حكم تخصيص أيام البيض في شعبان بصيام دون سائر الأيام
السؤال
هل تخصيص شهر شعبان دون سائر الأشهر في صيام 13، 14، 15 من الابتداع؟
الجواب
ليس من الابتداع؛ لأن هذه أيام فيها أمر، وكونه صام هذه الأيام في هذا الشهر الكريم لا شيء عليه.
حكم تخصيص النصف من شعبان بالصيام والقيام
السؤال
هل في تخصيص الخامس عشر من شعبان بالقيام والصيام شيء؟
الجواب
لم يثبت في فضل صيامه ولا قيامه حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما فيه موضوع أو ضعيف.
تفسير قوله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً)
السؤال
ما تفسير هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف:103]؟
الجواب
المقصود بها اليهود.
بيان ما تفعل من خافت أن يؤخرها الحيض عن العمرة
السؤال
نويت أداء العمرة في رمضان بإذن الله وقد حددت الشركة السفر في 14 رمضان، ولكني سأكون حائضاً من يوم 12 رمضان، وسيظل الحيض عندي ثمانية أيام، فماذا أفعل؟ وكيف أقوم بأداء العمرة؟
الجواب
يمكنكِ أن تأخذي حبوباً تؤخر الحيض إن استطعت، أما إن لم تستطيعي أن تؤخري الحيض فاغتسلي عند الميقات وأحرمي ثم انتظري حتى تطهري لتؤدي العمرة بعد ذلك.
حكم عمل أشعة من أموال الزكاة
السؤال
ذهبت لعمل أشعة فأعطاني مركز الأشعة ورقة مكتوب فيها: مرحباً بكم في مركز المصطفى للأشعة، ويسعدنا أن نقدم الخدمة مجاناً مموّلة من زكاة مال المسلمين لخدمة مستحقي الزكاة، وأنا الآن لا أملك مالاً لعمل هذه الأشعة، ولكن أبي يملك أن يعطيني هذا المال، فهل إذا عملت الأشعة في المركز عليّ إثم؟
الجواب
اعمل ولا حرج، وليس عليك إثم إن شاء الله تعالى، وفي الحقيقة أنه يجب على الأغنياء في رمضان أن ينظروا إلى الفقراء ويساعدوهم.
حكم صوم من سب الدين
السؤال
إذا سب الصائم الدين فما حكمه؟
الجواب
سب الدين في الصيام يبطله؛ لأنه ردة.
أهمية المبادرة بقضاء رمضان بعد رمضان
السؤال
عليّ قضاء أيام من رمضان وحتى الآن لم أقضها، فهل أبدأ من الغد أو أنتظر؟
الجواب
بل عليك أن تبدأ من الغد.
نسأل الله عز وجل أن يثبتنا على الحق، وتقبل الله منا ومنكم.
العدة شرح العمدة [41]
الإحرام هو ركن من أركان الحج والعمرة، فمن أراد حجاً أو عمرة فعليه أن يحرم من ميقات أهل بلده، ويحرم الرجل في إزار ورداء، وتحرم المرأة في أي ثوب على ألا يشابه لباس الرجل، ومن أراد الإحرام شرع له الغسل والتنظف والتطيب دون أن يمس الطيب إحرامه.
كلمة مختصرة عن الزواج في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيّه من خلقه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! طبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وأسأل الله عز وجل بفضله وكرمه وعفوه ورضاه أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا، وأن يختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وأن يجمعنا سوياً مع سيد الأنبياء والمرسلين في الفردوس الأعلى؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وقبل أن نبدأ في رحلتنا مع دروس الفقه من كتاب العدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي، ومع كتاب الحج والعمرة، يسعدنا أن نبدأ هذا اللقاء بكلمة مختصرة عن الزواج في الإسلام: مما لا شك فيه أن الزواج من سنن الله عز وجل في خلقه، قال عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:21]، ولكن الحديث في عجالة سيدور حول أسس اختيار الزوجة، والمعايير التي ينبغي على الشاب المسلم أن يضعها نصب عينه وهو يختار الزوجة؛ لأن الزوجة سكن، وهي حسنة الدنيا على رأي بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة:201]، فحسنة الدنيا قال بعضهم: هي المرأة الصالحة؛ لأن المرأة إذا صلحت صلحت بها المجتمعات، وإذا فسدت المرأة تفسد بها المجتمعات؛ ولأن أعداءنا يعلمون تلك الحقيقة راحوا يخططون ويمكرون بالمرأة ليل نهار، وراحوا يفسدونها ويخرجونها عن حيائها وعن عفافها؛ ليعم الفساد والبلاء، فأول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).
أسس اختيار المرأة في الإسلام يقوم على معايير وضعها سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، فمن الشباب من يبحث عن الجمال ويضع له شروطاً يضيق بها على نفسه، فتراه يريدها طويلة بيضاء البشرة صفراء الشعر زرقاء العينين ممشوقة القوام إلى غير ذلك، يشدد فيشدد الله عليه، ومن الناس من يبحث عن ذات المال فيبحث عن مالها كم هو؟ وإن قدر الله لأبيها الموت فماذا سترث بعد موته، ومن الناس من يبحث عن الجاه والحسب فيخطب من عائلة فلان ويضع اسم العائلة نصب عينه، ومن الناس من يبحث عن الدين كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم، والفائز بين هؤلاء جميعاً هو الذي يبحث عن دينها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، وخير ما ينال المرء بعد تقوى الله المرأة الصالحة، كما جاء في بعض الآثار.
الزواج إيجاب وقبول، قال تعالى عن صاحب مدين أنه قال لموسى عليه السلام: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص:27]، هذا إيجاب؛ لأن ولي أمر المرأة هو الذي بدأ بالعرض، وموسى عليه السلام وافق، ولذلك الإمام البخاري يبوب في صحيحه باب: الرجل يعرض ابنته على الرجل الصالح، فيجوز لك أن تعرض ابنتك على رجل صالح تثق في دينه، فهذا كنز يا عبد الله! ولكن في عرفنا إن قال أحد لآخر: عندي أخت أو عندي بنت قالوا: يدلل عليها؛ لأنها سلعة راكدة، أما يستحي قائل هذا؟! فيا عبد الله! هذا هو الشرع، يجوز للرجل أن يعرض ابنته على الرجل الصالح، وقد فعل هذا عمر؛ فإنه لما مات زوج حفصة ذهب يعرضها على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فعرضها أول ما عرضها على أبي بكر، فأعرض الصديق ولم يجب بنعم أو بلا، ثم عرضها من بعد أبي بكر على عثمان ذي النورين رضي الله عنه وعن أصحاب رسول الله أجمعين.
يقول صاحب مسلسل رجل الأقدار: أنا لا أحب عمرو بن العاص، فنقول له: من أنت حتى تحب أم تكره أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟! إن تلك الألسنة أو تلك الأسماء إذا ما ذكرناها نحتاج إلى أن نتمضمض سبع مرات من ذكرها، فهذا يقول: إنه لا يحب عمرو بن العاص! فهل تعلم أن بغض أصحاب رسول الله من النفاق وحبهم من الإيمان، فمن أنت يا عبد الله! حتى تعلن أمام كل الجمهور الحضور أن شخصية عمرو شخصية استبدادية وشخصية أثرت بكذا، وأنا لا أحبه بل أكرهه؟! فاتق الله! فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (لا تسبوا أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وقال الله في حقهم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:119]، وقال الله في حقهم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَا
باب الإحرام
استحباب الغسل عند الإحرام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الإحرام: من أراد الإحرام استحب له أن يغتسل].
كلمة (استحب) تشير إلى أن غسل الإحرام مستحب، أي: أنه من فعله أثيب، ومن لم يفعله فلا شيء عليه، فإذا أراد أن يحرم يغتسل غسل الإحرام، والدليل على الغسل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس لما نفست -يعني: أصابها النفاس- أن تغتسل عند الإحرام)، رواه مسلم.
وفي الحديث: (أنه دخل على عائشة في ذي الحليفة -وهو ميقات أهل المدينة- في حجة الوداع ووجدها تبكي، فقال: ما لكِ يا عائش! أنفست؟ قالت: نعم يا رسول الله! قال: ذلك أمر قدره الله على بنات آدم، افعلي كل ما يفعله الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) وأمرها بالغسل.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأمر أسماء بنت عميس أن تغتسل عند الإهلال وهي حائض] أي: أن المرأة إذا حاضت عليها أن تغتسل غسل الإحرام لا غسل رفع الحيض، شأنها شأن سائر الحجاج قال: [وقد روى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب].
