هذا بابُ عِلْمٍ ما الكَلِمُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو علي الفارسي
- الكتاب
- التعليقة على كتاب سيبويه
- المؤلف
- الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ الأصل، أبو علي (المتوفى: 377هـ)
- المحقق
- د. عوض بن حمد القوزي (الأستاذ المشارك بكلية الآداب)
- الطبعة
- الأولى، 1410هـ - 1990م
- عدد الأجزاء
- 6 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال أبو علي رحمه الله: قلتُ: قالوا: الذي عليه وُضِعَ الكتابُ التنوينُ في علمٍ، وأن (ما) استفهامية، والكَلِمُ مبتدأ وخبره (ما) والجملة في موضع نصب على تقدير هذا باب أنْ تعلمَ ما الكَلِمُ، ففاعلُ علمٍ المخاطَبُ.
والعلم في باب التَّعدّي على ضَرْبَيْن:
ضرب يتعدّى إلى مفعولين يكون المفعول الأول فيه هو الثاني في المعنى أو يكون له فيه ذِكْرٌ كشرط خبر المبتدأ.
وضَرْبٌ آخر يكون بمعنى العِرْفان، فلا يجاوز مفعولا، كما لا يجاوز عَرَفْتُ مفعولاً، فإذا قدّر (ما) استفهامًا كان قوله (عِلْم) هو الذي يتعدى إلى مفعولين، ولا يجوز أن يكون الّذي بمعنى عَرَفْتُ، لأن
الاستفهام إنما يقع في موضع مفعول الفعل الذي يجوز أن يلغَى نحو: ظَنَنْتُ، وعلمْتُ، وبابُه، لأن الإلغاء فيه أعظم من وقوع الاستفهام في موضع مفعوله، لأنها إذا أُلغيت لم تعمل في لفظٍ ولا موضع، وإذا وَقَعَ الاستفهام في موضع مفعوله عَمِلَ في موضع الجملة بأَسْرِها، فَعِلْمُ في موضع (أنْ تعلمَ) و (ما الكَلِمُ) التي هي جملة استفهام في موضع المفعول الأول، وقد سَدَّ مَسَدَّ المفعول الثاني كما سَدَّ خبرُ (أنّ) في قولك: عَلِمْتُ أنّ زيدًا منطلقٌ، وأما تقديرُك قوله (عِلْم) في معنى (أنْ تعلمَ) وإن لم يُضَفْ إلى ضمير المخاطب، فجائز أن تقدره فعلا للمُخاطَب والغائب إن لم تُضِفْهُ إلى ضمير واحد منهما كقوله عز وجل (أوْ إطْعامٌ في يومٍ ذي مسغبةٍ يتيمًا ذا مقربةٍ)، وكقوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا)، والتقدير لو أن لهم شيئا، وأن يرزق شيئا فهذان عَمِلا في مفعوليهما وإن لم يُضافا إلى ضمير فاعليهما في اللفظ، ومثل ذلك ما أنشد سيبويه:
فَلَوْلا رجاءُ النَّصْر منك ورهبةٌ... عِتابَك قد صاروا لنا كالمواردِ ومثله: فلم أنْكلْ عن الضّرْبِ مِسْمَعا
تقديره: أن رهبتُ عقابَك، وعن أن ضَرَبْتُ مِسْمَعًا.
فنُصِب بهما مفعولاهما، وإن لم يُضافا إلى ضمير مَن هما له، فكذلك (عِلْم) مقدّر بـ (أنْ تعلمَ)، وإن لم يضف إلى ضمير المخاطب كهذه الأشياء التي ذكرناها، وهو الذي عليه المعنى، كأنّه جواب سائلٍ سأل: ما الكَلِمُ؟ فقال: هذا بابُ أنْ تعلمَ ما الكَلِمُ، وهو على هذا قوله في سائر الكتاب، اعْلَمْ أن كذا وكذا، فإن قلت: فهل يجوز أن يذهبَ بالمصدر الذي هو (عِلْمٌ) مذهب ما لم يُسَمَّ فاعله؟ فالجواب: أنك إن جعلت (ما) استفهامًا لم يَجُزْ أن تذهب به هذا المذهب، لأنّك إن قَدَّرْتَهُ بالفعل كان هذا باب أن يُعْلَمَ ما الكَلِمُ فتقوم الجملة مقام اسم الفاعل المبني للمفعول، والجُمَل لا تقوم مقامه، كما لا تقوم مقام الفاعلين لأن الفاعل يُكْنَى عنه، ويثنَّى ويجمع، ويُضمر في الفعل، فيُذكر إعراب الفعل بعده، وكل هذا مُمتنِع في الجملة، غير جائز فيها وأيضًا فإن الجُمل أحاديث، وإنما يقام مقام الفاعلين، مُحَدِّث عنهم لا أحاديث، فكما لا يجوز (عُلِمَ ضَرَبَ زيدٌ) ولا (عُلم أين زيدٌ) ولا (ظُنَّ كيف زيدٌ) على أن تقيم الجملة مقام اسم الفاعل كذلك لا يجوز
أن يُقام (ما الكَلِمُ) مقام فاعل الفعل المبني للمفعول، ويدُلُّك على امتناع هذا أن الجملة التي من الفعل والفاعل هي مثل الجملة التي من المبتدأ والخبر في أن كل واحد من الاسمين مُحَدَّث عنه، فكما لا يكون المبتدأ المحدَّثُ عنه إلا مفردًا، ولا تقع موقعه الجملة كذلك لا يكون الفاعل جملة، بل هو في الفاعل أشدّ امتناعًا لشدة اتصاله بالفعل، وما يَلزم من إضْماره فيه، وليس ذلك في المبتدأ.
