الابتداء بطواف العمرة لمن كان معتمراً، وبطواف القدوم لمن كان مفرداً أو قارناً
قال: [ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمراً]، وهذا بالنسبة للحاج المتمتع.
[أو بطواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً]، والفرق بينهما: أن طواف القدوم سنة، لا حرج على من تركه، بينما طواف العمرة ركن من أركان العمرة، إن تركه بطلت العمرة.
كذلك يسن في طواف القدوم وطواف العمرة الاضطباع والرمل، وليس هناك اضطباع ولا رمل إلا في طواف القدوم وطواف العمرة، والاضطباع: أن يكشف كتفه الأيمن في حال الطواف، والرمل: أن يقارب بين الخطا في الأشواط الثلاثة الأولى، ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيضطبع بردائه فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على الأيسر، وتبقى كتفه اليمنى مكشوفة، وهو مستحب في طواف القدوم؛ لما روى أبو داود وابن ماجه عن يعلى بن أمية: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، وقذفوها على عواتقهم اليسرى)]، قال بعض العلماء: إن الرمل كان لعلة، وهي: أن المشركين قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أصابتهم حمى المدينة، فرملوا ليروهم القوة، هذا الكلام في الحقيقة محل نظر؛ لأن الصحابة بعد ذلك كانوا يرملون في العصور المتتابعة، والرمل والاضطباع للرجال دون النساء.
استلام الحجر الأسود وتقبيله
قال: [ويبدأ بالحجر الأسود فيستلمه]، يعني: يستلم الحجر الأسود ويبدأ الطواف من عنده، [وهو أن يمسحه بيده ويقبله، قال أسلم: (رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل الحجر وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك)، متفق عليه.
وروى ابن ماجه عن ابن عمر قال: (استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الحجر، ثم وضع شفتيه عليه)]، أي: لم يضع يديه ثم قبله، وإنما قبله مباشرة عليه الصلاة والسلام.
قال: (يبكي طويلاً، فإذا هو بـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا عمر! هاهنا تسكب العبرات)]، أي: الدموع، وإن تعسر عليه استلام الحجر الأسود، فله أن يشير إليه بيده اليمنى ويقول: باسم الله والله أكبر، ثم يطوف، وليس معنى ذلك: أن يؤذي الناس بغرض تقبيل الحجر، لا، فإن إيذاء المسلمين حرام، وتقبيل الحجر سنة؛ فلا يرتكب حراماً لأجل سنة.
قال: [ويقول عند استلامه: باسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم].
صفة الطواف بالبيت العتيق
قال: [ثم يأخذ عن يمينه ويجعل البيت عن يساره]، أي: يبدأ بالطواف من الحجر الأسود، ويجعل الكعبة عن يساره.
الرمل ثلاثاً والمشي أربعاً في الطواف
قال: [فيطوف سبعاً يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر، ويمشي في الأربعة الأخر، ومعنى الرمل: إسراع المشي مع مقاربة الخطا من غير وثب، وهو سنة في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم، لا نعلم في ذلك خلافاً بين أهل العلم]، وقد يقول قائل: لم يقل: من طواف القدوم وطواف العمرة أيضاً؛ لأن طواف العمرة أولاً طواف بالبيت، كذلك: أن قوله: (طواف القدوم)، يشمل طواف العمرة وطواف القدوم للقارن وللمفرد على السواء.
ثم قال: [وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثاً ومشى أربعاً، رواه جابر وابن عباس وابن عمر في أحاديث متفق عليها، وحديث جابر من أفراد مسلم]، أي: أن حجة الوداع للنبي صلى الله عليه وسلم انفرد بها جابر بن عبد الله، وقد رواها الإمام مسلم في صحيحه، وهي أفضل ما روي في حجة الوداع؛ لأن جابراً قد تعقب حج النبي صلى الله عليه وسلم من لحظة خروجه إلى حين عودته.
سبب الرمل
قال: [وسبب الرمل فيما روى ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة فقال المشركون: إن محمداً وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال، وكانوا يحسدونه -أي: هذا ادعاء- قال: فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثاً ويمشوا أربعاً) رواه مسلم]، لذا أراد بعض العلماء أن يجعل الرمل لعلة، وعندما تزول العلة يسقط الحكم؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماًَ، وهذا كلام غير صحيح؛ لأن الثابت من فعل الصحابة بعد ذلك أنهم حافظوا على مثل هذه السنة، ومثله: الالتفات يميناً ويساراً عند الأذان، سواء سمع من على يمينه أو لم يسمع، فلا يأت أحد فيقول: إن الالتفات يميناً ويساراً شرع حتى يسمع من في يمين ويسار المؤذن، لا، لأن الأمر بذلك سنة، ولأنه ربما قد تكون هناك علة أخرى لا نعرفها، ولذا قال المصنف: [فإن قيل: أليس الحكم إذا تعلق بعلة زال بزوالها؟ ف
الجواب
أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رمل واضطبع في حجة الوداع بعد الفتح، ثبت أنها سنة ثابتة.
وقال ابن عباس: (رمل النبي في عمرته كلها وفي حجه، وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعدهم)].
وفي المقابل: سن عثمان لنداء الجمعة الأول، وذلك بعد اتساع الرقعة الإسلامية، لكن بعد معرفة الأوقات بأكثر من طريقة، ووجود مكبرات الصوت، فقد زالت العلة، وبزوالها زال فعل عثمان رضي الله عنه، ولذا إذا أراد المسلم أن يطبق سنة عثمان فلا بأس، لكن يؤذن قبل الجمعة بنصف ساعة تقريباً، لأن الأذان الأول إعلام باقتراب دخول الوقت، لا أن يؤذن الأذان الأول في وقت الصلاة، ثم يؤذن الأذان الثاني والإمام على المنبر، فهذه بدعة ومخالفة لسنة عثمان التي يحتذي بها، ومثله: الأذان الأول في الفجر؛ لينبه النائم وليغتسل الجنب قبل دخول الوقت الحقيقي للفجر.
وكذلك: ما أورده البخاري رحمه الله تعالى في كتاب التيمم من حديث سيدنا عمر رضي الله عنه: لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم وادياً مع أصحابه، فأرادوا أن يناموا، فقال: من يقوم على إيقاظنا في الفجر؟ فقال بلال: أنا يا رسول الله! فقام سيدنا بلال يحرسهم لأجل أن ينبههم لصلاة الفجر، فنام بلال -لأنهم نزلوا بواد بعد طول تعب وسهر وعناء- والنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة حتى ارتفعت الشمس، فاستيقظ الصحابة على حرارتها، يقول عمر: فكنت ثالث القوم -وكان النبي صلى الله عليه وسلم ما زال نائماً- وكنا نكره أن نوقظه؛ لعله يوحى إليه، فأخذ عمر يكبر بصوت مرتفع فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، فعاتب بلالاً، فقال: بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يا رسول الله! وفي الحديث فوائد كثيرة جداً، منها: مشروعية إيقاظ النائم بالتكبير، ومشروعية النداء بعد خروج الوقت، وصلاة النافلة بعد خروج الوقت، وصلاة الجماعة بعد خروج الوقت، والصلاة الفائتة تقضى على صفتها، بمعنى: أنه إذا نام عن العشاء إلى الفجر، صلى الفجر أولاً، ثم صلى العشاء جهراً؛ لأن القضاء على صفة الفرض، وإن ضاق الوقت لقضاء الفائتة سقط الترتيب للمشقة والعجز، كمن قام من النوم والناس يصلون الفجر ولم يصل العشاء بعد، فليصل الفجر مع الجماعة أولاً، ثم يصلي العشاء، ويسقط الترتيب للعجز.
ومثله: من فاته قيام الليل قضاه جهراً؛ لحديث مسلم: (من نام عن حزبه أو نسيه؛ فليصله من بعد طلوع الفجر إلى الظهر)، ولذلك يرى الشيخ ابن عثيمين: أن من فاته الوتر في الليل قضاه شفعاً، فإن كان يصلي الوتر ثلاث ركعات، قضاه بعد الفجر أربعاً، بزيادة ركعة عن ركعات الوتر المعتادة، والدليل ما روت عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نام عن صلاة الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة).
ما يفعله الحاج عندما يحاذي الركن اليماني والحجر
قال: [وكلما حاذى الركن اليماني والحجر استلمهما وكبر وهلل]، فالركن اليماني يستلم ولا يشار إليه، بينما الحجر الأسود يستلم ويشار إليه، بل ويقبل أيضاً إن استطاع، وهذه سنة لا ينبغي للإنسان الإصرار عليها مع الزحام الشديد، وبعض النساء قد تزاحم الرجال لأجل تقبيل الحجر، وهذا أمر لا ينبغي ولا يجوز.
قال: [لأن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في طوافه)، قال نافع: وكان ابن عمر يفعله، رواه أبو داود]، ونافع هو مولى ابن عمر، وعكرمة مولى ابن عباس، والسلسلة الذهبية هي مالك عن نافع عن ابن عمر.
