حكم الانضمام إلى حزب سياسي
السؤال
هل يجوز أن أكون عضواً في حزب سياسي؟
الجواب
الله المستعان! يقول تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة:19]، فحزب الله واحد على القرآن والسنة وبفهم السلف الصالح، واحذر من التحزب.
حكم لبس الرجل الدبلة بعد خطبته وحكم تحدثه مع مخطوبته
السؤال
ما حكم لبس الرجل الدبلة بعد أن يخطب المرأة؟ وهل يجوز أن يحدث خطيبته عبر التلفون؟
الجواب
لا يجوز لبس الدبلة؛ لأنها من عادات أهل الكتاب، فقد كانوا يعتقدون أن الدبلة ترتبط بعرق في القلب، باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد! فالدبلة في هذه الأصبع ترتبط بعرق في القلب؛ لأن القلب في الشمال، فإذا خلع الدبلة خلع معها الحب؛ ولذلك حينما تغضب المخطوبة من خطيبها تقول: خذ دبلتك، ومعناه: أنها خلعت الحب.
فإذا كان الإسلام يبيح للرجل أن يتزوج من أربع فأين يضع الدبلة الثانية والثالثة والرابعة؟ فهذا ليس من تقليد المسلمين أبداً.
أما سؤالك عن حكم تحدثك مع المخطوبة في التلفون فالجواب أنه لا يجوز؛ لأن المخطوبة أجنبية عنك تماماً، شأنها كشأن أي امرأة، إلا في وجود محرم لضرورة شرعية فقط لا غير، أما أن يقال لها: اذهبي يا ابنتي مع خطيبك، وشمي هواء في النيل! ولكن لا تتأخرا إلى الساعة الثانية بالليل، فإننا سننام الساعة الثانية عشرة! الله المستعان! فماذا أقول؟!
حكم قراءة مريض بالقولون كتاب الله وهو غير متوضئ
السؤال
أنا مريض بالقولون ولا أحافظ على وضوئي، فهل يجوز لي أن أقرأ في المصحف بدون وضوء؟
الجواب
نعم، يجوز أن تقرأ للضرورة، فأنت من أصحاب الأعذار، أسأل الله لك الشفاء.
حكم صوم المرأة الحامل
السؤال
ما حكم صوم الحامل؟
الجواب
المرأة إن كانت حاملاً فهناك تفصيل بين الفقهاء في صومها، قالوا: إذا خافت على نفسها فلها أن تفطر ولا تقضي، وإذا خافت على ولدها فلها الفطر والقضاء مع الكفارة، والذين قالوا بالكفارة ليس عندهم أدلة تقوي رأيهم.
حكم من تأخر عن الجماعة الأولى وأراد أن يصلي في جماعة ثانية
السؤال
ما قولك في رجل يقول: إنه لا صلاة جماعة بعد الجماعة الأولى، ويستند إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن أحد الصحابة تأخر الحديث وهل هذا مذهب الشيخ الألباني؟
الجواب
نعم.
هذا رأي بعض العلماء المستندين إلى مصنف ابن أبي شيبة: أن أحد الصحابة جاء فوجد الجماعة الأولى قد صلت، فعاد وصلى في بيته، لكن هذا النص يقيده نص آخر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (من يتصدق على أخيكم؟)، والفقهاء الأربعة يقولون: إذا كان للمسجد إمام راتب فيجوز إقامة جماعة ثانية بإذن الإمام الراتب.
حكم انقلاب الإمام مأموماً في الصلاة والمأموم إماماً
السؤال
كنت أصلي سنة الظهر القبلية، فأتى رجل فصلى خلفي الظهر، فهل يجوز لي بعد أن أنتهي من صلاتي أن أتخذه إماماً وأصلي خلفه؟
الجواب
الحنابلة والأحناف والمالكية على عدم الجواز، والشافعية أجازوا ذلك، والراجح: أنه يجوز للمتنفل أن يأتم بمفترض، لحديث معاذ بن جبل.
حكم تربية الشعر
السؤال
ما حكم تربية الشعر؟
الجواب
تربية الشعر من الأمور المستحبة، وأحياناً يستحب ترك المستحبات إذا كان فعلها يجر إلى الشهرة، وهذا قول الشيخ ابن عثيمين، فإن كان المجتمع غير مألوف فيه هذا الفعل، فالأولى أن يترك.
والله تعالى أعلم.
حكم من جامع امرأته وهي حائض
السؤال
رجل جامع امرأته وهي حائض، فما عليه من إثم؟
الجواب
هو آثم، والنووي يقول: من استحل جماع زوجته وهي حائض فقد كفر كفراً مخرجاً من الملة؛ لأنه استحل ما حرم الله، فإن اعتقد الحرمة فإن عليه التوبة والاستغفار والتصدق بربع دينار.
والله تعالى أعلم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.
العدة شرح العمدة [37]
صيام التطوع من الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى، وقد ندبنا الشارع الحكيم إلى العديد من نوافل الصيام كصوم يوم وإفطار يوم وصوم شهر الله المحرم وصيام التسع من ذي الحجة وست من شوال ويومي عرفة وعاشوراء وأيام البيض من كل شهر والإثنين والخميس وغيرهما.
صيام نبي الله داود
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد.
لا زلنا مع كتاب الصيام باب صيام التطوع من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومع باب صيام التطوع.
والعلماء يسمون هذا تعريف بالإضافة صيام التطوع.
يقول المصنف رحمه الله: [أفضل الصيام] أي: أفضل صيام التطوع [صيام داود عليه السلام: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً] والحديث في ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يتقرب إليه العبد بالواجبات والفروض، ثم إن شاء زاد وتطوع (وما تقرب إليّ عبدي بأحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) والمعنى: فبي يسمع، أي: أن الله سبحانه وتعالى يُسخّر هذه الجوارح في طاعته، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:24]، وقال أيضاً: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:24] فإذا أحب الله العبد سخّر الجوارح لطاعته، ولذلك قال: أفضل الصيام صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً.
قال رحمه الله: [لأن في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صم يوماً وأفطر يوماً فذلك صيام داود وهو أفضل الصيام.
فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك)] كان عبد الله بن عمرو بن العاص من أزهد الصحابة في العبادات، فقد كان يقوم الليل كله ويصوم الدهر كله، حتى قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، ويبدو أنه لم يكن راغباً في الزواج، فلما أدخلوها عليه وهو في عبادته ظل أياماً متوالية لم يقترب من زوجته لأنه كان منشغلاً بعبادته، فلما جاء أبوه يسأل عن حاله بعد أيام، وهو يريد أن يطمئن هل ترك القيام في الليل وتفرّغ في بعض الوقت لزوجته؟ قالت له: نعم الرجل من رجل، لكننا منذ أن وطئنا بيته لم يفتّش لنا كنفاً ولم يقرب لنا فراشاً، فهي لا تزال بكر كما هي، وهذا ما يدل على انشغاله بالعبادة رحمه الله تعالى ورضي الله عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأفضل الصيام صيام نبي الله داود، والبعض يتباهى ويقول: أنا أصوم بفضل الله شهوراً متصلة رجب وشعبان ورمضان، فهذا لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما صام شهراً كاملاً إلا رمضان، أما ما يرد في بعض الأحاديث: (أنه كان يصوم شعبان كله) فالمعنى غالبه، أي: غالب شعبان، (ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشك)، وقال: (لا تقدموا رمضان بصيام يوم) وقالت عائشة: (كان يصوم في شعبان حتى نقول: إنه لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: إنه لا يصوم) وهذا لا يتأتى إلا بصيام يوم وإفطار يوم، فأفضل الصيام صيام داود عليه السلام، فلما تقدم العمر بـ عبد الله بن عمرو بن العاص وعجز عن ذلك قال: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفضل صيام التطوع أن تصوم يوماً وأن تفطر يوماً، لتجمع بين حالتي الشكر والصبر، ففي الصوم صابر، وفي الفطر شاكر، فيدور الحال بين الشكر والصبر.
أفضل الصيام بعد شهر رمضان
قال: [وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم].
هنا إشكال علمي يحتاج إلى أن نجيب عنه وهو: النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في شعبان أكثر من المحرم، مع أنه كان يقول: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، فكيف ذلك؟ وللإجابة على هذا الإشكال قال الإمام النووي في شرح مسلم معلقاً على هذا الإشكال العلمي: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في شعبان يقضي بعض الأيام التي فاتته من النوافل في حال الجهاد والأعذار، فيجمعها في شعبان، فيترتب على ذلك أن شعبان يكون أكثر صياماً من شهر الله المحرم.
كذلك أيضاً فإن صيام شعبان بمثابة نافلة التطوع للإقدام على الفريضة، فحال شعبان مع رمضان كحال سنة الظهر مع الظهر، للاستعداد لدخول الفريضة، فالنافلة سياج وحماية وحفظ للفريضة، لذلك حينما يصاب الإنسان بفتور أو بكسل ولم يكن يصلي النوافل فإن ذلك يجرح في الفريضة، لكن إذا كان يكثر من النوافل فإن الفتور أو الكسل يجرح النافلة ويحافظ على الفريضة، ولذلك كانت النافلة حفاظاً على الفريضة من الجرح، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لكل عمل شرة ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى).
أي: أن النفس لها إقبال وإدبار، فلا يمكن أن تكون على مرتبة واحدة بحيث أنها في كل يوم تستطيع أن تقرأ عشرة أجزاء، وتقوم ثلث الليل أو أكثر، فهذا لن يكون، لذلك فإن ابن مسعود بكى في مرض موته، وقال: إن مرض الموت جائني في حال الفتور، وكنت أحب أن يأتيني في حال النشاط، فالنفس لها إقبال، فحينما تجد من نفسك نشاطاً فاستغل ذلك النشاط في عبادة الله، وحينما تجد فتوراً فلا يكن بحيث يجرح الفريضة، فإذا وجدت نشاطاً فاقرأ خمسة أجزاء مثلاً فإن كان في اليوم التالي فيه فتور فاقرأ ثلاثة، وإن كان في اليوم الثالث فيه فتور فاقرأ جزأين وهكذا، فإذا وجدت من نفسك نشاطاً فاغتنم فيه طاعة.
يقول: [لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)]، والمحرم من الأشهر الحرم، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:36] فهي ثلاثة أشهر متوالية ورجب الفرد، أما المتوالية فهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم ولا بد أن نعرف هذه الأشهر لأنك تسمع العجب ولا الصيام في رجب.
قال خطيب على المنبر ويؤسفني هذا، وهو يحمل مؤهلاً علمياً: إن رمضان من أشهر الله الحرم، فراجعه طالب علم فقال: شهر رمضان يقع بين شهرين من الأشهر الحرم، فأراد أن يصوّب فأخطأ.
فضل صيام العشر من ذي الحجة
قال رحمه الله: [وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله فيها من عشر ذي الحجة.
قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)].
والمعنى أن هذه الأيام العشر هي من الأيام التي يُشرع فيها التطوع، والتطوع منه صيام وصلاة، واليوم العاشر من ذي الحجة يحرم صيامه؛ لأنه يوم العيد فيحرم صيامه.
أقسام الصيام
والعلماء قسموا الصيام إلى خمسة أقسام: صيام واجب، وصيام محرم، وصيام مكروه، وصيام مباح، وصيام مندوب فالصيام يدور على الأحكام التكليفية الخمسة، فيكون واجباً مثل صيام رمضان، والنذر وقضاء صيام واجب.
والصيام المندوب هو صيام التطوع كصيام أيام ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وكصيام يوم عرفة، وكصيام ثلاثة أيام من كل شهر عربي، وكصيام يوم وإفطار يوم، وكصيام الإثنين والخميس.
أما الصيام المحرم كصيام العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى فإنه يحرم صيامهما، وصيام أيام التشريق لغير الحاج، وصيام المرأة بغير إذن زوجها، فهل رأيتم امرأة تقول لزوجها: هل تأذن لي في صيام الغد، فإن أذن لها صامت وإن لم يأذن لها لا تصوم؟ فلا يجوز للمرأة أن تصوم صيام التطوع إلا بإذن زوجها.
سئل ابن القيم رحمه الله: أيهما أفضل عند الله سبحانه: ليلة القدر أم يوم عرفة؟ فقال: أفضل أيام الأسبوع الجمعة، وأفضل أيام السنة عرفة، وأفضل ليالي رمضان ليلة القدر، والله سبحانه يخلق ما يشاء ويختار.
قال رحمه الله: [وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة)، حديث غريب، وروى أبو داود بإسناده عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء).
فضيلة صيام ست من شوال
ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله.
يشير هذا الحديث إلى مشروعية صيام الأيام الست من شوال، وهذا فيه حجة على المالكية القائلين بعدم استحباب صيامها، بزعمهم أن الحديث خبر آحاد يخالف عمل أهل المدينة، وهناك قاعدة أصولية عند المالكية: وهي إذا عارض عمل أهل المدينة خبر الآحاد رُد خبر الآحاد بعمل أهل المدينة، وهذه قاعدة أصولية، وخبر الآحاد هو الذي لا يرقى إلى التواتر، وهو الذي رواه راو أو راويان أو ثلاثة وهو الغريب والعزيز والمشهور، وهذه الثلاثة الأقسام من أقسام الآحاد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر) والنص واضح، فـ (من) هنا للتبعيض، أي: من أول شوال أو من وسطه أو من آخره، فلا يشترط التتابع، لكن الأولى والأفضل هو التتابع.
قال رحمه الله: [لما روى أبو أيوب رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر) رواه مسلم.
فضيلة صيام يوم عاشوراء ويوم عرفة
صيام يوم عاشوراء كفارة سنة، وصيام يوم عرفة كفارة سنتين، لما روى أبو قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده)].