فإن قلت: أُضمِر المصدر في قوله: أن يُعلَمَ، لتصير الجملة التي هي قوله (ما الكَلِمُ) في موضع نصب، ويكون إضْماري للمصدر كقراءة من قرأ (وكذلك نُجِّيَ المؤمنين) يريد نُجِّيَ النَّجاءُ المؤمنين، فإن ذلك أيضًا غير جائز، لأن المفعول المنتصبَ حكمه أن يكون المرتفع في المعنى المُقام مقام الفاعل وليس قولُك: (ما العِلْمُ)؟ ولا له فيه ذِكْرٌ فلا يجوز على هذا الوجه أيضًا ولو حذفت التنوين من (عِلْم) وأضفته إلى ما كان حكمه أن يكون بمعنى الَّذي، كأنك قلت (عِلْمُ الذي هو الكَلِمُ) ولو جعلته استفهامًا لم يَجُزْ أن تضيف (عِلْم) إليه، لأن الجُمل لا تكون في موضع جر بإضافة الأسماء إليها إلا ما جاء من إضافة الظروف الزمانية إلى الجمل، وهذا شيء مقصور عليها، ولا تجوز الإضافة في غيرها من الأسماء إلى الجُمل، فإن أضفت (عِلْم) إلى ما كان بمعنى الذي، واحتَمَلَ أن يكون (عِلْم) المتعدي إلى مفعول، واحتمل أن يكون المتعدِّي إلى
مفعولين، فإن جعلته المتعدي إلى مفعولين وقدَّرت المصدر بـ (أنْ تَعْلمَ) كان (ما الكَلِمُ) في موضع المفعول الأول، وإن كان مجرورًا في اللفظ كقولك: أعجبَني بناء هذه الدَّارِ، فهو في المعنى مفعول وإن كان في اللفظ مجرورًا، فكذلك يكون (ما الكَلِمُ) وتضمر مفعولاً ثانيًا، وإن قدرته بـ (أن يُعْلَمَ) كان (ما الكَلِمُ) في المعنى مرفوعًا وإن كان في اللفظ مجرورًا، كقولك: أعجبني ركوبُ زيدٍ الفَرَسَ، وتضمر مفعولا ثانيًا؛ وإن جعلت العِلْمَ الذي يتعدي إلى مفعول واحد، وأضفتَ ثم قَدَّرْتَهُ بـ (أن تَعْلَمَ) أو (أنْ يُعْلَمَ) لم يُحْتَجْ إلى إضمار مفعول، ويكون (ما الكَلِمُ) في موضع اسم منصوب إن قدرته بـ (أنْ تَعْلَمَ) أو مرفوع إن قدرته (أنْ يُعْلَمَ) وإن كان مجرورًا في اللفظ.
و (ما تكون على ضَرْبَيْن):
تكون اسمًا، وتكون حرفًا، ويُتَصَرَّفُ في كل نوع منهما على
عدة وجوه، وأنا أذكر مُتَصَرّفَها في كل نوع، وأجمعه إذ كان غير مجتمع في الكتاب.
الضَّرْبُ الأوّل: وهو الذي تكون (ما) فيه اسمًا وهو أربعة أوجه:
الأول: أن تكون بمعنى الذي فتَلْزَمُها الصلة كما تلزم الّذي، وتكون بمعنى اسم مَنكورٍ، كقوله عز وجل: (بئسَ ما اشتروا به أنفسَهم) التقدير: بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم، فقوله: اشتروا صفة لـ (ما) وليس بصلة، والديل على ذلك أن نِعْمَ وبئْسَ لا يعملان في الأسماء المخصوصة نحو زيد وعمرو وإنما يعملان في الأسماء الدالة على الأنواع و (ما) إذا وُصلت اختصت فصارت بمنزلة الذي فلم تعمل فيها
نِعْمَ وبئْسَ، وتكون بمعنى الاستفهام ولا صلة لها على هذا المعنى، ولو كانت موصولة في الاستفهام لما كان قولك: ما عندَك؟ وما زيدٌ؟ كلامًا تامًا.
وتكون بمعنى المجازاة ولا صلة أيضًا فيها، ولو كان ما بعدها صلة لم يعمل فيه الجزم، كما لا يعمل الذي في صلته ولا سائر الموصولات في صلته.
الضرب الثاني: وهو الذي تكون (ما) فيه حرفًا غير (أنها) تكون (ما) وما بعدها في تأويل المصدر نحو: يُعْجِبُني ما صَنَعْتَ أي صَنيعُك، وقد تكون وهي مصدر بمعنى ظرف زمان، كقولك: لا أكلمك ما اختلف الليلُ والنهارُ، فـ (ما) مع ما بعدها في تأويل المصدر، والمعنى:
لا أكلمك اختلاف الليل والنهار أي زمن اختلاف الليل والنهار، فحذف زمن المضاف إلى المصدر، وأُقيم المضاف إليه مُقامَه، فصار كقولك:
رَأيْتُك مَقْدَمَ الحاجّ وخُفوق النجم، أي زمن مقدم الحاج.
وتكون كافّةً للعامل عن عمله نحو التي في قوله تعالى: (أنّما إلهكم إلهٌ واحدٌ) و (رُبما يودُّ الذين كفروا)، وكالتي في قول الشاعر:
................. بعدَ ما أفْنان رأسِك كالثَّغام المُخْلِسِ
فـ (ما) قد كفت (أنْ) و (رُبَّ) و (بَعْدَ) عن عملها وتكون نافية كقولك: ما زيدٌ منطلقًا.
وتكون مزيدة للتأكيد كقولك تعالى: (مِمّا خطِيئاتهم) وقد عوّضَتْ من الفعل في قولهم: (أمّا أنت منطلقًا انطلقْتُ معك) وعوّضت منه أيضًا في: (أمّا هذا بابُ عِلْمؤ ما الكَلِمُ) على أن تكون (عِلْم) بمعنى (أنْ تَعْلَمَ) و (ما) استفهام والكلم مبتدأ خبره (ما) والجملة في موضع نصب وتكون (عَلِمْت) المُتعدِّي إلى مفعولين، لأن (علمْت) التي في معنى عرفت لا تعلق.
ويجوز أن تُنَوِّن (عِلْمًا) ولا تكون (ما) استفهامًا، ولكن تكون بمعنى (الذي)، كأنك قلت: هذا بابُ أنْ تَعْلَمَ الذي هو الكلمُ فحذفت هو من الصلة كما تحذف سائر المبتدآت في غير هذا الموضع إذا بقيت أخبارُها، إلا أن حذفه في هذا الموضع كأنه أضعف بخلو الصلة مما يرجع منها إلى الموصول في اللفظ وإن كان في المعنى مرادًا، واستحسن الخليل حذفَ الراجع إلى الموصول إذا طالت الصلة، وحُكي: (ما أنا بالذي قائلٌ لك سوءًا).