قال: [وروى البخاري عن ابن عباس قال: (طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه وكبر)]، وفيه جواز أن يطوف المسلم على بعير، وأن يدخل المسلم ببعيره إلى المسجد، وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى باباً سماه: باب: (دخول البعير إلى المسجد)، واستدل بهذا الحديث، لكن المسجد في تلك الأيام كان مفروشاً بالتراب أو بالحصباء، أما الآن فلا يمكن أن يدخل المسلم ببعيره إلى أي مسجد، ثم يستدل بحديث البخاري! ومثله: جواز الطواف بالعربة للحاجة، كأن يكون الإنسان عاجزاً عن الطواف راكباً، وبعض الناس استحب أن يطوف راكباً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكباً، لكن هل فعل النبي هنا للتشريع أم لأنه عجز عن الطواف راجلاً؟
ما يقوله الحاج بين الركنين
قال: [ويقول بين الركنين -الركن اليماني والحجر الأسود-: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:201]؛ لما روى الإمام أحمد في المناسك عن عبد الله بن السائب: (أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين ركن بني جمح والركن الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:201])]، والحديث وإن كان ضعيفاً إلا أن له شاهداً صحيحاً، فنذكره على سبيل الاستئناس، وقيل: الحديث حسن.
قال: [وروى ابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وكل به -يعني: الركن اليماني- سبعون ألف ملك، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؛ قالوا: آمين)]، هذا الحديث ضعيف، والمشروع أن يقول بين الركن اليماني وبين الحجر الأسود: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
قال: [ويدعو في سائره بما أحب]، أي: ليس هناك دعاء بصفة معينة حول الكعبة، لكن تجد أنه قد أُلِفت كتب كثيرة في الدعاء حول الكعبة، في الشوط الأول كذا، وفي الشوط الثاني كذا وهكذا، وتجد الناس يسيرون وهم يدعون دعاء جماعياً، ويرفعون أصواتهم بذلك، وهذا مخالف للسنة، والعجب أنهم يدعون دعاءً جماعياً باصطحاب المرشد الذي يقرأ لهم من الكتاب ويرددون خلفه، فتسمع العجائب من هذا المرشد، بل وأحياناً تسمعه يقرأ القرآن خطأً عند الطواف أو السعي بين الصفا والمروة، فلا ينبغي أبداً أن يكون هناك دعاء جماعي بهذه الطريقة، وكذلك النساء لا يجوز لهن رفع الصوت بالدعاء، وقد تجد بعض الناس يعقد الصفقات بالهاتف أثناء الطواف، وبعضهم يتحدثون في أمور الدنيا وشهواتها! وهذا إن دل فإنما يدل على أن الناس في غفلة، وأن القلوب لا زالت معلقة بالدنيا، وحدث ولا حرج عن المخالفات التي تحدث في الطواف والسعي.
قال: [لما روي عن ابن عباس: أنه كان إذا جاء إلى الركن اليماني قال: اللهم قنعني بما رزقتني، واخلف لي على كل غائبة بخير ويستحب أن يقول: اللهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، رب اغفر وارحم واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: رب قني شح نفسي، وعن عروة قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: لا إله إلا أنت، وأنت تحيينا بعد ما أمتنا، ويستحب الإكثار من ذلك.
قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، رواه الأثرم وابن المنذر]، والحديث قد يكون ضعيفاً في نظر من حققه، بينما الترمذي هنا حسنه وصححه، وهذا كثير، فتجد من العلماء من يضعِّف الحديث، وتجد منهم من يصحح الحديث، فمثلاً: صلاة التسابيح صححها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وابن الجوزي قال عنها: موضوعة، والراجح في صلاة التسابيح أن حديثها ضعيف لا شك في هذا، والشيخ ابن باز رحمه الله قال: حديثها منكر، وهي صلاة تشرع في العمر مرة واحدة، فمن العلماء من قال: إنها موضوعة، ومنهم من قال: هي صحيحة، وبعض الناس بارك الله فيهم يتمسكون برأي واحد في الحديث، فإذا ضعف الشيخ الألباني حديثاً رحمه الله يقولون: ضعيف، ولا يقرئون آراء حفاظ الأمة في الحديث، كـ ابن حجر وابن عساكر والسيوطي رحمهم الله تعالى، لذا ينبغي على المسلم أن يصغي إلى آراء العلماء وحكمهم على الحديث، ولا يكتفي بالحكم على الحديث من عالم واحد فقط، ثم له أن ينظر في الحكم عليه إن كان من أهل الصنعة، كما ينبغي على المسلم ألا يتسرع في الحكم على الحديث إذا رأى من ضعفه، لأنه ربما قد يكون صحيحاً من طرق أخرى، كـ الترمذي رحمه الله تعالى فهو يتساهل كثيراً في تصحيح الحديث.
حكم الطواف دون وضوء أو الإحداث أثناءه
وهنا مسألة: ما حكم من أحدث وهو يطوف، هل يخرج ويتوضأ ثم يتم طوافه، أم يبدأ من جديد، أم ليس هناك وضوء على من طاف بالبيت؟ المسألة خلافية بين الفقهاء: جمهور الفقهاء الأربعة يرون أنه يشترط الوضوء للطواف بالبيت، ودليلهم: أن الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أحل فيه الكلام؛ فجعلوا الطواف كالصلاة فيشترط فيه ما يشترط في الصلاة.
وشيخ الإسلام ابن تيمية -بمفرده- يرى أنه لا يشترط الوضوء للطواف بالبيت، وقال: قياس الجمهور قياس مع الفارق من وجوه، ثم أخذ يسرد تلك الوجوه رحمه الله.
والراجح هو قول جمهور الفقهاء الأربعة؛ لأن المسألة عليها أكثر من دليل.
لكن لو أحدث وهو يطوف ثم توضأ، فهل يبني على ما سبق أم يبدأ الطواف من أوله؟ من العلماء من قال: يبني على ما سبق، واعتبر كل شوط عبادة مستقلة، ومنهم من قال: يبدأ من أوله؛ واعتبر السبعة الأشواط عبادة واحدة، وذلك كمن أحدث في الركعة الثالثة من الصلاة الرباعية فخرج وتوضأ، ثم عاد يصلي من أولها.
والراجح: أنه يبني على ما سبق؛ لأن المشقة تجلب التيسير، ولا يمكن أن نقول له: استأنف، خاصة إذا كان قد أتى بخمسة أشواط أو ستة، فضلاً عن أن العلماء قالوا: إن من طاف شوطاً وأراد أن يستريح قليلاً لتعبه فله ذلك، ثم يطوف الشوط الثاني بعد قليل، بحيث لا يتسع الوقت بين الشوطين، فيكمل الطواف من حيث انتهى، لكن بإلغاء الشوط الذي كان فيه، والله تعالى أعلم.
العدة شرح العمدة [48]
يسن لمن قضى الطواف حول البيت أن يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم، ثم يخرج إلى الصفا من بابه، والسعي سبعة أشواط يبدأ الشوط الأول بالصفا وينتهي السابع بالمروة وأثناء ذلك يهرول بين العلمين الأخضرين في كل شوط.
صلاة ركعتين خلف المقام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب: (دخول مكة).
قال المصنف رحمه الله: [ثم يصلي ركعتين خلف المقام]، أي: بعد الانتهاء من طواف العمرة إن كان متمتعاً، أو طواف القدوم إن كان قارناً أو مفرداً، يصلي ركعتين خلف المقام؛ لقول ربنا سبحانه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:125].
وقصة مقام إبراهيم أخرجها الإمام البخاري في صحيحه من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن إبراهيم عليه السلام لما كلفه الله بأن يرفع قواعد البيت، وكلف ولده إسماعيل أن يعاونه، قام إبراهيم يبني وإسماعيل يساعده إلى أن بلغت الكعبة إلى طوله، فأتى له بحجر فقام عليه، وذلك ليرفع البناء، وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينفذ أوامر الله ثم يزيد عليها فوق طاقته، كالنوافل والمستحبات، فلما قام إبراهيم عليه السلام على هذا الحجر أمرنا الله أن نتخذ هذا المقام مصلى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:125].
وهذه من موافقات عمر للوحي، فقد قال رضي الله عنه: (يا رسول الله لو اتخدنا من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:125]) ومعنى المقام: أن تصلي فتجعل المقام بينك وبين الكعبة.
وشيخنا ابن باز له فتوى وهي: أن الحرم كله مقام في حال الزحام، فلا يشترط أن تصلي إلى المقام مباشرة، فلو صليت في الطابق الثاني عند الزحام جاز، ولو صليت فوق السطح جاز، طالما أنك تجعل المقام بينك وبين الكعبة في حال الزحام الشديد، بينما البعض يصر على أن يصلي بالقرب من المقام فيعرقل الطواف، والناس قد تدوسه وهو ساجد، وهو يظن أنه بذلك يحسن صنعاً.
تخفيف الركعتين
ثم من السنة أن يخفف الركعتين، فيقرأ في الأولى: بـ (الكافرون)، وفي الثانية بـ (الإخلاص).
قال رحمه الله: [روى جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:125]، فجعل المقام بينه وبين البيت)، قال محمد بن علي: ولا أعلمه إلا ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقرأ في الركعتين: ((قل هو الله أحد))، و: ((قل يا أيها الكافرون))، ومهما قرأ فيهما بعد الفاتحة جاز وحيث ركعهما جاز، فإن ابن عمر ركعهما بذي طوى، رواه البخاري وأحمد.
ولا بأس أن يصليهما إلى غير سترة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما والطواف بين يديه وليس بينهما شيء، وكذلك سائر الصلوات بمكة لا يعتبر لها سترة]، وخالف في ذلك الشيخ الألباني رحمه الله فقال: لا بد من اتخاذ السترة في المسجد الحرام.
لكن اتخاذ السترة عند الطواف وبين المقام من المشقة البالغة، والمشقة تجلب التيسير، والواجبات -على القول بأن السترة واجبة- تسقط بالعجز، والطواف مقدم على الصلاة، قال تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:125]، فقدم الطواف على الركوع والسجود، وعليه فلا يمكن أن نأمر المصلي بأن يتخذ سترة عند الصلاة إلى المقام؛ لأنه يترتب على ذلك تعطيل الطواف، وهذه من المشقة التي لا يمكن التحرز منها كما قال العلماء.