أي: أن صيام يوم عرفة يكفّر سنة ماضية وسنة قادمة، ومعلوم أن السنة القادمة لم يقع فيها ذنوب، فما معنى تكفير الذنوب في السنة القادمة؟ يقول الحافظ ابن حجر: إذا ارتكب المسلم صغيرة في السنة القادمة تصير مغفورة بسبب صيامه لعرفة، وليس معنى هذا أنه طالما صام عرفة تجرأ على الصغائر، وإنما إذا هفا وضعف في معصية وكان قد صام عرفة فالسنة القادمة تكفر الصغائر التي تقع، والكبائر ليس لها تكفير، إنما لا بد لها من توبة واستغفار وندم وعزم وإقلاع.
ويوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهو أفضل أيام السنة كما هو معلوم، ولذلك يباهي الله عز وجل بحجاج بيته الملائكة، فيقول: (أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم)، ويوم عرفة هو يوم تسع ذي الحجة، ومن العجب في زمن الإحن والمحن أن اقترح بعض الناس لحل مشكلة زحام عرفة، فقال: أقترح أن نعدد أيام عرفة، فيكن في شوال يوم عرفة وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، لأن هذه أشهر الحج ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:197] شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة، ونقسّم الحجاج إلى ثلاثة أقسام: حجاج أفريقيا -مثلاً- يقفون في شوال، وحجاج آسيا في ذي القعدة، وحجاج أوروبا في ذي الحجة، فالعقل يضل حينما يعطي لنفسه حرية الاجتهاد بدون قيد شرعي، والمشكلة الغريبة والعجيبة أنه قد كتب كاتب فقال في ذلك: اقتراح جدير بالدراسة.
وفي تسميته عرفة وردت الآثار التي لا نعرف صحتها أن حواء وآدم حينما أهبطا من الجنة، فإن آدم أُهبط في مكان وحواء أُهبطت في مكان وتعارفا على عرفة فسمي عرفة، وهذا من كلام أهل الكتاب وليس عندنا ما يصدق ولا يكذّب.
قال رحمه الله: [وقال في صيام عاشوراء: (إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)].
وعاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو اليوم الذي نجا الله فيه موسى من الغرق، وأغرق فيه فرعون، فصامه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه في أول الأمر، فلما فُرض رمضان أصبح صيام عاشوراء على الندب والتخيير، من شاء صام ومن شاء أفطر، وحينما فرض صيام عاشوراء صامه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بصيامه، فصامه الصحابة وصوّموا أطفالهم الصغار، وكانوا يصنعون لهم العرائس حتى ينشغلوا بها إلى أن يؤذن، وفي هذا مشروعية تعويد الصبي على الطاعة وعلى العبادة.
وفي يوم عاشوراء ترى العجب العجاب من الروافض الذين يشقون الجيوب ويضربون رؤوسهم بالحجارة، وتسيل منهم الدماء إلى غير ذلك من خرافاتهم، وإني أحذّر فإن الرافضة الآن يكثّفون الجهود لنشر فكرهم الخبيث، فلا بد من تحصينات الشباب من دعاة التقريب أو من يقولون بالتقريب، وأنه لا فرق بين أهل السنة والشيعة فكلنا سواء! وهذا كلام خطير وخبيث، فالشيعة فرق متعددة وكفى أن تعلم أن الفرقة المعتدلة فيهم هي الإثنا عشرية، والتي قالت: بعقيدة البداء، ومعنى البدا هو أن الله بدا له أن يفعل بعد أن كان لا يعلم، وهذا اتهام لله بعدم العلم، وكذا عقيدة الرجعة والتقية، وحدّث ولا حرج عن منهجهم الفاسد وعن خللهم الاعتقادي، وعن طعنهم في أصحاب رسول الله لا سيما أبو بكر وعمر، والسيوطي له كتاب طيب اسمه: إلقام الحجر لمن زكى ساب أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- ويقصد بذلك الشيعة الروافض، وكذلك يسبون الصدّيقة بنت الصديق رضي الله عنها فضلاً عما يحرّفون في القرآن وفي الأحاديث ويطعنون في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فلنحذر ونحذّر من هذا أيها الإخوة الكرام.
وأهل الكتاب لهم طعن وتشويش وشبهات، والروافض لهم طعن وتشويش وشبهات، ومن الفرق الضالة ليل نهار الخوارج والأشاعرة ونسأل الله العافية، والاستشراق فضلاً عن العلمانية وما أدراك ما العلمانية، فقد فُتحت لها الأبواب ليل نهار، فهي تهجم على السنة، وعلى القرآن، وعلى الثوابت الشرعية، فهي فتنة، فاثبت على الحق ولو كنت وحدك، وافهم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، فلا تحيد عن الطريق أبداً، وإياك أن تغتر بكثرة الناس، فإن الكثرة دائماً فيها الضلال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:116] فلا يكن همنا التجميع كبعض الجماعات الضالة، كالحزبية والصوفية والبوذية والشيعية، وكلها في سلة واحدة، والمهم عندهم الكثرة، فلنتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه! فإذا اختلفنا في العبادة هل يعذر بعضنا بعضاً؟ أو اختلفنا في الطواف حول القبور هل يعذر بعضنا بعضاً؟ فهذا كلام يحتاج إلى ضابط، فهناك أمور لا يجب أن أعذرك فيها كأمور العقيدة، فمثل
حكم صوم الحاج في يوم عرفة بعرفة
قال رحمه الله: [ولا يستحب لمن كان بعرفة أن يصومه، ليتقوى على الدعاء].
المفروض في الفقيه أن يكون موزوناً في الألفاظ، فقوله: لا يستحب، معنى ذلك أنه لو صام يوم عرفة لا يحرم عليه.
والحجاج لا يصومون ذلك اليوم، حتى يتقووا على العبادة والطاعة حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم ظل يدعو وهو على الدابة فسقط منه خطام الناقة، فأخذه أسامة بن زيد لأنه عرف أن يدي النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعتان عالياً يبتهل إلى الله بالدعاء في يوم عرفة، وهو أفضل يوم طلعت فيه شمس العام، ولذلك يسن للحاج فيه أن يبتهل بالدعاء والذكر والاستغفار والطاعة والبكاء والخشية، والإنابة وغسل الذنوب، وأن ينعزل مع نفسه، فإذا ذهبت إلى عرفة سترى ما لا يمكن أن يصدّق، فيا من قطعت المسافات وكلّفت نفسك آلاف الجنيهات، وعقدوا لك المؤتمرات قبل سفرك سيارة في رحيلك، وسيارات مع عودتك، وأعلام بيضاء وكتابة على الجدران الحاج ذهب الحاج جاء.