ونظير هذا الحذف قراءة من قرأ: (تَمامًا على الذي أحْسَنُ)، و (مثلاً ما بعوضةٌ) أي هو أحسن، وهو بعوضة، فإذا جعلته بمعنى
الذي، أضمرت مفعولا ثانيًا قَدَّرته بـ (أنْ تَعْلَمَ) أو بـ (أن يُعْلَمَ).
ويجوز (هذا بابُ عِلْمٍ) بالتنوين، ونصب الكَلِم، على أن تجعل (ما) الزائدة كالتي في قوله تعالى: (فَبِما نقضِهم ميثاقَهم) ويكون التقدير (هذا باب أن تعلمَ الكَلِمَ).
ويجوز (هذا بابُ عِلْمٍ ما الكَلِم) على أن تجعل (ما) زائدة وتنوي بـ (عِلْم) ما لم يسم فاعله، كأنك قلت: هذا بابُ عِلْم الكلمِ كقولك: عَجِبْتُ مِن ضَرْبِ زيدٍ.
ويجوز (هذا باب عِلْم ما الكَلِم) على أن تجعل (ما) زائدة كأنك قلت: (هذا باب علم الْكَلِمِ).
ويجوز (هذا باب علم ما الكلم) على أن تجعل (ما) بمنزلة الذي، وتضيف (عِلْمًا) إليه.
قال سيبويه: فالاسمُ نحو رجُلٍ وفَرَسٍ.
قال أبو علي: الاسم المطلق ما دل على معنى وجاز الإخبار عنه
كالنكرات التي هي أسماء الأنواع وما اشتُق منها من الصفات، كضارِبٍ وحَسَنٍ ونُقِلَ فَعُلِّقَ على شخص بعينه مثل أَسَدٍ وزيدٍ إذا سميت بهما شخصًا بعينه، فهذه الأسماء تدل على معان ويجوز الإخبار عنها وهي الأسماء المطلقة التي لا يقال فيها: اسم مشابه لحرف، ومما يبينها أن تقول فيها: هي التي يَعْتَقِبُ عليها التعريف بعد التنكير، فلا تكون معرفة أبدًا، ولا نكرة أبدًا كالمُشابِهة للحروف التي لا تتعرف نَكِراتها، ولا تتنكر مَعرفاتُها، وما كان من الأسماء لا يجوز أن يخبر عنها مع دِلالتها على معنى، فلِمُشابَهتِها الحروف نحو (إذْ) و (أين)، وما أشبه ذلك
وهي الأسماء المشابهة للحروف المقيدة بذلك، وإنما حكمنا لها بأنها أسماء مع امتناعها من أن يخبر عنها أنها اختصت بخاصة لا تكون إلا للأسماء كإذ التي اختصت بالإضافة، وأين التي تتمِّمُ مع اسم آخر كلامًا.
وهذا من خواص الأسماء دون الحروف، ولها خواص أُخَر غير هذه.
وأما الفعل فما دَلَّ على معنى وزمانٍ، وقد رسمه بذلك فلم يقتصر فيه على المثال كما اقتصر عليه في الاسم.
وأما الحرف فما دل على معنى ولم يَجُز الإخبار عنه ولا أن يكون خبرًا.
قال سيبويه: وإنما ذَكَرْتُ لك ثمانية مَجارٍ.
قال أبو إسحاق:
يصح قوله: وبين ما يُبنى، على أن يكون أراد آخر ما يُبنى، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فيقع على هذا التأويل معادلة حرف بحرف.
قال أبو علي: الاسم المُتَمَكّنُ ما لم يشابه الحروف، وكان من الأسماء النكرات الواقعة على الأنواع الذي تعْتَقِبُه التعريف بعد التنكير.
قال سيبويه: لأن المجرور داخل في المضاف إليه.
قال أبو علي: الأفعال التي في أوائلها الزوائد الأربع تشابه الأسماء من غير جهة:
إحداها: أنها إذا سُمِعَتْ عمت بالدلالة غير وقت، كما أن رجلا
يَعُمُّ بالدلالة غير شخص، فإذا قيل: سَيَضْرِبُ، أو سوف يَضْرِبُ خصت وقتًا بعينه، كما أنه إذا قيل: الرَّجُلُ، أو الضرب خص شخصًا أو حدثًا بعينهما فارتفع العموم عنه بدخول الحرف فيه كما ارتفع بذلك عن الاسم، فهذه جهة من مشابهتها للأسماء.
وجهة أخرى شابهت بها الأسماء، وهي دخول اللام عليها إذا وقعت خبرًا لـ (إنّ) في نحو (إنّ زيدًا لَيَضْرِبُ) وحكم هذه اللام أن تدخل على الأسماء المبتدأة دون الأفعال، نحو (لَزيدٌ منطلقٌ) (وللدّارُ الآخرةُ خيرٌ)، وكان حكمها أن تدخل في باب (إنَّ) قبل (إنَّ) لتقع صدرًا.
