التعليق على العدة شرح العمدة - أسامة سليمانصفحات 11-10
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حكم إرضاع المرأة طفلها وهي تصلي

السؤال

ما حكم إرضاع المرأة طفلها وهي تصلي؟

الجواب

الإرضاع في الصلاة يعني: ظهور عورة، فإخراج الثدي يبطل الصلاة، فتبطل صلاة المرأة إذا أرضعت في الصلاة؛ لأنها تظهر ثديها، حتى ولو لم يكن عندها أحد.

حكم الوضوء على الملابس دون عذر

السؤال

هل يجوز الوضوء على الملابس دون عذر؟

الجواب

لا، الصلاة باطلة.

نصيحة لمن يطلب منه شهادة الزور إرغاما

ً

السؤال

رجل عليه ضغوط في شهادة الزور، وجاء إلى المسجد هارباً من هذه الضغوط، نرجو النصيحة؟

الجواب

اثبت، فإن شهادة الزور قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على أكبر الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس ثم قال: ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، فما زال يرددها حتى قال الصحابة: ليته سكت)، فالذي يكتم الشهادة آثم قلبه، كما قال ربنا عز وجل؛ لأنها تغير الواقع، فاتق الله يا أخي الفاضل! واثبت على دينك، ومن ثبت على هذا عوضه الله خيراً إن شاء الله.

حكم من كبر على جنازة خمس تكبيرات

السؤال

صلى على الجنازة إمام، وسها وكبر خمس تكبيرات، ما حكم ذلك؟

الجواب

يجوز أن يكبر خمساً.

حكم تعليق الآيات القرآنية في البيت

السؤال

هل يجوز تعليق الآيات القرآنية في البيت؟

الجواب

لا يجوز، وهذا اختيار النووي في كتابه التبيان.

معنى الغيبة وبيان خطورتها

السؤال

إذا ذكرت مساوئ شخص غير موجود في المجلس لأشخاص لا يعرفون اسمه ولا وصفه، فهل يؤدي ذلك للغيبة؟

الجواب

نعم.
المصيبة الكبرى أننا نتمضمض بأعراض إخواننا ليل نهار، والكثير منا يقع في هذا الذنب المهلك الغيبة، لاسيما غيبة العلماء والطعن فيهم وتتبع العورات والحكم عليهم بسوء الظن.

حكم قاطع الرحم

السؤال

ما حكم من يقطع رحمه؟

الجواب

لابد أن تعلم أن من قطعها قطعه الله ومن وصلها وصله الله، فقطيعة الرحم من الكبائر.

حكم إخبار صاحب الشركة عن تصرفات الموظفين

السؤال

طلب مني صاحب الشركة أن أبلغه ما يحدث في الشركة من مكالمات تلفونية يقوم بها بعض الموظفين، فهل علي شيء؟

الجواب

لا، ليس عليك شيء؛ لأنك تقوم بعمل، ولكن لابد أن تخبر بذلك من يعمل معك.
تقول له: أنا سأخبر صاحب الشركة بكل شيء حتى بالتلفونات، لا تكن جاسوساً، ولا تكن عيناً على إخوانك يطمئنون إليك، لابد أن يعلم الجميع أن وظيفتك أن تبلغ صاحب الشركة بأي تصرف حتى ولو كان اتصالاً تلفونياً، هذا معناه: أن الكل يعلم أنك تقوم بهذا العمل فهذه وظيفة لا شك فيها.

حكم الجعل من غير المتسابقين

السؤال

ما هو الدليل على جواز أخذ الجعل في المسابقات غير الخف والحافر والنصل؟

الجواب

طالما أن الجعل من غير المتسابقين جاز، والأصل الجواز.

أفضل تفسير لكتاب الله

السؤال

ما هو أفضل تفسير لكتاب الله؟

الجواب

تفسير الكريم الرحمن للشيخ السعدي من التفاسير الطيبة، ومختصر ابن كثير المحقق لا شك في ذلك أيضاً، وتفسير الطبري -المحقق- شيخ المفسرين رحمه الله تعالى.

حكم بيع الصنف الواحد بأسعار مختلفة

السؤال

ما حكم من يبيع صنفاً واحداً بأكثر من سعر كبائع العطور والسواك؟

الجواب

يجوز طالما أن المشتري على علم بحال السوق، وليس هناك احتكار ولا تزييف ولا كذب، ويعلم سعر السلعة في الأسواق المجاورة، كل ذلك يضمن الجواز بإذن الله سبحانه وتعالى.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا.

العدة شرح العمدة [73]

الإجارة هي عقد على المنافع ملزم للمؤجر والمستأجر لا ينفسخ بموت أحد الطرفين أو جنونه، وإنما ينفسخ عقد الإجارة بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع منفعتها، ويشترط في الإجارة أن تكون المنفعة معلومة والأجرة كذلك.

باب الإجارات

الحمد لله.
والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: قال المصنف رحمه الله: [باب: الإجارات].
انتقل المصنف بعد أن انتهى من كتاب البيوع إلى كتاب الإجارة، وعقد الإجارة عقد على المنافع، وعقد البيع عقد على الأعيان، فبعد أن انتهى من بيان عقد البيوع على الأعيان انتقل إلى عقد الإجارات على المنافع.
قال: [وهو عقد على المنافع].
والعقود أنواع، وعقد الإجارة ملزم للطرفين، وأما العقد الملزم لطرف والجائز لطرف فهو عقد الرهن، مثال ذلك: قلت لك: أريد ألفاً من الجنيهات.
قلت لي: لن أعطيك الألف إلا برهن، فجئت لك بالرهن، لأن العقد يلزمني بذلك، فقلت أنت: خذ الألف ولا أريد منك رهناً، فهذا جائز منك، أما أنا فلا أستطيع أن أقول: أعطني الألف بدون رهن، فعقد الرهن ملزم لطرف وجائز لطرف آخر، وعقد البيع ملزم للطرفين، فاحفظوا ذلك، وقيدوا العلم بالكتاب: العلم صيد والكتابة قيده قيد صيودك بالحبال الواثقة إن آفة العلم النسيان، وقد ذكر البخاري حديثاً في كتاب العلم هذا: أن أبا هريرة كان يقول: لم يكن أحد أكثر بلاغاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني سوى عبد الله بن عمرو؛ لأنه كان يكتب وكنت لا أكتب.
أي: أن عبد الله بن عمرو كان يكتب الحديث، فازداد بلاغاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أبي هريرة الذي كان يعتمد على الذاكرة.
فلابد لطالب العلم من الثبات والتحقيق وعدم التنقل.
يقول الدكتور بكر أبو زيد: من ثبت نبت، فالشجرة كثيرة التنقل لا تثمر، ولو ثبت على منهج واحد أثمر، (وكان صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته)، أي: أمضاه، يعني: إذا دخل في عمل لابد أن يكمله، فمصيبة طالب العلم في هذا الزمن أنه يبدأ بكتاب الطهارة ولا يكمل، ويبدأ بتفسير الفاتحة ولا يكمل.
قال: [الإجار: عقد على المنافع كسكنى الدار].
يعني: أجرتك داراً لتسكنها بالإيجار، وليس في الشرع ما يسمى بالمشاهرة، أي: لا إيجار مدى الحياة، والقانون المصري القديم ليس من شرع الله، لابد أن يكون الإيجار لزمن محدد بمبلغ محدد، فإن انتهى عقد الإيجار عاد الملك إلى المالك، أما أن يكون المالك ليس هو المالك، وينقلب المستأجر إلى مالك! هذا ليس في شرعنا.
قال: [والحمل إلى مكان معين].
كأن أستأجر منك سيارة على أن تحملني إلى مكان معين، مثال ذلك: شخص يريد أن يركب إلى الجيزة فلابد من تحديد الأجرة وتحديد المنفعة، فتبادره أنت وتقول له: كم تريد أن تأخذ على هذا المشوار، فيقول لك مثلاً: خمسة جنيهات، فتقول له: لا.
لا أملك إلا ثلاثة جنيهات، فاتفقتما على ذلك، حتى إذا وصلتما إلى الجيزة أعطيت السائق المبلغ المتفق عليه دون نزاع أو مخاصمة.
مثال آخر: استأجرت من يحمل لك طوباً إلى الدور الرابع فقلت له: ارفع هذا الطوب من الدور الأرضي إلى الرابع، فيقول لك: كم طوبة؟ فتقول له: ألف طوبة.
كم تريد عليهن أجرة؟ فيقول لك: آخذ على المائة عشرين جنيهاً، فيكون الألف بمائة جنيه، فاتفقتما على هذا المبلغ.
لكن نحن نقول: توكل على الله! كلك بركة، سأرضيك إن شاء الله، وبعد أن يحمل له الطوب وينتهي من حملها يقول له: كم أجرتك؟ فيقول: مائة، فيقول له الآخر: لن أعطيك إلا ثلاثين جنيهاً، فيقول له: اجعلها ديناً عندك، وتحدث المشاحنات بسبب عدم تحديد أجرة المنفعة.
قال: [وخدمة الإنسان.
قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6]].
طلق رجل امرأته وهي حامل وبانت منه ثم وضعت الحمل، فالأم ترضع الطفل، ولابد للأب أن ينفق على الأم وهي ترضع في مدة الرضاعة.
وهناك مسألة أخرى، وهي قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:6].
فإن طلق الرجل زوجته وهي حامل في الشهر السابع، وقد بانت منه طلاقاً غير رجعي، فالمطلوب من الرجل أن ينفق عليها في مدة الحمل؛ لأن الولد الذي في بطنها يحتاج إلى غذاء، فإن وضعت أنفق عليها مدة الرضاعة، يقول ربنا سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] أي: أجورهن على الرضاعة، ففي باب الإجارة يدلل المصنف على جواز الإجارة من القرآن.
وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:26].
فشعيب استأجر موسى عليه السلام لعمل محدد.
قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص:27]، فانظر أولاً إلى عدل شعيب بين البنتين، إذ ترك الخيار لموسى.
ثانياً: قال: ((إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ))، فالذي يزوج البنت هو الأب؛ لأنه الولي الطبيعي عليها.
ثالثاً: في الآية جواز أن يعرض الرجل ابنته على الرجل الص