أول أمر للمحرم: يستحب له أن يغتسل.
استحباب التنظف عند الإحرام
ثانياً: ويستحب له أن يتنظف بإزالة الشعر، وقطع الرائحة، وحلق شعر العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر ونحو ذلك؛ لأنه أمر يسن له الاغتسال أشبه بالجمعة.
ويسن له الطيب؛ لأنه مكان يجتمع الناس فيه أشبه بالجمعة، إذاً بعد الغسل يتنظف بإزالة شعر الإبط، وبإزالة شعر العانة، وبتقليم الأظافر، وبأن يتتبع بالماء والرائحة الطيبة المغابن؛ لأنه يقدم على ربه للطواف، فيتنظف ويتطيب، والعلة في الطيب متحدة مع الجمعة، فالجمعة يتطيب فيها؛ لأنها اجتماع، والحج كذلك اجتماع أكبر، فالغسل والتنظف والطيب له مطلوب، لكن لا يضع الطيب على ملابس الإحرام، إنما يضع الطيب في المفارق وعلى اللحية وعلى شعر الرأس.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام بعد إحرامه تفوح رائحة المسك من مفارقه صلى الله عليه وسلم، فالمحذور على المحرم أن يتطيب بعد الإحرام، أما قبل الإحرام فله أن يتطيب، لكن لا يضع الطيب على ملابس الإحرام.
صفة لباس المحرم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويتجرد عن المخيط في إزار ورداء أبيضين نظيفين].
المخيط هو: ما فصل على الجسد، وبعض الناس يعتقد أن المخيط: كل شيء فيه خيط، وهذا كلام لا ينتمي إلى العلم بصلة، فالإزار الذي يلبس للإحرام فيه خيط لكنه غير مخيط؛ لأن المخيط هو ما فصل على هيئة الجسد، فالمحرم يتجرد من المخيط، وبعض الناس يلبس (الشورت) تحت الإزار ويظن أنه لا بأس بذلك، فلابد أن الرجل يتجرد عارياً تماماً ثم يلبس الإزار ويلبس الرداء وليس تحتهما شيء على الإطلاق؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين)، والإزار هو الأسفل، والرداء هو الأعلى، والنعلان للقدمين، فإن لم يجد النعلين فبخف، لكنه يقطعهما بحيث يكونا تحت الكعبين، والكعبان هما النتوآن في جانب القدم، النتوء الذي في القدم يميناً ويساراً اسمه الكعب، إذاً: أي نعل أو خف تحت الكعب يجوز أن تحرم فيه ولا بأس.
أما بالنسبة للمرأة فيجوز لها أن تحرم في كل شيء إلا ملابس تشابه ملابس الرجال، فتحرم في ملابسها، قال ابن عباس: إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها، يريد بذلك: أن الرجل لا يجوز له أن يغطي رأسه وهو محرم، كما أن المرأة لا يجوز لها أن تغطي الوجه إلا إذا خالطت الرجال، والأصل الآن أنها تخالط الرجال، فنقول لها: غطي الوجه شريطة ألا يمس النقاب الوجه، هذا هو الذي قاله العلماء.
والآن هناك ملابس إحرام جديدة يجعلون فيها من الداخل بطانة داخلية على شكل سروال داخلي، فإن كان الإحرام يفصل على الجسد فلا يجوز، لكن إن كان ما يوضع تحت عبارة عن بطانة للإحرام فلا بأس به، فما فصل على أعضاء الجسد فلا يجوز، فالأولى أن يترك هذا الإحرام الذي يكون بهذا الوصف ويباع في الأسواق.
والخمار لا يمس وجه المرأة، وذلك بأن تلبس شيئاً تطرده عن وجهها، وإذا جاء الهواء ولامس الوجه فلا بأس، إنما الأصل أن تبعده عن الوجه في حال الإحرام.
قال: [إذا لم يجد إزاراً لبس السراويل، وإذا لم يجد نعلين فليلبس الخفين].
يعني: أن السروال يجوز أن تحرم فيه، لكن السروال غير المفصل على هيئة الجسد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم يصلي ركعتين].
بعض الناس يظن أنهما ركعتا الإحرام، وليس هناك ما يسمى بركعتي الإحرام.
استحباب صلاة ركعتين عند الإحرام وبيان وقت الإحرام
قال الشارح رحمه الله: [ثم يصلي ركعتين، ويستحب له أن يحرم عقيب الصلاة].
بمعنى: أنه إذا اغتسل وتنظف وتطيب ولبس ملابس الإحرام يصلي إما الفريضة إذا حان وقت الفريضة وإما أن يصلي ركعتين مسببتين كتحية المسجد، أو سنة الوضوء، لكن ليس هناك ما يسمى بركعتي الإحرام، وبعض الناس بعد الوضوء يقول: ماذا نصلي؟ فنقول: الأمر يسير، فطالما توضأت صل سنة الوضوء، لكن لا تقل: أصلي ركعتين سنة الإحرام، فليس هناك ما يسمى بسنة الإحرام.
قال الشارح: [ويستحب له أن يحرم عقيب الصلاة، فإن حضرت مكتوبة صلاها وأحرم عقبها، وإلا صلى ركعتين تطوعاً، وأحرم عقيبها.
قال الأثرم: قلت لـ أبي عبد الله: أيما أحب إليك الإحرام في دبر الصلاة أو إذا استوت به ناقتك؟ قال: كل قد جاء في دبر الصلاة وإذا علا البيداء أو إذا استوت به الناقة، فوسع فيه كله].
والمعنى: هناك فرق بين التهيؤ للإحرام وبين الإحرام، فالتنظف والاغتسال والتطيب ولبس ملابس الإحرام كل هذا تهيؤ للإحرام.
فكل ما كان قبل أن تقدم على الميقات هذا تهيؤ للإحرام، وأما الإحرام الحقيقي فيكون في الميقات، فكونك تلبي بحج وعمرة أو بحج فقط أو بعمرة فقط هذا كله في الميقات، وتحاسب على محظورات الإحرام بعد الميقات.
فبعد الميقات نحاسبك إذا ارتكبت محظوراً أما قبل ذلك فأنت في حل حتى وإن لبست ملابس الإحرام، فالعبرة بالميقات والتلبية فيه، وإذا كان سفر المحرم بطائرة فمعلوم أن الطائرة لن تقف، فيصلي ركعتين قبل أن يصعد الطائرة وبعد أن يلبس ملابس الإحرام.
قال: [ويحرم عقيبهما وهو أن ينوي الإحرام بقلبه، ولا ينعقد الإحرام بغير نية؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات)، ويكون عقيب الصلاة؛ لقول ابن مسعود: (أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحرام حين فرغ من صلاته)].
والإحرام ركن، فلو أن رجلاً مر على الميقات ولم يحرم فإما أن يعود ويحرم من الميقات، وإما أن ينوي الإحرام بعد الميقات ويلزمه فدية؛ لأنه أحرم بعد الميقات.
فالإحرام ركن، والإحرام من الميقات واجب، وإذا ترك الإحرام فسد الحج أو فسدت العمرة، وإذا ترك الإحرام من الميقات يجوز له أن يحرم بعد ذلك ويلزمه فدية، فأصل الإحرام ركن، لكن الإحرام من الميقات واجب، لذلك إن مر على الميقات ولم يحرم نقول له: أحرم من مكانك ويلزمك دم؛ لأنك أحرمت بعد الميقات، وأصل الإحرام ركن، ولذلك هناك فرق بين أركان الحج وواجبات الحج، وفرق بين أركان العمرة وواجبات العمرة، وتجد البعض لم يفرق بين الاثنين، يقول: أركان العمرة: الإحرام من الميقات، وهذا خطأ، فإن الإحرام من الميقات واجب، والركن هو الإحرام نفسه، فكان يجب أن يفرق بين أصل الإحرام وبين الإحرام من الميقات، وهذا مما نبهنا إليه كثيراً.
استحباب النطق بنوع الإحرام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويستحب أن ينطق بما أحرم به، ويشترط] يعني يقولها بلسانه حتى يسمع بها نفسه: لبيك عمرة أو لبيك حجاً أو لبيك حجاً وعمرة، يعني يقول: إن حج مفرداً: لبيك حجاً، وإن حج متمتعاً يقول: لبيك عمرة؛ لأنه سيؤدي العمرة ثم يتحلل ثم ينتظر إلى يوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية فيحرم من جديد من مكانه بحج فيقول: لبيك حجاً، هذا هو التمتع، فإن حج قارناً يقول: لبيك حجاً وعمرة، فهنا قرن بين الاثنين.