كما أنها في غير (إنّ) كذلك، ولكن لما كانت بمعنى (إن) في التأكيد وتَلَقّي القَسَم لم يجتمعا فأخرتها إلى الخبر ليقع الفصل بذلك بينهما وإذا وقع الفصل بينهما بغير إدخالها على الخبر جاز دخولها على الاسم المُخْبَر عنه الذي يكون مبتدأ، لأن المُتَجَنَّبَ من ذلك اجتماعهما إذ كانا جميعًا بمعنى واحد، فكما لا يجتمع حرفان بمعنى واحد، كذلك لم يجتمعا، فعلى هذا قول الله عز وجل: (وإنَّ لنا للآخرةَ والأولى)، و (إنَّ لنا لأجرًا)، لمّا وقع الفصل بينهما كما يقع بينهما إذا أُدخلت على الخبر جاز دخولها على الاسم، ولولا أن النية باللام أن تكون قبل (إنَّ) لم تعمل (إنَّ) في (أجْرًا) كما أنه لو لم تكن النية بها تعمل في (طَعامِكَ) من قولك: إنَّ زيدًا طَعامَكَ لآكِلٌ، وهذه اللام التي هي لام الابتداء تختص بالدخول على الأسماء وما قَرُبَ شبهه منها دون ما لم يقرب منها، والدليل على ذلك أنها تختص بالدخول على الاسم المبتدأ وما قرب منه، وأن النية بها إذا وقعت في الخبر أول الكلام تعليقه الفعل قبل (إنَّ) كتعليقه إياه قبل المبتدأ، وذلك في مثل (قَدْ عَلِمْتُ إنَّ زيدًا لَمُنطلقٌ) كما تقول: عَلِمْتُ لَعَمرٌو منطلقٌ، كما علّق الفعل الذي يُلغى إذا دخل على المبتدأ، كذلك عَلَّقه إذا دخل في خبر (إنَّ) أو اسمها إذا فصل بينهما بظرفٍ فهذا يدل على أن هذه اللام هي التي دخلت على الاسم المبتدأ وأنها إنما دخلت على الأفعال لمشابهتها للأسماء، ودخلت على الخبر من حيث كانت تدخل على المبتدأ، إذ كان يؤُول في المعنى إلى أنه هُوَ هُوَ أو للمبتدأ فيه ذكر، وإذا كان له فيه ذكر فهو بمنزلته إذا كان إياه في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: (زيدٌ أبوه منطلقٌ)، فَسُئِلت، من أبوه منطلق؟ فقلت: زيد، كما أنك إذا قلت: منطلق، فقيل لك: مَن منطلقٌ؟ قلت: زيد، فإن قلت: فقد تدخل هذه اللام على الماضي، كما دخلت على المضارع، فما الذي جعل
المضارع بدخولها عليه... (فَشُبِّهَ) هذا النوع الذي يدل على وقتين في أول أحواله بالاسم فأُعرب كذلك؟ شُبِّهَ بهذه الأفعال من الأسماء ما صَلُح لوقتين نحو (ضاربٌ، وعامِلٌ) فأُعمل عمله فإذا اختُصَّ بوقت لم يعمل كما أن الفعل إذا اختُصَّ وخَلا من حروف المضارعة لم يعرب.
قال: سيبويه: ولم يُسَكِّنوها كما لم يُسَكِّنوا من الأسماء.
قال أبو علي: يقول: لم يُسَكِّنوا الأفعال الماضية لما شابهت ما شابه الاسم، كما لم يُسَكَّن من الأسماء في حال البناء ما تمكَّن في موضع فأُعرب فيه، نحو (مِنْ عَلُ)، لما أعرب في قولهم: (مِنْ عَلٍ)
ثم بُني، حُرِّك في البناء ولم يُسَكَّنْ وإن لم يكن قبله ساكن لئلا يكون كإذْ التي لم تتمكن في موضع، فكذلك الفعل الماضي حُرِّك ولم يُسَكَّن، إذ وجد فيه مشابهة الفعل للاسم، وهو وصفك به النكرة في نحو قوله تعالى: (وهذا كتابٌ أنزلناه مباركٌ)، ووقوعه موقع المشابهة للاسم في الجزاء، لئلا يكون كفعل الأمر الذي لم يشابه الاسم من جِهةٍ ألْبَتَّة.
ومثل قولهم: (مِنْ عَلُ) قولهم: يا حَكَمُ، حُرِّك في حال البناء ولم يسكَّن، لجَرْيه متمكنًا في غير هذا الموضع كجري (عَلٌ) متمكنًا في قولك: مِنْ عَلٍ.
قال: سيبويه: بُعْدَ، كَمْ، وإذْ، مِنَ المُتَمَكِّنَةِ.
قال أبو علي: بُعْدَ "كَمْ" من الأسماء المتمكنة، إذ معنى حرف الاستفهام قائم فيه، وأنه لم يتمكن في موضع كما تمكن (عَلٌ) في قولهم
مِنْ عَلُ، فلما لم يتمكن لم يحرَّك بحركة في حال البناء، كما لم يحرَّك فيه فعل الأمر لما لم يُشْبِه الاسم ولا أشبه ما يشبهه.
وبُعد (إذْ) من المتمكنة أنها لا تكون إلا مضافة، أو لازمًا لها ما يكون عِوضًا من المضاف إليه كقولك: جِئْتُكَ إذْ زيدٌ منطلقٌ، وجئتك إذْ قام زيدٌ، وكان هذا يومئذٍ، فعوَّض من الجملة التي أضَفْتَها إليها فيما تقدم التنوين، فمشابهته الحرف قائمة، لأنه كبعض حروف الاسم إذ لا يتم إلا بما يضاف إليه، وإنما تحذف الجملة التي تضاف إليها، إذا دل الكلام عليها مع الحذف كقوله:
نَهيْتُك عن طِلابِك أمَّ عمرو... بعاقِبَةٍ وأنتَ إذٍ صحيحُ
أي وأنت إذ نهيتك عن طِلابها صحيحٌ.
قال: مُنذُ، فِيمَنْ جَرَّ بها.
قال أبو علي: منذ، مَنْ جَرَّ بها فهي من الجملة التي قبلها كما أن الباء في قولك: مررت بزيدٍ من الجملة التي هي مَرَرْتُ، ومتعلِّق بها، فأما إذا رُفع الاسم بعدها في نحو: لمْ أرَهُ منذ عامان، فالكلام من جملتين، (لم أرَهُ) جملة، و (منذُ عامان) جملة أخرى، فكأنه لما قال: لم أره، قيل: ما أَمَدُ ذلك؟ فقال: منذ يومان، والمعنى أمَدُه يومان، أو وقته يومان، فموضع منذ على هذا رَفعٌ بالابتداء، وأما إذا جررت بها فقلت: لم أرَهُ منذ يومين، فموضعه نَصْبٌ، كما أن موضع (بِزَيْدٍ) في قولك
(مَرَرْتُ بزيدٍ) نصب، فكل من (مُذْ ومُنْذُ) لابتداء الغاية إلا أن (مُذْ) تختص بابتداء عامّةِ الأزمنة دون الأمكنة وغيرها من الأسماء، فأما قوله:
أقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ ومن دَهْرٍ
فكان أبو إسحاق يقول: المعنى مُذْ مَرَّ حجج، فحذف المضاف فلم يدخل مذ على الزمان، وأما قوله عز وجل: (أُسِّسَ على التقوى من أول يوم) فيكون على مذ ابتداء أول يوم، أو مُذْ تأسيس أول يوم.
قال: اعْلَمْ أنك إذا ثَنَّيْتَ الواحد لَحِقَتْهُ زائدتان، الأولى منهما
حرف المدّ واللين.