نظر ابن عمر إلى الحجيج في زمنه فوجدهم كثر، فقال: الركب كثير والحاج قليل أي: عدد كبير جداً من كل أنحاء الدنيا، لكن من الذي يقبل الله منه؟ هل يقبل من جاهل لا يعرف العقيدة ولا الوضوء ولا يعرف كيف يطوف بالبيت؟! إني أجد أموراً غريبة، فمنذ نحو أسبوعين اتصل بي أحد الإخوة المعتمرين وقال: يا شيخ أنا الآن في المسجد الحرام لا أدري ماذا أفعل بجوار الكعبة، قل لي كيف أطوف وكيف أصنع؟ قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أرأيتم إلى العبء الملقى على أعتاقكم، أن تعلموا الناس الشرع، فهذا الدين مسئولية وأمانة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، وقال أيضاً: (نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فبلغها كما سمعها، فرب مبلّغ أوعى من سامع) وديننا دين البلاغ، وأمتنا أمة الدعوة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:67] وعندما نكون أمة دعوة لا نخشى على أحد، فلا نخشى على الشباب من الانحراف، فشبابنا اليوم عندهم فراغ فيدخل على شبكة النت وعلى موقع الرافضة، أو موقع التنصير ويسمع الشبهات، وهو لا يملك الحجج، وسلاحنا هو أن نحصّن الشباب الذي سيقع فريسة لمخطط خبيث رصد له بلايين الدولارات لأجل هذا العمل الخبيث، فلنحذر ولنكن على يقظة.
وأطمئنكم أن الإسلام كلما ازدادت عليه المؤامرات علا وارتفع بإذن الله، والذي نفسي بيده لو أن هناك ديناً يتحمل هذه الضربات فليس إلا الإسلام، فكلما ازداد طعناً فيه ازداد رفعة وعلواً؛ لأنه دين الله سبحانه، يحفظه بنا أو بغيرنا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:38].
قال رحمه الله: [لما روي عن أم الفضل بنت الحارث: (أن أناساً تماروا بين يديها يوم عرفة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه النبي صلى الله عليه وسلم)].
والصحابة اختلفوا هل هو صائم هذا اليوم أم لا؟ فقطعاً للخلاف أرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فرفع القدح وشرب صلى الله عليه وسلم، متفق عليه.
قال رحمه الله: [وقال ابن عمر: (حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه -يعني: يوم عرفة- ومع أبي بكر رضي الله عنه فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه) أخرجه الترمذي].
عبارة (ولا أنهى عنه) يخرج الحكم من الحرمة إلى الكراهة، فالحكم هو كراهية الصيام في يوم عرفة للحاج، لأنه قال: لا أصمه ولا أنهى عن صيامه، وهذا قول ابن عمر وله حكم الرفع.
قال رحمه الله: [وروى أبو داود (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة)، ولأن الصوم يضعفه ويمنعه الدعاء في هذا اليوم العظيم الذي يستجاب فيه الدعاء]، وهذا ضعيف.
وسيعدد المؤلف صيام التطوع، وفي حديث البخاري الذي أريد أن يكون وصية لنا جميعاً في كتاب التهجد.
فضيلة صيام أيام البيض
قال رحمه الله: [ويستحب صيام الأيام البيض، لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: (أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام) رواه البخاري، وعن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها ذلك مثل صيام الدهر)].
هذا النص جاء مطلقاً وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (صم ثلاثة أيام)، وجاء القيد في نص آخر، والمطلق يحمل على المقيد.
قال رحمه الله: [ويستحب أن يجعل هذه الثلاثة أيام البيض لما روى أبو ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثالث عشرة، ورابع عشرة، وخامس عشرة) أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن].
أي: أنك إذا صمت فصم هذه الأيام، ولو صام أياماً أخرى من الشهر فإنه يجزئه ذلك، لكن يستحب أن تكون أيام البيض فهي على وجه الندب والاستحباب.
وشبابنا في زمن التبرج والاختلاط والقنوات المفتوحة وظهور الفتن لا يحصنه إلا الصيام، ولا سيما أن الصيام من أفضل العبادات عند الله سبحانه.
فضيلة صيام الإثنين والخميس
قال: [ويستحب صيام الإثنين والخميس؛ لما روى أبو داود بإسناده عن أسامة (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم الإثنين والخميس، فسئل عن ذلك؟ فقال: إن أعمال الناس تعرض يوم الإثنين ويوم الخميس)، وفي لفظ: (فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)، وفي رواية حينما سئل عن صيام يوم الإثنين قال: (ذاك يوم ولدت فيه)] صلى الله عليه وسلم.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم اليوم الذي ولد فيه، واحتفى بذلك لا كما يحتفي الجهلة بدق الطبول وبرفع الأعلام وبالاختلاط بين النساء والرجال، وببيع الحلوى، وهذا لا يجوز.
التخيير للصائم المتطوع بين الصوم والفطر
قال رحمه الله: [والصائم المتطوع أمير نفسه؛ إن شاء صام وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه؛ لأنه مخير فيه قبل الشروع، فكان مخيراً بعده قياساً لما بعد الشروع على ما قبله، ولا يلزمه قضاؤه إذا أفطر لأنه غير واجب، (وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل على أهله فيقول: هل عندكم من شيء؟ فإن قالوا: نعم أفطر، وإن قالوا: لا، قال: فإني صائم)]، وذلك قبل الظهيرة.
أي: أنه لم يبيت النية من الليل، وفي هذا جواز صيام التطوع دون تبييت النية بالليل؛ لأنه كان يأتي قبل الظهر، فيسأل أهله: هل عندكم طعام؟ فتقول عائشة: لا، فعدم تبييت النية نص مطلق، وهو قوله: هل عندكم طعام؟ فتقول: لا.
والمتطوع مخير قبل أن يصوم، فبعد أن يصوم هو أيضاً مخير، وليس هناك تطوع ينبغي أن يتمه المتطوع إلا نافلة الحج، ونافلة الصلاة إذا شرع فيهما فلا بد أن يتمهما، وماعدا ذلك فالمتطوع أمير نفسه، والدليل على ذلك حديث سلمان حينما زار أبا الدرداء فوجده صائماً، وأفطر أبو الدرداء في ذلك اليوم، وبوب البخاري على ذلك باباً فقال: يجوز للصائم المتطوع أن يفطر إذا نزل به ضيف، وهذا دون أدنى شك.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه: هل عندكم طعام؟ فقلن: لا، فقال: إني صائم، يدل على خلق النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله.
حكم من شرع في الحج أو العمرة في غير الفريضة
قال رحمه الله: [وكذلك سائر التطوع -أي: المتطوع أمير نفسه- إلا الحج والعمرة، فإنه يجب إتمامهما وقضاء ما أفسد منهما] أي: أنه إذا شرع في الحج والعمرة فلا بد أن يتم حتى وإن كان تطوعاً؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:196]، وأما صيام النذر فهو واجب، وشأنه شأن رمضان.
ولو أن رجلاً حج حجاً متطوعاً، فجامع زوجته يوم تسعة من ذي الحجة، فقد فسد الحج؛ لأنه جامع قبل التحلل الأول، فالحج له تحللان: تحلل أصغر وتحلل أكبر، والتحلل الأصغر يكون في يوم النحر، بأن يأتي بفعلين من ثلاثة، وهي: رمي، فطواف، فحلق، فإذا رمى وذبح تحلل، أو طاف وذبح أو رمى وطاف فهنا أتى بفعلين من هذه الثلاثة، وتحلل تحللاً أصغر، ويجوز له كل محظورات الإحرام إلا الجماع، فإن جامع قبل التحلل الأول فسد حجه، ويمضي في حجه، أي: أنه يكمل المناسك ويقضي وجوباً من العام القادم، وإن جامع بعد التحلل الأول فعليه شاة أو بدنة، وإن أكمل الحج فحجه صحيح، إلا إذا جامع قبل الطواف بالبيت فيلزمه أن يذهب إلى التنعيم وأن يحرم ليطوف بالبيت، إلا إذا كان قد حصل الطواف فلا يلزمه أن يذهب إلى التنعيم، وهذا هو القول الراجح من أقوال العلماء.