ولا بد أن يحدد النسك في حال إحرامه من الميقات، فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني، فإن حج عن نفسه يقول: لبيك حجاً فاقبله مني، مثلاً، وإن حج عن غيره يقول: لبيك عن فلان، ويلبي عن الذي يحج عنه من الميقات، فلا بد أن يحدد.
ثم يشترط ويقول: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهذا يسميه العلماء: اشتراط، فيشترط عند إحرامه بحيث إذا حبسه حابس لا يلزمه فدية؛ لأنه اشترط عند إحرامه، فيقول: لبيك حجاً فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، أو: لبيك عمرة فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ويفيد الاشتراط أنه إذا أعاقه عائق من عدو أو مرض أو ذهاب نفقة فله التحلل ولا دم عليه ولا صوم، فإذا أعاقه عائق في الطريق، أو عرض له عارض كأن تمنعه الشرطة من دخول مكة، وكنفاد نفقته، وكانتهاء صلاحية التأشيرة، كل ذلك وارد فإن اشترط عند الإحرام يتحلل ولا شيء عليه، أما إن لم يشترط فيلزمه فدية.
قال: [لما روى ابن عباس: أن ضباعة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج فكيف أقول؟ قال: (قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الأرض حيث تحبسني، فإن لك على ربك ما استثنيت)، رواه مسلم.
وروت عائشة قالت (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير وهي شاكية -تشكو من مرض- فقال: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني)].
قال بعض الفقهاء: إن الاشتراط يكون في حال الخوف والمرض، أما رجل لا يخاف من عدو وآمن وليس به مرض فلماذا يشترط؟ فـ ضباعة كانت تشتكي، فأمرها بالاشتراط، ومن ثم الاشتراط يكون لعلة، وطالما أنت في طائرة فإنك لا تدري ربما تعوق الطائرة ظروف جوية فتهبط أو تعود، وربما في المطار يمنعونك؛ لفساد التأشيرة، أو لكذا أو كذا، فطالما أنت في طريق لا تضمن فاشترط؛ حتى تخرج من الخلاف، وقل: لبيك عمرة، فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
ويشترط في الميقات، ولا عبرة بالاشتراط قبل الميقات، فحينما يقول قائد الطائرة: نحن على مقربة من الميقات، أو بقي على الميقات ربع ساعة، أو نحن الآن في الميقات، فعند محاذاة الميقات تقول: لبيك عمرة فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ومن هذا الوقت يحاسب المحرم في ارتكاب المحظورات؛ لأنه أحرم من هذه اللحظة.
ولا يحرم قبل الميقات، جاء رجل إلى الإمام مالك وقال: يا إمام! إني أريد أن أحرم من الروضة قال: من أي البلاد أنت؟ قال: من المدينة، قال: إحرامك من ذي الحليفة، قال: إني أريد أن أحرم من روضة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا تفعل؛ فإني أخاف عليك الفتنة، قال: وأي فتنة يا إمام! إن هي إلا أميال أزيدها؟ فتلا مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:63]، فالإحرام من الميقات سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
ولو أحرم قبل الميقات ولبى فإحرامه صحيح، لكنه خالف السنة.
أنواع النسك وذكر الفرق بينها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران].
الحاج له أن يختار أحد النسك: التمتع أو الإفراد أو القران، ولكن أي النسك أفضل؟ هناك اختلاف بين العلماء، والراجح: أن التمتع هو أفضل النسك، والنبي عليه الصلاة والسلام حج قارناً، يعني: قرن بين الحج والعمرة، حيث اعتمر وبقي على إحرامه إلى أن أدى مناسك الحج؛ لأنه ساق الهدي، فالنبي عليه الصلاة والسلام حج قارناً بلا خلاف؛ لأنه أمر الصحابة أن يتمتعوا، أما هو فبقي على إحرامه وقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولتحللت)، فالذي منعه من التحلل: أنه ساق الهدي من المدينة، فحج قارناً عليه الصلاة والسلام، ومن العلماء من يرى أن أفضل النسك هو القران؛ باعتبار أن النبي قد حج قارناً وهو لا يفعل إلا الأفضل، وقد كان عمر بن الخطاب يقول بعدم التمتع، بل كان يضرب عليه، لكننا مع رأي الجمهور في أن أفضل النسك هو التمتع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر به الصحابة، وبين لهم أنه كان يحب أن يتمتع لولا أنه ساق الهدي، والفرق بين الإفراد والقران والتمتع في أمور: أولاً: المتمتع يلبي بعمرة فقط في أول الأمر، وبعد أن يتحلل يبقى على تحلله إلى اليوم الثامن من ذي الحجة فيحرم مرة ثانية ويلبي بحج.
ثانياً: الهدي، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196]، فالحاج المتمتع عليه هدي، وكذلك الحاج القارن، أما الحاج المفرد فليس عليه هدي.
قالت عائشة رضي الله عنها: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بحج)، والذي أهل بعمرة متمتع، والذي أهل بحج وعمرة قارن، والذي أهل بحج فقط مفرد.
وقالت عائشة: (أهللت بعمرة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليهل بالحج والعمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً)، يعني: من ساق الهدي لا بد أن يحج قارناً، ولا يتحلل إلا أن ينتهي من مناسك العمرة ومناسك الحج.
أفضل أنواع النسك
قال الشارح: [وأفضلها التمتع ثم الإفراد ثم القران عند إمامنا أحمد رحمه الله تعالى].
والإمام مالك يرى بخلاف الإمام أحمد: أن أفضل النسك هو القران؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً، وأحمد يرى: أن أفضل النسك هو التمتع، وبعض الفقهاء يرون أن أفضل النسك هو الإفراد، وكان عمر لا يحرم بالحج إلا مفرداً، وكان ينهى عن التمتع كما تقدم.
قال: [واختار المتعة جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم؛ لما روى جابر وابن عباس وأبو موسى وعائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لما طافوا بالبيت أن يحلوا ويجعلوها عمرة)، ونقلهم من الإفراد والقران إلى المتعة، ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل الأولى، ولم يختلف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم مكة أمر أصحابه أن يحلوا إلا من ساق هدياً، وثبت على إحرامه، وقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة) -رواه البخاري - فهذا معلوم صحته يقيناً، والنبي صلى الله عليه وسلم نقلهم من الحج إلى المتعة، وتأسف كيف لم يمكنه ذلك، ولو كان الإفراد والقران أفضل لكان الأمر بالعكس؛ ولأن المتعة منصوص عليها في كتاب الله تعالى بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:196]، من بين سائر الأنساك؛ ولأن التمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج كاملين غير متداخلين على وجه اليسر والسهولة مع زيادة نسك هو الدم فكان ذلك أولى].
إذاً: مذهب الإمام أحمد هو أن التمتع أفضل النسك، وفي كتاب أضواء البيان للشيخ الشنقيطي بيان مذهب المالكية في أن أفضل النسك هو القران وأتى بالأدلة على تفضيله.
اللهم ارزقنا علماً نافعاً وقلباً خاشعاً، ونعوذ بك يا رب من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
الأسئلة
حكم القراءة من المصحف في الصلاة
السؤال
في قيام الليل أمسك المصحف في يدي أثناء الصلاة وأنا أمية فهل يجوز ذلك أم لا؟
الجواب
يجوز للمنفرد والمنفردة أن يقرأ من المصحف، ويجوز للإمام أن يقرأ من المصحف؛ لما ثبت أن ذكوان مولى عائشة كان يصلي بها من المصحف في النافلة في قيام الليل فتصلي خلفه، لكن الأولى أن يقرأ من الذاكرة حتى يكثر الحفظة، هذا هو الأولى، ولا يجوز للمأموم أن يفتح المصحف ليتابع الإمام، هذا لا يجوز؛ لأن فتوى علمائنا أن المأموم مأمور بوضع اليمنى على اليسرى وإذا أمسك المصحف يخل بهذا الشرط.
ثم أيضاً الإمام يقرأ من مصحف فلماذا تقرأ أنت خلفه؟ وقد جوّز الشيخ ابن باز رحمه الله أن مأموماً واحداً يمسك بمصحف إذا كان الإمام يقرأ من الذاكرة ليفتح عليه.