قال أبو علي: معنى اللّين في هذه الحروف أنها ليست شديدة الاعتماد على مواضعها، فيمتنع لذلك جَرْيُ الصوت معهما وامتداده كما يمتنع في سائر الحروف، وإذا أضافه إلى الإعراب وجب أن يكون فيه إعراب، لأنه لو لم يكن يَلْزَم أن يكون فيه إعراب لم يُضِفْهُ إلى الإعراب، ألا تراه قال في أول الباب: (فالرفع والنصب والجر والجزم لحروف الإعراب، وحروف الإعراب للأسماء المتمكنة والأفعال المضارعة) فلو كان لغير المعرب عنده حرف إعراب لما كان في قوله: الرفع والنصب لحروف الإعراب إذا كانت حروف الإعراب عنده تكون في المُعْرَب والمبني تخصيص ولا تخليصٌ لما يستحق الرفع والنصب، لأنه قال: الرفع والنصب لحروف الإعراب، وحروف الإعراب في المبني مثله في المعرب، وكأنه قال: حروف الإعراب للمعرب والمبني، وهذا خِلاف قصده وغرضه فهذا يدل على أن المبني لا حرف إعراب فيه، وقد وقفْتُ بعض أصحابنا على ذلك وأَريْتُهُ، وذلك قوله في هذا الباب: (وأَلزموا لام فَعَلَ السكون، وبَنَوْهُ على هذه العلامة وحذفوا الحركة لما زادوا، لأنها في الواحد ليس آخرها حرف إعراب لِما ذكرتُ لك)، فقد نص هنا على أن المبني ليس آخره بحرف
إعراب، وإذا لم يكن في المبني عنده حرف إعراب، وإنما حرف الإعراب في المعرب، والتثنية معربة ليست بمبنية وكذلك الجمع، وجب أن يكون فيه حرف إعراب، وإذا كان فيه حرف إعراب، فواجب أن يكون إعرابٌ عنده، لأنه لو لم يكن فيه إعراب لم يكن يضيفه إلى الإعراب، والإعراب الذي فيه، كونه تَصْويره وانقلابُه عن تلك الصورة إلى غيرها لاختلاف الإعراب باختلاف العامل، فمن حيث كان معربًا وجب أن يكون له حرف إعراب، ومن حيث كان له حرف إعراب وجب أن يكون فيه إعراب، فلو لم يكن فيه إعرابٌ لم يقل إنه حرف إعراب، كما لم يقل في ضَرَبَ إن فيه حرف إعراب، بل قد نص على أنه لا حرف إعراب فيه، وهذا خلاف ما كان أبو بكر رحمه الله يذهب إليه.
وردَّ الأخفش أنه لو كان حرف إعراب لكان فيه إعراب صحيح
لأنه إذا كان حرف إعراب وجب أن يكون فيه إعراب عند سيبويه ونحن نقول: إنه حرف إعراب وفيه إعراب على مذهب سيبويه والإعراب فيه ما ذكرناه تمامًا.
قوله: إنه ليس بحرف إعراب فليس بصحيح، لأن الدّلالة على أنها حروف إعراب قائمة، وأنها نهاية الاسم ومُنْقَضاهُ وما يتم به، فهو في ذلك كالتاء في طلْحَةَ، والياء في تميميّ، ونحو ذلك، ألا ترى أن حرف الإعراب في هذين قبل لَحاق التاء والياء بهما كان لام الفعل أو ما يقوم مقام لامِه من جَرْي الإعراب واعتقابه فلما ألحق هذان الحرفان صارا حَرْفَيْ الإعراب فكما صارت هذه حروف الإعراب عند الجميع كذلك يجب أن تكون هذه الحروف الليّنة حروف إعراب، فإن لم تكن هذه حروف إعرابٍ لزم ألا يكون ما ذكرناه أيضًا من التاء وحرفي الإضافة حروف إعراب، والمعنيّ بحروف الإعراب هو نهاية الكَلِم المعربة سواء كان ذلك زائدًا أم أصليًا بعد أن يكون الحرف بحذفها لا يدل على ما يدل عليه بإثباته فيها ولو كانت هذه الحروف دِلالة إعراب لأواخر الأسماء ونهايات لها للزِم ألا تختل بحذفها دِلالة الأسماء على ما كانت تدل عليه من التثنية والجمع، كما أن الإعراب وأدلته كذلك قلما كان حذفها من الكلمة تزول به دِلالة
تبيين الاسم على ما كان يدل عليه من التثنية والجمع، كما تزول بحذف التاء وحذف حرف الإضافة دلالة التأنيث والتثنية علِمنا أنها حروف إعراب كما أن هذه حروف إعراب لمشاركتهن له فيما ذكرناه والدليل على أن الواو في (أخُوكَ) وبابه حرف الإعراب الذي هو اللام وليس بعلامة والإعراب ولا دلالته قولهم: امْرُؤٌ وابْنُمٌ فأَتبعوا ما قبل حرف الإعراب، فكما أن الهمزة في امرئ والميم في ابْنُمٍ حرف إعراب ليس بدلالة إعراب كذلك حرف اللّين في أخيك ونحوه حرف إعراب.
فإن قال (قائل): إن الهمزة الثانية في كل أحوال الاسم غير منقلبة إلى حرف آخر، وليس الحرف في أخيك ونحوه كذلك لأنها تنقلب فلا يلزم على هذا أن تكون الهمزة مثل حرف اللين، قيل له: حرف اللين في (أخيك) وبابِه مثل الهمزة في أنّه حرف إعراب، وإنما انقلبت
في (أخيك) ونحوه، وثبتت الهمزة على حالة واحدة، والميم في (ابنمٍ) لوجوب سكون الحرف في (أخيك) وبابه في القياس المطرد وذلك أنه كان يجب أن تكون متحركة بالحركة التي يستحقها الإعراب وما قبلها أيضًا متحرك، وحرف اللين إذا كان كذلك انقلب ولم يثبت وسَكَنَ ولم يتحرك، فإذا سكن لِما ذكرنا مما أوجب له السكون، وجب أن يتْبَعَ ما قبله من الحركة كاتباع سائر حروف العلة المسكَّنَةِ لِما قبلها من الحركة نحو (ميزان وميقات) فحرف اللين في (أخيك) لام مثل الميم في (ابنمٍ) انقلبت لما ذكرنا، وليس لمن دَفَع أن يكون ذلك حرف إعراب حجّة إلا الإنكار بلا برهان، إذ قد وجدنا (امرأ) و (ابْنمًا) فيهما حرفا الإعراب ثابتان ولم يجُزْ الثبات في أخيك ونحوه، وغير الانقلاب القياس المطرد، فقد صح وجود حرف الإعراب منقلبًا غير التثنية، والجمع يدل أيضًا على أن ذلك حرف الإعراب وليس بعلامة للإعراب دون أن يكون حرفه، قولهم: (فوكَ وذو مالٍ) ألا ترى أن (ذو) لا يخلو من أن يكون الحرف فيه كما قالوا للإعراب أو حرف إعراب كما يقول سيبويه، فلا يجوز أن يكون علامة الإعراب دون أن يكون حرفه، لأنه يلزم من ذلك أن يكون الحرف يبقى على حرف واحد وذلك غير موجود في شيء من كلامهم.
