفها مع التنوين في نواحٍ، لأن كل واحد منهما بدلٌ من صاحبه، وكذلك حذَف الياء مع الألف واللام من الأيد كما يحذفها مع التنوين.
قول الشاعر: ................... ولاكِ اسْقِني قال أبو علي: حذِف النون من (لكِنْ) لالتقاء الساكنين كما تحذف حروف اللين لذلك، لأنها مشابهة لها، وتُزاد حيث يَزدن ثانية وثالثة ورابعة، وتُبدَل منها في صَنْعانِيّ وبَهْرانِيّ، وكان حكمه صنْعاويّ (وبهراويّ) فأبدلت النون كما أبدلت الألف من النون في (ضَربْتُ زيدًا)،
و (لَنَسْفَعًا)، وتكون إعرابًا في تضربان، كما يكون أبعاضُ هذه الحروف إعرابًا أعني الحركات.
قوله: الأضْخَما.
قال أبو علي: إنما صارت الحجة في الفتح لأن الثقيلة تصير تدخل فيه للوقف ثم يُطلق الحرفُ للقافية في الوصل مُجراه في الوقف، وإذا كَسَرَ الهمزة لم تصر الثقيلة للوقف، لكن الحرف يصير مثل (قِرْشب)، وما أشبه هذا البناء، وكذلك إذا قال: الضِّخَمَّا لم تكن فيه حُجَّة لأنه يصير مثل خِدَبّ ونحوه مما هو على (فِعَلٍّ).
وقول الآخر:
..................... وقَلَّما... وِصالٌ على طول الصُّدودِ يدومُ
قال أبو علي: (قَلَّ) حكمه أن يليه الاسم لأنه فعل، فإذا أُدخِلت عليه (ما) كَفَّتْهُ وهَيَّأَتْهُ للدخول على الفعل كما تهيءُ (رُبَّ) للدخول على الفعل، فكان حكمه أن يليه (يدوم) دون (وِصال) ولا يجوز أن يرفع (وصال) بـ (يدوم) وقد تأخر عن الاسم، ولكن بـ (يكونُ) ونحوه لأنه لا يصلح أن ترفعه بالابتداء على ما قَدَّره، لأنه موضع فِعل
كما لا يصلح أن يرفع الاسم بعد (هَلا) التي للتحضيض و (إنْ) التي للجزاء، و (إذا) الدالة على الزمان بالابتداء.
فإن قال قائل: كيف جاز دخول (قَلَّ) على الفعل على مذهب سيبويه وهو فعل، والفعل لا يدخل على الفعل ولا معنى له فيه.
قيل له: جاز ذلك لمضارعة هذا الفعل حرف النفي، ويدلك على مضارعته له قولك: قَلَّ رجل يقولُ ذاك إلا زيدٌ، أفلا ترى أن ذلك لولا أنه أجري مجرى الحرف لما جاز هذا فيه، كما لا يجوز (جاءني القوم إلا زيدٌ) على أن تُبْدِلَ زيدًا من القوم، فكما جرى هذا مجرى حرف النفي، فجاز فيه ما أعْلَمتك، كذا جرى في قوله: قلما يدوم وِصال، مجرى الحرف، فدخل على الفعل من حيث دخل الحرف عليه، وقام مقام الحرف هنا، كما قام مقامه حيث ذَكَرْت لك لما بينهما من الشبه في المعنى، لأن أقرب الأشياء إلى النفي التقليل، كما أن أبعد الأشياء منه التكثير.
قوله: أَلَمْ يأتيك والأنباءُ تَنْمي.
قال أبو علي: قَدَّرَ إسكانه عن الضم فلم تحذف الياء لأنه حذف الضمة وأجراه مجرى الصحيح، كما أجْراه الآخر مجرى الصحيح فحَرَّكَه بالكسر تشبيهًا بالحرف الصحيح في قوله: غير ماضِيٍ، وفي الغواني.
قوله: ألا لا أرى اثنين أحْسَنَ شيمةٌ.
قال أبو علي: اثنين معتلة اللام محذوفتها، ولذلك أُلْحِقت ألف الوصل
كما ألحق (اسمُ) ونحوه تشبيهًا بالأفعال المعتلة اللام، لأن الحذف والإعلال حكمهما أن يكونا في الأفعال دون الأسماء، فأما الياء في اثنين فمنقلبة من ألف التثنية وليست بلام الفعل، بل اللام محذوفة وهي ياء، لأنها من ثَنَيْتُ، وحكم ألف الوصل أن تلحق من الأسماء غير المصادر ما كان ناقصًا محذوف اللام مناسبًا للفعل بالحذف.
فأما (امْرُؤٌ) فَلامُه أيضًا حرف إعلال، وقد يحذف مع ذلك إذا خُفِّفَتْ وأُسكن ما قبلها فقيل (مَرْءٌ) تقول في تخفيفه (مَرٌ).
قال: والمفعول الذي لم يَتَعَدَّهُ فعله ولم يَتَعَدَّ إليه فعل فاعل.