حكم كفارة الظهار إذا تخللها فطر لضرورة
السؤال
رجل في كفارة الظهار أصابه مرض قبل أن ينتهي فما حكمه؟
الجواب
إذا كان في كفارة الظهار وانقطع الصيام بعلة أو عذر مرض عليه أن يتم وهذا هو الراجح؛ لأن المعمول به هو أن يفطر بإرادته، أما هذا ففطره الشارع، فإذا أفطر في يوم العيد فقد فطره الشارع، وإذا أفطر لمرض فكذلك؛ لأنه أفطر بغير إرادته، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا تكليف إلا بمقدور، فمن الحرج أن نقول له: لأنك مرضت عد إلى الصيام من الأول، وإذا كان بإرادته يعيد من أول الصيام، والله تعالى أعلم.
حكم جماع الزوجة في دبرها
السؤال
رجل جامع زوجته في دبرها فما حكم الإسلام في ذلك؟
الجواب
هذا إجرام أيما إجرام، ولا يقول قائل: الأحاديث في ذلك ضعيفة، فالآية واضحة: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:223]، قال ابن كثير: والحرث هو موضع الإنبات، فمن أي مكان يخرج النبات وهو الولد؟ قال تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:223]، أي: في أي وضع شئتم لكن في صمام واحد، فلا يجوز مجامعة المرأة في دبرها بحال، فهذا عمل مخالف للشرع، فعلى من فعل ذلك أن يتوب إلى الله، وأن يستغفر، وأن يتصدق، وأن يكثر من الصيام؛ ليكفر عن ذنبه؛ لأن هذا مخالف للشرع فضلاً عما ورد في ذلك، وأحيلك إلى الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:223]، فقد أتى بالأحاديث والآثار عن الصحابة التي بينت حرمة ذلك.
حكم الدراسة في كلية الآثار
السؤال
أنا طالب في كلية آثار فما حكمها؟ وماذا أفعل أرجو الإجابة؟
الجواب
لا شبهة في دراستك شريطة أن يكون عملك بعد التخرج حلالاً، فدراسة الكفر ليست كفراً، حينما أدرس الرياضيات البحتة وحساب سعر الفائدة هذا ليس بحرام، وحينما أدرس أسباب الردة لست بمرتد، وحينما أدرس أسباب الكفر لست بكافر، فدراسة الكفر ليست بكفر، إنما العبرة بالعمل، لكن إن درست الكفر ثم طبقت بعد ذلك فهذه مصيبة، وطلبة التجارة يدرسون الرياضيات البحتة، ويدرسون حساب سعر الفائدة: رجل أودع مبلغ ثلاثة آلاف جنيه في البنك ثم يحسب سعر الفائدة في مدة كذا، ويحسب معدل الربح، فهل هو يرابي؟ فدراسة الكفر ليست بكفر، وربنا يقول: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:55]، فمعرفة سبل الحرام ومعرفة أبواب الحرام ليست حراماً، من هنا أقول لك: لا بأس بدراستك طالما ليس فيها حرام، والله تعالى أعلم.
حكم الجمع بين نية قضاء رمضان وصيام الست من شوال
السؤال
هل يجوز أن يجمع بين نية قضاء رمضان وصيام الست من شوال؟
الجواب
يا عبد الله! لا يجوز؛ فإن الجمع بين الفريضة والنافلة لا يجوز؛ لأن النافلة تختلف عن الفريضة في الصيام من وجوه عديدة: 1 - صيام الفريضة لابد أن تنويه بالليل، وصيام النافلة يجوز من الصباح.
2 - صيام الفريضة لا يجوز لك أن تفطر إذا شرعت فيه، وصيام النافلة أنت أمير نفسك إن شئت أكملت وإن شئت أفطرت، فهناك اختلاف من وجوه عديدة، فلا يجوز أن تجمع بين نيتي الفريضة والنافلة، إنما يجوز أن تجمع بين نيتين في النافلة، فلك أن تصوم إثنين وخميس مع صيام الست من شوال، يعني: أن يكون صيامك في شوال كل إثنين وخميس يجوز، وهكذا صيام ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر الثلاثة أيام القمرية، يجوز أن تجعلها من الست من شوال، ولا بأس بهذا.
وأما هل يقدم القضاء أولاً أم صيام الست من شوال؟ فرأي الجمهور القضاء أولاً؛ إذ هل من المعقول أو من المنقول أن أكون علي دين لك ثم أتصدق أو أقرض؟! فوفاء الدين أولاً، وكما قال علماؤنا: الحديث يحمل الإجابة: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال)، والذي عليه قضاء أيام من رمضان ما صام رمضان، فيلزمه القضاء أولاً.
3 - الواجبات تقدم في الوفاء بها، قال تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:84]، فالتعجيل بأداء الواجب هذا هو الأصل، والله تعالى أعلم.
العدة شرح العمدة [42]
لكل نسك من الأنساك الثلاثة في الحج صفة معينة، فالمفرد يحرم بحج وحده، والقارن يحرم بحج وعمرة، والمتمتع يحرم بعمرة في أشهر الحج متمتعاً بها إلى الحج، فإذا بدأ الحاج والمعتمر في التلبية شرع له رفع الصوت بها، إلا المرأة فلا يشرع لها رفع الصوت، ويشرع أن يكثر منها خاصة إذا رقى مرتفعاً أو هبط وادياً أو لقي ركباً وبعد الصلوات المكتوبة، ويكون هذا حاله حتى يدخل مكة.
كيفية أنواع النسك
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: لا زلنا مع كتاب الحج والعمرة من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
قال: [والتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج].
الحاج المتمتع يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، هذه هي أشهر الحج.
وربنا يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:197]، فمن أدى العمرة في هذه الأشهر: في شوال أو ذي القعدة أو العشر الأوائل من ذي الحجة ثم بقي في مكة وأحرم بالحج يسمى: متمتعاً.
وهنا
السؤال
رجل من مصر أدى العمرة في شهر رمضان وبقي في مكة إلى أن جاء الحج فأحرم بالحج، هل يعتبر متمتعاً؟
الجواب
لا؛ لأنه أدى العمرة في رمضان وليس في أشهر الحج، فالمتمتع هو من يؤدي العمرة في أشهر الحج.
وهنا سؤال آخر: رجل أدى العمرة في شوال وهو من جدة ثم عاد إلى جدة وأحرم بالحج في ذي الحجة، فهل هو متمتع أم مفرد؟
الجواب
في هذا خلاف بين العلماء، فهو من جدة وأدى العمرة في شوال، وشوال من أشهر الحج، لكنه عاد إلى بلده ثم أتى من بلده محرماً بحج، فلا يعد متمتعاً؛ لأنه يشترط في المتمتع أن يبقى في مكة.
أيضاً سؤال آخر: رجل من مصر أدى العمرة في شهر ذي القعدة ورجع إلى مصر ثم عاد إلى مكة لأداء مناسك الحج، هل هو متمتع؟ لا يسمى متمتعاً؛ لأنه عاد إلى وطنه.
إذاً: المتمتع هو من يؤدي العمرة في الحج ويبقى في مكة، فإن أدى العمرة في أشهر الحج وبقي في مكة إلى أن جاء الحج ولبى بالحج يسمى متمتعاً، وإن عاد إلى بلده ثم لبى بحج بعد أن أتى موسم الحج أو في ذي الحجة فنقول: هو مفرد وليس بمتمتع.
ولو أن رجلاً أدى العمرة في رمضان وبقي في مكة إلى أن جاء الحج، فلبى بحج في يوم الثامن من ذي الحجة فيسمى مفرداً؛ لأنه أدى العمرة في أشهر ليست هي أشهر الحج.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج في عامه، والإفراد: أن يحرم بالحج وحده، والقران: أن يحرم بهما معاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج].
نسك الحج: تمتع، وإفراد، وقران.
والنبي عليه الصلاة والسلام حج قارناً بلا خلاف، وتمنى أنه لو حج متمتعاً فقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة)، وهذا معناه: أنه يجوز لمن لبى بحج أن يدخل على الحج العمرة، وليس العكس عند الإمام أحمد، فعنده لا يجوز إدخال العمرة على الحج، وإنما يجوز إدخال الحج على العمرة؛ لأن الصحابة الذين حجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام حجوا قارنين فلما أدوا العمرة أمرهم أن يتحللوا ويدخلوا الحج على العمرة.
وهم في الميقات ما لبوا متمتعين وإنما لبوا قارنين، فأمرهم بالتحلل وأن يجعلوها عمرة، وأن يدخلوا عليها الحج.
