عدم حلول الدين بموت المدين إذا وثقه الورثة
قال: [ولا يحل بموته إذا وثقه الورثة].
بمعنى: لو أن رجلاً مات وعليه دين، ولم يأت موعد التسديد بعد، فإنه لا يحل أجل الدين بموت المدين إذا وثقه الورثة، أي: إذا اعترفوا بالدين وأقروا به، وعليه فكون الورثة قد وثقوه، إذاً لا تركة إلا بعد سداد الدين، ويؤجل توزيع التركة إلى قضاء الدين، ويظل المدين في قبره مرهوناً بهذا الدين، وعليه فالأولى القضاء، وإن لم يوثق الورثة دين مورثهم حل الدين.
قال: [اختاره الخرقي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من ترك حقاً فلورثته)، والتأجيل حق له فينتقل إلى ورثته، ولأنه لا يحل به ماله فلا يحل به ما عليه كالجنون].
أي: إذا مات المدين وحقه أن يقضي في الوقت الفلاني، فإن هذا الحق ينتقل إلى الورثة؛ لأنه حق.
قال: [وعنه أنه يحل -يعني: يحل الأجل بالموت- لأن بقاءه ضرر على الميت لبقاء ذمته مرتهنة به، وعلى الوارث ضرر أيضاً لمنعه التصرف في التركة، وعلى الغريم بتأخير حقه وربما تلفت التركة، وعلى الروايتين يتعلق الحق بالتركة كتعلق الأرش بالجاني، ويمنع الوارث التصرف فيها إلا برضا الغريم أو يوثق الحق بضمين مليء أو رهن يفي بالحق إن كان مؤجلاً فإنهم قد لا يكونوا أملياء فيؤدي تصرفهم إلى فوات الحق، وإن تلفت التركة قبل التصرف فيها والتوثيق منها سقط الحق كما لو تلف الجاني].
بمعنى: لو أن رجلاً عليه دين (5000) جنيه لرجل آخر، ثم مات المدين والدين يستحقه الآخر بعد ستة أشهر من موت المدين، فهل يحل سداد هذا الدين بمجرد موت المدين أم لا؟ روايتان عن أحمد: الرواية الأولى: أنه لا يحل إذا وثقه الورثة، والثانية: أنه يحل بموته، وهذا هو الراجح؛ لأن تأخير سداد الدين فيه ضرر على الميت؛ لكونه سيسأل عنه في قبره، وضرر على الدائن، لتأخير حقه، وربما تلفت التركة، وضرر على الورثة، لأنهم سيمنعون من التصرف في التركة حتى يقضى الدين، ولذا فالواجب على الورثة أن يقضوا الدين قبل أن يوزعوا التركة إلا في حالة واحدة، وهي: إذا تقدم ضامن مليء وقال: الدين علي إن لم يقضوا، فهنا الضامن غارم كما في حديث أبي داود: (الضامن غارم).
للغريم أن يمنع المدين من السفر أو الغزو تطوعاً إلا أن يوثق الدين
قال: [فإن أراد سفراً يحل الدين قبل مدته، أو الغزو تطوعاً فلغريمه منعه إلا أن يوثقه].
بمعنى: لو أن رجلاً عليه دين يستحقه الآخر في الوقت الفلاني، وأراد المدين أن يسافر سفراً بعيداً، بحيث أن موعد سداد الدين سيأتي وهو مسافر، عند ذلك يحل الدين قبل مدته، وللدائن المطالبة بحقه قبل سفر المدين، لكن إن سافر المدين وسيعود في موعد السداد للدين، فلا يستطيع الدائن أن يمنعه من السفر؛ لأنه سيكون موجوداً وقت سداد الدين.
قوله: [أو الغزو تطوعاً فلغريمه منعه إلا أن يوثقه]، أي: إلا أن يضمن الدين أحد الضامنين، فهنا يكون قد وثق الدين، ولذلك الضمان والحوالة والكفالة والرهن نسميها عقود التوثيق، واختار هنا المصنف: (الغزو تطوعاً)؛ لأن الغزو إذا كان فرض عين فلا يحق له أن يمنعه؛ لأنه سيمنعه عن فرض في هذه الحالة، وإنما الواجب عليه أن يذهب ويترك وصية بدينه في موعده، بل فأي أحد عليه دين يلزمه أن يترك وصية عند رأسه بذلك؛ لأن هذه حقوق يجب أن يؤديها.
قال: [برهن أو كفيل مليء لأنه ليس له تأخير الحق عن محله، وفي السفر تأخيره عن محله، وإن كان لا يحل قبله ففي منعه روايتان: إحداهما: له منعه، لأن قدومه عند المحل غير متيقن ولا ظاهر، فملك منعه منه كالأول، والأخرى: ليس له أن يمنع؛ لأنه لا يملك المطالبة به في الحال، ولا يعلم أن السفر مانع منه عند الحلول فأشبه السفر القصير].
بمعنى: إذا كان لفلان على آخر دين وسيستحقه بعد سنتين، وأراد المدين أن يسافر إلى السعودية لستة أشهر، إذاً فالدين سيحل بعد السفر، فهل يحق له أن يمنعه من السفر أم لا؟ روايتان عن أحمد: الرواية الأولى: أنه يحق له؛ لأن المسافر لا يدري متى يرجع؟ وقد يموت هناك، أو أنه بعد أن ذهب رأى أن يجدد المدة، فمنعته السلطات أن يعود في الموعد المحدد، وهذا كله وارد.
الرواية الثانية: ليس له أن يمنعه؛ لأن الموعد سيأتي في الحال.
والراجح: المنع؛ لأن المسافر لا يملك العودة، ولا يعرف متى سيعود؟ حتى وإن حدد الموعد فموعده في علم الله سبحانه وتعالى، أما أنه لو وثق بضامن أو كفيل فهذه مسألة أخرى.
وجوب إنظار المعسر
قال: [وإن كان الدين حالاً على معسر وجب إنظاره].
أي: لو أن لفلان على فلان (5000) في شهر 6، ثم جاء شهر 6 فقال: إنه معسر، فالواجب أن يمهل الدائن المدين؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:280]، وليس الإمهال معناه: أن يكون مليئاً ويقول: أنا معسر، ولابد أن تكون المهلة دون زيادة في المبلغ، وإلا فذلك هو عين الربا.
قال: [يعني: ولا يحبس؛ لأن مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: (لي الواجد -مماطلة المليء- يحل عقوبته)]، أي: مماطلة الغني ظلم، [أما غير الواجد فلا تحل عقوبته، ولأن حبسه لا يفيد صاحب الدين، وإنما هو محض ضرر في حق المدين، وقد قال عليه السلام: (لا ضرر ولا ضرار)].
أي: أنه إن جاء الأجل المحدد لسداد الدين والمدين معسر، فما الذي يستفيده الدائن من حبس المدين؟ لاشك أن ذلك ضرر محض في حق المدين.
وهنا مسألة فقهية وهي: أن وزارة الداخلية بفتوى الشيخ فريد واصل سمحت للمساجين بأن يعاشروا زوجاتهم في السجن، فهل يجوز هذا أم لا؟ هذه مسألة يجري فيها البحث، أي: أن المعتقل تذهب إليه زوجته فيعاشرها معاشرة الأزواج داخل السجن في مكان مخصص، والسجن هو عليه لا على زوجته، وبالتالي فما ذنب الزوجة أن تعيش سنوات بدون زوج؟ إن هذا يعرضها للفتنة، لكن فتوى الشيخ فريد واصل قد أخذت بها وزارة الداخلية الآن.