حكم الركعتين خلف المقام
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الركعتين خلف المقام، هل هما واجبتان أم هما من السنن المؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ والراجح والله تعالى أعلم: أنهما من السنن المؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتصليان في أي وقت، حتى وإن كان وقت كراهة، كالصلاة بعد الفجر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بعد الفجر حتى تشرق الشمس)، والصلاة بعد العصر، والصلاة عند شروق الشمس وعند غروبها، والصلاة عندما تكون الشمس في وسط السماء، يعني: قبل الظهر بقليل.
فهذه الأوقات الخمسة ينهى فيها عن التنفل المطلق، والصلاة ذات السبب تصلى في أي وقت، كدخول الرجل المسجد بعد الصبح، وهذا هو مذهب الشافعي وهو الراجح، خلافاً للإمام مالك الذي كان ينهى عن الصلاة المسببة في هذه الأوقات، ويروى أن مالكاً دخل يوماً المسجد بعد الصبح فقال له شاب: صل ركعتين تحية المسجد.
فصلى، فقيل له: يا إمام صليت وخالفت ما تقول! قال: خشيت من أن ينطبق علي قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:48]، فالإمام مالك رغم أنه يرى عدم الصلاة المسببة في أوقات الكراهة إلا أنه صلاها مرة، وعلى كل فالصلاة المسببة ومنها هذه الصلاة، أي: صلاة ركعتين خلف المقام، جائزة في أي وقت من ليل أو نهار، ومتى ما انتهى المسلم من الطواف صلاهما في أي وقت.
العودة إلى الركن لاستلامه بعد الفراغ من ركعتي الطواف
قال: [ويعود إلى الركن فيستلمه، يعني: إذا فرغ من ركعتي الطواف وأراد أن يخرج إلى الصفا فقال أحمد: يعود فيستلم الحجر، وكان ابن عمر يفعل ذلك ولا نعلم في ذلك خلافاً، والأصل فعل النبي صلى الله عليه وسلم له، ذكره جابر في صفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام]، وجابر بن عبد الله هو الذي روى حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم.
ما يفعله الحاج عند خروجه إلى الصفا من بابه
قال: [ثم يخرج إلى الصفا من بابه فيرقى عليه ويكبر الله عز وجل ويهلله ويدعوه]، أي: يخرج إلى جبل الصفا من بابه فيرقى عليه ويدعو الله عز وجل، وبين الصفا والمروة وادٍ كان منخفضاً، وهي اليوم ما بين المصباحين الأخضرين أو العلمين الأخضرين، وقد كانت تهرول فيها هاجر يوم أن بحثت عن الماء لابنها إسماعيل، والحديث عند الشيخين، وفيه أن سعيد بن جبير لما شعر باقتراب أجله برز لتلامذته ليسألوه، فأكثروا عليه في السؤال، فكان مما سألوه عنه أنهم سألوه عن مقام إبراهيم، فروى هذا الحديث الطويل وفيه: أنه لما كان بين إبراهيم وبين زوجه سارة ما كان، ومحاولة ملك مصر أن يفعل الفاحشة بزوجته فدعت عليه، ثم وهبها أو أعطاها هاجر عليها السلام، وكانت أمة مملوكة، ثم أعطتها سارة لإبراهيم عليه السلام فتسرى بها، أي: دخل بها لأنها كانت من الإماء، فحملت هاجر عليها السلام، فغارت سارة عند ذلك، والغيرة شيء معروف عند النساء لا يمكن أن تنكر بأي حال من الأحوال، عند ذلك أمر الله إبراهيم أن يفصل بين زوجتيه سارة وهاجر، لأن الحكمة لمن تزوج بامرأتين أن يفصل بينهما، ولا يدعهما في مكان واحد، فإن حدث ما لا يحمد عقباه فلا يلومن إلا نفسه، فكان من إبراهيم أن جعل سارة في الشام، وأخذ هاجر وولدها الرضيع إلى شبه الجزيرة، واتخذت هاجر ذيلاً لثوبها يربط بحزامه على وسطها لتمحو أثر أقدامها حتى لا تتبعها سارة، فتعرف مكانها فتلحق بها، فوضع إبراهيم عليه السلام زوجه وولدها الرضيع في واد غير ذي زرع، ووضع لهما جراباً من تمر وإناء من ماء، ثم تركهما وانصرف، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:37]، فنادت هاجر فلم يجبها، حتى إذا ذهب إلى طريق كدا بعد أن بلغ الثنية التفت إليها فقالت له: يا إبراهيم لمن تتركنا أنا وابنك الرضيع، أربك أمرك بهذا؟ فقال: نعم، فقالت: إذاً فلن يضيعنا الله، وهذا من صدق التوكل على الله عز وجل.
ثم أخذت أمنا هاجر تبحث عن الماء -بعد أن نفد ماؤها- لتشرب هي ورضيعها، فأخذت تصعد إلى جبل الصفا، ثم تهبط إلى بطن الوادي فتهرول فيه، ثم تصعد إلى جبل المروة، وهكذا حتى أتمت سبعة أشواط وهي تنظر إلى ولدها إسماعيل لعله قد مات؛ لأنه كان يتقلب ظهراً على بطن من شدة الجوع والعطش، وبينما هي في الشوط السابع سمعت صوتاً فقالت لنفسها: صه، يعني: أنصتي، فإذا بجبريل عليه السلام يقوم بين يديها: من أنتِ؟ قالت: أنا أم ولد إبراهيم، ولم تقل: أنا زوجة إبراهيم، لأنه فرق بين أم الولد وبين الزوجة، فقال: لمن ترككما في هذا المكان القحط ولمن وكلكما؟ فقالت: وكلنا إلى الله، فقال: هو حسبكما، فضرب الأرض فانفجر ماء زمزم، فأخذت هاجر تحيط الماء حرصاً على عدم ضياعه، قال صلى الله عليه وسلم: (رحم الله هاجر لو تركت زمزم لأصبحت عيناً جارياً على سطح الأرض)، لكن حرص هاجر جعل الماء في هذه البقعة.
الدعاء عند الوقوف بجبل الصفا
قال: [قال جابر: ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا قرأ قول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:158]، أبدأ بما بدأ الله به -أي: أبدأ بالصفا- فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت -يعني: رقى إلى الصفا حتى رأى الكعبة- فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات.
وكان ابن عمر يقوم على الصفا فيكبر سبع مرات ثلاثاً ثلاثاً، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم اعصمني بدينك وطاعتك وطاعة رسولك، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم يسرني لليسرى وجنبي العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من أئمة المتقين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين، اللهم إنك قلت وقولك الحق: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:60]، وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه، ولا تنزعه مني حتى توفاني عليه، اللهم لا تقدمني للعذاب ولا تؤخرني لسوء الفتن، ويدعو دعاءً كثيراً حتى أنه ليملنا وإنا لشباب]، أي: أنه من طول دعائه لا يستطيع الشباب أن يحاكوه.
ولا يشترط الوضوء للسعي بين الصفا والمروة، والذهاب من الصفا إلى المروة يعتبر شوطاً، ومن المروة إلى الصفا شوطاً آخر، لا كما يفعله بعض الناس، فيحسب الذهاب من الصفا إلى المروة والعودة من المروة إلى الصفا شوطاً واحداً، فيسعى أربعة عشر شوطاً! والبعض قد يعقد لكل شوط دعاء، والبعض الآخر قد يلحن في قراءة القرآن، حتى تجد البعض يقول: (فلا جناح عليه أن يتطوف بهما)، والناس تردد خلفه ولا تعلم الخطأ، فينبغي على العبد أن تعلوه السكينة والوقار، وأن يعيش هذه المناسك العظيمة.
ومن اللطائف في هذا المقام: أن ابن عباس كان يرى أن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين من رمضان، فلما سئل عن ذلك قال: الطواف حول البيت سبع، والسعي بين الصفا والمروة سبع، وعدد السموات سبع، وعدد الأرضين سبع، والمسلم يسجد على سبعة أعضاء، ويسمى الولد في يوم سابع ولادته، وقال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ﴾ [الحاقة:7]، وقال في موضع آخر: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان:27].
الهرولة بين العلمين الأخضرين وكيفية احتساب الشوط في السعي
قال رحمه الله: [ثم ينزل فيمشي إلى العلم، ثم يسعى إلى العلم الآخر]، يعني: أنه يسعى بين العلمين الأخضرين، وهي منطقة الوادي التي كانت تهرول فيها أمنا هاجر عليها السلام.
قال: [ثم يمشي حتى يأتي المروة فيفعل كفعله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، حتى يكمل سبعة أشواط]، ولا يشترط التتابع بين السبعة الأشواط، فله أن يستريح ثم يكمل طالما أنه ليس هناك فرق زمني كبير بين الشوط والشوط، لكن ليس من المقبول أبداً أن يسعى شوطاً ثم يخرج إلى الفندق وينام ثلاث ساعات، ثم يغتسل ويعود فيكمل! نقول له: أن يستريح لكن بالحد المعقول الذي لا يخرج عن المألوف أو عن انقطاع التتابع، وله أن يشرب أثناء السعي، وأن يقضي حاجته إذا أراد.
قال: [يحتسب بالذهاب سعيةً وبالرجوع سعيةً، يفتتح بالصفا ويختم بالمروة، هذا وصف السعي، قال جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدنا مشى)].
والهرولة لا تكون إلا للرجال دون النساء، فالمرأة تمشي بسكينة ووقار، والخطأ أن تهرول المرأة، لأنها بذلك تظهر مفاتنها فلا يجوز.
