التعليقة على كتاب سيبويههذا بابُ ما يكون فيه أنْ بمنزلة أيْ

هذا بابُ ما يكون فيه أنْ بمنزلة أيْ

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو علي الفارسي
الكتاب
التعليقة على كتاب سيبويه
المؤلف
الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ الأصل، أبو علي (المتوفى: 377هـ)
المحقق
د. عوض بن حمد القوزي (الأستاذ المشارك بكلية الآداب)
الطبعة
الأولى، 1410هـ - 1990م
عدد الأجزاء
6 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال: وأمّا قولُه: كتبْتُ إليه أن افْعَلْ، فيكون على وجهين، على أن تكون التي تنصِبُ الأفعالَ، وصَلْتَها بحرف الأمر والنهي كما تصلُ (الذي) بتَفْعَلُ إذا خاطبْتَ به.
قال أبو علي: الذي حُكْمُه أنْ يُوصَلَ بشيءٍ يَرْجِعُ منه إليه ذِكْرٌ، كما أنّ حُكْمَه أنْ يُوصَلَ بفعلٍ غيرِ أمرٍ، فَلَمّا وقع (أنْ) موقعَ أمرٍ وُصِلَ بالأمر، وإنْ لم يكن كذلك بابُه، كما أنّ (الذي) لَمَّا وَقَعَ في الخِطابِ

وُصِلَ لذلك بما لمْ يَرْجِعْ منه إليه ذكرٌ، نحو ذلك: أمرْتُهُ قُمْ، فقُمْ أمْرٌ، وحُكْمُ (أنْ) أنْ يوصَلَ مِنَ الأفعال بما كان خبرًا نحو: أنْ قُمْتَ وأنْ تقومَ، ولو قال قائلٌ: إنّ (أنْ قمْ) أقبحُ في القياس منْ (أنتَ الذي يفعلُ)، لأنَّ (قمْ) أمرٌ، و (تفْعَلُ) خَبَرٌ، والذي لا يُوصَلُ به شيءٌ موصولٌ، إنّما يُوصَلُ بالخَبَر لَكانَ قولاً.
قال: في قوله عزَّ وجلّ "وآخِرُ دعواهم أنِ الحمدُ لله رب العالمين"، لا تكونُ (أنْ) التي تَنْصِبُ الفعلَ، لأنَّ تلك لا يُبْتَدَأ بعدَها الأسماءُ، ولا تكونُ (أيْ)، لأنّ (أيْ) إنّما تجيءُ بعد كلامٍ يستغني، ولا تكون في موضع المبنيّ على المبتدأ.
قال أبو علي: (أنْ) التي للتفسير بمنزلة (أيْ)، لا تكونُ إلاّ بعدَ كلامٍ تامٍّ كما أنَّ (أيْ) لا يُفَسَّرُ به إلاّ بعدَ كلامٍ مُسْتَغْنٍ، فأنْ في قوله تعالى "وآخِرُ دعواهم أن الحمدُ لله" أنْ لا تكونُ إلاّ التّفسيرُ لأنَّ خبرَ المبتدأ لمْ يَمْضِ.

قال: ومثلُ ذلك قولُ الأعشى: في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ... أي مِثْل "أنْ غَضَبُ اللهِ".

قال: وإنْ شئتَ رفعتَ في قول الشّاعر: كأنْ وريداهُ... على مثل الإضمار الذي في قوله: إنّه مَنْ يَأتِنا نُعْطِهِ، أو يكون هذا المُضْمَرُ هو الذي ذُكِرَ، كما قال: كأنْ ظَبْيَةٌ تَعْطُو إلى وارِقِ السَّلَمْ قال أبو علي: إذا رَفَعَ (وريداهُ) أضْمَر في (أنْ) القِصَّةَ والحديثَ ثُمَّ فَسَّرَهُ بقوله (وَريداهُ رشاءُ خُلْبِ)، لأنه جملةٌ، وهذه الهاءُ تُفَسَّرُ بالجُمَلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ أضْمَرَ في (كأنْ) هذه ضمير القِصَّةِ والحديثِ، لأنَّ ضميرَ القِصَّةِ والحديث، لا يُفَسَّرُ إلا بالجُمَلِ.
وقولُه: (ظَبْيَةٌ تَعطو إلى وارِقِ السّلَمْ)، ليس بجملةٍ، لأنَّ (تَعْطُو)

صِفَةٌ لِظَبْيَة، فكأنّك قلت: ظَبْيةٌ عاطِيةٌ إلى كذا، وهذا لا يكونُ تفسيرًا للْقِصَّةِ والحديث.
قال: ولو أنهم إذْ حذَفوا جَعَلوه بمنزلةِ (إنّما) كما جَعَلوا (إنْ) بمنزلةِ (لكنْ) لكانَ وجهًا.
قال أبو علي: يقول: ولو أنهم إذْ حذَفوا (كانْ) لم يعمِلوه كما لم يُعْمِلوا (إنّما) لكانَ وجهًا، كما أنّهم لم يُعْمِلوا (لما) و (لكنْ) إذا خَفَّفوه، فقُلْتَ: "إنْ كُلُّ نفسٍ لَما عليها حافِظ" كما قلت: "لكن الرّاسخون في العلم" لكان قويا.
قال: وأمّا قولُه "أنْ بسم الله" فإنّما يكون على الإضمار.
قال أبو علي: لا يجوز أن يكون (بسمِ الله) كقولك: كأن وَريداهُ لأنَّ (وريداهُ رِشاءُ خُلْب) مُبتدأ وخبرٌ، وليس (بسم الله) كذلك فلا يكون هُنا إلاّ مُضْمرًا فيها، والإضمارُ الذي فيها يكون القِصَّةُ

والحديثُ، كأنّك قلت: إنّه لأنّ (بسمِ الله) معناه معنى جملةٍ، كأنّك قلت: أبتدِئُ بسم الله.
...

جارٍ التحميل