حكم ادعاء المدين الإعسار وإقسامه على ذلك
قال: [وإن ادعى الإعسار حلف وخلى سبيله].
أي: أنه إن شك الدائن في عسر المدين من عدمه، فله أن يحلفه ثم يخلي سبيله.
قال: [لأن الأصل الإعسار إلا أن يعرف له مال قبل ذلك فلا يُقبل قوله إلا ببينة]، أي: أن الأصل في حق المدين الإعسار، إلا أن يعرف له مال قبل ذلك، ففي هذه الحالة لا يقبل قوله بالإعسار إلا ببينة، وأن المال الذي في حوزته -مثلاً- ليس ملكاً له.
قال: [لأن الأصل بقاء المال، ويُحبس حتى يقيم البينة على نفاد ماله وإعساره، وعليه اليمين مع البينة أنه معسر؛ لأنه صار بهذه البينة كمن لم يُعرف له مال].
حبس المدين الموسر وبيع ممتلكاته حتى يوفي بدينه
قال: [وإن كان موسراً لزمه وفاؤه، لقوله عليه الصلاة والسلام في البخاري: (مطل الغني ظلم)]، أي: إذا كان لفلان على فلان (1000) جنيه، وأخذ المدين يماطل وهو غني، فهذا ظلم.
قال: [فإن أبى حُبس حتى يوفيه]، أي: إن أبى المدين أن يوفي بالدين فإنه يُحبس حتى يوفي بدينه، فإن وفى خرج.
قال: [لقوله عليه الصلاة والسلام: (لي الواجد يحل عقوبته وعرضه) من المسند، فإن أصر]، أي: على عدم السداد وهو موسر، فللحاكم أن يبيع عقاراته أو ممتلكاته ويقضي دينه، ولذلك قال المصنف: [فإن أصر باع الحاكم ما له وقضى دينه؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: ألا إن أسيفع جهينة] رجل كان يعمل أجيراً، [رضي من دينه أن يقال: سبق الحاج، فادان مغرماً، فمن له مال فليحضر، فإنا بائعوا ماله وقاسموه بين غرمائه].
لكن إن باع الحاكم ماله فلا يبيعه كله، وإنما يبيع ما يفي بالدين فقط، وألا يبيعها بثمن بخس، بل بثمن المثل، ثم بعد ذلك يترك الرجل.
الحجر على المدين إن كان ماله لا يفي بدينه وسأل ذلك الغرماء
قال: [وإن كان ماله لا يفي بدينه كله فسأل غرماؤه الحجر عليه لزمه إجابتهم].
أي: إن كان ماله لا يفي بالدين، كأن يكون مديناً بخمسين ألف جنيه، وكل ممتلكاته تساوي فقط عشرة آلاف جنيه، وطلب الغرماء الدائنون الحجر عليه، فلولي الأمر أن يحجر عليه.
قال: [لما روى كعب بن مالك: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع ماله) رواه الخلال، ولأن فيه دفعاً للضرر عن الغرماء فلزم ذلك لقضائهم].
عدم جواز تصرف المدين وقبول إقراره في ماله بعد الحجر
قال: [وإذا حجر عليه لم يجز تصرفه في ماله، لا بيع ولا هبة ولا وقف ولا غير ذلك؛ لأنه حجر ثبت بالحكم فمنع تصرفه كالحجر للسفه].
قال: [ولا يقبل إقراره على ماله لذلك]، أي: طالما أنه محجور عليه فلا نأخذ منه كلاماً بالنسبة لماله، وإنما نحن الذين نتتبع المال، فنبيع ونحصر الممتلكات.
تولي الحاكم بيع مال المدين وقسمته بين الغرماء
قال: [ويتولى الحاكم قضاء دينه، فيبيع ما يمكن بيعه، ويقسّم بين غرمائه؛ لأن ذلك هو المقصود بالحجر].
الغرماء في المحاسبة نسميها: قسمة الغرماء، ومعناها أن هذا الأخ وهذا وهذا، لهم عشرة آلاف جنيه عند رجل كل ماله خمسة آلاف، إذاً نشاركهم في الخمسة آلاف نوزعها بينهم على حسب نسب دينهم، فكل يأخذ بقدر ماله، وتسمى قسمة الغرماء.
البدء بالأخذ من مال المدين لمن له أرش جناية عليه
قال: [ويبدأ بمن له أرش جناية]، أي: دية، فمثلاً: لو أن رجلاً مديناً فقأ عين رجل آخر، فهنا لا بد أن نبدأ بالديات في الحقوق، ثم الديون بعد ذلك.
قال: [من رقيقه فيدفع إلى المجني عليه أقل الأمرين من ثمنه أو أرش جنايته، وما فضل رد إلى الغرماء].
بمعنى: لو أن رجلاً مديناً وعنده عبد جنى عليه، كأن جدع أنفه، أو أسقط له ضرساً، ثم قُدّر هذا الضرس مثلاً في الفقه بخمسين ألف جنيه، فإن وضع في السجن وكان موسراً، ثم بيعت ممتلكاته، وكان ثمن العبد -مثلاً- عشرين ألفاً، فإننا نعطيه أقل الأمرين: إما سعره، أو أرش الجناية، ولا نعطيه أكثر من سعره.
قال: [ثم بمن له رهن فيدفع إليه أقل الأمرين من دينه أو ثمن رهنه].
بمعنى: لو أن هناك رجلاً دائناً، والمدين موسر، ومع الدائن رهن، والرهن بألف جنيه وله ألفا جنيه، فنعطيه ألف جنيه وهو أقل الأمرين: ماله أو قيمة الرهن، فأنا الآن بعت الممتلكات وأوفي الديون أنا ولي الأمر لموسر في السجن، فأقول: نفترض أن هذا الرهن بألفي جنيه، وأنا عليّ ألف، فنعطي ولي الأمر الألف وهو الأقل، إذاً: يعطيه إما قيمة الرهن وإما قيمة الدين أيهما أقل؛ لأن هذه قسمة غرماء فلا يجوز أن أُعطى أكثر من حقي.
قال: [لأن ذلك مقدم على حق الغرماء]، يعني: أن الرهن مقدم على حق الغرماء، [لأن حقه تعين في الرهن، وإن بقي منه بقية ردها إلى الغرماء، وله أسوة الغرماء في بقية دينه، يعني: صاحب الرهن، وإن لم يف ثمن الرهن بدينه شارك الغرماء في بقية دينه]، أي: أن الذي له رهن يأخذ القيمة الأقل، والباقي هو شريك مع الغرماء، كأن يأخذ ألف جنيه من قيمة الرهن، وهو شريك مع الغرماء في الألف الجنيه الأخرى، وذلك إن كانت قيمة الرهن أقل من قيمة الدين.
حكم من وجد متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس
قال رحمه الله تعالى: [ثم من وجد متاعه الذي باعه بعينه فهو أحق به].
والمعنى: لو أن رجلاً مديناً لك ولغيرك بمبلغ من المال ثم أفلس، فللحاكم -إذا ماطل الرجل في السداد- أن يحبسه ويبيع ممتلكاته، ثم يوفي الديون بقسمة الغرماء وحسب سعر الممتلكات.