التحلل بحلق الشعر أو تقصيره للرجل والأخذ منه قدر أنملة للمرأة
ثم بعد أن يتم السبعة الأشواط يتحلل، فيحلق أو يقصر، والمرأة تأخذ من ظفيرتيها قدر أنملة الأصبع، ومن المخالفات أن بعض الناس عندما يقصر يأخذ جزءاً يسيراً من شعره، وهذا لا يجوز، حتى أن بعض العلماء قد أوجب عليه دماً؛ لأنه ما حلق أو قصر التقصير الصحيح، فيأخذ من جميع أجزاء رأسه، والمستحب لمن حج قارناً أن يؤخر الحلق إلى حجه، وإن كان سيؤدي عمرة فقط في رمضان ثم يعود إلى بلده، فالأولى أن يحلق.
حرمة الأخذ من اللحية
ولا يجوز للمسلم أن يأخذ من لحيته، فإن قال قائل: حديث أم سلمة عند مسلم: (إذا أهل بالحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره)، فهل للمسلم بعد أن يضحي أن يأخذ من شعر لحيته؟! ف
الجواب
لا يجوز، وأما فعل ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يأخذ ما زاد على القبضة فمخالف لروايته: (أعفوا اللحى)، فتقدم الرواية على الفعل، ومثل ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب)، وكان أبو هريرة يغسله ثلاثاً، فنقدم روايته على فعله كما هو مقرر في علم الأصول.
أيضاً: جاء في البخاري: أن الصحابة كانوا يعرفون قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العصر من اضطراب لحيته، يعني: أن لحيته كانت تهتز، وهذا يدل على أن لحيته عليه الصلاة والسلام كانت كبيرة وكثيفة، وحالنا اليوم أننا نأخذ من اللحية كثيراً ونحتج بفعل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ونقول: إن ابن عمر رضي الله عنهما قد حج ستين حجة وكان يأخذ من لحيته على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم يثبت عن أحد أنه أنكر عليه، فكيف ذلك؟! ف
الجواب
أولاً: غير صحيح أن ابن عمر رضي الله عنهما حج ستين حجة.
ثانياً: أن فعل ابن عمر هذا ليس حجة على غيره من الصحابة، فقد كان بعض الصحابة من تبلغ لحيته إلى سرته، وليس فعل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة الدليل، وهذا كلام الأصوليين.
ومثل ذلك: أن الكل يُجمع على أن الحجاب من الفروض الإسلامية، والعجيب أنهم يشترطون على المذيعة أو المضيفة حتى تحصل على عمل: أن تظهر نحرها وشعرها، ولم نر مذيعة أو مضيفة محجبة، وإلا فالفصل ينتظرهما، فهم بذلك يناقضون أنفسهم، وإلا فما دام أنه فريضة من الفرائض فلماذا لا يعمل به؟! وكذلك اللحية فهي فرض، ومع ذلك يعبثون بها!!
البدء بالصفا والختم بالمروة في السعي
قال رحمه الله: [ويفتتح بالصفا ويختم بالمروة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالصفا، وقال: (أبدأ بما بدأ الله به)، فيقتضي الترتيب؛ لأنه أمر يقتضي الوجوب، فلو بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط]، أي: لو أن حاجاً بدأ بالمروة فإنه لا يحسب له شوطاً، لأن الترتيب في الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا﴾ [البقرة:158]، يقتضي الوجوب، ومثله في الوضوء، خلافاً لبعضهم، قال الشافعي رحمه الله تعالى: إن إدخال العضو الممسوح بين المغسولين -في الآية- لا يفيد إلا الترتيب، حيث قال الله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:6]، فـ (أرجلكم) معطوفة على (وأيديكم إلى المرافق)، فكما أنه تغسل الذراعان فكذلك تغسل القدمان، وإدخال الممسوح بين المغسولين أفاد الترتيب، لأن الترتيب لو كان غير مقصود لجاء بالمغسول على حاله وجاء بالممسوح كذلك على حاله، وهذا الكلام معتبر وله حجته.
قال: [ثم يقصر من شعره إن كان معتمراً وقد حل، إلا المتمتع إن كان معه هدي والقارن والمفرد فإنه لا يحل]، أي: بعد انتهائه من السعي بين الصفا والمروة يحلق أو يقصر إن كان متمتعاً، ويجوز له كل شيء من محظورات الإحرام حتى النساء، وأما إن كان قارناً أو مفرداً أو متمتعاً قد ساق الهدي، فإنه لا يحل له أن يتحلل، وإنما يظل على إحرامه، فالقارن قد قرن بين حج وعمرة، والمفرد سيؤدي حجاً فقط، والمتمتع الذي ساق الهدي من بلده يلزمه أن يقرن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولتحللت).
قال: [لما روى ابن عمر قال: (تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت والصفا والمروة وليقصر وليحلل)، متفق عليه.
والأحاديث في ذلك كثيرة لا نعلم فيها خلافاً].
وقد جمع ووفق ابن عثيمين بين الروايات الثلاث التي تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حج متمتعاً، وحج قارناً، وحج مفرداً، وكلها صحيحة، فقال رحمه الله تعالى: حج النبي صلى الله عليه وسلم قارناً لأنه ساق الهدي، وحج مفرداً لأنه أتى بأعمال الحاج المفرد والتي هي نفس أعمال الحاج القارن، فكلاهما لهما طواف واحد وسعي واحد، ما عدا الدم، فالقارن يلزمه دم والمفرد لا يلزمه، وحج صلى الله عليه وسلم متمتعاً لأنه أدى العمرة مع الحج، أي: في سفرة الحج، ولا شك أن التمتع هو أفضلها.
من كان معه هدي بقي على إحرامه وأدخل إحرام الحج على العمرة
قال: [أما من كان معه هدي فإنه يقيم على إحرامه ويدخل إحرام الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً]، أي: يظل محرماً ويدخل الحج على العمرة، لكن لا يجوز له أن يدخل العمرة على الحج، وهذا مذهب أحمد وهو الصحيح.
قال: [وفي حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً).
المعتمر غير المتمتع يحل سواء كان معه هدي أو لم يكن معه هدي
قال: [وأما المعتمر غير المتمتع فإنه يحل سواء كان معه هدي أو لم يكن معه هدي، فإن كان معه هدي نحره عند المروة]، يعني: أنه يعتمر عمرة فقط، كمن يعتمر في رمضان ولم يؤد الحج، لكن هب أن إنساناً أحرم بالعمرة في رمضان وساق معه الهدي، فيجوز له أن يتحلل ويذبح الهدي، لأنه لم يسق الهدي في أشهر الحج.
قال: [وحيث نحره من مكة جاز -يعني: أن المعتمر لا بد عليه أن ينحر هديه في مكة- لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر سوى العمرة التي مع حجته فكان يحل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل فجاج مكة طريق ومنحر).
إذا طاف وسعى المفرد أو القارن استحب له أن يفسخ نية الحج وينوي عمرة مفردة
قال: [وأما القارن والمفرد فيستحب له إذا طاف وسعى أن يفسخ نية الحج وينوي عمرة مفردة، فيقصر ويحل من إحرامه ليصير متمتعاً]، يعني: لو أن رجلاً نوى أن يحج قارناً، وأدى الطواف والسعي، فيجوز له أن يتحلل ويجعلها عمرة ثم يحج متمتعاً؛ لأن الصحابة فعلوا ذلك، فقد قلبوا الطواف والسعي إلى عمرة، والعمرة أركانها الآتي: الإحرام، والطواف، والسعي.
وحتى لا يلتبس الأمر: فالإحرام ركن من أركان العمرة أو الحج، والإحرام من الميقات واجب، فلو أن رجلاً أراد أن يحج، ولا يستطيع أن يدخل السعودية إلا بمهنة جزار أو خدمة الحجيج، فله أن يدخل بملابسه ويحرم منها أو من جدة، ويلزمه فدية؛ لأنه جاوز الميقات دون إحرام، لكن أصل الإحرام ركن، يعني: يعقد النية عند الميقات ويلبي، وإن لم يستطع الفدية صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده.
وآخر: رجل اعتمر في رمضان، ولما جاءت أشهر الحج لبى بالحج مفرداً من مكانه، فله أن يحج مفرداً وليس عليه دم؛ لأنه أوقع العمرة في غير أشهر الحج، بينما المتمتع هو من أوقع العمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، فمن اعتمر فيها يعتبر متمتعاً ويلزمه دم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196]، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:196].
ثم قال: [وإنما يجوز ذلك بشرطين أحدهما: أن لا يكون معه هدي، فإن كان معه هدي بقي محرماً حتى يفرغ من أفعال الحج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر أصحابه في حجة الوداع الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق معه هدياً)، رواه جابر وابن عباس وعائشة متفق عليه، واحتج أحمد بقوله عليه السلام: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)، والأحاديث في ذلك كثيرة صحاح تقرب من التواتر والقطع.
الشرط الثاني: أن لا يكون قد وقف بعرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بالفسخ قبل الوقوف] يعني: من أراد أن يحول الطواف والسعي إلى عمرة مفردة فله ذلك بشرطين: الأول: أن لا يكون قد ساق الهدي، والثاني: أن لا يكون قد وقف بعرفة؛ لأن من وقف بعرفة فقد انتهى حجه.
قال: [والمرأة كالرجل إلا أنها لا ترمل في طواف ولا سعي، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت، ولا بين الصفا والمروة، وليس عليهن اضطباع؛ لأن الأصل في الرمل والاضطباع أمر الجلد -يعني: القوة- ولا يقصد في ذلك النساء؛ ولأن النساء يقصد فيهن الستر وفي الرمل والاضطباع تعرُّض للانكشاف].