بيان ما تنفسخ به الإجارة

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتنفسخ بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع نفعها].
استأجرت منك محلاً، وبعد أن وقعنا العقد وقع المحل على الأرض، ففي هذه الحالة ينفسخ العقد؛ لأن المنفعة زالت.
مثال آخر: استأجرت منك حماراً لتوصيل التراب إلى مزرعتي على أن أعطيك في الشهر خمسين جنيهاً مدة إيجار الحمار لحمل التراب من بيتي إلى المزرعة، فإذا مات الحمار انفسخ العقد؛ لأن المنفعة زالت، فينفسخ عقد الإيجار بزوال المنفعة.
قال: [أو انقطاع نفعها].
فانقطاع النفع أيضاً ينفسخ به عقد الإجارة.
قال: [كما لو تلف المكيل قبل قبضه، وكذلك إذا تعيبت، كدار استأجرها فانهدمت، أو أرض انقطع ماؤها].
يعني: أنا استأجرت منك فداناً لزراعته على أن الماء يخرج إليها من سبيل كذا، فانقطع الماء من هذا السبيل، فانعدمت المنفعة؛ لأن الأرض بدون ماء لا قيمة لزراعتها، فانعدام المنفعة أو انقطاعها يفسخ عقد الإيجار.
قال: [لأن المنفعة المقصود منها تعذرت، فأشبه تلف العبد.
وفيه وجه آخر: لا تنفسخ].
لكن الراجح: أنها تنفسخ.

بيان ما تصح به الإجارة

قال المؤلف رحمه الله: [ولا تصح الإجارة إلا على نفع معلوم، إما بالعرف كسكنى الدار، أو بالوصف كخياطة ثوب معين وبناء حائط وحمل شيء إلى موضع معين].
مثال لذلك: أنت تريد أن تحيك ثوباً، فذهبت إلى تاجر القماش، وقطعت ثوباً طوله ثلاثة أمتار، وقلت له: اعمل لي هذا قميصاً، وأخذ المقاس وقاس، وأول ما أخذ المقص قص جزءاً من القميص فأتلفه، فإنه يلزمه الضمان، لكن إذا سرق الثوب من حرزه الذي وضعه فيه لا يلزمه الضمان؛ لأن سرقة الثوب بعد إتمام صنعه يختلف عن إتلافه؛ لأنك تستأجره.
ومثال المنفعة: ذهبت إلى الحلاق وقلت له: احلق لي شعري لو سمحت.
فشوه بشعري وقال لي: آسف لا أستطيع أن أفعل أكثر من ذلك، فهو الآن يلزمه التعويض والضمان؛ لأنه لم يقم بالوظيفة المتفق عليها بين الطرفين، فلابد أن تكون على نفع معلوم.
قال: [وضبط ذلك بصفاته، فيشترط أن يكون النفع معلوماً؛ لأنه المعقود عليه فأشبه المبيع].
بيع الجهالة لا يجوز، وكذلك إجارة الجهالة، ونحن جميعاً نقع في هذا، نستأجر دون اتفاق على منفعة ولا على أجرة، فمثلاً: تأتي شخصاً وتقول له: أريد أن أستأجر منك هذه الشقة (صالة وأربع غرف) فيقول المؤجر: طيب، فيقول له المستأجر: كم تأخذ؟ فيقول المؤجر: على البركة! فهذا لا يجوز، لابد أن تحدد الأجرة، فالنفع معلوم والأجرة معلومة بمواصفات معلومة حتى لا يحدث النزاع هذا هو الشرع؛ لأنه أشبه بيع المعلوم.