ثم هب أن رجلاً أعطى آخر حقيبة بألف جنيه، والحقيبة هذه لا تزال عنده كما هي، إذاً فهو صاحب الحق، فإذا أراد الحاكم أن يبيع ممتلكات هذا المفلس فللرجل أن يسترد حقيبته هذه، ولذا قال المصنف: [من وجد متاعه الذي باعه بعينه فهو أحق به]، أي: أنه يسترد متاعه الذي عند المفلس، لأنه أحق به.
لكن؛ متى يسترد الدائن المتاع؟ أي: متى يسترد الدائن السلعة التي باعها للمدين، مع العلم أنها لا زالت عنده كما هي لم تتغير، وهو قد أفلس؟
الجواب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [لما روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وجد متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به)، متفق عليه، ولا يكون أحق به إلا بشروط: أحدها: أن تكون بحالها سالمة لم يتلف بعضها، فإن تلف بعضها أو باعه المفلس أو وهبه أو وقفه فله أسوة الغرماء، لقوله عليه السلام: (من أدرك متاعه بعينه فهو أحق به)، والذي تلف بعضه لم يوجد بعينه]، أي: أن يوجد المتاع كما هو بعينه لم يتصرف فيه المدين، كأن وقفه أو وهبه أو باع بعضه أو قطع بعضه أو أتلف بعضه أو استخدم بعضه، فلابد أن يوجد المتاع كما هو لم يتصرف فيه بأي تصرف على الإطلاق.
قال: [الشرط الثاني: أن لا يزيد زيادة متصلة -هذه مسألة خلافية- كالسِّمن، والكبر، وتعلم صنعة، فإن وجد ذلك منع الرجوع؛ لأنه فسخ بسبب حادث فمنعته الزيادة المتصلة كالرجوع في الصداق للطلاق قبل الدخول]، أي: لو أن رجلاً أعطى آخر خروفاً بتسعمائة جنيه بالآجل، ثم أفلس هذا المشتري أو المدين والخروف لازال عنده، لكنه قد أعلف هذا الخروف حتى كبر وسمن، فما حكم رد المتاع في هذه الحالة؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد: الرواية الأولى: الرد، والفرق للمفلس، أي: أن الخروف يوم أن اشتراه كان بتسعمائة جنيه، والآن سعره 1500 جنيه، فيرد المتاع (الخروف) مع ستمائة جنيه للمفلس؛ لأن هذه الزيادة من حقه، والخراج بالضمان، والمشتري ضامن للسلعة بالثمن الذي اشتراها به، وهذا في حال الزيادة المتصلة، وأما الزيادة المنفصلة فلا مشكلة فيها، كأن ينتج عن هذا الخروف خروفاً آخر، وإنما المشكلة هي الزيادة المتصلة؛ لأنها ترتبط بذات المتاع، كأن يعطيه رجل آخر عبداً أمياً لا يجيد القراءة ولا الكتابة، ثم تعلم عند هذا المفلس القراءة فحينما يسترد هذا الدائن متاعه يسترده والفرق للمفلس، وهذه هي الرواية الأولى عن أحمد والرواية الثانية: عدم الرد في حالة الزيادة المتصلة.
قال: [وعنه: أن الزيادة لا تمنع الرجوع للخبر؛ ولأنه فسخ فلم تمنعه الزيادة كالرد بالعيب، فأما الزيادة المتصلة فلا تمنع الرجوع؛ لأنه يملك الرجوع في العين دونها، والزيادة للمفلس في ظاهر المذهب].
قال: [الشرط الثالث: أن لا يكون البائع أخذ من ثمنها شيئاً، فإن قبض بعضه فلا رجوع له؛ لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيما رجل باع سلعته فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يكن قد قبض من ثمنها شيئاً فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئاً فهو أسوة الغرماء)]، أي: إن قبض الدائن أو البائع بعض الثمن فلا حق له في استرداد متاعه عند بيع الحاكم لمال المفلس، كأن يأخذ مقدماً مائتين من الجنيهات عند بيعه للمتاع، والباقي في وقت آخر، فلا يجوز له أن يسترد عين المتاع، وإنما يسترد القيمة أسوة الغرماء.
قال: [الشرط الرابع: أن لا يتعلق بها حق غير حق المفلس، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو غيره لم يرجع؛ لأنه تعلق به حق غيره أشبه ما لو أعتقها]، أي: أن لا يتعلق بها حق غير حق المفلس، بمعنى: بعد أن انتقلت ملكية السلعة إلى المدين تصرف فيها، مثلاً: شارك فيها، أو قال لآخر: الحقيبة هذه ملكي اشتريتها بالأجل هل تأخذ نصفها؟ فاشترى نصفها، فأصبحت الآن الحقيبة فيها شركاء متشاكسون، أو وهبها أي شخص آخر، أو أوقفها أو تصرف فيها أي تصرف يترتب عليه حقوق أخرى، هذه الحقوق الأخرى لا يجوز معها رد هذه الحقيبة بعد ذلك.
قال: [الشرط الخامس: أن يكون المفلس حياً، فإن مات فله أسوة الغرماء، رواه أبو داود، ولأن الملك انتقل عن المفلس فأشبه ما لو باعه]، أي: إن المفلس صاحب الدين يشترك مع الغرماء في توزيع الدين، وليس له حق رد المتاع.
قسمة المال الباقي بين الغرماء على قدر ديونهم
قال: [ويقسم الباقي بين الغرماء]، أي: يقسم الباقي بين الغرماء (الدائنون) قسمة غرماء، فلو أن رجلاً اسمه (زيد) استدان من عمرو (25. 000)، ومن علي (10. 000)، ومن بكر (15. 000)، ومن خالد (50. 000) فيكون مجموع ما على زيد لهؤلاء الدائنين (100. 000)، فأفلس زيد وباع الحاكم ماله فبلغ (50. 000)، فيعطي خالداً النصف، أي: (25. 000)، ويعطي عمراً نصف الباقي، أي (12. 500)، ويعطي بكراً (7. 500)، ويعطى علياً الباقي، أي (5. 000)، وهذه تسمى قسمة غرماء، بحيث ننظر كم نسبة المبلغ الأصلي من نسبة المال الذي باعه الحاكم ثم نضربه في ما لكل واحد من الدائنين.
النفقة على المفلس ومن تلزمه نفقته حتى يفرغ من تقسيم ماله
قال: [وينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته من ماله إلى أن يفرغ من القسمة]، أي: لو أن ولي الأمر جاء إلى رجل مفلس وباع ممتلكاته -ومعلوم أن بيع الممتلكات لن يتم بين عشية وضحاها، وإنما سيتم في زمن لا بأس به، والمفلس هذا له زوجة وأولاد يحتاج إلى من ينفق عليهم- فينفق عليه ولي الأمر وعلى من تلزمه مؤنته من ماله إلى أن يفرغ من القسمة.
قال: [وذلك أنه إذا حجر عليه]، والحجر هو: منع التصرف في الملك؛ لأنه ربما قد يكون سفيهاً أو مديوناً للآخرين.
ثم قال: [فإن كان ذا كسب يفي بنفقته ونفقة من تلزمه نفقته فنفقته في كسبه]، والمعنى: هب أن هذا الرجل المديون المفلس يعمل بأجر يومي أربعين جنيهاً، إذاً فعمله يفي بنفقته ونفقة من يعول، ولذا فلا ينفق عليه الحاكم، لأن له عمل يتكسب منه.