العدة شرح العمدة [49]
يشرع للحاج المبيت بمنى يوم التروية وليلة التاسع من ذي الحجة، وإن كان متمتعاً أحرم من منى، فإذا أضحى يوم عرفة خرج إلى عرفة وبقي فيها حتى غروب شمس يوم التاسع، ثم يدفع إلى مزدلفة ويصلي فيها المغرب والعشاء جمع تأخير، ويبيت فيها استعداداً لأداء مناسك يوم النحر.
ما يفعله الحاج يوم التروية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب (صفة الحج).
قال المصنف رحمه الله: [وإذا كان يوم التروية، فمن كان حلالاً أحرم من مكة وخرج إلى عرفات، فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بينهما]، ويوم التروية هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وسمي بيوم التروية، لأنهم كانوا يتروون فيه الماء، حتى إذا ما صعدوا إلى عرفة أو ذهبوا إلى منى يكون معهم الماء، والمتمتع في اليوم الثامن يُحرم من مكانه الذي هو فيه، فإن كان في الفندق فله أن يغتسل ويطيب المفارق ويلبس الإزار والرداء، ثم يصلي ركعتين، وليس هناك ركعتين تسمى بـ (ركعتي الإحرام)، فهذا خطأ وهو شائع، لكن إن كانت هناك فريضة صلاها، وإن كانت نافلة صلاها، أو سنة الوضوء أو تحية المسجد، أي: أنها صلاة مسببة، ثم يلبي من مكانه: لبيك حجاً، لأنه قد لبى بالعمرة من الميقات، ويقول: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
وهذا كله قبل الظهر يوم الثامن من ذي الحجة، ثم يتوجه إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، فيقصر الصلاة دون أن يجمع، أي: أنه يصلي الظهر ركعتين والعصر ركعتين والمغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين والفجر ركعتين، وكل فريضة في وقتها، وهناك صحابي جليل من الخلفاء الراشدين قد أتم الصلاة في منى، وهو عثمان بن عفان رضي الله عنه، وصلى خلفه عبد الله بن مسعود فقال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم في منى فقصر، وصليت خلف أبي بكر فقصر، وصليت خلف عمر فقصر، فلما جاءت خلافة عثمان أتم عثمان، وقد اعتذر العلماء لفعل عثمان بأعذار عديدة، منها: أنه تأول، هل القصر في منى من النسك أم هو رخصة؟ من النسك، فلو أن رجلاً بيته في منى، فهل يصلي قصراً أم يتم؟ يصلي قصراً؛ لأن القصر من النسك وليست رخصة للمسافر دون غيره، ومن السنة أن يبيت في منى، وليس ذلك واجباً من واجبات الحج، ولا ركناً من أركانه، فإن بات في منى صلى الفجر فيها صبيحة اليوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة، وهو خير يوم طلعت فيه شمس العام، ثم بعد أن يصلي الفجر في منى ينتظر حتى يسفر النهار، ثم يتوجه بعد ذلك إلى عرفة.
قوله: [وخرج إلى عرفات] أي: خرج إلى عرفات في اليوم التاسع من ذي الحجة، وكما تعلمون أن بعض المعاصرين يقترح على الأمة أن تعدد أيام عرفة لأجل تخفيف الزحام! أي: أنه بدلاً من أن يكون يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة ممكن أن يكون التاسع من شوال، وممكن أن يكون التاسع من ذي القعدة، والغريب أن الصحفي الذي كتب هذا المقال في جريدة الأهرام أو الأخبار -على ما أذكر- قال: وهذا اقتراح جدير بالدراسة، عرفة يتعدد وهو يوم واحد في السنة! وليس هناك عرفة سواه، ولكن أحياناً العقول تضل.
وقوله: [فإذا زالت الشمس يوم عرفة]، أي: انحرفت عن وسط السماء، [صلى الظهر والعصر يجمع بينهما]، أي: صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر مع العصر في عرفة يجمع بينهما.
ذكر جابر لأفعال النبي في يوم الثامن والتاسع والعاشر من ذي الحجة
قال: [وروى جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم الحديث إلى أن قال: (فحل الناس كلهم وقصّروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم، ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها -أي: بمنى- الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضُربت له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت بنمرة فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي صلى الله عليه وسلم)]، أي: أنه بعد الزوال أتى من نمرة إلى بطن الوادي إلى عرفة، وعرنة جزء منها من عرفة، وجزء منها خارج حدود عرفة، لذا فعرفة لها حدود معينة، ولا بد أن يقف الحاج على عرفة، فيقف عليها جزءاً من النهار مع جزء من الليل، وبذلك يكون قد أتى بالسنة، ولذلك لو أن حاجاً وقف على عرفة نهاراً، ثم ترك عرفة قبل غروب الشمس، فيكون بذلك قد ترك واجباً؛ لأن الوقوف في عرفة في جزء من الليل من واجبات الحج، فإن تركه يجبر بالدم.
ولو أن رجلاً وقف على عرفة بعد غروب الشمس ولم يقف بالنهار، فحجه صحيح.
ولو أن رجلاً ترك الوقوف على عرفة بالنهار، ولكنه وقف بالليل، فحجه صحيح ولا شيء عليه؛ لأن الوقوف بعرفة يكون ليلاً، فمن أدركها بالليل فقد أدرك الحج ولا شيء عليه؛ والجمع بين الوقوف في عرفة ليلاً ونهاراً سنة، ومن أدرك عرفة فقد أدرك الحج.
ولو أن رجلاً خرج من بلده وتوجه مباشرة إلى عرفة، فأدرك عرفة قبل أن يؤذن الفجر، فحجه صحيح وعليه دم، لأنه ترك المبيت بمزدلفة ليلة العيد.
قال: [فخطب الناس صلى الله عليه وسلم]، أي: أنه خطبهم خطبة الوداع قبل أن يصلي الظهر مع العصر، وخطب -كذلك- بعد زوال الشمس، أي: بعد أن دخل وقت الظهر، فقام فيهم خطيباً في خطبة جامعة لم يعرف التاريخ ولن يعرف مثلها في تمامها وكمالها.
قال: (ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً)]، أي: أنه صلى الظهر والعصر جمعاً، وهذا من النسك.
قال: [(ثم ركب حتى أتى الموقف واستقبل القبلة حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص)]، أي: أنه لم يترك عرفة إلا بعد غروب الشمس، فجمع صلى الله عليه وسلم في الوقوف في عرفة بين الليل والنهار.
قال: [(حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء)]، أي: جمع تأخير؛ لأن المغرب حان عليه في عرفة قبل أن يخرج منتصف الليل، لكن بعض الحجاج قد يركب السيارة فيكون هناك زحام، فيصل إلى مزدلفة في الساعة الثانية أو الثالثة فجراً، ويؤخر العشاء والمغرب إلى هذا الوقت! وهذا لا يجوز، يقول علماؤنا: إن خرج منتصف الليل نزل من سيارته وصلى في أي مكان، وليس شرطاً أن يصلي في مزدلفة؛ لأنه حبسه حابس عن الوصول إلى المزدلفة، لكن إن يسّر الله له فوصل إلى مزدلفة قبل منتصف الليل صلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير.
قال: [(فصلى بها المغرب والعشاء -أي بمزدلفة- بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبّح بينهما شيئاً)]، أي: أنه لم يصل النافلة؛ لأن الذي يجمع الصلاة ليس له أن يصلي النافلة، ومن باب أولى الذي يجمع ويقصر، لكن لو أتم صلى نافلة، والفريضة جُبرت عنه، فمن باب أولى النافلة.
قال: [(ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر)]، أي: أنه صلى المغرب والعشاء ثم اضطجع، ولم يصل قيام الليل، لأنه ليس من السنة قيام الليل في ليلة المبيت بمزدلفة، ولأنه يحتاج إلى جهد لأداء النسك.
ثم قال: [(فصلى الصبح حين تبيّن له الصبح بأذان وإقامة)]، أي: أنه صلى الصبح في مزدلفة، ولذلك من واجبات الحج المبيت بالمزدلفة، لكن رُخّص لأهل الأعذار أن يدفعوا من مزدلفة بعد منتصف الليل، كالساقي أو الرجل معه النساء وغير ذلك.
قال: [(ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً)]، أي: أنه مكث واقفاً في مزدلفة حتى ظهر ضوء النهار، وأسفر بمعنى: بدا وظهر، قال تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر:34]، ومنه سفور المرأة، أي: ظهور مفاتنها، وسمي السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، فلا تعرف الرجل إلا إذا سافرت معه، فتعرف أخلاقه الطيبة من معايبه.
قال: [(فدفع قبل أن تطلع الشمس -أي: في يوم مزدلفة قبل طلوع الشمس- حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى)]، وهذا في صباح يوم العيد؛ لأنه بات في مزدلفة ليلة العيد، ثم توجه إلى منى ليسلك الطريق المؤدي إلى جمرة العقبة الكبرى أو العظمى، بحيث يرمي الحاج جمرة واحدة بسبع حصيات، وإجمالي ما يرميه الحاج في حجه 49 حصاة إذا تعجّل، وإذا تأخر 70 حصاة، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْن
استحباب الإحرام للحاج المتمتع يوم التروية حين توجهه إلى منى
قال رحمه الله تعالى: [ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأنهم كانوا يتروون من الماء فيما يعدونه ليوم عرفة، فالمستحب لمن كان بمكة حلالاً -من المتمتعين الذين حلوا من عمرتهم ومن كان مقيماً بها من أهلها وغيرهم- أن يحرموا يوم التروية حين يتوجهون إلى منى، لما تقدم من حديث جابر.
الوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به
ثم قال: [(وخرج إلى عرفات، فإذا زالت الشمس صلى بها الظهر والعصر يجمع بينهما)، لما سبق من حديث جابر، ثم يصير إلى الموقف، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، وذلك لأن الوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به إجماعاً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) أخرجه أبو داود وابن ماجه]، وليلة الجمع هي ليلة مزدلفة، ومن جاء قبل الفجر وأدرك عرفة فقد أدرك الحج.
قال: [وقال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثاً أشرف منه، وقال عليه الصلاة والسلام: (كل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة)]، أي: أنه صلى الله عليه وسلم وقف في عرفة وقال: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف)، ولذا فليس من المعقول أن يقف الناس في الموقف الذي وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالتحديد، ولكن لهم أن يتوزعوا في عرفة، وصعود جبل الرحمة في عرفة ليس من السنة؛ لأن البعض يقتتلون من أجل صعود جبل الرحمة، ويعتبرون ذلك من السنة، وهذه من المخالفات التي يقع فيها الحجيج، ولذا قال المصنف: [ولأنه لم يقف بعرفة فلم يجزه كما لو وقف بمزدلفة].
استحباب أن يقف الحاج بعرفة في موقف النبي عليه الصلاة والسلام
قال: [ويستحب أن يقف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم عند الجبل قريباً من الصخرات، لما في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل جبل المشاة بين يديه.
واستقبل القبلة، ويجعل جبل المشاة بين يديه ويستقبل القبلة لذلك].
ثم قال: [ويكون راكباً وهو أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف راكباً]، أي: وقف في عرفة راكباً، وطاف بالبيت راكباً، حتى أن أسامة بن زيد قال: (وقع خطام دابته من يده وهو يدعو الله عز وجل في يوم عرفة).
الاجتهاد في الدعاء والثناء على الله في يوم عرفة
قال: [ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)]، فينبغي لمن وفقه الله ولمن اصطفاه الله ولمن اختاره الله أن يقف على عرفة أن يجتهد في الدعاء، ولا يقض يوم عرفة في النوم كما يفعل البعض، أو في معصية الله سبحانه كما يفعل البعض؛ لأنكم لو رأيتم ماذا يحدث في عرفة لعلمتم أن الأمة في غفلة، فالبعض يصطحب معه إلى عرفة لعبة الطاولة والضمنة! والبعض قد يصطحب معه موبقات، والبعض قد ينام في يوم عرفة ولا يستيقظ إلا بعد غروب الشمس، وغاب عنه أن هذا الوقت هو وقت مبارك وطيب، ونبيه صلى الله عليه وسلم كان يجتهد فيه بالدعاء، وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لذا فإنه من بركة هذا اليوم المبارك أن ربنا سبحانه وتعالى يباهي بحجاج بيته الملائكة، فلا بد أن يراك ربك متضرعاً خائفاً وجلاً داعياً باكياً نادماً على فعل المعاصي السابقة.
يقول: [ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله عز وجل إلى غروب الشمس؛ لأنه يوم ترجى فيه الإجابة، ولذلك أحببنا له الفطر ليتقوى على الدعاء]، وأما غير الحاج فله أن يصوم التسع من ذي الحجة، وغالب علماء السنة على مشروعيتها، فلا داعي أن نبدّع من صامها، ونكون بذلك قد خالفنا ابن القيم وشيخ الإسلام وابن عثيمين والنووي وابن حجر وغيرهم من حفاظ الأمة، وذلك بدون أن نبحث في المسألة، يقول الشيخ ابن عثيمين: إن الأصل فيه موجود: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)، والصيام من العمل الصالح، فلا داعي أن نبدّع الناس بذلك.
قال: [قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، فإنه ليدنو -عز وجل- ثم يباهي بكم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟)].
ثم قال: [ويستحب أن يدعو بالمأثور من الأدعية مثل ما روي عن علي رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أكثر دعاء الأنبياء قبلي ودعائي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، ويسر لي أمري)، وكان ابن عمر يقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، اللهم اهدني بالهدى، وقني بالتقوى، واغفر لي في الآخرة والأولى، ثم يرد يده فيسكت قدر ما كان إنسان قارئاً بفاتحة الكتاب، ثم يعود فيرفع يديه ويقول مثل ذلك، ولم يزل يفعل ذلك حتى أفاض، وسئل ابن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، فقيل له: هذا ثناء وليس بدعاء -أي: أنهم سألوه عن الدعاء فأجاب بالثناء- فقال: أما سمعتم قول الشاعر: أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناء].
أي: هل أذكر حاجتي أم الثناء عليك يكفي؟ ومن أكرم من الله عز وجل؟ فإذا أثنى العبد على ربه سبحانه فإن هذا بمثابة الدعاء.
قال: [وقوله: (إلى غروب الشمس)، معناه: أنه يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس، ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة حتى غربت الشمس.
كذا في حديث جابر].
صفة دفع الحجيج ليلة النحر إلى مزدلفة ووقته
قال: [ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة على طريق المأزمين وعليه السكينة والوقار، وذلك أنه لا ينبغي للناس أن يدفعوا حتى يدفع الإمام]، وهذا حين يكون للأمة إمام، فيتحرك الإمام ويتحرك الناس من خلفه، أما الآن فقد سقطت الخلافة الإسلامية، وكل يدّعي أنه إمام أهل السنة، بل ونجح أعداؤنا في وضع الحدود الجغرافية بين كل بلد وآخر، حتى رؤية رمضان وذو الحجة لم تفلح الأمة في توحيدها إلى الآن، ولذلك يروى أن هارون الرشيد نظر إلى سحابة في السماء فقال لها: أمطري حيث شئت فإن خراجك سيأتيني.
أي: في أي بقعة من الأرض أمطرت فسيأتيني خراجك إن شاء الله، ومعنى هذا: أن الإسلام قد شمل كل بقاع الأرض، وأن الأرض كلها كانت تخضع للإسلام ولولي أمر المسلمين، فتأملوا في هذا وانظروا إلى ما وصلنا إليه! وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه حينما جاء من أرمينيا أو أذربيجان اقترح على ذي النورين أن يجمع المصحف على حرف واحد؛ لاختلاف القراء، فهذا يقرأ بلغة وهذا بلغة أخرى، والقرآن قد نزل على سبعة أحرف، فتأمل كيف أن حذيفة جاء من أقصى الدنيا، أي: أن الإسلام قد عم الأرض جميعاً، ولذا فلا أمان ولا اطمئنان في هذا العالم إلا إذا ساده الإسلام، فهو دين الله عز وجل الذي ارتضاه للخلق أجمعين.
قال: [وهو الوالي الذي إليه أمر الحاج من قبل الإمام، فالمستحب أن يقف حتى يدفع الإمام، ثم يسير نحو المزدلفة على طريق المأزمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سلكه وإن سلك الطريق الآخر جاز، ويكون عليه سكينة ووقار؛ لقوله عليه الصلاة والسلام حين دفع وقد شنق القصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب موركة رحله ويقول بيده اليمنى: (أيها الناس السكينة السكينة)].
ويحضرني الآن قول عمر رضي الله عنه حينما نظر إلى الحجاج فوجد العدد كبير: الركب كثير والحاج قليل، أي: من ذهب طلباً لرضا ربه ومغفرته، وأتقن العمل، ويخاف ألا يتقبل الله منه، فهو حاج، وهؤلاء قليل، ومن ذهب ليقال: إنه قد ذهب ليحج، حتى أنك ترى السيارات والأعلام البيض، والطبل والمزامير في انتظاره، وبعد عودته من الحج لم يتغير سلوكه، فهؤلاء ركب وهم كثير.
ثم قال: [وقال عروة: (سئل أسامة -وأنا جالس-: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص)]، أي: أنه إذا وجد الطريق ميسورة للمشي مشى، وإذا وجد الزحام توقف، وفي هذا إشارة إلى أنه لا ينبغي أن تزاحم الناس وتؤذيهم.
استحباب الإكثار من التلبية والذكر في يوم عرفة
قال: [ويكون ملبياً ذاكراً لله عز وجل]، ولا يقطع الحاج التلبية إلا عند رمي جمرة العقبة، وعند الشروع في الطواف بالنسبة للمعتمر.
قال: [فإن ذكره مستحب في جميع الأوقات وهو في هذا الوقت آكد؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة:198]؛ ولأنه زمن الاستشعار بطاعة الله تعالى والتلبس بعبادته والسعي إلى شعائره، فيستحب الإكثار فيه من ذكره، ويستحب التلبية، قال الفضل بن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة)]، وقد أردف النبي صلى الله عليه وسلم خلفه ابن عباس ومعاذاً وأسامة بن زيد، وهنا في حجة الوداع أردف النبي صلى الله عليه وسلم خلفه الفضل بن عباس، فرأى امرأة محرمة لكنها كشفت وجهها، فجعل ينظر إليها فصرف النبي عليه الصلاة والسلام وجهه عنها وقال: (رأيت شاباً وشابة، فكيف آمن الشيطان عليهما؟)، وكلما عاد الفضل لينظر صرف النبي صلى الله عليه وسلم وجهه، وهذا دليل لمن قال بعدم وجوب غطاء الوجه للمرأة، فنقول له: هذا في الحج، والمرأة قد أُمرت ألا تغطي وجهها في الحج إذا أمنت مخالطة الرجال، فإن قال قائل: فكيف ينظر إليها الفضل وقد خالطت الرجال؟ نقول: المرأة كانت تأمن من عدم المخالطة، لكن الفضل نظر فرآها وليس على وجهها حجاب، فلما نظر إليها جذبه النبي صلى الله عليه وسلم، فمعنى ذلك: حرمة النظر إلى الوجه؛ لأن الوجه يجمع المحاسن، ولذلك فهذه مؤامرة خبيثة على هذا الزي الإسلامي الذي عرفته الأمة منذ قديم الزمان.