والفاسد هو الباطل عند جمهور العلماء إلا في الحج والزواج.
ولا فرق بين الفساد والبطلان عند الجمهور خلافاً للأحناف، فقد فرقوا بين الفاسد والباطل كما فرّقوا بين الفرض والواجب، أما الجمهور فلم يفرقوا بين المصطلحين إلا في الحج والزواج، فالحج الفاسد يختلف عن الحج الباطل، والزواج الفاسد يختلف عن الزواج الباطل، فمن زوّج نفسه وهو محرم، فزواجه فاسد لأن المحرم نهي عن أن يزوج نفسه أو أن يزوج غيره، وإن غاب من أركان الزواج ركن كالولي فإن الزواج باطل، فغياب ركن يجعله باطلاً، إنما إن كان هناك نهي أصلي عن الزواج فهو فاسد.
حكم صيام يومي الفطر والأضحى
قال رحمه الله: [(ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يومين: يوم الفطر والأضحى).
لما روى أبو عبيدة مولى ابن أزهر قال: (شهدت العيد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم)] أي: يوم الأضحى.
حكم صيام أيام التشريق
قال رحمه الله: [ونهى عن صوم أيام التشريق].
وأيام التشريق هي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة.
واليوم العاشر من ذي الحجة هو يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر، واسمه عيد الأضحى، وبعض الناس لا يعرفون ما هي أيام التشريق؟ فهل يتوقع أن أيام التشريق لا يعرفها أحد؟ نعم، ولو سألت الكثير من الناس فلن تجد إلا القليل ممن يعرف أيام التشريق.
قال رحمه الله: [وروى نبيشة الهذلي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل) إلا أنه رخص في صومها للمتمتع إذا لم يجد الهدي].
والذي عليه الدم هو المتمتع والقارن، أما المفرد فليس عليه دم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:196]، فيجوز للمتمتع أو القارن أن يصوم الثلاثة الأيام في الحج في أيام التشريق، إنما النهي لمن لم يكن حاجاً، فإن ترك الحاج واجباً ولم يستطع الفدية فله أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فهذه عشرة كاملة.
قال رحمه الله: [لما روي عن ابن عمر وعائشة أنهما قالا (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي)، رواه البخاري.
وليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التمسوها في العشر الأواخر في كل وتر) متفق عليه].
وهذه الأيام والليالي التي ذكرت ينبغي أن نتحراها وأن نعمرها بالطاعات، لاسيما وقد جاءت فيها الوصية من نبينا صلى الله عليه وسلم.
اللهم ارزقنا علماً نافعاً، ونعوذ بك يا رب من علم لا ينفع.
الأسئلة
حكم وضع الجريدتين على القبر
السؤال
النبي صلى الله عليه وسلم حينما عاد إلى بيته فلم يجد طعاماً فصام، وحينما وضع جريدتين على قبرين، فهل يجوز أن يفعل ذلك؟
الجواب
بالنسبة للصوم فنعم، أما وضع الجريدتين فإنه لم يفعلهما إلا مع هذين القبرين، فعُلم أنها خاصية بهذين القبرين، ولم يعاود الفعل، ثم لم يكن عليها عمل الصحابة ولا التابعين، ولذلك تقرأ: حجية أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، فهناك أفعال تسمى سنة، وأفعال تسمى خصوصية، فلا بد أن تفرّق بين السنة والخصوصية.
اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ونعوذ بك اللهم من علم لا ينفع.
العدة شرح العمدة [38]
الاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وهو لا يجب إلا إن نذر الإنسان على نفسه ذلك، وكما يصح من الرجل فإنه يصح من المرأة، وهو مشروع في كل مسجد جامع، وله شروط وآداب وأحكام ينبغي على للمسلم معرفتها.
تعريف الاعتكاف لغة واصطلاحا
ً
قال المصنف رحمه الله: [باب الاعتكاف: وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى فيه، لأن الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه براً كان أو غيره، قال تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:52]].
يعني: إن لزمت شيئاً براً كان أو معصية يسمى اعتكافاً، ولذلك لما سأل إبراهيم قومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:52]، ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:74]، ولذلك فإن الله تبارك وتعالى أخبرنا أن إبراهيم عليه السلام حينما سألهم ما تعبدون: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء:70]، ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:71].
والإمام السيوطي ضرب به مثلاً للجواب حينما يكون أطول من السؤال؛ وهذه هي الإجابة المطلوبة، لكنهم أرادوا أن يغيضوا إبراهيم، فلهذا كان الجواب أطول من السؤال.
وكقول الله عز وجل لموسى عليه السلام: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:17]،
و
الجواب
هي عصاي، لكنه زاد عن ذلك فقال: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:18]، فهذه الإجابة أطول من السؤال.
وأحياناً يكون الجواب أقصر من السؤال، كقول الذين كفروا للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس:15]، ومضمون السؤال أن يأتي بقرآن غيره أو أن يبدله، فكان
الجواب
﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:15]، فأجاب عن التبديل فقط، فكان الجواب أقصر من السؤال؛ لأنه إن كان عاجزاً عن التبديل فمن باب أولى أن يكون عاجزاً عن أن يأتي بغيره.
وأحياناً يختلف الجواب عن السؤال، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:189]، أي: فسؤالهم عن شكله، فقال الله له: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:189]، فالجواب جاء بخلاف السؤال، أي: أنه كان من الأولى أن تسألوا عن علته لا عن شكله، فأحياناً يكون الجواب يختلف عن السؤال لإرشاد نظر السائل لما ينبغي أن يسأل عنه، السؤال في جهة والجواب في جهة، والأولى أن تسأل عن كذا.
الاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه براً كان أو غيره، لزوم الشيء وحبس النفس عليه يسمى اعتكافاً، هذا التعريف اللغوي، والكلمة قد يكون لها تعريف لغوي وتعريف شرعي يعني: اصطلاحاً، وتعريف بالضد، وتعريف بالثمرة، وتعريف بمثال، هذه أنواع التعاريف، يمكن أن تعرف نقول مثلاً: ما هو الواجب عند علماء أصول الفقه؟ نقول: الواجب ما يثاب فاعله وتاركه متوعد بالعقاب، فهذا تعريف بالثمرة، وقد يكون التعريف بالضد، وقد يكون التعريف بمثال، فالتعريف اللغوي أولاً ثم التعريف الشرعي.
قال: [وهو في الشرع -أي: التعريف الشرعي للاعتكاف- الإقامة في المسجد على صفة نذكرها] الاعتكاف لغة: ملازمة المسجد على صفة مخصوصة.