قال الشارح: [ويستحب أن ينطق بما أحرم به ليزول الالتباس، وتتأكد النية كما قلنا، ويشترط لما سبق من حديث عائشة وابن عباس].
يعني: هنا المذهب يرى جواز النطق بالنية، فيقول: لبيك عمرة، أو لبيك حجاً، أو لبيك حجاً وعمرة، هذا نطق بالنية عند الإحرام ليبين النسك الذي أراد، وبعض العلماء يرون أن التلفظ بالنية حتى في الحج لا يجوز؛ لأن النية من أعمال القلب ولا تنصرف إلى الجوارح، والتلفظ بالنية يخالف المنقول ويخالف المعقول، يعني: هل رأيتم رجلاً حينما يخرج من بيته يتلفظ بما يريد أن يفعل فحينما يذهب إلى عمله يقول: باسم الله نويت الذهاب إلى العمل، أو إذا وضعت المائدة بين يديه يقول: باسم الله، نويت طعام الغداء؟ لا يمكن ذلك.
وكل الأعمال تحتاج إلى نية، والنية من أعمال القلب التي ينعقد عليها القلب فلا يصح لإنسان أن يتلفظ بالنية قبل عمله.
فالنسك ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقران، وإذا أردت أن أحج متمتعاً فألبي بعمرة في الميقات: لبيك عمرة، ثم أؤدي العمرة، وأنتظر إلى يوم الثامن من ذي الحجة فألبي بحج، فأؤدي العمرة منفردة والحج منفرداً، وهذا جاء في القرآن: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196].
إذاً: المتمتع يؤدي العمرة منفردة ثم يتحلل ويبقى على تحلله، ويجوز له كل شيء إلى أن يأتي الثامن من ذي الحجة فيلبي بحج.
أما المفرد فيقول في الميقات: لبيك حجاً، فلا يلبي إلا بالحج ويأتي بمناسك الحج في موسم الحج، هذا حج مفرد.
أما القارن ففي الميقات يقول: لبيك حجاً وعمرة، ويؤدي طواف القدوم، ثم السعي إن أراد ويبقى على إحرامه ولا يتحلل أبداً إلى أن يرمي جمرة العقبة في يوم العيد، يعني: القارن يظل لابساً لإحرامه طول النسك ولا يتحلل أبداً؛ لأنه قرن بين حج وعمرة.
وكل من المتمتع والقارن عليهما هدي، وأما المفرد: فليس عليه هدي.
قال المصنف رحمه الله: [ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد
كيفية التلبية
ثم قال: [فإذا استوى على راحلته لبى فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، والتلبية في الإحرام مسنونة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر برفع الصوت بها، وأقل أحوال ذلك الاستحباب.
وروى سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا)، رواه ابن ماجه.
ويستحب أن يبدأ بالتلبية إذا استوى على راحلته؛ لما روى أنس وابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ركب راحلته واستوت به قائمة أهل) أخرجه البخاري.
وقال ابن عباس: (أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحرام حين فرغ من صلاته، فلما ركب راحلته واستوت به قائمة أهل)، يعني: لبى، ومعنى الإهلال: رفع الصوت من قولهم: استهل الصبي إذا صاح].
أهل يعني: رفع صوته بالتلبية؛ لأنهم كانوا إذا رأوا الهلال صاحوا بأعلى أصواتهم، ومنه استهلال الطفل صارخاً، نقول: استهل الغلام، يعني: رفع صوته؛ وهنا نقطة مهمة جداً يبينها ابن تيمية: أن الهلال لا نسميه هلالاً إلا إذا استهل به أهل الأرض وصرخوا به، يعني: عرفوه، وأخبر بعضهم بعضاً أن الهلال قد ظهر وبدا.
فلو ولد الهلال ولم يستهل به لا يسمى هلالاً.
إذاً: هنا نقول: العبرة في ثبوت الهلال هي استهلال الناس به وليس ميلاده.
ولذلك إذا استهل الصبي صارخاً بعد مولده تثبت له الأحكام الشرعية، فإذا استهل صائحاً بعد ميلاده ثم مات يرث؛ لأنه ثبتت له الحياة باستهلاله صارخاً، فالاستهلال هذا يثبت له به أحكام شرعية، أما إن نزل من بطن أمه ميتاً فلا يثبت له الميراث؛ لأنه لم يستهل صارخاً.
ثم قال: [والأصل فيها أنهم كانوا إذا رأوا الهلال صاحوا فيقال: استهل الهلال، ثم قيل لكل صائح: مستهل.
وإنما يرفع صوته بالتلبية؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية)].
رفع الصوت بالتلبية هذا بالنسبة للرجال، أما بالنسبة للنساء فتسمع المرأة نفسها ولا ترفع صوتها، وكان الصحابة إذا ما أحرموا عند الميقات بقوا يلبون حتى تذهب أصواتهم، أما نحن فأول ما نحرم من الميقات حتى نصل إلى الكعبة لا أحد يلبي إلا من رحم الله، وإذا لبى أحد الناس تعجب الناس منه وقالوا: ماذا يصنع هذا؟ فالمحرم يرفع الصوت بالتلبية إلى أن يبلغ الكعبة وحينئذ تنقطع التلبية إن كان معتمراً، وبعض الناس لا يلبي إلا إذا دخل مكة، وهذا غير صحيح، فالسنة: أنك بعد الإحرام من الميقات تستمر في تلبية، وانظر إلى فعل ابن عمر؛ فقد كان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية فلا يأتي الروحاء حتى يضمحل صوته.
وفي الحديث: (أفضل الحج العج والثج)، والعج هو رفع الصوت بالتلبية، والثج: إراقة الدماء.
وقال ابن عباس: رفع الصوت زينة الحج، فزينة الحج أن يرفع صوته بالتلبية فيلبي بعد إحرامه.
قال: [ولا يجهد نفسه في رفع الصوت زيادة عن الطاقة؛ لئلا ينقطع صوته فتنقطع تلبيته].
يعني: أن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، فتجد بعضهم أول ما يأتي الميقات يحرم ويرفع صوته فوق الطاقة فلا يلبث إلا قليلاً حتى يذهب صوته، فلا رفع فوق الطاقة ولا خفض بحيث لا يسمع أحداً، وإنما تلبية بصوت معتدل.
ثم قال: [وجاء في الصحيحين عن ابن عمر: (أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)].
والتلبية مأخوذة من قولهم: لب بالمكان إذا لزمه].
يعني: إذا لزم المرء مكاناً يسمى لب بالمكان، يعني: لزم المكان وأقام به ولم يفارقه، فتقول: أنا يا رب! ملازم لطاعتك، ومفارق للمعصية.
ثم قال: [فكأنه قال: أنا مقيم على طاعتك وأمرك غير خارج عن ذلك ولا شارد عليك].
كرر لفظ (لبيك) لأنه أراد إقامة بعد إقامة، يعني: أنا أستجيب لأمرك إجابة تلو إجابة.
(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، أن الحمد والنعمة لك) يعني: ألبي لأنك لك الحمد، ويجوز: (إن الحمد والنعمة لك) أي: الحمد لك، فتكون (إن) أعم و (أن) أخص؛ ولذلك ابن حجر يقول: (ربنا ولك الحمد) عند الاعتدال من الركوع أفضل من: (ربنا لك الحمد)؛ لأن فيها ثناءين على الله عز وجل: الثناء الأول: (ربنا) أثبت أن الله رب، الثناء الثاني: (ولك الحمد)، وأما (ربنا لك الحمد) فجملة واحدة، إذاً: الأولى أفضل، هذا كلام ابن حجر، وهذا صحيح.
استحباب الإكثار من التلبية
قال: [ويستحب الإكثار منها على كل حال؛ لما روى ابن ماجه عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يضحي لله ويلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كيوم ولدته أمه)، ويستحب رفع الصوت بها؛ لما سبق، ولا يستحب ذلك للنساء؛ لأنهن عورة، فالإخفاء في حقهن أستر لهن].
المرأة تلبي فلا تسمع إلا نفسها.
وصوت المرأة ليس بعورة، لكن إن ارتفع الصوت عن الحد المطلوب فيعتبر فتنة، إنما قولنا: صوت المرأة عورة هذا الكلام غير صحيح من وجوه كثيرة شرعية، فإن الله عز وجل قال في سورة البقرة: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282].
فإذا كنت مديناً لك وكتبنا الدين واستشهدنا رجلاً وامرأتين على الورقة، فجحدت الدين وأنكرته، فرفع الأمر إلى القاضي، والقاضي طلب الشهود الرجل والمرأتين وسألهم: هل أقرض هذا الرجل هذا الرجل بهذه الورقة؟ فهل تجيب المرأة أم تتنحنح لأن صوتها عورة؟ هذا لا يمكن أبداً، فالقرآن أباح لها أن تشهد، إذاً: هنا نقول: صوتها ليس بعورة.