حكم استئجار العين

قال المؤلف رحمه الله: [ويشترط معرفة الأجرة كما يشترط معرفة الثمن في المبيع، وإن وقعت الإجارة على عين فلابد من معرفتها].
أنا سأستأجر منك عيناً، لابد أن أعرف أين هذه العين؟ فمثلاً: أجر فلان لفلان شقة في الدور العشرين في جهة الشمال، فيها ثلاث غرف وصالة ودورة مياه مقابل ثلاثمائة جنيه دون أن يعاين، فخرج إلى الشقة وصعد في الدور العشرين، فوجدها أقل من ثلاث غرف وعلى خلاف ما اتفقا، فلابد أن يعاين قبل توقيع عقد الإيجار، فإن هذا مدعاة لخلق المنازعات بين الناس.
قال: [وإجارة العين تنقسم قسمين: أحدهما: أن يكون على مدة، كإجارة الدار شهراً، أو العبد للخدمة أو للرعي مدة معلومة، فيشترط معرفتها؛ لأن الأعيان تختلف فتختلف أجرتها، كما أن المبيعات تختلف فتختلف أثمانها.
القسم الثاني: إجارتها لعمل معلوم].
فالإجارة نوعان: إما إجارة لمدة وإما إجارة لعمل، ومعنى الإجارة لمدة: استأجرت منك هذه الدار لمدة شهر أو لمدة سنة، أو استأجرت خادماً ليعمل عندي ثلاثة أشهر، أو استأجرته ليعمل في داري مدة ثلاثة شهور، ومعنى الإجارة لعمل: ارفع هذا الطوب من الدور الأرضي إلى الرابع، فهذا إجارة عمل، فظل يرفع الطوب من الصبح إلى المغرب أو من الصبح إلى الظهر؛ لأن الاتفاق على أن الألف طوبة ترفع إلى الدور الرابع، فيرفعها في ساعة أو في ساعتين أو في ثلاث ساعات، الاتفاق هنا على عمل وليس على مدة.
قال: [كإجارة الدابة للركوب إلى موضع معين أو بقر لحرث مكان معين].
استأجرت منك سيارة على أني أركبها من القاهرة إلى بلبيس، إذاً: هذه إجارة لعمل، فيحظر علي أن أصل بها إلى الصالحية القديمة؛ لأنني اتفقت معك إلى بلبيس.
طيب لو أنني استأجرت منك السيارة على أن أصل بها إلى بلبيس، فوصلت بها إلى أقل من ذلك جاز؛ لأنني استخدمت السيارة في أقل من المسافة المحددة بيني وبينك، وهذا لمصلحتك أنت، بدلاً من أن أسير بها خمسين كيلو سرت بها عشرين كيلو.
الحمد لله رب العالمين، فهذه المصلحة للمالك.
فلذلك يقول هنا: [ومن استأجر شيئاً فله أن يقيم مقامه من يستوفيه بإجارته أو غيرها إذا كان مثله أو دونه].
مثلاً: اتفقت معك على أن ترفع ألف طوبة حمراء من الدور الأرضي إلى الدور الرابع مقابل خمسين جنيهاً، فتأخر الطوب، وجاري عنده ألف طوبة مثلي، فقلت لك: ارفع هذا الطوب من الأرض إلى الدور الرابع لجاري محمد.
فهذا جائز؛ لأنك الآن تتفق على عمل، بغض النظر عن صاحبه.
قال: [ومن استأجر شيئاً له أن يقيم مقامه من يستوفيه بإجارته أو غيرها إذا كان مثله أو دونه].
فإن اتفقت معك على أن تنقل لي الحجارة إلى الدور الرابع، ثم بدا لي أن أحول العمل إلى أخي في الدور الثاني فهذا أدنى من العمل المتفق عليه، وهو لصالح المستأجر ولا بأس به.
قال: [فإذا اكترى داراً فله أن يسكنها مثله ومن هو دونه في الضرر؛ لأنه لم يزد على استيفاء حقه، ولا يجوز أن يسكنها من هو أكثر ضرراً منه؛ لأنه يأخذ فوق حقه].
استأجرت منك شقة بغرض استعمالها سكناً لمدة سنة، فبدا لي أن انتقل إلى مكان آخر وأن أعطي الشقة لأخي بنفس القيمة الإيجارية، فأنت لن تتضرر طالما أنها تستخدم في السكن بنفس الأجرة، لكن إن استأجرت منك محلاً لبيع الكتب الإسلامية، فإذا بي أريد أن أحول المحل إلى مقهى للعب الضمنة! فهذا لا يجوز؛ لأنني أضرُّ بك.

أحكام استئجار أرض لزرعها

قال المؤلف رحمه الله: [وإن استأجر أرضاً لزرع فله زرع ما هو أقل ضرراً منه].
كأن أستأجر منك فداناً لأزرعه حنطة (القمح) فبدلاً من أن أزرعه قمحاً زرعته شعيراً.
قال: [فإذا استأجر أرضاً لزرع حنطة فله أن يزرع شعيراً أو باقلاء، وليس له أن يزرع ما هو أكثر ضرراً منه كالدخن والذرة والقطن].
يعني: لو استأجرت منك فداناً لزراعة قمح فزرعته قطناً، فإن هذا لا يجوز؛ لأن القطن أكثر ضرراً بالأرض.
قال: [لأن ضررها أكثر، ولا يملك الغرس ولا البناء؛ لأنه أضر من الزرع].
كذلك لو استأجرت منك فداناً لزراعته قطناً، فبنيت عليه لم يجز؛ لأنني استأجرت للزراعة وليس للبناء.
قال: [ولا يجوز له أن يخالف ضرره ضرره، مثل: القطن والحديد، إذا اكترى -استأجر- لأحدهما لم يملك حمل الآخر؛ لأن ضررهما يختلف].
حمل الحديد يختلف عن حمل القطن، فالحديد محكوم على ظهري والهواء لا ينثره، بينما القطن لابد أن يحكم، ولابد أن أحوط عليه وأمسكه بيديَّ، فإذا استأجرتك على حمل حديد فلا يجوز أن أحمل قطناً بدلاً من الحديد؛ لأن الضرر هنا يختلف.
قال: [فإن الحديد يجتمع في مكان واحد بثقله، والقطن يتجافى وتهب فيه الريح؛ فينصب الظهر].
يعني: يتعب الظهر.
قال: [فإن فعل شيئاً من ذلك فعليه أجرة المثل؛ لأنه استوفى منفعة غير التي عقد عليها؛ فلزمه أجرة المثل كما لو استأجر أرضاً لزرع شعير فزرعها قمحاً، أو كما لو حمل عليها من غير استئجار].
ومعنى هذا: استأجرت منك أرضاً لأزرعها حنطة -يعني: قمحاً- فزرعتها قطناً، وبعد أن زرعتها قطناً اختلف المالك مع المستأجر، فجاء آخر ليفصل بينهما فحكم على المستأجر أن يدفع أجرة المثل.

حكم من اكترى إلى موضع فجاوزه

قال المؤلف رحمه الله: [وإن اكترى إلى موضع فجاوزه].
مثال ذلك: استأجر سيارة إلى بلبيس فجاوزه إلى (العباسة) ودخل على (القوين)، ودخل على (أبو خبير فاقوس) وأبو حماد من قبلها، فجاوز المكان المتفق عليه، فما المطلوب من المستأجر في هذه الحالة؟ المذهب فيه روايتان، الراجح: أن الأجرة تكون حسب الاتفاق، والزيادة تكون فيها أجرة المثل.
أي: أن المسافة المحددة تعود إلى الاتفاق، وما زاد يعود إلى أجرة المثل.