قال: [وهو سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وداوم عليه، واعتكف معه أزواجه، وهذا معنى السنة].
ومعنى السنة أنه مستحب، ومن الأحكام التكليفية الاستحباب والإباحة والتحريم والكراهية والوجوب، وكل حكم شرعي يدور بين هذه الأحكام.
فحكم الصلاة واجب، وحكم الزنا حرام، وكل مسألة شرعية تأخذ حكماً من الأحكام، وقد تأخذ الأحكام الخمسة كالزواج، فقد يكون واجباً، أو مستحباً، أو مكروهاً، أو محرماً، أو مباحاً، وكل حال له وضع.
وهناك فرق بين المحرم والمكروه، فالمحرم ما نهى عنه الشارع نهياً جازماً، والمكروه ما نهى عنه الشارع نهياً غير جازم، أو نهى عنه وأتى صارف صرفه إلى الكراهة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا آكل وأنا متكئ) فالأكل متكئاً مكروه؛ لأن قوله: لا آكل وأنا متكئ تفيد الحرمة إلا أن هناك فعلاً صرفه إلى الكراهة، وأحياناً يستخدم الفقهاء كالإمام الشافعي لفظ المكروه ويقصد به الحرام، فقوله: أكرهه يعني: أحرمه، فمعرفة المصطلحات مهمة، واستدل على ذلك بقول الله في سورة الإسراء: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:38]، يعني: الزنا، سماه مكروهاً، فعبر عن الحرام بالمكروه، فانتبه لمثل هذه الفائدة فهي فائدة أصولية ذكرها العلامة ابن القيم في كتابه القيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين، الذي لا يمكن أن يستغني عنه طالب علم أصولي أبداً بحال.
الأيام التي اعتكف فيها النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان
قال: [وقالت عائشة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)].
يعني: السنة الفعلية أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وفي البخاري: (اعتكف العشر الأوائل، فقال له جبريل: إن الذي تطلب أمامك)، أي: ليلة القدر، (فاعتكف العشر الأواسط فقال له: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأواخر صلى الله عليه وسلم)، وفي العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً وواظب على الاعتكاف صلى الله عليه وسلم، واعتكف أزواجه من بعده، وكان يضرب لهن الخيام خلف الرجال؛ لأن الأصل في الاعتكاف أن تنفرد في المسجد بخيمة أو بخباء تنعزل فيه وتترك حتى الأمور المباحة، وتنشغل بالطاعة: الذكر، القرآن، الصلاة، العبادة، حتى قال بعض العلماء: لا شأن للعلم في الاعتكاف، فقد كان السلف يتركون طلب العلم في الاعتكاف، أما نحن الآن فربما نقيم اعتكافاً جماعياً ونجلس الساعات للسمر والكلام، فمقصود الاعتكاف هو تفريغ القلب عن الدنيا للعبادة من تسبيح وذكر وقراءة القرآن وغير ذلك من أنواع العبادة، أما أن يجلس الناس في المسجد مع بعضهم البعض في قال وقيل فهذا لا ينبغي، حتى قال أخ فاضل لي في سنة من السنوات وكنا في حال اعتكاف: أنتم حولتم الاعتكاف إلى اعتلاف، لأنه في كل ساعة وجبة، وبعد الوجبة حلوى وبعد الحلوى عصير، المفروض أن نتعلم التقشف، فنفطر التمر والماء ثم نأكل قليلاً من الطعام، وتخرج عن مألوفك فتنام على الأرض، وتقيم الليل، وتسبح وتستغفر، وتراجع أعمال السنة مع نفسك.
قال: [إلا أن يكون نذراً فيلزم الوفاء به] يعني: رجل نذر أن يعتكف، فيصبح الاعتكاف في حقه واجباً، أي: واجباً بالشرط، لأنه الذي اشترط على نفسه، فالذي ينذر يلزمه أن يوفي بنذره كما اشترط.
حكم من نذر الاعتكاف
قال: [قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذراً فيجب عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)].
وإذا نذر الرجل معصية لا يجب عليه الوفاء؛ لحديث أبي إسرائيل أنه رآه النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً في حر الشمس فقال: (من هذا؟ قالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل، ولا يقعد، وأن يصوم، -أي: أنه نذر الصيام، والقيام في حر الشمس، وعدم القعود- فقال: مروه فليستظل وليجلس وليتم صومه)، فأقره على نذر الطاعة، ولم يقره على نذر المعصية.
ومن نذر أن يعتكف وجب عليه ذلك، لكن إن نذر أن يعتكف في مسجد معين فله ذلك، وبعض العلماء يقولون: الاعتكاف لا يجوز إلا في المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، أو المسجد الأقصى، أي: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، وهذا الكلام مردود عليهم بلا أدنى شك بتبويب البخاري في صحيحه: باب الاعتكاف في المساجد؛ لأن الله قال: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:187]، أي: طالما أن المسجد تقام فيه جمعة وجماعة فيجوز الاعتكاف فيه بدون أدنى شك.
الفرق بين اعتكاف المرأة والرجل
قال: [ويصح من المرأة في كل مسجد غير مسجد بيتها؛ لأن صلاة الجماعة غير واجبة عليها، فلم يوجد المانع في حقها] أي: الاعتكاف بالنسبة للرجل لا ينبغي أن يكون إلا في مسجد جامع تقام فيه الجمعة والجماعة؛ لأنه إن لم تقم فيه الجمعة والجماعة سيضطر إلى الخروج.
أما مسألة إنشاء الجمع في أكثر من مسجد فهذا من العبث الشرعي، وقد سئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي: هل يجوز إقامة الجمعة في مسجد بخلاف المسجد الجامع؟ قال: تبطل الصلاة إن لم يكن هناك ضيق في المسجد، لأنه ما سميت الجمعة إلا لأنها تجمع الناس في مكان، والأولى أن يكون المسجد جامعاً وكلما زاد العدد زادت الفضيلة بدون أدنى شك.
فالمرأة يصح منها الاعتكاف في أي مسجد إلا مسجد بيتها فلا يجوز أن تعتكف فيه، أما اعتكافها في مسجد ليس فيه جمعة ولا جماعة فإنه يصح؛ لأن الجمعة والجماعة ليستا في حقها واجبتين.
قال: [ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تقام فيه الجماعة] أي: لا يصح الاعتكاف من الرجل إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، فلا يجوز له الاعتكاف في مسجد بيته، بل الاعتكاف في مسجد يؤذن فيه إمام راتب وتقام فيه الجمعة والجماعة.
قال: [لقوله سبحانه: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:187]؛ ولأنه مسجد بني للصلاة فيه فأشبه المتفق عليه، وإنما اشترط في مسجد تقام فيه الجماعة؛ لأن الجماعة واجبة على الرجل]، أي: صلاة الجماعة تجب على الرجال إلا من عذر، والأعذار في ترك صلاة الجماعة معروفة: مرض، خوف، مطر شديد، سفر، من كان في حضرة الطعام، أو يدافع الأخبثين إلى غير ذلك من الأعذار، أما من يسمع النداء ويصلي في بيته بدون أدنى عذر فقد ترك واجباً.