فإن قال: وليس في كلامهم اسم على حرفين أحدهما حرف لين فليس أحد من الفريقين أسْعَدَ بهذه الحُجَّة، قيل له العلة التي لها لم يَجُز أن يكون الاسم على حرفين أحدهما حرف ابن زائلة هنا وهي بقاء الاسم على حرف
واحد لسقوط حرف اللين من أجل انقلابه ولَحاق التنوين له، ألا ترى أن ذلك مأمون هنا من أجل الإضافة، فإذا أفردوا قالوا: فَمٌ فأبدلوا الميمَ من الواو.
ومن كان عنده أن حرف اللين في أخيك للإعراب وليس بحرف إعراب يلزمه أن يكون الحرف في (ذُو) أيضًا للإعراب دون أن يكون حرف الإعراب، فإذا كان كذلك فقد جُعِل الاسم على حرف واحد، وذلك فاسدٌ عند الجميع، لأنه إذا لم يَجُزْ أن يكون اسمٌ على حرفين أحدهما حرف لين، فإنه لا يجوز أن يكون على حرف واحد أقلُّ إذ العلة التي لم يَجُزْ أن يكون على حرفين أحدهما حرف لين مصيره إلى حرف واحد، وقد أجمع الجميع على أنه إذا رَخَّمَ (شِيَة) على من قال: (يا حارِ) رُدَّ
الفاء، فقد تبين بذلك أن الحرف في (فُوكَ) حرف إعراب، فإذا كان حرف إعراب كان في (أخيك) أيضًا مثله، فأما ما استجازوا من (مُِ) الله فقد ذكر في موضعه وأنه لا يكون محذوفًا من (أيْمُنُ اللهِ) والدليل على أنه لا يجوز عندهم في المتمكِّنة أن تبقى على حرف واحد، ويصير إلى ذلك إبدالهم الميم من الواو التي هي عَيْنٌ في (فُوكَ) في الإفراد، فإذا لم يكن في كلامهم شيء على حرفين أحدهما حرف لين لما يَلْزَم من أن يصير على حرف واحد لكان كونه على حرفين أحدهما حرف لينٍ أجدر لأن حرف اللين الذي كان يلزم سقوطه لالتقاء الساكنين كان يكون مَنْوِيًّا، وهم يُعْمِلونَ المَنْوِيَّ في كلامهم الذي هو غير ملفوظ به ويعْتدُّون به كنَوٍ وكَقَضَوَ، فإذا لم يستجيزوا ذلك مما يجوز أن يُنوَى معه حرف، فأن لم يستجيزوا فيما لا يُنْوَى معه شيء أجدر وأولى وهذا بَيِّنٌ.
قال سيبويه: غير متحرِّك ولا منوَّنٍ.
قال أبو علي: يريد: ليس بمتحرك في النيَّة، كما أن حرف الإعراب
في (رَحا) و (عَصا) في موضع حركة هذا، وفيه الفائدة لأنه معلوم أن هذه الحروف ليست بمتحركة ولا منونة في اللفظ كما ينون (رَحًا وعَصًا) ونحوه، لأن التثنية لو نُوِّنَ على ذلك الحد لصارت صورته صورة الواحد، فكان أن لا يكون لَحاق التنوين له على حد (رَحًا وعَصًا) أبلغ وأحكم.
قال سيبويه: يكون في الرفع ألِفًا ولم يكن واوًا.
قال أبو علي: إنما قال: ولم يكون واوًا لأن رفع الواحد بالضم هو الأصل، فكأن قائلا قال: فهلا كان التثنية في الرفع بالواو كما كان في الواحد بالضّمِّ؟ فقال: كان بالألف ولم يكن بالواو ليفصل بين التثنية والجمع الذي على حد التثنية، وذلك أنه لو قيل: زَيْدونَ في التثنية والجمع، لالْتَبَسَ التثنية بالجمع.
فإن قال قائل: فكان يُضمُّ ما قبل الواو في الجمع، ويُفتح ما قبلها
في التثنية، قيل له: لم يَجُز هذا من غير جهة: منها أن الذي فعل من هذه القسمة آكَدُ في الفصل وأبلغ، لأنه إذا كان الفصل بحرف كان أبلغ من أن يكون بحركة.
وأيضًا فلو جُعل الفصل بينهما بانفتاح ما قبل الواو في التثنية وانضمام ما قبل الواو في الجميع لأدى ذلك في بعض المواضع إلى التباس التثنية بالجمع وذلك فيما كان آخره ألِفًا، ألا ترى أن ذلك يستوي فيه التثنية والجمع ولو كانا بالواو، وفي أن ينفتح ما قبلها في الموضعين التثنية والجمع.
فإن قلت: فانفتاح النون كان يفصِل ويُخَلِّصُ فإن النون لا يُعتمد عليها إذ كانت غير ثابتة، وأيضًا لو جُعلت التثنية والجمع بالواو في الرفع لَلَزِمَ أن يُجعل النصب في التثنية والجمع بالألف، وذلك غير جائزٍ لأنه لا ينفصل الاثنان من الجميع.
قال: ويكون في الجَرِّ مفتوحًا ما قبلها ولم يكسر، ليُفْصَل بين التثنية والجمع الذي على حد التثنية، ويكون في النصب كذلك ولم يجعلوا النصب ألِفًا ليكون مثله في الجمع.