ولننظر في حديث البخاري: (هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت يا رسول الله؟! قال: نعم، إذا رأت الماء) وقالت النساء: (يا رسول الله! اجعل لنا يوماً كما للرجال أياماً).
إذاً: تحدثن، وقد ثبت هذا من طرق عدة لكن المنهي عنه هو الخضوع بالقول، قال عز وجل: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:32]، إذاً: المنهي عنه هو الخضوع، وإنما المطلوب أن يكون صوتها على طبيعته، وبعض الإخوة يأمر زوجته -وهذا غير شرعي- أنها تخشن الصوت، وإذا تكلمت لا تعرف هل هي رجل أم امرأة، وهذا غير صحيح، بل اتركها على طبيعتها فلا تلين ولا تغلظ، فالمنهي عنه للمرأة الخضوع بالقول وليس النهي عن القول.
فصوت المرأة ليس عورة إلا إذا كان في معصية الله، أما إذا كان في الطاعة فنأمرها أن تخفض الصوت، فما بالك بالمعصية بأن تقف وتغني وتهيج الدنيا؟! نسأل الله العافية.
قال المصنف: [وهي آكد -يعني: التلبية- إذا علا نشزاً].
النشز: العلو والترفع، ومنه النشوز، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:34] النشوز هنا: العلو والترفع على الرجل، ومنه نشزت الأرض، أي: ارتفعت، وأرض ناشزة، يعني: مرتفعة.
فنشوز المرأة: ترفعها على الزوج، فلا تسمع له كلاماً، ولا تطيع له أمراً.
فتتأكد التلبية إذا علا مكاناً مرتفعاً.
قال المصنف: [أو هبط وادياً أو سمع ملبياً أو فعل محظوراً ناسياً أو لقي ركباً وفي أدبار الصلوات المكتوبة وبالأسحار].
هذه أوقات يستحب فيها أن يكثر من التلبية؛ لحديث جابر، وحديث جابر بن عبد الله في مسلم هو العمدة في حجة الوداع؛ لأنه روى الحج كما رآه في صفحتين أو ثلاث في صحيح مسلم، فحديث جابر هو مرجعنا في حجة النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي في حجته إذا لقي ركباً أو علا أكمة أو هبط وادياً وفي أدبار المكتوبة ومن آخر الليل).
قال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة وإذا هبط وادياً، وإذا على نشزاً، وإذا لقي ركباً، وإذا استوت به راحلته.
العدة شرح العمدة [43]
إذا أحرم المحرم لحج أو عمرة فإنه يلزمه عند ذلك ترك أمور تسمى محظورات الإحرام، كحلق الشعر وقص الأظفار ولبس المخيط ومس الطيب وإتيان النساء ونحوها، ومن هذه المحظورات ما لا يلزمه فدية ومنها ما يلزمه فدية، ومنها ما يلزمه فدية مغلظة.
باب محظورات الإحرام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب محظورات الإحرام: وهي تسعة].
المحظور بمعنى: الممنوع، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:20] يعني: ممنوعاً.
فيحظر على المحرم تسعة أشياء، والنساء تشترك مع الرجال في بعض هذه المحظورات وينفرد الرجال ببعضها.
قال: [الأول والثاني: حلق الشعر وقلم الظفر.
الثالث: لبس المخيط.
الرابع: تغطية الرأس، والأذنان منه.
الخامس: الطيب في بدنه وثيابه.
السادس: قتل الصيد.
السابع: عقد النكاح حرام، ولا فدية فيه.
الثامن: المباشرة لشهوة فيما دون الفرج.
التاسع: الوطء في الفرج].
وأذكرها بالتفصيل: المحظور الأول: حلق الرأس، يحظر على المحرم أن يحلق رأسه، أو أن يأخذ من شعره، وهذا في حق المرأة والرجل.
المحظور الثاني: قلم الظفر، يعني: تقليم الأظافر.
قال المصنف: [ففي ثلاثة منها دم].
والمذهب هنا مرجوح ضعيف؛ لأنه فرق بين الثلاث شعرات وما زاد عن ثلاث، لكنني سأقرأ ثم أبين الراجح إن شاء الله تعالى.
فدية ارتكاب محظور من محظورات الإحرام
قال المصنف: [ففي ثلاثة منها دم، وفي كل واحد مما دونها مد طعام وهو ربع الصاع].
بمعنى: لو أن رجلاً أخذ من رأسه وهو محرم ثلاث شعرات فأكثر فعليه دم، فإن أخذ شعرتين ففي كل شعرة مد، والمد ربع صاع، فكأنه قال: الشعرة الأولى عليها مد والشعرة الثانية مد والشعرة الثالثة مد، فإذا زاد عن هذا الحد يلزمه دم، ولكن هذا الكلام فيه تكلف، والشيخ ابن عثيمين يرى أن المحظور هو حلق كل الرأس، أما شعرة وشعرتان وثلاث فما سمعنا بهذا.
فمثلاً: رجل محرم حك رأسه فنزلت أربع أو خمس شعرات مرة واحدة، فهل نقول له: عليك دم؟ هذا كلام ما ينبغي، فالمحظور على المحرم أن يحلق كل الرأس؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:196].
والمذهب أيضاً قاس على شعر الرأس كل الشعور، فإن أخذ من شعر صدره أو قدمه أو أي مكان من جسده ثلاثاً أو أربعاً أوجبوا عليه الدم.
فأقول: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ شعره إلا من عذر، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:196].
وروى البخاري ومسلم عن كعب بن عجرة أنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لعلك تؤذيك هوام رأسك؟) الحديث.
فـ كعب بن عجرة كان فيه مرض جلدي في رأسه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (احلق رأسك يا كعب!)، يعني: أذن له أن يحلق وهو محرم، لكنه أمره بفدية، وفدية حلق الرأس للمحرم هي: (صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو اذبح شاة).
إذاً: (أو) على التخيير وليس على الترتيب، فإذا جاءك رجل وقال: أنا عندي ألم في رأسي وأريد أن أحلق، فقل له: احلق لكن يلزمك فدية، والفدية هي صيام ثلاثة أيام، لكن هل يشترط أن يصوم هذه الثلاثة الأيام في الحج؟ أو يشترط أن يصوم جزءاً منها في الحرم وجزءاً إذا عاد؟
الجواب
يصومها متى شاء وأينما شاء، هذا طالما أنها فدية فعل محظور، وأما فدية ترك الواجب فكما قال تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:196].
قال: (صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو اذبح شاة) كلمة: (أو) للتخيير، فأنت مخير، وسنأتي إلى الفدية في باب مستقل ونشرحها بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
قال: [وهذا يدل على أن الحلق قبل ذلك محرم، وشعر الرأس والجسد في ذلك سواء].
قولهم في المذهب: (وشعر الرأس والجسد في ذلك سواء) فيه تكلف؛ لأنهم ساووا بين شعر الرأس وشعر الصدر وشعر اليد وشعر القدم.
فإذا أخذ رجل من قدمه شعرات يلزمونه بدم، وهذا كلام لا ينبغي، ولا نقبله؛ لأنه ليس عليه دليل، فنقول: حلق شعر الرأس فقط يلزمه الفدية.
وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من تقليم أظفاره إلا من عذر؛ لأن قطع الأظفار إزالة جزء أحرم به، فحرم كإزالة الشعر، إلا أن ينكسر فله إزالته من غير فدية، وقد قالوا عن الأظافر ما قالوا عن الشعر، يعني: الظفر الواحد فديته مد، الظفران مدان، الثلاثة ثلاثة أمداد، والأربعة دم، وهكذا إذا زاد عن ثلاثة فعليه دم.
قال الشارح: [قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا انكسر؛ لأنه يؤذيه ويؤلمه أشبه الشعر يطلع في عينه، والصائل يصول عليه.
والقدر الذي يجب فيه الدم: أن يحلق ثلاث شعرات فصاعداً.
قال القاضي: هذا المذهب؛ لأنه شعر آدمي يقع عليه اسم الجمع المطلق، فجاز أن يتعلق به الدم كالربع.
وعنه: أن القدر الذي يجب به الدم أربع شعرات، وهو اختيار الخرقي؛ لأنها كثير فوجب بها الدم كالربع فصاعداً].