صلاة الحاج للمغرب والعشاء والفجر بمزدلفة
قال: [فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما]، أي: قبل أن يحط الرحال يصلي المغرب والعشاء، [والسنة لمن دفع من عرفة أن لا يصلي المغرب حتى يصل إلى مزدلفة، فيجمع بين المغرب والعشاء قبل حط الرحال، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن السنة أن يجمع الحاج بجمع -أي: بمزدلفة- بين المغرب والعشاء، والأصل في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما].
قال: [ثم يبيت بها -أي: بمزدلفة- والمبيت بمزدلفة واجب من تركه فعليه دم، وقال بعضهم: من فاته جمع فاته الحج]، أي: أن بعضهم قال: إن المبيت بمزدلفة ركن وليس واجباً، فانظر إلى خطورة المسألة، فمعظم الحجاج المصريين يدفعون من عرفة إلى الجمرة إلى منى ولا يبيتون بمزدلفة، بحجة أن المطوف قد فعل ذلك، فيا عبد الله! إن المبيت بمزدلفة واجب فلا ينبغي أبداً أن تتركه، وأقول لك: حتى يكون حجك صحيحاً خذ عنوان الفندق وأد النسك في اطمئنان وسكينة، ولا تخش على نفسك.
قال: [ولنا قوله عليه السلام: (الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه)، يعني: من جاء من يوم عرفة].
ثم قال: [ثم يصلي الفجر بغلس] أي: بظلام.
قال: [السنة أن يبيت بمزدلفة حتى يطلع الفجر فيصلي الصبح]، وهذا استدلال على أن وقت صلاة الفجر لا شبهة فيه، وقد نشرت مجلة التوحيد في عدد لها فتوى حول هذا الأمر؛ لأن البعض يؤخر الفجر عن الجماعة الأولى، ويظل يطعن في موعد الفجر حتى نام ولم يصل الفجر بعد، فيكفي في دخول الوقت غلبة الظن، وما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين، وإن قلت لأحد الإخوة: أنت الآن تشكك في موعد الفجر، فقال: نعم، قلت له: إذاً في رمضان كل واشرب بعد النداء، فقال: لا يجوز؛ احتياطاً للصيام، فإذاً هو غير متأكد وغير متيقن مما يقول، فلا داعي أبداً أن نثير هذه الشبهات والقلاقل في مواعيد استقرت، وأهل الخبرة أو أهل التخصص قد وضعوها في النتيجة، وإن كان هناك خطأ في التقدير فعليهم، وأنت الآن تصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء في موعد محدد، فلماذا تطعن في الفجر يا عبد الله؟! يقول: هناك أقوال كذا وكذا لبعض العلماء أو الدعاة! وأنا أعتقد أن هذه المسألة قد حسمت قديماً فلا داعي أبداً لهذا؛ لأن الفتنة لا زالت تذهب إلى بعض القرى، فبعض الناس لا يصلي الفجر مع الجماعة الأولى بحجة أنهم يصلون بليل، فيؤخر الجماعة فيخالف، أو يصلي مع الجماعة الأولى ثم يعود فيصلي مرة ثانية! ولا صلاة مرتين في اليوم، فيقع في المخالفات العديدة بسبب هذا الموضوع.
قال: [والسنة أن يعجلها في أول وقتها ليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام]، وهذا دليل آخر أيضاً، فيصلي الفجر في أول الوقت بغلس، أي: بظلام، وقد استدل علماؤنا على ذلك بأن نساء المؤمنين زمن النبي كن يخرجن من صلاة الفجر بغلس فلا يُعرفن، أي: أن الصلاة تنتهي والجو لا يزال مظلماً، فلا تعرف المرأة أختها، وفي البخاري: أن الرجل كان ينظر فلا يميز بين الرجل والأنثى من شدة الظلام، فلا داعي لمثل هذه الأمور، وهذا كلام مستقر، لذا فأقول: إن السنة أن يعجلها في أول وقتها.
قال: [وفي حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح حين تبين له الصبح، وفي حديث: أنه صلى الفجر حين طلع الفجر، وقائل يقول: قد طلع، وقائل يقول: لم يطلع]، أي: أن الصحابة اختلفوا، فمنهم من يقول: قد طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع بعد، فصلى عليه الصلاة والسلام في هذا الوقت؛ حتى يتمكن من الدعاء عند المشعر الحرام.
الوقوف والدعاء عند المشعر الحرام
قال: [ويأتي المشعر الحرام فيقف عنده ويدعو، وفي حديث جابر: (إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المشعر الحرام فرقى عليه، وحمد الله وهلله وكبّره ووحده)]، أي: حمد الله فقال: الحمد لله، وهلله فقال: لا إله إلا الله، وكبّره فقال: الله أكبر، ووحّده سبحانه وتعالى.
قال: [ويستحب أن يكون من دعائه: اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه، فوفقنا فيه لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:198 - 199].
دفع الحاج من المشعر الحرام قبل طلوع الشمس
ثم قال: [ثم يدفع قبل طلوع الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله، قال عمر: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس فيقولوا: أشرق ثبير كيما نغير]، وهذا من أقوال المشركين، فالنغير: العصفور الصغير، بمعنى: أشرق الصباح والعصفور صاح؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لـ عمير الطفل الصغير: (يا أبا عمير ما صنع النغير؟)، والنغير هو العصفور، فكان لـ أبي عمير عصفور صغير يلعب به، وكان يسر به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمازحه فيقول له: ويقول: (يا أبا عمير ما صنع النغير؟ وهو يبكي ويقول: (مات النغير يا رسول الله).
استحباب الإسراع في وادي محسر والبدء برمي جمرة العقبة
قال: [فإذا بلغ محسراً أسرع قدر رمية بحجر حتى يأتي منى، يستحب الإسراع في وادي محسر، وهو ما بين جمع منى، فإن كان ماشياً أسرع وإن كان راكباً حرك دابته، قال جابر: (إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بطن محسر حرك دابته قليلاً)].
ثم قال: [فيبدأ بجمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات كحصى الخذف، ويقطع التلبية عند الرمي، وبعد رمي جمرة العقبة يحل له كل شيء إلا النساء، وبعد الرمي والذبح والحلق يكون قد تحلل تحللاً أصغر]، فيحل له كل شيء إلا النساء، وإن جامع بعد أن تحلل التحلل الأصغر فعليه دم، ويذهب إلى التنعيم فيحرم ويطوف بالبيت وهو محرم، وإن جامع قبل التحلل الأول، أي: قبل أن يرمي جمرة العقبة فقد فسد حجه ولزمه الإتمام وعليه بدنة، ويقضي من قابل، والبدنة يذبحها في الحرم في مكة.
نحر الهدي بعد الفراغ من رمي الجمرة
قال: [ثم ينحر هديه، وذلك أنه إذا فرغ من رمي الجمرة يوم النحر ثم يحلق رأسه أو يقصر، والحلق أفضل- لأنه قد قصّر بعد أداء العمرة إن كان متمتعاً- ثم قد حل له كل شيء إلا النساء ثم يذهب إلى مكة فيطوف طواف الإفاضة ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً، أما إن كان قارناً قد سعى عند قدومه فلا يسعى]، لأن القارن والمفرد عليهما سعي واحد، أما المتمتع فعليه سعيان: سعي للعمرة وسعي للحج.
إلى هنا نكون قد انتهينا من صفة الحج، ويبقى عندنا ثلاثة أبواب: باب: (ما يفعله في منى بعد الحل)، وباب: (أركان الحج والعمرة)، وباب: (الهدي والأضحية والعقيقة)، وهذا ما سنبينه إن شاء الله تعالى في وقت لاحق، ونكتفي بهذا القدر وجزاكم الله خيراً.
العدة شرح العمدة [50]
من أعمال الحج يوم النحر أن يرجع الحاج إلى منى بعد الإفاضة فيمكث بها ليالي التشريق كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ويرمي الجمرات، ومن أراد التعجل في يومين من أيام التشريق فينفر بعد زوال يوم الثاني من أيام التشريق.
ما يفعله الحاج يوم النحر وأيام التشريق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب ما يفعله بعد الحل، والمعنى: بعد أن يتحلل الحاج برمي جمرة العقبة، وبالذبح والحلق يكون قد تحلل تحللاً أصغر، فإن طاف للإفاضة فقد تحلل تحللاً أكبر، سواء كان تحلل تحللاً أصغر أم أكبر هناك أفعال تلزم الحاج بعد الحل، يعني: ما يفعله بعد التحلل
حكم المبيت بمنى بعد الإفاضة يوم النحر وأيام التشريق
يقول المصنف: [ثم يرجع إلى منى ولا يبيت لياليها إلا بها]، أي: أن الحاج بعد أن يرمي جمرة العقبة، وبعد أن يذبح ويحلق يعود إلى منى، فيبيت بها.
قال الشارح: [وذلك أن السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى، قالت عائشة رضي الله عنها: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر)]، يعني: صلى الظهر بالمسجد الحرام، ثم طاف للإفاضة ثم عاد إلى منى.
قال الشارح: [(ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي التشريق)، رواه أبو داود.