قال: [لأنه لا حاجة إلى إخراج ماله وهو يكسب ما ينفقه؛ ولأنه مستغن بكسبه عن ماله، فلم يجز أخذ ماله كما لم يجز أخذ زيادة عن النفقة، وإن كان كسبه دون نفقته كملناها من ماله]، أي: إن كان أجره في اليوم عشرين جنيهاً وينفق في اليوم أربعين جنيهاً، فنكمل نفقته من ماله ونعطيه عشرين أخرى من ماله؛ حتى ينفق على نفسه وعلى من يعول.
قال: [وإن لم يكن ذا كسب أنفق عليه من ماله في مدة الحجر وإن طالت؛ لأن ملكه قبل القسمة باقٍ وقد قال عليه السلام: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول)]، فتأمل الشريعة الإسلامية وهي تدعو إلى أن ننفق على المديون المفلس إلى أن ننتهي من بيع ماله، لذا كان لابد على ولي الأمر أن يضمن حد الكفاف لكل فرد في المجتمع، فيوفر لكل واحد في المجتمع مسكناً ودابة ومأكلاً ومشرباً، لأنه مسئول أمام الله عز وجل عن ذلك، فهذا عمر بن عبد العزيز جمع الزكاة ثم زوج الشباب، لأنه عرف أنه مسئول أمام الله عز وجل، وعليه فحينما يحكم الإسلام يعم الخير ويسود الرخاء، حتى المديون المفلس -كما ذكرنا- حينما أبيع ما يتملكه لا بد من أن أنفق عليه طيلة مدة البيع وإن طالت.
وحديث: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) حديث عظيم جداً؛ لأن بعض الناس هداهم الله قد يأكل المشوي ويأتي إلى بيته بالفول والطعمية للزوجة وللأبناء! فهذا رجل لا يعرف كيف يوفي الحقوق أو حق الله عز وجل في زوجته وأولاده، والآخر قد يسافر إلى مكان آخر ويأتي بذهب يساوي ستة آلاف جنيه، وزوجته ربما قد تأخذ ملابس من جيرانها وهو يلبس أحسن الملابس! وهذا موجود يا عبد الله في كثير من البيوت، لذا خير الدراهم درهم ينفقه الرجل على أهله، والصدقة على الأقارب صدقة وصلة رحم.
قال: [ومعلوم أن فيمن يعوله من تجب عليه نفقته وتكون ديناً عليه وهي الزوجة، فإذا قدم نفقة نفسه على نفقة الزوجة فكذلك على حق الغرماء] ولأن الحي آكد حرمة من الميت؛ لأنه مضمون بالإتلاف، [وتقديم تجهيز الميت ومؤنته على دينه]، يعني: إن مات المديون أو المفلس فتجهيزه وتكفينه يكون على دينه، باعتباره نفقة تجب للميت، وهذا تعليل عند المصنف في قوله هذا.
وجوب الحق من عدمه للمفلس بشاهد
قال: [وإن وجب له حق -أي: للمفلس حق عند فلان- بشاهد فأبى أن يحلف لم يكن لغرمائه أن يحلفوا] كالزوجة إذا طلقها زوجها وتريد أن نحدد لها نفقة، ففي هذه الحالة ننظر إلى دخل الزوج، فإن قالت الزوجة: أقسم بالله أنه يحصل على ألفين من الجنيهات شهرياً.
فلا نأخذ بيمينها؛ لأنها صاحبة مصلحة، وصاحب المصلحة لا يؤخذ برأيه ولا بيمينه، ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى: [وذلك أن المفلس في الدعوى كغيره، فإذا ادعى حقاً له شاهد عدل وحلف مع شاهده ثبت المال وتعلقت به حقوق الغرماء]، أي: أن المفلس هو الذي يقول: معي ألف جنيه وعندي شاهد على ذلك، ويحلف المفلس والشاهد، عند ذلك يثبت المال وتتعلق به حقوق الغرماء.
قال: [وإن امتنع -أي: المدين عن الحلف- لم يجبر، لأنه قد لا يعلم صدق الشاهد، وقد يعلم كذبه، ولا يملك الغرماء أن يحلفوا مع الشاهد؛ لأنهم يثبتون ملكاً لغيرهم تتعلق حقوقهم به بعد ثبوته فلم يجز كما لم يجز لزوجته أن تحلف لإثبات ملك زوجها لتتعلق نفقتها به، وفارق الورثة؛ لأنهم يثبتون ملكاً لأنفسهم إذا حلفوا بعد موت مورثهم].
الأسئلة
حكم الزيادة على أصل الدين
السؤال
والدي أخذ من المصلحة التي يعمل بها قرضاً مقداره (3000) جنيه وسددها (3500) جنيه، فما حكم هذا؟
الجواب
هذا هو الربا بعينه، والله تعالى أعلم.
حكم الضمان على من أراد قرضاً من البنك
السؤال
هل يجوز أن أكون ضامناً لزميل يريد أن يأخذ قرضاً من البنك؟
الجواب
هذه مصيبة؛ لأنه أولاً: يضمن على معسر، ثانياً: أنه يضمن رباً، ثالثاً: أنه يجازف بدخله لأجل رباً.
وقد جاءني أخ كريم منذ شهر عنده شلل في قدميه وفي يديه وهو يبكي، مع أنه يعمل في مصلحة حكومية، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: أنا ضامن على رجل قد هرب من البلاد، وكذلك الضامن الذي معي أيضاً قد هرب وفُصل من عمله، ولم يبق إلا أنا، ومرتبي بالكامل محجوز عليه منذ خمس سنوات، وأنا متزوج وأعول أربعة، ولا أقدر على العمل فماذا أفعل؟ فقلت له: ما الذي جعلك تضمن رباً في بنك؟ فيا عبد الله! اتق الله، فإن هذه مساعدة على الإثم والعدوان، ومعاونة على الربا وأكل الحرام، فلا تضمن في قرض ربوي أبداً.
بيان متى تستحق الزوجة مؤخر الصداق
السؤال
متى تستحق الزوجة مؤخر الصداق؟
الجواب
تستحق الزوجة مؤخر الصداق بأحد هذه الآجال الثلاثة: الأول: مطالبة الزوجة.
الثاني: الطلاق.
الثالث: الموت، أي: عند موت الزوج يصبح مؤخر الصداق ديناً في التركة.
العدة شرح العمدة [64]
الضمان هو عقد من عقود التوثيق، وهو عبارة عن ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه، ولصاحب الحق مطالبة أحدهما، أما الحوالة فهي عقد من عقود الإرفاق وبها يتحول الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ولكل صفة من هاتين الصفتين شروط لصحتها بينها الفقهاء.
أحكام الحوالة والضمان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الحوالة والضمان] والحوالة هي: تحويل الحق من ذمة إلى ذمة، والضمان: ضم ذمة إلى ذمة، أي: ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه، وهي عقد توثيق، والفرق بين الضمان والحوالة: أن الحوالة تعني: تحويل الدين الذي علي لشخص آخر لي عنده مبلغ من المال، كأن أقول للدائن: أنت لك علي كذا من المال، وفلان عليه كذا من المال لي، وسأقبضها منه في يوم 1/ 4، فأحيل الدائن الذي وعدته بأن أسدده في 1/ 4 على فلان الذي عنده لي كذا من المال.
وعليه، فأركان الحوالة خمسة: محيل ومحال ومحال عليه ومحال به وصيغة.