قال أبو علي: قوله: لم يتعدَّ إليه فعل فاعل، ليس يريد أن هذا المفعول لم يصل إليه فعل من فاعل على الحقيقة، إنما يريد أن هذه اللفظة التي هي (ضُرِبَ) المسماة فعلا لم يجاوز الاسم المرتفع بها في (ضُرِبَ زيدٌ) إلى مفعول فنصبه، كما جاوز في (أُعطي زيدٌ درهمًا) إلى المفعول الذي هو الدرهم المنصوب.
قال: وقال بعضهم: ذهبْت الشّامَ، شَبَّهه بالمبهم.
قال أبو علي: يتَبَيَّنُ المكان المبهم من المختص بأن يُحَدَّ ويُخَصَّ بحدود تشمله، والحدود للمختصة، فأما المبهمة نحو (خَلْفَ) فلا يمكن تحديدها لأنها ليست مواضع بأعيانها.
قوله:....................... كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ
قال أبو علي: الطريق موضع متميز مثل الدار والمسجد ونحوهما
وكذلك البيتُ، وليس مثل (خَلْف) وما أشْبَهَهُ، لأن المبهمات ينتقلن مع انتقال ذي الظروف، فيجوز أن يكون من البيت والطريق وجميع المواضع المختصة والمبهمة، فبَيَّن أن (خَلْفًا) ونحوه ليس مثل الطريق، والبيت والشام والمختصات.
فأما قول أبي عمر: ليس ذهبت الشام مثل دخلتُ البيت، فليس كما قال، لأن الشام مثل البيت في أنه موضع مختص كما أن البيت مختص ليس بمبهم، بل البيت أقْعَدُ في الاختصاص من الشام إذ لا يحتمل وجهًا غير التخصيص، والشام قد يجوز أن يُحمَلَ على إحدى الجهات الست،
وإن كان سيبويه قد حَمَلَه على الاختصاص وإنما الذي يعتبر في هذا الباب الإبهام والاختصاص، والفعل الذي لا يتعدى نحو (قامَ) يمتنع من التعدي إلى جميع هذه المختصات من الظروف المكانية، كما امتنع من التعدي إلى سائر الأسماء المختصة غير الظروف، وهذه الحروف شواذ، أعني ذَهَبْتُ الشام، ودخلْتُ البيت ونحوهما، فإن حكمهما أن يتعدى الفعل إليهما بحرف جر كما يتعدى إلى سائر الأسماء كذلك، لكن حرف الجر حذف للاتساع، والأصل ذلك، فَدَخلتُ غير متعد، كما أن ذهَبْتُ غير متعد والبيت مختص وقد تُعدِّيَ إليه، والدليل على أن (دَخَلْتُ) غير متعدٍّ أن خلافة غير متعد، وهذه الأشياء مما تعتبر بخلافها [كما تعتبر بأمثالها] وسترى ذلك في حد المصادر والأفعال إن شاء الله.
وأيضًا فإن مصدره على (فُعُول) وهذا هو الباب فيما لا يتعدى وعلى ذلك الجمهور والكثرة، ولو كان متعديًا لكان خليقًا أن يكون على (فَعْل) فإن قال: ما أنكرت أن يكون مثل (كِلْتُكَ وكِلْتُ إليك) ونحو هذا مما يتعدى تارةً بالحرف وتارةً بغير الحرف، قيل له: هذه
الحروف في الجملة قليلة ليست بالكثيرة فالرد إليها والقياس عليها ليس بمستقيم، ويضعف ذلك أيضًا أنك لا تكاد تجد في هذه الحروف التي هي مثل نصحته ونصحت له (فَعَلَ، وأفْعَلْتُهُ) لا تكاد تجد مثل: (أنْصَحْتُهُ) وأنت تقول: دخل وأدخلتُهُ، كما تقول: ذهبَ وأذهبتُه.
فأما جئتك فإنما أصله: جئتُ إليك، فاستُعمل بحذف الحرف كما استعمل (دَخَلْتُ) بحذف الحرف منه، فكل هذا يدل على صحة ما ذهب إليه سيبويه في هذا، ويقوِّي ترك التعدي في هذا أن أمثاله غير مُتعدِّيةٍ نحو: وَلجتُ، وهَجَمْتُ، وغُرْتُ.
قال: ويتعدّى إلى ما كان وقتًا في الأمكنة.
قال أبو علي: الوقت في الأمكنة المعروف القدر لا المعروف العين نحو فَرْسَخٍ وميلٍ ونحوهما.
قال: (كما أن ذلك وقتٌ في الأزمان).
قال أبو علي: يعني ما كان معلومَ المقدار نحو شهر وسنة وما أشبه ذلك.
قال: (فلما صار بمنزلة الوقت في الزمان صار مِثْلَهُ).
قال أبو علي: أي في أنك إذا قلت: ذَهَبْتُ شهرًا كان كقولك: ذهبت فرسخًا في تعدي الفعل إليهما.
قال: (وكذلك ينبغي أن يكون إذْ صار تعدَّى فيما هو أبعد).
قال أبو إسحق وكذلك كان ينبغي أن يكون، يعني تَعَدِّي الفعل إلى المكان الموفت الذي يقع على كل شيء من الأمكنة، إذ كان الفعل يقع على المختص من المكان الذي لا يقع على كل شيء، نحو: ذهبتُ الشام، فإذا تعدى الفعل إلى الشام وهو مختص فهو أجدر أن يتعدى إلى ما ليس مختصًا.