هذا الكلام في الحقيقة أيضاً كما ذكرنا مرجوح، والراجح أن الفدية واجبة بحلق الشعر، وهي على التخيير.
قال الشارح: [وفي كل واحدة فما دونها مد من طعام يكون ضماناً لها، يعني: ما دون الثلاث؛ لأن ما ضمنت جملته ضمنت أبعاضه كالصيد، وعنه: في كل شعرة قبضة من طعام، روي ذلك عن عطاء، وعنه في الشعرة درهم، وفي الشعرتين درهمان، والأول أولى، لما سبق، والأظفار كالشعر ومقيسة عليها].
والحقيقة: هنا تفصيله في هذا الكلام ليس عليه دليل، فإذا انكسر ظفر من الحاج أو المعتمر فأزاله فلا شيء عليه.
وهكذا إن أخذ من أظفاره شيئاً ناسياً فلا شيء عليه؛ لأن الرجل الذي تطيب وهو محرم أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يضع الطيب عن نفسه، وما أمره بفدية؛ لأنه جاهل، فقد يرتكب المحظور جاهلاً وقد يرتكب المحظور ناسياً، وهناك محظورات يعفى عنها إن نسي ومحظورات لا يعفى عنها سنتحدث عنها إن شاء الله تعالى.
وإن خرج في عينه شعر فقلعه أو نزل شعره فغطى عينيه أو انكسر ظفر فقصه فلا شيء عليه.
فالمحظور أن يأخذ متعمداً، أما لو نسي رجل فأخذ من ظفره ناسي
حكم لبس المحرم للمخيط
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثالث: لبس المخيط].
يحظر على المحرم أن يلبس المخيط، وهذا للرجل فقط، أما المرأة فتحرم في ملابسها، فهذا المحظور يخص الرجل.
والمخيط عندنا هو ما يفصل على الجسد؛ لأن البعض يظن أن المخيط ما كان به خيط، وهذا جهل مركب، فإن في كل الثياب خيط، حتى في الإزار الذي يلبس، وفي الحزام الذي يربط، وفي الخف الذي يلبس، فهذا ليس معناه أن يخلعوا الساعات لأن حزامها جلد فيه خيط.
فهي من المخيط؛ ففهموا أن المخيط هو كل ما فيه خيط، وليس كذلك فإن المخيط هو ما يفصل على الجسد.
ثم قال: [إلا ألا يجد إزاراً فيلبس السراويل] والإزار للمكان الأسفل، والرداء للمكان الأعلى، فإذا لم تجد إزاراً فالبس السروال الذي ليس مخيطاً، وليس السروال المفصل على الجسد مثل (البيجامة) ونحوها.
فالمحرم إن لم يجد الإزار يلبس السروال وإن لم يجد نعلين فيلبس خفين، لكن شريطة أن يجعل الخفين تحت الكعبين، والكعب: هو النتوء الذي يبرز من اليمين واليسار في القدم، يلبس بحيث يكون حائط الخف أسفل الكعب ولا يعلو ذلك.
قال الشارح: [أو لا يجد نعلين فيلبس خفين ولا فدية عليه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من لبس القميص والسراويل والخفاف والبرانس].
ننتبه من إجماعات ابن المنذر، قال علماؤنا: لا تعتد بإجماع ابن المنذر ولا تصحيح الحاكم ولا وضع ابن الجوزي، فـ ابن الجوزي متساهل ممكن يقول على حديث في مسلم: موضوع، فلا تعتد به.
والحاكم يصحح بسهولة، وابن المنذر يتساهل في نقل الإجماع، فأحياناً يقول: أجمعوا ولا إجماع، فإجماعات ابن المنذر في كتابه تحتاج إلى استئناس من ناقل آخر، يعني: لا تقل: المسألة فيها إجماع ودليلي أن ابن المنذر نقل الإجماع؛ لأن ابن المنذر يحتاج إلى من يكون بجنبه يؤيد نقله.
وكذلك أيضاً هنا ابن قدامة قال: وأجمع العلماء، وهذه المسألة ليس فيها إجماع، وكلمة إجماع قد تطلق ويراد بها إجماع أهل المذهب أو إجماع أهل المصر أو إجماع علماء معينين وهكذا.
قال الشارح: [قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من لبس القمص والسراويل والخفاف والبرانس.
والأصل في هذا ما روى ابن عمر أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يلبس المحرم من الثياب؟)].
والحديث هذا متفق عليه.
فهذا الرجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما يلبس المحرم من ثياب، والأصل أن يلبس كل شيء، والمحظور لبس أشياء معينة، فعدد له ما لا يلبس وهذه إجابة حكيم صلى الله عليه وسلم، فالسؤال عما يلبس، فأجابه بما لا يلبس والباقي يلبسه، فقال: (لا تلبس القمص)، والقميص للرجل والجلباب للمرأة، قال تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:59].
قال: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم)، فغطاء الرأس لا يجوز، وبعض المحرمين إذا ما نام وهو محرم يلتف بالبطانية ويدخل رأسه تحتها، وهذا لا يجوز؛ لأنه غطى الرأس.
والبعض أيضاً يضع على أنفه الكمامة ثم يرفعها إلى أعلى رأسه ويضعها مثل الطاقية على رأسه ويمشي، وهذا أيضاً غطى جزء من الرأس لا يجوز.
وفي مرة من المرات في مطار جدة كانوا يعطون حقن تطعيم للحاج الذي لم يطعم، فرأيت رجلاً يأتي بكالونيا ويمسح مكان الحقنة للمحرم، وهذا طيب، فانظروا إلى المحظورات التي ترتكب.
ومحرم آخر أتى بصابونة (لوكس) ودخل يغتسل بها، وهذا طيب لا يجوز، وهكذا معجون أسنان برائحة هذا لا يجوز إلى غير ذلك من المحظورات التي تقع بغير عمد أو بغير دراية.
قال: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس)، البرانس هي غطاء الرأس، فإن لم يجد قميصاً فيلبس سروالاً، والسراويلات المفصلة على الجسد لا تجوز، والسروال الفضفاض الواسع يلبسه في حالة عدم وجود الإزار أو الرداء.
قال: (ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس)، يعني: الطيب، متفق عليه.
يعني: لا تلبس من الثياب شيئاً مسه الزعفران، ولذلك ذكرنا قبل ذلك: أن المحرم حينما يحرم يطيب المغابن والمفارق ولا يطيب الإحرام، فيضع عليه طيباً كما يفعل البعض.
قال الشارح: [وروى ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: (من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سروايل المحرم) متفق عليه، وهو ظاهر في إسقاط الفدية؛ لأنه لم يذكرها].
إذاً: محظورات الإحرام تسعة.
ذكرنا منها ثلاثة، ويبقى ستة، ذكرنا منها حلق الرأس ثم تقليم الأظافر ثم لبس المخيط.
وإن شاء الله نكمل بعد
الأسئلة
حكم إجابة النساء على أسئلة المسابقة مع سماع الرجال
السؤال
في أحد المساجد كانت هناك مسابقة دينية وكانت النساء ترد على الأسئلة ويسمعها الحضور، فهل هذا يجوز أم لا؟ لأني منعت من هذا الفعل فهاجمني الحضور، فهل أخطأت أم لا؟ وما هو الحكم الصحيح؟
الجواب
المرأة يجوز لها أن تجيب لكن دون أن تخضع بالقول، لكن لا ينبغي للحضور أن يهاجموك، وهذا مهم جداً أيها الإخوة الكرام.
نحن بحت أصواتنا في عدم التكفير وفي عدم الخروج على ولي الأمر وفي عدم إحداث تفجيرات وقتل النفوس البريئة حتى وإن كانت كافرة، والكلام هذا نقوله منذ عشرين أو خمس وعشرين سنة.
والآن أرباب الجماعات الإسلامية ألفوا خمسة كتب توزع وتباع يعودون فيها إلى ما ذكرنا بعد أن بحت الأصوات، فلا داعي لأن نختلف.
وأما هل للمرأة أن ترد إذا سئلت؟ فالنساء الصحابيات فعلن ذلك، لو أني سألت الأخوات الحاضرات وقلت للأخت أم عبد الله أو الأخت أم محمد: هل فعلت كذا؟ فقالت: نعم، فعلت يا شيخ.
فيجوز ذلك وليس فيه مخالفة.