فأما المحيل، والذي أحلته على آخر يسمى محالاً، والذي أحيل عليه يسمى محالاً عليه، والمحال به هو المال، والصيغة معروفة.
براءة المحيل إذا رضي من أحيل بدينه على من عليه مثله
قال: [ومن أحيل بدينه على من عليه مثله فرضي فقد برئ المحيل] يعني: من رضي أن يحال على آخر فقد برئت ذمة المحيل، لأن الدين هو نفس الدين وفي الموعد المحدد يكون قبضه.
شروط صحة الحوالة
قال: [ولصحة الحوالة شروط: أحدها: تماثل الحقين] أي: لا بد أن يكون هذا الحق متماثلاً أو أعلى، لكن لا يكون أدنى كما يرى ذلك الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى؛ لأن سداد بعض الدين أولى من تركه كله.
قال: [لأن الحوالة تحويل الحق ونقله فيعتبر نقله عن صفته، ويعتبر التماثل في الجنس والصفة والحلول والتأجيل فلو أحال من عليه أحد النقدين بالآخر لم يصح، ولو أحال عن المصرية بمنصورية أو عن الصحاح بمكسرة لم يصح؛ ولئن كان دين أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً أو أوجل أحدهما مخالفاً لأجل الآخر لم يصح لما سبق].
فلو أن زيداً اقترض من عمرو كيلو من الأرز، واستقر هذا الدين عنده على أن يسدده في التاريخ الفلاني، ثم جاء بكر الذي له عند عمرو كيلو من الأرز، فأحاله عمرو على زيد، فأعطاه زيد مروحة، فهنا لا يجوز؛ لأنه لابد من التماثل في الجنس، وكذلك التماثل في الصفة والحلول والتأجيل.
قال: [الشرط الثاني: أن يحيل برضاه، لأن الحق عليه فلا يلزمه أداؤه من جهة بعينها ولا يعتبر رضا المحال عليه؛ لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحال مقام نفسه في القبض فلزم المحال عليه الأداء كما لو وكله في الاستيفاء منه]، أي: لابد أن يعتبر رضى المحيل، أما المحال عليه فلا، لأنه سيدفع المال الذي عليه إما لصاحبه أو وكيله أو لمن يرسله إليه.
قال: [الشرط الثالث: أن يحيل على دين مستقر؛ لأن مقتضاها إلزام المحال عليه الدين مطلقاً، ولا يثبت ذلك فيما هو معرض للسقوط، فلو أحال على مال الكتابة أو دين السلم لم يصح؛ لأنه تعرض للسقوط بالفسخ لأجل انقطاع المسلم فيه لقوله عليه السلام: (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)، ومال الكتابة معرض للسقوط بالعجز]، أي: أن يحيل على دين استقر في الذمة وليس متنازعاً فيه، أو معرضاً للفسخ كدين المسلم.
قال: [الشرط الرابع: أن يحيل بمال معلوم؛ لأنها إن كانت بيعاً فلا يصح في المجهول، وإن كانت تحول الحق فيعتبر فيها التسليم، والجهالة تمنع منه]، يعني: أن يحيل بدين معلوم، فيأخذ المحال حقه كذا من المال، ولا يكون المحال به مجهولاً، بل لابد أن يكون ديناً معلوماً.
من أحيل على مليء لزمه أن يحتال
قال: [ومن أحيل على مليء لزمه أن يحتال -والمليء الذي عنده فلوس، وليس للمحال الحق أن يقول: أعطني حقي أنت لا غيرك، فله أن يعطيه وكيلاً أو من يحيله عليه طالما أنه مليء- والمليء الموسر، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام (إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) -والحديث عند أبي داود - ولأن للمحيل إيفاء الحق بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحال عليه مقامه في الإيفاء فلم يكن للمحال الامتناع].
عدم براءة المدين الأصلي إن ضمنه آخر
قال رحمه الله تعالى: [وإن ضمنه عنه ضامن لم يبرأ وصار الدين عليهما، ولصاحبه مطالبة من شاء منهما]، أي: إن ضمن الدين شخص آخر لم يبرأ المدين الأصلي، وصار الدين عليهما، وللدائن مطالبة أي واحد منهما، وعليه فلدينا أصل وفرع، فالأصل هو المدين، والفرع هو الضامن، فإذا أبرأ الدائن الفرع لم يبرأ الأصل، وإن أبرأ الدائن الأصل برئ الفرع.
ثم قال: [لأن الضمان ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق، فثبت في ذمتهما جميعاً، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت؛ لقوله عليه السلام: (الزعيم غارم)].
-أي الضامن غارم- رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح].
براءة الضامن إن استوفى الدين من المدين الأصلي
قال: [فإن استوفى من المضمون عنه أو أبرأه برئ ضامنه]، والمعنى: إن استوفى الدين من المدين الأصلي فقد برئ الضامن؛ لأنه وفى الدين من المدين الأصلي، أو أبرأ الدائن المدين، كأن قال له: أبرأتك من الدين.
سقط ما على الضامن.
قال: [لأن الضامن تبع للمضمون عنه، فزال بزوال أصله كالرهن]، أي: أن الدائن إذا أبرأ المدين المضمون عنه سقط ما عليه ولحقه أيضاً الضامن، وذلك كالرهن، والرهن مشروع؛ للحديث الذي في البخاري: (مات النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة:283]، يعني: لو أن رجلاً اقترض من نصراني أو يهودي، وطلب منه رهناً على ذلك جاز، وهذا هو ما يسمى بالرهن، وهو: ضمان دين بعين، وهو وعقد الضمان وعقد الكفالة من عقود التوثيق، بينما الحوالة ليست من عقود التوثيق، وإنما هي: تحويل دين من ذمة إلى ذمة أخرى.
عدم براءة المضمون عنه إن أبرأ الدائن الضامن
قال: [وإن أبرأ الضامن لم يبرأ الأصيل]، يعني: إن أبرأ الفرع (الضامن) لم يبرأ الأصل (المضمون عنه).
ثم قال: [لأن التوثقة -عقود التوثيق تعني: توثيق للديون- انحلت من غير استيفاء فلم يسقط الدين كالرهن إذا انفسخ من غير استيفاء]، أي: إذا سدد الفرع (الضامن) عن الأصل (المضمون عنه) عاد الضامن على المضمون عنه؛ لأن الأصل ما زال مديناً، وتبقى المشكلة بين الضامن والمضمون عنه.
رجوع الضامن على المضمون عنه
ولذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن استوفى الضامن رجع عليه، يعني: رجع الضامن على المضمون عليه]، وهنا مشكلة في البنوك الربوية؛ لأن البعض قد ضمن في البنوك الربوية وارتكب بذلك الآثام والمعاصي العظيمة، فأقول: يمكن للضامن أن يأتي بكشف حساب من البنك بالمبالغ التي استقطعت منه لسداد دين المدين الأصلي، ويرفع عليه دعوى بذلك؛ لأن هذا الضمان قد خرب بيوتاً كثيرة، حتى أن أحد الناس لديه عاهة وهو قعيد، وكان موظفاً في وزارة الشباب والرياضة، فذهب هو واثنين آخرين ليضمنوا عن أحد الناس في البنك، ففصل الاثنان من عملهما وولوا خارج البلاد، وبقي أمر البنك إلى هذا القعيد، والآن يهددونه بدفع عشرة آلاف جنيه وإلا سيفصل من عمله، أما المدين الأصلي فقد أفلس وولى، فقلت له: ما الذي وضعك في هذه المصيبة؟! رغم أن القانون الوضعي ينص على أنه لا يجوز أن يؤخذ المرتب كاملاً؛ حتى يترك للضامن أن يأكل ويشرب، وحدث ولا حرج، فهذا جزاء من عصى الله، وهذا جزاء من ضمن ربا، وهذا جزاء من دخل إلى مؤسسة ربوية يحاد الله ورسوله.