ومعنى قوله: في حضرة الطعام يعني: أقام المؤذن الصلاة والطعام حاضر بين يديك، وليس المقصود أن تسمع الأذان وتقول: هاتوا لنا الطعام فإنه لا صلاة في حضرة الطعام، فهنا الطعام لم يحضر بعد، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع النداء فيأخذ حاجته من الطعام ثم تركه وذهب إلى الصلاة.
المقصود: ألا ينشغل المصلي بالطعام، فإن بعض النساء -حفظهن الله- تعد السفرة قبل أذان المغرب بدقائق فيريد الرجل أن يصلي المغرب جماعة والسفرة مرصوصة بين يديه ثم يذهب إلى المسجد ويدخل في الصلاة وهو يفكر بالطعام، وهذا معناه أنه انشغل بالطعام عن الصلاة، فمن فطن المرأة ومن فقهها وحكمتها ألا تضع الطعام إلا بعد أن يعود من المسجد.
فإذا حضر الطعام وقت النداء يقدم الطعام، لأن الشارع الحكيم أراد بذلك أن يصلي المصلي وهو خالي الذهن تماماً ليس فيه ما يشغله، وليس كما يفعله البعض إذا حصلت عنده مباراة بين مصر والكاميرون -مثلاً- ولا يريد أن تفوته دقيقة واحدة من المباراة، فيأتي بالتلفاز ويجعله في القبلة، ويصلي وهو مشغول بالمباراة، فهذا عبث بالصلاة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:4]، وهذا له قلوب في جوفه، نسأل الله العافية، فلا بد أن يصلي وهو خالي الذهن تماماً حتى يخشع في صلاته، فيأكل الطعام أولاً، حتى لو فاتته الجماعة؛ لأنه لا صلاة في حضرة الطعام.
قال: [فاعتكافه في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى خروجه إلى الجماعة، فيتكرر ذلك منه مع إمكان التحرز منه، وذلك منافٍ للاعتكاف الذي هو لزوم المعتكف والإقامة على طاعة الله عز وجل فيه.
واعتكافه في مسجد تقام فيه الجمعة أفضل؛ لئلا يحتاج إلى الخروج إليها؛ ولأن ثواب الجماعة في الجامع أكثر].
أي: أنه لا بد أن يعتكف في مسجد فيه جمعة وجماعة حتى لا يخرج.
ولو صلى الرجل في بيته بعد أن سمع النداء، وليس عنده عذر فإن صلاته عند الأصوليين قد أجزأت وسقطت عنه، ولا نطالبه بأدائها ولا نعتبره تاركاً للصلاة، إنما هو -بدون أدنى شك- آثم على ترك هذا الواجب، فهذا جزاؤه والله أعلم به، فهذا هو الفرق بين الجزاء والإجزاء.
والجماعة لا تكون إلا في المسجد، وليس هناك جماعة في البيت، وإنما البيت للنساء، طالما أنه ليس هناك عذر، والأعمى لم يرخص له النبي عليه الصلاة والسلام.
حكم من عين الاعتكاف في مسجد ما
قال: [ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فله فعل ذلك في غيره؛ لأن المساجد كلها في الفضيلة سواء].
وهذا هو رأي الجمهور، فلا ميزة لمسجد على مسجد حتى ولو عين إلا أن يعين المسجد الحرام فلا يجزئه إلا المسجد الحرام، فإن نذر أن يعتكف في المسجد النبوي فيجزئه أن يعتكف في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل المساجد حتى ولو حدد؛ ولأن المساجد بيوت الله وهي سواء، فمن نذر أن يعتكف في مسجد فمن جنس ما نذر، لا شبهة في ذلك.
قال: [قال صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً)، إلا المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا)] وهذا الحديث له منطوق ومفهوم، والخلط بين المنطوق والمفهوم يترتب عليه ضياع كثير من المفاهيم، فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، أن الرحال لا تشد إلا إلى هذه المساجد، فهذا هو المنطوق، والمفهوم هو: أنه لا يسافر لمسجد يبتغي فيه الأجر الزائد إلا هذه المساجد، فإن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، فيجوز أن أسافر لأصلي فيه خصيصاً، ولا يجوز أن أسافر إلى الشرقية لأجل أن أصلي في مسجد هناك، لأنه لا تشد الرحال إلا لهذه المساجد، فمن شد الرحال إلى البدوي في الشرقية فهو عاصٍ وآثمٍ وضال.
قال: [فإذا نذر الاعتكاف في المسجد الحرام لزمه ولم يجز أن يعتكف في سواه؛ لأنه أفضلها] أي: إن نذر أن يعتكف في المسجد الحرام لا بد أن يعتكف فيه ولا يجزئه أي مسجد آخر؛ لأنه أفضل المساجد على الإطلاق.
قال: [وإن نذر الاعتكاف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل منه، ولم يجز له أن يعتكف في المسجد الأقصى؛ لأن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل منه، وإن نذر أن يعتكف في الأقصى جاز له أن يعتكف في أي المسجدين أحب؛ لأنهما أفضل منه، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)، رواه مسلم.
ما يستحب للمعتكف
ويستحب للمعتكف الاشتغال بالقرب واجتنابه ما لا يعنيه من قول وفعل، ولا يكثر الكلام فإن كثرته لا تخلو من اللغو والسقط، وقد جاء في الحديث: (من كثر كلامه كثر سقطه)، ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش فإن ذلك مكروه في غير الاعتكاف ففي الاعتكاف أولى.
ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك] يعني: إن لغا أو اغتاب وهو معتكف فاعتكافه صحيح ولكن عليه الإثم، والإثم مغلظ في رمضان وفي الاعتكاف وفي بيت الله، وهذا فيه حرمة الزمان وحرمة المكان وحرمة الوقت، وهذا أيضاً يشير إلى جرم الفعل.
قال: [ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك؛ لأنه لما لم يبطل بمباح الكلام لم يبطل بمحظوره، وإنما استحب ذلك ليكون مشتغلاً بما اعتكف لأجله من طاعة الله واجتناب معاصيه فيحقق ما اعتكف لأجله.
ولا يخرج من المسجد إلا لما لا بد له منه] أي: يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد في حالات: قضاء الحاجة، إذا كانت دورة المياه منفصلة عن المسجد، وشراء طعام وشراب إن لم يجد من يأتيه به.
فالسنة للمعتكف ألا يخرج إلا لما لا بد منه.