حكم تلف العين المستأجرة

قال: [ويلزمه ضمان العين إن تلفت بقيمتها سواء كان صاحبها معها أو لم يكن؛ لأنها تلفت بالجناية عليها، وسكوت صاحبها لا يسقط الضمان، كمن جلس إلى جنب إنسان فخرق ثيابه، وهو ساكت فإن الضمان يلزمه.
وإن تلفت من غير تعد فلا ضمان عليه؛ لأنه غير متعد].
أمثلة ذلك: استأجرت منك سيارة بمائة جنيه، وأنا أمشي بسرعة ستين وهي سرعة اعتيادية، وفجأة صدمني شخص، فهل يلزمني الضمان؟ لا يلزمني، وإن كنت أمشي بسرعة مائة وأربعين فإنه يلزمني، فالضمان يلزم المستأجر إن تعدى، وإن لم يتعد فلا ضمان عليه.
مثال آخر: زبون في مشكلة مع الحلاق، فبدلاً من أن يحلق ضرب بالموس رأسه فوصل إلى المخيخ وسال الدم من الرأس، فهنا يعتبر متعدياً، فإن تعدى يلزمه الضمان، وأي مستأجر تعدى يلزمه الضمان، كأن استأجر منك سكناً ففصل هذا السكن كما يحب ويهوى، فعمل حائطاً هنا، وعمل بلاطاً هنا، وقاطعاً هنا، وقسم البيت كما يريد! فهو تصرف في ملك غيره، وعندما كان يضرب على الجدار سقطت العمارة، فهنا يلزمه الضمان، لكن لو علق ستارة على النافذة فلا يلزمه الضمان؛ لأنه لا يضر بمصلحة البناء.
قال: [ولا ضمان على الأجير الذي يؤجر نفسه مدة بعينها فيما يتلف في يده من غير تفريط، والإجارة على ضربين: خاص ومشترك، فهذا هو الأجير الخاص الذي يؤجر نفسه مدة معلومة لخدمة أو خياطة أو رعاية، شهراً أو سنة أو أكثر؛ سمي خاصاً لاختصاص المستأجر بمنفعته في تلك المدة دون سائر الناس، لا ضمان عليه فيما يتلف في يده مثل: أن تهلك الماشية معه، أو تنكسر آلة الحرث وما أشبه ذلك إذا لم يتعد؛ لأنه أمين، فلم يضمن من غير تعد كالمودع].
إن كان المستأجر خاصاً ولم يتعد فلا ضمان عليه، فإن تعدى فعليه الضمان.
والمستأجر نوعان: مستأجر خاص؛ ومستأجر مشترك، فالمستأجر المشترك الذي فيه شركاء متشاكسون، كما قال الله عز وجل: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر:29]، فإن استأجرت طباخاً ليطبخ الطعام لي في البيت فهو مستأجر خاص.
قلت له: أتجيد الطباخة.
قال: نعم.
فأحضرت له المواد وأنتج الطبيخ فأفسده، فهل يلزمه الضمان؟ طبعاً يلزمه؛ لأنه تعدى هنا، ولم يبذل عناية الرجل المعتاد، فهنا تعدى.
كان الشعبي فقيهاً من الفقهاء، فجاءه رجل فقال له: إن هذا الرجل ترك غنمه ينزل الزرع فأفسده، وكان بجوار الشعبي فقيه فهمس الفقيه لمن بجواره: انظر إلى الشعبي سيسأله: بالليل أم بالنهار؟ فقال الشعبي للرجل: بالليل أم بالنهار؟ قال: بالليل.
قال: يلزمه الضمان؛ لأنه بالنهار صاحب الزرع في زرعه، وصاحب الغنم يقوم على غنمه، فإن نزل الغنم إلى الزرع لا يلزمه الضمان؛ لأن صاحب الزرع يحرس زرعه، ويفترض أنه قائم على رعاية زرعه فإن وقع ذلك في آخر النهار فإن صاحب الزرع يعود إلى بيته، وصاحب الغنم يعود بغنمه إلى الحظيرة، فإن ترك صاحب الغنم غنمه تنزل الزرع بالليل لزمه الضمان؛ لأن صاحب الزرع ترك الزرع وعاد إلى بيته، وليس مطلوباً من صاحب الزرع أن يحرس الزرع بالليل؛ ولذلك ربنا يقول في حق سليمان وداود عليهما السلام: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:78]، قال العلماء: النفش: هو النزول بالليل وليس بالنهار ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:78]، جاء صاحب الزرع إلى داود عليه السلام، وقال: يا نبي الله داود! هذا الرجل ترك غنمه فنزلت في زرعي فأفسدت الزرع، فقضى لصاحب الزرع بالغنم؛ لأنه يلزمه الضمان بقيمة التلف الذي أتلفه غنمه، فقدر التلف فوجده يساوي قيمة الغنم، فقال سليمان: يا أبي! إني أرى في هذا رأياً.
قال: ما ترى يا ولدي؟! قال: أرى أن ندفع الغنم لصاحب الزرع، وأن ندفع الزرع لصاحب الغنم لمدة سنة، أما صاحب الزرع فينتفع بالغنم من أسمانها وألبانها وأصوافها وأوبارها مدة هذه السنة، وأما صاحب الغنم فيقوم على رعاية الزرع حتى يعود إلى شأنه، فإن عاد ردت الغنم إلى صاحبها، وعاد الزرع إلى صاحبه، فقال الله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:79].

حكم إفساد الزوجة طعام زوجها

فإن قال قائل: الزوجة أفسدت طعام زوجها هل يلزمها الضمان أم لا؟

الجواب

تعطى فرصة أخرى، فهي ليست مستأجرة، بل هي زوجة، لكن يلزمها أن تكون طاهية فعندنا في الأرياف الأم تعلم ابنتها الطهي وهي ما زالت صغيرة، فتسلم المهنة لها في البيت كله.
عموماً لا يلزمها الضمان.
فالأجير الخاص لا يلزمه الضمان إن لم يتعد، ويلزمه الضمان إن تعدى، فإن أجرت راعياً للغنم على أن يرعاها وأن يسقيها وأن يحلبها، فنام عنها فأكل الذئب واحدة منها، ففي هذه الحالة لزمه الضمان، لكن إن جاء الذئب وأخذ واحدة وهو مستيقظ دون إرادته لا يلزمه الضمان.
قال: [والضرب الثاني: الأجير المشترك: هو الذي يقع العقد معه على عمل معين، كخياطة ثوب أو بناء حائط؛ سمي مشتركاً لأنه يعمل للمستأجر ولغيره].
يعني: يفصل ثياباً للبلدة كلها.
قال: [لأنه يعمل للمستأجر وغيره، ويتقبل أعمالاً كثيرة في وقت واحد، فيشتركون في منفعته، فيضمن ما جنت يده، مثل: أن يدفع إلى حائك عملاً فيفسد حياكته، أو القصار -الغسال- يخرق الثوب بدقه أو عصره].
يعني: أخذت قميصاً وأودعته المغسلة، فصاحب المغسلة أخذ القميص وأدخله الفرن فلم يخرج قميصاً، بل خرج قطعة فحم! فإنه يلزمه الضمان، وإن أدخله بلون معين وخرج أسود لزمه الضمان؛ لأن هذا العمل مشترك.
فقوله: [فيضمن ما جنت يده].
أي: يضمن الذي تسببت يده في تلفه، لكن إن جاء التيار ستين فولتاً، فارتفعت الكهرباء من الشركة فزادت مائة وعشرين فولتاً، واحترق كل شيء في الفرن، فهو لم يقصر ولم تجن يده، فالشريعة لا تأتي إلا بالعدل، ولا تعرف الظلم أبداً، فليس عليه الضمان.
قال: [والطباخ ضامن لما فسد من طبيخه، والخباز في خبزه؛ لما روى جلاس بن عمرو: أن علياً رضي الله عنه كان يضمن الأجير؛ ولأنه قبض العين لمنفعة من غير استحقاق، وكان ضامناً لها كالمستعير].

ضمان الحجام والختان والطبيب

قال المؤلف رحمه الله: [ولا ضمان على حجام ولا ختان أو طبيب إذا عرف منهم حذق الصنعة].
يعني: مهارة، مثال ذلك جئت بطبيب ماهر وقلت له: اختن ولدي، فختن الولد، فأصيب الولد بشيء ليس من تقصير الطبيب، فإنه لا يضمن.
مثال آخر: جئت بحلاق لختان ولدك، فأتى على الحشفة وما بعدها فقضى على مستقبله، فإنه يلزمه الضمان.
مثال آخر: جئت بختانة -يعني: مطهرة للإناث- لتختن ابنتي فقطعت البظر فيلزمها الضمان؛ لأنها أفسدت.
قال: [إذا فعل هؤلاء ما أمروا به لم يضمنوا، بشرطين أحدهما: أن يكونوا ذوي حذق -يعني: مهارة- وبصارة في صنعتهم].
فهل صنعة الحلاق الختانة؟ لذلك ضمن مباشرة؛ لأنه ليس من اختصاصه، فالطب صنعة والختان صنعة، فلابد أن نحترم التخصصات، والإسلام حظنا على ذلك فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:43].
قال: [والثاني: ألا تجني أيديهم فيتجاوزوا ما أمروا به؛ لأنهم إذا كانوا كذلك فقد فعلوا فعلاً مأذوناً فيه، فلم يضمنوا سرايته، كقطع الإمام يد السارق].
سارق سرق، فجيء بإمام ليقطع يده، ومعلوم أن اليد تقطع من المفصل، فإن قطع يده وشلت لا يضمن؛ لأنه يمارس العمل بالضوابط الشرعية فلم يلزمه الضمان، وجاء رغم إرادته وبدون تعد.
قال: [فلم يضمن سرايته كقطع الإمام يد السارق أو فعلاً مباحاً مأموراً به أشبه ما ذكرنا.
أما إذا لم يعرف منهم حذق الصنعة فلا يحل لهم مباشرة القطع، فإن قطعوا مع هذا كان فعلاً محرماً فيضمن سرايته كالقطع ابتداء، وإن كانوا حذاقاً إلا أن أيديهم جنت مثل: أن يتجاوز قطع الختان إلى الحشفة أو بعضها، أو يقطع في غير محل القطع، أو في وقت لا يصلح القطع فيه فإنه يضمن؛ لأن الإتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ؛ ولأن هذا فعل محرم فيضمن سرايته كالقطع ابتداء].