قال: [أما إذا قضاه متبرعاً لم يرجع بشيء كما لو بنى داره بغير إذنه، وإن نوى الرجوع وكان الضمان والقضاء بغير إذن المضمون عنه فهل يرجع؟ على روايتين]، يعني: لو أن رجلاً قضى عن المضمون عنه دينه، وذلك باختيار منه دون إلزام من أحد، فهذا وفاء بدون معرفة المدين الأصلي، فما حكم ذلك؟ روايتان عن الإمام أحمد: له أن يرجع، وله ألا يرجع، فعلى رواية: له ألا يرجع، كمثل رجل بنى لآخر داره بغير إذنه، فيستحيل أن يقول الضامن أو الذي بنى الدار: أعطني التكاليف؛ لأن الإجابة من المضمون عنه أو صاحب الدار بدهياً: ومن الذي كلفك بالبناء لي؟! والراجح: عدم الرجوع؛ لأنه وفاه بطيب نفس منه دون التزام من المضمون عنه أمامه.
حكم من كفل بإحضار من عليه دين فلم يحضره
قال: [ومن كفل بإحضار من عليه دين]، انتقل بعد الضمان إلى الكفالة، وهي كفالة إحضار جسد، فلو وجدت رجلين يختصمان ويقول أحدهما للآخر: أعطني، فيقول الآخر: ليس معي شيء، فيقول الآخر: يا رجل أوفني حقي واتق الله، وارتفعت أصواتهما، فقلت أنت: ماذا تريد منه؟ فقال: عنده ألف جنيه منذ عشر سنين، فقلت للمدين: متى تقضي يا رجل؟ فقال: الخميس القادم إن شاء الله، فقلت للدائن: اتركه وأنا آتيك به يوم الخميس.
فهنا تعهد بإحضار جسده، لكن إن مات المدين لا يلزم إحضار الجثة.
قال: [ومن كفل بإحضار من عليه دين فلم يحضره لزمه ما عليه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (الزعيم غارم)]، أي: إن لم يحضر الكفيل المدين في الوقت المحدد لزمه ما عليه؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (الزعيم غارم) أي: ضامن.
ثم قال: [ولأنها أحد نوعي الكفالة فوجب بها الغرم كالكفارة بالمال]، أي: إن مات المدين برئ الكفيل، ولا شيء عليه، بينما في الضمان إن مات المضمون عنه فيلزم الضامن الدين.
قال: [فإن مات برئ كفيله؛ لأن الحضور سقط عن المكفول به، فيبرأ كفيله كما برئ الضامن ببراءة المضمون عنه]، يعني: إن أبرأ هذا برئ هذا، كذلك إن مات هذا سقط هذا.
ثم قال: [ويحتمل ألا يسقط ويطالب بما عليه؛ لأن الدين لم يسقط عن المكفول به، فأشبه المضمون عنه إذا لم يبرأ من الدين]، والصواب: أنه يبرأ؛ لأنها كفالة بالبدن وليس بالدين، فإذا انعدم البدن ومات فلا شيء على الكفيل.
الأسئلة
حكم تعزير من حلق شاربه
السؤال
هل يعزر حالق الشارب على قول الإمام أبي حنيفة؟
الجواب
هذا قول الإمام مالك، والخلاف إنما هو في المصطلحات الموجودة في الحديث: (حفوا الشارب)، (أنهكوا الشارب)، فبعض العلماء رأى أن الحف هو القص، وبعضهم رأى أن الحف هو الحلق، والمهم أن هناك خلافاً بين العلماء في فهم المصطلح، والله تعالى أعلم.
حكم العمل مع اشتراط حلق اللحية معه
السؤال
ما حكم الدين في العمل الذي يتطلب حلق اللحية؟
الجواب
حرام، وإياك إياك أن تطلب الرزق في معصية الله، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فاترك اللحية لله لاسيما أن اللحية لا خلاف في وجوبها عند المذاهب الأربعة، ولم نعرف حلق اللحية إلا بعد دخول الاستعمار، تقول أمنا عائشة: سبحان من زين الرجال باللحى، وقال هارون لموسى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:94]، وكانت لحية النبي صلى الله عليه وسلم كثة، وكانوا يعرفون قراءته في صلاة العصر باضطرابها واهتزازها عليه الصلاة والسلام.
واللحية هي الرجولة والفحولة، بل إن علماء الفقه قد وضعوا دية لمن أخذ من لحيته جبراً عنه، كأن يعذب رجل آخر فيحلق لحيته، فوضعوا لذلك دية في كتب الفقه، لأن اللحية من ملامح الرجال.
وطالما أن الله زينك باللحية فلا تقل: إن عملي يتطلب مني حلق اللحية، نعم قد يكون هناك استثناءات شرعية، لكن احذر أن تقع فريسة لهؤلاء المخرفين الذين يقولون: يجوز حلق اللحية لمصلحة الدعوة! إن الدعوة بريئة منهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر أصحابه في مكة في الحصار الاقتصادي أن يحلقوا لحاهم؛ لأجل أنهم في مرحلة استضعاف، بل ثبتهم على ذلك، واللحية سمت إسلامي يميز المسلم، والظاهر يدل على الباطن، فإياك إياك أن تسمع لهؤلاء فتقول: إن لم أحلق اللحية فسأفصل من عملي وربما قد أتأذى! إن ترك عمله هذا لله عوضه الله خيراً منه.
واسمع ما قال الخنزير بوش: إني أريد أن لا يكون في مجتمع المسلمين ملتح ولا منتقبة؛ لأن الملتحي والمنتقبة يقلق مضجعه، وما حدث في العراق يترجم ما نقول على المنابر، فقد أتوا بأئمة المساجد من أهل السنة -الأئمة العلماء الخطباء الذين يعظون الناس- وألبسوهم ملابس داخلية نسائية ثم دفعوا بهم إلى زنزانة انفرادية مع نساء هابطات، إنه إمعان في الفتنة، فمتى كان لهؤلاء القردة والخنازير شأن؟! ولم استضعف المسلمون وتفككوا إلى أحزاب وجماعات؟ ولم ضاعت الأمة وتركت الكتاب والسنة؟ إن هذا الذي يعلو ويتربع الآن على عرش العالم لن يطول به الأمد كثيراً: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:227]، فيا عباد الله! ماذا يحدث؟ يترجم لنا ذلك الله عز وجل في قوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:118]، فيا عبد الله! أقول لك: توكل على الله.
شرح حديث: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة)
السؤال
أرجو شرح حديث: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة)، فمتى يكون ربا؟ وهل عند اختلاف الأجناس يسمح بالزيادة والنقص أم لا؟
الجواب
إن الأصناف الربوية الستة وما يقاس عليها، من موزون مطعوم أو مكيل مطعوم سواء، فعند مقايضة الذهب بذهب لا بد من شرطين: التماثل، والتقابض، يعني: لا تبع ذهباً بذهب إلا أن يكون مثلاً بمثل، يداً بيد، وكذلك الفضة بالفضة، لكن إن كان الذهب بالفضة جاز، لأن الأجناس قد اختلفت، بشرط التقابض ولا يشترط التماثل، والله تعالى أعلم.