حكم تنظيم الحمل
السؤال
رجل يحب الأولاد، اختلف هذا الرجل مع زوجته بعد المولود الأول حول الفترة المناسبة للمولود الأول والمولود الثاني، فهل يجعل الفترة سنة؟
الجواب
يجوز للمرأة أن تأخذ فترة راحة بين المولود الأول والثاني مدة الرضاعة على الأقل، قال عز وجل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:233] وكونها تحمل وهي ترضع هذا يضعف المولود الجديد، وأما كونه يحب الأولاد فهل يريد في كل تسعة أشهر أن تأتي له بواحد؟ ما هذا الكلام؟ نسأل الله العافية، فلابد أن ترضع المدة الشرعية.
قال العلماء: إن حملت المرأة وهي ترضع فإنه يؤثر ذلك على الجنين؛ لأنه لا يتغذى، فلا ترضع وهي حامل، فيجوز في الحولين أن تستريح المرأة في مدة الرضاعة.
حكم سفر المرأة مع نساء من غير محرم
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تسافر للحج مع أخوات صالحات؟
الجواب
لا يجوز للمرأة أن تسافر مع غير محرم.
تقييم كتاب: تنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي
السؤال
ما قولكم في كتاب السمرقندي؟
الجواب
وجدنا عليه ملاحظات، وفيه أحاديث موضوعة وضعيفة كثيرة؟
الرد على من يتهمون علماء أهل السنة المعاصرين بأنهم على عقيدة اليهود
السؤال
هناك على النت مجموعة من الصوفية يرسلون صورة الشيخ الألباني وابن باز وابن عثيمين ويقولون للناس: احذروا شياطين نجد الثلاثة، فهؤلاء الوهابيون على عقيدة اليهود؟
الجواب
الحقيقة دفع إلي أخ نيجيري كتاباً في الأسبوع الماضي أعد له رداً وهو العلاقة بين اليهودية والوهابية.
يقولون: إن الشيخ ابن باز وابن عثيمين والألباني والدارمي وحافظ حكمي وبعض علماء السلف كلهم على عقيدة اليهود؛ لأنهم يشبهون الله بالمخلوق، والذي ألف الكتاب أبى أن يكتب الاسم وكتب على الكتاب: إعداد فريق باحثين.
فلماذا لا تكتب الاسم؟ وهؤلاء الذين يقولون عن علماء أهل السنة: احذروا هؤلاء العلماء، هؤلاء يا أخي الفاضل لا وزن لهم عند الناس، هؤلاء يا أخي الفاضل! لا يعرفون شيئاً، لا يعرفون كيف يخرجون حديثاً، ولا يعرفون الفرق بين حلقة الذكر والرقص.
ولهم في ذلك عجائب، منها أن امرأة قال لها أحدهم: أنا عينتك وصيفة لسيدنا الخضر، يعني: معاونة لسيدنا الخضر! فهؤلاء يا أخي في الله واهمون، وهؤلاء لا يعرفون أركان الصلاة ولا واجبات الصلاة، ويقولون: نحن أرباب العلم اللدني، العلم الباطن علم الإلهامات! قابلني أحدهم في الفجر يوماً فقال: لا زال اللبن في فمي، الرسول سقاني لبناً في المنام! وذهبت إلى بيته وقد علق صوراً للأقطاب والأوتاد والمشايخ، وكل واحد في وضع غريب، فيا أخي استحي أن تعلق الصور هذه.
وهكذا تجد هؤلاء أصحاب مخدرات وحشيش ونحو ذلك، وتجد المرأة منهم في احتفال المولد بجانب الرجل، بل وتسافر معه، فما هذه المصيبة؟ وأين المحرم؟ يخرجون مختلطين ويظنون أنهم من أولياء الله الصالحين وهكذا، فأفهمونا أن الدين دروشة.
فالدين علم بالدليل، والذي يقدح في هؤلاء العلماء يقدح في أبي بكر وعمر؛ لأن هؤلاء لم يأتوا بجديد، إنما أتوا بما أتى به الصحابة والتابعون، فلذلك اجعل المرجعية إلى سلفك، يعني: إن كان للشيخ ابن باز رأياً فله في السلف نظير في قوله، فيا عبد الله هل أتى الرجل بجديد في الدين لم يقله أحد من السلف؟ أم أنه على عقيدة الإمام مالك وعقيدة الإمام أحمد وعقيدة أبي حنيفة.
لذلك هذا المجرم مؤلف الكتاب لما جاء إلى كتاب السنة لـ ابن حنبل والكتاب فيه إثبات صفات الله، وعدم تأويلها وإثباتها بلا كيف، وهذه عقيدة ابن حنبل في كتابه السنة، قال: وفي الكتاب المنسوب زوراً إلى ابن حنبل! فيريد أن يبطل هذا الكتاب، وإذا نفى هذا عن ابن حنبل ماذا يقول في عقيدة مالك رضي الله عنه وعقيدة أبي حنيفة وعقيدة الشافعي؟ فدائماً هم يسبون سلفهم دون أن يشعروا، وهذا حقد دفين.
وهؤلاء للأسف الشديد هم الذين يرتقون المناصب وتفتح لهم الأبواب ويتحدثون إلى العوام، وتجد منهم من يأتي في إحدى القنوات التلفزيونية ويقول: البارحة جاءني سيدي في النوم وخبطني خبطة طيرني على الأرض، ويقول: ما كنت أستطيع الإنجاب فجاءني الرسول صلى الله عليه وسلم فجعل يدلك في ظهري وفي الآخر خبطني، والصبح وجدت امرأتي حاملاً.
وآخر يقول: يا شيخ! وأنت ذاهب إلى العمرة لا تنس أن تسلم على سيدي، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وهو سيد الجميع عليه الصلاة والسلام رغم أنوفنا، فقلت: سمعاً وطاعة يا دكتور، فبعد أن أتيت قال لي: سلامك وصل، فقلت: كيف؟ قال: جاءني في المنام وأخبرني! فهؤلاء يعتمدون على المنامات والخزعبلات، حتى أنهم يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من قبره فيصافحهم، ويذهب إلى عرفة ويأتي إلى ميدان الحسين في القاهرة، هذا ما كتبه أحدهم، وهم إلى الآن يعتقدون هذا، قال قائلهم: رأيت المصطفى كالبدر يأتي يزور حسينه حيناً وحيناً يخرج من القبر يزورهم ويعود مرة أخرى إلى المدينة، ولذلك هم يعتقدون أنهم يقابلون النبي في الحياة، يعني يجتمعون به صلى الله عليه وسلم ويجتمعون مع الأقطاب والأوتاد ونحو ذلك!
الرد على من يطعن في صحة حديث: ولوغ الكلب في الإناء
السؤال
استمعت إلى برنامج ديني في التلفزيون لشيخ ذكر حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب)، ذكر الشيخ هذا الحديث وقال: الكلام هذا كلام فاضي؟
الجواب
هؤلاء يا أخي الفاضل معتزلة، يعرضون النص على عقولهم فما قبلت قبلوه وما لا فلا.
وهذا الرجل علماني صرف يقدح في البخاري منذ زمن، فلا داعي أبداً أن تقف عند هؤلاء، وهذا الرجل يقدح في أحاديث في البخاري، وهو إما أن يكذب النبي صلى الله عليه وسلم وإما أن يكذب البخاري.
وفي هذا الحديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً) في رواية: (أولاهن بالتراب) وفي رواية (إحداهن بالتراب)، وفي رواية (آخرهن بالتراب)، والراجح: (أولاهن)، كما حقق ذلك ابن حجر.
وأثبت العلم أن الكلب يفرز في لعابه أشياء لا تموت إلا بالتراب، وسواء أثبت العلم أولم يثبت العلم نحن نصدق قول نبينا، ولا نعتبر بقول هؤلاء العلمانيين، فهؤلاء يا عبد الله لا قيمة لأقوالهم، وصدق القائل: لو كل كلب عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخر مثقالاً بدينار فهؤلاء واهمون وهؤلاء موتى القلوب، نسأل الله لهم الهداية.
العدة شرح العمدة [44]
الحاج أو المعتمر إذا دخل في النسك يحرم عليه إتيان أي محظور من محظورات الإحرام، وهي تتفاوت فيما بينها من حيث لزوم الفدية من عدمها، ومن حيث إفساد الحج والعمرة أو إبطالهما من عدمه، وهذه المحظورات يشترك فيها الرجل والمرأة إلا ما جاء الدليل باستثنائه كلبس المخيط للمرأة.
تابع محظورات الإحرام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: طبتم وطاب ممشاكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيكم خيراً على سعيكم لطلب العلم، ولا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب: محظورات الإحرام، ومع المحظور الرابع.