تضمين الرعاة

قال المصنف رحمه الله: [ولا ضمان على الراعي إذا لم يتعد].
فلو أعطيت غنمك لراع يرعاها وبينما هو يرعاها جاء ذئب وأخذ منها واحدة مع حراسته ورعايته وعدم غفلته واستيقاظه فلا يلزمه الضمان؛ لأنك لو كنت أنت الراعي لأخذها منك الذئب، فهذا قدر الله.
وأما لو نام وتركها ترعى وجاء ذئب فأخذ منها واحدة فيلزمه الضمان هنا؛ لأنه أهملها.
فيد الراعي يد أمين وليست يد ضمان، وهناك فرق بين يد الأمين ويد الضامن، وهذه نقطة مهمة جداً، فالأمين لا يلزمه الضمان، والضامن يلزمه الضمان.
قال المصنف رحمه الله: [لأنه مؤتمن على حفظها، فلم يضمن من غير تعد كالمودع، والتعدي أن ينام عنها أو أن يتركها حتى تبعد عنه كثيراً وشبه ذلك، إذا فعل هذا ضمن؛ لأنه تلف بعدوانه].

تضمين القصار والخياط

قال المصنف رحمه الله: [ويضمن القصار].
وهو الغسّال، فلو دفعت ملابسك إلى المغسل وكانت من الملابس الغالية الثمن ليغسلها ثم يكويها فوضعها صاحب المغسلة وفتح عليها التيار الكهربائي أكثر مما هو معتاد -وهي حرير أو قطن- فاحترقت لزمه قيمة الملابس؛ لأنه أهمل في عمله، ولو ارتفع التيار رغم إرادته فلا يلزمه الضمان.
قال المصنف رحمه الله: [ويضمن القصار والخياط ونحوهما ممن يتقبل العمل ما تلف بعمله دون ما تلف من حرزه].
فالخياط يضمن إن تلف بالعمل، فإن سُرق الثوب من خزنته فلا يضمن.
قال المصنف رحمه الله: [وذلك أن القصار إذا أتلف الثوب بقوة الدق والعصر] يلزمه الضمان بقيمة الثوب.
قال المصنف رحمه الله: [والخياط بخياطته فإنه يضمن؛ لأنه قبض العين لمنفعته فأشبه المستعير، فأما إن تلفت من حرزه فلا يضمن؛ لأنه أمين فأشبه المودع].
فالمستعير ضامن والمودع لا يضمن، فإذا أردت أن تقضي بين الناس في أمر الضمان فكيّف المودع أو الشيء، هل هو مستعار أم هو أمانة مودعة.
فلو أن شخصاً استعار سيارتك لغرض ما ثم أخذها وفي الطريق اصطدم بسيارة أخرى لزمه الضمان؛ لأنه مستعير.
ولو ترك السيارة وديعة عندك وقال لك: اركبها إلى مسافة كذا فركبتها وبعد ذلك أصيبت بحادث فلا ضمان عليك؛ لأنه أذن لك بأن تركبها، وهي وديعة، والوديعة لا ضمان على صاحبها إلا إذا تعدى من أودعت عنده.

العدة شرح العمدة [74]

الغصب هو الاستيلاء على مال الغير بغير حق قهراً، وهو ليس كالسرقة، فالسرقة إذا بلغت النصاب قطع السارق، أما الغاصب فلا يقطع وإنما يضمن العين المغصوبة سواء كانت مالاً أو عبداً أو أرضاً أو غير ذلك.

تعريف الغصب والفرق بينه وبين السرقة

قال المصنف رحمه الله: [باب الغصب].
الاستيلاء على مال غيره بغير حق قهراً وهذا القيد للتفريق بين الغصب وبين السرقة والاختلاس والانتهاب.
فالغصب هو: أخذ المال بغير حق قهراً.
أي: أنك تراه بين يديك ولا تستطيع أن تحافظ عليه.
فالغصب أخذ المال قهراً عن صاحبه، أي: رغم أنف صاحبه، وأما السرقة فقد يكون صاحب المال نائماً أو خارجاً فلا أحد يقاوم السارق، فهو يسرق دون مقاومة، فهناك فرق بين الغصب وبين السرقة والاختلاس والانتهاب.
فالغصب: أخذ المال بغير حق قهراً.
والسرقة: أخذ المال بغير حق وبغير قهر، وبغير نصابها المعروف شرعاً.
فالفرق بين الغصب وغيره أن الغصب يتم قهراً.
والاستيلاء على المال قد يكون بحق وقد يكون بغير حق.
فاستيلاء ولي أمر اليتيم الذي يقوم على رعاية مال اليتيم استيلاء بحق، وهنا الاستيلاء بغير حق.

حكم الغصب

وحكم الغصب في الشرع حرام، قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة:188]. ويقول صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه) والمال قد يكون عقاراً أو منقولاً، فالعقارات هنا هي الأراضي والمباني، والمنقولات هي التي يسهل نقلها وتحويلها إلى نقد.
والعقار أصل ثابت يصعب تحويله إلى نقد أو حمله، فالعقارات ثابتة، والمنقولات متنقلة.
وسواء كان الغصب لعقارات أو لمنقولات فهي سواء، فالغصب يستوي فيه هذا وهذا.

ما يتحمله الغاصب

والغاصب يتحمل كل شيء وزيادة، فلو اغتصب أرضاً وطرد صاحبها منها وزرعها فعليه في الشرع قلع الزرع، ومؤنة الخلع، وتسوية الأرض على نفقته، وغرامة ما أحدث في الأرض من ضرر، وأرش نقصها في مدة زراعتها، وإيجارها في هذه المدة.
فنحن في الشرع نؤدب الغاصب.
هذه قاعدة.
وهناك غصب لشيء مشروع وغصب لشيء غير مشروع.
فلو تملك رجل كلباً ليس للحراسة فقام شخص وأتلفه فلا يلزمه الضمان؛ لأن الكلب مهدر، ولو كان كلب حراسة للزمه الضمان، فهناك فرق بين كلب الحراسة والكلب العام، فالكلب العام لا يجوز اقتناؤه.
ولو أن رجلاً ذمياً شرب كأس خمر فجاء رجل مسلم وكسر الكأس بما فيه -لأن الخمر حرام- للزمه الضمان؛ لأن الخمر ليست حراماً في شرع الذمي، وإنما هي حرام في شرعنا، والخمر لم تحرّم إلا على المسلمين.
وإذا أتلف خمر المحارب فلا يلزمه الضمان؛ لأن دم المحارب مهدر.
والذي يتلف هذا المال هو الذي بيده التغيير، فلا يذهب أحد إلى محارب يراه يشرب الخمر ويكسر عليه كأس الخمر؛ لأنه لا يستطيع ذلك.
ولو لبس رجل من أهل الكتاب صليباً وأظهره على صدره وسار به في الطرقات فإذا جذبه ولي الأمر وأتلف الصليب لزمه الضمان إن كان الصليب داخل الملابس، فإذا أظهره وأتلفه ولي الأمر فليس عليه الضمان.
قال المصنف رحمه الله: [ومن غصب شيئاً فعليه رده]، أي: أنك إذا أخذت المال بالغصب لزمك الرد.
قال المصنف رحمه الله: [لقوله عليه الصلاة والسلام: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي).
أبو داود.
وعليه أجرة مثله مدة مقامه في يده؛ لأنه فوت عليه منفعته، والمنافع لها قيمة، فيضمنها كالأعيان].
فإذا غصبك أحد جهاز التسجيل وظل عنده شهراً فيلزمه رده وإيجار الشهر.
ثانياً: لو كان قيمة جهاز التسجيل يوم أخذ بخمسمائة جنيه واليوم بثلاثمائة فيلزم الغاصب الفرق، فالزيادة لصاحب الحق وليست للغاصب.
وإذا غصبك شاة وكانت حاملاً فوضعت حملها عند الغاصب فعليه أن يرجعها بزيادتها، وإذا أنفق عليها الغاصب فإنها تعود بلحمها وشحمها ولا حق للغاصب.
فأي غاصب يأخذ المال بغير وجه حق يلزم برده، وليس له فيه أي حق.
قال المؤلف رحمه الله: [وإن نقص فعليه أرش نقصه؛ لأنه يلزمه ضمان جميع المغصوب لو تلف، فيلزمه ضمان بعضه بقيمته قياساً للبعض على الكل].
أي: أنه إن نقص المال المغصوب عند الغاصب فيلزم الغاصب رد النقص أو أرشه.
فإذا أخذ شخص كتاباً غصباً وظل عنده شهراً كاملاً فقُطعت منه ورقة ثم رفع الأمر إلى ولي الأمر فإن الواجب على الغاصب تجاه المغصوب أن يرد الكتاب، وأن يلتزم بالنقص الذي طرأ على الكتاب، ويثمّن بعد القطع والنقص ويدفع الغاصب الفرق.
فالأرش: هو الفرق بين قيمته جديداً وقيمته مستعملاً.
ثم يدفع إيجاره في الشهر.
فيلتزم الغاصب بثلاثة أمور: أولاً: رد الكتاب.
ثانياً: أرش النقص أو أرش الفرق.
ثالثاً: الإيجار كما لو كان قد أُجِّر.
وأرش الفرق أي: الفرق بين قيمته يوم الغصب ويوم الرد.