صبر الشاب الملتزم على ما يحدث له من الفتنة في بيته
السؤال
بعد أن هداني الله وأطلقت لحيتي تركت المنزل بسبب فتنة الأهل، فقالت لي أمي: أنا بريئة منك لو تركت المنزل، فهل أرجع للمنزل حالياً؟ وماذا أفعل؟
الجواب
الحقيقة أن الشكاوى تأتينا كثيرة من إخواننا الملتزمين، ولكن أطمئنهم أن هذا معتاد في كثير من البيوت، فالولد حينما يلتزم ويعفي اللحية يطرده أبوه ويقطع عنه المصروف؛ لأنه يخشى عليه من كذا وكذا، لذا لا بد عليه أن يصبر، وأن يستخدم الحكمة في مثل هذه المواقف، ولا يستقبل الغضب بغضب مثله، بل بالهدوء أو الابتعاد عن البيت مدة قصيرة ثم العودة.
وقد رأيت امرأة في المركز عندنا قد انتقبت فقامت الدنيا في بيتها ولم تقعد، بل وطلبوني في الساعة الثانية في الليل، أي: الأب والأم، وأخبروني عن حزنهم الأليم؛ لأن البنت قد لبست النقاب، وقالوا: لا يمكن أن تجلس في البيت! بل قال أبوها: على رقبتي لو جلست في البيت، وكذلك أمها قالت: أنا بريئة منها إلى يوم الدين، والبنت تبكي، وبعد أسبوع قلت للبنت: اصبري واحتسبي الأجر من الله، فتحول الأمر إلى الأفضل والأحسن، إنه الصبر، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:24]، فاصبر يا عبد الله! لأنه ما من أحد إلا أوذي، ولا يوجد أحد إلا قال له أبوه: اخرج من بيتي، بل ومنعه المصروف وشغله مكنيكياً، حتى إن بعض الإخوة أخذه أبوه وذهب به إلى المكنيكي فعلاً، وقال له: اجعله ينام تحت السيارة، وأقنعه أن يترك الطب ويشتغل مكنيكي سيارات؛ لأنه ملتح، وأبوه يقول له: تحلق لحيتك أو تبقى مكنيكياً، فقال: أبقى مكنيكياً، فاشتغل يومين أو ثلاثة، ثم طلب منه أبوه أن يعود إلى البيت، إذاً فالأمر يحتاج إلى صبر، والآباء لا تفهم وإنما يحركها العواطف، فتخاف فقط على ولدها من الاختلاط مع الفرق الضالة، كالخوارج والحزبيين ومن على شاكلتهم، ونحن لا ننادي بالجماعات أو بالعمل السري أو بالعمل التنظيمي، أو بالخروج على ولي الأمر أو بتكفير المعين، لا، لأن هؤلاء الذين يكفرون الناس قد جعلوا الأمة في أزمة، فخرجوا على الحكام، وقتلوا السياح، وسرقوا محلات المجوهرات، وتفلوا في وجوه المتبرجات، وهذا ليس من الدين، وليس هذا تغييراً للمنكر، بل لابد من الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، كتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة، ومثله إن أراد المسلم أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم: فلو أن رجلاً نصح أباه بإخراج الدش من بيته، وأتى له بالموعظة والحكمة الحسنة، ولم يسرع إلى تكسير هذا الدش، لأنه يعلم قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:48]، فيكفي الرفق في القول، فإن استجاب فالحمد لله، وإن لم يستجب فلن يسألك الله يوم القيامة، وإنما سيسأل من له الولاية، وكذلك: المرأة المتبرجة، فالأب مسئول عنها أمام الله تعالى، وليس لأخيها أن يضربها ويعتدي عليها، لكن له ذلك على من له ولاية عليه، كزوجته وأولاده، أما الآن فليس له ولاية، وإنما ولايته أن ينصح وأن يبلغ: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:48]، وأن يصبر ويعتزل الفواحش والمعاصي والمنكرات، فهذا هو المنهج السليم، وما ضعنا إلا بسبب عدم فهم هذا المنهج، وعدم فهم المنهج، مشكلة كبيرة جداً، وهذا الكلام ممكن أن يغضب البعض، لذا لابد من الرفق واللين في الدعوة إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ [طه:44]، وهذا عبد الله بن المبارك رأى رجلاً كبيراً في السن قد عطس ولم يحمد الله، حالنا سيقول له: احمد الله يا جاهل، طول عمرك جاهل وستعيش جاهلاً، وأنا أعلمك من عشرين سنة وأنت جاهل، بل قال له: ماذا يقول الرجل بعد أن يعطس؟! فقال: يقول: الحمد الله، قال: إذاً يرحمك الله، فهذا هو يا عبد الله الأسلوب الأمثل في الدعوة إلى الله، بينما بعض الإخوة يدعو إلى الله بفظاظة وغلظة، وهذا لا يمكن أن يقبل بحال، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:159]، والدعوة إلى الله ينبغي أن تكون على علم، فلا تدع على جهل، والذي سبب لنا أن عدنا إلى الوراء هو أننا دعونا على جهل، لذا فلابد أن ندعو على علم.
(دخل شاب على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فقال له: يا رسول الله إئذن لي في الزنا! يريد رخصة في الزنا، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: أترضاه لأمك؟ قال: لا، قال: أترضاه لعمتك؟ قال: لا، قال: أترضاه لخالتك؟ قال: لا، -وظل يعدد له محارمه وهو يقول: لا- ثم مسح على صدره ودعا له، يقول: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وأحب شيء إلى قلبي الزنا، وخرجت من عنده وأبغض شيء إلى قلبي الزنا).
إنها الحكمة والرفق في الدعوة، وتأمل حالنا لو دخل علينا شاب يقول: يا شيخ أريد أن تأذن لي بالزنا! لقيل له: اخرج يا داعر! يا هابط! أسلوب غليظ وفظ، لا بد من الحكمة في
العدة شرح العمدة [65]
الرهن هو عقد من عقود التوثيق، وهو عبارة عن عين يضعها المدين عند الدائن مقابل حقه الذي عنده، ويكون الرهن فيما يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه فلا، وعلى المرتهن أن يحفظ الرهن قدر استطاعته، فإن تلف أو ضاع دون تفريط لم يضمن.
أحكام الرهن
قال رحمه الله: [باب: الرهن].
الرهن لغة: الحبس، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:38]، أي: محبوسة بعملها، قال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:21]، أي: محبوس بعمله، ويأتي الرهن بمعنى: الثبوت، يقال: ماء راهن، أي: ثابت.
وهنا نقطة مهمة جداً، وهي أن يد المرتهن يد أمينة، فلو أعطى أحدهم لآخر أمانة أو رهناً لزمه أن يحافظ عليه قدر استطاعته، فإن فسد أو أتلف بدون إهمال أو تقصير منه لم يضمنه؛ يد الأمين ليست ضامنة، وكذلك يد المودع يد أمانة وليست يد ضمان.
كل ما جاز بيعه جاز رهنه
قال: [كل ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا فلا].