قال أبو علي: كأن قائلاً قال له: هَلاَّ جَعل تثنية النصب بالألِف كما أن واحده الذي هو الأصل بالفتحة، فقال لم يجعلوا النصب ألفًا في التثنية،
ليكون النصب في التثنية مثل النصب في الجمع، لأنه قد لَزِمَ أن يكون الجمع بالياء، إذ لم يجز كونُه بالواو، ولا بالألف، فلما لزم هذا في الجمع أتبع التثنية، لأن التثنية إلى الجمع أقرب منها إلى الواحد وأشبه به، فكان إتْباعُهُ إياه أولى.
قال: وكان مع ذا أن يكون تابعًا لِما الْجَرَّة منه أولى.
قال أبو علي: كأن قائلا قال: فهَلاَّ أُتبع تثنية المنصوب تثنية المرفوع فَجُعِل بالألف، كما أن تثنية المرفوع بالألف، فقال: جَعَلَ النصب في التثنية بالياء دون الألف ليكون مثله في الجمع، لأن انضمام التثنية إلى الجمع أولى من انضمامه إلى الواحد، لأنه أقرب إليه، وأشبه به، وكان انضمام التثنية إلى الجمع وكونها بالياء أولى ليكون تابعًا للياء التي الجَرَّة منها لِلُزُومه الاسم فإنه لا ينتقل عنه.
قال: وتكون الزائدة الثانية نونًا كأنها عِوَضٌ لَمّا مُنِع من الحركة والتنوين.
قال أبو علي: إن قال قائل: كيف قال: إن النون تكون عِوَضًا من الحركة والتنوين، وقد قلتم إن الألف عنده حرف إعراب وإن فيه
إعرابًا فكيف لزم أن يكون عوضًا وفيه الشيء المُعَوَّض منه؟
قيل له: لا يمتنع على مذهبه عندنا ذلك، وذلك أن الإعراب لما كان تزاد له حركة في غير هذا الموضع ولم تُزَد له هنا، بل صار ذلك في انقلاب نفس الحرف لَزِمَ أن يكون منه عِوَض للنقصان اللاحق له عما عليه المُعْرَبات.
ألا ترى أنه قد نقَضَ من اللفظ حركة كانت تجب للإعراب، ولم يستنكر أن يُعوّض من هذا الناقص الذي هو الحركة وهو العِوَضُ إنما هو من الحركة لا من الإعراب، ألا تراه قال: كأنّه عَوَّض من الحركة والتنوين ولم يقل: عَوَّض من الإعراب والتنوين فهذا على قوله صحيح.
قال: ولم يجعلوا النصب ألِفًا.
قال أبو العباس: أراد أنه لو كان النصب بالألف في التثنية والجمع كان يَنْفَتِحُ ما قبل الألف، لأن الفتح لازم لما قبلها، فتكون التثنية والجمع شيئًا واحدًا، ولم يكن يمكن في الألف ما أمكن في الياء من فتح ما قبلها في التثنية وكسر ما قبلها في الجمع.
قال: قد ينتقِلُ إلى الفعل.
قال أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش: والنصب قد ينتقل، فإنه كما قال: الجرُّ لازم للاسم، والنصب لا ينفصل فيه التثنية من الجمع لو جَعلْت التثنية بالألف، وهو مع ذلك منتقل، والرفع أيضًا ينتقل.
قال: فيكون الأولى حرف إعراب.
قال أبو علي: قوله: فيكون جوابٌ لقوله: (ولم تكن مُنَوَّنَةً ولَمْ تلزمها الحركة) أي لم يكن الفعل منونًا والحركة لازمة له كما كان الاسم منونًا والحركة لازمة له، وتكون الألف حرف إعراب، والنون
بدلا من الحركة والتنوين في الفعل كما كانت الألف حرف إعراب في الاسم والنُّون بدلا من الحركة والتنوين.
قال: (وفي التثنية لم تكن بمنزلتِه).
قال أبو علي: يريد أن واحدَ الأسماء تَلْحَقُهُ الحركة والتنوين ويَلْزَمُهُ ذلك إذا ثُنِّيَ، والفعل ليس كذلك.
قال: ولم يجعلوها حرف إعراب إذ كانت متحركة لا تثبت في الجَزْم، قال أبو علي: يقول: إنّ النّونَ لما كانت متحركة وكانت تَسْقُطُ في الجزم عُلِمَ أنها ليست حرف إعراب، إذ لو كانت حرف إعراب وكانت متحركة لم تسقط للجزم هي نفسها، لكنها كانت تَثْبُتُ وتحذف الحركة كما تثبت حروف سائر الإعراب، وتُحذف حركاتها.
قال: ولم يكونوا لِيَحْذِفوا الألف لأنها علامة الإضمار والتثنية فيمن قال: أَكَلُوني البراغيثُ.
قال أبو علي: إنما قال لأنها كأن قائلا قال له هَلاَّ حَذَفْتَ الألف لالتقاء الساكنين هي والنون وهي الساكن الأول وقد يحذف الساكن
الأول إذا كان حرف لينٍ، فقال: لم يحذفوها لأنها علامة إضمارٍ وجمعٍ بل أُثْبِتَتْ وحُرِّكَ الساكن الثاني بالكسرة.
قال: فيمن قال: أكَلوني البراغيثُ بمنزلة التاء في قُلْتَ، وقالت.
قال أبو علي: شَبَّهَ الألف في (ضَرَبَا الزَّيْدان) بالتّاء في قلت، لأنها تكون ضمير الفاعلين، ودليلاً للتثنية غير ضمير، كما أن التاء قد تكون ضميرًا للفاعل وخطابًا وتكون للتثنية مجردة من معنى الضمير نحو (ضَرَبا الزيدانِ) فتكون لذلك كالتاء في قالت في أنها حرف وكالتي في أنْتَ، فهذه الألف توافق التاء في كونها للتثنية مجرَّدةً من الضمير كما تكون التاء للخطاب في أنْتَ مجردًا من معنى الاسمية، واجتماعهما في هذا الموضع إنما هو من حيث كانا حرفين لمعنى غير اسمين، وتُوافِقُهما التاء في قالت لأنها لمعنى التأنيث لا معنى اسمية فيها، ويخالفان هذه التاء التي في قالت في أنهما يكونان اسمين في (الزَّيدان ضَرَبا).