حكم الجناية على المغصوب

قال المصنف رحمه الله: [وإن جنى المغصوب فأرش جنايته عليه -يعني على: الغاصب- سواء جنى على سيده أو أجنبي].
يتحدث المصنف هنا عن العبد، فلو أن الغاصب أخذ مني عبداً قهراً ثم قام بضربه فجناية العبد على الغاصب.
قال المصنف رحمه الله: [لأنه نقص في حق العبد لكونه يتعلق برقبته، فكان مضموناً على الغاصب كسائر نقصه.
وإن جنى عليه أجنبي]، أي: إن غصب عبداً فضَربه أجنبي.
قال المصنف رحمه الله: [فلسيده تضمين من شاء منهما]، أي: أن السيد يطلب قيمة العبد من الجاني أو من الغاصب.
قال المصنف رحمه الله: [الجاني لأنه أتلف، والغاصب لأن نقص العبد حصل وهو في يده].
ولو أنه أخذ عبداً مني غصباً وبعد هذا أصبح العبد أعور فيلزمه الأرش، فمثلاً لو كان العبد السليم بمائة ألف والعبد الأعور بخمسين لزمه خمسون ألفاً؛ لأنه اعتور عند الغاصب، فيرد العبد، ويرد الفرق، ويرد الأجرة.
والحر لا يُغتصب.

حكم غصب الجارية

قال المصنف رحمه الله: [ويجب أرش نقصها إن نقصت بالولادة].
فإن غصب جارية ثم ولدت ونقصت بالولادة -أي: نقص سعرها- فيجب على الغاصب الفرق، أي: الفرق بين ثمنها قبل أن تلد وبعد أن ولدت.
فلو أن قيمة الجارية عشرة آلاف جنيه قبل ولادتها، وبعد الولادة أصبح سعرها ثمانية آلاف فإنه يلزم الغاصب أن يدفع له ألفي جنيه، وهي أرش نقص الجارية نتيجة الولادة.
قال المصنف رحمه الله: [كما يلزمه أرش نقص الأرض إذا زرعها].
فإذا اغتصب أرضاً وزرعها لزمه أرش نقص الأرض، أي: نقص القيمة.
قال المصنف رحمه الله: [ويجب عليه أجرة مثلها؛ لكونه شغل ملك الغير بغير إذنه]، أي: أنه لو غصب أرضاً فيلزمه أجرة المثل كما لو استأجر الأرض، فيدفع الإيجار فضلاً عن أرش الأرض؛ لأنه شغل أرض غيره بغير إذنه.
قال المصنف رحمه الله: [ويجب عليه أجرة مثلها].
والكلام هنا على الجارية أيضاً، أي: أنه يجب عليه مثل أجرة الجارية، كأنه استأجرها، فيدفع أجرة مدة غصبها].
قال المصنف رحمه الله: [وإن كانت بكراً لزمه أرش بكارتها مع المهر؛ لأنه بدل آخر منها]، أي: أنه لو غصب جارية بكراً ثم دخل بها فيلزمه مثل مهر الجارية.
قال المصنف رحمه الله: [وإنما اجتمعا؛ لأن كل واحد منهما يضمن منفرداً، بدليل أنه لو وطئها ثيباً وجب مهرها، ولو افتضها بإصبعه وجب أرش بكارتها، وعنه: لا يلزمه مهر الثيب].
والصواب: أنه يلزم.
وهذه المسألة لا توجد في الواقع، ولكنها لتفتيح الأبواب في الغصب.

حكم بيع الغاصب للجارية المغصوبة

قال المصنف رحمه الله: [وإن باعها فوطئها المشتري وهو لا يعلم فعليه مهرها].
فلو غصب الغاصب جارية ثم باعها ووطئها المشتري وهو لا يعلم أنها مغصوبة فعليه مهرها، أي: على المشتري؛ لأنه لا يعلم أنها مغصوبة.
والضمير يعود إلى أقرب مذكور.
قال المصنف رحمه الله: [لأنه وطئ جارية غيره بغير نكاح، وإن ولدت منه فهو حر؛ لأن اعتقاده أنه يطأ مملوكته منع انخلاق الولد رقيقاً أو يلحقه نسبه، وعليه فداؤه؛ لأنه فوت رقه على سيده باعتقاده حل الوطء، ويفديه ببدله يوم الوضع، قال الخرقي: يفديه بمثله، يعني: في السن والجنس والصفات].
ثم ختم المصنف كتاب الغصب بقوله: [ويلزمه أجرة مثلها كما لو غصب بهيمة، ويرجع بذلك على الغاصب؛ لأن المشتري دخل على أن يتمكن من الوطء بغير عوض، وأن يسلّم له الأولاد، فإذا لم يسلم له ذلك فقد غره فيرجع إليه كالمغرور بتزويج الأمة]، أي: أن المشتري يعود على الغاصب بما غرر به عليه.
هنا ينتهي كتاب الغصب وهو مهم جداً في واقعنا وفي أحكامه.

العدة شرح العمدة [75]

الشفعة لا تكون إلا في الشركات، وفيها يحق للشريك انتزاع حصة شريكه إذا أراد بيعها؛ لأن الشريك لا يحق له التصرف في نصيبه من الشركة إلا بإذن شريكه، وحتى تتحقق الشفعة يجب أن تتوفر فيها شروط بينها الفقهاء.