أي: ما لا يجوز أن يباع لا يجوز رهنه، كأن يرهن أحدهم ولده توثيقاً للدين، ولا يعقل إن جاء الموعد المحدد للسداد فيقول الذي عنده الرهن (الولد): من يشتري هذا الولد مني؟! وكذلك الكلاب لا يجوز بيعها؛ لأن ثمنها حرام حرمه النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي لا يجوز رهنها.
قال: [لأن المقصود من الرهن الاستيثاق بالدين باستيفائه من ثمنه عند تعذر استيفائه من الراهن]، أي: إذا تعذر السداد في الوقت المحدد، فللدائن أن يبيع الرهن ويستوفي حقه منه، ويجوز رهن الثمرة قبل نضجها؛ لأنه لدينا قاعدة تقول: ما جاز أكله جاز رهنه، ولهذا قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا يحصل مما يجوز بيعه]، إذاً: لابد أن يكون مما يجوز بيعه.
قال: [فأما ما لا يصح بيعه فلا يصح رهنه كالحر وأم الولد]، أي: ما لا يصح أن يباع لا يصح رهنه، كالحر وأم الولد، وما جاز بيعه جاز رهنه والعكس، وما يجوز أكله يجوز بيعه، لذلك من فقه الإمام البخاري أنه في كتاب البيوع جاء بحديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهو يأكل جماراً)، والجمار: قلب النخلة الأبيض، فأتى به البخاري لبيان جواز بيع الجمار؛ لأنه جاز أكله، والقاعدة الأصولية تقول: ما جاز أكله جاز بيعه.
قال: [لأن مقصود الرهن لا يحصل منه]، يعني: إن كان الشيء لا يباع لم يحصل المقصود منه؛ لأن الغرض من الرهن هو إيفاء الدين، وهنا نقطة مهمة جداً وهي: هل يشترط في الرهن أن يكون كالدين أو أعلى من الدين أو أقل من الدين في القيمة؟ وهل عقد الرهن ملزم للطرفين أم لطرف واحد؟ هناك عقود ملزمة للطرفين، وعقود ملزمة لأحدهما، وعقود غير ملزمة للطرفين، بينما عقد الرهن ملزم للراهن فقط، والرهن إما أن يكون كالدين فبها ونعمت، وإما أن يكون أعلى من الدين، كأن يكون على رجل خمسمائة جنيه، وأعطى رهناً بقيمة ثلاثة آلاف جنيه، وإما أن يكون أقل من الدين، ففي المذهب لا يجوز، لكن الصواب أنه يجوز، ولذلك أخطأ المذهب في قوله: إن قيمة الرهن إن كانت أقل من الدين فلا يجوز؛ لأن الوفاء ببعض الدين أولى من عدم الوفاء كلية.
عدم صحة الرهن إلا بالقبض
قال: [ولا يصح إلا بالقبض]، يعني: أن الرهن لا يصح إلا بالقبض، يعني: لو أن شخصاً رهن عند آخر شيئاً، فلابد أن يقبضه، أي: المرتهن، ولذلك قال المصنف: [لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:283]]، يعني: لو كنت مسافراً ولم تجد كاتباً يكتب الدين فرهان مقبوضة.
قال: [ولأنه عقد إرفاق فافتقر إلى القبض كالقرض، وعنه في غير المكيل والموزون أنه يلزم بمجرد العقد قياساً على البيع، والمذهب الأول لأن البيع معاوضة وهذا إرفاق فهو أشبه بالقرض]، يعني: من شروط الرهن: أن يكون مقبوضاً، لكن كيف يتم القبض؟ يختلف المنقول عن العقار، فلو أن رجلاً اقترض مائة ألف ريال، وأعطى الدائن العمارة رهناً على ذلك، فهنا لابد أن يمكنه من العمارة ويسلمها له فارغة ويعطيه مفاتيحها، لأن هذه رهان مقبوضة، ولابد أن تشل يد المالك عن التصرف في العقار.
كيفية القبض في المنقول وغيره
لذلك قال هنا: [وقبض المنقول بالنقل وبالتخلية فيما سواه]، يعني: أن الشيء المنقول ينقل إلى الدائن، والتخلية فيما سوى المنقول.
ثم قال: [وذلك لأن القبض في الرهن كالقبض في البيع والهبة، فإن كان منقولاً فقبضه نقله أو تناوله كالثوب والعبد والكتاب ونحو ذلك، والمكيل رهنه بالكيل فقبضه اكتياله؛ لقوله عليه السلام: (إذا سميت فكل) وإن كان موزوناً فقبضه بالوزن، وقال ابن عمر: (كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه)، وأما العقار والثمار على الشجر فقبض ذلك بالتخلية بين مرتهنه وبينه من غير حائل بأن يفتح له باب الدار ويسلم إليه مفاتيحها].
إذاً: إن كان الشيء المرهون منقولاً قبضه بنقله، كالمروحة والمسجلة والكتاب وغير ذلك، وإن كان لا ينقل كالعقار، خلى بينه وبين العقار، ومكنه من التصرف فيه، وإذا جاء وقت سداد الدين فله أن يبيعه، ويلزم صاحب العقار أن يمكنه من ذلك.
قبض أمين المرتهن يقوم مقام قبضه
قال: [وقبض أمين المرتهن يقوم مقام قبضه؛ لأنه وكيله ونائبه، واستدامة القبض شرط في اللزوم كحالة الابتداء للآية، وعنه: أن القبض واستدامته في المتعين ليس بشرط في البيع فلم يشترط في الرهن]، مثال ذلك: لو أن رجلاً عليه ألف جنيه لآخر مقابل رهن معين، فهل يشترط في الرهن الملازمة، أي: أن يكون في حوزة الدائن طوال مدة القرض؟ المذهب لابد من الملازمة، لكن الراجح: أنه إن وافق الدائن على عدم الملازمة فهذا حقه، وهذا هو المذهب، وعلى نقيض المذهب لا يشترط الملازمة في الرهن.
ضمان الرهن بالتعدي
قال: [والرهن أمانة عند المرتهن لا يضمنه]، أي: أن الرهن أمانة عند الدائن (المرتهن)، ولا يضمنه إلا إذا تعدى، شأنه شأن الأمانة، فلو أن رجلاً وضع عنده رهن أو مال أمانة، ثم سرق منه بدون إهمال أو تقصير منه، فإنه لا يضمنه، لكن إن حصل التقصير أو التفريط فهو ضامن، وكذلك إن فسد الرهن أو أتلف، ولذا قال المصنف رحمه الله: [فإن تلف بغير تعد منه فلا شيء عليه؛ لأنه أمين فأشبه المودع].
عدم جواز الانتفاع بالرهن
قال: [ولا ينتفع المرتهن بشيء من الرهن]، أي: أن المرتهن لا يجوز له أن يستخدم الرهن، كالمسجلة -مثلاً- يستمع بها طيلة الأسبوع.
ثم قال: [إلا ما كان مركوباً أو محلوباً، فيحلب ويركب بقدر العلف]، كالحمار إذا رهنه صاحبه في مائتي جنيه، فللدائن أن يركبه ويستنفع به، لكن بشرط أن يعلفه، ومثله الدواب الحلوب، فلا مشكلة أن يحلبها ويعلفها.
وبالقياس السيارة، فله أن يستخدمها مع وضع البنزين والزيت لها.
قال: [متحرياً للعدل في ذلك، سواء تعذر الإنفاق من المالك أم لم يتعذر؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرهن يركب بنفقته، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة) رواه البخاري، وفي لفظ: (فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته ويركب)].