قال أبو علي: وكون الواو والألف لعلامة التثنية والجمع أعم من
كونهما للضمير، لأنهما لا يكونان ضميرًا إلا وهما يدلان على التثنية والجمع، وقد يكونان تثنية وجمعًا ولا دلالة فيهما على الضمير وذلك إذ لم يتقدم ما يكونان ضميرًا له، فهذا مما يُعْلَمُ به أن الحرفية في هذه الأسماء أغلب من الاسمية كما كانت أغلب على الكاف والتاء من الاسمية لأنهما أيضًا لا يكونان اسمين إلا ومعنى الخطاب موجود فيهما، وقد يكونان للخطاب ولا اسمية فيهما موجودة كالكاف في (ذلك والنَّجاؤُكَ وأرَأَيْتَكَ زيدًا ما فَعلَ) والتاء في (أنْتَ) ألا ترى أن الكاف في أرأيتك لا يكون اسمًا، لأنه لو كان اسمًا لوجب أن يكون المفعول الثاني في المعنى، والمخاطَب لا يكون الغائب، ولذلك بُنِيَ الاسم المُفرد المعرفة في النداء لوقوعه موقع (ما) الحرفية أغلب عليه وهو حرف الخطاب، فلا موضع لهذا الكاف في هذه الأماكن من الإعراب، ولا للتاء في أنت لأنهما ليسا باسمين فيستحقا الإعراب، كما لا تستحقه (ما) في قوله: (فَبِما نَقضِهم ميثاقَهم).
وذكر سيبويه تاء أنتَ في مكان آخر، وكاف ذلك ونحوه فقال
ينبغي لمن زَعَم أن كاف ذلك اسم، أن يقول: إن تاء أنتَ اسم.
قال: وإنما تاء أنت بمنزلة الكاف لأنه ليس باسم فلا يستحق إعرابًا كما لا يستحقُّها في قوله: (فبما نقضهم ميثاقَهم).
مسألةٌ:
يدلُّكَ إجراؤُهم للتاء في المؤنث مُجرى الياء في مسلمين أن المذَكَّر هو الأول لأنه لم يمنع هنا من الفتح شيء كما مَنع من الألف في النصب في التثنية والجمع، فإنما فعل هذا بالتاء، لِيتْبِع المؤنث المذكَّر إذ كان الأول له، ويدل على ذلك أيضًا إتْباعُهم بعض الكلام بعضًا وإن لم يكن في المُتْبَع العلة التي في الشيء الذي يُتْبَع ذلك مثل (تَعِدُ وتَغْدُرُ بنا) ونحو ذلك، ويدل على ذلك أيضًا بناءُ يفْعَلْنَ لإتباع فَعَلْنَ.
قال: وكذلك إذا ألْحَقْتَ التأنيث في المخاطَبة نحو تَفْعلينَ.
قال أبو علي: لا يخلو من أن يكون علامةً مجردًا من الضمير أو ضميرًا، فلو كانت الياء علامة ولم تكن ضميرًا لَلَزِمَ أن تثبت في فعل الاثنين كما تَثْبُتُ التاء في قامتا، فلما حُذفت ولم تثبت علِمنا أنها
ضمير وليست بعلامة، فإن قال قائل: ما أنكرت أن تكون علامة وإنما حُذفت في التثنية وإن أُثبِتت التاء في قامتا لما كان يدخل من الاستثقال في مثل (تَضْرِبيان) لو قيل، لتوالي الحركات، وانكسار ما قبل الياء وذلك كله أمور مستثقلة، فَحذف لذلك لا لأنه علامة ضمير، قيل له: إن هذه الحركات وتواليها لو كان اسما لم يستثقل لأنها غير لازمة بل التقدير فيها الانفصال، وما كان كذلك لم يستثقل ذلك فيها، وإنما يستثقل ذلك في الكلمة الواحدة ألا تراهم قالوا: لِكُتُبِكَ فاعْلَمْ ونحو هذا، فجمعوا بين هذه المُتحرِّكات لما كانت غير لازمة، وتقول (بِكَتَاتٍ)، فتجمع بين هذه المتحركات، إذ تقديرك فيها الانفصال، وكذلك لو كان هذا ضميرًا يُستثقل هذا الجمع بين الحركان فيه، وأيضًا فلو كان حذف ذلك للاستثقال لكان جديرًا أن تثبت في مثل: (قُمْ وَبِعْ، وَشِ ثوبًا) ونحو ذلك فامتناعها من الثبات في ذا يُقَوِّي أنها ليست علامة، وأنها أيضًا ضمير، وأيضًا فلو كان حذفها للاستثقال لا لكونها ضميرًا لكان جديرًا أن يردَّها الشعراء في اضطرار الشعر كما يردون الأشياء التي تخفَّف وتحذف للاستثقال إلى أُصولها، فإن لم يَرِد هذا يقوى ما ذكرناه من أنه ضمير.
فإن قال قائل: فهلاَّ ثبتَت العلامة التي هي ضمير المذكّر في مثل: (أنْتَ تَفْعَلُ) إن كانت الياء ضميرًا ليس بعلامة، وهلاّ دَلَّكَ امتناع ثباته هذا على أنه ليس بضمير، كما أن (فَعَلَ) لما لم تكن فيه علامة ظاهرة
للضمير علمت أن (فَعَلَتْ) علامة للتأنيث دون الضمير، قيل له: إن هذا الموضع لمّا الْتَبَس فيه الصنفان أُظهر الضمير، فإنما علِمنا أن التاء في (فَعَلْتُ) علامة لثباتها مع علامة الضمير لأنها لو كانت ضميرًا لم تَثْبُتْ.
قال: (فليس هذا بأبعد فيها إذ كانت هي وفَعَلَ شيئًا واحدًا).
قال أبو علي: يقول: ليس إسكان لام الفعل المضارع وبناؤها عليهما (عِنْدَما) اتصل بضمير المؤنث لِمشابهته (فَعَلْنَ وفَعَلَتْ) بأبعد من إعرابه لمشابهته الاسم.
قال: ولأنها قد تُبنى مع ذلك على الفتحة في (هل تَفْعَلَنَّ).
قال أبو علي: أراد بقوله: (هل تَفْعَلَنَّ) موضعًا بنى فيه الفعل المضارع فقال: جاز بناؤها مع علامة الضمير في (تَفْعَلْنَ) كما جاز بناؤها مع النون، بل بناؤها في تفعلْن أجدر من بناء فَعلْن، وإتباعه إياه.