قال: [وقالت أيضاً: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله)] أي: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في الاعتكاف يخرج رأسه لـ عائشة وهو في المسجد وهي في حجرتها ما يمنعها من دخول المسجد إلا الحيض، وهذا دليل عند الجمهور على عدم جواز دخول الحائض المسجد، وهذا استدلال البخاري وابن حجر في الفتح: (أنه كان يدني رأسه في المسجد يخرج رأسه إلى حجرة عائشة ترجله)، يعني: تمشط شعر النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: [(وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)، ولا خلاف أن له الخروج لما لا بد له منه.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكف للغائط والبول، ولو كان ذلك يبطل لم يصح لأحد اعتكاف، وفي معناه: الحاجة إلى الأكل والشرب إذا لم يكن له من يأتيه به يخرج إليه، إلا أن يشترط عيادة المريض، وصلاة الجنازة، وزيارة أهل، أو رجل صالح، أو قصد بعض أهل العلم، أو يتعشى في أهله أو يبيت في منزله؛ لأنه يجب بعقده، فكان الشرط فيه إليه كالوقف] بمعنى: أنه اعتكف واشترط على نفسه أنه يشيع الجنازة فاعتكافه يصح، لكن إذا اعتكف ولم يشترط فلا يجوز له؛ لأن تشييع الجنازة فرض كفاية إن قام به البعض سقط عن الآخرين، فلا يجوز للمعتكف أن يخرج ليشيع الجنازة أو ليغسل ميتاً إذا لم يكن إلا هو، فهناك فروض كفاية تجزئ إذا قام بها البعض، ولا يجوز له أن يباشر امرأته.
والنبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف خرج مع صفية، يقلبها إلى حجرتها، وفي هذا بيان الضرورة الشرعية أن المرأة لا يجوز له أن تنقلب إلى البيت بمفردها ليلاً.
يقول أحد الإخوة: إن بعض المنتقبات الفاضلات في حال تزينهن يجذبن انتباه المارة أكثر من بعض النساء الأخريات الغير ملتزمات باللباس الشرعي، حيث صار النقاب فتنة أكثر من فتنة المتبرجات، فنجد النقاب قد أظهر العينين مفتوحاً من الجانبين.
ومن شروط اللباس الشرعي للمرأة ما يلي: ألا يكون لباس زينة يجذب النظر، وأن يكون فضفاضاً لا يصف، سميكاً لا يشف، وألا يكون لباس شهرة، فكل لباس أو نقاب أو إسدال يجعل المرأة مميزة بين النساء، فهذا يسمى لباس شهرة، أو لباس زينة كأن يكون مثلاً أصفر، أو بنفسجي أو أحمر، فهذا لا يجوز بحال، أو أن تغطي جزءاً من وجهها وتظهر العينين وفيهما الكحل والرموش فلا يجوز هذا فإن فيه فتنة، إلا أن تسدل المرأة وتظهر عيناً واحدة للرؤية أو ترى من وراء النقاب، وهناك هجمة على الحجاب والأمر لا يخفى عليك، فهذه نصيحة لأخواتنا من أخ فاضل جزاه الله خيراً.
ولا يجوز للمعتكف أن يذهب إلى العمل ثم يعود، فهذا اسمه اعتكاف جزئي وليس اعتكافاً بالمعنى الشرعي، الذي هو ملازمة المسجد.
ويجزئ أن يحدد في اعتكافه ليالي رمضان فقط، لأن ما لا يدرك جله لا يترك كله، فمن كان موظفاً ولا يستطيع الحصول على إجازة يعتكف الليالي، ومن أحيا ليالي رمضان له الفضل الكثير من الله سبحانه وتعالى.
حكم من باشر زوجته وهو معتكف
قال: [ولا يباشر امرأة فإن وطئ فسد اعتكافه] يعني: لا يجامع، ولا يتحدث في أمر الجماع إن انقلبت إليه الزوجة، ولما جاءت صفية انقلب معها النبي صلى الله عليه وسلم ليصل بها إلى المنزل، وهذا يدل على حرمة هذا الشأن وعظمته.
قال: [لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:187] ولأنها عبادة يحرم فيها الوطء فأفسدها كالوطء في الصوم، ولا قضاء عليه إلا أن يكون واجباً] يعني: إذا فسد الاعتكاف لا يقضي.
قال: [والوطء محرم في الاعتكاف بالإجماع؛ لقول الله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:187]، وإن سأل عن المريض في طريقه أو عن غيره ولم يعرج إليه جاز؛ لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو فلا يعرج يسأل عنه)] يعني: السؤال عن المريض لا حرج فيه.
والحديث ضعيف.
الأسئلة
الدليل على الاشتراط في الاعتكاف
السؤال
ما الدليل على الاشتراط في الاعتكاف؟
الجواب
إذا اشترط في الاعتكاف خرج من المحظور، والدليل عليه (إلا أن تشترط).
الرد على من قال: إن الاعتكاف لا يشرع إلا في المساجد الثلاثة
السؤال
ما الرد على من قال: إن الاعتكاف في المساجد الثلاثة فقط؟
الجواب
قوله صلى الله عليه وسلم: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)، الحديث فيه ضعف واضح عند بعض العلماء، وله مفهوم عند البعض الآخر، وهو: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، قال بعضهم: من نذر أن يعتكف في أحد المساجد الثلاثة لا بد أن يعتكف فيها، أو: لا اعتكاف كامل الأجر إلا في هذه المساجد الثلاثة، إنما ما قال أحد من العلماء: إن الاعتكاف لا يجوز إلا في هذه المساجد.
حكم الاعتكاف في غير رمضان
السؤال
هل يجوز الاعتكاف في أي وقت من العام؟
الجواب
نعم، يجوز الاعتكاف مع النذر.
حكم الاعتكاف بدون صيام
السؤال
هل يشترط للاعتكاف الصيام؟
الجواب
هذا كلام مختلف فيه بين العلماء، والراجح أنه لا يشترط الصيام.
حكم الاعتكاف لمدة أقل من يوم وليلة
السؤال
هل يجوز الاعتكاف لمدة يوم أو نصف يوم أو ساعة؟
الجواب
نعم يجوز، وهذا اعتكاف جزئي.
العدة شرح العمدة [39]
يجب الحج والعمرة على كل مسلم بالغ عاقل إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً، والاستطاعة أن يجد الإنسان زاداً وراحلة يتبلغ بهما إلى مكة ذهاباً وإياباً، ومن فرط في حج أو عمرة ومات فإنه يخرج عنه من ماله ويستناب عنه من يحج ويعتمر عنه.
حكم الحج والعمرة على المستطيع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
بعد أن انتهينا من كتاب الصيام، ننتقل إلى كتاب الحج والعمرة من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
قال: [يجب الحج والعمرة مرة في العمر على المسلم العاقل البالغ الحر إذا استطاع إليه سبيلاً].
قوله: (يجب) أي: يفرض، فإن الوجوب هو الفرض عند جمهور العلماء.
قوله: (والعمرة) هذا مذهب الحنابلة أن العمرة واجبة، شأنها شأن الحج؛ لأن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:196]، وهناك قراءة: (وأتموا الحج والعمرةُ لله) بضم العمرة.
وقوله: (في العمر مرة)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا، قال الأقرع بن حابس: أوكل عام يا رسول الله؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فعاد يكرر
السؤال
أوكل عام يا رسول الله؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الثالثة قال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، ذروني ما تركتكم، إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)، والحديث بين أن الحج يفرض مرة في العمر على القادر.