تعريف الشفعة

قال المصنف رحمه الله: [كتاب الشفعة].
وهذا الباب مهم جداً أيضاً في أحكامه.
والشفعة نسمع كثيراً عنها، فتجد شخصاً يقول: سآخذ الأرض بالشفعة، وآخر يقول: سآخذ العمارة بالشفعة.
وقد سميت شفعة لأن الشريك يضم نصيب شريكه الآخر إليه، فكأن الشريك الأول كان نصيبه وتراً، فلما ضم نصيب الشريك الثاني أصبح شفعاً، وربنا يقول: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:3].
قال المصنف رحمه الله: [هي استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها].
وهذا التعريف عليه ملاحظات، وكان الأفضل أن يقول المصنف: هو انتزاع وليس استحقاقاً؛ لأن هناك فرقاً بين الاستحقاق وبين الانتزاع، فالاستحقاق يكون بشروط، فالصواب أن يقال: هو انتزاع حصة شريكه، أي: أن الشفعة لا تكون إلا بين الشريكين، ولا تكون بين جار وجار، وإنما بين الشريكين، فإذا ملكت أنا وأنت فداناً من الأرض مسقاه واحد، وحده واحد، وكان بيننا نصفين فلو بعت نصيبي إلى ثالث، وكتبنا العقد وانتقلت إليه الأرض فيحق لشريكي أن ينتزع هذه الأرض من الذي اشتراها بحق الشفعة، وينتزعها قهراً رغم إرادتي بحق الشفعة من يد مشتريها.
فالشفعة إجبار على البيع، فهي بيع قهري؛ لأن الإسلام أراد للشريك ألا يتصرف في حصته إلا برضا الشريك الآخر.
والشفعة لا تكون إلا في شركة، كأن أشترك أنا وأنت في أرض مسقاها واحد، وحدها واحد، فهنا لا يجوز لي أن أبيع لأجنبي قبل أن أعرضها عليك، فإن بعت لأجنبي فإنه يحق للطرف الآخر أن يأخذها بحق الشفعة، ولو لم يشفع الآخر ويطالب بحق الشفعة فالبيع صحيح، وقد مضى.
يقول الشيخ ابن عثيمين: كلمة استحقاق في التعريف خطأ؛ لأن هناك فرقاً بين الاستحقاق وبين الانتزاع، فقد أستحق ولا أنتزع، وقد أنتزع دون أن أستحق.

شروط صحة الشفعة

قال المصنف رحمه الله: [ولا تجب إلا بشروط سبعة:

البيع

أحدها: البيع] فلا شفعة في الإيجار، فلو أجّرت نصيبي من غيري فلا شفعة فيها؛ لأن الشفعة في البيع ولا شفعة في الإيجار؛ لأنني أجّرت المنفعة ولم أبع الأرض، ولو أجرت الأرض مئات السنين فليس فيها شفعة، فلا تنصرف الشفعة إلا للبيع.
قال المصنف رحمه الله: [فلا تجب في موهوب] فلو وهبت نصيبي لشخص آخر بدون مقابل فلا شفعة فيه؛ لأن الهبة تصرف بغير مقابل حال الحياة، فعلى المذهب أنه لا شفعة في الموهوب، ولكن الراجح أنه فيه شفعة.
قال المصنف رحمه الله: [ولا موقوف].
فلو أوقفت نصيبي فلا يجوز لشريكي أن ينتزعه، هذا في المذهب، والراجح أنه فيه شفعة.
قال المصنف رحمه الله: [ولا عوض خلع].
فالمذهب يرى أن الشفعة لا تكون إلا في المبيع، فلا شفعة في الموهوب، ولا الموقوف، ولا عوض خلع.
فلو أن امرأة تملك نصف فدان معك فأرادت أن تخلع نفسها من زوجها، وقالت لزوجها: سأعطيك نصف الفدان هذا الذي أملك مقابل أن أخلع نفسي -والخلع مقرر شرعاً- فلزوجها أخذ نصف فدان مقابل الخلع ولا شفعة للآخر على المذهب طالما أن الأرض أُخذت مقابل عوض خلع، ولكن الراجح أن فيه شفعة، وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين.
قال المصنف رحمه الله: [ولا صداق].
فلو تزوجت امرأة وقلت لها: إن مهركِ نصف الفدان هذا، وأنت شريك في الفدان مع آخر فعلى المذهب لا يجوز للآخر الشفعة، والراجح أن فيه شفعة.
قال المصنف رحمه الله: [بشرط أن تكون الشفعة في مبيع؛ لما روى جابر قال: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شرك لم يقسّم ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باع ولم يستأذنه فهو أحق به)].
أي: أنه لا بد قبل البيع أن يعرضه على شريكه.
قال المصنف رحمه الله: [فجعله أحق به إذا باع، أما إذا انتقل بغير عوض كالموهوب والموصى به والموقوف فلا شفعة فيه؛ لأنه انتقل بغير بدل، أشبه الموروث].
والموروث لا شفعة فيه، وهو الوحيد الذي ليس فيه شفعة.
فلو ملك شخص نصف فدان وملك رجل آخر النصف الآخر فإذا توفي أحدهما وزع نصيبه على ورثته ولا يحق لشريكه في الأرض أن يعود بحق الشفعة على الورثة؛ لأن الميراث يدخل في ملك الإنسان رغم إرادته طالما ليس هناك مانع أو حاجب من الميراث، وبعد أن يرث الإنسان فهو حر في نصيبه يبيعه أو يتنازل عنه.
والشيخ ابن عثيمين وبعض العلماء يرون أن الشفعة تجوز في كل شيء إلا ما يدخل في ملك الإنسان رغم إرادته، والموهوب والموقوف ومقابل الخلع والصداق يدخل بالإرادة، وما دخل بالإرادة ففيه شفعة، وما دخل بغير الإرادة فليس فيه شفعة.

أن يكون المشفوع فيه عقاراً أو ما يتصل به

قال المصنف رحمه الله: [الشرط الثاني: أن يكون عقاراً أو ما يتصل به من البناء والغراس].
والراجح: أن غير العقار فيه شفعة، فقد أمتلك أنا وأنت ما ليس عقاراً ثم أريد أن أبيع فلا بد أن أعرض ذلك على الشريك، ففيه شفعة.
والمذهب يرى أن الشفعة لا تكون إلا في العقار أو ما يتصل به من البناء.
قال المصنف رحمه الله: [لحديث جابر: (الشفعة فيما لم يقسّم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)].
وهذا الحديث مهم جداً في هذا الباب، وهذا يختص بالعقار.
والشفعة لا يكون إلا فيما لم يقسّم، فإذا قُسِّم فلا شفعة فيه، فالأمر الذي يستحيل معه التقسيم ففيه شفعة، وأما ما لا يستحيل فيه التقسيم فلا يكون فيه شفعة.
والحنابلة قالوا: الشفعة فيما لم يقسّم، فإذا ضربت الحدود، وصار لهذه حدود ولهذه حدود ولكل منهما سقيا مختلفة عن الأخرى فلا شفعة، وتستطيع أن تبيع وأنت حر طالما لا يوجد شركة في أمر واحد، فالشفعة تكون فيما لا يقسّم، أي: يستحيل القسمة.

أن يكون المشفوع فيه شقصاً مشاعاً

قال المصنف رحمه الله: [الشرط الثالث: أن يكون شقصاً مشاعاً -أي: ملكاً مشاعاً- فأما المقسوم المحدود فلا شفعة فيه].
فيكون ملكاً مشاعاً بحيث لا يتميز ملك أحدهما عن الآخر، فإذا عُرف نصيب كل واحد وحدد النصيب فلا شفعة.

أن يكون المشفوع فيه مما ينقسم

قال المصنف رحمه الله: [الشرط الرابع: أن يكون مما ينقسم، فأما ما لا ينقسم فلا شفعة فيه كالحمام الصغير والبئر والطرق والعراض الضيقة فعن أحمد فيها روايتان: لا شفعة فيها، والأخرى فيها الشفعة؛ لعموم الحديث في ذلك].
قال المصنف رحمه الله: [والرواية الأولى ظاهر المذهب، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة) وهو الطريق الضيق].
ولا شفعة في الإيجار.