وروى أحمد عن عبد الرزاق عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى)].
وهنا ننبه إلى أنه لا يلزم الحاج أن يطوف طواف الإفاضة يوم النحر؛ لأن وقت طواف الإفاضة يمتد إلى آخر ذي الحجة، فبعد تحلله الأصغر برمي جمرة العقبة، وبالذبح ثم الحلق؛ يكون قد تحلل تحللاً أصغر، فيجوز له كل شيء إلا النساء، فالنساء لا تحل له إلا بعد التحلل الأكبر، هذا يسمى التحلل الأصغر، وهو أن يفعل أمرين من ثلاثة: الرمي، والذبح، والطواف.
والحلق لا يحسب ولا يعد.
فإن فعل من هذه الثلاثة اثنين؛ فقد تحلل تحللاً أصغر، ويلزمه أن يعود فيبيت في منى ليالي التشريق، وهي: ليلة الحادي عشر من شهر ذي الحجة، وليلة الثاني عشر، وليلة الثالث عشر لمن أراد أن يتأخر، يقول تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:203]، ونفي الإثم من صيغ الإباحة في علم أصول الفقه يعني: أنه يستوي الفعل مع الترك.
قال الشارح: [(ثم رجع فصلى الظهر بمنى)، والمبيت في منى ليالي منى واجب]، يعني: ليالي التشريق المبيت بمنى واجب.
قال الشارح: [وهي إحدى الروايتين عن أحمد]، أي: أن الحاج إذا ترك المبيت بمنى يلزمه دم؛ لأنه ترك واجباً، فالمبيت في منى واجب، ورمي الجمرات في أيام التشريق واجب مع جمرة العقبة.
وقد سمعتم ما يحصل من زحام شديد عند الجمار فيسبب ضحايا، والأمر يحتاج إلى تأمل من فقهائنا، إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمي جمرة العقبة ثم يقف فيدعو طويلاً بمقدار ما يقرأ سورة البقرة، فهل يتيسر للحاج هذا الأمر في هذه الأيام؟ لا يمكن.
ثانياً: إن منى مساحتها ضيقة، لا يمكن أن تتسع لمليوني حاج في وقت واحد؛ فإن الواجبات تسقط بالعجز كما يقول العلماء، والمشقة تجلب التيسير: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:78].
إن الجمود عند بعض النصوص وإن كان فيها تهلكة للأمة، لم يأمر به الله عز وجل.
قال الشارح: [لما روى ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته)، متفق عليه]، وكونه يرخص للعباس مفهوم المخالفة أن من سوى العباس يجب عليه المبيت.
والنبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس ليبيت بمكة من أجل السقاية، فمن عدا العباس ليس له رخصة، هذا مفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة في أصول الفقه لا يُعمل به إلا بشروط؛ لأن البعض قد يستنبط من الآيات مفهوم المخالفة، والآية ليس لها مفهوم مخالفة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور:33]، قال قائلهم: الإكراه لا يجوز، فمفهوم المخالفة أن الرضا يجوز، وكما قلنا: إن الآية ليس لها مفهوم مخالفة، وكما في قول الله عز وجل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:31]، غالب فعلهم أنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية إملاق؛ فجاءت الآية بهذا فخرجت مخرج الغالب، فليس لها مفهوم مخالفة.
فمن شروط مفهوم المخالفة: أن لا يخرج الكلام مخرج الغالب.
قال الشارح: [وتخصيص العباس بالرخصة من أجل السقاية دليل على أنه لا رخصة لغيره.
وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال: (لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم لأحد أن يبيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته).
وروى الأثرم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه قال: لا يبيتن أحد من الحجاج إلا بمنى]، وكثير من الحجاج المصريين بعد أن يرموا جمرة العقبة لا يرجعون إلى منى، ولكنهم يجلسون عند الجمرات ثم يعودون إلى الفندق، فهم بهذا يتركون واجباً، والواجب أن يقضوا في منى أكثر من نصف الليل، فإذا دخلوا إلى منى بعد الغروب وبقوا فيها إلى الثانية بعد منتصف الليل، فيكونون قد قضوا غالب الليل وهذا جائز.
وأما ألا يبيت ف
صفة رمي الجمرات يوم النحر وأيام التشريق
ثم قال المصنف: [فيرمي بها الجمرات بعد الزوال]، يعني: يبيت بمنى ويرمي الجمرات، بعد الظهر، فيرمي جمرة العقبة قبل الزوال، والجمرتان يرميهما بعد الزوال، وهذا يحتاج إلى إعادة نظر، نعم قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الرمي بعد الزوال، لكن ليس معنى هذا أن الرمي لا يمتد، بل يمتد لأهل الأعذار إلى غروب الشمس، بل إلى الليل؛ لأنه من الصعوبة بمكان أن يرمي الحجيج مرة واحدة بعد الزوال؛ فلا بد أيضاً من إعادة النظر في بعض مناسك الحج في ضوء الزحام الشديد: كالرمل، فلا يمكن أن ترمل حول البيت في حال الزحام الشديد.
وكالدعاء بعد رمي الجمار، فلا يتصور أن تقف وتدعو بمقدار سورة البقرة.
فهناك بعض الأمور الفقهية تحتاج من فقهاء الأمة إلى إعادة نظر، لكن ليس كما قال الدكتور القرضاوي: أنه يجوز أن تتصدق بثمن الأضحية لأجل فلسطين.
وهذا الكلام يخالف الشرع؛ لأن الأضحية نسك، والغرض منها إسالة الدماء في يوم النحر، وهذه الفتوى توزع على النقابات المهنية ويقولون فيها: خذ الأجر مرتين، أجر الأضحية وأجر التصدق لإخوانك في فلسطين، ولم يقل بهذا الكلام أحد من أهل العلم أبداًَ، وليس له سلف، فإن الأضحية نسك، ونحن نجل العلماء ونقدرهم، لكن الحق أحب إلينا، فإسالة الدماء في يوم العيد مقصودة لذاتها، وأحب الأعمال إلى الله في يوم النحر: هي إسالة الدماء، لو أن الأمة جميعاً تصدقت بالمبالغ إلى فلسطين، إذاً لن تسال دماء في يوم العيد، إذاً ما فائدة يوم النحر، وما سمي بهذا الاسم إلا وفيه نحر، وقد صدروا الفتوى بحديث موضوع مكذوب وهو عند ابن ماجه، (ما بال الأضحية؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم، لكم بكل شعرة حسنة)، وقد حققت هذه الأحاديث مجلة التوحيد في هذا الشهر.
فلابد أن يراجع نفسه من قال هذا الكلام.
قال الشارح: [فيرمي الجمرات بعد الزوال من أيامها كل جمرة بسبع حصيات، فيبتدئ بالجمرة الأولى فيستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة؛ لأن جملة ما يرمي به الحاج سبعون حصاة]: يرمي في يوم النحر سبعاً.
وفي اليوم الأول من أيام التشريق واحداً وعشرين.
ثم في اليوم الثاني واحداً وعشرين.
وإن تأخر في اليوم الثالث فيرمي واحداً وعشرين فيكون المجموع: سبعين حصاة.
قال الشارح: [لأن جملة ما يرمي به الحاج سبعون حصاة: سبع منها يوم النحر بعد طلوع الشمس، وسائرها في أيام التشريق بعد زوال الشمس، كل يوم إحدى وعشرين حصاة لثلاث جمرات]، ويجوز التوكيل في الرمي لأهل الأعذار، فالمرأة بدلاً من أن ترمي الجمرة وتخالط الرجال في هذا الزحام الشديد؛ يجوز لها أن توكل غيرها في الرمي، ولا بأس بذلك، فهي معذورة.
قال الشارح: [يبتدئ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات من مكة، وتلي مسجد الخيف، فيجعلها عن يساره ويستقبل القبلة، ويرميها بسبع حصيات كما وصفنا في جمرة العقبة، ثم يتقدم عنها إلى موضع لا يصيبه الحصا، فيقف طويلاً]، بعد رمي الجمرة الصغرى يقف طويلاً، أما الآن فهذا صعب جداً، وبعض الناس يريد أن يطبق هذه السنة فيعرقل الناس، والبعض يصر على تقبيل الحجر، ولو كان فيه إيذاء للمسلمين، وليس هذا من الفقه بحال.
ثم قال الشارح: [يدعو الله عز وجل رافعاً يديه، ثم يتقدم إلى الوسطى فيجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة، ويرميها بسبع حصيات، ويفعل من الوقوف والدعاء كما فعل في الأولى، ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة ولا يقف عندها]، أي: أنه يقف بعد الجمرة الأولى وبعد الثانية.
قال الشارح: [قالت عائشة رضي الله عنها: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث فيها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، يقف عند الأولى والثانية، ويطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها) رواه أبو داود.
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه كان يرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات، فيكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم ويُسْهِل)]، ومعنى ذلك: أنه يمشي بسهولة ويسر.
قال الشارح: [(ويقوم قياماً طويلاً ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ بذات الشمال فيُسْهِل، ويقوم مستقبلاً القبلة قياماً طويلاً، ثم يرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ينصرف، قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله)]، وابن عمر كان متمسكاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك فإنه في يوم مطر شديد -وهذا الحديث في البخاري في كتاب الأذان- كان المؤذن يؤذن فوق سطح المسجد والجو شتاء، فقال ابن عمر حينما بلغ المؤذن: حي على الصلاة، قال: قل: صلوا في رحالكم، يعني: أمره أن يستبدل: حي على الصلاة بقوله: صلوا في رحالكم، ثم قال للناس: فعلها من هـ