أن يأخذ الشفيع المبيع كاملا

ً قال المصنف رحمه الله: [الشرط الخامس: أن يأخذ الشقص كله].
يعني: ألا يأخذ مثلاً نصف المبيع، بل لابد أن يأخذه كله بحق الشفعة أو يتركه كله، فلا يجوز لمن يأخذ الأرض أو أي شيء بحق الشفعة أن يأخذ جزءاً، بل لا بد أن يأخذ الكل أو يترك الكل.
قال المصنف رحمه الله: [فإن طلب بعضه بطلت شفعته؛ لأن أخذه لبعضها ترك للبعض الآخر، فتسقط الشفعة فيه، فإذا سقط بعضها سقط جميعها].
فلا بد أن تطلب الشفعة في المبيع كاملاً، ولا تطلب البعض.
وهناك أشياء قابلة للقسمة وأخرى لا تقبل القسمة.
قال المصنف رحمه الله: [فإن كان له شفيعان فالشفعة بينهما على قدر سهامهما].
فإذا كان ثلاثة إخوة يملكون فداناً -أي لكل واحد 8 قراريط- فإذا باع أحدهم نصيبه لأجنبي فالشفعة للاثنين الباقيين، كل واحد منهما بقدر نصيبه في الأرض، وبما أن لكل منهما 8 قراريط، إذاً فلكل منهما أن يأخذ 4 قراريط، فيشفعوا بقدر سهامهما ونصيبهما في حق الشفعة.
ولو أن شخصاً يملك 18 قيراطاً وآخر 3 قراريط وثالث 3 قراريط فلو أحد اللذين يملكان 3 قراريط أراد البيع لأجنبي ولم يعلم شريكاه فلهما الشفعة بقدر سميهما، أي: بنسبة 1 - 6، فالذي له 3 قراريط يأخذ سهماً واحداً، والذي له 18 قيراطاً يأخذ 6 أسهم.
قال المؤلف رحمه الله: [فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر أن يأخذ إلا الكل أو الترك؛ لأن في أخذ البعض تفريق صفقة للمشتري، فيتضرر بذلك.
قال ابن المنذر: أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم على ذلك].

إمكان أداء الثمن

قال المصنف رحمه الله: [الشرط السادس: إمكان أداء الثمن].
فإن أراد الشفعة فليدفع الثمن كاملاً، لا كما يقول بعض الجهلة: لا يرحم ولا يترك رحمة ربنا تنزل، وهذا مثل كفري، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:2].
فلا يملك أحد في الوجود أن يمنع رحمة الله عن النزول، وهذا من الأمثال الكفرية الشائعة بين الناس، فإن اعتقد أنه يستطيع أن يمنع رحمة الله عن النزول فقد كفر، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:2].
وهذا مثل الذي يقول: يعطي الحلق للذي بلا آذان.
وهذا كفر، فهو اتهام لله بالجهل وبعدم الحكمة.
فهذه الأمثال الكفرية لا ينبغي أن ترد على ألسنتنا ولا تُذكر أو تقال.
قال المصنف رحمه الله: [لقوله عليه الصلاة والسلام: (فهو أحق به بالثمن) فإن عجز عنه أو عن بعضه سقطت شفعته؛ لأن أخذه المبيع من غير دفع الثمن أو بعضه إضرار بالمشتري، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا ضرر ولا ضرار)].
إلا إذا قبل ذلك البائع فلا بأس بالاتفاق؛ لأنه حقه وهو حر فيه.
قال المصنف رحمه الله: [وإن كان الثمن مثلياً كالأثمان والحبوب والأدهان أعطاه مثله، وإن لم يكن مثلياً أعطاه قيمته].
والثمن: هو المبلغ المشترى به الشيء، والقيمة: هو قيمة الشيء في السوق.
فالثمن هو المدفوع فعلاً، وأما القيمة فهي القيمة السوقية بلغة المحاسبين.
فإعطاء القيمة يختلف عن إعطاء الثمن، أي: يعطيه القيمة إن كانت له قيمة سوقية -أي كان له مثل- وإن لم يكن له مثل يعطيه الثمن.
فلو اضطر شخص فباع أرضه بثمن بخس لرجل أجنبي وأراد شريكه الشفعة فإنه يدفع القيمة ولا يدفع الثمن.
قال المصنف رحمه الله: [وإن اختلفا في قدره ولا بينة لهما فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه علم بالثمن، ولأن المبيع ملكه، فلا ينزع منه بدعوى مختلف فيها إلا ببينة، وعلى المشتري اليمين؛ لأن دعوى البائع محتملة].
فمثلاً لو قال المشتري: اشتريت بعشرة، وقال البائع: بعت بخمسة، ولم يكن العقد مكتوباً بينهما ففي هذه الحالة القول قول المشتري بيمينه.

مطالبة الشفيع بها على الفور

قال المصنف رحمه الله: [الشرط السابع: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم، فإن أخرها بطلت شفعته].
فالمطالبة بالشفعة تكون بمجرد علمه بالبيع، فالعلم مناط التكليف، ولا بد من إقامة الأدلة على عدم العلم، والبائع يقيم البينة على أنه أعلمه وأنه اعتذر عن الشراء؛ حتى يسقط حق الطرف الآخر في الشفعة.
قال المصنف رحمه الله: [في الصحيح من المذهب، لقول عمر رضي الله عنه: الشفعة كحل العقال].
قال المصنف رحمه الله: [إلا أن يكون عاجزاً عنها لغيبة أو حبس أو مرض أو صغر فيكون على شفعته متى قدر عليها].
أي: كأن لم يعلم لغيبة -أي كان مسافراً- أو حبس أو مرض أو صغر.
وفي الحدود لو أن رجلاً قتل رجلاً وعفا أهل القتيل بالإجماع إلا طفلاً صغيراً -وكان ابناً للمقتول- عمره سنتان فالصواب: أن ننتظر حتى يبلغ ويقول: عفوت.
هذا هو المعتبر وهو الراجح، أن ننتظر حتى يبلغ سن الرشد ويقول: عفوت، وإن أراد القصاص فيقتل في الحال.
فلو كان محبوساً وعلم أن الرجل باع نصيبه ولكنه عاجز عن الشراء فكأنه لم يعلم، والعجز عن التصرف كعدم العلم.
وأما الغائب فيمكنه أن يرسل محامياً أو يرسل ولده أو يتصل بالهاتف.
فإذا علم وهو غائب وأقر فلا شفعة له.
قال المصنف رحمه الله: [فيكون على شفعته متى قدر عليها، إلا أنه إن أمكنه الإشهاد على الطلب بها فلم يشهد بطلت شفعته، كما لو ترك الطلب مع حضوره].
فلو أرسلت له ولم يأت أو لم يرد بنفي أو إيجاب فقد بطلت الشفعة.

فصول الكتاب · 3 فصل · 39 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التعليق على العدة شرح العمدة - أسامة سليمان · 39 صفحة
المقدمة
كتاب الصلاة
كتاب البيوع
حكم إرضاع المرأة طفلها وهي تصليالسؤالالجوابحكم الوضوء على الملابس دون عذرالسؤالالجوابنصيحة لمن يطلب منه شهادة الزور إرغاماالسؤالالجوابحكم من كبر على جنازة خمس تكبيراتالسؤالالجوابحكم تعليق الآيات القرآنية في البيتالسؤالالجوابمعنى الغيبة وبيان خطورتهاالسؤالالجوابحكم قاطع الرحمالسؤالالجوابحكم إخبار صاحب الشركة عن تصرفات الموظفينالسؤالالجوابحكم الجعل من غير المتسابقينالسؤالالجوابأفضل تفسير لكتاب اللهالسؤالالجوابحكم بيع الصنف الواحد بأسعار مختلفةالسؤالالجوابالعدة شرح العمدة [73]باب الإجاراتبيان ما تنفسخ به الإجارةبيان ما تصح به الإجارةحكم استئجار العينأحكام استئجار أرض لزرعهاحكم من اكترى إلى موضع فجاوزهحكم تلف العين المستأجرةحكم إفساد الزوجة طعام زوجهاالجوابضمان الحجام والختان والطبيبتضمين الرعاةتضمين القصار والخياطالعدة شرح العمدة [74]تعريف الغصب والفرق بينه وبين السرقةحكم الغصبما يتحمله الغاصبحكم الجناية على المغصوبحكم غصب الجاريةحكم بيع الغاصب للجارية المغصوبةالعدة شرح العمدة [75]تعريف الشفعةشروط صحة الشفعةالبيعأن يكون المشفوع فيه عقاراً أو ما يتصل بهأن يكون المشفوع فيه شقصاً مشاعاًأن يكون المشفوع فيه مما ينقسمأن يأخذ الشفيع المبيع كاملاإمكان أداء الثمنمطالبة الشفيع بها على الفور
جارٍ التحميل